Полный текст (98 стр.). Показаны 71–98 · переход к 76.
стр. 71
١٤- المسيحية في الإسلام (باللغة العربية) ، تأليف الايغومانس إبراهيم لوقا.
٤- تلاميذ المستشرقين والمبشرين (عملاء الاستعمار) :
وإذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر، ثم أتصل من بعد ذلك بالمستعمرين. فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك، وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقظون دائماً، يحدقون بعيونهم ويصيخون بآذانهم إلى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات، حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض في سبيل نشاطهم وعملهم، فهم في سرية أعمالهم كالجمعية الماسونية، تنشد في الظاهر السلام العالمي، لكنها دعوة سرية لاستتاب حكم التوراة في ربوع العالم، أما عيون هؤلاء وآذانهم فمنهم على سبيل المثال لا الحصر:
(١) الأستاذ عزيز عطية سوريال، مصري مسيحي، كان أستاذاً بجامعة الإسكندرية، وهو يدرس الآن بإحدى جامعات أمريكا، شديد الحقد على الإسلام والمسلمين، كثير التحريف للتعاليم الإسلامية، يندفع في حقده على الإسلام لكون بعيداً عن مصر والعالم الإسلامي، له بعض كتب عن الحروب الصليبية.
(٢) الدكتور فيليب حتى، لبناني مسيحي، أكتسب الجنسية الأمريكية، وكان أستاذاً بقسم الدراسات الشرقية بجامعة برنستون بأمريكا، ثم رئيساً لهذا القسم، وهو الآن بالمعاش، ومن ألد أعداء الإسلام.
(٣) دكتور بطرس عبد الملك، مصري مسيحي، وهو أستاذ اللغة العبرية، وكان أستاذي بكلية اللاهوت الإنجيلية من سنة ١٩٤٥ - ١٩٤٨م، عرضت عليه الإذاعة العمل بالأقسام الموجهة
стр. 72
فرفض، وقد أشتغل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة رئيساً لقسم الدراسات الشرقية، ثم نزح بأسرته إلى أمريكا حيث أصبح هناك أستاذاً بجامعة برنستون سنة ١٩٦١.
٥- تمويلهم:
يعتمد المستشرقون والمبشرون في تحقيق أهدافهم وتمويلها على ما تقوم به المؤسسات الدينية والسياسية والتجارية في الغرب، وكان ملوك وأمراء أوربا وأثرياء أمريكا يحبسون أوقافاً ومنحاً لهذا العمل. ومن هؤلاء (دكتور جبسون) الذي وقف أموالاً طائلة لطبع التوراة والإنجيل وتوزيعها مجاناً على كل العالم، و (روكفلر) ومنحة العلمية للوافدين من آسيا وأفريقيا. وكان هذا السخاء مما دفع المستشرقين إلى الاستزادة من كشف طلاسم التوراة، فدرسوا اللغة العبرية، وتفقهوا فيها، وأصبحوا أساتذتها، وأدت بهم هذه الدراسة إلى دراسة اللغة العربية والأدب والإسلام، واتسع نطاق النشاط العلمي حتى شمل ديانات ولغات وثقافات الشرق بأسره.
стр. 73
السياسة التوجيهية العامة
يجدر بي - وقد التزمت بالصراحة في خدمة الإسلام والعروبة - أن أتحدث عن مجال نشاط الاستشراق والتبشير (الاستعمار) في رجال التوجيه في بلدان الشرق، فإن للاستعمار وسائله الخاصة.
إن مجال نشاط المستشرقين والمبشرين يبلغ المدى البعيد بين صفوف رجال التوجيه في بلدان الشرق، ولهم في ذلك وسائلهم الخاصة في تفريق شمل المسلمين وإضعاف شوكتهم، والعمل على الغض من اللغة العربية التي هي في نظرهم لغة القرآن الكريم.
ووسائلهم في توجيه الرأي العربي إلى ما يريدون - بطريق غير مباشر - يتم بصورتين:
الصورة الأولي: استخدام تلاميذ المستشرقين والمبشرين "عملاء الاستعمار" من الوطنيين الذين درسوا بجامعاتهم وتشربوا بمبادئهم، وهؤلاء - وقد أصبحوا قادة الفكر - إنما ينفذون سياسة المستعمر بقصد أو بغير قصد منهم وبإيحاء من توجيهات المستشرقين والمبشرين.
الصورة الثانية: قيام بعض الغربيين بمؤلفات عن الثقافة الإسلامية، وعمل موازنات بينها وبين الثقافة الغربية (النصرانية) ثم العمل على تشويه الحقائق.
стр. 74
أما الصورة الأولى: فتتلخص في قيام بعض المفكرين من المسلمين بحركة تقدمية في الإسلام، وعلى غير قصد منهم يقررون سياسة المستعمر، ويثبتون ولايته على المسلمين من الوجهة الإسلامية، أو بعبارة أخرى تبغي عدم تحديه أو معارضته في مباشرة سلطته على المسلمين أو في إدخال ما يسميه بنظم الإصلاح الحديث بينهم، وكان من تلاميذ الاستعمار في تحقيق هذه الصورة (السير أحمد خان) بالهند، الذي أشتهر بحركته العلمية القائمة على الافتتان بالعلم الطبيعي وبالحضارة الغربية.
والافتتان بالعلم الطبيعي - أو الطبيعة كما يقال - يؤدي إلى خفة وزن القيم الروحية والمثالية، وهي القيم التي تقوم عليها رسالة الأديان السماوية التي يمثلها الإسلام أوضح تمثيل. ولم يكن السير أحمد خان داعية فقط لهذا التجديد أو لهذه التقدمية في الإسلام، بل كان كذلك صحفياً ومؤلفاً ومدرساً ومشرفاً على كلية علمية دينية هي: (الكلية الإنكليزية الشرقية المحمدية) .
وفي هذه الكلية كان يدرس الدين المسيحي بالعناية التامة التي يدرس بها الإسلام، ولهذا كان للسير أحمد خان نفوذه سياسي تربوي، أقترن بحركته التجديدية التي أثرت - فيما بعد - في خلق المذهب القادياني والأحمدية بالهند.
ومن تلاميذ الجامعات الفرنسية الدكتور طه حسين، وهو صاحب التجديد في الأدب العربي في مصر، وحركته تقوم على الانطلاق في التفكير الحر الرزين جرياً وراء الحقائق، وكان بلا منازع عميد
стр. 75
الأدب العربي، بل عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم أصبح فيما بعد وزير المعارف العمومية.
وكان في نشأته رئيساً لتحرير مجلة الكاتب المصري، وهي مجلة تصدرها شركة الكاتب المصري التي هي جماعة من يهود مصر الذين هجروا مصر نهائياً عقب الانتصار على العدوان الثلاثي ببورسعيد سنة ١٩٥٦م.
وهو مؤلف لعدد كبير من الكتب، منها: الشعر الجاهلي، ومستقبل الثقافة في مصر، وكثير غيرهما.
ولقد كان للسيدة قرينته الأثر القوي في دفعه إلى النجاح بمؤازرتها له بكل ما تملك من الإخلاص المعنوي والمادي، وهي سيدة فاضلة فرنسية المولد.
أما كتابه الشعر الجاهلي فإنه يقوم على فكرة واحدة، هي أن الشعر الجاهلي لا يمثل حياة العرب قبل ظهور الإسلام، وفي هذا نقتطف بعضاً من أقواله، قال: (إن العرب لم يكونوا على غير دين ولم يكونوا جهالاً، ولا غلاظاً، ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى كذلك يمثلهم القرآن (ص ٢٢، ٢٣) . ويستطرد فيقول: (وإذا كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة
стр. 76
بسياسة عامة بها مؤثرة فيها - فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلية همجية، وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن ظهر في أمة جاهلية همجية) (ص ١٥) .
ومن هذا يخرج بهذه النتيجة: (فالقرآن الكريم أصدق مرآة للعصر الجاهلي) . ويستطرد فيقول: (أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الشعر الجاهلي؟ أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهلين) (ص ٢٢، ٢٣) .
يم يستطرد في انتفاضه لإعجاز القرآن الكريم فيقول: (أفترى أحداً يحفل بي لو أني أخذت أهاجم البوذية وغيرها من الديانات التي لا يدينها أحد في مصر؟ ولكني أهيج النصارى حين أهاجم النصرانية، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية، وأحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام) (ص ١٦، ١٧) . وينتهي بهذا كله إلى الرأي القائل بأن الإسلام دين بشرى، وأن القرآن ليس وحياً إلهياً، إنما قاله صاحبه لقوم معينين، ولذلك تجاوبوا معه أو قاموا ضده.
وفي هذه المداراة حقق هدفاً من أهداف الاستشراق هو أن القرآن موضوع وليس وحياً من الله، وإن القرآن مرآة لأفق خاص من الحياة، هو أفق من عقائد تلكم العقائد المنتشرة وقتئذ في رقعة الجزيرة العربية، لا سواها.
وبهذا يتفق مع آراء المستشرقين وكتاباتهم أمثال المستشرق
стр. 77
الإنكليزي "جب" أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، فهو يتفق مع جوهر كتابه (المذهب المحمدي) ويتفق مع كتاب سنكلير تسدل (مصادر الإسلام) من أن شرائع الإسلام تأسست من شرائع الأديان المعاصرة له والمنتشرة وقتئذ في الشرق، ألا وهي اليهودية، والمسيحية، والهندية، والصابئة، والفارسية، والجاهلية.
ويحسن بي أن أورد نموذجاً لافتراءاتهم في هذا الموضوع ليتبين المسلم مدى خطورة مثل هذه الكتب:
لقد زعموا أن الإسلام أخذ من الجاهلية: صلاة الجمعة، وصوم عاشوراء، وتطييب البيت الحرام، وحظ الذكر في الميراث مثل حظ الأنثيين، التكبير، والأشهر الحرم، والحج والعمرة، نتف الإبط، وحلق العانة، والوضوء والاغتسال، والختان، وتقليم الأظافر.
وأخذ من الصابئة: الصلوات الخمس، والصلاة على الميت، وصيام شهر رمضان، والقبلة، وتعظيم مكة، وتحريم الميتة ولحم الخنزير، وتحريم الزواج من القرابات.
وأخذ من الهندية والفارسية: قصة المعراج، والجنة والحور والولدان، والصراط.
وأخذ من اليهودية: قصة قابيل وهابيل، وقصة إبراهيم، وقصة ملكة سبأ، وقصة يوسف.
وأخذ من النصرانية: قصة أهل الكهف، وقصة مريم العذراء، وقصة طفولة يسوع.
стр. 78
وبالموازنة بين "المذهب المحمدي" لمؤلفه المستشرق الإنكليزي (جب) وكتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، نجد تطابقاً تاماً في المفاهيم مع اختلاف في الأداء والعبارات وتطابقها فيما يأتي:
١- أن محمداً أستغل المقدسات الدينية في مكة ويف مقدمتها (البيت الحرام) ، وكانت ثورته ضد الحياة الاجتماعية الظالمة ثورة طابعها ديني، ويستطرد كتاب "الشعر الجاهلي" إلى الرأي القائل: إن محمداً قبل قصة إسماعيل وتعلم اللغة العربية لاستعداد المكيين أنفسهم لقبولها رغبة منهم في الوحدة والتكتل، ليكونوا قوة ثالثة في مواجهة قوتي الفرس والروم.
٢- إن الحياة الجاهلية قبل الإسلام كانت حياة حضارية اقتصادية دينية.
٣- إن القرآن لم يكن جديداً عليهم حتى عقيدة الوحدانية ذاتها لم تكن غريبة عنهم. لكن - كما يقول المستشرق الإنكليزي _ (جب) - أن ثورة العرب ومعرضته له كانت خشية للمنافسة السياسية.
بينما يقرر الشعر الجاهلي بقوله: (لو لم يكن القرآن مألوفاً لما حفل به أحد) .
٤- إن دعوة الإسلام دعوة محلية، لجماعة خاصة، ولحياة خاصة. إذ يقول المستشرق الإنكليزي (جب) في كتابه "المذهب المحمدي": إن الإسلام انطباع للحياة الجاهلية، ويقول الدكتور طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي: إن الإسلام تعبير صادق عن هذه الجماعة في حياتها الخاصة وأمانيها.
стр. 79
ولم نطلع على كتابة للدكتور طه حسين يرجع فيها عن شيء مما كتب، أو يعدل ويشرح شيئاً منه.
ومن هذا يخلصون بآرائهم إلى القول بأن القرآن ليس وحياً من الله، إذ إنه لو كان وحياً من عند الله لكان للناس جميعاً في كل مكان، وكل زمان.
وأمام هذه النزعات الخطيرة ضد الإسلام يقول الله سبحانه في شأن القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ويقول عن الرسول الكريم، وعن العرب الذين بعث فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . "الجمعة ٢ - ٤".
ويقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "الحاقة ٤٠ - ٤٣".
ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ "الأعراف ١٥٧".
ويقول في عموم رسالته ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . "سبأ ٢٨". ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . ويقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
стр. 80
ويقول جل شأنه، بشأن إعجاز القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . "البقرة ٢٣".
ويحذرهم مغبة انحرافهم وضلالهم، فيقول: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ "البقرة٢٤".
ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، وسجل التاريخ شهادة قوية تؤيد الحق والإسلام فيقرر ابن خلدون عن القرآن الكريم ما نصه: "فأعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا يفهمونه ويعلمون معانيه في مفردات وتراكيبه. وكان ينزل جملاً جملاً، وآيات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح ... ".
وقال في موضع آخر: "ويدلك على هذا كله أن القرآن من بين الكتب الإلهية إنما تلقاه نبينا صلوات الله عليه، متلوا كما هو بكلماته وتراكيبه، خلافاً للتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية، فإن الأنبياء يتلقونها في حالة الوحي معاني ويعبرون عنها بعد رجوعهم إلى الحالة البشرية بكلامهم المعتاد لهم، ولذلك لم يكن فيها إعجاز".
ويتفق في هذا الرأي أعلام اللاهوتيين الغربيين، ومنهم دوملو، ودكتور شاف، وغيرهما، ويقول دوملو في تفسيره للكتاب المقدس
стр. 81
ما ترجمته: "إننا لا ينبغي أن نقيم الكتاب المقدس ككتاب كامل تماماً، بإعتبار الله ذاته هو واضعه مستخدماً البشر أيديهم وعقولهم كما يستخدم الإنسان الآلة الكاتبة".
ويقول دكتور فيليب شاف في كتيب له: " إن الأناجيل لا ينبغي أن نعتبرها كتباً موحي بها، وأن الله هو المصدر الوحيد لها لا الإنسان. ولكن ينبغي أن ننظر إليها من زاوية أخرى، أنها محاولات لرجال امتازوا بالورع ولكنهم ليسوا بموهوبين من أتباع المسيح الذين عاصروا حياته".
الصورة الثانية - من صور توجيه المبشرين والمستشرقين للرأي العام الإسلامي:
وهذه تكون بقيام بعض العلماء الغربيين بإبراز الخلافات المذهبية، وتأكيد الفجوات والثغور بين الطوائف والشعوب الإسلامية من الجهة الشعوبية أو الجغرافية أو نظام الحكم.
وهؤلاء العلماء قد يفدون إلى البلاد في سياحة في الشرق يعودون على أثرها وقد أعدوا للكتابة مؤيدون ما يكتبونه بالصور الفوتوغرافية التي يلتقطونها، أو بالرسوم التي يرونها من واقع الحياة مع خيالهم السابح في الأوهام مما يسيء إلى مكانة الدول الشرقية في الخارج، ويؤسفنا أن هذه الكتب تكتب عادة بأسلوب تهكمي قصصي يغذي خيال الشعوب الغربية الأوربية والأمريكية، ولها أثر سيئ في تصوير المسلمين تصويراً غير حقيقي.
وينتهز المستشرقون هذا اللون من الكتابة فيدونون - باسم البحث العلمي - كتباً في علم الأجناس ونفسية "فسيولوجية"
стр. 82
الشعوب فيها، ويخرجون من هذا بقولهم: إن مفهوم الإسلام يختلف باختلاف الشعوب، فهناك إسلام الهند، وإسلام تركيا، وإسلام البربر في شمال أفريقيا، وإسلام مصر، وإسلام الملايو، وإسلام اندونيسيا، وإسلام الصحراء الكبرى، وإسلام أفريقيا السوداء. وكل إسلام يختلف عن الآخر باختلاف الجنس، ولكل إسلام في فهم القرآن والسنة طريق خاص يوافق المصادر التي يستقي منها منهاجه وشريعته.
ومن هذا النشاط أيضاً، كتبهم العقائدية المريرة، يتحدثون فيها عن الخلاف بين أهل السنة والشيعة، بين أهل السنة في مصر، والشيعة في بغداد. ثم يعرجون إلى الحديث عما يسمونه بالعداء بين المملكة العربية السعودية وما يسود فيها من مذهب محمد بن عبد الوهاب من جانب والعراق وإيران وما يسودهما من اتجاه شيعي من جانب آخر، ويتحدثون عن الفجوة بين البيت الهاشمي في العراق من ناحية، والبيت السعودي في شبه الجزيرة العربية من ناحية أخرى.
من هذا يتبين أن الإسلام في نظرهم ليس واحداً، بل هو متعدد، وهذا التعدد وفق الشعوب المؤمنة به، أو الطوائف أو المصادر التي تحتضنه، وهذه السموم التي ينفثونها للتأثير في اتجاه المسلمين والتسلط على الشعوب المسلمة، ولا عجب فإنها وجدت إقبالاً من المشتغلين بالثقافة الإسلامية.
والأمر لا يقف عند هذا الحد من التصورات والأوهام، بل زج المبشرون بأنفسهم وتعرضوا لمكانة العلماء الأفاضل من المسلمين،
стр. 83
وأخذوا ينسبون إليهم شروحاً مفتعلة بأهوائهم للوصول إلى أهدافهم، مما تسبب عنه الانحراف بالتعاليم الإسلامية وتحويلها عن أهدافها الأصلية.
ومن الشرائع الإسلامية التي حولوها عن أهدافها الحقيقية:
تعدد الزوجات، وإباحة الطلاق، وقد ظنوا أن الرجل بسيادته على المرأة لا يجد فيها إلا متعة ولذة. وهذا ما كتبه اللورد كرومر في كتابه (مصر الحديثة) إذ يقول: "إن الرجل المسلم يتمسك بإسلامه لما يمكنه الإسلام من السيادة على المرأة، وهو في تمسكه بالإسلام أشد تمسكاً به من المرأة المسلمة، ويعلل هذا الافتراض بأنه ظاهرة في الحياة الإسلامية ترجع إلى اختلاف وضع كل من الرجل والمرأة في الإسلام على النحو المضار إليه".
وحول هذا المعنى دارت المحاضرة التي ألقاها بقاعة الإمام محمد عبده بجامعة الأزهر في ١٩/١٢/١٩٦٤ ضيف وزارة الأوقاف، المستشرق الفرنسي، الدكتور برجير فاشون، رئيس قسم التشريع الإسلامي بكلية جامعة باريس.
وفي هذا ما يقيم الدليل مرة أخرى على انحراف اجتهاد المستشرقين في تأويل المفاهيم والأوضاع الخاصة بالتأملات الإسلامية الأمر الذي ينبغي أن يكون موضع دراسة مستفيضة من علمائنا المسلمين لإقناع أمثال هؤلاء الباحثين وتوجيههم إلى الحقائق الأصلية التي شرعها الله وهو أحكم الحاكمين.
стр. 84
كمال التشريع الإسلامي (ولو كره الكافرون)
وللرد على مثل هذه المفتريات لا يسعني إلا أن آتي بإقرار رجل من رجال القانون البارزين، وعالم من العلماء الإنكليز هو مستر بنتام الذي يقول في كتابه (أصول الشرائع) في نقد النظام الكنسي:
"حقاً إن الزواج الأبدي هو الأليق بالإنسان، والملائم لحاجته، والأوفق لأحوال الأسرة، والأولى الأخذ به.... ولكن إن اشترطت المرأة على الرجل إلا تنفصل عنه حتى لو حلت في قلبيهما الكراهية الشديدة مكان الحب والثقة لكان ذلك أمراً منكراً، لا يستسيغه أحد من الناس، على أن هذا الشرط موجود بدون أن تطلبه المرأة، إذ القانون الكنسي يحكم به، فيتدخل بين العاقدين حال التعاقد، ويقول لهما: أنتما تقترنان لتكونا سعيدين، فلتعلما أنكما تدخلان سجناً سيحكم غلق بابه، ولن أسنح بخروجكما وإن تقاتلتما بسلاح العداوة والبغضاء".
ويعلق الفيلسوف بنتام على هذا بقوله: ولو كان الموت وحده هو المخلص من زواج هذا شأنه لتنوعت صنوف القتل واتسعت مذاهبه، ولكن لحسن الحظ استحدث المسيحيون من القوانين المدنية
стр. 85
ما يفتح لهم أبواباً للطلاق، ويعفيهم من أن يلجأوا إلى القتل أو الانتحار للخروج من هذا السجن.
وهذه الظاهرة - وهي السير في الأحوال الشخصية وفق قانون مدني يختلف عن تعاليم الدين - لا تكاد توجد في غير شعوب الغرب المسيحي، فجميع أهل الملل والنحل الأخرى حتى البرهميون والبوذيون، والوثنيون، والمجوس، يسيرون في أحوالهم الشخصية وفق تعاليم دياناتهم.
وقد نجد من بينهم من استحدث في الأحوال العينية قوانين مدنية تختلف عن تعاليم دينه، ولكننا لا نكاد نجد من بينهم من استحدث قوانين مدنية في الأحوال الشخصية، أي في شئون الزواج والطلاق، وما إلى ذلك ... وأمكن لهذه النحل والملل أن تساير الحياة العملية، وتجاري طبيعة البشر في هذه الشئون، والمسيحيون وحدهم هم الذين كفروا بدينهم من الناحية العملية في الأحوال الشخصية على العموم، وفي شئون الطلاق على الخصوص، لأنهم هم أنفسهم قد وجدوا أن تعاليمه في هذا الصدد تنكر الواقع، وتتجاهل طبيعة الإنسان، ولا تصلح للتطبيق في الحياة.
ولم يستطع رجال الدين المسيحي سبيلاً إلى صد هذا التيار، ولا الوقوف في وجه المنطق والعقل وضرورات الحياة الإنسانية، فتركوا الأمور تجرى في أعنتها، واكتفوا بأن يظهروا من حين إلى حين على مسرح الحوادث حينما يتعلق الأمر بملك أو عظيم، وحينما تكون الظروف السياسية مواتيه لظهورهم، كيما يثبتوا وجودهم، وكيما يبقوا على شيء من سلطانهم الديني، كما حدث في موضوع ملك إنكلترا الأسبق "إدوارد الثامن" الذي أراد أن يتزوج
стр. 86
بعشيقته، وهذا ما تندد فيه الكنيسة إذ أن مسز سمبسون مطلقة، وتعتبر في نظر الكنيسة زانية، وهذه المطلقة قد ملكت على الملك قلبه وحواسه، وكانت الظروف السياسية لسوء الحظ مواتية لإحراج هذا الملك، والوقوف في سبيل رده عم نزواته، فظهرت الكنيسة بأناجيلها، وبأن من يتزوج بمطلقة يزني، وخير له أن يمتثل لهذا الخرافات، ويحتفظ لنفسه بالعرش الإمبراطوري العظيم، أو ينزل على حكم قلبه فيتنازل عن العرش، وكان أن آثر الملك إدوارد الثامن أن يتنازل عن العرش على أن يستسلم إلى خرافات الكنيسة.
ومن الغريب في الأمر إنه كان معروفاً لدى الخاص والعام ولدى الكنيسة والشعب أن هذا الملك كان يعاشر خليلته هذه وهي لا تزال في عصمة زوجها مستر سمبسون، قبل أن تطلق منه، وكان لها جناح خاص في قصره، ولم يرتفع صوت الكنيسة، ولا صوت الشعب بالاحتجاج على ذلك.
فمعاشرة الملك لها كخليلة لم يثر فيهم غضبة أو نفوراً إطلاقاً، بل كانوا غاضين النظر عن تعاليم الإنجيل، ولما أبدى رغبته في أن سنة الأب والابن والروح القدس، وأن يعاشرها معاشرة شرعية، لا معاشرة الرفيق لرفيقته - بعد أن تمت إجراءات طلاقها من زوجها الأول اللورد سمبسون - إذا بالكنيسة تهب في وجهه، ويجتمع رجال الدين ويلوحون بالتعاليم الكنسية.
وموقف آخر لرجال الدين في إحراجهم للأميرة مرجريت، التي أحبت كابتن تاونسد، وكانت ترافقه في رحلاته، فلما شرعت في الزواج منه هبت الكنيسة في وجهها بأن هذا الكابتن الذي
стр. 87
عشقته مرجريت مطلق، ولا يجوز لها أن تتزوج بمطلق لئلا تعتبر زانية في نظر الكنسية، مع أن طلاقه كان قد تم وفق الأوضاع الكنيسية نفسها، إذ أقرت زوجته السابقة بتهمة الخيانة الزوجية وثبت ذلك عليها بأدلة مادية قاطعة، وأعتقد الرأي العام المسيحي أنها زانية، ولابد أن تطلق.
وهكذا لا يظهر رجال الكنيسة بسخافاتهم هذه إلا حينما يكون الأمر متعلق بملك أو عظيم، وحينما تكون الظروف السياسية مواتية لظهورهم، فهم لا يقصدون بذلك إلا انتهاز الفرص لإثبات وجودهم في صورة بارزة، والإبقاء على شيء من سلطانهم الديني، والظهور أمام الشعب بمظهر الجلال والقدسية، وإقامة الدليل بطريق عملي على أن مكانتهم فوق مكانة التيجان، ومنزلتهم فوق منزلة الأمراء والملوك.
ولا أدل على ذلك من أن حالات الطلاق وزواج المطلقين والمطلقات تحكم بها المحاكم الأوربية والأمريكية، وتنفذها الهيئات المدنية في مختلف شعوب الغرب المسيحي على مرأى من الكنيسة، ومسمع من رجال الدين، دون أن تحرك ساكناً، أو تقوى على الاعتراض على القوانين التي تبيح ذلك، أو على الحالات في تطبيقها.
ولا أدل على ذلك أيضاً من أن رئيس وزراء إنكلترا السابق (السير أنطوني إيدن) قد طلق زوجته الأولى التي هربت مع عشيقها إلى أمريكا، وهو الآن متزوج من غيرها، ولم يرتفع صوت الكنيسة بالاعتراض عليه، ولا على توليه أكبر منصب في الدولة، لأن الظروف السياسية لم تكن مواتية لارتفاع مثل هذا الصوت، أو التلويح بالأناجيل في وجهه.
стр. 88
هذا هو النظام المسيحي الذي أهمله أهله أنفسهم، وهذا هو إقرار من سادتهم من رجال القانون، ومع عدم ملاءمة شريعة الزواج عند النصارى للتشريع الإلهي وصلته بالإنسان، يحاولون أن يذيعوا بين الأوساط الإسلامية استنكار تعدد الزواج، واستنكار الطلاق، ويتابعهم في هرائهم هذا المتفرنجون من أبناء وبنات المسلمين، وهم لا يدرون أن الفرنجة لا يقصدون بذلك إلا الكيد للإسلام، وتشويه تعاليم الإسلام القدسية، وتوهين منزلته في نفوس معتنقيه، وإشاعة الفوضى والانحلال في الأمم الإسلامية.
стр. 89
الشريعة الإسلامية
الإسلام وحده يرعي مصالح العباد، ويضع الأصول الصالحة الكاملة للعلاقات الزوجية. فالقرآن الكريم يقرر علاج الموقف قبل البت في الطلاق، كما بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء ١٩) .
ويقول الحكيم العزيز: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء ١٢٨) .
ويقول : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء ٣٥) .
فإن حدث الطلاق فإن القرآن يضع من الأحكام ما فيه الحرص على سلامة الأسرة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
стр. 90
أَمْرًا﴾ (الطلاق ١) . ويقول العليم الحكيم: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق ٢) . ويقول الرحمن الرحيم في عدد مرات الطلاق. وإباحة المراجعة في المرتين الأولى والثانية حرصاً على بقاء الزوجية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة ٢٢٩) .
ويقول القدوس السلام: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة ٢١٣) .
ويقول الوهاب: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة ٢٢٨) .
ثم يوجب نفقة الزوجة على زوجها بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة ٢٣٣) . وقوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (الطلاق ٦) وقوله ﷺ :
стр. 91
"اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (رواه مسلم) . وقوله ﷺ لهند بنت عتبة - وقد شكت إليه شح زوجها أبي سفيان: "خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف" (رواه البخاري) .
هذا هو نظام الإسلام السمح في المعاملة بين الزوجين أثناء العشرة، وعند الطلاق، وهذه هي إجراءاته المنصوص عليها في القرآن الكريم، وإيقاع الطلاق على غير هذا الوجه المنصوص مخالف لما شرعه الله . ويطول بنا الكلام لو أردنا بيان كل ما جاء به، فليرجع من أراد إلى الفقه الإسلامي المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله، ليرى من ذلك كل ما فيه صلاح وإسعاد للزوجين.
الاستعمار لا يزال يناهض الإسلام ...
والاستعمار يتربص بالعرب والإسلام بعمل إيجابي أيضاً هو تمجيد القيم الغربية المسيحية بمقارنتها بالقيم الإسلامية والتيئيس من التضامن والتكتل الإسلامي، ليصل بذلك إلى تفتيت وحدة المسلمين إلى الأبد. ومظهر هذا التمجيد للقيم الغربية يظهر في إبراز التفوق الغربي في الصناعة، وبالتالي في زيادة الدخل الخاص والعام، وازدهار المدنية والحضارة.
والاستعمار لا يهدأ حتى يحقق له هدفاً من تلك الأهداف، وكل أعماله الآن تبوء بالفشل، لأن مصر اليوم غير مصر بالأمس، فمصر اليوم رائدة التحرر، لأنها أدركت معنى الحرية، ورائدة الإسلام، لأنها أدركت القيم التي يحتويها الإسلام "العزة لله ولرسوله وللمؤمنين". والعرب والعالم الإسلامي من ورائها سائرون.
стр. 92
لقد كان المبشرون والمستعمرون بالأمس يسخرون من الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويطعنون في القرآن الكريم، بل كانوا يتجاهلون السيرة النبوية وما للرسول الكريم من آثار خالدة في الجهاد، إنهم يكتبون عن الرسول ما شاء لهم الخيال، ليخففوا عن أنفسهم آلام هزائمهم أمام المسلمين في الحروب الصليبية، وقد بلغ من حقدهم في عداوتهم للإسلام أن كنيسة روما في سنة ١٥٣٠م قد أحرقت في مدينة البندقية نسخة من القرآن الكريم، وحرم البابا إسكندر طبعه أو طبع ترجمته، وكان المستشرقون - ليبرروا ترجماتهم للقرآن الكريم - يمهدون لأعمالهم بمقدمة وتذييلات لتفنيد القرآن الكريم ودحضه وإثباتا لحسن إيمانهم بالكنيسة وبالكتاب المقدس، ودفعاً للشبه أمام أهل ملتهم. هذا، والقرآن بإعجازه كالجبل الراسخ لا يعبأ بترهاتهم ولا تنال من حقائقه أكاذيبهم.
والحمد لله أن رجال الثورة قد فطنوا لأسباب تخلف الشرق واستطاعوا بقوانين ثورية أن يشقوا طريقهم إلى العزة القومية، فكان التأميم الذي شمل جميع المرافق الحيوية والمؤسسات ذات سمة التوجيه والمؤسسات ذات السيادة الرأسمالية حتى استطاع المواطن أن يدرك حقيقة الحياة الاشتراكية التي يعيشها، وتقييم حياة الفرد: الفلاح والعامل والمثقف حياة الوئام والقوة، واستطاع أن يعيد مجد مصر القديم. ولو تحررت كل الشعوب الإسلامية وسارت في درب هذه المعاني التي نسير فيها لكنا قوة نرهب به عدو الخير ولاستطعنا أن نقهر الاستعمار المعنوي كما قهرنا الاستعمار العسكري.
* * *
стр. 93
كلمة أخيرة ذات معنى
إن من أقوى تسرب الأخبار للدول الغربية الحقيبة الدبلوماسية.
لعل أقوى مثل لهذا سفير الولايات المتحدة بالجمهورية العربية المتحدة (جون بادو) ، ومن هو؟ إنه الأستاذ بالجامعة الأمريكية ثم مدير الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وله عدد كثير من أصدقائه من خريجي الجامعة، من هؤلاء من يتبوءون مراكز أدبية حساسة، ولهذا السفير اجتماعات حول موائد الشاي تارة، وفي عيد الاستقلال الأمريكي طورا آخر، وفي عيد الشكر يجتمعون ويتسامرون، ثم يعقدون اجتماعات خاصة، ثم تكون المعلومات، ثم تعد الحقيبة الدبلوماسية لتطير إلى الولايات المتحدة. ومصداقا لهذا ما ثبت من قضية الجاسوسية التي استطاع الرائد أديب حنا وضع يده عليها، فإنها تؤكد أن الأخبار كانت تتسرب إلى الخارج عن طريق الحقيبة الدبلوماسية كما أفادت الجرائد وقتئذ.
ثم هذا سفير آخر هو ملس ميشيل عندوم، كان طالبا بكلية أسيوط، وكان على صلة بالأمريكان وتحت رعايتهم، وكانت الكنيسة الأثيوبية تخضع لسلطة الكنيسة الأرثوذكسية بالقاهرة، إلا أنها - لأسباب سياسية بحتة - انفصلت نهائيا في أيامنا هذه. ولعل هذا الانفصال كان بإيعاز من الإنكليز حتى لا تتأثر الحبشة بالمجال السياسي للجمهورية العربية المتحدة.
стр. 94
لا يستطيع بنو البشر أن يطفئوا نور الشمس
من الفيوضات الربانية للأمة الإسلامية أن هذه الحركات التبشيرية قد خدمت الإسلام والمسلمين، فظهر في الإسلام رجال دافعوا عن الإسلام، وكتبوا كتباً أصبحت مع الأيام مراجع علمية زاخرة. كما قيض الله من بين رجال الغرب علماء أنصفوا الحقيقة فكتبوا أروع ما كتبوا عن الإسلام والقرآن الكريم، هذا بالرغم مما بذله الاستعمال بنفوذه ودعائه ومؤازرته للتبشير بالفكر المسيحي وبحضارة المسيحيين، ومن تيئيس المسلمين في صور شتى في مستقبلهم وفي علاقاتهم بالإسلام.
بالرغم من كل ذلك وجد من قادة الفكر الحر من الغربيين ومن المسلمين من تصدي لمثل هذه الضلالات في أوربا وفي آسيا وأفريقيا.
لقد أخذ الإسلام مع بزوغ القرن الثامن عشر وفي العصر الذي يسمونه بعصر النور والإصلاح - أخذ من قادة الفكر الغربي اعتبارا جعلهم يحسنون تقديرهم للإسلام شيئا فشيئا على نحو مستمر، ولكنه لا يكاد يحس به إنسان من فرط بطئه، فهناك الآن رجال أحرار ينصفون الإسلام في كتاباتهم، ويستعينون بمراجع غير تلك التي كتبها المستشرقون والمبشرون، مراجع من المسلمين أنفسهم، كالمؤرخ العربي أبو الفدا. ومن هذا التراث الإسلامي ظهرت هذه الذخيرة:
١- الديانة المحمدية للعلامة الهولندي أدريان ربلان.
٢- كتاب حياة محمد للعلامة الفرنسي أرنست جانييه ١٧٢٣.
٣- كتاب حياة محمد للعلامة الفرنسي هنري كونت دي بولاتفيه ١٧٣٠.
٤- كتاب تاريخ محمد مشرع العربية للعلامة الفرنسي فرنسوا هنري.
стр. 95
وفي الهند - ظهر محمد إقبال يهاجم القاديانية هجوما عنيفا من الوجهة الإسلامية والوطنية، وفي الوقت نفسه يكتب كتابه "تجديد الفكر الديني في الإسلام".
وفي الجمهورية العربية المتحدة - ظهر الإمام الشيخ محمد عبده يهاجم الاستشراق، ويضطره هذا الهجوم إلى الكتابة عن نوايا الإسلام بالنسبة للمسيحية.
ومع هذين الرجلين: محمد إقبال ومحمد عبده، ظهر جمال الدين الأفغاني من الفترة من سنة ١٨٣٩ - ١٨٩٣ في أوج الحركة التبشيرية والنفوذ الاستعماري في الشرق - ظهر يحمل على السيد/ أحمد خان وينقد كتابه وفلسفته (السلوك الطبيعي) نقدا مرا في كتابه الرد على الدهريين، وفي الوقت نفسه أخذ يدعو المسلمين جميعا إلى العودة إلى القرآن الكريم.
هؤلاء الثلاثة كانوا من المفكرين، وكان ثلاثتهم من السياسيين أصحاب التوجيه ضد الاستعمار.
أما وقد انتهيت من بسط تقريري هذا فلا أقل من عرض العلاج الحاسم لدرء شر الاستعمار وإجلائه مادياً ومعنوياً عن آسيا وأفريقيا، ويعجبني ما جاء به السيد الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف وشئون الأزهر سابقا في تقريره "المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام" في صفحتي ٤، ٥ عن العلاج الحاسم، إذا وضع ثقة مطلقة في المؤتمر الإسلامي، وأنا أضيف على النسق المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. والله المستعان.
стр. 96
العلاج
كما يراه الدكتور محمد البهي
وزير الأوقاف وشئون الأزهر سابقاً
"إن المؤتمر الإسلامي - كمؤسسة ناشئة ذات إمكانيات خاصة - عليه إزاء التبشير والاستشراق:
أولا: أن يساهم في تنقية الحياة المصرية والعربية والإسلامية من رواسب هذين العاملين، فيبعد عملاءهما من حياة التوجيه في مصر في جوانبها المتعددة، ويكون ذا صلة وثيقة بوزارة التربية والتعليم في الإشراف على حياة مصرية إسلامية أفضل في مدارس المبشرين - وهي المدارس الدينية التابعة للفاتيكان في طوابعها المختلفة، من فرنسية وإيطالية وأسبانية وألمانية، وهلم جرا. . . وعلى صلة وثيقة بالصحافة ووزارة الثقافة والإرشاد القومي في توجيه القلم والكتاب.
ثانيا: ثم عليه أن يكون مع المؤسسات التعليمية الإسلامية - كالأزهر - جهازا ثوريا يلقي به كتب المستشرقون، وبحوثهم في مجلاتهم ومؤتمراتهم، في الرد عليهم وشرح القيم الإسلامية، وتقوية أواصر القربى بين الشعوب الإسلامية.
стр. 97
ثالثا: ثم عليه أن يخرج للمسلمين عاجلا في مشارق الأرض ومغاربها:
١) "دائرة معارف إسلامية" يكتبها علماء مسلمون متمكنون في فهم التراث الإسلامي من جميع بلاد العالم الإسلامي، وتكون مرجعا للجوانب الثقافية العديدة.
٢) وأن يقر "ترجمة" في كل لغة من اللغات التي ترجم إليها القرآن فعلا، بعد مراجعتها مراجعة دقيقة، من علماء لهم سعة إطلاع في التفسير والعلوم الإسلامية.
٣) وأن يخرج "قاموسا" للفقه الإسلامي، على نمط القواميس العلمية الحديثة في الاجتماع والفلسفة وعلم النفس والاقتصاد. . . يكون مرجعا سريعا لمعرفة المصطلحات الفقهية ومدلولاتها في المذاهب الفقهية المختلفة.
والفرق بينه وبين "دائرة المعارف الإسلامية" أن هذه لا تقصر موضوعاتها على الفقه، بل تعالج جوانب التراث الإسلامي كموسوعة علمية عصرية.
أما القاموس فمهمته التعريف في صورة مجملة سريعة علمية منظمة للفقه الإسلامي. والمسلم المعاصر - وبالأخص في البلاد التي تعرف اللغة العربية - في حاجة ماسة إلى مثل هذا القاموس.
٤) وأن يصدر "مجلة" تتبع بحوث الاستشراق التي يزودها الغرب الصليبي للشرق الإسلامي في الوقت الحاضر، سواء في كتبه
стр. 98
عن التراث الإسلامي أو في بحوث مجلاته العديدة التي تعني بهذا التراث وبوضعية المسلمين وتوجيههم. وحركة الغرب في توريده لهذه البحوث حركة ضخمة وسريعة كما يرى من الدوريات التي تنشرها الجمعيات الاستشراقية في مختلف بقاع العالم بلغات مختلفة. ومن الكتب التي تصدرها دور الطباعة الكبيرة في عواصم أمريكا الشمالية وإنجلترا وفرنسا.
وما سبقت الإشارة إليه من البيان. . . يعطي صورة تقريبية ولكنها صورة مزعجة للموجهين في العالم الإسلامي.
وإذا ابتدأ المؤتمر الإسلامي بالقاهرة في مواجهة (الاستشراق) مواجهة سافرة - وليس هناك حتى اليوم أية مؤسسة إسلامية في العالم تقوم بهذا الدور لأكثر من سبب - فستظهر له سبل أخرى يرى لزاما عليه أن يسلكها كي يصل إلى هدفه وهو:
إعادة تقويم القيم الإسلامية في نفوس المسلمين وفي نفوس الرأي العام العربي.
كما أرى أن تكون هناك مكاتب اتصال ملحقة بسفاراتنا بالخارج لتتبع كتابات المستشرقين والمبشرين وموافاتنا بها سريعا.