نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم) . والآثار كثيرة تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبي ﷺ . ثم جاء جهم بن صفوان وغيره فخالفوا السنن وعارضوها بعقولهم فاستعملوا قياسهم وآراءهم في رد الحديث.
٢- إن جميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) ثم قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، فإنها صريحة في هذا الرأي الذي قررناه - فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه.
٣- اتخذوا من الشرع حجة قاطعة وحاكمًا أعلى، وظهرت هذه الحقيقة في عدة مواقف عقب انتقال الرسول ﷺ ، ومنها يوم السقيفة إذ قال بعض الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) فأتى الخبر عن رسول الله ﷺ بأن الأئمة من قريش أذعنوا لطاعة الله ورسوله ﷺ ولم يعبأوا برأي من رأى غير ذلك لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال.
وفي حرب أبي بكر لمانعي الزكاة، قال له عمر ﵄: كيف نقاتل وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءَهُمْ وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" فرد أبو بكر بقوله (إلا بحقها) ، فقال: الزكاة حق المال، مع أن الذين أشاروا عليه بترك قتالهم إنما أشاروا عليه بأمر مصلحي ظاهر تعضده مسائل شرعية، ولكن لم يقو عنده آراء الرجال إن تعارض مع الدليل الظاهر الخ.
ونفهم - من استقراء أقوالهم وسلوكهم في جميع أصول الدين - أنهم كانوا يتقيدون بهذا المنهج أي: تقديم الشرع على العقل، لا عن قصور في الفهم، ولكن لمعرفتهم بمكانة الشرع وضرورة تقديمه على الاستنباطات العقلية التي لا تستند إلى دليل.
стр. 37
وإليكم مواقفهم من هذه الأصول:
١ - ففيما يتصل بمسائل الغيب كالكلام عن الميزان والصراط وعذاب القبر والميزان وأوصاف أهل الجنة وأوصاف أهل النار.
فلم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا به وأقروه، كما جاء من غير بحث عن الكيفيات لأمور الغيب.
ويذكر لنا الشاطبي في كتابه "الاعتصام" طريقة الصحابة إزاء هذه المسائل موضحًا على سبيل التفصيل الاتجاه الصحيح في تلقي الأخبار المنقولة عن صاحب الشرع ﷺ :
- ففهموا وصف الصراط بأنه كحد السيف لأن العادة قد تخرق حتى يمكن المشي والاستقرار.
وفى مسألة الميزان فأثبتوا أن كيفيته تليق بالدار الآخرة، لأن الأعمال ليست كالأجسام التي توزن في دارنا، ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه. مسألة عذاب القبر، فإن رد الروح إلى الميت وتعذيبه بغير أن يراه البشر أو يسمعونه أمر ثابت بالحديث.
والعقل يسلم بما نراه، فالميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام لا مزيد عليها ولا نرى عليه من ذلك أثر، وكذلك أهل الأمراض المؤلمة.
ويلحق بها مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره، فإنه إنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في حياتنا الدنيا، ولكنه من قبيل خرق العوائد التي لا تحيط بمعرفتها العقول. كإنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها يوم القيامة، وقراءة الصحف لمن لم يقرأ قط.
رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا.
كلام الباري تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفًا مع الكلام الملازم للصوت
стр. 38
والحرف، وهو في حق الله محال؛ فكلامه تعالى خارج عن مشابهة المعتاد، لائق بالرب، إذ لا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد - محال. فالموقف الصحيح إذن الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردًا.
وكذلك باقي الصفات إنما نفاها من نفاها للزوم التركيب عنده في ذات الباري تعالى وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات فكيف بإثبات صفات الله تعالى، فالصواب في حقه أن يثبت من الصفات ما أثبته لنفسه، والإقرار مع ذلك بالوحدانية له على الإطلاق والعموم.
تحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول: يجب عليه بعثة الرسول ويجب عليه الصلاح والأصلح ويجب عليه اللطف.. إلى آخر ما ينطق به أصحاب المذاهب العقلية المنحرفة، ونتج هذا لأن المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هو عبد مقصور محصور ممنوع، والله تعالى ما يمنعه شيء ولا يعارض أحكامه حكم، فالواجب الوقوف مع قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام، الآية: ١٤٩] ، وقوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران، الآية: ٤٠] . ويقول الإمام الشاطبي في النهاية: (فالحاصل من هذه القضية أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدّم بين يدي الله ورسوله ﷺ بل يكون ملبياً من وراء وراء) (١) .
موقف التابعين إزاء المخالفين:
كان موقف علماء التابعين امتدادًا للصحابة ﵃ ومن هنا نراهم يجابهون الآراء الشاذة التي أعلنها أمثال "غيلان الدمشقي" و"جهم بن صفوان ".
وقد حفلت كتب التاريخ بالمناقشات الدائرة بين بعض التابعين وزعماء الخوارج وأصحاب الآراء التي شذ بها أصحابها عن معتقدات الصدر الأول.
وسنقتطف نبذة يسيرة من هذه المناقشات لمعرفة المنهج الذي اتبعه علماء التابعين في جدالهم مع المخالفين، ومنها مناقشة دارت بين "عمر بن عبد العزيز" - الذي لقب بالخليفة الخامس بسبب تقواه وعدله واستنانه بسنن الراشدين قبله - وبين "غيلان الدمشقي" الذي كان أول من أعلن نفي القدر وتنسب إليه فرقة (القدرية) أي: نفاة القدر.
стр. 39
يذكر لنا الملطي المحاورة الدائرة بينهما فيقول:
(لما دخل "غيلان" إلى "عمر بن عبد العزيز" سأله عن أمر الناس فأخبره صلاحًا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين أتكلم فتسمع؟ قال: تكلم، فقرأ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان، الآية: ١ - ٣] .
ويبدو من إجابة غيلان أنه استند إلى آيات من سورة الإنسان - أو الدهر- فاقتطع آيات من السورة لكي يؤيد فكرته المسبقة عن نفي القدر.
لذلك سنجد في إجابة "عمر بن عبد العزيز" ﵀ ما يضع القضية في وضعها الصحيح، فيذكر غيلان بالأصل والمبدأ، وهو أن الإنسان مخلوق خلقه الله تعالى، وهو خالقه وخالق أعماله، ولا ينفي ذلك جعل الإنسان مسؤولاً عما يفعله ومريدًا له ومسؤولاً عنه.
لهذا قال عمر: (ويحك من هاهنا تأخذ الأمر وتدع بدء خلق آدم ﵇؟ ثم تلا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة، الآية: ٣٠ - ٣٣] .
فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لقد جئتُك ضالاً فهديتني، وأعمى فأبصرتني، وجاهلاً فعلمتني، والله لا أتكلم في شيء من هذا الأمر أبدًا.
فقال عمر: والله لئن بلغني أنك تكلمت في شيء منه لأجعلنك للناس أو للعالمين نكالاً، فلم يتكلم في شيء حتى مات عمر ﵀، فلما مات عمر استأنف الكلام بما وعد بالانتهاء عن الخوض فيه (١) .
ولدينا مصدر آخر يسجل مناقشة ثانية دارت بين "عمر بن عبد العزيز"
стр. 40
وغيلان "الدمشقي"، لها مدلول مشابه، مع الاختلاف في الحجج التي قدمها عمر ﵀، حيث تذكر أنه أفحم غيلان بآيات من سورة "يس" كقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) [يس، الآية: ٨] وقوله : (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [يس، الآية: ٩] وغيرها - وكانت إجابة "غيلان" لا تخرج أيضًا عن ترديده القول في كل آية يسمعها "كأني لم أقرأ هذه الآية قط".
ولكن "غيلان" نقض العهد في زمان "هشام" فاستدعاه مذكرًا إياه بعهده لعمر بن عبد العزيز، فلما طلب "غيلان" العفو عنه هذه المرة أيضًا رفض هشام وأمره بقراءة أوائل سورة "الفاتحة"، فقرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
فسأله هشام: علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه إلا به أو على أمر في يدك أو بيدك؟ ثم أمر به ليضربوا عنقه (١) .
ويتضح من هذه النصوص المنهج الذي اتبعه الأوائل في فهم الصلة بين المشيئة الإلهية والإرادة الإنسانية، فنجد "عمر بن عبد العزيز" يذكر غيلان بمبدأ خلق آدم ﵇ وتعليمه الأسماء كلها وإسجاد الملائكة له فالذي خلقه - سبحانه - من قبل ولم يك شيئًا وعلمه ما لم يكن يعلم؛ وهو الذي يمده أيضًا بالقدرة على الفعل، فيظهر الفقر الذاتي لآدم ﵇ وبنيه؛ وأنهم لا يستقلون عن خالقهم فهو خالقهم وخالق أفعالهم، مع نسبة الأفعال للإنسان نفسه طبقًا لقواعد الشرع والعقل واللغة؛ ومن ثم مسؤوليته عنها وجزاؤه في مقابلها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ونلحظ أيضًا أن طريقة عمر بن عبد العزيز ﵀ خالية من استخدام أية مصطلحات خارجة عن الآيات القرآنية، كل ما هناك أنه لفت نظر غيلان إلى الآيات المثبتة للقدرة المطلقة لله تعالى - فإنه سبحانه على كل شيء قدير - وهو توجيه ضمني إلى غيلان - وغيره ممن تأثروا به - إلى خطأ موقف اتخاذ الرأي المسبق ثم البحث في القرآن الكريم على ما يؤيده - فهذه طريقة الذين يضربون كتاب الله
стр. 41
تعالى بعضه ببعض، ويختارون الآيات التي توافق أهواءهم دون غيرها التي تصادمها. كما لم يرد على لسان "عمر بن عبد العزيز" لفظا الجبر والاختيار، ولكنه باختياره للآيات الأولى من "سورة البقرة" عن خلق آدم ﵇ أرشدنا إلى فهمه للمسألة، وهو أن الآيات القرآنية متوافقة متعاضدة، الإنسان مسؤول حر في اختيار أفعاله، ولكنه لا يستقل بفعله عن القدرة والمشيئة الإلهية وهو نفس ما ذهب إليه "عمر" و"علي" رضوان الله عليهما كما بينا آنفًا (١) كما أراد أن يبين لغيلان خطأه في ضرب الكتاب بعضه ببعض، فأخذ يذكره بالآيات التي ربما غابت عنه في إنكاره للقدر، أو أنه أغفلها عامدًا.
وكذلك في حديث هشام، رأيناه ينبه غيلان إلى عجز الإرادة الإنسانية بغير مدد من الله تعالى، فإن آيات سورة الفاتحة تتضمن دعاء العبد طالبًا الهداية والاستعانة بالله سبحانه، ومن ثم فلا استقلال للفعل الإنساني، بل لا قيام له منفردًا أصلا، فالإنسان عبد مخلوق مربوب عاجز فقير فقرًا ذاتيًا، وهو محتاج دائمًا إلى ربه وخالقه وفاطره ، ولما كان ربه سبحانه هو الخالق البارئ المصور، فكذلك هو الذي يمد عباده بالقدرة على أفعالهم.
ولكن ظهر مع الأسف تيار ينزع الآيات القرآنية من مواضعها ليضرب كتاب الله بعضه ببعض. ولذلك ظهرت موجة عارمة للوقوف في وجه القدريين منذ أن بدأوا بإعلان بدعتهم، فكان "الحسن البصري" يقول: "من كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن"، وعندما سمع "سعيد بن المسيب" أقوال القدرية غضب غضبًا شديدًا حتى هم بالقيام ثم تكلم فقال: تكلموا به؟ أما والله لقد سمعت فيهم حديثًا كفاهم به شرًا، ويحهم لو يعلمون، ثم ردد الحديث بسنده قال: حدثني رافع أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يكون قوم من أمتي يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى قال: قلت: جعلت فداك يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: يقرون ببعض القدر ويكفرون ببعضه" (٢) .
стр. 42
أحوال أهل الجنة:
ويدهشنا العثور على نموذج من الجدل يسوقنا إلى موضوع آخر أثير فوجدوا من يوفيه حقه، وهو موضوع يتصل بعالم الغيب وكيفياته، فقد دار نقاش بين راهب وبين خالد بن يزيد بن معاوية عن أهل الجنة ومأكلهم ومشربهم، قال الراهب: أليس يقولون إنكم في الجنة تأكلون وتشربون ولا يخرج منكم أذى؟ فأجاب "خالد: بلى. قال الراهب أفلهذا مثل تعرفونه في الدنيا؟ قال: نعم، الصبي يأكل في بطن أمه من طعامها ويشرب من شرابها ثم لا يخرج منه أذى. قال الراهب لخالد: أفليس تقولون إن الجنة تأكلون فيها فواكه ولا ينقص منها شيء قال خالد: بلى، قال: أفلهذا مثل في الدنيا تعرفون؟ قال خالد: نعم الكتاب يكتب منه كل شيء أحد ثم لا ينقص منه شيء. وفي النهاية سأل الراهب متعجباً أليس تقول: إنك لست من علمائهم؟ فأجابه خالد بأن فيهم لمن هو أعلم مني) (١) .
стр. 43
ظهور الجدل في أصول الدين
استقرت العقائد في القلوب ولم يختلف الصحابة حول أصول الدين قط، بل لم يعرفوا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ثم بدأت تظهر الآراء المخالفة منذ النزاع الحادث بين "علي" و"معاوية" ﵄ بعد مقتل "عثمان بن عفان" ﵁.
وسنحاول أن نخط طريقنا من القاعدة المنهجية التي نراها صحيحة شرعًا وعقلاً، وتتلخص في الاعتقاد أن الصحابة كانوا هم الأعلم بلغة القرآن ومراميه، والأدق في فهم محكمه ومتشابهه، ولم تظهر في عصرهم خلافات في أصول العقيدة، إذ كان هناك إجماع عليها بين الكافة، ثم بدأت الانشقاقات رويدًا رويدًا.
وكان انحراف الخوارج ظاهرًا عندما اعتقدوا خطأ تكفير علي بن أبي طالب ﵁ والنفر الذين كانوا معه من المهاجرين والأنصار.
كما رأوا منصب الإمامة أو الخلافة لا تختص بشخص من القرشيين فجوزوا إمامة أي إمام يجتمع فيه العلم والزهد ولو كان من أخلاط الناس وأوباشهم، بالإضافة إلى عقائد أخرى كتخليد مرتكب الكبيرة في النار وغيرها من الآراء التي دونتها كتب التاريخ والفرق.
وظهرت القدرية في أواخر زمن الصحابة وصار "معبد الجهني" و"غيلان الدمشقي" و"الجعد بن درهم" إلى القول بالقدر - أي: نفيه وعدم الاعتقاد به. وفي ذلك الزمان حدث سنة المرجئة (١) حين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
ثم طلعت المعتزلة مثل أبي الهذيل العلاف والنظام ومعمر والجاحظ وترجمت كتب الفلاسفة في زمن المأمون واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشرع مثل لفظ الجوهر والعرض والزمان والمكان والكمون ونحو ذلك. وأول مسألة أظهروها القول بخلق القرآن.
وتلت هذه المسألة مسائل الصفات الإلهية مثل العلم والقدرة والحياة والسمع
стр. 44
والبصر (١) .
وعندما ظهرت عقائد المعتزلة التي افترقوا بها عن عقيدة أهل السنة والجماعة، اضطر علماء الحديث والفقهاء للرد عليهم وإعادة الأمور إلى نصابها.
وإننا نعثر على آراء أهل الحديث منبثة في كتبهم للرد على المتكلمين في المسائل التي أثيرت كالحديث عن الصفات والقدر والتوحيد والأسماء - وغيرها من أصول المسائل التي شغلت أذهان المسلمين -. كما حرصوا على استمداد أرائهم من أقوال الصحابة والتابعين في هذه الموضوعات إذ لا يغيب عن ذهن الباحث أن منهج المحدثين كفل لهم الاحتفاظ بالنصوص المنقولة عن السابقين جيلاً بعد جيل.
وفي الأدوار التي تضخمت فيها الخلافات كتب علماء الحديث في هذه الموضوعات التي تطرق إليها علماء الكلام، ومن بين هذه المصادر العامة كتاب (خلق أفعال العباد) للإمام البخاري، (الرد على الجهمية والمعطلة) للإمام أحمد والرد على بشر المريسي للإمام الدارمي وغيرهم، بحيث نستطيع القول بأن تيار السمع أو النقل، ارتبط بتيار العقل أو الدراية، أي بعبارة أخرى امتد اهتمام علماء الحديث والسنة إلى المسائل التي أثيرت بواسطة المتكلمين وغيرهم، ووقفوا منها موقفًا عقليا أيضًا، فالتقى عندهم النقل مع النظر، فهم وإن كانوا في الغالب أهل رواية، قد أثبتوا أيضًا بأنهم أهل دراية؛ لأن الكتاب أمر بالتفكير والتدبر، وكانوا يحرصون على الارتباط بالصحابة ومواقفهم من هذه الأصول الهامة في الإسلام، وهم ورثة الأنبياء الذين قال الله فيهم: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) [ص، الآية: ٤٥] فالأيدي القوة في أمر الله، والأبصار في دين الله، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوة يمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه (٢) .
ولقد استمسكوا بهذا المنهج النقلي العقلي - إن صح التعبير - وربما نجد ما يعبر عن التقاء الرواية بالدراية في كتابات ابن تيمية الذي كان يلح دائمًا على ترديد
стр. 45
القاعدة التي أخذ نفسه بالدفاع عنها طيلة حياته، وهي أن العقل لا يتعارض مع النقل، (فإن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكلم، فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة كلية عامة لما كان منتشرًا في كلام غيره) (١) .
وكانت هذه هي مهمة علماء أهل السنة والجماعة أيضًا. فما مذهبهم؟
مذهب أهل السنة والجماعة:
ربما ينسب البعض مذهب أهل السنة والجماعة إلى أحد أئمة الفقهاء أو كلهم. ولكنه في الحقيقة امتداد ومتابعة لمذهب الصحابة، وقد أطلق عليه اسم الجماعة للتمييز بينه وبين مذاهب المنشقين عن الجماعة الأولى أمثال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة والقدرية.
ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة الجماعة، فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم (٢) .
وإذا طالعنا صفحات التاريخ لمعرفة تسلسل ظهور الآراء المخالفة لما كان عليه أهل القرون الأولى، فقد رأينا - كما تقدم - كيف خرج الخوارج وتابعتهم الشيعة في إعلان آرائهم، ثم القدرية. فالجمهية أتباع "جهم بن صفوان" من نفاة صفات الله .
ثم وقعت المحنة الكبرى في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون (المتوفى ٢١٥ هـ) وأخيه المعتصم ثم الواثق، ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى هددوا بعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم وعاقبوهم وابتلوهم بالرغبة والرهبة.
وندع أحد معاصري الفتنة يصف لنا وقعها على المسلمين وما كابدوه
بسببها:
قال "عبد العزيز المكي" في كتابه (الحيدة) :
стр. 46
"واستتار المؤمنون في بيوتهم وانقطاعهم عن الصلاة في الجماعات والجمعات وهربهم من بلد إلى بلد خوفًا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال له والرعاع من الناس على كفره وضلالته، والدخول على بدعته والانتحال بمذهبه رغبة في الدنيا ورهبة من العقوبة التي كان يعاقب بها من خالفه على مذهبه (١) .
وثبت الإمام أحمد بن حنبل في هذه المحنة حتى حبسوه ثم طلبوا أصحابهم من المعتزلة بالبصرة لمناظرته فأفحمهم وعجزوا أمام حججه بالأدلة الشرعية العقلية.
وبسبب هذا الموقف رفع الله قدر هذا الإمام، فصار إمامًا من أئمة أهل السنة والجماعة علمًا من أعلامها لقيامه بإعلامها وإظهارها واطلاعه على نصوصها وآثارها وبيان خفي أسرارها، لا أنه أحدث مقالة ولا ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: (المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد، يعني: أن مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد) (٢) .
وعلى أية حال فإن معيار الصحة والفساد في المذهب لا الاتباع ولكن الأدلة والإقناع، ولهذا يقرر "ابن تيمية" - وهو من أقوى المدافعين:
(وإذا قدر أن في الحنبلية أو غيرهم من طوائف السنة من قال أقوالا باطلة، لم يبطل مذهب أهل السنة والجماعة ببطلان ذلك بل يرد على من قال ذلك بالباطل وينصر السنة بالدلائل) (٣) .
стр. 47
الباب الثالث
نشأة الكلام في الدين وعوامل ظهوره
الفصل الأول:
- مراحل ظهور الكلام في الدين.
- عوامل نشأة المشكلات الكلامية.
- ذم السلف لعلم الكلام المبتدع.
стр. 48
الفصل الأول:
مراحل ظهور الكلام في الدين:
اتضح لنا - مما تقدم - أن النبي ﷺ نهى عن النظر في تشابه القرآن، وقد أخرج الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧] ، قال "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
وقد نفذ أصحاب الصدر الأول هذا النهي وأطاعوا أمر الرسول ﷺ واجتنبوا تحذيراته، فلم يظهر من يجادل ويبحث في الآيات المتشابهة، وعلة ذلك - كما يذكر ابن عباس ﵄ منع وقوع الشك في القلوب (١) .
أما عن أول من خالف هذه السنة وسأل عن المتشابه فهو رجل يقال له: "عبد الله صبيغ" جعل يسأل عن متشابه القرآن عندما قدم المدينة، فاستدعاه "عمر بن الخطاب" ﵁، وسأله عن اسمه، فلما أخبره، أخذ عرجونًا من عراجين النخل فضربه حتى أدمى رأسه. ويبدو أن الرجل كان مصمما على موقفه؛ لأنه وعد بترك السؤال، ثم عاد إليه فطلبه عمر فقال: (إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فأذن له إلى أرضه. وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين) (٢) .
كذلك بالنسبة للناظر في القدر، روى "مسلم" أن رسول الله ﷺ خرج على الصحابة وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا، لا ليكذب بعضه بعضًا، انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه".
وبسبب عصيان هذا الأمر النبوي ظهرت القدرية - وهم نفاة القدر في أواخر
стр. 49
زمن الصحابة، وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له (سيسويه) من أبناء المجوس وتلقاه عنه "معبد الجهني" (١) .
فلما أعلن هؤلاء التكذيب بالقدر رد عليهم من بقي من الصحابة "كعبد الله ابن عمر" و"عبد الله بن عباس" و"واثلة بن الأسقع" وكان أكثرهم في أطراف البلاد لا في وسطها، فكان أكثر القدرية بالبصرة والشام (٢) ، وقليل منهم بالحجاز، أي أن التيارات الخارجية وجدت بغيتها في العناصر الداخلة في الإسلام حديثًا، والتي لم تستمد عقيدتها من الجهابذة العالمين بدينهم كالصحابة والتابعين.
وبدأ نفي صفات الله بواسطة "الجعد بن درهم" وهو أول المتكلمين في الصفات وأعلن نفيها، ثم تتلمذ على يديه "جهم بن صفوان ".
ولكن أصابع المؤرخين ومؤلفي كتب الفرق تشير إلى سلسلة حلقات النافين للصفات إذ تبدأ في حلقتها الأولى "بلبيد الساحر" المعاصر للرسول ﷺ الذي قال بخلق القرآن ناقلاً بدوره هذا القول من يهودي باليمن.
والتقت حول "جهم بن صفوان" (١٢٨ هـ) عدة فرق كلها تنتمي إلى رأي من آرائه: كإنكار صفات الله تعالى، والقول بالجبر، وإنكار رؤية أهل الجنة لله تعالى، والقول بأن الجنة والنار لم يخلقهما الله بعد وأنهما تفنيان بعد خلقهما، وإنكار الميزان، والشفاعة، والكرام الكاتبين، وعذاب القبر، ومنكر ونكير، إلى غير ذلك فيما وردت به النصوص الثابتة.
стр. 50
يقول "الملطي" بعد سرد عقائد فرق الجهمية: (وهذا جماع كلام الجهمية وإنما سموا جهمية لأن "الجهم بن صفوان" كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية (١) ، وكانوا شككوا في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يومًا، وقال لا أصلي لمن لا أعرفه ثم اشتق هذا الكلام، وبنى عليه من بعده) (٢) . ولقد لخص وكيع بن الجراح الاعتقادات التي ذمها السلف بقوله: (القدرية يقولون الأمر مستقبل وأن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل، والجهمية أتباع "جهم بن صفوان" يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل) (٣) . وقد مرت القدرية بمرحلتين: في المرحلة الأولى أنكروا القدر بالمعنى الوارد بالحديث في الصحيحين عن "عبد الله بن مسعود" أن الله يبعث ملكًا بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح فيه فيكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. ولكن عندما اشتهر الكلام في القدر في مرحلة تالية وشارك فيه كثير من النظار أصبح أغلب القدرية يقرون بتقديم العلم الإلهي، وينكرون عموم المشيئة والخلق (٤) .
ويتضح لنا من العرض التاريخي أن بذور الانشقاقات بدأت متناثرة وبواسطة أفراد معدودين، جوبهوا بردود مفحمة ومواقف حاسمة لبتر آثارهم حتى لا تستشري وتنتقل عدواها إلى غيرهم. ثم بدأ الاعتزال بواسطة واصل بن عطاء ١٣١ هـ وعمرو بن عبيد ١٤٨هـ، وتضخم بعدهما المذهب، إذ جمع ما تناثر من الأقوال الآنفة في شكل نسق شبه فلسفي متضمنا الأصول الخمسة عند المعتزلة.
стр. 51
قال "السفاريني": وكان أول من صنف في علم الكلام والجدال والخصام مع أهل السنة والجماعة "واصل بن عطاء" وهو رئيس المعتزلة (١) .
والذي نود إبرازه في هذه العجالة عن مراحل ظهور الكلام في الدين أن المشكلات ظهرت بسبب عوامل سلبية - إن صح التعبير - أي: انحسارًا عن موجة المد الإسلامية الأولى في أصول الدين وفروعه ونظمه وأخلاقياته، ورجوعًا عن النموذج المثالي الذي حققه المسلمون في عصر النبي ﷺ وصحابته والتابعين بعده.
كما يتضح أنها لم تبدأ من أصل إسلامي صحيح، بل بدأت بمخالفة الأصول المدعمة بالأدلة، والأمثلة على ذلك كثيرة منها أن الآية القرآنية الآنفة تتناول تقسيم الكتاب إلى آيات محكمات وأخر متشابهات تحمل في طياتها الأمر بعدم اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة فجاء البعض ليضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض.
وكان النبي ﷺ قد أمر بعدم الكلام في القدر فخالفه المخالفون، وأمر بألا يسب أحد أصحابه، فجاء الشيعة بعده فسبوا أبا بكر وعمر ﵄.
وإذن فهي لا تدل على النضج العقلي أو التفكير الحر كما يصور ذلك بعض دراسات المستشرقين؛ فإن هذا من قبيل الخطأ الشائع الذي يردده كثير من الباحثين والعكس - تماما - صحيح، ولنبحث في عقيدة أقرب الفرق إلى خطأ التفسير اللغوي - وهم المرجئة - فقد نجم خطؤهم من الجهل باصطلاحات اللغة العربية، فزعموا أن الإيمان - لغة - هو التصديق، والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط، والأعمال عندهم حسب هذا الفهم المنحرف ليست من الإيمان.
ويتضح خطؤهم إذا بحثنا في قضية الإيمان، فإن الأفعال تسمى أيضًا تصديقًا، وهذا معنى الإيمان المتواتر عن النبي ﷺ . مثال ذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف قال الجوهري: الصدّيق الدائم التصديق الذي يصدق قوله بالعمل.
стр. 52
أضف إلى ذلك ما يلي:
من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وهذا معروف أيضًا عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول ورووا ذلك عن النبي ﷺ .. فقد سأل "أبو ذر" النبي ﷺ عن الإيمان قال: "الإيمان الإقرار والتصديق بالعمل" ثم تلا (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة، الآية: ١٧٧] .
وروي عن "علي بن أبي طالب" أنه قال: (إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب: فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب؛ فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادًا حتى إذا استكمل النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبْيَضَ، ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود) . وقال "ابن مسعود": (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) .
وعرف "الحسن البصري" الإيمان بقوله: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال) (١) .
لم يكن الكلام في الدين إذن تطورًا من البسيط إلى المركب، أو من الأدنى إلى الأعلى، بل كان نكوصًا من الكمال إلى النقصان، وعصيانًا للأوامر، وانشقاقا عن الجماعة. وهذا ينقلنا إلى بحث عوامل نشأة المشكلات الكلامية .
عوامل نشأة المشكلات الكلامية:
من استقراء المراحل التي مر بها الجدل في أصول الدين وإثارة التساؤلات وفتح باب المناقشات في القضايا المنهي عن الجدال فيها نستقرئ عوامل نشأة المشكلات الكلامية.
وتكاد تجمع المصادر التاريخية على تعليل ظهور الجدل بعوامل خارجية، أي من قبيل الغزو الثقافي الأجنبي. وتشير أصابع المؤرخين إلى هذا المصدر، حيث هبت
стр. 53
منه أعاصير النزاع بعد أن كانت العقيدة راسخة في النفوس والقلوب، أمدت المسلمين الأوائل بطاقات هائلة فمضوا في طريقهم لتحقيق الغاية وجعل كلمة الله هي العليا.
ولكن الجدل المنهي عنه أدى إلى انحسار حضارة المسلمين فعكفوا يتجادلون ويتناحرون، فوقفت عجلة المد الإسلامي وتقوقع المسلمون، فسهل على أعدائهم غزوهم في ديارهم.
ويصف "ابن قتيبة" المظاهر الطارئة على المسلمين بقوله: (وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر، وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات، ومجاهدة النفس، وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات؛ فقد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى) (١) .
وهذا هو الدرس التاريخي الذي وعاه شيوخ الحديث والسنة فحذروا من تضييع الجهود في محاولات جدلية سقيمة، ورأوا في تشقيقات المتكلمين بدعًا من ناحية، واستهلاكًا لطاقة تبذل فيما لا طائل وراءه من ناحية أخرى، حيث جاء القرآن بأكمل المناهج في الحجاج العقلي، وفرغ المسلمين إلى العمل. وقد رأينا أهل أفضل القرون كيف استمسكوا بالمنهج الإسلامي الصحيح العقيدة حيث يرى شيخ الإسلام أن أفضل الخلق بعدهم هم المقتدون بعلم وعمل الصحابة وتتحقق هذه المتابعة بصفة خاصة بواسطة علماء الحديث، فهم أهل الآثار النبوية وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر (٢) .
وبمتابعة الأزمنة بعد عصر الحجاج نرى أنه كلما بعد الزمن وقل عدد الصحابة والتابعين بعدهم، بدأت البدع تظهر تدريجيًا، لأن نور النبوة في الأصل كان كمثابة الشمس الساطعة التي طمست الكواكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم حجب
стр. 54
بعض نور النبوة (١) .
وبانقضاء دولة الخلفاء الراشدين، وتولي زمام الحكم من هم أقل منهم مرتبة ظهر أثر ذلك في بعض قضايا أصول الدين مثلما أثاره الخوارج. ولما كان ظهورهم في أواخر حكم علي بن أبي طالب ﵁ مرتبطًا بالخلافة أو الأمانة الكبرى فقد تبعه بدع الأحكام والأعمال والأسماء.
ثم ظهر الملك على يد معاوية، ثم الإمارة إلى ابنه يزيد وانشق المسلمون على أثر مقتل "الحسين بن علي" بالعراق وفتنة الحرة (سنة ٣٧ هـ) بالمدينة وقيام "عبد الله بن الزبير" بمكة في وجه بني أمية و"المختار بن أبي عبيد" وغيره من الشيعة بالعراق.
وعلى أثر هذه الأحداث الجسام، برز الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، فقد قام بعض الصحابة آنذاك بالرد على هذه البدع والوقوف في وجهها وهم على سبيل المثال: عبد الله بن عباس (٦٨ هـ) وعبد الله بن عمر (٧٣ هـ) ، وجابر بن عبد الله (٧٨ هـ) وأبو سعيد الخدري (٩٤ هـ) ، وغيرهم.
ويضرب "ابن تيمية" مثلاً على ذلك بأن القدرية لم يجرؤوا على الكلام في الذات أو الصفات الإلهية إلا في أواخر صغار التابعين، أو في أواخر الدولة الأموية، وكانوا قبل ذلك يقتصرون على الكلام في الأحكام والوعد والوعيد.
ويتضح مما سبق أن الحياة الدينية تأثرت في بداية العصر العباسي بعاملين: أحدهما ظهور سلطان الموالي من غير العرب لا سيما العناصر الفارسية وانحسار الأمر عن ولاية العرب، والعامل الثاني، وهو ترجمة كتب الفرس والروم والهند.
ومما يساعد على قوة تأثير هذين العاملين أن صحابة الرسول صلوات الله عليه كانوا قد ماتوا عند انتهاء خلافة الراشدين فيما عدا القليل، وكذلك الحال بالنسبة للتابعين إذ مات أغلبهم في زمن إمارة ابن الزبير.
أما تابعو التابعين فقد انقضى عصرهم في أواخر الدولة الأموية ولهذا لم تجد التيارات الجديدة التي تسللت إلى المسلمين من يقف في وجهها لصدها مثلما فعل الخلفاء الراشدون والصحابة في عصرهم من قبل.
стр. 55
واستنتج "شيخ الإسلام" من هذه الأحداث ظهور أمور ثلاثة هي: الرأي والكلام والتصوف (١) .
وأغلب الظن - من جهة أخرى - أن شيخنا قصد ترتيب ظهور الرأي ثم الكلام ثم التصوف بتسلسل زمني على أثر الترجمة خاصة وأنه يتكلم عن المأمون (٢١٨ هـ - ٨٣٣ م) الذي شجعها - والمعروف - كما يذكر صاحب الفهرس أن "خالد بن يزيد بن معاوية" (٨٥ هـ-٧٠٤ م) الذي كان يسمى حكيم آل مروان "هو أول من قام بالترجمة". يقول "ابن النديم": (كان فاضلاً في نفسه وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة فأمر بإحضار مجموعة من فلاسفة اليونانيين.. وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني القبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة) (٢) .
ونستدل من تعيين الشيخ "السلفي" للمأمون دون غيره، أن هذا الخليفة اشتهر بالميل إلى التشيع والاعتزال، وفضلا عن مشكلة خلق القرآن التي ارتبطت في الأذهان فإن الباحث عن أسباب ذلك يجده دون كبير مشقة في كتب التاريخ التي تكاد تتحد في وصفها له.
يقول "ابن الأثير": (إنه كان شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم) (٣) وذكر ابن كثير أن "المأمون" لما ابتدع التشيع والاعتزال فرح بذلك شيخه بشر المريسي (١١٨هـ - ٨٣٣ م) وكان من شيوخ الاعتزال (٤) .
ويضيف صاحب (تاريخ بغداد) (إنه كان إلى حد غير قليل تحت سلطان الفرس ووزرائهم) (٥) وكأن شيخ الإسلام حاول بذلك أن يثبت أن الترجمة أنتجت آثارها الكاملة في عصر المأمون - أي في وقت متأخر عن عصر الصحابة والتابعين للأسباب التي تذكرها المصادر السالف الإشارة إليها. أو بعبارة أخرى أنها وجدت
стр. 56
صدى عنده وميلا لتقبل نتائجها. ولكن تحميل الترجمة النتائج التي حدثت في العالم الإسلامي حينذاك ليس دليلا على كراهية "ابن تيمية" للترجمة في ذاتها ولكن بسبب تشجيع المأمون للاتجاهات الفلسفية والكلامية.
هناك إذن عامل داخلي يتمثل في بدء حركة انحسار الوازع الديني والخروج عن الأصول والقواعد المستقرة الثابتة، ولكن الحركة على ضآلتها في البداية حوصرت وعولجت بحسم، ثم أخذت في الازدياد باتساع رقعة العالم الإسلامي وشيئًا فشيئًا ضعفت المقاومة بسبب موت الصحابة وتفرقهم في الأمصار، ثم موت كبار التابعين أيضًا.
ويتضح أثر العامل الخارجي بشكل أشمل إذا بحثنا ظروف الترجمة وأدوارها وآثارها، فالمشهور أن أول ترجمة للكتب اليونانية إلى العربية تمت في عهد "خالد بن يزيد بن معاوية" (توفي ٨٥ هـ) وكانت في بدايتها - فيما يبدو - قاصرة على العلوم إذ كان "يزيد" هذا مولعًا بكتب الكيمياء (١) .
ولكن عملية الترجمة بدأت على نطاق واسع بواسطة "يحيى بن خالد بن برمك" (متوفى ١٩٠ هـ) في خلافة الرشيد.
وواقعة الترجمة لا تخلو من بعض المعاني التي يحسن بالباحث أن يتأملها حيث قيل: إن "يحيى بن خالد" هذا كان زنديقًا، وإنه صانع ملك الروم وأرسل إليه الهدايا طالبًا نقل الكتب اليونانية - وكانت مخبأة تحت بناء - فجمع الملك البطارقة والأساقفة والرهبان طالبًا منهم المشورة والرأي، وكان من رأيه أن الخير في حبس الكتب عن رعيته من النصارى لأنه خاف عليهم منها إذ قد تكون سببًا لهلاك دينهم، ويفضل إرسالها إلى خالد البرمكي؛ لكي يبتلى بها المسلمون ويسلم رعاياه من شرها، فوافقه المجتمعون على ذلك فنفذه.
واهتم بها "يحيى بن خالد البرمكي" (فجعل المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي، فيتكلم كل ذي دين في دينه، ويجادل عليه آمنًا على نفسه) (٢) .
стр. 57
وتشير رواية أخرى إلى أن المأمون (٢١٨ هـ) هو الذي طلب من صاحب جزيرة "قبرص" خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد فأشار عليه خواصه بإجابة المأمون إلى طلبه بهدف إحداث الفتن بينهم (فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها) (١) .
ومن المحتمل أن الرواية قد حدث فيها بعض الإضافات إلا أنه من الثابت أن المأمون قد شجع عملية الترجمة والخوض في علم الكلام، ولذا فإن "ابن تيمية"، كان يعلق على ذلك بقوله (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم بين أهلها) (٢) .
ويلحظ الباحث إجماع مؤلفي كتب الفرق على إرجاع ظهور المشكلات الكلامية إلى تيار خارجي، ولا يمكن أن يكون هذا الإجماع إلا صدى لحقيقة تاريخية ثابتة أمامهم فنقلوها نقلاً متواترًا بعضهم عن بعض.
والعبارة المذكورة في كتب الفرق والتاريخ تكاد تتشابه فتذكر أسماء من أثار المشاكل والمتتبع لها وناقلها إلى محيط الثقافة الإسلامية فتذكر: (أن البدع فشت أصلاً بعد القرون الثلاثة وإن كان قد نبع أصلها في أواخر عصر التابعين، فإن أصل مقالة نفي صفات الله تعالى - أي التعطل للصفات - إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو "الجعد بن درهم" وأخذها عنه "الجهم بن صفوان" وأظهرها فنسبت إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن "أبان بن سمعان"، وأخذها "أبان" عن "طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم) اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض الساحرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة إذ ذاك إلا قليلاً منهم على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة.. وكثر من الصابئة
стр. 58
أو أكثرهم (١) كانوا كفاراً ومشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ومذهب النفاة الذين يقولون: ليس له صفات إلا سلبية أو إضافية أو مركبة منهما وهم الذين بعث سيدنا "إبراهيم" خليل الرحمن إليهم فيكون الجعد أخذ عقيدته عن الصابئة وأخذها الجهم أيضًا - فيما ذكره الإمام "أحمد" ﵁ عنه وعن غيره وكذلك "أبو نصر الفارابي" دخل "حران" وأخذ عن فلاسفة الصابئة تمام فلسفته لما ناظر السمنية فرجعت أسانيد الجهم إلى اليهود الصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين إما من الصابئين وإما من المشركين. فلما عربت الكتب الرومية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب أهل الضلال. ولما كان بعد المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب "بشر بن غياث المريسي" وذويه) (٢) .
وقد أرخ "المسعودي" لمراحل انتقال المدارس الفلسفية أيام اليونان من أثينا إلى الإسكندرية ثم إلى إنطاكية ثم إلى حران، متتبعًا انتقالها إلى العالم الإسلامي ذاكرًا الأفراد المهتمين بها، مبينًا أن مجلس تعليم الفلسفة انتهى في أيام المقتدر، وإبراهيم المروزي ثم إلى "أبي محمد بن كرنيب" وأبي بشر "متى بن يونس" تلميذي "إبراهيم المروزي".
ثم علق (المسعودي) بعد هذا بقوله: (وعلى شرح "متى" لكتب أرسطوطاليس المنطقية يعول الناس في وقتنا هذا - توفي المسعودي عام ٣٨٥ هـ - وكانت وفاته ببغداد في خلافة "الراضي"، ثم إلى "أبي نصر محمد بن محمد الفارابي" تلميذ "يوحنا بن حيلان" وكانت وفاته بدمشق في رجب سنة ٣٣٩ هـ) (٣) .
ويبدو أننا إذن أمام غزو ثقافي منظم يريد الكيد للإسلام وأهله، جوبه في بدايته بمقاومة شديدة أيام الصحابة والتابعين كما ظهر لنا آنفًا، ثم ازداد على أثر
стр. 59
موت المدافعين الأول، وقد ثبت أن خلفاء بني أمية قاوموا هذه التيارات بشدة، قال "القيرواني" (رحم الله بني أمية، لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة) (١) .
أما دولة بني العباس فقد قامت على أكتاف الفرس، وربما حدثت عملية الغزو من جراء فشلهم في هزيمة المسلمين في ميادين القتال فخاضوا معهم هذه المعارك الثقافية لمحاولة تقويض العقيدة، وهذا ما ذهب إليه "ابن خلدون" في مقدمته.
وقد ضخم من أثر ظهور الموالي عامل الجهل باللغة العربية وأسرارها واصطلاحاتها وعدم فهم لسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، إذ أرجع الإمام الشافعي القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من المسائل إلى الجهل بالعربية، وكان الحسن البصري يقول: (إنما أهلكتكم العجمة) (٢) .
وإزاء هذا كله، ذم السلف علم الكلام المبتدع، وإلى القارئ أسباب ذلك:
ذم السلف للكلام المبتدع:
تبين لنا مما تقدم أن المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين عارضوا الانشقاقات التي أحدثها البعض، وأظهروا معارضتهم لهذه البدع الطارئة وهي في جوهرها كانت نوعًا من أنواع الغزو الثقافي الزاحف من حضارات وديانات أخرى كان المجتمع الإسلامي عند نشأته في المدينة المنورة محصنًا إزاءها، إذ كان الوحي يتنزل على الرسول ﷺ وكان الصحابة يتلقون منه كل ما يحتاجونه في حياتهم الفردية والاجتماعية ويستفسرون عما يعنُّ لهم في العقيدة والعبادات والمعاملات. كما سألوا عن المسائل الغيبية وعرفوا الإجابات عنها من النبي ﷺ كصفات الله والحياة الآخرة والجنة والنار والعذاب والحساب والعقاب والملائكة والجان وغير ذلك من أمور الغيب. والبدعة اصطلاحًا هي: (التعدي في الأحكام والتهاون
стр. 60
بالسنن واتباع الآراء والأهواء وترك الاقتداء والاتباع) (١) .
وفي ضوء هذا التعريف، يصح بحث أسباب ذم السلف للكلام ورفضهم لما أدخله المتكلمون على البيئة الثقافية الإسلامية من تساؤلات وما بحثوه من قضايا وما استخدموه من مصطلحات طارئة.
ويمكن أن نستخلص هذه الأسباب في ضوء معرفة حقيقة الصراع الذي بدأ في ميدان العقيدة بين الإسلام والتيارات التي أخذت تهب من الخارج والتي استهدفت زعزعة العقيدة في النفوس باعتبارها الحصن المكين الذي يتمكن به الصحابة والتابعون وتابعوهم من خوض المعارك الكبرى والمنتصرة في تاريخ الإسلام.
وتتلخص أسباب ذم علم الكلام فيما يأتي:
أولاً: لقد أغنى الله تعالى المسلمين بكتابه وسنة رسوله ﷺ عن الالتجاء إلى مصادر أخرى لمعرفته ، أو إثبات توحيده وصفاته وأسمائه الحسنى، فقد أرسل الرسول (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: الآيتان ٤٥ - ٤٦] مع تكليفه بالتبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧] .
وقد أدى الرسول ﷺ الأمانة وبلغ الرسالة على خير وجه وأشهد المسلمين على إتمام التبليغ في خطبة الوداع (ألا هل بلغت؟) وكمل إتمام الدين بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ) [المائدة: الآية ٣]
وهذا يثبت أن الرسول ﷺ لم يترك أمرًا من أمور الدين - أصوله وفروعه - إلا وقد وضحها وأتم بيانها، بل إنه كان يبلغ كل أوامر ربه في التو واللحظة ولا يؤخرها (ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت ومكان، ولو أخر عن البيان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز) (٢) .
ثانيًا: يرى علماء السلف أنه بمسائله واصطلاحاته وأبحاثه يعد من قبيل فضول الكلام الذي لا يفيد الاشتغال به بل إن العمل به مضيعة للجهد والوقت بعد أن
стр. 61
كفانا الله مؤونة العكوف على مسائله بما بين لعباده ما يحتاجون إليه في عاجلهم وآجلهم (أوضح لهم سبيل النجاة والتهلكة وأمر ونهى وأحل وحرم وفرض وسن) .
هذا فضلا عن أننا نعثر في الأحاديث النبوية على توضيحات لكافة المباحث التي خاض فيها المتكلمون، فقد اشتمل الحديث على معرفة (أصول التوحيد وبيان ما جاء من الوعد ووجوه الوعيد وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين والإخبار عن صفات الجنة والنار وما أعد الله فيها للمتقين والفجار وما خلق الله في الأرضين والسموات من صنوف العجائب وعظيم الآيات وذكر الملائكة المقربين ونعت الصافين والمسبحين) (١) .
ثالثًا: خشية الفتنة بسبب استخدام المصطلحات الكلامية التي لم يأت بها الكتاب والسنة إذ لم يدع الرسول ﷺ الناس في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر فضلاً عما أدت إليه هذه المصطلحات من منازعات وخصومات بين المسلمين لعدم الاتفاق على مدلولاتها وتركيباتها، فأصبح لكل فرقة تشقيقات كلامية تختلف عن غيرها وظهرت الفرقة بين صفوف المسلمين (٢) .
والحق أن أسباب ذم السلف لعلم الكلام لا يمكن تقديرها حق قدرها وفهمها على وجهها الصحيح إلا إذا وضعناها في إطار الصراع الثقافي الحادث في المجتمع الإسلامي عقب وفاة الرسول ﷺ وصاحبيه وانقضاء دولة الخلافة الراشدة.
ونضرب على ذلك أمثلة من واقعنا المعاصر، فنتساءل: هل يجرؤ أحد في بلاد الاتحاد السوفيتي مثلاً؛ حيث النظام الماركسي، على القيام بالدعوة لنظم الغرب في الحكم والاقتصاد؟ إنه بلا شك سيواجه بتهمة الخيانة العظمى، فإما يعدم أو يطرد من بلاده شر طردة. كذلك فإن أية حركة تقوم في الغرب لمحاولة المساس بالنظام الديمقراطي في الحكم أو الاقتصاد الحر في المعاملات إلا وتواجه بمقاومة عنيفة من الرأي العام.
بمثل هذا نستطيع تقريب فهم ما حدث من معارضة للمتكلمين في عصر
стр. 62
الحضارة الإسلامية الزاهية، حيث تأكد لعلماء الحديث والسنة بطريق لا تقبل الشك ويشهد بها التاريخ ويقرها الواقع الماثل أمامهم أن عقيدة الإسلام وعباداته ونظمه وأخلاقياته قد تحققت كاملة في عصر النبي ﷺ والخلافة الراشدة فكانت دولة عالمية تشع نورًا بقيمها وعلومها ومثلها العليا، فكان العلماء حريصين على بقاء هذه الدولة العظمى بأركانها جميعًا، وأهم أركانها بلا شك هي العقيدة بأصولها المدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة، فلما جاء المنشقون لإثارة اللغط حول ما بني واكتمل وظهر آثاره رأوا أنه بمثابة معول هدم لن يتوقف إلا بعد أن يتحول البناء إلى ركام.
ونحن نرى - من زاوية التشابه مع نظرتنا المعاصرة التي بيناها آنفًا - أنهم كانوا محقين في معارضتهم. وسيزداد اقتناعنا كلما مضينا في بحثنا.
علم الكلام بين الأصالة والابتداع:
إن من سمات منهجنا في هذه الدراسة النظر إلى علم الكلام من اتجاهين:
أحدهما: الاتجاه الذي يتبناه شيوخ المعتزلة والأشاعرة بمفاهيم ومصطلحات بعضها إسلامي والآخر مستعار من ميتافيزيقا اليونان، كالقول بالقديم والمحدث والجوهر والعرض وغيرها.
والاتجاه الثاني: الذي يتبناه علماء الحديث والسنة ويتلخص في أن القرآن الكريم قد استوفى القضايا التي خاض فيها المتكلمون، وتظهر أصالة المنهج عندهم إذا استخلصنا من آرائهم السمة الطاهرة المصطبغ بها نتاجهم، ويتضح ذلك بصفتين ظاهرتين:
الأولى: الاستناد على طرق الاستدلال القرآنية لتدعيم نقدهم للنظريات الكلامية في دوائر الفرق الكلامية المعروفة.
الثانية: رفضهم تقسيم دائرة الإسلام الكبرى إلى دوائر متفرقة، لأنه ينبغي في رأيهم معرفة الإسلام واعتناق عقيدته لمنهج متكامل، لأنه شامل: يحدد الغرض من حياة الإنسان، مخاطبًا عقله، ومغذيًا وجدانه وراسمًا له طريق السلوك الصحيح المؤدي إلى سعادة ممتدة من الحياة الدنيا المؤقتة إلى حياة الآخرة الخالدة.
وفي هذا المعنى نجد "ابن تيمية" يرفض تجزئة الإسلام، فالصوفية في رأيه بنوا أمرهم على الإرادة وحدها، والمتكلمون بنوا أمرهم على النظر وحده، ولكن لابد
стр. 63
من أن تكون الإرادة عبادة الله - تعالى - وحده بما أمر، وأن يكون النظر في الأدلة التي دل بها رسول الله ﷺ ، وهي آيات الله تعالى (١) .
ويوجز نقده لأهل الكلام بقوله: (إنهم قصروا عن معرفة الأدلة العقلية التي ذكرها الله في كتابه وعدلوا عنها إلى طرق أخرى مبتدعة) (٢) بينما الحقيقة المؤكدة أن القرآن (جعله الله شفاء لما في الصدور، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة، حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ ، إما أن لا يعرفون اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفون معناه) (٣) .
فما علم الكلام عند المتكلمين؟:
أورد التهانوي الآراء التي قيلت في تعليل تسميته بعلم الكلام، منها أنه يورث قدرة على الكلام بالشرعيات، ومنها أن أبوابه عنونت - أولاً - بالكلام في كذا. ومنها أن مسألة الكلام أي: كلام الله أشهر أجزائه حتى كثر فيه التقاتل، كما سمي كذلك بأصول الدين لأنه الأصل الذي تنبني عليه العلوم الشرعية، وسماه أبو حنيفة (الفقه الأكبر) لأنه الاشتغال بأصول الدين، لا بالأحكام الفرعية العملية. ويسمى أيضًا بعلم النظر والاستدلال ويسمى بعلم التوحيد والصفات (٤) .
стр. 64
الفصل الثاني
علم الكلام
- تعريف علم الكلام
- علم الكلام بين الأصالة والبدعة.
- حجج المتكلمين في الدفاع عن منهجهم.
- رأي علماء الحديث في هذه الحجج.
стр. 65
الفصل الثاني:
علم الكلام:
إن علم الكلام عند ابن خلدون (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة) .
ومع أنه أجاز الدفاع عن العقائد الإيمانية بواسطة الأدلة العقلية، إلا أنه عاد فأوضح أن المسائل الغيبية إنما هي لا تقع في حيز الإمكانيات التي يستطيع العقل وحده الاهتداء إليها لأنها فوق طور العقل. وتحدث أيضًا عن الملكة الإيمانية الراسخة في النفس من أثر أداء العبادات فيقول:
(فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري هو التوحيد وهو العقيدة الإيمانية وهو الذي يحصل بها السعادة) .
ثم أخذ يحدد معالم الفكر والنطاق الذي يدور فيه ويصف الحدود الضيقة التي لا يستطيع أن يتجاوزها، وأن الفكر عاجز عن الإحاطة بتفصيل الوجود كله - أي: الوجود المطلق - لأن الوجود (عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها فالأمر نفسه بخلاف ذلك) وأن الأمثال التي يسوقها مؤرخنا تدعم هذا الرأي، فالأصم ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع ويفقد صنف المسموعات ويسقط عند الأعمى صنف المرئيات.
إن هذا يثبت عجز الإدراك الإنساني عن الإحاطة بما في الوجود كله فما بالنا بخالق هذا الكون، ؟
ولكن لا يعني هذا القدح في العقل بل العقل ميزان صحيح لأن أحكامه يقينية ولكن بسبب ما بيناه من عجزه عن الإحاطة بالوجود - لأنه أوسع نطاقًا من المدارك الإنسانية - أي أن العقل لا يستطيع الإنسان أن يزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية (١) .
وربما كان المثال الذي ضربه لنا "ابن خلدون " في هذا الصدد يعد أقوى دليل
стр. 66
فيما يقدمه من رأي دقيق لإثبات عجز العقل عن إدراك ما وراء طوره في المسائل الغيبية، إذ يقول: "وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق، ولكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك (١) .
وقد أشار "ابن خلدون " في تعريفه إلى أهم النقاط المثيرة للخلاف بين علماء الكلام في دائرتي المعتزلة والأشاعرة، وبين علماء الحديث والسنة، مما جعلنا نرجح أن وراء هذه الأسطر قراءات متشعبة ومستوعبة لقضايا أصول الدين ووجهات النظر المتباينة حولها.
ويتضح أيضًا أنه أعطى الجانب النقدي اهتمامه أيضًا.
لذلك لا ينبغي أن ننسى جبهة عريضة وقفت تعارض علم الكلام في دائرة السلف من علماء الحديث على مر الأعصار وتعده من قبيل البدع الطارئة على الفكر الإسلامي وأنه أدى إلى الاضطرابات والفتن، وفتت جهود المسلمين وأجهد عقولهم في مجال كفاه القرآن والسنة. وحتى أمام وجهة النظر المدافعة عن المتكلمين بأنهم دافعوا عن الإسلام فإن الرأي المعارض - الذي يمثله ابن تيمية والجامع للاتجاه السلفي قبله - على العكس - يرى أنهم أخفقوا في هذه المهمة لأنهم لم يستندوا في أصولهم على المبادئ الاستدلالية القرآنية (فالكلام الذي ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة، لا الإسلام ولا لعدوه كسروا، بل كان بما ابتدعوه ما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم) (٢) .
стр. 67
ومضى يذكر أسباب ذلك ودوافعه مما لا يدخل في نطاق موضوعنا الآن، وسنفصله عند الحديث عن آرائه الكلامية.
ونقتصر هنا على بيانه لخطأ المتكلمين المنهجي - وهو يعبر لنا عن الاتجاه السلفي العام، إذ يستند إلى ضرورة طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة كما فعل الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم لا سيما في أصول التوحيد والإيمان - ثم بعد معرفة ما بينه الرسول ينظر في أقوال المفكرين وما أرادوه بها فتعرض على الكتاب والسنة، مع العلم بأن العقل الصريح دائمًا موافق للرسول ﷺ لا يخالفه قط، فإن الميزان مع الكتاب (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى، الآية: ١٧] ، ولكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه، فالرُّسُل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول. وإذا كان هذا المنهج الصحيح فإن المناهج المخالفة على العكس من ذلك، فإنها ناجمة عن ابتداع بدعة برأي البعض وتأويلاتهم، ثم جعل ما جاء به الرسول تبعاً لها، فيحرفون ألفاظه ويؤولونها على وفق ما أصلوه (١) .
أهم موضوعات علم الكلام:
تدور المناقشات في أصول الدين التي يتكلم المتكلمون فيها ويتناظرون عليها، حول المسائل الآتية:
أولاً: الرد على الدهرية القائلين بقدم العالم فأخذ المتكلمون يبرهنون على حدوث الأجسام والدلالة على أن للعالم محدثًا هو الله تعالى.
ثانيًا: تنزيه الله ، للرد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودحض مزاعم القائلين بكثرة الصانعين كالمجوس، فقد شبه اليهود الله بصفات المخلوقين وادعى النصارى بالقول بالتثليث، وقال المجوس بإله النور وإله الظلمة.
ثالثا: إثبات أن الله تعالى عالم قادر حي قيوم، وأنه واحد، للرد على المعطلة
стр. 68
النافين للصفات.
رابعًا: الكلام في رؤية الله في الجنة، وإثباتها أو نفيها، وأن كلام الله مخلوق أو غير مخلوق.
خامسًا: البحث في أفعال العباد وهل هي مخلوقة يحدثها الله ﵎ أو العباد وإذا كانت الاستطاعة قبل الفعل أو معه.
سادسًا: الحكم على من مات مرتكبًا الكبائر، فهل يخلد في النار أو يجوز أن يرحمه الله - تعالى - ويتجاوز عنه ويدخله الجنة؟
سابعًا: الدلالة على النبوة بعامة، ردًا على البراهمة وغيرهم من مبطلي النبوة. والدلالة على نبوة نبينا محمد ﷺ بخاصة.
ثامنًا: القول في الإمامة ومن يصلح لها ومن لا تصلح له وهل هي قضية مصلحية تتم بأهل الحل والعقد في الأمة أم أنها تتم بالنص (١) .
هذه هي المسائل المثارة في المدارس الكلامية، ويظهر من مصطلحاتها أنها ترتبط بمراحل تاريخية للمسلمين، من أهم سماتها أنهم كانوا فيها أصحاب الحضارة السائدة في عالمهم.
والآن، حلت مشكلات أخرى، فأصبح من الضروري أن يجابهها الفكر الإسلامي بطرق ملائمة لثقافة العصر وحضارته. فإذا صورنا العالم الإسلامي أيام الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام، فمن الواضح أنه كان مهاجمًا، يملك في يديه العناصر الحضارية الأسمى، ثم انحسرت موجة الحضارة وانقلب العالم الإسلامي مدافعًا بعد أن كان ممسكًا بزمام الأمور، مرهوب الجانب مسموع الكلمة (٢) .
والنظرة العامة لتاريخنا المعاصر تجعلنا ندرك صحة ما نذهب إليه، فقد اتخذ الغرب موقف المهاجم منذ شن نابليون هجومه على المشرق الذي بدأ في التمزق حينئذ بالغًا الذروة في الحرب العالمية الأولى، حيث انهار النظام الذي كان قائمًا في ظل الخلافة العثمانية.
стр. 69
وتجددت المشاكل أمام الفكر الإسلامي الذي أخذ يجابهها بأساليب جديدة نتيجة من ناحية لمقاومة الاستعمار ومقاومة المذاهب والبحوث الفكرية التي خلفها بمعاونته في تمكين سلطه في رقعة البلاد الإسلامية (١) ، ومن ناحية أخرى أصبح من واجب العلماء التعريف بالإسلام بصورته الشاملة كدين وحضارة وبعث النشاط في قيمه العليا - سواء في حقائقها الميتافيزيقية أو أنظمتها التشريعية والاجتماعية والسياسية - أو في قيمتها الإنسانية الأخلاقية في هذا العصر المصطبغ بالتقدم العلمي المادي، الذي عزل الإنسان عن القيم الروحية التي غذته بها الأديان.
ومهما بلغت العلوم في تقدمها وازدهارها، فليس لها أن تعترض طريق الدين. وقد أصبح هذا الاستدلال في غاية القوة حيث إن العلماء اعترفوا في هذا القرآن بأن العلوم المادية لا تعطي إلا علما جزئيًا عن الحقائق (٢) ، ومن جانب آخر فقد اضطر العلماء إلى الانحناء والخضوع أمام آلاء الله ، والإقرار بأن الزهو بالعلم والاكتشافات العلمية كان تعبيرًا عن قصور في إدراك الإنسان لمدى قدرته إزاء سنة الله الكونية ثم أظهرت الاكتشافات أن الإنسان لا يستطيع اكتشاف قوانين حياته بنفسه، وأن الأشياء التي لا نطلع عليها هي أهم بكثير من التي نطلع عليها، وإقرارا لهذا الواقع اشترك نحو مائة وخمسين من كبار علماء العالم في نشر معجم بعنوان (دائرة معارف الجهل) موضحين الكثير من الظواهر والحقائق الإنسانية والكونية التي لا تزال بدون تفسير.
كذلك مما يقرب عالم الغيب للأذهان الذي يشمل أصول الدين أغلب قضاياه له وسرعاته وأعداده كلها تحير العقل وتذهله وتعجزه عن التصور الحقيقي - لأن هذا العالم أعظم وأضخم من القوة المتخيلة للأذهان، فالإنسان الذي يدرس الكون (مضطر لتغيير قيمه ومقايسه إلى هذه الحجوم والكتل الهائلة التي لا يستطيع أن يجد لها تشبيهًا معقولاً ليساعده على تصورها وفهمها) (٣) .
стр. 70
ثم جاءت النظرية النسبية لتنفي فكرة العبثية عن الكون ولتثبت أن الظواهر الكونية كلها تخضع لقوانين رياضية ثابتة (١) .
حجج المتكلمين في الدفاع عن منهجهم:
يستند علماء الكلام في الدفاع عن مناهجهم إلى الحجج الآتية:
الأول: أن ظهور علم الكلام في زمن أتباع التابعين استتبعه استحسان وتم تدوينه بالكتب، فيعدّ من هذا الوجه من قبيل البدعة الحسنة، به انزاحت الشبه عن قلوب أهل الزيغ وثبت قدم اليقين للموحدين.
الثاني: أن أدلة العقول لازمة لبيان صحة أصول الدين وحقائقها لأن المنهاج الصحيح في معرفة حق الكتاب وصدق الرسول ﷺ مستند على البراهين العقلية.
الثالث: إذا جعل أصل الدين الاتباع - لا العقل- فإن ذلك مخالفة للكتاب لأن الله تعالى ذم التقليد في القرآن، وندب الناس إلى النظر والاستدلال آمرًا بمجادلة المشركين بالدلائل العقلية، ومن تدبر القرآن ونظر في معانيه وجد تصديق هذا الأصل (٢) .
الرابع: يرى القاضي عبد الجبار (٤١٥ هـ) أنه لما منع "الرشيد" من الجدال في الدين وحبس أهل الكلام، كتب إليه ملك السند يطلب من يناظره، " فوجه إليه الرشيد قاضيًا لم يحسن الجدل، فاضطر إلى البحث عمن يناضل عن الدين، وأخرج أهل الكلام من السجن ووقع اختياره على أحدهم، فبعثوه للمناظرة.
وتروى القصة بوقائع أخرى، تتلخص في اجتماع الرشيد برجلين من المتكلمين فتكلما في مسألة فقال لبعض الفقهاء: احكم بيننا فقال: هذا أمر لا يعنيني فأمر له بصلة وقال: هذا جزاء من لا يشتغل بما لا يعنيه، أما الرواية الثالثة، فتشير إلى أمره بقتل رجلين تكلما أمامه في مسألة غامضة فأمر بقتلهما لأنهما زنديقان.
ولكن المؤيدين لعلم الكلام يستخلصون منها جميعًا عجز أهل الحديث عن النضال عن الدين لمغايرة منهجهم عن طريقة المتكلمين المستندة إلى العقل.
стр. 71
رأي علماء الحديث في هذه الحجج:
يرى المعارضون أن الاختلاف ينبغي أن يفصل بين النظر الشرعي والكلام المبتدع، ويظهر الاختلاف بينها منهجيًا قبل أي شيء آخر، إذ يرى أهل الحديث أن العقل لا يوجب شيئًا فلا دور له ولا حظ في تحليل أو تحريم أو تحسين أو تقبيح ما لم يرد به الوحي مستدلين على ذلك بقول الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء، الآية: ١٥] وقوله : (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء، الآية: ١٦٥] ، وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة فيما خاطبوا به أهل النار: (ألم يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى) [الزمر، الآية: ٧١] ، فيتبين من هذه الآية أنه أقام عليهم الحجة ببعث الرسل فلو كانت الحجة لازمة بنفس العقل لم يكن بعثة الرسل شرطًا لوجوب العقوبة، وإذا تأسس الإيمان على العقل لأدى ذلك إلى إنكار دور الرسل وكأن وجودهم وعدمه بمنزلة واحدة، أو كأنهم اقتصروا في دعوتهم على الشرائع وفروع العبادات دون أصول الدين.
وهنا تظهر صورة مختصرة للاعتراض في صيغة تهكم، فيرى أحدهم (أنه لو قال قائل: لا إله إلا الله عقلي رسول الله لم يكن مستكفرًا عن المتكلمين من جهة المعنى، فظهر فساد قول من سلك هذا) (١) . وأيضًا ففي الدين معقول وغير معقول والاتباع في جميعه واجب، وأن الله تعالى هو الذي يعرف العبد ذاته فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" فدل على أن الله تعالى يعرف العبد مع وجود العقل سبب الإدراك والحجة لقوله : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل، الآية: ٦٧] وقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق، لآية: ٣٧] وقال تعالى مخبرًا عن أصحاب النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك، الآية: ١٠] .
فالعقل آلة لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فهو آلة التمييز بين القبيح والحسن، السنة والبدعة، الرياء والإخلاص، ولولاه لم يكن تكليف ولا توجه أمر ولا
стр. 72
نهي (١) . وقديمًا عبر "الجنيد" عن عجز العقل عن إدراك الربوبية وعاب على المتكلمين منهجهم بقوله: (نفي العيب حيث يستحيل العيب، عيب) (٢) ، ولا ينكر علماء الحديث النظر لزيادة البحث وإنما أنكروا طريقة أهل الكلام إذ أسسوا طريقتهم على وجوب النظر أولا المؤدي إلى معرفة الباري ، بينما لم يثبت اتباع هذه الطريقة عن النبي ﷺ وصحابته والتابعين بعده (٣) ، وقد علمنا من سيرته أنه لم يدع أحداً إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر وحدوث الأجسام كما يفعل أهل الكلام (٤) بل إن دراسة منهج الأنبياء والرسل يجعلنا ندرك أنهم لم يشتغلوا بالنظر وتلقين أتباعهم والمصدقين بهم الأدلة التي هي أصول الإسلام، ولكنهم حرصوا على تعليم الشرائع والآداب. وينبغي التمييز بين لفظي التقليد والاتباع، فالتقليد هو قبول قول الغير بلا حجة، أما الاتباع فإنه السير على منهاج رسول الله ﷺ بعد قيام الأدلة على صدق نبوته المنقولة إلينا بواسطة أهل الإتقان والثقات من الرواة ما لا يعد كثرة من المعجزات والبراهين والدلالات. وأهملوا تعليمهم الدلائل وتعليمهم كيفية حل الشبه ولو فعلوا لنقل إلينا تصانيفهم كما نقل إلينا كتب الفلاسفة والمتكلمين من علماء المسلمين (٥) ، ويذهب "ابن الوزير اليماني " إلى أبعد من هذا فيرى أنه لم ينقل أن اثنين اختلفا في شيء قط، ولا كذب أحدهما الآخر ولا غلطه ولا خطأه ولو كانوا اكتسبوا ذلك بالنظر لقضت العادة باختلافهم كما اشتد الاختلاف بين الفلاسفة والمتكلمين، فإن كثيرًا منهم قد تفردوا بمقالات حتى قيل اجتماع العلماء في النظريات محال. ويضيف إلى ذلك دليلا آخر، هو انقطاع الأذكياء في تحصيل علم الكلام، دقيقه وجليله، مستفيدًا بما انتهى إليه الرازي معترفًا بالقصور عن بلوغ غايته ومنتهاه، فقرر في وصيته التي مات عليها (ولقد اجتزت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن
стр. 73
العظيم) (١) .
ويورد القصة التي شنع بها أهل الكلام على المحدثين من إرسال ملك الروم إلى "هارون الرشيد" وطلب المناظرة وعجز المحدث عنها وسخرية أولئك الفلاسفة، فقد كثر الكلام في التبجح بذلك، وبحكاية أخرى تشبهها. والجواب عليهم في ذلك أنهم أرادوا الاستدلال على أنهم أجدل من المحدثين، فذلك مسلم لهم بل إنهم أجدل من رسول الله ﷺ ، لأن الكل يعلم أنه لم يصدر شيء من الكلام ومجادلة الفلاسفة من رسول الله ﷺ ولا من جميع أصحابه ﵃ ولا اشتغلوا بممارستهم لما رأوه أهل اللجاج. ولا يلزم من ذلك أنهم أقل معرفة بالله ولا أقل نصرة لدين الله. ولو أحبوا الخوض في علم الكلام واشتغلوا بتعلمه وتعليمه لبلغوا فيه ما أرادوا وعرفوا ما عرف المتكلمون وزادوا، ولكنهم أعرضوا إعراض مستغن عنه - واستقراء السير والأخبار تدلنا على أنهم لم يتبعوا هذا الأسلوب في الدعوة، فها هي قصة جعفر بن أبي طالب ومهاجري الحبشة مع "النجاشي" وما راجعه به خطيبهم "جعفر" حين قيل للنجاشي إنهم يقولون في عيسى ﵇ قولاً عظيمًا، فلما سألهم النجاشي عن ذلك أجابوا بكلام الله تعالى واحتجوا به على صحة عقيدتهم وتلا جعفر على "النجاشي " صدر سور مريم حتى بكى النجاشي وأصحابه وكان ذلك سبب إسلامه، كما أرسل صلوات الله عليه إلى هرقل من كان على صفة المحدث الذي أرسله هارون وهو دحية بن خليفة الكلبي ولم يعلمه ما يجيب به عليهم إن أوردوا عليه ما يدق من شبههم وهم أهل المنطق وسائر الدقائق النظرية، كما بعث إلى النجاشي صاحب الحبشة، وإلى "المقوقس" صاحب الإسكندرية وبعث "أبا عبيدة" إلى البحرين يعلنهم الإسلام، وبعث "عليا" و"معاذً" و"أبا موسى" إلى اليمن، وبعث إلى سائر الملوك للدعاء إلى الإسلام لم يضمنها شيئًا من ذلك مثل كتابته إلى هرقل وإلى كسرى. وخلاصة المنهاج الذي اتبعه الرسول - كما أمره الله هو الاقتصار على مجرد الدعوة إلى الإسلام والاتكال في إيضاح الحجة على ما قد فعله الله تعالى لهم من إظهار المعاني وتقديم البيانات الواضحة للعقول، إذ قال الله تسلية لرسول
стр. 74
الله ﷺ وبيانًا لحد ما جب عليه؟ (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران، الآية: ٢٠] أي: في الذي ببواطنهم وما أقام عليهم من الحجة، إذ لا مطمع في هداية المرء والجدال والحجة وكيف يطمع فيهم وقد حكى الله تعالى عنهم أنهم جادلوه يوم القيامة وأنكروا ما صنعوا من معاصيه حتى شهدت عليهم أيديهم وأرجلهم فقالوا لأعضائهم لم شهدتم علينا (١) ؟
وإن قيل: إن الله - تعالى - قد أمر رسوله ﷺ بالجدل في قوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل، الآية: ١٢٥] فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى بين ذلك بالتي هي أحسن ولم يأمره بمطلق الجدال، فامتثل ما أمره ومع ذلك فلم ينقل عنه أنه جادل بأساليب المتكلمين والجدليين فثبت أن التي هي أحسن ليست سبيل المتكلمين مثل ما علم الله رسوله أن يحاجهم به في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ، الآيتان: ٤٦ - ٤٧] ، وتنفيذه للأمر الإلهي (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فصعد على الصفا فجعل ينادي لبني قريش حتى اجتمعوا فسألهم "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم كنتم مصدقي؟ " قالوا: (نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا) قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، والأمثلة الأخرى كثيرة في القرآن عن محاجة الأنبياء وجدالهم كما في سورة "هود"، ومحاجة "إبراهيم" لقومه ومحاجة "يوسف" لصاحبي السجن.
الوجه الثاني: أن الله - تعالى - أجمل كيفية الجدال بالتي هي أحسن في تلك الآيات وبينه في غيرها بتعليمه في القرآن العظيم لنبيه ﷺ فقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا
стр. 75
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران، الآية: ١٩ و ٢٠] ، فهذه الآية واضحة الدلالة على الأمر بالاقتصار على مجرد الدعاء إلى الإسلام والاتكال في إيضاح الحجة على ما قد فعله الله تعالى لهم من خلق العقول وبعثة الرسول وإنزال الآيات وإظهار المعجزات وتكثير مواد البينات (١) وسنرى أيضًا أن ابن تيمية في معارضته لعلم الكلام يوضح أن السلف الصالح لم يعارضوا جنس النظر والاستدلال ولكن المعارضة اتجهت إلى الأساليب الكلامية المستقاة من الفلسفة اليونانية وكان الأحرى الإحالة إلى الأدلة الشرعية وفي مقدمتها القرآن الحكيم لأنه اتجه في خطابه للإنسان باستثارة قوانين العقل وتحريك وجدانه وإيقاظ قلبه من الغفلة.