Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ
ــ
قال: (ويمنع الذمي من ركوب الخيل) هذا هو الواجب الثالث، لقوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ فأمر أولياءه بإعدادها لأعدائه.
وفي (الصحيحين) [خ٢٨٤٩ - م١٨٧١] من حديث عروة البارقي: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) وعني به الغنيمة، وهم مغنومون، فلا سبيل إلى أن يصيروا غانمين.
وروى: (الخيل ظهروها عز)، وهم ضربت عليهم الذلة.
وقيل: لا يمنع، كما لا يمنع من لبس الثياب النفيسة.
واستثنى الجويني البرذون الخسيس كالقتبيات، كذا عبر به في (الوسيط).
وهذا اللفظة يستعملها العجم يعنون بها الخيل التي يحمل عليها بالأكف.
وفي الحديث: (نهى النبي ﷺ عن إذالة الخيل) وهو: امتهانها في الحمل عليها واستعمالها.
هذا إذا كانوا في بلد مع المسلمين، فلو انفردوا بقرية .. ففي منعهم من ركوبها وجهان، لا ترجيح فيهما عند الرافعي، ويظهر ترجيح الجواز كما في نظيره من البناء.
فائدة:
قال ابن الصلاح: ينبغي منعهم من خدمة الملوك والأمراء كما يمنعون من ركوب الخيل؛ فإن المعنى يجمع ذلك في قرب.
وقال في (البحر): يجوز تعليمهم القرآن إذا رجي إسلامهم ولا يجوز إذا خيف منهم الاستهزاء به؛ فقد سمع عمر أخته تقرأ سورة طه فأسلم، قال: وهكذا القول في تعليم الفقه والكلام وأخبار الرسول ﷺ ، ولا يمنعون من تعلم
стр. 4622
لَا حَمِيرٍ وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ، وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، ..
ــ
الشعر والنحو، ومنه بعض الفقهاء ذلك، فإن في استقامة ألسنتهم تسليطًا على من قصر فيه من المسلمين.
قال: (لا حمير وبغال نفيسة)؛ لأنه لا شرف فيها.
وألحق الإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل؛ لما في ركوبها من التجمل، وجزم به الفوراني، ولم يقيده بالنفيسة، كما قيل: مركب قاض وإمام عدل وعالم وسيد وكهل يصلح للرحل ولغير الرحل.
قال: (ويركب بإكاف وركاب خشب لا حديد، ولا سرج)؛ لئلا يتشبه بالمسلمين، وقال ابن أبي هريرة: يجوز الحديد.
و (الإكاف) بكسر الهمزة: البردعة، وقد تقدم في (باب الخيار).
تنبيه:
لا خلاف في منعهم من الركوب بلجم الذهب والفضة وحمل السلاح وتقليد السيوف، ويركبون عرَضًا وهو: أن يجعل الراكب رجليه من جانب وظهره إلى جانب.
قال ابن كج: هذا في الذكور البالغين، أما النساء والصبيان .. فلا يلزمون الصغار، كما لا جزية عليهم، وقيل: لهم الركوب على الاستواء.
واستحسن الرافعي أن يتوسط، فيفرق بين أن يركب إلى مسافة قريبة إلى البلد وبين السفر؛ فلا يكلف ذلك.
قال: (ويُلجأ إلى أضيق الطرق)؛ لما روى الشيخان عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحده في طريق .. فاضطروه إلى أضيقه).
стр. 4623
وَلَا يُوَقَّرُونَ، وَلَا يُصَدَّرُونَ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ
ــ
فإن خلت الطريق عن الزحمة .. فلا حرج، وليكن التضييق عليه بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه الجدار.
قال: (ولا يوقرون، ولا يصدرون في مجلس)؛ لأن الله تعالى أذلهم، وهذا النهي للتحريم، والمراد: إذا اتفق اجتماعهم مع المسلمين.
وما أحسن ما اتفق لأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي المالكي الزاهد لما دخل على الملك الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني، فوعظه الطرطوشي حتى بكى، ثم أنشده [من السريع]:
يا ذا الذي طاعته قربة .... وحقه مفترض واجب
إن الذي شرفت من أجله .... يزعم هذا أنه كاذب
وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من موضعه؛ لاستحضاره تكذيب المعصوم الذي هو سبب شرفه وشرف أهل السماوات والأرض ﷺ .
والطرطوشي بضم الطاءين نسبة إلى طرطوش، مدينة ببلاد الأندلس، مات بالإسكندرية ودفن بها بكوم وعلة قبل الباب الأخضر سنة عشرين وخمس مئة.
فرع:
لا تجوز مودة الكافرين، للآية الكريمة، قاله الشيخان هنا وفاقًا للبغوي، وقالا في (باب الوليمة): تكره مخالطتهم ومودتهم.
ويمكن الفرق بين المخالطة والمودة: فالمخالطة ترجع إلى الظاهر، والمودة الميل القلبي، فذلك مكروه، وهذا حرام؛ لقصة حاطب بن أبي بلتعة، فأما المودة على الإحسان الدنيوي فقط من غير ميل ولا موافقة على المعاصي .. فمكروه.
قال: (ويؤمر بالغيار) وهذا هو الواجب الرابع.
ودليله: أن عمر صالحهم على تغيير زيهم بمحضر من الصحابة، وإنما لم يفعل
стр. 4624
وَالزُّنَّارِ فَوْقَ اَلثِّيَابِ،
ــ
النبي ﷺ ذلك بيهود المدينة ونصارى نجران؛ لأنهم كانوا قليلين معروفين، فلما كثروا في زمن الصحابة وخشوا من التباسهم بالمسلمين .. احتاجوا إلى التمييز.
والأولى: أن يكون غيار اليهود متميزًا عن غيار النصارى، فلليهود الأصفر، وللنصارى الأزرق، وللمجوس الأسود والأحمر، كذا قاله الرافعي. والذي قال: إنه الأولى .. لا دليل عليه، فلو جعل غير الأصفر لليهود .. كان أولى؛ لأنه كان زي الأنصار.
ولو لبس اليهود والنصارى لونًا واحدًا .. جاز، ولو تميزوا بلباس وصار مألوفًا لهم .. منعوا من العدول عنه كيلا يقع الاشتباه.
والأمر بالغيار واجب على الصحيح إذا كانوا في بلاد الإسلام، فإن انفردوا بمحلة .. فلهم تركه، حكاه في (البحر)، وهو قياس ما تقدم.
وشمل إطلاق المصنف: النساء، وهو الأصح، ولا يشبه موتاهم بموتى المسلمين.
و (الغيار) بكسر الغين: الشيء الذي يمتاز به).
قال: (والزُّنّار فوق الثياب)؛ لأن عمر صالحهم عليه، كما رواه البيهقي [٩/ ٢٠٢].
وهو خيط غليظ يجعل في أوساطهم خارج الثياب فيه ألوان، وليس لهم إبداله بمنطقة ولا منديل، وإن لبسوا القلانس .. ميزت عن قلانس المسلمين بعلامة في رأسها.
و (الزُّنّار) بضم الزاي وتشديد النون، قاله الجوهري وابن سيده.
وإنما جمع بين الغِيار والزُّنار؛ ليكون أثبت للعلامة، فإن المسلم قد يلبس الملون.
стр. 4625
وَإذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ .. جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ،
ــ
وقال ابن يونس: إن التمييز يحصل بأحدهما، ومراده: انه يكتفي بشرط أحدهما، فإن شرطهما .. وجبا.
وعبارة (الشرح) و (الروضة) والجمع بين الغيار والزنار تأكيد ومبالغة في الاشتهار، ويجوز أن يقتصر الإمام على اشتراط أحدهما.
وإذا لبست المرأة خفًا .. فليكن أحدهما أسود والآخر أبيض أو أحمر، وقال القاضي: تخيط المرأة على ثيابها علامة تتميز بها، ولا يمنعون مع التمييز بما سبق من لبس الطيلسان؛ لأن التمييز قد حصل، وفي وجه: يمنعون منه؛ لأنه أَجَلُّ لُبس المسلمين).
ولا يمنعون من التظاهر بالديباج والحرير على الصحيح، ولا من لبس فاخر الثياب. وقال القاضي حسين: من حمى كافرًا أو دفع عنه الغيار كأهل نيسابور .. عصى؛ لأن إعزاز من أذله الله كإذلال من أعزه الله.
وقال المارودي: يمنعون من التختم بالذهب والفضة؛ لما فيه من التطاول والمباهاه.
وفي (فتاوى قاضي خان) لا بأس ببيع الزنار من النصارى والقلنسوة من المجوس؛ لأن في ذلك إذلالًا لهم.
وقال الحليمي: لا ينبغي لفعلة المسلمين وصناعهم أن يعلموا للمشركين كنيسة أو صليبًا، فأما نسج الزنار .. فلا بأس به؛ لأن فيه صغارًا.
وأفتى ابن تيمية بأنهم يمنعون من إظهار الأكل والشرب في شهر رمضان.
قال: (وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) أي: في غير الحمام) .. جُعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) وهذا التمييز واجب على الصحيح، وقيل: مستحب.
стр. 4626
وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ اٌلْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُ فِي عُزَيْرٍ وَاٌلمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، ......
ــ
والمراد ب (الخاتم) ههنا: الطوق والرصاص، بفتح الراء، والعامة تكسرها، وحكي عن ثعلب.
وقوله: (ونحوه) معطوف على (خاتم) لا على (رصاص)، ويعني به: الجلاجل.
وإذا كان له شعر أمر بجز ناصيته، ومنع من إرسال الضفائر كما يفعل الأشراف والأجناد.
وذكر المارودي: أن نساء أهل الذمة يمنعن من فرق الشعر والذوائب في الحمامات دون منازلهن.
وقوله: (فيه مسلمون) أشار به إلى أن لفظ الحمام مذكر، وهذا لا خلاف فيه، تقول: الحمام بعته وشريته ودخلته ورأيته.
وأما تمييز النساء في الحمامات .. فينبني على جواز دخوله مع النساء المسلمات، والأصح في زيادات (الروضة) منعه؛ لأنهن أجنبيات في الدين.
وقد يفهم من هذا السياق: أن لنساء المسلمين أن يدخلنه للا حجر وعن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يجوز إلا عن ضرورة؛ لما روى أبو داوود [٤٠٠٦] والترمذي [٢٨٠٣] وابن ماجه [٣٧٥٠] والحاكم [٤/ ٥١٦] عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة خلعت ثوبها غي غير بيت زوجها .. فهي ملعونة).
والأصح في زيادات (الروضة) أنه لا يحرم دخولهن بلا عذر، لكن يكره: وجزم في (الإحياء) بحرمة دخولهن إلا لنفاس أو مرض.
وكره أحمد بناء الحمام وبيعه وإجازته، وحرمه القاضي من أصحابه، ولم يدخل أحمد حمامًا أبدًا.
قال: (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقوله في عُزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) هذا هو الواجب الخامس عليهم، وهو: الانقياد لحكم.
стр. 4627
وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ اٌلأُمُورُ فَخَالَفُوا .. لَمْ يَنْتَقِضِ اٌلْعَهْدُ،
ــ
الشرع، فيمنع من إظهار ما ذكره؛ لما فيه من إظهار شعار الكفر، وقيل: لا يمنع من الناقوس في الكنيسة تبعًا.
وفهم من التقييد بـ (الإظهار) أنه لا يمنع فيما بينهم، وكذا إن انفردوا بقرية، نص عليه في (الأم)، وفي الشروط العمرية: وأن لا يضرب الناقوس في الكنائس إلا ضربًا خفيفًا.
وظاهر عبارة المصنف: منعهم من ذلك، سواء شرط عليهم في العقد أم لا، وبه صرح القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني والمَحاملي، ونقله في (الذخائر) عن الأصحاب.
وإذا أظهروا خمورهم .. أريقت، وقياسه: إتلاف الناقوس إذا أظهروه.
وإذا فعلوها ما يعتقدون تحريمه .. يجري عليهم حكم الله فيه، ولا يعتبر رضاهم، وذلك كالزنا والسرقة؛ فإنهما محرمان عندهم كشرعنا، وأما ما يعتقدون حله .. فقد سبق أن حد الخمر لا يقام عليهم على الأصح.
ويلزمهم كف اللسان والامتناع من إظهار المنكرات، وكذا قراءتهم التوراة والإنجيل ولو في كنائسهم؛ لما في إظهار ذلك من المفاسد.
قال: (ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد).
الأمور المشترطة عليهم في عقد الذمة ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا تنتقض الذمة بمخالفته قطعًا كهذه الأمور؛ لأنهم يتدينون بها من غير ضرر على المسلمين فيها، فإذا فعلوها .. عزروا عليها؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم، والمراد بشرط هذه الأمور إذا شرط عليهم: أن ينقض العهد بها، فإن شرط عليهم النقض بها .. فبتاه الإمام على الخلاف في أن عقد الذمة هل يصح مؤقتًا؟ إن صح .. صح وانتقض بها، وإلا .. فباطله من أصله.
والمنقول عن الأصحاب: عدم الانتقاض وفساد الشرط، ويتأبد العقد، ويحمل ذلك على التخويف.
стр. 4628
وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ اٌمْتَنَعُوا مِنَ اٌلْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ اٌلإِسْلاَمِ .. اٌنْتَقَضَ
ــ
قال: (ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام .. انتفض)؛ لمخالفة موضوع العقد، وهذا هو القسم الثاني، وهو: ما ينتقض به قطعًا.
وجزم (الحاوي الصغير) بالانتقاض بالتمرد عن الأحكام، وتبع في ذلك الإمام، أما إذا قاتلونا .. فسواء شرط عليهم الامتناع أم لا انتفض؛ لأن القتال ينافي عقد الذمة.
وكلام المصنف محمول على ما إذا لم تكن شبهة.
فإن أعانوا البغاة وادعوا: أنهم لم يعرفوا الحال .. فقد سبق بيانه في بابه، وكذا إذا صال عليهم جماعة من متلصصي المسلمين وقطاعهم فقتلوهم دفعًا .. لا يكونون بذلك ناقضين.
واستشكل الإمام النقض بالقتال؛ لأنه فعل والعقود لا تقطع بالأفعال.
وأجاب بأن الذمة لما كانت جائزة من جانب الذمي .. التحقت في حقه بالعقود الجائزة، والعقد الجائز إذا انتفى مقصوده بالكلية .. لم يبعد انقطاعه وإن كان الصادر فعلًا، وهذا بمثابة انقطاع الإيداع بالعدوان.
وأما إذا امتنعوا من إجراء الأحكام عليهم أو منعوا الجزية .. فينتقض عهدهم، سواء كان الممتنع واحدًا أو جماعة؛ لأن الذمة لا تنعقد إلا بهما، فألحق الدوام بالابتداء.
وسواء منعوا أصولها أو منعوا الزائد على الدينار كما تقدم، وهو الأصح.
قال الإمام: هذا بالنسبة إلى القادر، أما العاجز إذا استمهل .. فلا ينقض عهده، قال: ولا يبعد أخذها من الموسر قهرًا ولا ينتقض، ويخص قولهم بالمتغلب المقاتل، وأقره الرافعي عليه.
لكن المنصوص كما قاله القاضي حسين: انتقاض العهد وعدم الاستباحة، وأما عدم الانقياد لأحكام الإسلام .. فإنه يحمل عليه قهرًا.
قال الإمام: وإنما يؤثر إذا كان يتعلق بقوة وعزة، فأما الممتنع هاربًا .. فلا
стр. 4629
وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ اٌلْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةِ اٌلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِيِنِه، أَوْ طَعَنَ فِي اٌلإِسْلَامِ أَوِ اٌلْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوءٍ .. فَالأَصَحُ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدَ بِهَا .. انُتَقَضَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ
ــ
ينتقض، وجزم به في (الشرح) و (الحاوي الصغير).
قال: (ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح، أو دل أهل الحرب على عورة المسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله ﷺ بسوء .. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها .. انتقض، وإلا .. فلا) هذا هو القسم الثالث، وهو الذي فيه خلاف:
والأصح: أنه إن شرط .. انتقض؛ لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها بتحريمها لا تخلُّ بمقصوده.
والثاني: ينتقض قطعًا؛ لما فيه من الضرر.
والثالث: إن شرط .. انتقض، وإلا .. فوجهان.
والمصنف صحح في (الروضة) في المسائل الأربع: أنه إن لم يجر ذكرها في العقد .. لم ينتقض، وكذا إن جرى في الأظهر، عكس ما في الكتاب، ثم إنه عبر بـ (الأصح)، وهي ذات طرق أو بعضها ذات طرق، وبعضها ذات أوجه.
وأما فتنة المسلم عن دينه .. فمثله إذا دعاه إلى دينهم.
وأما إذا طعنوا في الإسلام أو القرآن .. ففيه طريقان:
أحدهما: الانتقاض بلا خلاف كالقتال.
وأظهرهما: أنه كالزنا بمسلمة ونحوه، فيأتي فيه الخلاف.
وأما الطعن في رسول الله ﷺ ، وهو نسبته إلى أمر مستقبح .. فيلحق بالقتال قطعًا، سواء شرط عليه الكف عنه أم لا.
وقال أبو بكر الفارسي: من شتم منهم النبي ﷺ .. قتل حدًا؛
стр. 4630
وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ .. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ .. لَمَ يَجِبْ إِبْلاَغُهُ مَامَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاِخْتِيَارِ .. امْتَنَعَ الرِّقُّ
ــ
لأنه ﷺ قتل ابن خطاب وغيره بذلك، وقد تقدم هذا في قبول توبة المرتد.
قال: (ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، ولأنه صار حربيًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ فيتخير الإمام فيمن ظفر به منهم من الأحرار الكاملين كما يتخير في الأسير، كذا قطع به الرافعي، لكن حكى الإمام في (قتال البغاة) قولًا بأنه يبلغهم المأمن إذا انكفوا عن الأذى، واستبعده.
قال: (أو بغيره .. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًا ومنًا وفداء)؛ لأنه كافر لا أمان له كالحربي.
وروى البيهقي [٩/ ٢٠١]: أن عمر صلب يهوديًا زنى بمسلمة.
والثاني: يجب أن يبلغ المأمن، كمن دخل بأمان صبي.
وأجاب الأول عن هذا بأنه يعتقد في نفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان.
مهمة:
التخير بين هذه الأمور ليس على إطلاقه، بل شرطه: أن لا يطلب الذمي الذي انتقض عهده تجديد العهد، فإن طلبه .. وجب إجابته إلى عقد الذمة، ولا يجوز قتله، كذا نبه عليه الرافعي في (باب قطع السرقة).
ثم ما اقتضاه كلام الشيخين من تصحيح عدم البلوغ إلى المأمن يشكل عليه ما قالاه في (باب الهدنة) إن من دخل دارنا بأمان أو بهدنة لا يغتال وإن انتفض عهده، بل يبلغ المأمن مع أن حق الذمي آكد من حق المستأمن، والفرق مشكل.
قال: (فإن أسلم قبل الاختيار .. امتنع الرق)، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر فخف أمره.
стр. 4631
وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ .. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحَّ، وَإذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ .. بُلِّغَ الْمَامَنَ
ــ
قال: (وإذا بطل أمان رجال .. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح)؛ لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم توجد منهم خيانة.
والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا فيزول بزوال الأصل.
وعلى الأصح: لا يجوز سبيهم، ويجوز تقريرهم في دارنا، وإن طلبوا الرجوع إلى دار الحرب .. أجيب النساء دون الصبيان؛ لأنه لا حكم لا ختيارهم قبل البلوغ، فإن بلغوا وبذلوا الجزية .. أقروا بها، وإلا .. ألحقوا بدار الحرب.
قال: (وإذا اختار ذمي نبذ العهد واللحوق بدار الحرب .. بُلِّغ المأمن)؛ لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نق
ض عهده فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.
وقيل بإجراء القولين؛ لأنه بعد نبذ العهد كافر لا أمان له.
وصورة المسألة: أن ينبذ ذلك من غير أذى، فأما مع الأذى .. فقد تقدم حكمه، وهذا بناه المصنف على أن الذمة عقد جائز من جهة الذمي، وأنه لا يجبر على الوفاء بالذمة.
وحكى الإمام في (باب البغاة) فيه الاتفاق.
و (المأمن) بفتح الميمين: موضع الأمن، والمراد به: أقرب بلاد الحرب من دار الإسلام، ولا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك، إلا أن يكون بين أول بلاد الكفر ومسكنه بلد للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه.
وقال في (البحر) لو كان له مأمنان .. ألحق بما يسكنه منهما، فإن سكن بلدين .. تخير الإمام.
تتمة:
إذا رجع المستأمن إلى بلاده الإمام لتجارة أو رسالة .. فهو باق على أمانه في نفسه وماله، فإن رجع للاستيطان .. انتقض عهده.
فإن رجع فمات في بلاده واختلف الوارث والإمام: هل انتقل للإقامة فهو حربي، أو للتجارة فلا ينتقض عهده؟
стр. 4632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجاب فيها بعض علماء العصر بأن قول الإمام؛ لأن الأصل في رجوعه إلى بلاده الإقامة، ولأن الوارث يدعي سفرين والإمام يدعي سفرًا، والأصل: عدم الثاني؛ لأن المارودي قال إذا اختلف الزوجان في السفر هل هو للعود أو النقلة: إن سفر النقلة واحد وسفر العود اثنان .. فكان القول في الثاني قول منكره.
...
خاتمة
روى الحافظ أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما عن جعفر بن محمد: أن النبي ﷺ قال: (لو عاش إبراهيم .. لأعتقت أخواله، ولو ضعت الجزية عن كل قبطي).
وروي أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن يزيد بن أبي حبيب: أن الحسن بن علي كلم معاوية في أهل حَفْن من كورة أَنْصِنا- قرية أم إبراهيم- فسامحهم بالجزية إكرامًا لإبراهيم بن النبي ﷺ ، لكن روى أنس بن مالك أنه قال: (لو عاش إبراهيم .. لكان صديقًا نبيًا).
قال أبو عمر: لا أدري ما وجه هذا القول، فقد ولد نوح غير نبي، ولو لم يلد النبي إلا نبيًا .. لكان كل أحد نبيًا؛ لأنهم من ولد نوح ﵇.
قال المصنف: ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم .. لكان نبيًا) باطل، وفيه جسارة على الكلام في المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم الزلات.
و (حَفْن) بفتح الحاء المهملة وإسكان الفاء.
و (أنصنا) بفتح أوله وإسكان النون بعده صاد مهملة مكسورة ونون وألف: من صعيد مصرن كذا ضبطه أبو عبد الله البكري، وقال: إنها كانت مدينة السحرة في زمن فرعون.
***
стр. 4633
كتاب الهدنة
стр. 4634
كِتَابُ الْهُدْنَةِ
عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إِقْلِيمٍ يَخْتَصُّ بِالأِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِيهَا،
ــ
كتاب الهدنة
لفظها مشتق من الهدون, وهو: اللين والسكون, ومنه قيل للمصالحة: المهادنة, لأنها ملاينة أحد الفريقين, ومنه قولهم: هدنة علي دخن.
قال الجاحظ: وهذا من كلمات النبي صل الله عليه وسلم لم يسبق إليها.
وهي في الشرع: معاقدة أهل الحرب علي ترك القتال مدة معلومة بعوض أو غيره, وتسمي: موادعة, ومعاهدة, ومسالمة.
وفي الحديث: (أن النبي صل الله عليه وسلم وادع اليهود علي غير جزية لما نزل المدينة حين كان في المسلمين قلة) و (وهادن قريشاَ عام الحديبية عشر سنين حين لم يقو الاسلام بعد.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالي: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض أَرْبَعَة أَشْهُر﴾ أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر, وقوله:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾.
قال: (عقدها لكفار افليم يختص بالإمام أو نائبه فيها) , لما فيها من الخطر, والإمام هو الذي يتولي الأمور العظام, وهو أعرف بالمصالح من الآحاد وأقدر علي التدبير منهم, ولو جاز ذلك من الآحاد .. لأدي إلي تعطيل الجهاد, ولا يقوم إمام أهل البغي في ذلك مقام إمام أهل العدل, فلو عقدها واحد من الناس لأهل إقليم .. لم يغتالوا, بل يردوا إلي الأمن.
стр. 4635
وَلِبَلْدَةٍ يَجُوزُ لِوَالِي الإِقْلِيمِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا تُعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ كَضَعْفِنَا لِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهْبَةِ أَوْ رَجَاؤِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ بَذْلٍ جِزْيَةٍ، .....
ــ
وعلم من تعبيره بـ (العقد) اعتبار الإيجاب والقبول, والمعتبر فيه ما تقدم في الأمان.
وفي (الإشراف) للهروي: لو عقدها رئيس الكفار لأهل بلد أو إقليم وسكت الباقون .. جاز.
وشروط الهدنة أربعة ذكرها المصنف:
أحدهما: أن يكون لكفار إقليم, وهو أحد إقاليم الأرض, أي: أقسامها, وهي سبع أقاليم في الربع المسكون من الأرض, أطولها وأعرضها الأول, وأقصرها طولا وعرضا السابع, وبقيتها مختلفة طولا وعرضآ, وهذه الأقاليم وضعها الملوك الأولون الذين طافوا الربع العامر
كالإسكندر وأزدشير.
والمراد بـ (الإقليم) هنا: بحر الروم والهند والعراق.
قال: (ولبلدة يجوز لوالي الإقليم أيضاَ) , لأن الحاجة قد تدعو إلي ذلك, لاطلاعه علي مصالح ذلك الإقليم, ولقلة المفسدة فيه ولو أخطأ.
قال: (وإنما تعقد لمصلحة) , فلا يكفي انتفاء المفسدة, لما فيه من موادعتهم بلا مصلحة, وقد قال الله تعالي:
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾.
قال: (كضعفنا لقلة عدد وأهبة) , كما عقدها النبي صل الله عليه وسلم في الحديبية لكثرة عدد المشركين إذ ذالك ومنعهم من دخول مكة.
قال: (أو رجاء إسلامهم أو بذل جزية) , لأنه صل الله عليه وسلم هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح وقد كان مستظهراَ عليه, ولكنه فعل ذلك لرجاء إسلامه, فأسلم قبل مضيها.
قال القفال في (محاسن الشرية) لما هادن أهل مكة .. اتسع الناس في التصرف وتلاقي المسلمون والمشركون, فسمع المشركون القرآن, فذكر أهل
стр. 4636
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَا سَنَةً،
ــ
المغازي: أنه أسلم في تلك السنين من المشركين أكثر مما أسلم قبل ذلك, وهذا هو الشرط الثاني وهو حاجة المسلمين إليه.
وعبارة (الروضة) و (المحرر) أن يكون للمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة وهو الصواب في التعبير
فإذا طلب الكفار الهدنة, فإن كان فيها ضرر علي المسلمين .. لم يجابوا, وإلا .. فوجهان:
أحدهما: تجب إجابتهم.
والصحيح: لا تجب, بل يجتهد الإمام ويفعل الأصلح.
قال الإمام: وما يتعلق باجتهاد الإمام لا يعد واجبًاوإن كان يتعين عليه رعاية الأصلح.
قال: (فإن لم يكن) أي: بنا ضعف) .. جازت أربعة أشهر) وهذا هو الشرط الثالث. وهو المدة, لقوله تعالي:
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض أَرْبَعَة أَشْهُر﴾ , وكذلك هادن النبي صل الله عليه وسلم صفوان بن أمية.
قال الشافعي: وكانت مهادنة النبي صل الله عليه وسلم للمشركين أربعة أشهر أقوي ما كان عند منصرفه من تبوك.
وحكي الفوراني قولاَ: إنها تجوز سنة فما فوقها إلي ما دون سنتين, وغلطه الإمام.
قال: (لاسنة) , لأنها مدة تجب فيها الجزية فلا يجوز تقريرهم فيها بغيرها, ولقوله تعالي:
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهي عامة إلا فيما خص الدليل, وهو أربعة أشهر.
стр. 4637
وَكَذَا دُونَهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ فَقَطْ، وَمَتَى زَادَ عَلَى الْجَائِزِ .. فَقَوْلَا تَفْرِيِقِ الصَّفْقَةِ، وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ،
ــ
قال: (وكذا دونها في الأظهر) , لزيادتها علي مدة السياحة.
والثاني: يجوز, وبه قطع أبو إسحاق, لنقصها عن مدة الجزية.
قال الماوردي: هذا كله بالنسبة إلي نفوس المعقود لهم, أما أموالهم .. فيجوز العقد لها مؤبداَ, وفي جوازه_ كذلك_ للذرية وجهان.
وإذا طلب الكافر الأمان ليسمع كلام الله تعالي .. وجبت إجابته قطعاَ, ولا يمهل لذلك أربعة أشهر علي الأصح, بل لا بد من مجالس يحصل فيها البيان, ثم يقال له: الحق بمأمنك.
قال: (ولضعف تجوز عشر سنين فقط) , لأنه النبي صل الله عليه وسلم هادن قريشاَ هذه المدة, رواه أبو داوود.
وقوله: (فقط) يفهم: أنه لا تجوز الزيادة.
نعم, يجوز في هذه الحالة أن يعقد علي عشر ثم عشر قبل انقضاء الأولي, كما جزم به الفوراني وغيره.
وقيل: تجوز الزيادة للحاجة, وبه قال أبو حنيفة, وهو نظير القول بأن المسافر إذا أقام ببلد لشغل يرجو تجارة يقصر أبداَ.
وقيل: لا يجوز أكثر من سنة.
وقيل: لا يجوز أكثر من أربعة أشهر.
أما إذا لم تدع الحاجة إلي العشر .. فلا يجوز إلا ما تدعو الحاجة إليه.
قال: (ومتي زاد علي الجائز .. فقولا لا تفريق الصفقة) , لأنه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز في عقد واحد, فيبطل القدر الزائد بلا خلاف.
وفي القدر الجائز قولا تفريق الصفقة.
وقيل: يصح في غير الزائد قطعاَ, لعدم العوض, ولسهولة العقد مع الكفار.
قال: (وإطلاق العقد يفسده) , لأن الإطلاق يقتضي التأبيد.
стр. 4638
وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ بِأَنْ شُرِطَ مَنْعُ فَكِّ أَسْرَانَا، أَوْ تَرْكُ مَالِنَا لَهُمْ، أَوْ لِيَعْقِدَ لَهُمْ ذِمَّةً بِدُونِ دِينَارٍ، أَوْ بِدَفْعِ مَالٍ إِلَيْهِمْ
ــ
وقيل: يحمل مطلقه عند الضعف علي عشر سنين, وعند القوة قولان: أحدهما: علي سنة.
والثاني: علي أربعة أشهر, وبه جزم الماوردي والروياني.
لكن يستثني من إطلاقه: ما إذا قال الإمام: أقركم ما شئت, كما سيأتي.
قال: (وكذا شرط فاسد علي الصحيح, بأن شرط منع فك أسرانا) , وكذلك رد مسلم أسروه وأفلت منهم) أو ترك مالنا لهم, أو ليعقد لهم ذمة بدون دينار, أو بدفع مال إليهم) , وكذلك عليأن يقيموا بالحجاز ويدخلوا الحرم, أو يظهروا الخمر في دارنا, أو رد نسائهم إذا جئن مسلمات, وهذا هو الشرط الرابع, وهو: أن لا يتقترن العقد بمفسد, فإن ذلك مفسد للعقد, لقوله تعالي: ﴿لَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ , وفي شرط ذلك إهانة ينبو الإسلام عنها.
ويقابل الصحيح: أنه يصح ويلغو الشرط, وبه جزم المحاملي في (اللباب) والماوردي, وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بالأصح, لقوة الخلاف.
والمراد بقوله: (مالنا) مال المسلمين, وينبغي أن يلتحق به مال أهل ذمتنا.
لكن يستثني من دفع المال إليهم: ما تقتضي الضرورة دفعه إليهم, بأن كانوا يعذبون الأساري ففديناهم, أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلام, فيجوز الدفع, بل يجب علي الأصح.
وذكر ابن إسحاق وغيره: أن النبي صل الله عليه وسلم لما بلغه اجتماع الأحزاب .. قال للأنصار: (إن العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة, فهل ترون أن ندفع شيئاَ من ثمار المدينة إليهم) فقالوا: يا رسول الله, إن قلت عن وحي .. فسمعاَ وطاعة, وإن قلت عن رأي .. فرأيك متبع, وإلا .. [فكنا]
بالإسلام؟! فسر صل الله عليه وسلم بقولهم. لا ندفع إليهم ثمرة إلا بشراء أو قريَ ونحن كفار, فكيف وقد أعزنا الله تعالي
واستنبطوا منه جواز إعطاء المال للعدو إذا كانت فيه مصلحة.
стр. 4639
وَتَصحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الإِمَامُ مَتَى شَاءَ، وَمَتَى صَحَّتْ .. وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ حَتَّى تَنْقَضِي أَوْ يَنْقُضُوهَا بِتَصْرِيحٍ، أَوْ قِتَالِنَا، أَوْ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا، أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ،
ــ
قال: (وتصح الهدنة علي أن ينقضها الإمام متي شاء) , لأن النبي صل الله عليه وسلم وادع أهل خيبر وقال: (أقركم علي ما أقركم الله) رواه البخاري من حديث ابن عمر.
لكن لو اقتصر الإمام اليوم علي هذه اللفظة, أو قال: هادنتكم إلي أيشاء الله .. فسد العقد, لأن النبي صل الله عليه وسلم يعلم بالوحي ما عند الله, بخلاف غيره.
ولو قال: هادنتكم ما شاء فلان, وهو مسلم عدل ذو رأي .. جاز, فإذا نقضها .. انتقضت.
ولو قال: ما شاء فلان منكم .. لم يجز, لأن الكافر ليس له علي المسلمين سبيل.
قال: (ومتي صحت .. وجب الكف عنهم) أي: علي العاقد ومن بعده من الأئمة, وفاء بالعهد, قال تعالي:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ , لكن لو رأي الإمام الثاني العقد فاسداَ, فإن كان فساده بطريق الاجتهاد .. لم يفسخه, وإن كان بنص أو إجماع .. فسخه.
وعلي الإمام أن يدفع عنهم الأذية من جهة المسلمين وأهل الذمة, لا من جهة أهل الحرب, لأن الهدنة للكف عنهم لا لحفظهم, بخلاف أهل الذمة.
فرع:
قال الماوردي في (الأحكام) يجوز شراء أولاد المعاهدين منهم ولا يجوز سبيهم.
قال: (حتي تنقضي أو ينقضوها بتصريح, أو قتالنا, أو مكاتبة أهل الحرب بعوره لنا, أو قتل مسلم) , لقوله تعالي:
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ , وقال تعالي:
стр. 4640
وَإِذَا انتَقَضَتْ .. جَازَتْ الإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَبَيَاتُهُمْ
ــ
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ , فمتي صرحوا بنقض العهد, أو قاتلوا المسلمين, أو آووا عيون المشركين, أو كاتبوا أهل الحرب بعورة المسلمين, أو قتلوا مسلماَ, أو أخذوا مالآ, أو سبٌوا رسول الله صل الله عليه وسلم .. انتقض عهدهم كما تنتقض الذمه به.
وإنما ينتقض العهد بقتالهم لنا إذا كانوا مختارين له, فلو أكرههم عليه البغاة وثبت ذلك .. فلا.
وأفهمت عبارة المصنف: أنها لا تنفسخ بموت الإمام الذي عقدها ولا بعزله, وهو كذلك, ولهذا ينبغي للإمام أن يكتب عقد الهدنة ويشهد به ليعمل به من بعده, ولا بأس أن يقول فيه: لكم ذمة الله وذمة رسوله وذمتي.
وقوله: (قتل مسلم) يفهم: أنهم لو قتلوا ذمياَ في دارنا أن الحكم يختلف, وليس كذلك.
قال: (وإذا انتقضت .. جازت الإغارة عليهم وبياتهم) , لقوله تعالي: ﴿وَإِن نَّكَثُو اأَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الآية, ولأنهم صاروا حينئذ كما كانوا قبل الهدنة.
هذا إذا علموا أن ما فعلوه ناقضاَ, فإن لم يعلموا .. فهل يقاتلون في الحال أو يتوقف علي الإنذار؟ فيه وجهان, الموافق لإطلاق المعظم: الأول.
والثاني: إن لم يعلموا لم يقاتلوا حتي ينذروا, لما روي الترمذي [١٥٨٠] وأبو داوود [٢٧٥٣] والنسائي [سك ٨٦٧٩] عن سليم بن عامر- رجل من حمير- قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد, فكان يسير نحو بلادهم, حتي [إذا] انقضي العهد .. غزاهم, فجاء رجل علي دابة يقول: الله أكبر, وفاء لا غدر, فإذا هو عمرو بن عبسة السلمي, فأرسل إليه معاوية فسأله, فقال: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: (من كان بينه وبين قوم عهد .. فلا يشد عقدة ولا يحلها حتي ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم علي سواء) , فرجع معاوية والناس.
стр. 4641
وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَاقُونَ يِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ .. انْتَقَضَ فِيهِمْ أَيْضَا، وَإِنْ أَنْكَرُوا باعْتِزَالِهِمْ أَوْ إِعِلَامِ الإِمَامِ بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ .. فَلَا
ــ
ومحل الإغارة والبيات: إذا كانوا في بلادهم, فأما في بلادنا .. فلا يغتال, بل يبلغ المأمن.
و) البيات) بفتح الباء: الإغارة علي العدو ليلاَ, قال تعالي: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فخص وقتي الدعة والسكون, لأن مجئ العذاب فيهما أفظع وأهول, لما فيه من البغتة والفجأة.
قال: (ولو نقض بعضهم ولم ينكر الباقون بقول ولا فعل .. انتقض فيهم أيضاَ) , لأن سكوتهم يشعر بالرضا فجعل نقضاَ منهم, كما أن هدنة البعض وسكوت الباقين هدنة في حق الجميع.
وهذا بخلاف عقد الذمة, فليس نقضه من بعضهم نقضاَ من الباقين, لأن النبي صل الله عليه وسلم لما هادن بني قريظة .. أعان بعضهم أبا سفيان بن حرب علي حرب رسول الله صل الله عليه وسلم, وهو حيي بن أخطب وأخوه وآخر, فنقض النبي صل الله عليه وسلم عهدهم وغزاهم.
وكذلك لما هادن قريشاَ عام الحديبية .. دخل بنو خزاعة في عهده ﵊, وبنو بكر في عهد قريش, فقتل رجل من بكر رجلا من خزاعة وأعانه ثلاثة نفر من قريش, وسكت الباقون, فجعل النبي صل الله عليه وسلم ذلك نقضاَ للعهد, وسار إلي مكة ففتحها.
ولا فرق في الحكم بين السوقة وغيرهم كما قاله الجمهور.
وحكي ابن كج وجهين فيما إذا نقضها السوقة ولم يعلم بهم الرؤساء.
ولو نقض الرؤساء وامتنع الأتباع .. ففي الانتقاض أيضاَ وجهان قال: (وإن أنكروا باعتزالهم أو إعلام الإمام ببقائهم علي العهد .. فلا) , لقوله تعالي: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ , وإنما ذكر مثالين, لأن الأول إنكار فعلي, والثاني قولي.
стр. 4642
وَلَوْ خَافَ خِيَانَتَهُمْ .. فَلَهُ نَبْذ عَهْدِهِمْ إِلَيْهِم وَيُبَلِّغُهُمُ الْمَامَنَ، وَلَا يَنْبُذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِتُهَمَةٍ .. وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَاتِينَا مِنْهُمْ
ــ
قال: (ولو خاف خيانتهم .. فله نبذ عهدهم إليهم) , لقوله تعالي: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ الآية, ويخالف عقد الذمة حيث لا يجوز نبذه بالتهمة كما سيأتي, لأنهم في قبضة الإمام, فمتي تحققت خيانتهم .. أمكنه تداركها, بخلاف أهل الحرب.
وفي قول: لا ينبذ كالجزية, وقول: إنه ينبذ عقد الذمة أيضاَ.
تنبيهان:
أحدهما: لا يكتفي بمجرد الخوف, بل لا بد من أمارة تدل عليه, فلو لم تظهر أمارة يخاف بسببها .. لم يجز نبذ العهد ولا اعتبار بالوهم المجرد, ونص عليه, وجزم به الماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهما.
الثاني: اعتبر ابن الرفعة في النقض حكم الحاكم, لأنه يحتاج إلي نظر واجتهاد, وبه صرح الماوردي, فلا ينتقض بنفس الخوف, بل لا بد من الحكم به.
قال: (ويبلغهم المأمن) أي: يلزمه ذلك وفاء بالعهد, ولأن العقد لازم قبل ذلك كما صرح به الأصحاب.
قال: (ولا ينبذ عقد الذمة بتهمة) كما تقدم, والفرق بينهما: أن عقد الذمة آكد, لأنه مؤبد ولأنه معارضة.
قال: (ولا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم) , لقوله تعالي: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾.
وروي أبو داوود في قصة الحديبية: أنه جاءت نسوة مؤمنات مهاجرات, فنهاهم الله تعالي أن يردوهن, ولأنه لا يؤمن أن يصيبها زوجها الكافر أو أن تتزوج كافراَ, ولأنها عاجزة عن الهرب منهم, ولأنها أقرب إلي الافتتان, لنقصان عقلها وقلة معرفتها.
وفي (البخاري) [٢٧١٣]: (أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة في مدة الهدنة, فجاء أخواها عمارة والوليد في طلبها, وجاءت سبيعة بنت الحارث
стр. 4643
فَإِنْ شُرِطَ .. فَشَدَ الْشَّرْطُ، وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ شُرِطَ ؤَدُّ مَنْ جَاءَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًا فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ .. لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ إِلَى زَوْجِهَا فِي الأَظْهَرِ،
ــ
الأسلمية مسلمة, فجاء زوجها في طلبها, وقالوا: يامحمد, قد شرطت لنا رد النساء فاردد علينا نساءنا, فتوقف رسول الله صل الله عليه وسلم توقفاَ لأمر الله تعالي حتي نزلت:
﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾
إلي قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فامتنع صل الله عليه وسلم من ردهما ورد النساء كلهن).
وأفهم تقييده بـ) المسلمة) جواز شرط رد الكافرة ورد الرجل المسلم, والفرق: أن المرأة أقرب إلي الافتتان كما تقدم.
قال: (فإن شرط .. فسد الشرط) , لأنه أحل حراماَ, والشريعة استقرت علي منع الرد, سواء كان لها عشيرة أم لا.
قال: (وكذا العقد في الأصح) كالشرط الفاسد إذا اقترن بالعقد.
والثاني: لا, لأنها ليست بآكد من النكاح, وهو لا يفسد بالشروط الفاسدة.
وهذا الخلاف هو عين الخلاف المتقدم أول الباب حيث قال: وكذا شرط فاسد علي الصحيح, لكنه ضعفه هناك وقواه هنا, فخالف, وسلم من هذا في (الروضة) , فإنه عبر أولاَ بالأصح, ثم أحال عليه ثانياَ.
قال: (وإن شرط رد من جاء, أو لم يذكر رداَ فجاءت امرأة .. لم يجب دفع مهر إلي زوجها في الأظهر) , وهو مذهب الأئمة الثلاثة, لأن البضع ليس بمال حتي يشمله الأمان كما لا يشمل الأمان زوجته, ولأنه لو وجب بدل البضع .. لكان ذلك مهر المثل لا ما أنفق الزوج.
والثاني: يجب, لقوله تعالي: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ والمراد: الصداق, ولأن البضع متقوم, وهو حقه, وقد حيل بينه وبينه, فوجب بدله روخص بعضهم القولين بما إذا دخل بها وقطع بوجوبه قبل الدخول.
ويجري الخلاف أيضاَ فيما إذا جاءت كافرة ثم أسلمت عندنا, فلا نردها ولا غرم, وقيل: في رد المهر وجهان, والزوج العبد كالحر.
واحترز المصنف عما إذا شرط ترك الرد, فإنه لا غرم قطعاَ, والمراد: جاءت امرأه حرة بالغة.
стр. 4644
وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، وَكَذَا عَبْدٌ
ــ
والمغروم: هو الذي بذله الزوج.
فإن لك يكن دفع إليها شيئاَ, أو كان غير متمول, أو جاء في طلبها غير الزوج ووكيله .. فلا غرم, وهي المصدقة في عدم القبض.
وإذا جاءت مميزة تصف الإسلام .. لم ترد علي الصحيح, وإن لم نحكم بصحة إسلامها احتياطاَ, ولا غرم في الحال في الأصح, فإن بلغت ووصفت الكفر ..
ردت, وإلا غرمنا حينئذ علي قول الغرم.
ولو جاءت أمة مسلمة .. لم ترد علي سيد ولا زوج وعتقت, وفي قيمتها لسيدها ومهرها لزوجها من المصالح قولان, وقيل: لا قيمة قطعاَ.
ولو كان تحت المهادن عشر نسوة فأسلمن وهاجرن وجاء الزوج يلطلبهن ..
قيل له: اخر أربعاَ منهم, فإذا اختارهن .. أعطي مهورهن, قاله الماوردي والروياني.
ومحل الغرم: خمس الخمس المرصد للمصالح علي المذهب.
وفي وجه: إن كان للمرأة مال .. أخذ منه.
ولو جاءت بعد انقضاء مدة الهدنة .. لم تغرم لزوجها شيئاَ بلا خلاف.
قال: (ولا يرد صبي ومجنون) , لضعفهما, ولا يجوز الصلح بشرط ردهما أيضاَ, ولا فرق بين أن يطلبه أبوه أو غيره.
وما صرحوا به من امتناع الرد .. يخالف ما رجحاه في (باب اللقيط) أن الحيلولة بين الصبي إذا أسلم وبين أهله مستحبة لا واجبة.
ولا فرق في المجنون بين من بلغ مجنوناَ, ومن طرا جنونه بعد البلوغ, فإن بلغ أو أفاق ووصف كفراَ لا يقر أهله عليه .. بلغ المأمن, وإن وصف ما يقر أهله عليه وبذل الجزية .. قبلت منه, وإلا .. بلغ المأمن.
قال: (وكذا عبد) , لأنه جاء مسلماَ مراغماَ لهم, والظاهر: أنهم يهينون العبد ويسترقونه ولا عشيرة له تحميه.
والثاني: يرد عملاَ بعموم الشرط.
ومراد المصنف بـ (العبد) الذكر البالغ العاقل, أما الأمة .. فلا ترد قطعاَ كالحرة, وكذا المستولدة والمكاتبة.
стр. 4645
وَحُرُّ لاَ عَشِيرَةَ لَهُ عَلَى المَذْهَبِ، وَيُرَدُّ منْ لَهُ عَشِيرَةٌ طَلَبتهُ إلَيهَا لاَ إلي غَيرِهَا، إلاَّ أَنْ يَقدِرَ الْمَطلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطَالِبِ الَهَرَبِ مِنهُ، وَمَعْنَي الرَّدَّ: أَنْ يُخَليِ بَيْنهُ وَبَيْنَ طَالبِهِ،
ــ
وهل يعتق العبد الذي جاء مسلمًا .. قال في (الحاوي) إن غلبهم على نفسه ثم أسلم وهاجر .. عتق؛ لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض، وأن أسلم ثم غلبهم على نفسه وجاءنا، فإن فعل ذلك قبل أن هادناهم .. فكذلك؛ لأنه غالب في حالة الإباحة، وإن فعله بعد الهدنة .. لم يعتق؛ لأن أموالهم محرمة حينئذ لا يملكها بالقهر، ثم لا يرد للسيد، بل يبيعه الإمام لمسلم أو يدفع قيمته من بيت المال ويعتقه عن المسلمين كافة وولاؤه لهم.
قال: (وحر لا عشيرة له علي المذهب)؛ لأنه مستذل عندهم كالعبد.
والثاني: يرد؛ لعموم الأدلة.
كل هذا إذا شرط لهم الرد, وإلا .... فلا يجوز بلا خوف فيهما كما قلناه.
قال: (ويرد من له عشيرة طلبته إليها)؛ لأن النبي ﷺ رد أبا جندل علي أبيه سهيل بن عمرو، كما رواه الشيخان [خ ٢٧٣٤ - م ١٧٨٥]، كذا استدلوا به, وفيه نظر؛ لأن ذلك كان قبل العقد, والمعنى فيه: أنهم يذبون عنه ويحمونه.
واسلم أبي جندل العاصي، وغلط من سماه عبد الله، إنما عبد الله أخوه.
واحترز هنا عما إذا لم يطلبه؛ فإنه لا يرد ولو شرطوه، كذا نص عليه في (البويطي)، كما لا يجب الغرم إذا لم تطلب المرأة، ثم هل الاعتبار في الطلب بحضور العشيرة أو واحد منهم أو يكفي بعث رسولهم إذا غلب الاعتبار في الطلب بحضور العشيرة أو واحد منهم أو يكفي بعث رسولهم إذا غلب الظن صدقة؟ لم يتعرضوا له، والظاهر: الثاني.
قال: (لا إلى غيرها)؛ إذ لا فائدة في ردة إلى غير عشيرته.
قال: (إلا أن يقدر المطلوب علي قهر الطالب والهرب منه)، وعلى ذلك حمل رد النبي صلي الله عليه وسلم أبا بصير؛ فإنه قد جاء في طلبه رجلان، فرده إليهما، فقتل أحدهما في الطريق، وأفلت الآخر.
قال: (ومعني الرد: أن يخلي بينه وبين طالبه)؛ عملًا بقضية الشرط، ولا يبعد
стр. 4646
وَلاَ يُجْبَرُ عَلْي الرُّجُوعِ، وَلاَ يلَزَمُهُ اَلرُّجُوعُ، وَلَهُ قَتلُ الطَّالِبِ، وَلنَا التَّعرِيضُ لَهُ بِهِ لاَ التَّصريحُ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ جَاَءَهُم مُرتَدًا مِنَّا .. لَزِمَهُمُ اٌلَوَفَاءُ .....
ــ
تسمية التخلية ردًا كما في الوديعة.
قال: (ولايجبر علي الرجوع)؛ لأن إجبار المسلم علي الإقامه بدار الحرب لا يجوز، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بصير امتناعه ولا قتله طالبه، بل سره ما فعل، وعرض له بذلك، ولو كان واجبًا .. لأمره بالرجوع إلى مكة.
قال: (ولا يلزمه الرجوع)؛ لما تقدم، فإن اختار الإقامة في دار الإسلام ... لم يمنع، ويقول الإمام للطالب: لا أمنعك منه إن قدرت عليه، ولا أعينك إن لم تقدر.
قال: (وله قتل الطالب)؛ لقصة أبي بصير.
قال في (الدقائق) (قول المحرر والظاهر: أن له قتل الطالب .... فيه إشارة إلي احتمال له, ولم يرد إثبات خلاف؛ فإنه لا خلاف فيه) اه
والاحتمال للإمام، وآقامه الرافعي وجهًا، وصرح في (الروضة) بنقله عن الإمام، وقد أقام في (الروضة) و (المنهج) و (أصليهما) ما لا يحصى من احتمالات للإمام وجوهًا كما تقدم.
قال: (ولنا التعريض له به لا التصريح)؛ لما تقدم، ولأن عمر قال لأبي جندل حين رده إلى أبيه: (اصبر أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب) يعرض له بقتل أبيه، رواه أحمد في [مسند ٤/ ٣٢٥].
وفي جواز التعريض احتمال للإمام بالمنع لا يلزم بعقد الهدنة ما لزمنا، وحمل قتل أبي بصير علي أنه قتله دفعًا عن نفسه، واستدل الإمام لجواز التعريض بقوله صلي الله عليه وسلم لأبي بصير: (ويل أمه! مسعر حرب) وهو مشكل؛ لأنه ﵇ لم يكن له خائنة الأعين، وهو الإضمار الذي يخالف الأظهار.
قال: (ولو شرط أن يردوا من جاءهم مرتدا منا ... لزمهم الوفاء) به؛ عملًا بالشرط، سواء كان رجلًا أو إمرأة، حرًا أو رقيقًا.
стр. 4647
فَإِنْ أَبَوْا .... فقد نَقَضُوِاٌ، وَالْأَظْهَرُ: جَوَازُ شَرْطِ أَنْ لَا يَرُدُّوا
ــ
قال: (فإن أبوا ... فقد نقضوا)؛ لمخالفتهم الشرط، وهل يكون الرد في حقهم معناه التخليه كما سبق في حقنا أو لابد من التسليم؟ فيه نظر، وكلام المصنف يقتضي الأول.
قال: (والأظهر: جواز شرط أن لا يردوا)؛ لأنه ﵇ شرط ذلك لسهيل بن عمرو.
والثاني: المنع، ولابد من استرداده لإعلاء الإسلام، قال الماوردي: والصحيح عندي: صحة هذا الشرط في الرجال دون النساء احتياطًا للأبضاع، وحاول تنزيل القولين عليهما، فإن أبطلنا الشرط ... فالواجب عليهم التمكين دون التسليم، وعلى هذا جرى الإمام والغزالي وصاحب (الحاوي الصغير).
تتمة:
لو جاءتهم امرأة منا مرتدة وهاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة وطلبها زوجها ...
لا يغرم لها مهرًا، بل نقول: هذه بهذه، ونجعل المهرين يتقاصا، ويدفع الإمام المهر إلى زوج المرتدة ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلي الزوج.
هذا إن تساوس القدران، فإن كان مهر المهاجرة أكثر .. صرفنا مقدار مهر المرتدة منه إلي زوجها والباقي إلي زوج المهاجرة، وإن كان مهر المرتدة أكثر ... صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلي زوجها والباقي إلي زوج المرتدة، وبهذة المقاصة فسر مفسرون قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية.
***********
خاتمة
حكم قيمة من ارتد من عبيدنا وإمائنا وقيمة من أسلم من عبيدهم وإمائهم حكم المهر في الوجوب علينا وعليهم والتقاص، إلا في شئ واحد، وهو: أن المرتدين إذا عادوا إلي الإسلام ... لم نرد على أهل الذمة ما أخذناه منهم من مهور النساء، ونرد ما أخذناه من قيمة العبيد والإماء، والله أعلم بالصواب.
***********
стр. 4648
كتاب الصيد والذبائح
стр. 4649
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
ذَكَاةُ حَيَوَانٍ مَاكُولٍ بِذَبْحٍ فِي حَلْقٍ أوْ لَبَّةٍ إِنْ قَدَرَ عَلَيْه،
ــ
كتاب الصيد والذبائح
الصيد مصدر صاد يصيد صيدًا، ثم أصلق علي المصيد، قال الله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ إلي قوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ دل منطوقها علي حل صيد البحر، ومفهومها علي حل صيد البر في حالة عدم الإحرام.
والذبائخ: جمع ذبيحة، وأصلها: قوله تعالي ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، والمذكي منها.
ومن السنه: ما سنذكره، وأجمعت الأمة على حلهما.
والرافعي ذكر هنا الصيد والذبائح والأضحية والأطعمة والنذر، فتبعه المصنف هنا وفاقًا للمزني وأكثر الأصحاب، وخالفه في (الروضة) فذكرها في آخر ربع العبادات؛ لأن طلب الحلال فرض عين.
قال: (ذكاة حيوان مأكول بذبح في حلق أو لبة إن قدر عليه) بالإجماع.
وروي الدارقطني [٤/ ٢٨٣] والبيهقي [٩/ ٢٧٨] عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ بعث بديل بن ورقاء يصيح في فجاج مني: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة)، ورواه الشافعي موقوفًا علي ابن عمر وابن عباس، وهو أصح من رفعه، فلا يحل شيء من الحيوان المأكول من غير ذكاة؛ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلي قوله ﴿إلا ما ذكيتم﴾.
و (الذكاة) بالذال المعجمة معناها في اللغة: التطييب والتتميم، فقولهم: له.
стр. 4650
وَإِلاَّ .. فَبِعَقْرٍ مُزْهِقٍ حَيْثُ كَانَ. وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ: حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ، وَتَحِلُّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيُّ مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوِ اصْطِيَادٍ .. حَرُمَ،
ــ
رائحة ذكية، أي: طيبة، سمي بها الذبح؛ لتطييب أكله بالإباحة، وإذا قيل: فلان ذكي ... فمعناه: تام للفهم.
و (الحلق) أعلي العنق. و (اللبة) بفتح اللام: أسفله.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يقدر عليه (... فبعقر مزهق حيث كان)؛ لقوله ﷺ في بعير ند فضرب بسهم: (إن لهذة البهائم أوابد كأوابد الوحش، ما غلبكم منها ... فاصنعوا به هكذا) متفق عليه [خ ٢٤٨٨ - م ١٩٦٨].
قال: (وشرط ذابح وصائد: حل مناكحته) وفاقًا وخلافًا؛ لقوله تعالي: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ والمواد بالطعام هنا: الذبح، والذي تحل مناكحته هو المسلم والذمي، سواء ذبح الذمي ما يستحله أو ما لا يستحله كالإبل، خلافًا لمالك.
وتحرم ذبائح المجوس والمرتدين وعبدة الأوثان، وكذلك نصاري العرب؛ لما روى شهر بن حوشب: أن النبي ﷺ نهى عن ذبائحهم.
ولو أكره مجوسي مسلمًا علي الذبح ... حل، وكا لو أكره محرم حلالًا على ذبح الصيد، فينبغي أن يزيد في الشروط: أن لا يكون الذابح محرمًا في الوحش أو المتولد منه؛ فإن مبوحه ميتة.
قال: (وتحل ذكاة أمة كتابية) وإن حرمت مناكحتها؛ لعموم الآية المذكورة، ولأن الرق لا أثر له في الذبيحة، بخلاف المناكحة، ولهذا تستثني هذة المسألة من حل المناكحة، وتستثني أيضًا زوجات النبي ﷺ .
قال: (ولو شارك مجوسي مسلمًا في ذبح أو اصطياد .. حرم) بلا خوف، وكذلك الوثني والمرتد وغيرهما ممن لا كتاب له؛ تغليبًا للتحريم، وكان الأشمل أن يقول: ولو شارك من لا تحل ذكاته من تحل في كذا وكذا ... حرم
стр. 4651
وَلَوْ أَرْسَلاَ كَلْبَيْنِ أوْ سَهْمَيْنِ: فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَ أَوْ أَنْهَاهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ .. حّلَّ، وَلَوِ انْعَكَسَ أوْ جَرَحَاُ مَعًا أَوْ جُهِلَ أَوْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يُذَفِّفْ أَحَدُهُمَا .. حَرْمَ. وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيِّ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ، وَمَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (ولو أرسلا كلبين أو سهمين: فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلي حركة مذبوح ... حل)، كما لو ذبح المسلم شاة فقدها المجوسي.
قال: (ولو انعكس أو جرحاه معًا أو جهل مرتبًا ولم يذفف أحدهما ... حرم)؛ تغليبًا للحرمة.
وقوله: (أو جهل) من زياداته علي (المحرر) و (الشرح)، أما ما اصطاده المسلم بكلب المجوسي ... فإنه حلال قطعًا.
فرع:
أرسل مجوسي ونحوه سهمه على صيد ثم أسلم ووقع الصيد .. لم يحل نظرًا إلي أغلظ الحالين.
ولو كان مسلمًا في حالتي الرمي والإصابة وتخللت الردة بينهما ... لم يحل أيضًا.
قال: (ويحل ذبح صبي مميز)، سواء كان مسلما أو كتابيًا؛ لأن قصده صحيح بدليل صحة العبادة منه إن كان مسلمًا، فاندرج تحت الأدلة كالبالغ.
وقيل: لا يحل أخذًا من قولنا: إن عمده خطأ، وإذا قلنا بحلها ... كرهت؛ لقصوره عن المكلفين، وهي في غير المراهق أشد.
قال: (وكذا غير مميز، ومجنون وسكران في الأظهر)؛ لأن لهم قصدًا في الجملة، لكن يكره أيضًا؛ خوفًا من عدولهم عن محل الذبح.
والثاني: المنع؛ لأن الشارع لم يعتبر قصدهم، فأشبه ما إذا سقطت سكين من يد نائم فذبحت شاة.
وقيل: تحل ذبيحة السكران، وفي المجنون قولان، والذي صححه المصنف هنا
стр. 4652
وَتُكْرَهُ ذكاة أعْمَى، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيٍ وَكَلْبٍ فِي الأَصَحِّ
ــ
تبع فيه (المحرر)، وصححه في (الروضة) من زوائده، ولم يصحح في (الشرحين) شيئًا، بل قوة كلامه في (الشرح الصغير) تقتضي المنع.
ويستثني من (المجنون) من له أدني تمييز، ومن (السكران) من له أدني قصد؛ فتحل ذبيحتهما قطعًا، كما قاله البغوي.
وحكي الدارمي في ذكاة النائم وجهين، وخرج بذبحهم صيدهم بالسهم والكلب، والمذهب في (شرح المهذب) حله أيضًا.
قال: (وتكره ذكاة أعمي)؛ لأنه قد يخطئ المذبح.
ومفهموم كلامه: حل ذكاة المرأة، وهو كذلك؛ ففي (البخاري) [٥٥٠٢] (أن جارية لآل كعب كانت ترعي غنمًا لهم، فمرضت منها شاة، فكسرت مروة وذبحتها فسأل مولاها رسول الله ﷺ ، فأجاز لهم أكلها).
و (المروة) الحجر الأبيض، وفيه دليل علي جواز الذبح به، وعلي جواز ذبح الحائض؛ لأنه ﷺ لم يستفصل.
وفي وجه: يكره ذبحها للأضحيه.
والخنثي كالأنثي.
وأما الخرس ... فنقل ابن المنذر الإجماع على حل ذبيحته، وقال ابن عباس: (لا تؤكل ذبيحة الأقلف)، وهي رواية الحسن.
قال: (ويحرم صيده برمي وكلب)، وكذا غيره من الجوارح (في الأصح)؛ لعدم صحة قصده، فصار كاسترسال الكلب بنفسه.
стр. 4653
وَتَحِلُّ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ
ــ
والثاني: يحل كذكاته، قال الرافعي: والأشبه: أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصيير علي الصيد فأرسل، وكذا صورها في (التهذيب).
أما إذا لم يدله أحد ... فقال ابن الرفعة: يظهر الجزم بالتحريم، لكن في (البحر): أن البصير إذا أحس بصيد في ظلمة أو من وراء شجرة أو نحوهما فرماه ... حل بالإجماع؛ لأنه وقع له نوع علم، قال: وهذا يقدح فيما ذكرناه؛ لأن إحساسهما مع عدم البصر واحد.
فرع:
أخبر فاسق أو كتابي: أنه ذكى هذة الشاة ... قبلناه؛ لأنه من أهل الذكاة.
ولو وجدت شاة مذبوحة ولم يدر أذبحها مسلم أو مجوسي، فإن كان في البلد مسلمون ومجوس ... لم تحل.
قال: (وتحل ميتة السمك والجراد) بالإجماع، وروى ابن ماجه [٣٢١٨] والترمذي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد).
وسواء في ذلك ما صيد حيًا ومات والذي مات حتف أنفه؛ لأن النبي ﷺ أكل من العنبر وهو الحوت الذي طفا، وكان أكله منه بالمدينة، رواه مسلم [١٩٣٥].
وحكى الروياني عن بعض أصحابنا الخراسانيين: أنه يستحب أن لا يؤكل السمك الطافي، ولعله لأجل الخروج من الخلاف.
وأفهمت عبارته: أن غير السمك من حيوان البحر ترم ميتته، وسيأتي في الكتاب تصحيح حلها.
стр. 4654
وَلَوْ صَادَهُمَا مَجُوسِيٌّ، وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنَ الطَّعَامِ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ إِذَا أُكِلَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
وجوابه: أن المصحح في (الروضة) و (شرح المهذب): أن اسم السمك يقع علي الجميع.
فإن قيل: جعله في (المحرر) و (المنهاج) قسيمًا للسمك وغيره ... قيل: هو غيره صورة، ولهذا قال في (الشرح): وما ليس على صورة السمك المشهورة.
قال: (ولو صادهما) أى: السمك والجراد (مجوسي) ... فإنه حلال، ولا اعتبار بفعله، وكذا لو ذبح مجوسي سمكة .... فإنها تحل.
قال الحسن: رأيت سبعين صحابيًا كلهم يأكل صيد المجوس من الحيتان ولا يتلجلج في صدورهم شيء من ذلك، وهو في السمك مجمع عليه، وخالف مالك في الجراد.
فرع:
يكره ذبح السمك، إلا أن يكون كبييرًا يطول بقاؤه فيسحب ذبحه على الأصح إراحة له.
وقيل يستحب تركه ليموت بنفسه.
فرع:
في (فتاوي القاضي حسين): الجراد والقمل إذا تضرر بها الناس ... كالصائل يدفع بالأخف فالأخف, فإن لم يكن الدفع إلا بالتحريق ... جاز, فيؤخذ من هذا: أن سلق الجراد بالنار ممتنع، لكن المفهوم من كلام الأكثرين الجواز.
قال: (وكذا الدود المتولد من الطعام كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح)؛ لعسر فصله، ولأنه كجزئه طبعًا وطعمًا، فإن كان منفردًا ... فالأصح: تحريمه.
قال في (الدقائق): وهذه المسألة لم يصرح بها في (المحرر) وإنما أشار إليها.
وقال في (الروضة): (الخلاف جار وإن قلنا بنجاسة ميتة الدود) اهـ
стр. 4655
وَلاَ تُقْطَعُ بَعْضُ سَمَكَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ بَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً .. حَلَّ فِي الأَصَحِّ
ــ
وهو فيما إذا كان منفردًا ... غلط؛ فلا خلاف في عدم حله إذا قلنا بنجاسته.
وينبغي أن يقيد جواز أكله معه بما إذا لم ينقله اختيارًا إلى موضع آخر من ذلك الطعام، فإن فعل ذلك .. امتنع أكله علي الأصح.
وحيث جاز أكله لا فرق بين أن يكون حيًا أو ميتًا، وينبغي تقييد جوز أكله إذا تولد في المائع كالخل بما إذا لم يكثر ويتغير به، فإن كان كذلك .. فقياس ما ذكروه فيما لا نفس له سائلةٌ أن يمتنع؛ لأن الأصح: أنه ينجسه في هذه الحالة، ويقاس بالمدود: التمر والباقلاء المسوسان إذا طبخا، وكذلك العسل الذي وقع فيه النمل إذا طبخ، أما النملة الواحدة إذا طبخت وتَهَرَّت .. فلا تمنع من الأكل.
ولو وقع في القدر جزء آدمي .. قال في (الإحياء): حرم أكل ما فيها لحرمة الآدمي، وخالفه في (الروضة) فقال: المختار: أنه لا يحرم لاستهلاكه.
ويستثنى أيضًا: الجنين يوجد في بطن أمه المذكاة؛ فإن ذكاته ذكاة أمه كما سيأتي في (الأطعمة).
قال: (ولا تقطع بعض سمكة) أي: حية؛ فإن ذلك حرام؛ لما فيه من التعذيب، وكذلك يحرم قلبها وشيها حية، كذا قاله الشيخ أبو حامد.
قال المصنف: (هذا تفريع على اختياره في حرمة ابتلاع السمك حيًا وذلك مباح) اهـ.
وهذا يشكل؛ فلا يلزم من جواز الابتلاع جواز القلي؛ لما فيه من التعذيب بالنار.
قال: (فإن فعل أو بلع سمكة حية ... حل في الأصح) أي: حل المأكول؛ لأن المبان من الحي كميتته وميتة السمك حلال، ولأنه ليس في ابتلاعها أكثر من قتلها، وهو جائز، ويذكر أنه ينفع لبعض العلل، لكن ادعى ابن حزم الإجماع على تحريم ابتلاع السمك حيًا.
стр. 4656
وَإِذَا رَمَى صَيْدًا مُتَوَحِّشًا، أَوْ بَعِيرًا نَدَّ، أَوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ فِي الْحَالِ .. حَلَّ، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ وَنَحْوُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يَمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ .. فَكَنَادٍّ
ــ
قال: (وإذا رمي صيدًا متوحشًا، أو بعيرًا ند، أو شاة شردت بسهم، أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئًا من بدنه ومات في الحال .. حل)، أما المتوحش .. فبالإجماع، وأما الإنسي إذا توحش .. فلحديث رافع بن خَديج المتقدم.
وقال ابن عباس: (ما أعجزك من البهائم .. فهو بمنزلة الصيد) رواه البخاري تعليقًا بصيغة جزم، وأسنده البيهقي [٩/ ٢٤٦].
واستعمل المصنف (ند) في البعير و (شرد) في الشاة؛ لأنه يقال: ند البعير يند: إذا ذهب على وجهه، ولا يستعمل ذلك في الشاة، وأما الشراد .. فيستعمل في جميع الدواب، قال ﷺ لخوات بن جبير: (ما فعل بعيرك الشارد؟) قال: عقله الإسلام يا رسول الله، وأعوذ بالله من الحور بعد الكور، أشار بذلك إلى قصته مع ذات النحيين في الجاهلية، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم.
قال: (ولو تردى بعير ونحوه في بئر ولم يمكن قطع حلقومه .. فكناد)، فتصير جميع أجزائه كلها مذبحًا؛ لتعذر الوصول إليه كالناد.
وقد روى الأربعة وابن السكن في (سننه الصحاح المأثورة) عن أبي العشراء
стр. 4657
قُلْتُ: الأَصَحُّ: لاَ يَحِلُّ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ، وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
الدارمي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله؛ إنما يكون الذبح في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: (لو طعنت في فخذها لأجزأك) قال أبو داوود: وهذا لا يصلح إلا في المتردية والمتوحش.
وقال الترمذي وأحمد: لا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، واعترض عليهما بأن له عن أبيه أربعة عشر حديثًا، ووهم (الوسيط) فيه فجعله هو الراوي الصحابي.
واسلم أبي العشراء: مالك بن قحطم, كقرطم.
قال: (قلت: الأصح: لا يحل بإرسال الكلب، وصححه الروياني والشاشي والله أعلم) إنما نقله الشاشي عن الماوردي؛ لأن الحديد يستباح به الذبح مع القدرة، وعقر الكلب لا يستباح به مع القدرة.
والثاني: يحل كما في صيد الممتنع.
ووقع في (الكفاية) و (المطلب): أن المصنف صحح هذا، وهو سبق قلم.
والروياني هو: أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل، الملقب فخر الإسلام، صاحب (البحر) وغيره من التصانيف المفيدة، كان يقول: لو أحرقت كتب الشافعي .. لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له: شافعي زمانه، ولد في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربع مائة، واستشهد يوم الجمعة حادي عشر المحرم سنة اثنين وخمس مئة.
والشاشي المذكور هو صاحب (الحلية)، ويلقب أيضًا فخر الإسلام، واسمه محمد بن أحمد، مولده في المحرم سنة تسع وعشرين وأربع مئة، ووفاته في شوال سنة سبع وخمس مئة، ودفن مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد، فاتحدا لقبًا وزمنًا ورأيًا ﵄.
стр. 4658
وَمَتَى تَيَسَّرَ لُحُوقُهُ بِعَدْوٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ .. فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إِلَى الزُّهُوقِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ. وَإِذَا أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ كَلْبًا أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ: فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، أَوْ أَدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلاَ تَقْصِيرٍ؛ بِأَنْ سَلَّ السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانٍ أَوِ امْتَنَعَ بِقُوَّتِهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ .. حَلَّ،
ــ
قال: (ومتى تيسر لحوقه بعدو أو استغاثه بمن يستقبله .. فمقدوره عليه) لا يحل إلا بالذبح، فإن رمى غير مقدور عليه فصار مقدورًا عليه ثم أصاب غير مذبحه .. لم يحل, ولو رمى مقدورًا عليه فأصاب مذبحه .. حل.
ويجوز قراءة: (استغاثة) بالغين والثاء المعجمتين، و (استعانة) بالعين المهملة والنون، من العون.
قال: (ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق)؛ بأن يكون مدميًا يجوز وقوع القتل به؛ لحديث رافع وأبي العشراء.
قال: (وقيل: يشترط مذفف)؛ ليكون كقطع الحلقوم والمري في المقدور عليه.
وقيل: يشترط ذلك في المتردي دون الناد، لأن الناد كالصيد، ولا يشترط فيه أن يتبع الرمي الرمي.
فرع:
تردى بعير فوق بعير فغرز رمحًا في الأول فنفذ إلى الثاني .. قال القاضي حسين: إن كان عالمًا بالثاني .. حل، وكذا إن كان جاهلاً على المذهب، كما لو رمى صيدًا فأصابه ونفذ منه إلى آخر.
قال: (وإذا أرسل سهمًا أو كلبًا أو طائرًا على صيد فأصابه ومات: فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة، أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير؛ بأن سل السكين فمات قبل إمكان، أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة .. حل).
стр. 4659
وَإِنْ مَاتَ بِتَقْصِيرِهِ؛ بِانَ لاَ يَكُونَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ غُصِبَتْ أَوْ نَشِبَتْ فِي الْغِمْدِ .. حَرُمَ
ــ
أما فيما إذا لم يدرك فيه حياة مستقرة بأن كان قد قطع حلقومه ومريئه أو أجافه أو خرق أمعاءه .. فيستحب أن يمر السكين على حلقومه ليريحه، فإن لم يفعل وتركه حتى مات .. حل؛ لأنه قدر عليه في حالة لا يحتاج فيها إلى التذكية.
وعن الشيخ أبي حامد: لا يستحب الإمرار في هذة الحالة، حكاه في (الذخائر) عنه، كما لو ذبح شاة فاضطربت.
وأما في إدراكها وتعذر الذبح من غير تقصير .. فكما لو لم يدركه حيًا.
و (الطائر) مفرد، وجمعه طير.
وللحياة المستقرة قرائن وأمارات تغلب على الظن بقاء الحياة، ويدرك ذلك بالمشاهدة، ومن أماراتها الحركة الشديدة وانفجار الدم بعد قطع الحلقوم والمريء.
والأصح: أن الحركة الشديدة تكفي وحدها، فإن شككنا في حصولها ولم يترجح ظن .. فالأصح: التحريم.
قال: (وإن مات بتقصيره؛ بأن لا يكون معه سكين أو غصبت أو نشبت في الغمد .. حرم)؛ لأنه كان من حقه أن يستصحب الآلة في غمد يواتيه، فصار كما لو تردى بعير فلم يطعنه حتى مات.
وقال ابن أبي هريرة والطبري: يحل في صورة انتشابها في الغمد لأجل العذر
وفي الغصب وجه أيضًا: أنه غير مقصر.
ولا يشترط العدو في الطلب في الأصح، فلو مشى على عادته .. كفى، كما يكتفى به في السعي إلى الجمعة وإن عرف التحرم بالصلاة بأمارته.
ولو حال بينه وبين الصيد سبع فلم يصل إليه حتى مات بالجرح .. حل، والفرق بينه وبين غصب السكين: أن غصبها عائد إليه ومنع السبع عائد إلى الصيد، وإذا لم يقصر؛ بأن اشتغل بقلب الصيد المنكب على وجهه أو اشتغل بطلب المذبح .. حل؛ لأنه لم يجد منه بدًا.
стр. 4660
وَلَوْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ .. حَلاَّ، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ .. حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ، أَوْ بَغَيْرِ مُذَفِّفٍ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفِّفًا .. حَرُمَ الْعُضْوُ وَحَلَّ الْبَاقِي، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ وَمَاتَ بِالْجُرْحِ .. حَلَّ الْجَمِيعُ، ....
ــ
و (نشبت) بكسر الشين المعجمة، أي: عسر إخراجها.
و (السكين) يذكر ويؤنث، والغالب عليه التذكير، وحكى الكسائي: سكينة، سميت بذلك؛ لأنها تسكن حرارة الحياة، وسميت مدية؛ لأنها تقطع مدة حياته.
قال: (ولو رماه فقده نصفين .. حلا)؛ لإطلاق حديث أبي ثعلبة: (ما أصبت بقوسك .. فاذكر اسم الله عليه، ثم كل) فأمره بالأكل ولم يفرق، وهذا لا خلاف فيه.
فلو كانت إحدى القطعتين أقل من الأخرى، فإن كانت التي مع الرأس أقل .. أكل بلا خلاف؛ فإن ذلك يجري مجرى الذكاة، وإن كان بالعكس .. حلا أيضًا، خلافًا لأبي حنيفة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
واحتج الأصحاب بالقياس على ما سلمه.
قال: (ولو أبان منه عضوًا بجرحٍ مذفف .. حل العضو والبدن)؛ لأن ذكاة بعضه ذكاة كله.
هذا إذا مات في الحال؛ لأن محل ذكاة الصيد كل البدن، فلو لم يمت في الحال وأمكن ذكاته فتركه حتى مات .. صار ميتة.
قال: (أو بغير مذفف ثم ذبحه أو جرحه جرحًا آخر مذففًا .. حرم العضو)؛ لأن الجراحة الأولى لم تصر ذكاة للأصل فلم تصر ذكاة للفرع، ولأنه أبين من حي (وحل الباقي)، فإن لم يبنه بالجراحة الأولى .. فقد صار مقدورًا عليه فيتعين ذبحه.
قال: (فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح) أي: الأول (.. حل الجميع)؛ لأن الجرح السابق كالذبح للجملة فيتبعها العضو، وكذلك صححه في (المحرر).
следующие страницы →