Полный текст (5 377 стр.). Показаны 5356–5377 · переход к 5361.
стр. 5356
وَأَخْذِ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ وَمَهْرِ شُبْهَةٍ، وَفِي أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالأَدَاءِ
ــ
وأخذ أرش جناية عليه ومهر شبهة) تقدم أن الكتابة تنقسم إلى باطلة وفاسدة:
فالباطلة: التي اختل بعض أركانها بأن كان السيد صبيًا، أو مجنونًا، أو مكرهًا، أو كان العبد كذلك، أو لم يجر ذكر العوض، أو ذكر ما لا يقصد ولا مالية له كالدم والحشرات، أو اختلت الصيغة بأن فقد الإيجاب والقبول.
والفاسدة: التي انتفت صحتها لفوات شرط في العوض، أو لشرط فاسد بأن كان العوض خمرًا أو خنزيرًا، أو لم يؤجله، أو كاتب بعض العبد.
وحكم الباطلة الإلغاء كما تقدم، إلا أنه إذا صرح بالتعليق وهو ممن يصح تعليقه .. يحكم بمقتضاه.
والفاسدة تشارك الصحيحة في بعض الأحكام وتفارقها في بعض:
فأشار المصنف بقوله: (الشرط) كما إذا شرط أن أكسابه مشتركة بينهما، أو عتقه يتأخر عن الأداء، أو كاتب جماعة واشترط عليهم أن يتكلف بعضهم بدين بعض، أو نحو ذلك.
وبقوله: (أو عوض أو أجل) إلى ما إذا كاتبه على خمر، أو خنزير، أو ميتة، أو مجهول، أو إلى أجل مجهول، أو جعله نجمًا واحدًا.
وقوله: (فاسد) يعود إلى الثلاثة، واحترز بذلك عن الشرط الصحيح كشرط العتق عند الأداء واستقلاله بالكسب.
وقوله: (كالصحيحة في استقلاله بكسب) أراد به أنه يعتق فيها بالأداء كالصحيحة.
والأداء إنما يكون من الكسب، ولأن مقصود الكتابة العتق، وهو لا يبطل بالتعليق على فاسد، ولهذا خالف البيع وغيره من العقود، قال البندنيجي: وليس لنا عقد فاسد يملك فيه كالصحيح إلا هذا.
وقوله: (وأخذ أرش جناية عليه ومهر شبهة) ليستعين بهما في كتابته.
قال: (وفي أنه يعتق بالأداء) أي: اداء المسمى؛ لوجود الصفة التي علق العتق عليها.
стр. 5357
وَيَتْبَعُهُ كَسْبُهُ، وَكَالتَّعْلِيقِ فِي أَنَّهُ لاَ يَعْتِقُ بِإِبْرَاءٍ، وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، وَتَصحُّ الْوَصِيَّةُ بِرَقَبَتِهِ، وَلاَ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْمُكَاتَبِينَ، وَتُخَالِفُهُمَا فِي أَنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخَهَا،
ــ
وكان ينبغي أن يقول: بالأداء إلى السيد؛ فإنه لا يعتق بالاعتياض، ولا بالأداء إلى الوارث والوصي.
قال: (ويتبعه كسبه) كما في الصحيحة؛ لأنه ملكه، وكذلك يتبعها ولدها على المذهب.
وذكر الإمام والغزالي أنها كالصحيحة أيضًا في سقوط نفقته عن السيد ووجوبها على نفسه، والمذكور في (فتاوى القفال): أنه يستحق النفقة على السيد، ويؤيده أن الرافعي وغيره جزموا بأن فطرته على سيده.
والمغلب على الكتابة الصحيحة المعاوضة وإن كانت مشتملة على التعليق، والمغلب على الفاسدة التعليق وإن اشتملت على عوض.
قال: (وكالتعليق في أنه لا يعتق بإبراء)؛ لأن المعلق عليه لم يوجد، وكذلك إن أدى الغير عنه كما تقدم.
قال: (وتبطل بموت سيده)؛ لانتقال الملك فيه إلى الوارث، فإذا أدى إلى الوارث .. لم يعتق، بخلاف الصحيحة؛ فإنها لا تبطل بموث السيد.
فإن كان قال: إن أديت إلى وارثي بعد موتي كذا فأنت حر .. عتق بالأداء.
قال: (وتصح الوصية برقبته) إن علم فسادها قطعًا، وكذا إن ظنها على الأظهر كما لو باع ما ظنه لغيره وهو له، وهذا بخلاف الصحيحة؛ فإنه إذا أوصى برقبته .. لم يصح على الجديد.
قال: (ولا يصرف إليه من سهم المكاتبين)؛ لأنها غير لازمة، والقبض بها غير موثوق به.
وفي وجه حكاه القاضي حسين: يصرف له من ذلك؛ لأنها من الأكساب التي يتوصل بها إلى العتق.
قال: (وتخالفهما) أي: تخالف الكتابة الصحيحة والتعليق (في أن للسيد فسخها)؛ لأنه لم يسلم له العوض.
стр. 5358
وَأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ مَا يَاخُذُهُ، بَلْ يَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ بِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا، وَهُوَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْعِتْقِ، فَإِنْ تَجَانَسَا .. فَأَقْوَالٌ التَّقَاصِّ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْفَضْلِ بِهِ
ــ
ويفسخها بالفعل كالبيع ونحوه، وبالقول كأبطلت كتابته أو فسخها ونحو ذلك، ثم إن شاء .. فسخ بنفسه أو بالحاكم، ولا يبطلها القاضي بغير إذن السيد، فإذا فسخها أو حكم الحاكم بإبطالها ثم أدى المسمى .. لم يعتق؛ لأنه وإن كان تعليقًا .. فهو في ضمن معاوضة، وقد ارتفعت فارتفع ما تضمنته من التعليق.
قال: (وأنه لا يملك ما يأخذه، بل يرجع المكاتب به إن كان متقومًا، وهو عليه بقيمته يوم العتق) أشار إلى أنه إذا أدى العبد المسمى في الكتابة الفاسدة وحصل العتق .. فيرجع على السيد بما أدى؛ لأنه لم يملكه، ويرجع السيد عليه بقيمة رقبته؛ لأن فيها معنى المعاوضة، وقد تلف المعقود عليه بالعتق، فهو كما لو تلف المبيع بيعًا فاسدًا في المشتري .. يرجع على البائع بما أدى، ويرجع البائع عليه بالقيمة، والاعتبار بقيمة يوم العتق؛ فإنه يوم التلف.
وقيل: تعتبر قيمة يوم العقد كما في الكتابة الصحيحة؛ لأنه وقت الحيلولة، وههنا تحصل الحيلولة بالعتق.
وإذا هلك المسمى في يد السيد بسبب .. رجع العتيق بمثله أو قيمته، فإن كان المسمى لا قيمة له كخمر أو خنزير .. لم يرجع العتيق على السيد بشيء، وهو يرجع على العتيق بقيمة رقبته، واحترز المصنف عنه بقوله: (متقومًا)، ولم يرد بالمتقوم قسيم المثل، فذلك يرجع به جزمًا.
قال: (فإن تجانسا) أي: كالأثمان ونحوها.
قال: (.. فأقوال التقاص) التي أحال عليها (المحرر) ولم يذكرها، وستأتي في كلام المصنف.
قال: (ويرجع صاحب الفضل به)؛ لأنه حقه.
وحقيقة أقوال التقاص: أن يثبت لكل من شخصين على الآخر دين بجهة واحدة أو جهتين، فإن كانا نقدا أو اتفقا جنسًا وحلولًا وسائر الصفات .. فالأظهر: يحصل التقاص بنفس ثبوت الدينين، وباقي الأقوال مذكورة في الكتاب.
стр. 5359
قُلْتُ: أَصَحُّ أَقْوَالِ التَّقَاصِّ: سُقُوطُ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ بِالآخَرِ بِلاَ رِضًا، وَالثَّانِي: بِرِضَاهُمَا، وَالثَّالِثُ: بِرِضَا أَحَدِهِمَا، وَالرَّابِعُ: لاَ يَسْقُطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
وإن اختلفا جنسًا أو صفة كصحة وتكسير وحلول وتأجيل أو في قدر الأجل .. فلا تقاص جزمًا.
وأما غير النقدين .. فالمذهب لا تقاص، وقيل: على الأقوال.
مهمة:
تراضيا على جعل الحال تقاصا عن المؤجل .. قال الشيخان: لا يجوز كما في الحوالة، وحكى أبو الفرج الزاز فيها وجهًا مستغربًا، والوجه الذي استغرباه هو مذهب الشافعي المنصوص في (الأم) في (باب الجناية على المكاتب)، ولأجل ذلك قال البندنيجي: إن الأصحاب يخالفون نصوص الشافعي لا عن قصد، ولكن لقلة نظرهم في كتبه.
قال: (قلت: أصح أقوال التقاص: سقوط أحد الدينين بالآخر بلا رضًا)؛ إذ لا فائدة فيه؛ لأنه مطالبة كل واحد منهما بمثل ما عليه.
قال: (والثاني: برضاهما)؛ لأنه إبدال ذمة فأشبه الحوالة يعتبر فيها رضا المحيل والمحتال.
قال: (والثالث: برضا أحدهما)؛ لأن للمديون أن يقضي من حيث شاء، فإذا رضي أحدهما .. فقد وجد للقضاء منه.
قال: (والرابع: لا يسقط والله أعلم) أي: وإن رضيا؛ لأنه بيع دين بدين، وقد ورد النهي عنه.
وإذا حصل التقاص بين السيد والمكاتب وبرئت ذمته عن النجوم .. عتق كما لو أدى.
فائدة:
الكتابة الصحيحة تفارق الفاسدة في صور: منها ما تقدم أن للسيد فسخها، ولا يملك ما يأخذه، وليس له السفر بلا إذن على الأصح، ولا يجب فيها الإيتاء على
стр. 5360
وَإِنْ فَسَخَهَا السَّيِّدُ .. فَلْيُشْهِدْ، فَلَوْ أَدَّى الْمَالَ فَقَالَ السَّيِّدُ: كُنْتُ فَسَخْتُ فَأَنْكَرَهُ .. صُدِّقَ الْعَبْدُ بِيَمِيِنِه، وَالأَصَحُّ: بُطْلاَنُ الْفَاسِدَةِ بِجُنُونِ السَّيِّدِ وَإِغْمَائِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ، لاَ بِجُنُونِ الْعَبْدِ،
ــ
الصحيح، ولا تصح الوصية بنجومها، وإذا أعتقه أو وهبه .. كان فسخًا، وإذا عتق عن جهة الكتابة .. لا يتبعها لكسب والولد، وهو في الالتقاط كالقن على الصحيح، وتبطل بجنون السيد وإغمائه والحجر عليه كما سيأتي.
ولا يعامل سيده على أقوى الوجهين وهو القياس، وفطرته على سيده كالقن، ولا يعتق بتعجيل نجومها على الأصح، وإذا عجزت عن الأداء فيها أو فسخ الكتابة قبل عجزها .. لم يجب الاستبراء على الصحيح.
ولا تصح حوالته لسيده بالنجوم؛ لوضوح الفرق بين الكتابتين، قال بعض المتأخرين.
قال: (وإن فسخها السيد .. فليشهد) احتياطًا وتحرزًا من التجاحد، لا أن الإشهاد شرط للفسخ كما قاله الماوردي وغيره.
قال: (فلو أدى المال فقال السيد: كنت فسخت فأنكره .. صدق العبد بيمينه)؛ لأن الأصل عدم الفسخ، وعلى السيد البينة.
قال: (والأصح: بطلان الفاسدة بجنون السيد وإغمائه والحجر عليه، لا بجنون العبد)؛ لأن الحظ في الكتابة للعبد لا للسيد.
والثاني: بطلانها بجنونهما؛ لجوازها من الطرفين كالشركة والوكالة، ولا يبعد ترجيحه.
والثالث: لا فيهما؛ لأن المغلب فيهما التعليق، وهو لا يبطل بالجنون.
ولفظ (الإغماء) من زياداته على (المحرر)، ولو اقتصر عليه .. لفهم الجنون من باب أولى.
وشمل قوله: (الحجر عليه) حجر السفه والفلس، وإنما صرحوا بالأول، وإذا
стр. 5361
فَلَوِ ادَّعَي كِتَابَةً فَأَنْكَرَهُ سَيِّدُهُ أَوْ وَارثُهُ .. صُدِّقَا، وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النُّجُومٍ أَوْ صِفَتِهَا .. تَحَالَفَا، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ مَا يَدَّعِيهِ .. لَمْ تَنْفَسِخِ الْكِتَابَةُ فِي الأصَحِّ، بَلْ إِنْ لَمْ يَتَّفِقَا .. فَسَخَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَعْضُ الْمَقْبُوضِ وَدِيعَةٌ .. عَتَقَ،
ــ
قلنا: يبطل، فأدى المسمى .. لم يعتق في الأصح؛ لارتفاعها.
قال: (فلو ادعى كتابة فأنكره سيده أو وارثه .. صدقا)؛ لأن الأصل عدمها.
قال: (ويحلف الوارث على نفي العلم) أي: والسيد على البت كسائر الحقوق المدعي بها، فلو ادعى السيد الكتابة وأنكرها العبد .. ففي (كتاب ابن كج): إن لم يعترف بأداء المال والسيد بالقبض .. عاد رقيقًا، ويكون إنكاره تعجيزًا لنفسه، وإن اعترف بالقبض وأنه عتق .. فهو حر.
قال: (ولو اختلفا في قدر النجوم أو صفتها .. تحالفا) كما في البيع وغيره.
وينبغي أن يكون مراده: الاختلاف في القدر الزائد على الواجب، فلو قال السيد: كاتبتك على نجم، فقال: بل على نجمين .. فالمنصوص: أنهما يتحالفان، قال البغوي: صدق السيد بيمينه؛ لأنه يدعي فساد العقد، وأقره الشيخان عليه، ولعل البغوي إنما قاله؛ لأنه يرى في البيع أن القول قول مدعي الفساد، وهو خلاف الأصح المنصوص.
قال: (ثم) أي: بعد التحالف (إن لم يكن قبض ما يدعيه) أي: السيد (.. لم تنفسخ الكتابة في الأصح)؛ قياسًا على البيع، والنبي ﷺ أثبت للمتابعين التخابر بعد التحالف.
والثاني: تنفسخ؛ لأن العقد انتهى إلى النزاع، فكأنه لم يكن.
قال: (بل إن لم يتفقا .. فسخ القاضي)؛ لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد، كذا جزم به الشيخان هنا تبعًا لجماعة، وحكيا في نظيره من البيع التخيير بين القاضي، أو هما أو احدهما، والفرق: أن الفسخ هنا غير منصوص عليه، بل مجتهد فيه فأشبه العنة.
قال: (وإن كان قبضه وقال المكاتب: بعض المقبوض وديعة .. عتق)؛ لاتفاقهما على وقوع العتق على التقديرين.
стр. 5362
وَرَجَعَ هُوَ بِمَا أَدَّى، وَالسَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ، وَقَدْ يَتَقَاصَّانِ. وَلَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ .. صُدِّقَ السَّيِّدُ إِنْ عُرِفَ سَبْقُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِلاَّ .. فَالْعَبْدُ. وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: وَضَعْتُ عَنْكَ النَّجْمَ الأَوَّلَ، أَوْ قَالَ: الْبَعْضَ، فَقَالَ: بَلِ الآخِرَ أَوِ الكُلَّ .. صُدِّقَ السَّيِّدُ
ــ
قال: (ورجع هو بما أدى) أي: جميعه (والسيد بقيمته، وقد يتقاصان) عند وجود شرطه السالف.
قال: (ولو قال: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور علي فأنكر العبد) بأن قال: كاتبتني وأنت كامل.
قال: (.. صدق السيد إن عرف سبق ما ادعاه)؛ لقوة جانبه وضعف جانب العبد، وقد تقدم في (البيع): أن هذا يستثني من قولهم: القول قول مدعي الصحة.
قال: (وإلا .. فالعبد) أي: وإن لم يعرف سبقه .. صدق العبد؛ لضعف جانب السيد، والأصل عدم ما ادعاه، كذا جزموا به، وكان ينبغي تخريج الأولى على خلاف دعوى الصحة والفساد، حتى يكون القول قول العبد؛ لأنه يدعي الصحة.
ويشهد له قوله في (كتاب النكاح): لو زوج ابنته ثم قال: كنت مجنونًا أو محجورًا يوم تزويجها، وأنكر الزوج، فإن لم يعهد ذلك .. فالقول قول الزوج؛ لأن الظاهر جريان النكاح، وإن عهد له ما يدعيه .. فوجهان.
قال: (ولو قال السيد: وضعت عنك النجم الأول، أو قال: البعض، فقال بل الآخر أو الكل .. صدق السيد) أي: بيمينه؛ لأنه أعرف بمراده وفعله.
لكنه أدخل الألف واللام على البعض والكل، وتقدم أن ذلك قليل.
والذي جزم به المصنف هنا نقله في (الشرحين) عن البغوي خاصة، وهو المنصوص في (الأم) صريحًا.
وفائدة اختلافهما هنا ترجع إلى اختلاف النجمين في القدر لا إلى التقديم والتأخير.
стр. 5363
وَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ وَعَبْدٍ فَقَالَ: كَاتَبَنِي أَبُوكُمَا، فَإِنْ أَنْكَرَا .. صُدِّقَا، وَإِنْ صَدَّقَاهُ .. فَمُكَاتَبٌ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ .. لَمْ يَعْتِقْ فِي الأَصَحَّ، بَلْ يُوقَفُ، فَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الآخرِ .. عَتَقَ كُلُّهُ وَوَلاَؤُهُ لِلأَبِ، وَإِنْ عَجَزَ .. قُوَّمَ عَلَى المُعْتِقِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا
ــ
قال: (ولو مات عن ابنين وعبد فقال: كاتبني أبوكما، فإن أنكرا .. صدقا) أي: بيمينهما على نفي العلم بكتابة الأب، فإن حلفا .. فذاك، وإن نكلا وحلف العبد اليمين المردودة .. ثبتت الكتابة، وإن حلف احدهما دون الآخر .. ثبت الرق في نصيبه، وترد اليمين في نصيب الناكل.
وإذا أراد إقامة البينة .. احتاج إلى شهادة عدلين؛ لأن مقصود الكتابة العتق دون المال، وهذه المسألة تقدمت في قول المصنف: (ولو ادعى كتابة فأنكره سيده أو وارثه) لكن أعادها هنا لضرورة التقسيم.
قال: (وإن صدقاه .. فمكاتب) عملًا بقولهما، هذا إذا كانا أهلًا للتصديق، والمراد: أن حكمه حكم المكاتب إذا مات سيده وترك ابنين؛ فإنهما يقومان مقامه في انهما إذا استوفيا أو أعتقا أو أبرآه .. عتق.
قال: (فإن أعتق أحدهما نصيبه .. لم يعتق في الأصح)؛ لعدم تمام ملكه.
قال: (بل يوقف، فإن ادى نصيب الآخر .. عتق كله) هذا هو الأصح في (المحرر) تبعًا للبغوي.
والمصحح في (الشرحين) و (الروضة): انه يعتق، لا جرم استدركه المصنف كما سيأتي، وكان ينبغي أن يعبر بالأظهر كما ذكره في الزيادة؛ فإن الخلاف قولان.
قال: (وولاؤه للأب)؛ لأنه عتق بحكم كتابته، ثم ينتقل إليهما بالعصوبة، وقيل للابن.
قال: (وإن عجز .. قوم على المعتق إن كان موسرًا) أي: وبطلت كتابة الأب، وكان ولاء الجميع للابن، وإن كان قد أبرأه عن نصيبه من النجوم .. لم يعتق شيء منه بالعجز؛ لأن الكتابة تبطل بالعجز، والعتق في غير الكتابة لا يحصل بالإبراء، كل هذا تفريع على قول الوقف.
стр. 5364
وَإِلاَّ .. فَنَصِيبُهُ حُرٌّ، وَالْبَاقِي قِنٌّ لِلآخَرِ. قُلْتُ: بَلِ الأَظْهَرُ: الْعِتْقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا .. فَنَصِيبُهُ مُكَاتَبٌ، وَنَصِيبُ الْمُكَذِّبِ قِنٌّ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُصَدِّقُ .. فَآلْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا
ــ
قال: (وإلا .. فنصيبه حر، والباقي قن للآخر)؛ لتعذر السراية بالإعسار.
قال: (قلت: بل الأظهر: العتق والله أعلم) وكذلك الحكم لو أبرأه أحدهما عن نصيبه من النجوم.
وعند أبي حنيفة والمزني: لا يعتق نصيبه بالإبراء حتى يبرئه الآخر ويستوفي نصيبه، كما لو كان الأب حيًا فأبرأه عن بعض النجوم.
فعلى هذا: إن كان الذي أعتق نصيبه أو أبرأ معسرًا .. بقيت الكتابة في نصيب الآخر، فإن عجز .. عاد قنًا، فإن أدى وعتق .. فولاؤه للأب، والأصح: أن ولاء نصيب الأول للأب أيضًا.
وإن كان موسرًا .. فالأصح: لا سراية، وفي قول: يسري، فعلى هذا: هل يسري في الحال، أو عند العجز؟ قولان: أظهرهما: الثاني.
قال: (وإن صدقه أحدهما .. فنصيبه مكاتب)؛ لأنه أقر بما يضره، فقبل إقراره فيه، واغتفر التبعيض؛ فإن الضرورة أدت إليه كما لو أوصى أن يكاتب عبده عنه فلم يخرج إلا بعضه من الثلث، بخلاف التبعيض في الابتداء؛ فإنه ممتنع.
وخرج بعضهم قولًا: إن الكتابة لا تثبت فيه؛ لأنها لا تتبعض.
قال: (ونصيب المكذب قن)؛ استصحابًا لأصل الرق، والمراد: إذا حلف .. فيكون نصف الكسب له، ونصفه للمكاتب يصرفه إلى جهة النجوم.
قال: (فإن أعتقه المصدق .. فالمذهب: أنه يقوم عليه إن كان موسرًا) اتفقوا على أن المصدق إذا اعتق نصيبه .. عتق، وهل يسري؟ فيه طريقان، قال الأكثرون: في السراية قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه عتق على أبيه دونه.
والثاني: نعم، ويقوم عليه؛ لأنه شريك موسر أعتق باختياره.
واحترز بقوله: (أعتقه) عما إذا أبرأه عن نصيبه من النجوم .. فإن المذهب فيه:
стр. 5365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عدم السراية، وعما إذا أدى نصيب المصدق إليه .. فلا سراية جزمًا، وإذا قلنا بالسراية .. تثبت هنا في الحال، ولا يأتي القول الآخر؛ لأن صاحبه منكر للكتابة.
وقيل: تثبت السراية في الحال قطعًا؛ لأن منكر الكتابة يقول: هو رقيق لهما، فإذا اعتق صاحبه .. ثبتت السراية.
تتمة:
استشكل جماعة السراية من جهة أن نصيب المصدق محكوم في الظاهر بانه مكاتب، والمصدق لم يعترف بغير ذلك، ويزعم أن نصيب شريكة مكاتب أيضًا، ومقتضى كونه مكاتبًا: أن لا يسري، فكيف يلزم المصدق حكم السراية مع انه لم يعترف بموجبها؟ وأجاب الشيخ عنه بأن المكذب يزعم أن الجميع قن، ومقتضى ذلك: أن إعتاق شريكه نافذ سار، كما قال لشريكه في العبد القن: أنت أعتقت نصيبك وأنت موسر .. فإنا نؤاخذه، ونحكم بالسراية إلى نصيبه، لكنا هناك لا نلزم شريكه القيمة؛ لعدم ثبوت إعتاق المصدق وإعتاقه ثابت .. فهو بإعتاقه متلف لنصيب شريكه بالطريق المذكور، فيضمن قيمة ما اتلفه.
...
خاتمة
سبق أن سيد المكاتب إذا مات .. تبقى الكتابة ويعتق المكاتب بالأداء إلى الوارث، فلو كان له وارثان .. لم يعتق إلا بأداء حقهما، فإن كان الوارث صغيرًا أو مجنونًا .. لم يعتق إلا بالدفع إلى وليه، فإن كان له وصيان .. لم يعتق إلا بالدفع إليهما، إلا إذا ثبت لكل واحد منهما الاستقلال.
ولو نكح الابن مكاتبة أبيه، ثم مات الأب وورثه الابن .. انفسخ النكاح، وكذا لو مات السيد وابنته تحت مكاتبه فورثت زوجها، أو اشترى المكاتب زوجته، أو اشترت المكاتبة زوجها .. انفسخ النكاح.
***
стр. 5366
كتاب أمهات الأولاد
стр. 5367
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
ــ
كتاب أمهات الأولاد
ختم المصنف كتابه بأبواب العتق, رجاء أن الله تعالى يعتقه وقارئه من النار, وأخر هذا الباب, لأنه عتق قهري مشوب بقضاء أو طار, ولذلك توقف الشيخ عز الدين فى كتاب (الشجرة) في كون الاستيلاء قربة.
و (الأمهات): جمع أم, وتقدم فى أول (باب ما يحرم من النكاح) أن الأكثر فى جمعها: أمهات كما عبر به المصنف, ويجوز أمات على قلة, هذا فى الأناسى, فأما فى غيرها .. فبالعكس, أنشد الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ للمأمون بن الرشيد (من البسيط):
وإنما أمهات الناس أوعية .... مستودعات وللآباء أبناء
وأفتتح الباب في (المحرر) بقوله: روي أن رسول الله ﷺ قال فى مارية حين ولدت: (أعتقها ولدها) قال الحاكم [٢/ ١٩] فى (كتاب الورع) من (مستدركه): إنه صحيح الإسناد, وصححه ابن حزم [المحلى ٩/ ١٨] أيضًا, لكن إبن ماجة [٢٥١٦] رواه بإسناد ضعيف, واستشهد البهيقي [٦/ ١٦٠] بقول عائشة: (ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة) فدل على أن مارية عتقت بموته ﷺ .
стр. 5368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعنى قوله: (أعتقها ولدها): أنه أثبت لها حرمة الحرية, لا أنها عتقت حقيقة.
وفي (الصحيحين) [خ٢٢٢٩ - م١٤٣٨/ ١٢٥] عن أبي موسى: قلنا يا رسول الله, إنا نأتى السبايا ونحب أثمانهن فما ترى في العزل؟ فقال: (ما عليكم أن لا تفعلوا, ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة).
ففي قوله: (ونحب أثمانهن) دليل على أن بيعهن بالإستيلاد ممتنع.
وأجمعوا على أن ولد الرجل من أمته ينعقد حرًا, لقوله ﷺ : (من أشراط الساعة: أن تلد الأمة ربتها (. فأقام الولد مقام أبيه, والأب حر فكذلك الولد, ولا ولاء عليه لأحد, لأن مانع الرق قارن سبب الملك فدفعه, بخلاف ما لو اشترى زوجته الحامل منه .. فإن الولد يعتق عليه وولاؤه له.
وتظهر فائدة ولائه فيما لو أوصى لموالي فلان .. فإنه يدخل, وفي تحمل العقل, فإن المولى يتحمله والأب لا يتحمله ..
стр. 5369
إِذَا أَحْبَلَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ حَيًّا أَوْ مَيْتًا أَوْ مَا تَجِبُ فِيهِ غُرَّةً .. عَتَقَتْ بِمَوْتِ السَّيِدِ,
ــ
قال: (إذا أحبل أمته فولدت حيًا أو ميتًا أو ما تجب فيه غرة .. عتقت بموت السيد) , لما روى الحاكم [٢/ ١٩] وابن ماجة [٢٥١٥] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (أيما أمة ولدت من سيدها .. فهي حرة بعد موته).
وروى البهيقي [١٠/ ٣٤٦] عن ابن عمر أنه قال: (أم الولد أعتقها ولدها وإن كان سقطًا).
وروى الدارقطني [٤/ ١٣٤]: أن النبي ﷺ قال: (أم الولد لا تباع ولا توهب ولا تورث, يستمتع بها مدة حياته, فإذا مات .. عتقت (لكن قال البهيقي [١٠/ ٢٤٨]: إنه لم يصح إلا من كلام عمر.
وشمل قوله: (الإحبال) ما إذا كان الوطء مباحًا أو محرمًا بأن كانت مزوجة أو محرمًا له أو مسلمة وهو كافر .. فهو كذلك, سواء أوجبنا عليه الحد إذا علم أم لا.
وسيأتي في خاتمة الباب حكم عقوبته, لكن تعبيره بـ (الإحبال) يقتضي اعتبار فعله, فلو علقت منه باستدخال ذكره أو مائه .. كان الحكم كذلك كما يثبت النسب, وتؤيده رواية الدارقطني [٤/ ١٣١]: (أيما أمة ولدت من سيدها .. فهى حرة عن دبره).
وعلم من قوله: (أو ما تجب فيه غرة): أنه لا يشترط انفصال جميعه فلو أخرج رأسه وباقيه مختف ثم مات السيد .. عتقت, وبه صرح الدارمي.
كل هذا إذا لم يزاحم حق الغير, فإن زاحم بأن استولد الأمة التي تعلق بها رهن أو أرش جناية واستمر حتى مات السيد .. فإنها لا تعتق بموته, وكذلك أمة المحجور عليه بفلس إذا أولدها بعد الحجر.
لكن يرد على إطلاقه المكاتب, فإنه إذا أحبل أمته ثم مات رقيقًا قبل العجز أو بعده .. لم يعتق بموته على الأصح.
وشمل إطلاق (موته) ما لو قتلته, وبه صرح الرافعي فى (باب الوصية) ,
стр. 5370
أَوْ أَمَةِ غَيْرَهُ بِنِكَاحٍ ... فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ- وَلَا تَصِيُر أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلِكَهَا- أَوْ بِشُبْهَةٍ ... فَالْوَلَدْ حُرُّ، وَلَا تَصِيرُ أُمُّ وَلَدٍ إِذَا مَلِكَهَا فِي الْأَظْهَرِ ...
ــ
وكذلك لو كانت الأمة يملك بعضها على الصحيح المنصوص، والولد حر عند العراقيين، وهو صريح في أن الحرية لا تتبعض في الولد، وهو الأصح في (الشرح الصغير) وقيل: تتبعض، وصححه في (الروضة) في آخر (الكتابة).
واحترز بقوله: (أو ما تجب فيه غرة) عما إذا وضعت مضغة ليس فيها تخطيط جلي ولا خفي، وشهد القوابل أنه مبدأ خلق آدمي لو بقي لتخطط ... فإن أمية الولد لا تثبت بذلك، كما لا تجب الغرة على المنصوص فيهما، ونص على أن العدة تحسب بذلك، وللأصحاب في ذلك طرق مشهورة تقدمت. فإن ألقت مضغة ظهر فيها التخطيط ... تثبت الغرة والاستيلاد.
وأشار بقوله: (عتقت بموت السيد) إلى أنها تعتق من رأس المال، ويقدم عتقها على الديون كما سيذكره في آخر الباب.
قال: (أو أمة غيره بنكاح) وكذلك بالزنا (... فالولد رقيق)؛ لأنه يتبع الأم فيكون لسيدها بالإجماع، لكنه يستثنى من طرده جارية ولده التي لم يستولدها، فإذا أولدها الأب ... صارت أم ولد، ومن عكسه: إذا غر بحرية أمة فنكحها وأولدها ... فالولد حر، وقد ذكره المصنف في (باب الخيار والإعفاف).
قال: (ولا تصير أم ولد إذا ملكها)؛ لأن ثبوت الحرية للأمة فرع ثبوتها للولد وهو هنا رقيق، وفيه قول مخرج من المرهونة إذا بيعت في الدين ثم عادت إليه.
ولو ملك الولد ... عتق عليه إن كان من نكاح لا من زنا.
قال: (أو يشبهه) بأن وطئها ظانًا أنها زوجته الحرة أو أمته (... فالولد حر) بلا خلاف؛ نظرا إلى ظنه، فلو ظنها زوجته الأمة ... كان الولد رقيقًا، وهذه الصورة ترد على المصنف، واحترز عنها في (المحرر) بقوله: على ظن انه يطا زوجته الحرة.
قال: (ولا تصير أم ولد إذا ملكها في الأظهر)؛ لأنها علقت به في غير ملكه، فأشبه ما لو علقت به في نكاح.
والثاني: تصير؛ لأنها علقت بحر، والعلوق بالحر سبب للحرية بالموت
стр. 5371
وَلَهُ وِطٌء أَمْ الْوَلَدِ وَاسْتِخْدَامِهَا وَإِجَارَتَهَا وَأَرَشْ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، ...
ــ
وموضع الخلاف في الحر، فإن وطىء العبد جارية غيره بشبهة ثم عتق ثم ملكها ... لا تصير قطعًا؛ لأنه لم ينفصل من حر.
قال: (وله وطء أم الولد) بالإجماع.
واستثنى الجرجاني منه أمة الكافر إذا أسلمت، وأخته من الرضاع إذا أحبلها جاهلًا بالتحريم؛ فإنها تصير مستولدة ووطؤها ممتنع.
واستثنى الجيلي ثالثة وهي: أن من يطأ موطوءة اينه ... فتصير أم ولد، ولا يحل له وطؤها.
وتستثني رابعة وهي: إذا أولد مكاتبته ... فإنها تصير أم ولد، ولا يحل له وطؤها ما دامت الكتابة الصحيحة باقية.
قال: (واستخدامها وإجارتها)؛ لبقاء ملكه عليها كالمدبرة، وقال مالك: لا يؤجرها كما لا بييعها.
وله أيضًا كتابتها؛ لأنه يملك كسبها، فإذا أعتقها على صفة ... جاز.
فإن قيل: في الجزم بجواز الإجازة نظر؛ لأنها بيع، وقد قالوا في الأضحية المعينة: لا تصح إجارتها كما لا يصح بيعها إلحاقًا للمنافع بالأعيان ... قلنا: الفرق خروج الأضحية عن ملكه بالكلية، بخلاف المستولدة.
وعلم من جواز الإجارة جواز الإعارة من باب أولى.
قال: (وأرش جناية عليها)؛ لدوام ملكه، وكذا أرش الجناية على أولادها التابعين لها؛ لأنهم ملكه، وله قيمتهم أيضًا إذا قتلوا، ولو غصبهم غاصب فماتوا في يده ... ضمنهم بالقيمة للسيد.
وأصل ذلك: أن أم الولد تضمن عندنا بالغصب، خلافًا لأبي حنيفة؛ بناء على أصله: أن التضمين يوجب التمليك.
واحترز ب (أم الولد) عن المكاتبة؛ فأرش الجناية عليها لا لها.
стр. 5372
وكَذَا تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فِي الْأَصَحِّ. وَيُحَرِّمُ بَيْعِهَا ...
ــ
قال: (وكذا تزويجها بغير إذنها في الأصح)؛ لأنه يملك رقبتها ومنافعها، حتى الاستمتاع، فملك تزويجها برضاها وبدونه كالمدبرة.
والثاني: لا يجوز وإن رضيت؛ لأنها ناقصة في نفسها، وولاية الولي عليها ناقصة أيضًا، فأشبهت الصغيرة إذا زوجها الأخ برضاها.
والثالث: يجوز له برضاها؛ لأنه ثبت لها حق الحرية بسبب لا يملك السيد إبطاله، فلا يملك تزويجها بغير إذنها كالمكانية.
وكان الصواب: أن يعبر ب (الأظهر)؛ فإن الخلاف أقوال مذكورة في (التنبيه) وغيره.
وإذا أراد أن يزوج بنت أم ولده ... فهي كالأم فيها الأقوال، وإذا جوزناه ... لا يحتاج إلى استيرائها، بخلاف أم الولد؛ فإنها ليست فراشًا للسيد، ولا يخفى أن هذا إذا كان السيد مسلمًا، فإن كان كافرًا وهي مسلمة ... فليس له تزويجها على الأصح؛ بناء على أنه يزوجها بالملك. قال: (ويحرم بيعها) هذا الذي قطع به الجمهور، وأول من قضى به عمر، ونص عليه الشافعي في خمسة عشر كتابًا، ويدل له حديث ابن عمر المتقدم، ولا يعرف للشافعي فيها إلا هذا القول، وجوز بيعها ابن القاص والمحاملي، ويحكى عن ابن عباس والشيعة وداوود، لقول جابر: (كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي ﷺ حي لا يرى بذلك بأسًا) رواه أبو داوود [٣٩٥٠].
والجواب: أنه منسوخ؛ فإن ابن أبي شيبة رواه عنه ثم قال: وذكر لي أنه رجع عنه.
стр. 5373
وَرَهْنُهَا وَهَبْتُهَا. ...
ــ
وقيل: إن النبي ﷺ لم يعلم ذلك، كما قال ابن عمر: (كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسًا، حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها) وقد ناظر فيها أبو بكر بن داوود أبا العباس بن سريج فقال: أجمعنا على أنها قبل أمية الولد كانت تباع، فيستصحب هذا الإجماع إلى أن يثبت ما يخالفه، فقال له ابن سريج: أجمعنا على أنها حين كانت حاملًا بحر لا تباع، فيستصحب هذا الإجماع القريب إلى أن يثبت ما يخالفه، فأفحمه.
واستثنى القفال بيعها من نفسها، فأفتى بجوازه؛ تغليبًا لجانب الافتداء.
وقال في (اللباب): يجوز بيعها في ثلاث مسائل: المرهونة، والجانية، وأم ولد المكاتب. اهـ.
والظاهر: أن استيلاد المفلس في حال الحجر كاستيلاد الراهن، وعبارة المصنف قد تشمل منع كتابتها؛ لأن الكتابة اعتياض عن الرقبة، ونقله الروياني عن النص، لكن رجح الرافعي الجواز، وحقيقة الثابت للسيد على المستولدة إنما هو اختصاص لا ملك، فيتصرف في منفعتها لا في عينها، كالموقوف ينتفع به ولا يبيعه.
وتقدم أن القاضي إذا قضى بجواز بيعها ... نقض قضاؤه، وليس ذلك لمخالفة خير الواحد كما قاله الغزالي، بل لمخالفة الإجماع؛ لأن الخلاف الذي كان فيها قد ارتفع بالإجماع بعده، ووقع في (الروضة) في (كتاب القضاء) عن الروياني تصحيح عدم نقضه، وهو وجه مبني على أن الإجماع بعد الاختلاف لا يرفع حكم الاختلاف، ومنهم من بناء على الخلاف في اشتراط انقراض العصر، ولا اعتبار بخلاف الشيعة والظاهرية.
قَالَ: (وَرَهْنُهَا وَهِبَتْهَا)؛ لِأَنَّ الْهِبَة تُبْطِلُ الْمَلِكُ، وَالْرَّهْنُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَا
стр. 5374
وَلَوْ وَلَدَت مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا ... فَالْوَلَدُ لِلْسَيِّدِ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ كَهِيَ، ...
ــ
البيع، وإنما ذكرهما المصنف مع أنه إذا حرم بيعها حرم رهنها وهبتها؛ للتنبيه على أن تعاطي العقود الفاسدة حرام وإن لم يتصل بها المقصود كما نص عليه في (الأم)، وقد تقدم ذكر ذلك في (البيع) وغيره.
وكذلك تحرم الوصية بها، وفي صحة وقفها خلاف تقدم في بابه.
قال: (ولو ولدت من زوج أو زنًا) أي: بعد الاستيلاد (... فالولد للسيد يعتق بموته كهي) حكاه ابن المنذر عن أكثر الفقهاء؛ لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية، فكذا في سببه اللازم.
ولا يأتي فيه الخلاف في ولد المدبرة والمكاتبة؛ لأن الاستيلاد أقوى، بدليل أنه لا يرتفع بحال بخلافهما، ولا يتوقف عتقه على عتق الأم، فلو ماتت قبل موت السيد ... بقى حكم الاستيلاد في حق الولد، وهذا أحد المواضع التي يزول فيها حكم المتبوع ويبقى حكم التابع كما في نتاج الماشية في الزكاة، وكذلك الموقوفة، فهي وإن كانت لا تباع بحال لا يتعدى حكم الوقف إلى ولدها على الأصح؛ لأن المقصود بالوقف حصول الفوائد والمنافع للموقوف عليه.
وولد الموصى بمنفعته كالأم على الصحيح، رقبته للوارث ومنفعته للموصى له؛ لأن جزء من الأم، والمؤجر والمعار لا يتعدى حكمهما إلى الولد؛ لأن العقد لم يقتضه، وولد المعتقة بصفة والمكاتبة يتبعها، إن عتقت ... عتق، وولد الأضحية والمنذورة والهدي له حكمها؛ لزوال الملك عنها، وولد الماشية التي تجب الزكاة في عينها تزكى بحول الأصل.
والأصح: أن ولد العرض مال تجارة، وولد المبيعة الحادث في مدة الحبس في يد البائع ليس للبائع حبسه، وولد المرهونة الحادث بعد الرهن غير مرهون، وولد المضمونة غير مضمون، وولد المغصوبة غير مغصوب، وولد المودعة كالثوب الذي أطارته الريح إلى داره، وولد الجانية لا يتبعها في الجناية، وولد المرتدين مرتد على الأظهر، وولد العدو في قبول شهادته ثلاثة أقوال لمالك تقدمت، وولد مال القراض يعود به المالك، وولد المستأجرة غير مستأجر.
стр. 5375
وأولادها قبل الاستيلاد من زنا أو زوج لا يعتقدون بموت السيد، وله بيعهم، وعتق المستولدة من رأس المال.
ــ
فإن قيل: يستثنى من إطلاق المصنف صورتان:
إحداهما: ما حكاه الرافعي قبيل (الصداق) عن (فتاوي البغوي) وأقره: أن الزوج إذا كان يظن أن أم الولد حرة ... فالولد حر، وعليه قيمته للسيد.
والثانية: إذا أحبل الراهن المرهونة وهو معسر، وقلنا بالأصح: إنها لا تصير مستولدة، فبيعت في الدين، ثم ولدت عند المشتري أولادًا، ثم ملكها الراهن هي وأولادها ... فإنها تصير مستولدة على الصحيح، وأولادها أرقاء لا يعكون حكمها، قاله الرافعي في (باب الإقرار بالنسب) ... فالجواب: أنهم في المسألة الثانية ولدوا قبل الحكم بالاستيلاد، وفي الولى ليسوا أولاد أم ولد في ظنه.
وقوله: (كهي فيه) جرّ الضمير بالكاف، وهو شاذ كما تقدم.
قال: (وأولادها قبل الاستيلاد من زنًا أو زوج لا يعتقون بموت السيد، وله بيعهم)؛ لحدوثهم قبل أن يثبت لها سبب الحرية.
قال: (وعتق المستولدة من رأس المال)، فيقدم على الديون والوصايا، سواء استولدها في الصحة أو المرض، أو مجز عتقها في مرض موته.
أما عتقها ... فلما سبق من حديث ابن عباس، وسئل عكرمة عنها فقال: هي حرة، قيل له: بأي شيء تقوله؟ قال: بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ وكان عمر من أولي الأمر، وقال: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا.
ولأن ولدها جزء منها، وقد انعقد جزءًا، فاستتبع الباقي كالعتق، لكن العتق فيه قوة فأثر في الحال، وهذا فيه ضعف فأثر بعد الموت.
وأما كونه من رأس المال ... فلأنه إتلاف حصل بالاستمتاع، فأشبه الإتلاف بالأكل واللبس، وبالقياس على من تزوجها في مرض موته، فمن الأصحاب من حكى عن القديم: أنها لا تعتق بموته، ويكون الاستيلاد كالاستخدام.
стр. 5376
ــ
والحق أن الشافعي إنما حكى ذلك عن علي ﵁؛ فإنه خطب على منبر الكوفة فقال: اجتمع رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا تباع أمهات الأولاد، وأنا الآن أرى بيعهن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، فأطرق رأسه ثم قال: اقضوا فيه ما أنتم قاضون؛ فإني أكره أن أخالف أصحابي، كذا رواه البيهقي [١٠/ ٣٤٣] وغيره، وقد تقدم عن عبيدة نظير هذه القصة في (ميراث الجد والإخوة).
وأما جناية أم الولد ... فتقدم حكمها في (باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة).
تتمة:
وصى بأم الولد من الثلث بقصد الرفق بالورثة ... لم ينفذ، بخلاف ما إذا أوصى بحجة الإسلام من الثلث؛ لأن المستولدة كالمال الذي يتلفه بالأكل والشرب في حال المرض، فلا يحسب من الثلث، وهي تعتق بمجرد الموت، فليس للوصية فيها أثر.
وفي (فتاوى القفال): أن من وطىء جارية ببيت المال ... يحد، فإن أولدها ... فلا نسب ولا استيلاد، سواء الفقير والغني؛ لأنه لا يجب الإعفاف في بيت المال.
وختم الرافعي كتابه بقوله: وإذا أولد جاريته المحرمة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة ... لزمه التعزيز، وفي قول: الحد، ثم قال: وعلى القولين: لو أولدها ... يكون الولد حرًا نسبيًا، وتصير هي مستولدة.
قال الأصحاب: ولا يتصور اجتماع هذه الأحكام مع ثبوت الحد إلا في هذه الصورة على أحد القولين، وما جزم به هنا من كون الولد نسبيًا مع القول بوجوب الحد صحح خلافه في آخر (كتاب النكاح)، وفي (باب حد الزنا).
قال في (المهمات): والذي ذكره من أن هذه الأحكام لا تجتمع إلا في هذه الصورة غريب؛ فإنها تجتمع فيما إذا وطىء الأب جارية ابنه واستولدها ولم تكن مستولدة الابن، وإذا أولد الرجل المشتركة، وإذا أولد جاريته المزوجة، وإذا أولد جاريته المعتدة، وإذا أولد أمته المجوسية أو الوثنية، وإذا أولد الذمي أمته التي
стр. 5377
ــ
أسلمت قبل أن تباع عليه ... ففي جميع هذه الصور تثبت الحرية والنسب والاستيلاد مع وجوب الحد على قول كما قرره الرافعي في غير هذا الباب، والله سبحانه الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
ونختم الكتاب بما بدأنه به من حمد الله الذي يبدىي ويعيد، والصلاة والسلام على نبيه محمد المخصوص بعموم الشفاعة يوم الوعيد، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور وفتنة الأمل البعيد، ونسأله الفوز يوم يقال: شقي فلان وفلان سعيد.
قال مؤلفه محمد بن موسى الدميري، وقال الله تعالى شر نفسه، وجعل يومه خيرًا من أمسه: فرغت منه في شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين وسبع مئة، جعله الله خالصًا لوجهه، موجبًا للفوز لديه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.