← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13900

بيان إعجاز القرآن

الخطابي

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

بلهب السعير والدخان المستطير , قيل إن نعمة الله تعالى فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها بإزاء نعمه على ما وعد وبشر من ثوابه على طاعته ليرغبوا فيها ويحرصوا عليها. وإنما تحقق معرفة الشيء بأن يعتبر بضده ليوقف على حده. والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما فإنهما متوازيان في موضع النعم بالتوقيف على مآل أمرهما والإبانة على عواقب مصيرهما , وعلى هذا ما قاله بعض حكماء الشعراء: والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها وأما قولهم: لو كان نزول القرآن على سبيل التفصيل والتقسيم , فيكون لكل نوع من أنواع علومه حيز وقبيل , لكان أحسن نظمًا وأكثر فائدة ونفعًا فالجواب: أنه إنما نزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعاني في السورة الواحدة وفي الآية المجموعة القليلة العدد لتكون أكثر لفائدته وأعم لنفعه. ولو كان لكل باب منه قبيل , ولكل معنى سورة مفردة لم تكثر عائدته , ولكن الواحد من الكفار والمعاندين المنكرين له إذا سمع السورة منه لا تقوم عليه الحجة به إلا في النوع الواحد الذي تضمنته السورة الواحدة فقط , فكان اجتماع المعاني الكثيرة في السورة الواحدة أوفر حظًا وأجدى نفعًا من التمييز والتفريد للمعنى الذي ذكرناه. والله أعلم. وقد أحب الله أن يمتحن عباده ويبلو طاعتهم واجتهادهم في جمع المتفرق منه , وفي تنزيله وترتيبه , وليرفع الله الذين آمنوا منهم والذين أوتوا العلم درجات.

стр. 37

فإن قيل ما أنكرتم أن القوم قد عارضوه ولكنه لم ينقل إلينا وغيب عنا ذكره , وكتم الخبر فيه لما اتسع الإسلام وخافوا على أنفسهم , فانقطع رسمه وامحى أثره. قيل: هذا سؤال ساقط. والأمر فيه خارج عما جرت به عادات الناس , خواصهم وعوامهم من نقل الأخبار , والتحدث بالأمور التي لها شأن , وبالنفوس تعلق , ولها فيها وقع. وكيف يجوز ذلك عليهم في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد انزعجت له القلوب وسار ذكره بين الخافقين! ولو جاز ذلك في مثل هذا الشأن مع عظيم خطره وجلالة قدره لجاز أن يكون قد خرج في ذلك العصر نبي آخر , وأنبياء ذوو عدد , وتنزلت عليهم كتب من السماء , وجاءوا بشرائع مخالفة لهذه الشريعة , وكتم الخير فيها فلم يظهر. وهذا ما لا يتوهم أن يكون لخروجه من سوم الطباع ومجاري العادات , فكذلك ما سألونا عنه. فإن قيل: ما أنكرتم أن المعارضة قد حصلت منهم لبعضه , وهو ما بلغ مقداره عدد الآي من السور القصار , نحو ما حكي عن مسيلمة من قوله: " يا ضفدع نقي كم تنقين , لا الماء تكدرين ولا الوارد تنفرين " وكما حكى عن بعضهم من قوله:" ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى , أخرج منها نسمة تسعى , بين شراسيف وحشى " ن وكما قال آخر منهم: " الفيل , وما لفيل , وما أدراك ما الفيل. له مشفر طويل , وذنب أثيل , وما ذاك من خلق ربنا بقليل ". قيل: أما قول مسيلمة في الضفدع فمعلوم أنه خال من كل فائدة ,

стр. 38

لا لفظه صحيح , ولا معناه مستقيم , ولا فيه شيء من الشرائط الثلاث التي هي أركان البلاغة , وإنما تكلف هذا الكلام الغث لأجل ما فيه من السجع. والساجع عادته أن يجعل المعاني تابعة لسجعه , ولا يبالي بما يتكلم به إذا استوت أساجيعه واطردت. ولخلو هذا الكلام من كل نوع من الفوائد قال أبو بكر ﵁ حين طرقت سمعه: أشهد أن هذا الكلام لم يخرج من بال. وأخبرني ابن الفارسي محمد بن القاسم بن الحكم قال: أخبرني أبي قال أخبرني إبراهيم بن هانئ قال: أخبرني يحيى بن بكير قال: أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن نشيط قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى البحرين , فتوفي رسول الله ﷺ وعمرو ثم َّ. قال عمرو: فأقبلت حتى مررت على مسيلمة فأعطاني الأمان ثم قال: إن محمدًا أرسل في جسيم الأمور وأرسلت في المحقرات. فقلت: أعرض علي ما تقول. فقال: " يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين. لا واردًا تنفرين , ولا ماءً تكدرين , يا وبر يا وبر , يدان وصدر , وسائرك حضر نفر ". ثم أتى أناس يختصمون إليه في نخل قطعها بعضهم لبعض فتسجَّى بقطيفة ثم كشف رأسه فقال: " والليل الأدهم , والذئب الأسحم , ما جاء بنو أبي مسلم من محرم " ثم تسجَّى الثانية فقال: " والليل الدامس , والذئب الهامس ما حرمته رطبًا إلا كحرمته يابس , قوموا فلا أرى عليكم فيما صنعتم شيئًا ". قال: قال عمرو: أما والله إنك تعلم وإنا

стр. 39

لنعلم أنك من الكاذبين. فتوعدني. قلت: صدق عمرو. هل يخالج أحدًا شك في ضلالة من هذا سبيله , وسقوط من هذا برهانه ودليله؟! وأي بلاغة في هذا الكلام؟ , وأي معنى تحته , وأي حكمة فيه حتى يتوهم أن فيه معارضة للقرآن , أو مباراة له على وجه من الوجوه؟. ولكن البائس أعلم بنفسه حين يقول: أرسلت في المحقرات , ولا يراد أحقر مما جاء به وأقل. ولعل بعض ما جاء به أبو الينبعي وأبو العَبْر , والطرميُّ وأضرابهم من السخافات أشف منه وأخف على السمع. وما أشبه الأمر في هذا بما حكي لنا عن أبي عمرو بن العلاء: حدثني محمد بن الحسين بن عاصم قال: حدثني محمد بن الصباح المازني قال: حدثني عبدالله بن الهيثم حدثنا الأصمعي قال: أنشد رجل أبا عمرو بن العلاء شعرا رديئًا فقال: هذا شبه شعر فلان: حدارجا جدارجا ... سبعين فرخا دارجا قال: وأنشد رجل آخر شعرًا رديئًا فهًّا فقال: هذا يشبه شعر بشار: حبابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت لها سبع دجاجات ... وديك حسن الصوت وأما قول الآخر: الفيل ومالفيل وما أدراك مالفيل , وقول صاحب ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ... فإن كل واحد من هذين الكلامين مع قصور آيه , وقصر معانيه خال من أوصاف المعارضات وشروطها؛ وإنما

стр. 40

هو استراق واقتطاع من عرض كلام القرآن واحتذاء لبعض أمثلة نظومه , وكلا لن يبلغوا شأوه أو يصيبوا في شيء من ذلك حذوه. وسبيل من عارض صاحبه في خطبة أو شعر أن ينشئ له كلاما جديدًا ويحدث له معنى بديعًا , فيجاريه في لفظه ويباريه في معناه ليوازن بين الكلامين فيحكم بالفلج لمن أبر منهما على صاحبه , وليس بأن يتحيف من أطراف كلام خصمه فينسف منه ثم يبدل كلمة مكان كلمة فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق , ثم يزعم أن قد واقفه موقف المعارضين وإنما المعارضة على أحد وجوه: منها أن يتبارى الرجلان في شعر أو خطبة أو محاورة فيأتي كل واحد منهما بأمر محدث من وصف ما تنازعاه , وبيان ما تباريا فيه يوازي بذلك صاحبه أو يزيد عليه فيفصل الحكم عند ذلك بينهما بما يوجبه النظر من التساوي والتفاضل , نحو ما تنازعه امرؤ القيس وعلقمة بن عبدة من وصف الفرس في قصيدتيهما المشهورتين , فافتتح امرؤ القيس قصيدته بقوله: خليليَّ مرَّا بي على أمِّ جُنْدبِ فلما صار إلى ذكر الفرس وسرعة ركضه قال: فللزجر أُلهوبٌ وللسَّاق دِرةٌ ... وللسَّوطِ منه وقْعُ أهوجَ مُنْعِبِ

стр. 41

وابتدأ علقمة قصيدته بقوله: ذهبتِ مِنَ الهجران في غير مذهبِ فلما صار إلى ذكر الفرس وركضه قال: فعفَّى على آثارهنَّ بحاصِبٍ ... وغيبة شؤبوبٍ من السَّد ملهبٍ فأدركهنَّ ثانيًا من عنانه ... يمرُّ كمرِّ الرائح المتَحَلِّبِ وكانا قد حكَّما بينهما امرأة امرئ القيس , فقالت لزوجها: علقمة أشعر منك , فقال: وكيف ذلك؟ قالت: لأنه وصف الفرس بأنه أدرك الطريدة من غير أن يجهده أو يكده , وأنت مريت فرسك بالزجر وشدة التحريك والضرب , فغضب عند ذلك وطلقها. ونحو هذا معارضة الحارث بن التوأم اليشكري إياه في إجازة أبيات: أخبرني محمد بن الحسين بن عاصم قال أخبرني محمد بن الصباح المازني قال: أخبرني عبيدالله بن محمد الحنفي قال أخبرني محمد بن سلام عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان امرؤ القيس ينازع كل من قيل أنه يقول شعرًا , فنازع الحارث بن التوءم , فقال امرؤ القيس: أحارِ ترى بريقًا هبَّ وهناً

стр. 42

فقال الحارث: كنار مجوسَ تستعرُ استعارا فقال امرؤ القيس: أرِقتُ له ونام أبو شريحٍ فقال الحارث: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: غمر بجانب العبلات منه فقال الحارث: وبات يحتفر الأكم احتفارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك ببطن السِّي ظبيا فقال الحارث: ولم يترك بعرصتها حمارا فقال امرؤ القيس: كأن هزيزه بوراء غيب قال الحارث: عشارٌ وُلَّهٌ لاقت عشارا

стр. 43

فقال امرؤ القيس: فلما أن علا شرجي أُضاخٍ قال الحارث: وهت أعجاز ريِّقه فخارا قال امرؤ القيس: فلم تر مثلنا ملكًا هماما قال الحارث: ولم تر مثل هذا الجار جارا قال: فآلى امرؤ القيس ألا يناقض بعده شاعرًا. قال محمد بن سلام في غير هذه الرواية: فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه , ولم يكن في ذلك الدهر شاعر يماتنه آلى ألا ينازع الشعر بعده أحدًا. قلت: هذه مباراة عجيبة , ومعارضة تامة مستوفاة فصلًا فصلأ , ومصراعاً مصراعاً , وللحارث فيها ما ليس لامرئ القيس لأن المبتدئ , متمكن من الاختيار موسع عليه الطرق يسلك أيها شاء , والمجيز مقصور القيد ممنوع من التصرف إلا في الجهة التي هو بإزائها فلذلك قد أبر عليه الحارث لما جاء من حسن التشبيه والتمثيل الذي خلا منه كلام امرئ القيس , ولأجل ذلك آلى امرؤ القيس ألا يماتن شاعرًا بعده.

стр. 44

وقد روي لنا أن الوليد بن عبد الملك وأخاه مسلمة تنازعا ذكر الليل وطوله , ففضل الوليد أبيات النابغة في وصف الليل , وفضل مسلمة أبيات امرئ القيس؛ فحكَّما الشعبي بينهما , فقال الشعبي: تنشد الأبيات وأسمع , فأنشد للنابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب ثم أنشد لامرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدولهُ ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصلبه ... وأردَف أعجازاً وناءَ بكلْكلِ ألا أيها الليل الطويل إلا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل قال فركض الوليد برجله , فقال الشعبي: بانت القضية. قلت: افتتاح النابغة قصيدته بقوله: كليني لهم يا أميمة ناصب متناه في الحسن , بليغ في وصف ما شكاه , من همه وطول ليله. ويقال إنه لم يبتدئ شاعر قصيدة بأحسن من هذا الكلام. وقوله: وصدرٍ أراح الليل عزب همَّه

стр. 45

مستعار من إراحة الراعي الإبل إلى مباتها , وهو كلام مطبوع سهل يجمع البلاغة والعذوبة؛ إلا أن في أبيات امرئ القيس من ثقافة الصنعة وحسن التشبيه وإبداع المعاني ما ليس في أبيات النابغة , إذ جعل لليل صلبا وأعجازا وكلكلا , وشبه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضًا حالا على حال , وجعل النجوم كأنها مشدودة بحبال وثيقة فهي راكدة لا تزول ولا تبرح , ثم لم يقتصر على ما وصف من هذه الأمور حتى عللها بالبلوى ونبه فيها على المعنى , وجعل يتمنى تصرم الليل بعود الصبح لما يرجو فيه من الروح , ثم ارتجع ما أعطى واستدرك ما كان قدمه وأمضاه فزعم أن البلوى أعظم من أن يكون لها في شيء من الأوقات كشف وانجلاء , والمحنة فيها أعلظ من أن يوجد لدائها في حال من الأحوال داء وشفاء , وهذه الأمور لا يتفق مجموعها في اليسير من الكلام إلا لمثله من المبرزين في الشعر الحائزين فيه قصب السبق , ولأجل ذلك كان يركض الوليد برجله إذ لم يتمالك أن يعترف له بفضله. فبمثل هذه الأمور تعتبر معاني المعارضة فيقع بها الفصل بين الكلامين من تقديم لأحدهما أو تأخير أو تسوية بينهما. وقد يتنازع الشاعران معنى واحدًا فيرتقي أحدهما إلى ذروته ويقصر شأو الآخر عن مساواته في درجته , كالأعشى والأخطل حين انتزعا

стр. 46

في وصف الخمر على معنى واحد فكان لأحدهما العلو , وكان للآخر السفل. أخبرني أبو رجاء الغنوي قال: أخبرني أبي قال: أخبرني عبدالله بن أبي سعد قال: حدثني أبو غسان مالك بن غسان المسمعي قال: حدثني هشام ابن أدهم المازني -وكان علامة - قال: دخل الشعبي على الأخطل فوجده ثملا وحوله لخالخ ورياحين , فقال: يا شعبي فعل الأخطل وذكر أمهات الشعراء , فقال الشعبي: بماذا يا أبا مالك؟ قال: بقوله: وتظلُّ تنصفنا بها قرويةٌ ... إبريقها بِرقاعه ملْثُومُ فإذا تعاورت الأكف زجاجها ... نفحت فنال رياحها المزكوم فقال الشعبي: أشعر منك الذي يقول: وأدكن عاتق جحلِ سِبْحلٍ ... صبحت براحه شرْبًا كراما من اللائي حُملنَ على الروايا ... كريح المسك تستلُّ الزكاما فقال له الأخطل: من يقول هذا يا شعبي؟ , قال: الأعشى , قال: قدُّوس قدوس , فعل الأعشى , وذكر أمهات الشعراء. فتأمل أين منزلة أحدهما من الآخر , لم يزد الأخطل حين احتشد وافتخر على أن جعل رائحتها لذكائها تنفذ حتى تخلص إلى الرأس فينالها المزكوم , وجعلها الأغشى لحدتها وفرط ذكائها مستلة للزكام طاردة له , وقد طبت لدائه وتأيَّت لبرئه وشفائه.

стр. 47

وأعجب من هذا في المعارضات. وأبلغ منه في مذاهب المقابلات والمناقضات بناء الشيء وهدمه , وتشييده ثم وضعه ونقضه , كقول حسان بن ثابت. أخبرني أبو رجاء قال: حدثني أبي قال: حدثني عمر بن شبة قال: حدثني هارون بن عبد الله الزبيري قال: حدثني يوسف بن عبد الله الماجشون عن أبيه قال: قال حسان: أتيت جبلة بني الأيهم الغساني وقد مدحته فقال لي: يا أبا الوليد إن الخمر قد شغفتني فاذممها لعلي أرفضها فقلت: ولولا ثلاثٌ هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب لها نزقُ مثل الجنون ومصرع ... دنيٌّ وأن العقل ينأى ويعزب فقال: أفسدتها فحسنها , قلت: ولولا ثلاثٌ هن في الكأس أصبحت ... كأنفس مال يستفاد ويطلب أمانيها والنفس يظهر طيبها ... على حزنها والهم يسلى فيذهب فقال: لا جرم. والله لا تركتها أبدًا. قلت: وها هنا وجه آخر يدخل في هذا الباب , وليس بمحض المعارضة , ولكنه نوع من الموازنة بين المعارضة والمقابلة , وهو أن يجري أحد الشاعرين في أسلوب من أساليب الكلام وواد من أوديته , فيكون أحمدهما أبلغ في وصف ما كان من باله من الآخر في نعت ما هو بإزائه , وذلك مثل أن يُتأمل شعر أبي دؤاد الإيادي والنابغة الجعدي في صفة الخيل. وشعر الأعشى والأخطل في نعت الخمر , وشعر الشماخ في وصف الحمر , وشعر ذي الرمة في وصف الأطلال والدمن , ونعوت البراري والقفار , فإن كل واحد منهم وصاف لما يضاف إليه من أنواع الأمور , فيقال: فلان أشعر في بابه

стр. 48

ومذهبه من فلان في طريقته التي ذهبها في شعره , وذلك بأن تتأمل نمط كلامه في نوع ما يعنى به ويصفه , وتنظر فيما يقع تحته من النعوت والأوصاف , فإذا وجدت أحدهما أشد تقصيًا لها , وأحسن تخلصًا إلى دقائق معانيها , وأكثر إصابة فيها حكمت لقوله بالسبق , وقضيت له بالتبريز على صاحبه , ولم تبال باختلاف مقاصدهم وتباين الطرق بهم فيها. قلت: وإذا أنت وقفت على شروط المعارضات ورسومها , وتبينت مذاهبها ووجوهها علمت أن القوم لم يصنعوا في معارضة القرآن شيئًا , ولم يأتو من أحكامها بشيء بتة. والأمر في ذلك بين واضح لا يخفى على ذي مُسكة ذكي والحمد لله. فيقول الآن لصاحب الفيل: يا فائل الرأي , أين ما شرطناه من حدود البلاغة فيما جائت به من الكلام , وأين ما وصفناه من رسوم المعارضات فيما هذيت من جهلك وضلالتك , افتتحت قولك بـ: " الفيل ما الفيل وما أدراك ما لفيل ... " فهولت وروعت , وصعدت وصوبت ثم أخلفت ما عدت وأخدجت ما ولدت حين انقطعت , وعلى ذكر الذنب والمشفر اقتصرت , ولو كنت تعرف شيئًا من قوانين الكلام وأوضاع المنطق ورسومه لم تحرف القول على جهته , ولم تضعه في غير موضعه. أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة إنما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن فائت الوصف متناهي الغاية في معناه , كقول الله تعالى: ﴿الحاقَّة , ما الحاقَّة , وما أدراك ما الحاقّة﴾ و ﴿القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة﴾ فذكر يوم القيامة وأتبعها من ذكر أوصافها وعظيم أهوالها ما لاق بالمقدمة التي أسفلها وصدر

стр. 49

الخطبة بها فقال: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش ...﴾ إلى آخر السورة. وأنت علقت هذا القول على دابة يدركها البصر في مدى اللحظة ويحيط بمعانيها العلم في اليسير من مدة الفكر , ثم اقتصرت من عظيم ما فيه من العجب على ذكر المشفر والذنب , فما أشَبِّه قولك هذا إلا بما أنشدنيه بعض شيوخنا لبعض نظرائك: وإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا أي صغير ما أتيت به في عجز كلامك من عظيم ما أصميته في صدره ويسير ما رضيت به في آخره من كثير ما أنميته في أوله , وإذ قد دلك فيالة رأيك وسوء اختيارك على معارضة القرآن العظيم بذكر الفيل وأوصافه , فهلا أتيت منها بما هو أشف قليلًا وأشفى وأجمع لخواص نعوته وأوفى فتذكر ما أعطيته هذه البهيمة العجماء من الذهن والفطنة التي بها تفهم عن سائسها ما يومئ به إليها من تدبيره , وهلا تعجبت وعجبت من ذلك من حسن مواتاتها وطاعتها له إذا أغراها , وقرب ارتداعها إذا زجرها ونهاها. وهلا فرنت إلى ذكر مشفرها ذكر نابيها اللذين بهما تصول , وبسنانهما تطعن وتجرح.!! وكيف أغفلت أمر أذنيها العريضتين اللتين تلحفهما وجهها وتذب بتحريكهما البق والذباب عن صما خيها وعينيها , وبهما تروح على نواحي رأسها ,

стр. 50

وكيف لم تفطن لموضع التدبير من قصر رقبتها واندماج عنقها , فإنها لو طالت لم تقل رأسها , ولأوهنها ثقل حمله. فإذ قد منعت امتداد العنق فقد عوضت به انسدال المشفر , لتتناول به من وجه الأرض حاجتها من القوت والعلف , وتدلو به شربها من الماء , وتملأ كالسقاء فتنضح به أعضاءها إذا شاءت , ثم قد منعت البروك بأن لم تجعل لها مفاصل لم تقدر على النهوض , إذ ليس لها عنق تتطاول بها كالبعير الذي يهنع بعنقه وينبعث ويثور , فما يشبه هذه الأمور من نعوت خلقها وعجائب تركيبها. ويقال له أرأيت لو عارضك في قولك سفيه مثلك بالبعوض الذي هو خصم فيلك وجنفه في مضادة الطباع , وقد حكاه في مناظر الخلقة من شخوص الفودين وانخراط الخدين. وانسدال المشفر والصول به. فقال: " البعوض ما البعوض وما أدراك مالبعوض , له مشفر عضوض , في الدماء يخوض. فهو للفيل عروض " هل يكون سبيله فيما تعاطاه من السخف إلا سبيلك فيما أتيته من الجهل؟. فإن قيل إن البعوض ليس بعروض الفيل لبعد ما بينهما من التفاوت في الحجم والجثة وما بينهما من الضعف والقوة قيل: مدار الحكم في باب التشبيه والتمثيل على المعاني دون الأعيان والأجسام , والبعوض حيوان من أوجه كالفيل , يكسب القوت ويتوقى المهالك , ولذلك صار يتوارى نهارًا ويبرز ليلًا , وقد أشبه خلقه الفيل برأسه وبخرطومه ,وبسائر ما ذكرناه من أمره , ثم قد زاد عليه بجناحين , فصار موضع نقص الجسم والجثة مجبورًا بهما , فهما متساويان في المعاني التي تجمعهما غير مفترقين فيهما.

стр. 51

وأما قول الآخر وما جاء به من نعت للحبلى , فإن أول ما غلط به هذا الجاهل أنه وضع كلمة الانتقام في موضع كلمة الإنعام حين قال: " ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى " , وإنما تستعمل هذه اللفظة في العقوبات ونحوها كقوله: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ , وكقوله سبحانه: ﴿ما يفعل الله بعذابكم﴾ وكقوله: ﴿وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال﴾ وكقول القائل: فعل الله بفلان وفعل , إذا دعا عليه , وإنما وجه الكلام مما رامه من المعنى أن يقول: ألم تر إلى ربك كيف لطف بالحبلى , وكيف أنعم عليها أو نحوًا من هذا الكلام الذي يجري مجرى الامتنان والإنعام. وأما قوله: أخرج منها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى , فإنما تعاطى استراقا من قول الله تعالى: ﴿خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾ , وهذا في أول تارات الخلقة التي ذكرها الله سبحانه ؛ ثم ذكر في آية أخرى عدد انتقالاته في الرحم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى لحم. وإنشاء خلق بعد ذلك آخر , وهو اجتماع الصورة ونفخ الروح فيها , فدل بها على عظيم قدرته ولطيف حكمته وسعة رحمته , فتبارك الله أحسن الخالقين , وإنما تتصرف به هذه الأحوال بعد الانتقال إلى الرحم , وبين الرحم والشراسيف مسافة وحجب. قال أصحاب التشريح: الرحم موضوعة بين المثانة والمعي المستقيم , فلم يدر هذا البائس ما يقول حين جعل الولد بعد الحبل خارجًا من بين الشراسيف والحشى تمثلًا بقوله جل وعز: ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ فغلط في الوصف.

стр. 52

وأخطأ في المعنى كما أبطل في الدعوى. وتلك سبيل مقالات المتكلفين وعاقبة دعاوى المبطلين. قلت في إعجاز القرآن وجهًا آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم , وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس , فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوما ولا منثورا , إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال , ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه , تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور , حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق , وتغشاها الخوف والفرق , تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب , يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها؛ فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن , فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول , وأن يركنوا إلى مسالمته , ويدخلوا في دينه , وصارت عداوتهم موالاة , وكفرهم إيمانا. خرج عمر بن الخطاب ﵁ يريد رسول الله ﷺ ويعمد قتله , فسار إلى دار أخته وهي تقرأ سورة طه , فلما وقع في سمعه لم يلبث أن آمن. وبعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول الله ﷺ ليواقفوه على أمور أرسلوه بها , فقرأ عليه رسول الله ﷺ آيات من حم السجدة , فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش

стр. 53

قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. ولما قرأ رسول الله ﷺ القرآن في الموسم على النفر الذين حضروه من الأنصار آمنوا به وعادوا إلى المدينة فأظهروا الدين بها , فلم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه قرآن. وقد روي عن بعضهم أنه قال: فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة بالقرآن. ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به﴾ ومصداق ما وصفناه في أمر القرآن في قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ , وفي قوله ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ , وقال سبحانه: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾. وقال سبحانه: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾. وقال سبحانه ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ في آي ذوات العدد منه , وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد , وهو من عظيم آياته , ودلائل معجزاته. والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا , قيِّما , ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا , وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين , غيظ الكافرين , وحتف الملحدين , المبعوث بدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 54

تم الكتاب بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا والحمد لله رب العالمين أوائل شوال عام ستة وألف. عرفنا الله خيره ووقانا شره وجاء في آخر النسخة: " بلغت المقابلة هنا من الأصل المنتسخ منه "