مذكرات
مالك بن نبي
العفن
الجزء الأول
(١٩٣٢ - ١٩٤٠)
ترجمة نور الدين خندودي
دار الأمة
Dar El Oumma
стр. 2
مالك بن نبي
العفن
مذكرات
الجزء الأول
(١٩٣٢ - ١٩٤٠)
تقديم الدكتور أحمد بن نعمان
تصدير بقلم عبد الرحمان بن عمارة
ترجمة نور الدين خندودي
دار الأمة
Dar El Oumma
стр. 3
اللغة الأصلية: الفرنسية
الترجمة إلى اللغة العربية: نور الدين خندودي
العنوان الأصلي،
Pourritures
Mémoires
Tome l (١٩٣٢ - ١٩٤٠)
جميع الحقوق محفوظة
شركة دار الأمة
للطباعةوالنشر والتوزيع
ص. ب ١٠٩ برج الكيفان ١٦١٢٠ الجزائر
E-Mail: OummaBooks@yahoo.fr
تصفيف ومعالجه النص: ياسين أصنام
الطبعة الأولى
٢٠٠٧
إيداع قانوني: ٢٠٠٦/ ٣٠٧٠
ردمك: ٥ ٢٢٣ ٦٧ ٨٩٦١ ٩٧٨
стр. 4
مجموعة من الطلبة من المغرب العربي بباريس في سنوات ١٩٣٠. ويظهر في الصف الثالث المرحومان: مالك بن نبي (دائرة) ومحمد حموده بن ساعي (مربع). كما يظهر في الصورة الهادي نويرة، الوزير الأول التونسي الأسبق
وأحمد بلفرج، وزير الخارجية المغربية في الخمسينيات من القرن الماضي.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
بقلم الدكتور أحمد بن نعمان
إذا لم يكن الأولون قد تركوا للآخرين ما يقولونه من جديد عن الأستاذ مالك بن نبي الذي نظمت لدراسة أفكاره ندوات، وعقدت من أجله مؤتمرات، وأعدت فيه عشرات الرسائل في العديد من الجامعات ... فإن ما يمكن إضافته للقارئ الكريم مما قد يعتبر جديدا عنه، تعريفا به، أو تقديما له، هو ما قاله في ندواته الأسبوعية الخاصة التي كان يعقدها في بيته، مما لم يذكر، أو ما كتبه في مذكراته ولم ينشر، وكلتا الصفتين أو الحالتين تنطبقان على هذا العمل.
وما دمت أحد الذين عايشوا الوضعين أو الحالتين معا، فإني أسمح لنفسي بتناول الحديث عنه من هذه الزاوية، لأقف عند نقطتين متكاملتين فرضهما علي فرضا هذا الكتابـ (الوثيقة)
стр. 6
الذي أسعد بتقديمه لقراء العربية، عن نموذج نادر من الوطنية الجزائرية الأصيلة، في بعض أهم جوانبها الفكرية، الخفية، من أجل استبانة طريق الحرية، وتحصين الأجيال الفتية ضد الأمراض المعدية والجراثيم المميتة لأصحاب القابلية المقيتة، المتأصلة في نفوس بعض فاقدي الهمم، وعديمي الذمم، الجاهلين لأحابيل المحتلين، ومخططاتهم الخطيرة التي جعلت الكاتب الكبير يتحرق على وضع الوطن وأهله، بين النظرة الخبيرة، واليد القصيرة ... ولم يجد أمامه سوى هذه الموهبة التعبيرية والوسيلة التحليلية والتحريرية التي قلما امتلكها غيره وقلما أجاد أحد استعمالها مثله ... فكان هذا العمل الذي يعتبر الأول من حيث الفترة الزمنية التي يتحدث عنها الكاتب، وهي مرحلة الطالب ... ولكنه من حيث النشر، يكون آخر كتاب يصدر له باللغتين (العربية والفرنسية) وقد تأخر نشره لأكثر من نصف قرن من تاريخ الوطن والأمة (انظر تفاصيل ذلك في تصدير الأستاذ عبد الرحمن بن عمارة)، وهي خسارة كبيرة، بما يتضمنه من فوائد وحقائق كثيرة لكل من لم يطمس على قلبه وعقله وبصيرته ... وهي حالة تسمم متوارثة بين الأفراد المصابين بها، لأن الأفكار المسمومة والقاتلة لا تموت مع الأجساد، بل تظل حية قاتلة ولا تقهرها إلا أفكار مثلها، في حلبة الصراع الفكري الذي له الكلمة الأخيرة في النهاية، وقد عرفنا بدايته، ولكننا لا نعرف نهايته على الساحة الوطنية
стр. 7
والقومية، وهو ما يضيف لهذه الأفكار قيمة جديدة إلى قيمتها الأصلية، كالعملة الذهبية التي لا تزيدها الأيام إلا لمعانا ومصداقية ومضاعفة لقيمتها الشرائية، فى السوق الحضارية!!
إن هذا الكتاب، كما يستشف من عنوانه (العفن)، الذي يبرر المؤلف اختياره بنفسه، بما لا يمكن استبداله بغيره (انظر مقدمة المترجم) هو رصد للأوضاع المتعفنة داخل الوطن، وواقع الأمة، رصد خبير متمرس، وفحص طبيب متخصص لمرض خبيث عبر مختلف الأدوار والأطوار، فدقق النظر في الجراثيم العالقة على جسم الأمة مجهريا، وفند أطروحات الخصوم في تبرير علوقها منطقيا، وكشف لعبة الرهان، بالحجة والبرهان، وبين الحق وطريقه ليعيده ذووه إلى نصابه، ويمزقوا بالثورة الجهادية الكبرى ثوب الخيانة والعمالة على أجسام أصحابه، ويرجعوا سموم العدو وفضلاته (الذهنية) وجراثيمه المعدية إلى أحشائه، ليصبح الوطن بعد حين، وإلى حين، بين أيدي أبنائه ...
أقول إلى حين (...) لأن مورثات الخيانة تتناسل وتتناقل مع الأفكار عبر الأجيال، كما قلنا، وهي مثل السجايا والطبائع والخصال، مما يستوجب اليقظة الدائمة للحفاظ على المكاسب والمراتب، على اعتبار أن كل احتلال إذا كان يحمل بذور استقلال، فإن كل استقلال قد يحمل بذور احتلال، إذا تقاعس أو تقاعد الرجال عن مواصلة الجهاد بالوسائل المتاحة لكل
стр. 8
جيل من الأجيال المتعاقبة على الساحة عبر الساعة، بدليل أننا كنا مستقلين (قبل ١٨٣٠) فاحتللنا، وكنا أسيادا فاستعبدنا، ثم وعينا فتحررنا ... ولا يوجد ما يمنع أن نحتل ونستعبد من جديد، لأن الزمان إذا كان غير الزمان، فالإنسان بنزواته ونزعاته و (قابلياته) دائما هو الإنسان، وكل جيل مسؤول عن أحداث عصره في مصره!!
ولذلك فمن الجديد الذي يجده القارئ في هذا الكتاب الفريد من نوعه، كما سيلمسه القارئ بنفسه، هو ما أظهره لنا من مخططات العدو وكيفية ترتيب أولوياته في التخطيط والتنفيذ، بإعطائها دوما للفكري على السياسي، وللسياسي على العسكري، وهو عكس الوضع السائد في العديد من البلاد (الوارثة) لطريقة الاستعمار في إدارة الأمصار ... فهي تعطي الأولوية للعسكري على السياسي، وللسياسي على الفكري والثقافي، وبتعبير آخر أولوية (البطنولوجي) على (الفكرولوجي)، فينقلب بذلك وضع الهرم، لتصبح القاعدة في الأعلى، والرأس مكان القدم!! فتنعكس القيم، في السيادة والإدارة والسياسة والحضارة ... ولهذا كان التنبيه في الكتاب إلى تحديد وتوضيح معالم الطريق وكشف منابع الفتن وجراثيم (العفن) التي شخصها الكاتب في موطن الداء، أثناء سنوات التحصيل في الثلاثينيات، وواصل رصد تحركها ومتابعة انتشارها بعد الرجوع إلى أرض الوطن في الأربعينيات (...).
стр. 9
ولقد كشف بالملموس عن طرق العدو في إدارة حربه الشعواء ضد هداة الطريق إلى التحرر واسترجاع السيادة والكرامة للمواطن قبل الوطن، لأنه لا يوجد وطن حر بمواطنين أذلاء مستعبدين، أو أجساد مخدرين، أو أحياء محنطين ... !!
وأقتصر هنا على التنويه بنقطتين كما أشرت آنفا.
الأولى، هي إظهار كيفية إدارة العدو لحرب الأفكار، بأساطين مفكريه وعلمائه وضباط مخابراته، ومنفذي مخططاته ... وسيكتشف القارئ الكريم أحد أكبر تلك الوجوه والأعمدة الفاعلة، من وراء كل المشاهد المسرحية الظاهرة، ألا وهو المنظر (لويس ماسينيون) المحضر لعقار (القابلية للاستعمار)، الذي ذاق المؤلف على يديه الأمرين، وكان بطل قصته المؤلمة المؤكدة بالأحداث والوقائع، والموثقة بالشواهد الحية التي سيكتشفها القارئ مثلنا لأول مرة، ولتعريفه بهذا المستعمر المنظر والمقرر والخبير بإدارة معركة المصير، هو أنه كان المرشح المفضل (استعماريا واستراتيجيا) لخلافة الأبـ (دوفوكو) الضابط الكبير المنصر المخبر، أو المخبر المنصر، الذي لقي حتفه على أيدي أبناء الجزائر في جنوبها الثائر سنة ١٩١٦، بعد أن قضى عشرات السنين في مسابقة الهلال لتنصير الجزائريين، وأتركه هنا يحدثكم بنفسه، كأستاذ (لماسينيون) مضطهد المفكرين الأحرار في الثلاثينيات، كما هو مثبت في هذه المذكرات (...).
стр. 10
يقول الضابط المنظر المبشر (دوفوكو) في رسالة خاصة بعث بها لصديقه الدوق (فيتس جيمس) سنة ١٩١٢ (منشورة في جريدة (لوموند) الفرنسية بتاريخ ١٧/ ٠٥/ ١٩٥٦): (وإنني أعتقد بأنه إذا لم نستطع تحويل المسلمين بالتدريج عن دينهم وحملهم على اعتناق المسيحية، فإن النتيجة الحتمية هي تكون روح قومية جديدة تؤدي إلى طردنا من الإمبراطورية الاستعمارية في شمال إفريقيا.
إن الروح الوطنية، العربية والبربرية، سوف تنمو في صفوف الطبقة المثقفة التي ستستعمل الإسلام كسلاح فعال لإثارة الجماهير الجاهلة، في إمبراطوريتنا ... !!
إن السبيل الوحيد لضمان عدم طردنا من هذه الإمبراطورية، هو أن نجعل مكان البلاد فرنسيين، والسبيل الوحيد لذلك هو جعلهم مسيحيين).
إذا كان هذا كلام دوفوكو (أستاذ ماسينيون وأبوه الروحي)، فإن تلميذ (ماسينيون) وإبنه السياسي، المنفذ للمخططات، ألا وهو رئيس وزراء فرنسا (منديس فرانس)، الذي قال في خطاب له في قاعة (فاجرام) بباريس (منشور في جريدة (لوموند) الفرنسية بتاريخ ٠٧/ ٠٥/ ١٩٥٦): (إننا نعتقد أن سياستنا هي الوحيدة التي تستطيع إدامة الوجود الفرنسي في الجزائر، وإذا ما قدر لنا سوء الطالع أن نفقد الجزائر، فإننا سنفقد معها جميع أجزاء الإمبراطورية.
стр. 11
وإننا نعلم النتائج المريعة المترتبة على ذلك من جميع الوجوه الاقتصادية والسياسية والمعنوية (!؟).
إننا نعتقد بضرورة صيانة المصالح الحيوية لفرنسا في الجزائر، ويجب أن يزول أي شك يحوم حول سياستنا في هذا الصدد. وليس هناك أي شخص راديكالي يدافع عن أية سياسة أخرى غير سياسة الإدامة والإنقاذ والتمكين لفرنسا في الجزائر).
فهذا الأستاذ ماسينيون (موجه سياسة منديس فرانس قائل هذا الكلام) هو الذي سيتعرف القارئ على فعله الشنيع وطرق اضطهاده الفظيع لمالك بن نبي الرمز الصامد على حلبة الصراع الفكري والثقافي، وهو الذي جعل كاتبنا الكبير يطلق على مناخ المعركة وظروفها غير المتكافئة صفة (العفن) ويطلق على نتائج هذه الخميرة المتعفنة في مختبر (ماسينيون) محضر وزارع جرثومة (القابلية للاستعمار) في عقول بعض أهل الدار، ومتعهدها بالحراسة والعناية والسقاية في مختلف الأطوار والأدوار!!
وهنا أقف قليلا لأدلي بشهادة تجلي بعض الغموض الذي أحاط بهذه المقولة المنسوبة إلى مالك بن نبي، وقد أصبح يعرف بها عالميا، بدلا من أن تعرف به هي التي قالها محليا وظرفيا!!
إن المقولة هي بالفعل لمؤلفنا، وهي مسطرة بيمينه في كتابه، ولكن التأويلات والشروح والتعليقات التي أعطيت لها كانت ذات قراءات متعددة ومتناقضة، تختلف كل واحدة منها
стр. 12
باختلاف المنظار الذي ينظر به أو من خلاله القارئ للمقروء أو السامع للمسموع!!
وأضرب صفحا هنا عن تلك القراءات التي لم يقصدها المؤلف، ولها ما يبررها في غير هذا المقام ... وأكتفي بالوقوف عند ما سمعته بنفسي من القائل ذاته، حول مقولته هاته التي أقرها، كواقع لا ينكره أحد، وقد أكدها بنفسه؛ وذكر أصحابها بالاسم في هذه المذكرات .. غير أن الذي أنكره عليهم هو التأويلات التي أعطيت لها (...) وهي على طرفي نقيض لما كان يقصده كما قال ﵀.
إن ما قاله ردا على أولئك الذين طعنوا في وطنيته وفي بصيرته، وأظهروه (بفهمهم الساذج) وكأنه يبرر للاستعمار كقضاء وقدر؛ لا راد لحكمه ... ! لقد قال فيما أذكر، وكان ذلك سنة ١٩٦٨: (أنا قلت هذا الكلام في ذلك الوقت (يقصد سنة ١٩٥١)، وعلى الذي كان يعارضني في مطابقة ما قلته للواقع الذي وصفته ... أن يثبت العكس، فكان إثبات العكس!!). وكان يقصد أنه لم يمض على إطلاق تلك المقولة سوى ثلاث سنوات، حتى كانت الثورة الجهادية العظمى (سنة ١٩٥٤) التي قلبت الأوضاع رأسا على عقب، وكانت نموذجا عالميا للثورات الأصيلة التي ما تزال بعض الشعوب المتعطشة للحرية تقتات على مائدتها وتقتدي برجالها ونسائها، وتهتدي بنور جهادها حتى الآن في العديد من البلدان (...)!
стр. 13
فقد قال فيما أذكر، أنه كان يقصد رد الفعل الذي يثبت أن ضمير الأمة حي بجوهرها (الإسلام) الذي لا يموت أبدا حتى ولو مات بعض المنتسبين جغرافيا إليه (من جاكرتا إلى طنجة). وإن الحديث عن الأوراق المريضة (الصفراء أو الحمراء) لا يعني بالضرورة مرض أو موت الشجرة الخضراء (!!)
هذا هو فحوى ما قاله في إحدى ندواته الخاصة في بيته، والكثير من الحضور ما زالوا أحياء يرزقون، ويشهدون (...). وسيتأكد القارئ النبيه بنفسه من هذا القصد الذي شرحه الكاتب لمقولته في الكتاب، وهو يعني بها فئة ضالة مضلة من (أهالي المستعمرات)، الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وأضل فوعون قومه وما هدى﴾ (طه / ٧٩) و ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ (الزخرف / ٥٤):
هاتان النقطتان هما اللتان أردت أن أضيفهما في هذا التقديم الذي أتشرف بكتابته نزولا عند رغبة المترجم والناشر، وأهنئ كليهما على هذا الإنجاز العظيم للأمة، وعلى الترجمة التي كانت في مستوى قمة المؤلف ومحتوى الكتاب، وعلى صدوره الذي تزامن مع (تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية لسنة ٢٠٠٧)، والثقافة هي الهوية، والهوية هي الوجود الحقيقي للأمم والشعوب بثوابتها الأبدية عبر الحدود!!
стр. 14
كما أهنئ قراء العربية في كل مكان بهذه الجوهرة الفكرية الحية التي يجدها كل واحد في حياته وفي إدارة بلاده وسياسة حكومته، وما على الذي يرفض القابلية للاستعمار إلا أن يتحصن بالفعل (وليس بالقول!) ويحص أبناءه وعشيرته بمصل القابلية للاستقلال، والتضحية في سبيله ضد كل أنواع الاحتلال و (الاستحلال)، ذلك أن كل تجارب الأمم الغابرة والحاضرة تؤكد لنا صارخة في وجوهنا قائلة لنا: إن كل بلد يعتبر محتلا حتى يثبت استقلاله بالدفاع المستمر عنه من أبنائه وسهرهم الدائم بالمرابطة على ثعور حدوده الوطنية الترابية والسيادية والهوياتية، لأن الثابت الوحيد في هذه الحياة هو التغير في كل الأحوال، والشعوب الناجحة هي التي تعرف كيف تضمن أقوى وسائل الدفاع لضمان أقصى إطالة لفترة الأمان وحسن المآل!!
أ. ب
برج الكيفان في ٢٠ شعبان ١٤٢٨ هـ
الموافق ٠٢/ ٠٩/ ٢٠٠٧ م
стр. 15
كلمة المترجم
عهد قراء مالك بن نبي والمهتمون بفكره أن مذكراته هي ما نشره في حياته تحت عنوان (مذكرات شاهد القرن) بجزئيها (الطفل) و (الطالب) قبل أن تضاف لها مرحلة (الكاتب) التي استتبعتها (الدفاتر) وقد غطى بها المفكر الفترة الممتدة من ١٩٥٨ إلى ١٩٧٣، سنة رحيله. بعد أن ضاعت منه اليوميات التي تغطي سنوات ١٩٥٤ - ١٩٥٨ في ظروف شرحها في الدفاتر التي تلتها.
كنت من الذين سمعوا أن للمفكر مذكرات لم ينشرها في حياته واختار لها عنوانا غريبا وقاسيا هو (Pourritures) العفن، ولا طائل من العودة إلى ما أحاط بها من ظروف فقد سردها الصديق عبد الرحمان بن عمارة في مقدمته التي رأيت أن أترجمها لما تضمنت من معلومات مفيدة.
ما إن تسلمت مخطوط المؤلف من السيد بن عمارة حتى أغراني تعريبه. ولم أصبر عن هذه الرغبة حتى أتيت على آخر صفحات الكتاب نقلا إلى العربية.
سيدرك القارئ من الصفحات الأولى أن لا حيلة لمترجم في تغيير العنوان. فقد قام بن نبي بتبرير عنوانه بعبارة لا تترك هامشا من الحرية ولا خيارا لمترجم أو ناشر، إذ كتب يقول: (لقد استهوتني عناوين كثيرة أسم بأحدها هذا الكتاب، غير أني اخترت عنوانا يلخصها
стр. 16
جميعا: (العفن). وأنا واثق أن القارئ الكريم سيتبنى التبريرات التي ساقها المؤلف ويقبل بها. فواقعنا المرير يدل على أننا ارتكسنا إلى الأذنين في العفن. وعالمنا حافل بالمثبطات وكل الشروط التي تعرقل الفرد وتنغص عليه حياته.
وبعد هذا التنبيه، فإن قيمة الكتاب تضاهي مؤلفات بن نبي كما ألفها القارئ. ولكنه يكشف عن شخصية الكاتب ودرجة المعاناة والكدح والمؤامرات التي كابدها وواجهها نظير أفكاره ومواقفه. وسيدرك القارئ بعد أن يفرغ من الكتاب لماذا يجب اعتبار بن نبي - علاوة على مناقبه الفكرية الأخرى - منظر الصراع الفكري بحق، وصقلت نباهته ودقة تحليلاته واستنتاجاته تجارب السنين وتوالي الأحداث.
ن. خ
الجزائر في ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٦
стр. 17
تصدير (*)
بقلم عبد الرحمان بن عمارة
بنشر كتابـ (العفن)، يجد القارئ بين يديه المذكرات الصريحة لمالك بن نبي، رغم تنبيهه بأنه من المبكر تناول بعض المحطات من حياته والخوض في تفاصيلها، فالفترة التي باشر فيها تحرير هذه المذكرات، ابتداء من الفاتح من مارس ١٩٥١، كانت من أصعب الأوقات وأشقها في حياته، بعد أن راوده الأمل في التفاتة أو دفاع من مواطنيه خصوصا بعد صدور (الظاهرة القرآنية) و (شروط النهضة)، كما أنها فترة اشتدت فيها الحرب النفسية التي شنها جهابذة الاستعمار الفكري بخاصة ضده.
هذا الجزء الذي ننشره من (العفن) مصدره نسخة مستكتبة على الآلة الراقنة، اتجهت النية على أن يقوم مسجد الطلبة التابع لجامعة الجزائر بنشره بطلب من بن نبي نفسه. غير أن رحيل هذا الأخير حال دون تحقيق هذا المبتغى.
...
كتب الدكتور عبد العزيز خالدي في تقديمه لكتابـ (شروط النهضة) سنة ١٩٤٨: (تحدوني رغبة ملحة في أن أتحدث عن سيرة هي أصعب سيرة ذاتية عرفتها في الجزائر وأشدها تأثيرا، غير أني ملزم
стр. 18
بأن أعرض عن ذلك لأن المؤلف منعني صراحة من أن أتحدث عنها ولو بالإشارة والتلميح).
بيد أن بن نبي قرر بعد عامين ونصف كتابة سيرته الذاتية مع نية حازمة لنشرها، والشاهد هو التنبيه الذي ورد في المقدمة بأن الكتابـ (شهادة)، وبهذه الصفة ومن هذا المنظور، فهي (من غير قيمة إن لم تراقب من قبل معاصري كاتبها , وبخلاف ذلك فلن تكون إلا كذبا من صاحبها بعد رحيله أو شهادة مهوس بعقدة الاضطهاد أو طالب شهرة بعد الوفاة).
لماذا لم يقم الكاتب بنشر سيرته الذاتية بعد هذه الكلمات البليغة؟ وهل يمكن أن نعتقد بقدر وإنصاف أن رجلا من معدن بن نبي تخفى عليه الآثار والصعوبات التي يرتبها نشر مثل هذا الكتاب؟
يعرف بن نبي، وهو المطلع الكبير على نيتشه، أن هذا الأخير حمل على نشر الجزء الرابع من كتابه الأبرز: (هكذا تكلم (زرادشت) على حسابه الخاص، فاستعد، من جهته، في تلك الفترة لتمويل، ولو جزئيا، الطبعة المعربة لكتابه (شروط النهضة) على حساب حاجاته الأولية. كما نستشف من خلال رسالة مؤرخة في ٧ أفريل ١٩٥١ موجهة للدكتور عبد العزيز خالدي بأنه أودع مبلغا هاما من المال لدى السيد محمد الصالح بن شيكو، وكان من أعيان قسنطينة، ليسلمها بدوره للسيد عبد القادر ميموني، مؤسس ومدير منشورات (النهضة)، بنية طبع الكتاب ونشره.
стр. 19
هناك أمر محير آخر وهو أن بن نبي سلم هذا الجزء الأول من مذكراته للشيخين عبد الرحمان شيبان وإبراهيم مزهودي، بإلحاح منهما، بعد أن فكر في إتلاف المخطوط في أوت ١٩٥١.
هل كان السبب هو اشتداد القمع البوليسي؟ كما قال بن نبي نفسه. أم أن هناك مسوغات أخرى لم يشأ أن يفصح عنها؟
لن تجد هذه الأسئلة إجاباتها إلا في بحث معمق ودقيق في سيرة بن نبي، بحث لا يستند على ما كتبه بن نبي عن نفسه فقط وإنما بالاستعانة أيضا وبخاصة بالوثائق من مصادر شتى.
والمأمول هو أن تتشرف الجامعة الجزائرية وتتكفل بمثل هذا المشروع.
وسنحصل حينها على إجابات بخصوص تساؤلات كثيرة كاللغة التي حرر بها في الأصل كتابه (الصراع الفكري في البلدان المستعمرة)، على سبيل المثال, فهل سيسمح (الاكتشاف) الأخير من قبل عائلة بن نبي لمخطوط بالفرنسية ل (الصراع الفكري في البلدان المستعمرة)، كما يزعم البعض من دون ترو، بإعادة النظر في تأكيد بن نبي نفسه من خلال التنبيه الذي صدر به مؤلفه هذا بالقاهرة، بتاريخ ٢ ماي ١٩٦٠، حين أخبر القارئ بأنها (المرة الأولى التي يحرر فيها كتابا باللغة العربية مباشرة).
ومن المفيد، من جهة أخرى، أن نشير أن هذا الجزء الأول من (العفن) يوافق الجزء الثاني من (مذكرات شاهد القرن) الذي يغطي المرحلة الممتدة من ١٩٣٠ إلى ١٩٣٩ من حياته.
стр. 20
ومن شأن الوعد الذي أعلنته عائلة بن نبي بنشر الأصل المحرر باللغة الفرنسية من الجزء الثاني من (مذكرات شاهد القرن)، من بين مؤلفاته التي لم تنشر، أن يسمح بعقد مقارنة بين النصين، وفهم حقبة من حياة عاشها بن نبي فعليا بالتفريق بين ما سلط عليه الضوء في الثاني وما كرسه من حوادث وأحكام في الأول ولم ينشر بعد. وسيكون اختيار العبارات والكلمات وصيغة الجمل مادة قيمة تعين على الفهم.
ولن أختم كلمتي دون أن أقول أنه لم يحصل يوما أن وافقت العبارة: (أكتب بدمك وسترى أن الدم عقل) بهذه الحدة والشدة مثلما جرى مع بن نبي. وهذا الكتاب أكبر شاهد على ذلك.
ع. بن عمارة
الجزائر في ٠١ أوت ٢٠٠٦
стр. 21
توطئة
إن هذه التوطئة ضرورية لتقديم فكرة عن الجو العام الذي تقع فيه المأساة التي تشغل كياني.
كما أن عرض بعض التفاصيل عن حياتي ضروري أيضا. لقد رأيت النور في سنة ١٩٠٥، أي في زمن خطا فيه المجتمع الجديد أولى الخطوات. فأنا أنتمي إذن إلى الجيل السيئ الذي يختم طور التحلل الذي ألم بالحضارة الإسلامية ويأذن لعصر جديد يختلط فيه نوعان من (العفن): الاستعمار والقابلية للاستعمار، ولكنه عصر تنبثق منه، هنا وهناك، مؤشرات وبواكير نظام جديد لا يزال الغموض يلفه.
غير أن هذا النظام يصطدم حتما، عبر تناقض عنيف، بكل ما يسعى للحفاظ على استمرار الوضع السائد سواء بحكم العادة كما هو شأن القابلية للاستعمار أو بدافع من المصلحة كما هو حال الاستعمار. وإذا تجسد في شخص، فإن هذا الأخير سيقع حتما في مواجهة القابلين للاستعمار وأسيادهم الذين حولوهم إلى (أهالي) سكان المستعمرات (indigènes) أي إلى مخلوقات باهتة، فاترة وهجينة، لا هي بنساء ولا برجال، لا أخلاق لها وتبدو أدوات قذرة في متناول الاستعمار، كل هذا ليخضعها لهيمنته ...
وهناك نوعان من الأهالي: نوع الخونة الواضحين، من أمثال الدكتور بن جلول وهو صنف يقتات من أموال الاستعمار ومن ازدراء الشعب،
стр. 22
ثم صنف (الخونة المترفين) الذين يعيشون من أموال الشعب باستغلال جهله.
وعلى الجملة، فإن الطبقة الأولى أقل احتقارا وأقل خطورة لأن خيانتها جلية ظاهرة.
وعليه، فإن الحديث سيتركز على الصنف الثاني.
لماذا ولدت في الجزائر حتى أكون أحد إرهاصات النظام الجديد، وأصبح إنسانا يواجه وحوش القابلية للاستعمار والاستعمار؟ لا أدري، وأنا مسلم مؤمن بالقدر ومتقبل للمصير الذي منحني الله خالقي الذي أعبده وأذكره.
إني أدرك فقط مدى معاناة إنسان جاء قبل زمانه أو بعده. إني أعرض ببساطة أمورا أعرفها لأني عايشتها، رأيتها وسمعتها وتأملتها.
٠١ مارس ١٩٥١ على الساعة ٥ ود ٥.
стр. 23
مقدمة
رأيت أشياء كثيرة، منذ عشرين سنة.
لقد شبعت لحد التخمة فأنا كالنحلة عندما تستبد بها الكظة من عسلها وتستفيض الجني وتدخر جنيها. للاسف فإن (العسل) الذي أضعه بين دفات هذه الصفحات مصدره ليس رحيق الزهور العبق ولكن خلاصة ما يختلج في نفس أريد لها التحطيم عبر الإكراه الجسدي والسم المعنوي.
فقصة هذه النفس وتجربتها منذ عشرين سنة هي نفسها قصة هذا الكتاب. إنها باختصار (اعترافات) أو (مذكرات). وقد استهوتني عناوين كثيرة أسم بأحدها هذا الكتاب، غير أني اخترت عنوانا يلخصها جميعا: (العفن).
ويوافق هذا العنوان بالفعل الانطباع الأكيد الذي أحمله معي من متحف أو معرض يحويان وجوها وأشياء أعرفها منذ عشرين سنة، وأجدها مرتبة ومصنفة بطريقة استذكارية معززة بشروحها وبطاقاتها الخاصة: فنحن الآن أمام مجموعة من (لوحات المرفهين ...) مثلا، وبجانبها، لوحة خاصة بـ (أصدقاء المسلمين) من أمثال (ماسينيون) (Massignon)، أما في هذا الجانب فتوجد قاعة خاصة (بأشياء القابلية للاستعمار وقصص الأهالي)، سكان المستعمرات (indigènes)، ونقف بعدها أمام (قاعة الاستعمار والإحسان المسيحي)، أما في هذا الركن
стр. 24
المظلم المناسب، فنجد (قاعة الأسرار اليهودية)، وتليها (مخابر السموم السيكولوجية).
والواقع أن هذا الكتاب يتطلب عددا أعظم من الأبواب لتقديم، ولو بصورة غامضة، الانطباع الحقيقي الذي أحسه فعلا باستحضار تجربتي ولو بطريقة جد موجزة خصوصا بعد نهاية دراستي. غير أن لدي الكثير من الأشياء لا تكفي حياة للحديث عنها، خاصة وأن الأمر يتعلق بإعطاء لكل شيء معنى إنسانيا حقيقيا في تأثيره على الجسد والروح والذكاء والقلب عند مخلوق أدمي. هل يمكنني أن أصف، كما ينبغي، إحساسي في ليلية ٢٨ من جويلية ١٩٤٧، وكنت حينها واقفا أمام نافذتي وضوء الغرفة منطفئ، وقد اعتراني الشعور بأنها المرة الأخيرة التي أرى فيها نجوم السماء، إذ كان من المنتظر توقيفي مرة أخرى، وكنت عازما: على الدفاع عن ضميري بتقديم حياتي فداء له. هل يمكن للقارئ المنتمي إلى (الأهالي) أن يفهمني عندما ألخص له هذا الشعور الذي عبرت عنه أمام الشباك في الليلة الثالثة عشر من شهر رمضان: (وآسفاه، لم تتحرك أية نجمة من نجوم السماء وتهرع لنجدتي؟)
هل يستطيع القارئ المنتمي للأهالي من سكان المستعمرات أن يدرك معنى النظرة الهادئة والثاقبة لصبي في الخامسة من عمره لم يتسن له أن يضع قطعة خبز في بطنه الخاوية قبل أن يذهب للنوم؟ وهل يمكنه أن يعي مدى وقعها على النفس، بكل ما لعبارة نفس من معنى وأبعاد؟ كانت هذه النظرة من عبد الحميد، ابن أختي الصغير،
стр. 25
أكثر ما في هذه القصة من مأساة وأكثرها إثارة للشفقة في هذه العذاب الشديد الذي أعيشه وعائلتي منذ عشرين سنة. فالإحسان المسيحي لا يتردد ولا يقف عند حد. فعندما يريد تحطيم نفس أو فكر أو عمل أو إنسان فإنه يضرب كل العائلة، حتى النساء والصبيان
إن لزم الامر.
وعندها سيدرك القارئ المنتمي إلى الأهالي أن نظرة ابن شقيقتي هي أفظع تعذيب سلطه علي الاستعمار بعد أن عذبني عن طريق والدي ثم شقيقتي التي رمي بزوجها إلى الشارع منذ عشر سنوات، ويواصل اليوم بطرد صهره من الإدارة حيث كان يشتغل علما بأنه المعيل الوحيد لسبع أيتام.
وهل يتسنى للقارئ المنتمي إلى الأهالي أن يفهم أن نظرة الصبي هذه ليست فقط تعذيب اختير ليمارس ضدي من قبل الذين يحسنون استخلاص السم السيكولوجي ودسه في روح سعوا لتدميرها؟ ولكنها أيضا نظرة تحمل تهمة عميقة لا تطاق من عينين هادئتين ترمقانني فأطرق مطأطأ رأسي وكأني مسؤول عن كل هذه المأساة.
ولكن دعنا نفترض أن القارئ المنتمي للأهالي سكان المستعمرات يعي هذا الأمر (دون أن أحدثه عن معاناتي الشخصية، التي تصل أحيانا حد الهذيان)، فالأمر سيعني أن (الخائن المترف) هو بطل حقيقي وأن الخائن المفترض هو الشهيد مستقبلا وأن القابلية للاستعمار (فضيلة) من الفضائل، وسيفترض أن - الشخص المنتمي للأهالي سكان المستعمرات إنسان وأدمي.
стр. 26
فافتراض كل هذا إنما يعني تكذيبا لتجربتي الذاتية وتجربة زوجتي. زوجتي التي استعملت هي الأخرى كوسيلة تعذيب مورس ضدي عندما عرفت المرض دون القدرة على استشارة طبيب ولا على اقتناء الدواء، وعرفت ذل الخروج للعمل لمواجهة مصاريف العائلة، وقد كنت أنا في عجز تام عن أن أقوم بتوفير لقمة الخبز وضمان مستلزمات العيش بعدما أغلق الاستعمار كل سبل العمل أمامي حتى كمستخدم أجير أو كعامل بسيط، فضلا عن أنها دخلت السجن معي.
إن إيصال كل ما سبق للإدراك قضية صعبة بكل تأكيد، ولو ببراعة وحذق كاتب كبير يخاطب ناسا عاديين على شاكلة فلاحينا ورعاتنا ونسائنا المدركات. أما محاولة تبليغه لفهم (الأهالي)، ومنهم (العالم) والدكتور والمنتخب، فمن ضروب المراهنة.
وبما أن شعبنا، المشكل أساسا من ناس طيبين، لا يزال للأسف أميا، فإني لا أكتب له بكل تأكيد.
إن هذا الكتاب شهادة أنوي تركها للأجيال القادمة. غير أني أكتب بطريقة تسمح لجيلي نفسه أن يعرفها ويناقشها وينتقدها. فهي شهادة لن تكون ذات قيمة إن لم تعرض على أنظار معاصري كاتبها. إذ بخلاف ذلك فلن تكون إلا كذبا اختلقه صاحبها ننشره بعد رحيله أو شهادة مهوس بعقدة الاضطهاد أو طالب شهرة بعد الوفاة.
فأنا أرمي هذه الشهادة إذن في وجه (الأهالي) (الاندجين) في بلادي كشهادة احتقار وازدراء.
стр. 27
ولن أقول، من جهة أخرى، ماذا تمثل في عيون الذين صنعوا هؤلاء (الأهالي)، لأن الإنسان (الأهلي) (indigène) ليس إنسانا ولكن إنتاج استعماري أي من صنع الاستعمار. وهم يعرفون الأمر: فهم المنشطون الفعليون للمأساة المعنوية والفكرية والمادية التي سأحاول ولو بصورة جزئية، أن أرفع عنها الستار الذي يحجبها منذ عشرين عاما.
وأنا أدرك الانفعال الذي سينتابـ (الأهالي) في الجزائر وأسيادهم المعمرين بعد كشف زاوية صغيرة من المأساة التي تبين بصورة مؤثرة العيوب الدقيقة للقابلية للاستعمار والأهداف المرسومة للاستعمار.
وربما كان باستطاعتي أن اعتمد في هذا العرض أسلوبا تحليليا فأقدم الأشياء في شكل مجموعات: القابلية الاستعمار والأهالي، الاستعمار والمتحضرين الاستعماريين. غير أني فضلت التسلسل التاريخي، إذ يبدو لي أن التواريخ ضرورية للوقوف عند بعض مراحل التطور وعند معنى المأساة التي تغطي ثلاث حقب من وجودي: حياتي كطالب من ١٩٣١ إلى ١٩٣٦، حياتي كمنبوذ هائم على وجهه وتمتد من ١٩٣٦ إلى ١٩٤٥ وحياتي ككاتب وتبتدئ من ١٩٤٦ إلى يومنا.
وقد يؤدي بي الحال باعتماد هذه الطريقة إلى صوغ حديثي في شكل كتلة من التفاصيل، غير أني سأنأى عن هذا المشكل بأن أدع القارئ (غير الأهلي) (non indigène) ليستخلص بنفسه بعض التفاصيل وبعض المعاني حتى لا يلاحظ إلا ما يحقق وحدة المأساة ومغزاها.
زد على ذلك أني لم أتطرق، مبدئيا، إلى بعض مراحل وجودي إلا بشكل عابر، إذ من السابق لأوانه أن أتناول، في الظروف الراهنة، الموضوع الذي تعنيه.
стр. 28
المرحلة الأولى
الطالب
стр. 29
العنكبوت
- إن السيد ماسينيون يرغب في لقائك!
لم أكن أدري ماذا سيعني هذا الاسم الذي نطق به للتو صديقي محمد بن ساعي من غير اكتراث، طوال حياتي وكيف سيؤثر في مصيري ومصير عائلتي. غير أن صديقى الذي بصق مرة أو مرتين على جانبي الرصيف، كإثارة منه عن وقفة يكف أثناءها عن الحديث، أضاف: - أجل إن بومنجل هو الذي أخبرني بالأمر. وقد أكد لي أن (أحدهم)، لم يعد يدري من هو، هو الذي أخبره بذلك.
ماسينيون، بومنجل وغيرهما ... لقد احتجت إلى سنين من التجربة المريرة لاستخلص معنى هذه العلاقة وإدراك مغزى هذا ال (أحدهم) الذي استعمل كمجرد ستار يحجب الصلة الفعلية بين المستعمر والقابل للاستعمار، بين المخبر الذي يتقمص هيئة (العالم) و (الوطني) الذي سيرفع ذكره ويعلى شأنه فيما بعد إلى منزلة (البطل) الجزائري.
غير أني كنت وقتها أبعد من أن يعتريني شك في كل هذا الأمر. فنحن في سنة ١٩٣٢ وكان وسط الطلبة الأفارقة في باريس يموج وقتها في الحركة ويفور.
وسنوات قليلة قبلها، كان أحد الأهالي من سكان المستعمرات (الاندجين) الذين أصبغت عليهم هالة المثقف أو أحد المثقفين الذين أصبحوا من الاندجين (indigénisés) ، ويدعى شريف مشيري
стр. 30
قد دشن مسلسل الخيانة الفكرية. فقد بين السبيل للظفر بمنصب سو بريفي (نائب وال) ومواصلة نفس الطريق في تأن وهدوء وفي مذلة تامة كلما التمس مزية أو حظوة لصالح أحد الأبناء المنتشرين بكثرة كالبراغيث في منطقة تبسة. وحصل هذا بعد أن طعن المرحوم الفاضل الأمير خالد من الخلف في وقت كان الأمير يواجه فيه هجوما من جريدة (Le Républicain) (الجمهوري) لصاحبها السيد مورينو (Morinaud) النائب عن مدينة قسنطينة ورئيس بلديتها.
ومهما يكن من أمر فقد فتحت الطريق، وأصبح عدد من الطلبة يسلكونها سيرا على الخطى المجيدة للشريف مشيري.
ولكل طريقة للفوز بمنصب نائب الوالي. فبعضهم تنصر كما كان حال إيبعزيزن الذي أنهى دراسته في القانون بمشقة كبرى. والبعض الآخر تفرنس، كما كان شأن حسين لحمق الذي أكمل دراسته هو الآخر ونشر بعدها كتابه المعروف (Lettres algériennes) (رسائل جزائرية) وهو كتاب تولى الآباء البيض أنفسهم الترويج له وبيعه لزوار (معرض الاستعمار)، فقد كان عملا خسيسا موجها ضد الإسلام، كما استخلصتم دون شك.
وهناك المرحوم الدكتور موفق ﵀ الذي كلف بمهمة الاستفزاز، فتجده يلجأ هنا إلى المزايدة الوطنية وتراه في موقع آخر يعمد إلى العرقلة الإدارية. ويذكر أخيرا نارون المكلف بمهمة تشتيت صفوف الطلبة وتقسيم الفريق الجزائري سعيا لتولي زعامته.
стр. 31
وتجد في الجماعة التونسية بعض الوجوه الودودة، خفيفة الظل، على الأقل قبل أن يصيبها السوء ويذبلها المهب الذي أطلقه بورقيبة. فابن سليمان فتح عينيه على حياته كطبيب في الأفق. أما بن ميلاد فكان يدير قطاعا من جمعية الطلبة، لم أتبينه بوضوح، حتى يتسنى له استيعاب مهنته كرجل دولة تونسي مستقبلا. أما ابن يوسف فكان يبتهج داخليا عندما يدور الحديث عن الإسلام أو يسمع جملة رائعة. من جانبه، كان بن لهوان، المادي الملحد، يعد نفسه والأفكار مشوشة لديه. في حين كان الهادي نويرة لا يزال يتدرب على نبرات صوته مفضلا دائما الرجة في النبرة. وكان الراحل ثامر ﵀ -يشع طيبة ترهص لاستشهاده.
أما جماعة المغاربة فكان يلفها غموض البلاد المغربية. كان محمد الفاسي الذي يرأس وقتها (جمعية طلبة إفريقيا الشمالية) يتريث ويأخذ وقتا للتفكير وهو يتناول كيس تبغه، ولا يستعجل أمره ويزن القضية بتأن وروية، كما يمليه عليه حس موروث عبر أجيال عديدة من تجار فاس ومعاشري الأمراء. أما بلافريج فلم يكن سوى مجرد ظل لرئيسه. وقد شكل الاثنان نواة الحكومة المغربية القادمة.
غير أن الأول كان يدرك أن الحاضر يعد المستقبل، فأقام علاقة مع ابن غبريط (١) ثم مع ماسينيون، كما أدركت لاحقا. أما توريس فكان يشكل عصبة لوحده. ووعيا منه بأنه وحيدا فقد كان يصفق لنفسه
стр. 32
عندما يتحدث، فهو المتحدث والمستمع في آن. والحق أنه كان خطيبا مفوها ووطنيا حقيقيا.
لم يتسن لي التعرف على عبد الجليل، الذي استفرد به ماسينيون قبل وصولي باريس، فاحتجز بين أربعة جدران لحضور حلقات دراسية وتكوينية في الدين المسيحي (séminaire) ليغادرها سنين بعد ذلك تحت اسم (الأب عبد الجليل) (Le père Abdeljalil). وربما كان أجدر الطلبة وأفضلهم، فقد كان شاهدا على تحلل البرجوازية المسلمة وتعفنها (وكان هو نفسه منتميا إليها)، فلجأ إلى المسيحية مدفوعا بمثالية عرف ماسينيون كيف يزينها له وهو المبتدئ الذي تعوزه التجربة.
من هذه العصب الثلاث كانت عصبة التونسيين هي الأطهر وكان المغاربة أكثرها إثارة للإزعاج والشقاق، أما الجماعة الجزائرية فكانت هي الأقذر والأكثر خسة.
وكان هناك في الأخير صنف من الطلبة يرون أنهم بغير انتماء. فساحلي لم يتخل بعد عن قبائليته، فكانت لغته ونفسيته تعزلانه عن الوسط.
وقد حملنا معنا إلى باريس، أنا ومحمد بن ساعي، نزعة إسلامية توحيدية تعزلنا أيضا عن الآخرين، من الجانب الأخلاقي على الأقل. وأظن أننا كنا فخورين بعزلتنا.
هذا هو العالم الصغير للطبقة المثقفة لشمال إفريقيا كما كان في سنة ١٩٣٢ في باريس، وهناك بالطبع العديد من الأوجه الثانوية التي لم أتمكن من حفظ أسماء أصحابها.
стр. 33
عندما أخبرني صديقي بن ساعي برغبة ماسينيون في لقائي كنت أجهل أن جميع الخيوط التي تحرك عالمنا الصغير كانت بين يدي هذا الأخير. وكان هو نفسه خفيا متواريا كالعنكبوت في بيتها. ويجب أن أقول، من جهة أخرى، أنني أخذت وعيا في الحين لماذا تسعى هذه العنكبوت لاجتذابي في شبكتها التي وجد عبد الجليل نفسه سنوات من قبل محبوسا بين خيوطها، مخدرا ومقيدا.
ويجب القول أن جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا التي رأت النور بباريس، شكلت في ذلك الوقت بواكير ومقدمات للعديد من الأمور وكانت تبشر بآفاق جديدة وتحمل أمورا افتراضية لم تكن إلا لتثير قلق الاستعمار وشكوكه، فبدأ بالفعل، وبالتزامن مع نشاط الجمعية، يعتمد سياسات نشر البربرية واللاتينية والتنصير والفرنسة في شمال إفريقيا.
شكلت وصية الأب دي فوكو (Père de Foucaud) (١) كتابا يهتدي به جميع الموظفين وكل القساوسة الذين كانت لهم يد في (شؤون المسلمين)، من قريب أو من بعيد , وكان منفذ وصية الأب دي فوكو هو ماسينيون الذي لم يخف البتة هذا الشرف بل كان يعتز به.
стр. 34
أدركت إذن أنه يريد أن يقابلني لأني كنت بمثابة الذبابة التي يزعجه طنينها والتي قد تقطع بأجنحتها نسيج بيت العنكبوت التي نسجها. إذ ليس المهم عند عنكبوت من فصيلة جيدة اصطياد الذبابة ولكن القبض عليها دون أن تمس خيوط بيتها بأذى. وأؤكد الأمر، فقد كنت أنا بمثابة تلك الذبابة التي كانت من دون وعي ربما، تهز بجسارة وتهور الخيوط الغالية لبيت العنكبوت.
فبالفعل ألقيت قبل أربع أو خمس. أيام محاضرة في جمعية الطلبة عنوانها: (لماذا نحن عرب؟) (١) وعندما أقول أن بن يوسف قام إثر المحاضرة محمر الوجه من التأثر لمعانقتي، فيجب أن يفهم من كلامي الأثر الكبير الذي تركته محاضرتي في الجماعات الثلاث للطبقة المثقفة لشمال إفريقيا , ويجب أن أضيف أيضا، أن الجماعة الجزائرية كانت حاضرة ممثلة بشخص بومنجل الذي أبدى بالصدفة معارضة لما جاء في المحاضرة. فقد انتقدني حتى في اختيار عنوانها. ولما استعرضت الموضوع على ضوء التاريخ العام لإفريقيا الشمالية، فقد وجد ممثل العصبة الجزائرية أن التاريخ لا يمكن أن يدلنا على مستقبلنا. فهذه الأطروحة هي، كما سنرى فيما بعد، مقدمة لما سيدعيه لاحقا شريكه في تحرير جريدة (La République Algérienne) (الجمهورية الجزائرية) حين أعلن في سنة ١٩٣٦ بأن (التاريخ لم يكشف عن وجود أمة جزائرية) (٢).
стр. 35
ولكن فلندع الأمور لوقتها.
فالمهم حاليا هو أن أطروحتي تقع على طرفي نقيض من آراء
ماسنيون البربرية واللاتينية والتنصيرية والمفرنسة. كما أنها لم تكن في بال (أبطال) الجزائريين اللاحقين الذين كان همهم الآني هو السعي الحثيث وراء منصب نائب الوالي أو ما شابه. ومن جهة أخرى، فإنه من المعبر أن يكون بومنجل بالذات هو من عارض أطروحتي وهو الذي سيخبرني، بعد أربع أو خمس أيام، برغبة ماسينيون في مقابلتي. وليس أقل مغزى من ذلك رغبة بومنجل إخفاء علاقته بعنكبوت الكوليج دي فرنس (Collège de France)، و (كل علاقة خفية، هي علاقة آثمة)، كما يقول مثل من بنات أفكاري.
مهما يكن من أمر، لم تشغلني من جانبي نية في الرد على دعوة منفذ وصية الأب دي فوكو. ولم يكن ثمة خوف لأني أبعد من أن أخشى الرجل الذي دعاني، كما أنني أتمتع بقدر من الجسارة يعصمني من خوف عدم الاستجابة للدعوة.
غير أن الغرور أصابني وازدهاني لعدة أيام بعد نجاح محاضرتي.
فقد أطحت بمعارضة بومنجل لها إلى درجة أن بن يوسف عانقني وأن محمد القاسي رئيس الجمعية تحدث عني، بعد جدال مع بومنجل، باعتباري (حامل عقيدة وحدة شمال إفريقيا).
يا إلهي، لقد رفضت شخصية (الإيديولوجي) التي تقمصتها أن تجيب دعوة جاءتها عن طريق واسطة! كان من الواجب أن ترسل لي على الأقل في بطاقة من الورق المقوى!
стр. 36
لقد كنت شابا مجردا من أي سلاح سوى المواهب الطبيعية في ساحة يجب أن يكون فيها للمرء إعداد تربوي جيد يشكل عمادا قويا وتتأسس عليه التجربة.
لقد هونت من الأمر وهززت كتفي ولم ألب دعوة ماسينيون. ثم نسيت المسألة بعد أيام. ولكن التجربة ستعلمني أنه لم ينس ولن ينساني أبدا، وزاد الطين بلة أنني لم أتوار عن الأنظار وأختفي ليلفني النسيان، إذ أنني لا أفتأ أدوس على حاشيته.
فبعد أيام من الواقعة، حصل تجديد مكتب الجمعية التي كنت سأتولى رئاستها بحكم الإجماع الذي انبثق من انتخاب الجمعية العامة.
غير أن محمد القاسي، المتبوع بظله بلافريح، اقنع الجمع أنه من (السياسة) أن يتولى مغربي رئاسة الجمعية. وتمكن بعد جدال، من أن يفرض نفسه رئيسا بعد أن رشحه بلافريج الذي أقنعني بأني سأكون نائبا ممتازا للرئيس (١).
وفي مقابل التواضع الذي أبداه الرئيس، قررت من جانبي، أن أقبل التنازل عن شرف منصب نائب الرئيس لصالح صديقي وأستاذي محمد بن ساعي الذي يكبرني سنا.
стр. 37
لقد كنت بالفعل مثالا معقدا للتواضع الصادق والاعتزاز البريء.
ولم أكن لأدري أن (انتخابي) من طرف جمعية عامة طلابية سيشكل حدثا سيدون بكل عناية من طرف المكتب الثاني (١)، إلى جانب موقفي الذي أحبط مناورات الإدارة الاستعمارية الساعية لبث التفرقة بين الطلبة، وهي مهمة كلف بها موفق.
ولاستيعاب القضية كان المطلوب الكثير من رزانة العقل والإدراك والحكمة ولم يكن لدي غير الذكاء. فغدوت، وفي غفلة مني، (شخصا يجب أن يخضع للرقابة). ولم انتبه للأمر حتى جاءني ذات صباح رجل شرطة إلى مقر اتحاد الشبان المسيحيين أين كنت أتناول وجبات طعامي، ليطرح علي بعض الأسئلة عن (إمكانياتي المالية وموارد معيشتي) وعن التعليم الذي أزاوله. فأدركت للتو سبب التدخل المفاجئ للشرطة في حياتي، ولكني لم أعقد صلة بينه وبين دعوة ماسينيون أو أفكر في تأثيرها في وضع والدي؛ وبالعلاقة مع حالتي كطالب. ناهيك عن أن هذا الطالب لم يكن مواظبا وقتها.
أضف أن اللقاء بزوجتي، من جانب، ونشاطي المفرط في سبيل الوحدة الإسلامية أو كوني ببساطة ملتزما إسلاميا من جانب آخر، زاد الأمر سوءا.
في نادي اتحاد الشبان المسيحيين، أصبحت مشهورا كداعية إسلامي، إلى درجة أنه إذا كان ثمة أحد من مصلحته أن يسجل أفعالي وحركاتي، فسيلاحظ حتما أني عنصر لم تكن لديه قابلية
стр. 38
لاعتناق المسيحية وحسب بل بالعكس، يشكل (خطرا) على الشبان النصارى الذي كنت أحتك بهم إذ كنت اكشف لهم عن إسلام لا علاقة له بإسلام الأندجين (الأهالي)، الذي كان يصل أسماعهم. وبالتخلص من كماشة الانديجينا في هذا النادي المسيحي، بدأت أهتم بالمسائل الدينية وهو الاهتمام الذي كان نقطة ضعف الشباب المسلم ولا يزال.
ومن جانب آخر، فإني سأحمل شعلة حماسي الفياض الذي اتقد في هذا النادي إلى الحي اللاتيني حيث تحولت العصبة الجزائرية من المؤامرة (السياسية) إلى دسائس الغراميات في غياب وعي تام عن الماضي والحاضر والمستقبل.
ويبدو لي أني اكتسبت وعيا بعيوب العالم الإسلامي ما بعد الموحدين بفضل دور الداعية هذا. الذي اضطلعت به بين جنسين وعقليتين وشبابين مختلفتين. لقد كان الشبان المسيحيون الذين كنت أعاشرهم غاية في الطيبة، وكانوا أخلاقيا وفكريا أكثر غنى من الأهالي وبخاصة الجزائريين ممن كنت ألتقي في الحي اللاتيني. ومن بين جميع إخواني في الدين لم يكن لدي غير صديق حميم واحد، موضع ثقتي، أطلعه على أفكاري وتأملاتي هو محمد بن ساعي الذي كان يقاسمني المرارة والحسرة. وازداد الفريق الذي كنا نشكله نحن الاثنان قبل أن ينضم إلينا شقيقه صالح بعد قدومه باريس، عزلة عن الآخرين.
وكان (سور الصين) الذين ضربناه على أنفسنا يحمينا من تلوث مواطنينا. ثم أصبح السياج بعد ذلك مرهقا إلى درجة أن صالح
стр. 39
بن ساعي أحدث فيه في أحد الأيام ثفرة للفرار منه بعد مشادة مع أخيه الذي أصبح طبعه حادا وبدأ يعاني من اضطرابات عقدة الاضطهاد. غير أن هذا السور الذي كانت تجري خلفه حياتنا التي يسمها الاجتهاد ويطبعها التأمل، لم تكن إلا لتثير شكوك الإدارة حول الغموض الذي كان يلف حياتنا، وتبلغ عنا بصفتنا (أشخاص خطرين). ويجب القول، والحال هذه، أن الخطر كان من جانب الإدارة الاستعمارية حقيقيا.
فقد كانت هذه الإدارة تسعى لتقسيم طلبة الشمال الإفريقي وتضع كل جماعة في مكان معين. غير أنني وبن ساعي أحبطنا جميع محاولات موفق الذي كان يدعو للجزأرة (l'algérianisme) وكان يثير، في كل لحظة وآن، حوادث مع التونسيين بقيادة نارون. هذا الأخير كان بدوره يبشر بمذهب الغودينية (le godinisme)، في وقت -كان فيه لغودان (Godin) محل مشهور بشارع لوكونت، وهي منطقة تبدو وكأنها بلدية مختلطة منقولة من الجزائر إلى باريس، وفي وقت كان فيه بومنجل ينشر فيه اشتراكية بلوم (Blum) وينشر طاهرات النزعة القبائلية. ومن جانبي، فقد شاركت بفاعلية في المعركة التي دارت حول كتابـ (Lettres Algériennes) (رسائل جزائرية) لصاحبها لحمق الذي ابتكر هذه الفكرة سعيا وراء منصب نائب الوالي. وبصحبة المرحوم بن عبد الله، الذي كانت نهايته مأساوية بمدينة البليدة حيث كان يشتغل محاميا، كنا نشكل بباريس أصداء لحملة الأمين العمودي من خلال جريدة (La Défense) (الدفاع)
стр. 40
التي، وإن لم يكتب لها النجاح، فقد نغصت عيش اللاهثين وراء منصب نائب الوالي.
وهكذا فقد كانت الذبابة الصغيرة تفيض حيوية ولكنها غير واعية بالأخطار، تخرق كل مرة بجناحيها البريئين نسيج بيت العنكبوت.
لم أختم سنتي الأولى لوجودي بباريس حتى أصبحت إذن (متآمرا).
كان بباريس طالب سوري هو اليوم، فيما أعتقد، مندوب بلاده بالأمم المتحدة، اسمه فريد زين الدين، قدم فرنسا لإعداد دكتوراه في القانون من جامعة السربون. لقد كان ذا قيمة، بل قل قيمة كبيرة إذ جمع في شخصه سمو الثقافة وشهامة الرجولة. وأظنه من حملة السلاح إلى جانب سلطان باشا الأطرش خلال الانتفاضة المشهورة للدروز سنة ١٩٢٤. كما أن له صلة قرابة بالمهاجر الفاضل الراحل شكيب أرسلان الذي كان يعيش وقتها بجنيف. فهل هذه الصلة القوية المعززة بفكرة شخصية هي التي أوحت لفريد زين الدين إنشاء (جمعية الجامعة العربية) (l'Association de la Ligue Arabe) بمساعدة مصري قبطي؟ كان هذا ما في الأمر. والمفارقة هي الإعلان عن الطابع السري للمنظمة أثناء الاجتماع التحضيري الذي نظم بمقهى في أعالي سان ميشال. والمصيبة أني كنت من أعضاء هذه المنظمة ممثلا عن الجزائر والتي كان فريد صليب، القبطي المصري يسيرها بكل اقتدار. هآنذا أحيط شخصيتي بلغز جديد. فبعد أن كنت (منظر وحدة شمال إفريقيا) و (الداعية الإسلامي) في اتحاد الشبان المسيحيين والمناضل في سبيل الوحدة الإسلامية في الحي اللاتيني، أصبحت متآمرا أدعو للوحدة العربية! لقد طفح الكيل!