← Акыда

Акыда · id 1395

أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب - ت الجوابرة

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (178 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[عظمة اللَّه ] ١٥ - وعن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أطَّتِ السَّماء وحقَّ لها أن تئطَّ ما فيها موضِع أَربَعِ أَصابع إلَّا وفيه مَلك ساجد للهِ تعالى، واللَّهِ لو تعلمونَ ما أَعلم لضحِكْتم قليلا وَلَبكيتم كثيرا وما تلذَّذْتم بالنِّساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدَاتِ تجأَرونَ إلى اللَّه تعالى» . رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ. قوله: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولَبكَيتم كثيرا» ؛ في

стр. 37

" الصَّحيحَين " (١) . من حديث أَنس. ــ ١٥ - رواه الترمذي كتاب الزهد (٤ / ٤٨١) (رقم: ٢٣١٢) ، وابن ماجه كتاب الزهد (٢ / ١٤٠٢) (رقم: ٤١٩٠) ، وأحمد (٥ / ١٧٣) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٤٤) ، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب " العظمة " (٤ / ٩٨٢) (رقم: ٥٠٧) ، والحاكم في " المستدرك" (٢ / ٥١٠) ، وأبو نعيم في " دلائل النبوة" (ص: ٣٧٩) ، والبيهقي في " شعب الإيمان" (١ / ٤٨٤) (رقم: ٧٨٣، ٧٨٤) كلهم من طريق إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر به. وعند بعضهم زيادة. قال الترمذي: حسن غريب. وفال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال البوصيريَ: قلت: في إسناده إبراهيم بن مهاجر صدوق لين الحفظ. وقد توبع: فرواه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢٦٩) من طريق زائدة بن أبي الرقاد ثنا زياد النميري عن أنس به مختصرا. وزائدة منكر الحديث وزياد النميري ضعيف. أطَّت السماء: الأطيط هو صوت الأقناب، وأطيط الإبل: صوتها وحنينها، أي: خرج لها صوت لكثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت. لخرجتم: أي: من منازلكم. الصعدات: أي: الطرق، وقيل: فناء باب الدار وممر الناس بين يديه، وقيل: المراد بالصعدات البراري والصحاري. تجأرون إلى اللَّه: أي: تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء. لو تعلمون ما أعلم: أي: من عقاب اللَّه للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب لبكيتم كثيرا، أي: من خشية اللَّه ترجيحا للخوف على الرجاء وخوفا من سوء الخاتمة.

стр. 38

[حرمة التألي على اللَّه] ١٦ - ولمسلمٍ عن جنْدب ﵁ مرفوعا: «قالَ رجل: واللَّهِ لا يَغفِر اللَّه لفلانٌ، فقال اللَّه : من ذا الَّذي يَتَأَلَّى علي أَنْ لا أَغفرَ لفلانٍ؟ إِني قد غفرت له وأَحبطت عملكَ» . ــ ١٦ - رواه مسلم كتاب البر والصلة (٤ / ٢٠٢٣) (رقم: ٢٦٢١) . يتألى: يحلف، والأَلية اليمين. قال النووي في " شرح مسلم " (١٦ / ١٧٤) : " وفيه دلالة لمذهب أهل السنَّة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء اللَّه غفرانها، واحتجت المعتزلة به في إِحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر، ومذهب أهل السنَّة أنها لا تحبط إلا بالكفرِ، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته، وسمي إحباطا مجازا، ويحتمل أنه جرىَ منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم" اهـ.

стр. 39

[المؤمن بين الرجاء والخوف] ١٧ - وله عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعا: «لو يعلم المؤمِن ما عند اللَّهِ من العقوبة ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أَحد، وَلو يعلم الكافر ما عند اللَّهِ من الرحمَةِ ما قَنِطَ من جنَّتِهِ أَحد» . ــ ١٧ - رواه مسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٥) . ورواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٠١) (رقم: ٦٤٦٩) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمعناه وفيه زيادة. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٠٣) : " قيل: المراد إن الكافر لو يعلم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظم العذاب فيحصل له الرجاء، أو المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إِلى مقابلها يطمعه في الرحمة، فمن علم أن من صفات اللَّه تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه والانتقام ممّن أراد أن ينتقم منه: لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة ولو كانت صغيرة وملازمة الطاعة ولو كانت قليلة، وقيل: في الجملة الثانية نوع إشكال فإن الجنَّة لم تخلق للكافر ولا طمع له فيها فغير مستبعد أن يطمع في الجَنَّة من لا يعتقد كفر نفسه فَيشكل ترتب الجراب على ما قبله. وأجيب: بأن هذه الكلمة سيقت لترغيب المؤمن في سعة رحمة اللَّه التي لو علمها الكافر الذي كتب علية أنه يختم عليه أنه لا حظ له في الرحمة لتطاول إليها ولم ييأس منها إما بإيمانه المشروط وإِمّا لقطع نظره عن الشرط مع تيقنه بأنه على الباطل واستمراره عليه عنادا، فإذا كان هذا حال الكافر فكيف لا يطمع فيها المؤمن الذي هداه اللَّه للإيمان! ؟ " اهـ.

стр. 40

[قرب الجَنَّة والنَّار من الإنسان] ١٨ - وللبخاريِّ عن ابن مسعود - رضي اللَّه عنة- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «الجنَّة أَقرب إلى أَحدِكم من شِراكِ نعلِهِ، والنَّار مِثل ذلك» . ــ ١٨ - رواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٢١) (رقم: ٦٤٨٨) . الشِراك: هو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجْل ويطلق على كل سير وقي به القدم. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٢١) : قال ابن بطال: " فيه أن الطاعة موصلة إِلى الجنَّة وأن المعصية مقربة إلى النَّار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون من أيسر الأشياء، وجاء في الحديث: «إِن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه لا يلقي لها بالا، يرفعه اللَّه بها درجات، وإِن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنَّم» (١) . وقال أيضا: فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل الخير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه؛ فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه اللَّه بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها. قال ابن الجوزي: معنى الحديث أَنَّ تحصيل الجَنَّة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنَّار كذلك بمرافقة الهوى وفعل المعصية.

стр. 41

[رحمة اللَّه لمن في قلبه رحمة] ١٩ - وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «إِنَّ امرأة بغيّا رأَت كلبا في يومٍ حار يطِيف ببئرٍ قد أَدلَعَ لِسانَه من العطشِ فنزعت له موقَهَا فَسقَتْه فغفِر لها به» . ــ ١٩ - رواه البخاري كتاب أحاديث الأَنبياء (٦ / ٥١١) (رقم: ٣٤٦٧) ، ومسلم كتاب السلام (٤ / ١٧٦١) (رقم: ٢٢٤٥) واللفظ له. المواق: الخف. في الحديث الحثّ على الإحسان إِلى الناس لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرا. واستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين وينبغي أن يكون محله إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق، واللَّه أعلم.

стр. 42

[تحريم قتل الهرة] ٢٠ - وقال: «دخلت النَّارَ امرأة في هرةٍ حبستها؛ لا هي أَطعمتها، ولا هي أَرسلتها تأْكل من خَشَاشِ الأَرضِ» . قال الزّهري (١) لِئلا يتكل أَحد ولا ييأس أَحد. أخرجاه. ــ ٢٠ - رواه البخاري كتاب الخلق (٦ / ٣٥٦) (رقم: ٣٣١٨) ، ومسلم كتاب السلام (٤ / ١٧٦٠) (رقم: ٢٢٤٢) . خَشاش الأرض: بفتح الخاء ويجوز ضمها وكسرها، المراد: هوام الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها. قال الحافظ في " الفتح " (٦ / ٣٥٧) : وظاهر الحديث أن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس. قال عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بالنَّار حقيقة أو بالحساب لأن " من نوقش الحساب عذِّبَ" (٢) . ثم يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابا. ومعنى قول الزهري أنه لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء.

стр. 43

[إثبات صفة التعجب لله ] ٢١ - وعنه مرفوعا: «عَجِبَ ربّنا من قومٍ يقادونَ» (١) «إِلى الجنَّةِ بالسلاسلِ» . رواه أَحمد والبخاري. ــ ٢١ - رواه البخاري كتاب الجهاد (٦ / ١٤٥) (رقم: ٣٠١٠) ، وأَحمد (٢ / ٤٥٧) . قال الحافظ في " الفتح " (٦ / ١٤٥) : قال ابن الجوزي: معناه أَنهم أسروا وقيدوا فلمّا عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنَّة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول، وكأنه أطلق على الإكراه التسلسل ولما كان هو السبب في دخول الجنَّة أَقام المسبب مكان السبب.

стр. 44

[صبر اللَّه على الذين يدعون له ولدا] ٢٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «وما أَحد أَصبرَ على أذى يسمَعه من اللَّه؛ يدعونَ له الولدَ ثم يعافِيهم ويرزقهم» . رواه البخاري. ــ ٢٢ - رواه البخاري كتاب الأدب (١٠ / ٥١١) (رقم: ٦٠٩٩) ، وكتاب التوحيد (١٣ / ٣٦٠) (رقم: ٧٣٧٨) : ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٦٠) (رقم: ٢٨٠٤) . هذا الحديث فيه إثبات صفة الصبر لله . قال الحافظ في " فتح الباري" (١٣ / ٣٦١) : أصبر: أفعل تفضيل من الصبر، ومن أسمائه الحسنى الصبور، ومعناه الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة. . . وفي الحديث إشارة إِلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم بخلاف طبع البشر فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلا من جهة تكلفه ذلك شرعا، وسبب ذلك أن يحمله على المسارعة إِلى المكافأة بالعقوبة واللَّه سبحانه قادر على ذلك حالا ومآلا لا يعجزه شيء ولا يفوته اهـ بتصرف يسير.

стр. 45

[إثبات صفة الحب لله] ٢٣ - وله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إن اللَّه ﵎ إذا أَحب عبدا نادى: يا جبريل! إنّ اللَّهَ يحِبّ فلانا فأَحبه، فيحِبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماءِ: إِن اللَّه يحِب فلانا فأَحِبوه، فيحِبه أَهل السماء ويوضع له القَبول في الأَرض» . ــ ٢٣ - رواه البخاري كتاب التوحيد (١٣ / ٤٦١) (رقم: ٧٤٨٥) . في هذا الحديث إثبات صفة الحب لله وصفة الكلام له سبحانه، والمراد بالقبول في هذا الحديث: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه. ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة اللَّه، ويؤيد حديث " أنتم شهداء اللَّه في الأرض " (١) .

стр. 46

[إثبات رؤية اللَّه يوم القيامة للمؤمنين] ٢٤ - وعن جرير بن عبد اللَّهِ البجلي ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إِذ نظر إِلى القمرِ ليلة البدرِ قال: «إِنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤْيتهِ، فإِن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها فافعلوا» ، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ رواه الجماعة. ــ ٢٤ - رواه البخاري كتاب مواقيت الصلاة (٢ / ٣٣) (رقم: ٥٥٤) ، وكتاب التفسير (٨ / ٥٩٧) (رقم: ٤٨٥١) ، وكتاب التوحيد (١٣ / ٤١٩) (رقم: ٧٤٣٤) ٧٤٣٥) ، ومسلم كتاب المساجد (١ / ٤٣٩) (رقم: ٦٣٢) . هذا الحديث يثبت رؤية اللَّه للمؤمنين يوم القيامة، وهي أعظم نعمة تعطى لأهل الجَنَّة؛ فقد أخرج مسلم (١ / ١٦٣) (رقم: ١٨١) وغيره عن صهيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجَنَّة الجَنَّة، قال: يقول اللَّه ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟! فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجَنَّة وتنجّنا من النَّار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم » .

стр. 47

[انتقام اللَّه لمن عادى له وليا] ٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إِن اللَّه ﵎ قال: من عادى لي وليّا فقد آذنْته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي من أداءِ ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافِلِ حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطِش بها ورجله التي يمشي بها، ولئِنْ سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن قبضِ نفسِ عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَسَاءَتَهُ ولا بد له منه» . رواه البخاري. ــ ٢٥ - رواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٤٠) (رقم: ٦٥٠٢) . قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٤٢) : المراد بولي اللَّه: العالم باللَّه المواظب على طاعته المخلص في عبادته. آذنته: أي: أعلمته، والإيذان الإعلام. قال الفاكهاني: في هذا تهديد شديد لأن من حاربه اللَّه أهلكه، وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء اللَّه؛ أكرمه اللَّه. . . ويستفاد من الحديث أن أداء الفرائض أحب الأعمال إِلى اللَّه، قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين، وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل، فلهذا كانت أحب إلى اللَّه وأشد تقريبا، وأيضا فالفرض كالأصل والأسّ، والنفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذلّ العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل، والذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة فيجازى بالمحبة التي هي غاية مطلوب من تقرب بخدمته اهـ. قال الحافظ: قال ابن هبيرة: يؤخذ من قوله: " ما تقرب. . إِلخ "، أن النافلة لا تقدم على الفريضة لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة فما لم تؤد الفريضة لا تحصل النافلة، ومن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام ذلك تحقّقت منه إرادة التقرب.

стр. 48

[نزول اللَّه ] ٢٦ - وعنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ينزِل ربنا ﵎ كل ليلةٍ إِلى سماءِ الدنيا حين يبقى ثلث الليلِ الآخِر يقول: من يدعوني فأستجِيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفِرني فأغفر له» . متفق عليه. ــ ٢٦ - رواه البخاري كتاب التهجد (٣ / ٢٩) (رقم: ١١٤٥) ، وكتاب الدعوات (١١ / ١٢٨) (رقم: ٦٣٢١) ، وكتاب التوحيد (١٣ / ٤٦٤) (رقم: ٧٤٩٤) ، ومسلم كتاب صلاة المسافرين (١ / ٥٢١) (رقم: ٧٥٨) . ونزول اللَّه ثابت وهو نزول يليق بجلاله وعظمة سلطانه، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وللإمام ابن تيمية ﵀ كتاب مطول، شرح فيه صفة النزول البينة، بالأدلّة الشرعيّة والحجج، فليراجع.

стр. 49

[وصف الجنان والنظر إلى اللَّه ] ٢٧ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «جنتانِ من ذهب آنيتهما وما فيهِما، وجنتانِ من فضةٍ آنيتهما وما فيهِما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إِلا رداء الكبرياءِ على وجهِهٍ في جنةِ عدن» . رواه البخاري. ــ ٢٧ - رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٦٢٣) (رقم: ٤٨٧٨، ٤٨٨٠) والتوحيد (١٣ / ٤٢٣) (رقم: ٧٤٤٤) . ورواه مسلم كتاب الإيمان (١ / ١٦٣) (رقم: ١٨٠) . قال الحافظ في " الفتح " (١٣ / ٤٣٢) : وقوله: جنتان، إشارة إِلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وتفسير له، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: هما جنتان وآنيتهما مبتدأ ومن فضة خبر. . . وظاهر الأول أن الجنتين من ذهب لا فضة فيهما وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة: قلنا: حدّثنا عن الجَنَّة ما بناؤها؟ ، قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة، الحديث أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان (١) . ويجمع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في "البعث" (٢) من حديث أبي سعيد: «أن اللَّه أحاط حائط الجَنَّة لبنة من ذهب ولبنة من فضة» . وقال الحافظ عن رداء الكبرياء بعد ذكر أقوال العلماء: وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكأن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوءوا مقاعدهم من الجَنَّة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حفّهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه.

стр. 50

[باب قول اللَّه تعالى حتى إذا فزع عنْ قلوبهِم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحق] ٢ - باب قول اللَّه تعالى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] [كذب الكهنة ودجلهم] ٢٨ - «عن ابن عباسٍ ﵁ قال: حدّثني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصارِ أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسولِ اللَّه ﷺ إِذ رمي بنجمٍ فاستنار فقال: " ما كنتم تقولون إِذا رمي بمثلِ هذا؟ ".

стр. 51

قالوا: كنا نقول: ولِد الليلة عظيم أو مات عظيم. فقال: "إِنها لم ترم لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إِذا قضى أمرا سبحت حملة العرشِ، حتى يسبح أهل السماءِ الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماءِ الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرشِ: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، فيستخبر أهل السماواتِ بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماءِ الدنيا فتخْطف الجِن السمع فيلقونه إِلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهِهِ فهو الحق ولكنهم يقْرِفون» (١) «ويزيدون» . رواه مسلم والترمذي والنّسائي. ــ ٢٨ - رواه مسلم كتاب السلام (٤ / ١٧٥٠) (رقم: ٢٢٢٩) . هذا الحديث يبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقادهم أن هذه الشهب تدل على ولادة عظيم أو موته. ويفيد أيضا أن الجن يخطفون السمع وأن الجني يقذف الكلمة إِلى وليه الكاهن بعد أن يسمعها، فيزيد على الكلمة مائة كلمة، ولهذا جاء في حديث عائشة الذي رواه مسلم (١ / ١٥٧٠) (رقم: ٢٢٢٨) «قالت عائشة: يا رسول اللَّه إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده حقا! قال: تلك الكلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه ويزيد فيها مائة كذبة» . ٢٩ - وعن النّواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِذا أراد اللَّه أنْ يوحِي بالأمرِ تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة - أو قال: رعْدة- شديدة خوفا من اللَّه ، فإِذا سمع ذلك أهل السماواتِ صعقوا- أو قال: خروا- لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه»

стр. 52

«جبرائيل ﵇، فيكلِّمه اللَّه من وحيهِ بما أراد، ثم يمر جِبرائيل على الملائكةِ كلما مر بسماءٍ سأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا يا جبرائيل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلّهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره اللَّه » . رواه ابن جرير وابن خزيمة والطّبراني وابن أبي حاتم واللفظ له. ــ ٢٩ - رواه ابن خزيمة في "التوحيد" (١ / ٣٤٨) (رقم: ٢٠٦) ، والآجري في "الشريعة" (ص ٢٩٤) وابن أبي عاصم في (السنة) (١ / ٢٢٦) (رقم: ٥١٥) ، وابن الأعرابي في "المعجم" (٨٨٣) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٥ / ١٥٢) والبيهقي في " الأسماء والصفات" (ص ٢٠٢، ٢٠٣) ، وابن جرير في "التفسير" (٢ / ٦٣) ، والبغويّ في "معالم التنزيل" (٥ / ٢٩٠، ٢٩١) . كلهم من طريق نعيم بن حماد الخزاعي عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد اللَّه بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس به. قال ابن أبي حاتم - كما في " تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٣٧) -: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالتمام عن الوليد بن مسلم ﵀. قال الشيخ ناصر في تعليقه على " السنة ": " إسناده ضعيف، نعيم بن حماد سيئ الحفظ، والوليد بن مسلم ثقة لكنه كان يدلس تدليس التسوية " اهـ. قلت: ويشهد لمعناه الحديث السابق الصحيح.

стр. 53

[باب قولِ اللَّه تعالى وما قدروا اللَّه حق قدرِهِ والأرض جميعا قبْضته يوم القيامة] ٣ - باب قولِ اللَّه تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] [قبض اللَّه سبحانه الأرض وطي السماء بيمينه] ٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «يقْبِض اللَّه الأرض، ويطوي السماء بيمينِهِ ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرضِ؟» رواه البخاري. ــ ٣٠ - رواه البخاري كتاب التوحيد (١٣ / ٣٦٧) (رقم: ٧٣٨٢) . ورواه مسلم كتاب صفة الجَنَّة والنَّار (٤ / ٢١٤٨) (رقم: ٢٧٨٧) . يثبت هذا الحديث أن اللَّه يقبض الأرض بإحدى يديه وطيه السماء بالأخرى وهما يمينان لربنا سبحانه، لا شمال له، تعالى ربنا عن صفات المخلوقين علوا كبيرا. ٣١ - وله عن ابنِ عمر ﵄ عن رسول اللَّهِ ﷺ قال:

стр. 54

«إِن اللَّه يقْبِض يوم القيامةِ الأرضِين وتكون السماوات بيمينِهِ ثم يقول: أنا الملك» . ــ ٣١ - رواه البخاري كتاب التوحيد (١٣ / ٣٩٣) (رقم: ٧٤١٢) من طريق القاسم بن يحيى عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابنِ عمر. ورواه مسلم صفات المنافقين (١ / ٢١٤٨) (رقم: ٢٧٨٨) .

стр. 55

٣٢ - وفي روايةٍ عنه «أن رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) ورسول اللَّه ﷺ يقول هكذا بيدهِ يحركها ويقبِل بها ويدْبِر: " يمجِّد الربّ نفسه أنا الجبار أنا المتكبِّر أنا العزيز أنا الكريم "- فرجف برسولِ اللَّهِ ﷺ المنبر حتى قلنا ليخرّنّ به» -. رواه أحمد. ــ ٣٢ - رواه أحمد في " المسند" (٢ / ٧٢) وابن أبي عاصم في "السنّة" (١ / ٢٤٠) (رقم ٥٤٦) وابن خزيمة في "التوحيد" (١ / ١٧٠) (رقم: ٩٥، ٩٦) من طريق حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد اللَّه عن عبيد اللَّه بن مقسم عن ابن عمر. قال الشيخ ناصر: صحيح على شرط مسلم.

стр. 56

٣٣ - ورواه مسلم عن عبيدِ اللَّه بن مقسمٍ أنه نظر إلى عبد اللَّهِ بن عمر ﵄ كيف يحْكي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: «يأخذ اللَّه سماواتهِ وأرضِيهِ بيديهِ فيقبِضهما، فيقول: أنا الملك ويقبض أصابِعه ويبسطها فيقول: أنا الملك" حتى نظرت إِلى المنبرِ يتحرك من أسفلِ شيء منه، حتى إِني لأقول: أساقِط هو برسول اللَّه ﷺ ؟!» . ــ ٣٣ - رواه مسلم كتاب صفات المنافقين (٤ / ٢١٤٨) وابن ماجه (١ / ٧١) (رقم: ١٩٨) من طريق أبي حازم عن عبيد اللَّه بن مقسم أنه نظر إِلى عبد اللَّه بن عمر كيف يحكي. . . الحديث.

стр. 57

[ما هو أول هذا الأمر] ٣٤ - وفي " الصّحيحيِن " عن عِمران بن حصينٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «اقْبلوا البشْرى يا بني تميمٍ ". قالوا: قد بشرتنا فأعطِنا. قال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمنِ ". قالوا: قد قبِلنا فأخْبِرنا عن أول هذا الأمر. قال: " كان اللَّه قبل كلِّ شيءٍ وكان عرشه على الماءِ وكتب في اللوحِ المحفوظِ ذِكر كل شيء ". قال: فأتاني آتٍ فقال: يا عِمران! انْحلتْ ناقتك من عِقالِها. قال: فخرجت في أثرِها فلا أدري ما كان بعدي.» ــ ٣٤ - رواه البخاري بدء الخلق (٦ / ٢٨٦) (رقم ٣١٩٠، ٣١٩١) والتوحيد (١٣ / ٤٠٣) (رقم: ٧٤١٨) . أورد الحديث ابن كثير في " تفسيره " (٢ / ٤٣٧) ، وقال: " هذا حديث مخرج في " الصحيحين ": البخاري، ومسلم بألفاظ كثيرة. . . ". قلت: لم أجده في " صحيح مسلم ". اقبلوا البشرى: أي: اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم به الجَنَّة كالفقه في الدين والعمل به. . " الفتح" (٦ / ٢٨٨) . وفي الحديث دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما؛ لأن كل ذلك غير اللَّه . وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ معناه: أنه خلق الماء سابقا ثم خلق العرش على الماء، وروى مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعا: «إِن اللَّه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل السماوات والأرض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إِلا الماء. . . وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا: «أن الماء خلق قبل العرش» (٢) وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: «أول ما خلق اللَّه القلم ثم قال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٣) فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إِلى ما عدا الماء والعريق أو بالنسبة إِلى ما منه صدر من الكتابة أي: قيل له: اكتب أول ما خلق. . . " الفتح " (٦ / ٢٨٩) .

стр. 58

[لا يستشفع باللَّه على أحد] ٣٥ - وعن جبيرِ بنِ محمّد بن جبير بن مطْعِمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «جاء أعرابي إِلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّهِ جهِدتِ الأنفس، وضاعت العيال، ونهِكتِ الأموال، وهلكتِ الأنعام، فاسْتسقِ لنا ربك فإِنّا نستشْفِع بك على اللَّهِ وباللَّهِ عليك. فقال رسول اللَّهِ ﷺ : " ويْحك أتدري ما تقول؟ "، وسبّح رسول اللَّهِ فما زال يسبح حتى عرفِ ذلك في وجوهِ أصحابِهِ، ثم قال: " ويحك إِنه لا يستشْفع باللَّهِ على أحدٍ من خلْقِهِ شأْن اللَّهِ أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللَّه؟ إِن عرشه على سماواتِهِ لهكذا وقال بأصابِعِهِ مثل القبةِ عليه وِإنه ليئِطّ به أطِيط الرحلِ بالراكبِ» . رواه أحمد وأبو داود. ــ ٣٥ - رواه أبو داود (٤٧٢٦) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص: ٦٩) والآجري في "الشريعة " (٢٩٣) ، وابن أبي عاصم في " السنة " (٥٧٥) بسند ضعيف، فيه عنعنة ابن إِسحاق، وهو مدلِّس. (تنبيه) : لم أجد الحديث في " المسند ".

стр. 59

[صبر اللَّه على تكذيب ابن آدم] ٣٦ - وعن أبي هريرة - رضى اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «قال اللَّه : كذّبني ابن آدم ولم يكنْ له ذلك وشتمني ولم يكنْ له ذلك؛ أما تكْذِيبه إِياي فقوله: لنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلْقِ بِأهون علي منْ إِعادتِهِ، وأما شتْمه إِياي فقوله: اتخذ اللَّه ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كفوا أحد» . ــ ٣٦ - رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٧٣٩) (رقم: ٤٩٧٤) . الصمد من أسماء اللَّه ، هو: السيد الذي انتهى إليه السؤدد، وقيل: هو الدائم الباقي، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: الذي يصمد في الحوائج إليه، أي: يقصد. . " النهاية " (٣ / ٥٢) . وقال البخاري في " صحيحه ": والعرب تسمي أشرافها الصمد.

стр. 60

٣٧ - وفي روايةٍ عن ابنِ عباسٍ ﵄: «وأمَّا شتمه إِيَّاي فقوله: لي ولدٌ، وسبحاني أنْ أتخِذ صاحِبة أو ولدا» . رواه البخاريّ. ــ ٣٧ - رواه البخاري في التفسير (٨ / ١٦٨) (رقم: ٤٤٨٢) : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد اللَّه بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير عن ابن عباس. قال الحافظ في " الفتح " (٨ / ١٦٨) : وإنما سماه شتما لما فيه من التنقيص، لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق النكاح، والناكح يستدعي باعثا له على ذلك واللَّه سبحانه منزّه عن جميع ذلك. وقال الحافظ (٨ / ٧٤٠) : ولما كان الرب سبحانه واجب الوجود لذاته قديما موجودا قبل وجود الأشياء، وكان كل مولود محدثا انتفت عنه الوالدية، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجالسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فتتوالد، انتفت عنه الولدية، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾

стр. 61

[تحريم سب الدهر] ٣٨ - ولهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قال اللَّه تعالى: يؤذْيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر بِيدِي الأمر أقلِّب الليل والنهار» . ــ ٣٨ - رواه البخاري في التفسير (٨ / ٥٧٤) (رقم: ٤٨٢٦) ، والتوحيد (١٣ / ٤٦٤) (رقم: ٧٤٩١) ، ومسلم الأدب (٤ / ١٧٦٢) (رقم: ٢٢٤٦) . معنى: " أنا الدهر": قال الحافظ في "الفتح " (٨ / ٥٧٥) : قال الخطابي: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إِلى الدهر فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إِلى ربه الذي هو فاعلها. قال النووي (١٥ / ٣) : كانت العرب تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من مرت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: يا خيبة الدهر ونحو هذا، أي: لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السبّ على اللَّه تعالى لأنّه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق اللَّه تعالى. ومعنى: " فإن اللَّه هو الدهر " أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات واللَّه أعلم.

стр. 62

[باب الإيمان بالقدر] ٤ - باب الإيمان بالقدر وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [متى كان تقدير مقادير الخلق ؟] ٣٩ - وفي " صحيح مسلم " عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إنّ اللَّه قدّر مقادير الخلائِقِ قبل أنْ يخلق السماوات والأرض بخمسين»

стр. 63

«ألف سنةٍ قال: عرشه على الماء» ". ــ ٣٩ - رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٤٤) (رقم: ٢٦٥٣) من طريق ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد اللَّه بن عمرو به. القدر بفتح الدال المهملة: قال الحافظ (١١ / ٤٧٧) : قال الكرماني: المراد بالقدر حكم اللَّه. وقالوا- أي: العلماء-: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله. وقال أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل؛ فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء العين ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار اللَّه تعالى اختص العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب اهـ. وقال الحافظ: وأخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود رفعه: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» (١) قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀: وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة: أولها: أن اللَّه سبحانه قد علم ما كان وما يكون وعلم أحوال عباده وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شؤونهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وثانيها: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وثالثها: الإيمان بمشيئته النافذة؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ورابعها: خلقه سبحانه لجميع الموجودات لا خالق غيره ولا رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فالإيمان بالقدر يشمل هذه الأمور الأربعة عند أهل السنّة والجماعة خلافا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع اهـ.

стр. 64

[وجوب العمل وعدم التواكل] ٤٠ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «قال رسول اللَّه ﷺ : " ما منكم من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من النّارِ ومقعده من الجَنَّةِ " قالوا: يا رسول اللَّه! أفلا نتكل على كتابِنا وندع العمل؟! قال: " اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلِق له؛ أمّا من كان من أهل السّعادةِ فسييسّر لِعمل أهل السّعادة، وأمّا من كان من أهل الشَّقاوةِ، فسييسّر لِعمل أهل الشّقاوة ثمّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » [الليل: ٦] متّفقٌ عليه. ــ ٤٠ - رواه البخاري كتاب الجنائز (٣ / ٢٢٥) (رقم: ١٣٦٢) ، والتفسير (٨ / ٧٠٩) (رقم: ٤٩٤٨، ٤٩٤٩) ، ومسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٣٩) (رقم: ٢٦٤٧) . قال البغوي (١ / ١٣٣) : قال الخطابي: قولهم: " أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ": مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية وذلك إن إخبار النبي ﷺ عن سابق الكتاب إِخبار غيب علم اللَّه فيهم وهو حجة عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبي ﷺ أن هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن: هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر: هو السمة اللازمة في حق العبودية، وهي إمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون- واللَّه أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة وتعبدوا بهذا التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة الإيمان، ويبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، وتلا قوله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ وهذه الأمور في حكم الظاهر، ومن وراء ذلك علم اللَّه فيهم وهو الحكيم الخبير لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. واطلب نظيره في أمرين من الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ومن الأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب، فإنك تجد المغيّب فيهما علة موجبة والظاهر البادي سببا مخيلا، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر فيهما لا يترك بالباطن.

стр. 65

[أخذ اللَّه الميثاق علينا ونحن في ظهر آدم ﵇] ٤١ - وعن مسلم بن يسارٍ الجهني قال: «سئِل عمر بن الخطّاب ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال عمر ﵁ سمعت رسول اللَّه ﷺ سئل عنها، فقال:

стр. 66

" إنّ اللَّه خلق آدم ثمّ مسح ظهره بِيمينِهِ، فاستخرج منه ذرية فقال: خلقْت هؤلاء للجنّةِ وبعمل أهل الجَنَّةِ يعملون، ثمّ مسح ظهره فاستخْرج منه ذرِّية فقال: خلقت. هؤلاء للنّار وبعمل أهلِ النّار يعملون " فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه ففيم العمل؟ فقال: " إنّ اللَّه إذا خلق العبد للجنّةِ استعمله بعمل أهل الجَنَّةِ حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجَنَّةِ فيدخله به الجَنَّة، وإذا خلق العبد للنّارِ استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النّار فيدخله النّار» . رواه مالك والحاكم وقال: على شرط مسلم. ورواه أبو داود من وجه آخر عن مسلم بن يسار عن نعيمِ بن ربيعة عن عمر. ــ ٤١ - رواه مالك في "الموطأ" كتاب القدر (٢ / ٨٩٨ -٨٩٩) ، ومن طريق مالك، أخرجه أبو داود كتاب السنّة (٤ / ٢٢٦) (رقم: ٤٧٠٣) ، والترمذي في التفسير (٥ / ٢٤٨) (رقم: ٣٠٧٥) ، والنسائي في " الكبرى " (٦ / ٢٤٧) (رقم: ١١١٩٠) ، والآجري في " الشريعة " (ص ١٧٠) ، وابن حبان (١٤ / ٣٧) (رقم: ٦١٦٦) ، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٣٢٥) ، والبغوي في " شرح السنّة " (١ / ١٣٨) (رقم: ٧٧) ، والحاكم في " المستدرك " (١ / ٢٧) ، كلهم من طريق مالك عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد عن مسلم به. قال الترمذي: حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا مجهولا. قال الحاكم: صحيح على شرطيهما. قال الذهبي: فيه إِرسال. وقال الحاكم (٢ / ٣٢٤ -٣٢٥) : صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الحاكم أيضا (٢ / ٥٤٤) : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. رواه أبو داود كتاب السنّة (٤ / ٢٢٦) (رقم: ٤٧٠٤) من طريق عمر بن جعثم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر بن الخطاب بهذا الحديث، وحديث مالك أتم ونعيم مجهول. قال المنذري: ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره، أنّه سئل عن هذه الآية: أي: عن كيفية أخذ اللَّه ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية. وإِذ أخذ: أي: أخرج. ثم مسح ظهره: أي ظهر آدم. ففيم العمل؟ : أي: إذا كان كما ذكرت يا رسول اللَّه- من سبق القدر- ففي أيِّ شيء يفيد العمل، أو بأي شيء يتعلق العمل أو فلأي شيء أمرنا بالعمل؟! استعمله بعمل أهل الجَنَّة: أي: جعله عاملا به ووفقه للعمل به.

стр. 67

٤٢ - وقال إسحاق بن راهويه: حدّثنا بقية بن الوليدِ، قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام «أنّ رجلا قال: يا رسول اللَّه أتبتدأ الأعمال أم قد قضِي القضاء؟ فقال: " إنّ اللَّه لماّ أخرج ذرِّيّة آدم من ظهرهِ أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفّيهِ، فقال: هؤلاءِ للجنّةِ وهؤلاءِ للنارِ، فأهل الجَنَّة ميسّرون لعمل أهل الجَنَّةِ وأهل النّار ميسّرون لعمل أهل النّار» . ــ ٤٢ - صحيح. رواه البخاري في " تاريخه الكبير " (٨ / ١٩١ -١٩٢) .

стр. 68

[كتابة العمل والأجل والرزق وشقي أو سعيد ونحن في بطون أمهاتنا] ٤٣ - وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إنّ أحدكم يجمع خلْقه في بطنِ أمِّه أربعين يوما نطفة، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث اللَّه إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله وأجله ورِزقه وشقِي أو سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح، فوالّذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجَنَّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها؛ وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجَنَّة فيدخلها» متّفق عليه. ــ ٤٣ - رواه البخاري كتاب بدء الخلق (٦ / ٣٠٣) (رقم: ٣٢٠٨) ، والأنبياء (٦ / ٣٦٣) (رقم: ٣٣٣٢) ، والقدر (١١ / ٤٧٧) (رقم: ٦٥٩٤) ، والتوحيد (١٣ / ٤٤٠) (رقم: ٧٤٥٤) ، ومسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٣٦) (رقم: ٢٦٤٣) . قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٤٧٩) : المراد بالنطفة المني وأصله الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك إن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد اللَّه أن يخلق من ذلك جنينا هيأ أسباب ذلك. قال ابن الأثير في " النهاية ": يجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم، أي: تمكث النطفة أربعين يوما تخمّر فيه حتى تتهيأ للتصوير ثم تخلّق بعد ذلك. ثم يكون علقة: يكون هنا بمعنى يصير، ومعناه أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربعين ثم تنقلب إِلى الصفة التي تليها. العلقة: الدم الجامد الغليظ سمّي بذلك للرطوبة التي فيه وتعلّقه بما مر به. المضغة: قطعة اللحم سميت بذلك لأنها قدر ما يمضغ الماضغ. والمراد من كتابة الرزق تقديره قليلا أو كثيرا وصفته حلالا أو حراما، وبالأجل: هل هو طويل أو قصير؟ وبالعمل صالح أو فاسد. ومعنى شقي أم سعيد: أن الملك يكتب إِحدى الكلمتين كأن يكتب مثلا أجل هذا الجنين كذا ورزقه كذا وعمله كذا وهو شقي باعتبار ما يختم له وسعيد باعتبار ما يختم له كما دلّ عليه الخبر. وفي الحديث حث على القناعة والزجر الشديد عن الحرص لأن الرزق إذ كان قد سبق تقديره لم يغْنِ التغني في طلبه وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا. وفيه أن الأعمال سبب دخول الجَنَّة أو النَّار ولا يعارض ذلك حديث «لن يدخل أحدكم الجَنَّة بعمله» (١) لأنه لولا رحمة اللَّه لعبده لما أدخله الجَنَّة، لأن العمل بمجرّده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجَنَّة ولا أن يكون عِوضا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه اللَّه لا يقاوم نعمة اللَّه بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها وهو لم يوفِّها حق شكرها، فلو عذبه على هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرا من عمله، وفيه أن من كتب شقيا لا يعلم حاله في الدنيا، وكذا عكسه، ولكن ربما يعلم بطريق العلامة المثبتة للظن الغالب، فنعم، ويقوى ذلك في حق من اشتهر له لسان صدق بالخير والصلاح. وفيه الحثّ على الاستعاذة باللَّه من سوء الخاتمة.

стр. 69

[دخول الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم] ٤٤ - وعن حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أو سعيدٌ؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، تم تطْوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» . رواه مسلم. ــ ٤٤ - رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٣٧) (رقم: ٢٦٤٤) ، ورواه مسلم (٤ / ٢٠٣٨) من طريق عكرمة بن خالد وكلثوم عن أبي الطفيل عن حذيفة نحوه. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٤٨٢) : يدخل الملك: اللام للعهد والمراد به عهد مخصوص؛ وهو جنس الملائكة الموكّلين بالأرحام كما ثبت في رواية حذيفة بن أَسِيدٍ: أن ملكا موكلا بالرحم.

стр. 70

[إن اللَّه خلق للجنة أهلا وهم في أصلاب أبنائهم وخلق للنار أهلا وهم في أصلاب آبائهم] ٤٥ - وفي "صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ قالت: دعي رسول اللَّه ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت طوبى له، عصفورٌ من عصافير الجَنَّة لم يعمل سوء ولم يدركه، فقال: «أو غير ذلك يا عائشة! إنّ اللَّه خلق للجنةِ أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» . ــ ٤٥ - رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٥٠) (رقم: ٢٦٦٢) . قال النووي (١٦ / ٢٠٧) : أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجَنَّة؛ لأنه ليس مكلفا، وتوقّف فيه بعض من لا يعتدّ به لحديث عائشة هذا. وأجاب العلماء بأنه لعله نهاها عن المسارعة إِلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله أعطه إني لأراه مؤمنا، قال أو مسلما. . . الحديث (١) . ويحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجَنَّة فلما علم قال ذلك في قوله ﷺ : «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله اللَّه الجَنَّة بفضل رحمته إياهم» (٢) وغير ذلك من الأحاديث، واللَّه أْعلم. أما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب، قال الأكثرون: هم في النَّار تبعا لآبائهم، وتوقفت طائفة منهم، والثالث- وهو الصحيح- الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجَنَّة ويستدل له بأشياء، منها حديث إبراهيم ﵇ «حين رآه النبي ﷺ في الجَنَّة ومن حوله أولاد الناس، قال: يا رسول اللَّه وأولاد المشركين؟ ، قال: " وأولاد المشركين» ، رواه البخاري في " صحيحه ".

стр. 71

[كل شيء بقدر] ٤٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «كلّ شيء بقدرٍ حتى العجز والكيس» . رواه مسلم. ــ ٤٦ - رواه مالك في " الموطأ " كتاب القدر (٢ / ٨٩٩) ومن طريقه رواه مسلم القدر (٤ / ٢٠٤٥) (رقم: ٢٦٥٥) ، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٢٥) . العجز: عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته، ويحتمل العجز عن الطاعات. والكيس: ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، ومعناه أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قد قدر كيسه.

стр. 72

[معنى قول اللَّه تنزّل الملائكة والروح فيها] ٤٧ - وعن قتادة ﵁ في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: "يقْضى فيها ما يكون في السّنة إلى مثلها ". رواه عبد الرزاق وابن جرير. وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس ﵄ والحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبيرٍ ومقاتِل. ــ ٤٧ - رواه عبد الرزاق في " تفسيره " (٣ / ٣٨٦) وابن جرير (١٥ / ٢٦٠) . وانظر (الدر المنثور " (٨ / ٥٦٨ - ٥٦٩) .

стр. 73

[اللوح المحفوظ من درة بيضاء] ٤٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: إن اللَّه خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفّتاه من ياقوتةٍ حمراء، قلمه نور، وكتابه نورٌ، عرضه ما بين السّماء والأرض، ينظر فيه كلّ يومٍ ثلاثمائةٍ وستين نظرة، ففي كلِّ نظرةٍ منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم. قال ابن القيم - رحمه اللَّه تعالى- لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها، قال (١) . " فهذا تقدير يومِي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمرِي عند تعلقِ النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقِهِ وكونِهِ مضغة،

стр. 74

والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكلّ واحدٍ من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السّابقِ. وفي ذلك دليلٌ على كمال علم الرّبِّ وقدرتِه وحِكمتِهِ، وزيادة تعرِيفِهِ الملائِكة وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه. ثم قال: فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجدّ والاجتهاد. ولهذا لما سمع بعض الصّحابة ذلك قال: ما كنت بأشد اجتهادا منِّي الآن. وقال أبو عثمان النّهدي لسلمان: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا منِّي بآخره. وذلك لأنه إِذا كان قد سبق له من اللَّه سابقة وهيّأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من اللَّه أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بعدها. ــ ٤٨ - رواه عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والطبراني (١٢ / ٧٢) (رقم: ١٢٥١١) من طريق زياد بن عبد اللَّه عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا. وقال الهيثمي (٣ / ٢٢١) : وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله ثقات.

стр. 75

[الإيمان بالقدر يوجد طعم الإيمان] ٤٩ - وعن الوليد بن عبادة قال: «دخلت على أبي وهو مريضٌ أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني؛ فلمّا أجلسوه، قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم باللَّه ﵎ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: " أوّل ما خلق اللَّه القلم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. . . " يا بني إن مِتّ ولست على ذلك دخلت النّار.» رواه أحمد. ــ ٤٩ - صحيح- رواه أحمد في " المسند " (٥ / ٣١٧) ، وابن أبي عاصم في " السنّة " (١ / ٤٨) (رقم: ١٠٣) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبادة عن أبيه مختصرا. وروى ابن أبي عاصم (١ / ٥١) (رقم: ١١١) أوله من طريق سليمان بن حبيب المحاربي عن الوليد بن عبادة عن أبيه. ورواه الترمذي كتاب القدر (٤ / ٣٩٨) (رقم: ٢١٥٥) من طريق يحيى بن موسى حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الواحد بن سليم عن عطاء عن الوليد به وفيه قصة، ورواه - أيضا- الترمذي كتاب التفسير (٥ / ٣٩٤) (رقم: ٣٣١٩) وابن أبي عاصم في " السنة " (١ / ٤٩) (رقم: ١٠٥) من طريق أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الواحد بن سليم عن عطاء بن أبي رباح حدثني الوليد عن أبيه به مختصرا، وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه أبو داود كتاب السنة (٥ / ٣١٧) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال عبادة لابنه. . . . ورواه ابن أبي عاصم (١ / ٤٨) (رقم: ١٠٤) من طريق عبد اللَّه بن السائب عن عطاء عن الوليد. ورواه أحمد (٥ / ٣١٧) ، وابن أبي عاصم (١ / ٥٠) (رقم: ١٠٧) من طريق معاوية بن صالح حدثنا أيوب أبو زيد الحمصي عن عبادة بن الوليد بن عبادة. ورواه الآجري (١٧٨) من طريق الزهري عن محمد بن عبادة عن أبيه. وللحديث شواهد من حديث ابن عباس وابن عمر، انظر " السنة " لابن أبي عاصم (١ / ٤٩ - ٥١) .
следующие страницы →