Полный текст (6 200 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ديماس" - يعني حماما - وفي الخامسة عشرة "أراني ليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم، كأحسن ما أنت راء من آدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماء، متكئا على رجلين، أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح ابن مريم".
ومن مجموع الروايات تبرز صورة عيسى ﵇، رجلا ليس بالطويل المفرط في الطول، وليس بالقصير الواضح القصر، جعد الجسم مكتنزه ممتلئه، ليس بالهزيل النحيل، وليس بالغليظ البطين، رجل يميل إلى الحمرة والبياض، أكثر مما يميل إلى الأدمة والسمرة، نضر الوجه، كأنما خرج لساعته من حمام، له شعر يتدلى، يجاوز شحمة الأذنين، قد رجله وسرحه ترجيلا حديثا، كأنه يقطر ماء، لقرب عهده بالغسيل والنظافة.
وليس اتكاؤه على عواتق رجلين علامة على شيخوخته وضعفه، بل كثيرا ما يكون هذا الوضع من أوضاع الاحترام والتكريم.
وأما طواف عيسى ﵇ فإن كانت الرؤيا رؤيا منام فلا إشكال وإن كانت رؤيا عين فعيسى حي لم يمت. فلا امتناع من طوافه حقيقة، قاله القاضي عياض ﵀.
وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة، وارتباطها بالإسراء قريبا عند الكلام عن تلبية موسى ﵇.
أما الكلام عن موسى ﵊ فقد ذكر في الروايات بإسهاب يفوق كل ما ذكر عن سائر الأنبياء، مرة بالوصف الجسمي، ومرة ببيان الحال، ومرة بالمحادثة والمراجعة.
ففي الرواية الثامنة "موسى آدم" أي أسمر "طوال" أي طويل "كأنه من رجال شنوءة" المشهورين بالترفع عن الأدناس، وفي الرواية التاسعة "جعد" أي ممتلئ الجسم، وفي الرواية الرابعة عشرة، "رجل الرأس" أي مرجل شعر الرأس مسرحه، وفي الثالثة عشرة "فإذا موسى ضرب من الرجال" أي رجل بين الرجلين في كثرة اللحم وقلته.
وفي الرواية السابعة "فأتيت على موسى .. فلما جاوزته بكى فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب. هذا غلام بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي".
وفي رواية للبخاري "فقال موسى: رب، لم أظن أن يرفع علي أحد".
وفي حديث أبي سعيد "قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله. وهذا أكرم على الله مني" وفي رواية "ولو كان هذا هو وحده هان علي ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله" وفي رواية "أنه مر بموسى ﵇، وهو يرفع صوته، فيقول: أكرمته وفضلته؟ . فقال جبريل: هذا موسى. قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك. قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال إن الله قد عرف له حدته".
قال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسدا. معاذ الله. فإن الحسد في ذلك
стр. 562
العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، قال تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾ [الحجر: ٤٧] فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؟ بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزم لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبينا ﷺ مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة.
وأما قوله "غلام" فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه، وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع من غيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار، قال ﵊: "وكان موسى أشدهم علي حين مررت به، وخيرهم لي حين رجعت إليه" وفي حديث أبي سعيد "فأقبلت راجعا فمررت بموسى- ونعم الصاحب كان لكم - فسألني: كم فرض عليك ربك"؟ . اهـ.
وقال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم، فذلك بكى رحمة لأمته: وأما قوله: "غلام" فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه. اهـ.
وقال الخطابي: العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلاما ما دامت فيه بقية من القوة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا -عليهما الصلاة والسلام- من استمرار القوة في الكهولية وإلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعترى قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب, وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسن من أبي بكر. اهـ.
وقال بعضهم: وقع ما وقع من موسى لأنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهيا للنبي ﷺ ، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم الله به عليه، من غير أن يريد زواله عنه. اهـ.
وقد وردت مراجعة موسى لنبينا - عليهما الصلاة والسلام- بشأن الصلاة في أكثر الروايات.
قال القرطبي: والحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي ﷺ في أمر الصلاة لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلاة بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد ﷺ من مثل ذلك. ويشير إلى ذلك قوله: "إني قد جربت الناس قبلك". اهـ.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه الأسف في الابتداء على نقص حظ أمته بالنسبة لأمة محمد ﷺ ، حتى تمنى ما تمنى، يحتمل أن يكون قد استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء. اهـ.
وهذا كلام جيد، ويضمه إلى ما قاله القرطبي يتم المقصود، والله أعلم.
стр. 563
والظاهر أن الرواية العاشرة والرواية الحادية عشرة ليستا عن ليلة الإسراء فإن رؤية النبي لموسى -عليهما الصلاة والسلام- كانت بالمسجد الأقصى وبالسماء السادسة، ولم يرد أنه رآه ليلة الإسراء بوادي الأزرق، وربما بدا للإمام مسلم أن يسوق هاتين الروايتين في حديث عن الإسراء لمجرد أنهما تتحدثان عن موسى كما تتحدث أحاديث الإسراء، كما ساق الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة عن عيسى والدجال لمجرد أنهما تتحدثان عن عيسى كما تتحدث أحاديث الإسراء، وكما سيسوق أحاديث رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة وكلامهم معه جل شأنه بمناسبة أحاديث رؤية الرسول ﷺ لربه ليلة الإسراء وتكليمه إياه.
وبعيد عندي أن يقال: إن رؤية الرسول ﷺ لموسى في وادي الأزرق ولعيسى يطوف بالبيت وقعتا ليلة الإسراء، وأن التحديث عنهما تأخر للمناسبة، فإن الروايات في ذلك ليس فيها ما يربطها بالإسراء، ولم يرد في الأحاديث الصحيحة أنه رأى يونس على هذه الحال ليلة الإسراء، وليست هناك ضرورة لتمحل ربطها به.
وقد أورد الإمام النووي نقلا عن القاضي عياض إشكالا وأجوبة للإشكال على هاتين الروايتين، ولفظه، قال: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات وهم في الدار الآخرة وليست دار عمل؟
قلنا: إن للمشايخ وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة:
أحدها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا، لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل.
(وهذا الجواب عندي بعيد عن القبول، فإن القرآن الكريم بين نشاطهم ومظاهر حياتهم عند ربهم بأنهم "يرزقون" ﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ [آل عمران: ١٧٠] وليس فيها أنهم يعملون ويصلون ويحجون، وليس في حديث صحيح ما يثبت قيام الشهداء بالأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا، بل لهم أجرها بدون عمل إن أراد الله لهم استمرار الأجر.
بل في الأحاديث الصحيحة ما يفيد انقطاع الأعمال البدنية بالانتقال من هذه الحياة، كقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
ثانيها: أن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾ [يونس: ١٠] (ولست أرى هذا جوابا عن الإشكال القائل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات؟ والمعروف أن الذكر والدعاء في الدار الآخرة للتمتع والتلذذ لا للعبادة والتقرب، فلا ارتباط بين هذا الجواب وذاك الإشكال).
ثالثها: أن تكون هذه رؤيا منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء كما في رواية ابن
стр. 564
عمر ﵄ "بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة ... " وذكر الحديث في قصة عيسى ﷺ (وهذا الجواب إن صلح بالنسبة للرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فإنه لا يصلح بالنسبة للرواية العاشرة والحادية عشرة).
رابعها: أنه ﷺ أري أحوالهم التي كانت في حياتهم ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا؟ وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال ﷺ : "كأني أنظر إلى موسى" و"كأني أنظر إلى عيسى" و"كأني أنظر إلى يونس" ﵈ (وهذا جواب حسن، ويزيده حسنا لو قلنا: إنه ﷺ تخيلهم كذلك وتمثلهم في نفسه، بناء على ما أوحي إليه من أمرهم في دنياهم، وهذا الجواب بالنسبة للرواية العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، وفيها كأني أنظر، أما بالنسبة للرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فخير جواب أنها رؤيا منام في غير ليلة الإسراء. والله أعلم).
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - يؤخذ من قوله في الرواية السابعة "أحد الثلاثة بين الرجلين" تواضعه ﷺ وحسن خلقه.
٢ - وجواز نوم الجماعة في موضع واحد، وثبت من طرق أخرى أنه يشترط ألا يجتمعوا في لحاف واحد.
٣ - استدل بعضهم بقوله: "ثم غسله في طست من ذهب" على جواز استعمال إناء الذهب، ورده النووي بأن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا. فيحتاج إلى إثبات كونهم مكلفين بما كلفنا به، وتعقبه الحافظ ابن حجر. فقال: لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له كان ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لو كان قد حرم على محمد ﷺ استعماله لنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم. ثم قال: ولعل ذلك كان قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة. ويمكن أن يقال إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحكام الآخرة. اهـ.
٤ - قال الحافظ ابن حجر: وقد أبعد من استدل به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب، وقال: خص الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفا، والذهب لكونه أغلى أنواع الأواني الحسية وأصفاها، ولأن فيه خواص ليست لغيره، يظهر لها هنا مناسبات، منها أنه من أواني الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب ثقل الوحي. اهـ.
قال السهيلي: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه، وإن نظر إلى معناه فلوضاءته ونقائه وصفائه، ولأنه أعز الأشياء في الدنيا. اهـ.
٥ - فيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه، قال ابن أبي جمرة: وإنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة للنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 565
في الأرض، وقال السهيلي: لما كانت زمزم هزمة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جد النبي ﷺ ناسب أن غسل بمائها عند دخول حضرة القدوس ومناجاته.
٦ - قال ابن أبي جمرة: في قوله "ثم حشي إيمانا وحكمة" إن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها، ولذلك قرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ... ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. اهـ.
وهذا الحشو يحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسيد المعاني جائز، كما جاء في تجسيد الموت في صورة كبش، وكذا وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب. قال النووي، ويحتمل أنه من باب التمثيل، وتمثيل المعاني وقع كثيرا، فقد مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط قاله البيضاوي.
٧ - قال النووي: في قوله: "كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره" دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل، ولا خلاف في جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته إلا أن ينظر بشهوة إلى كل آدمي إلا الزوج لزوجته ومملوكته، وكذا هما إليه، وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد، حسن الصورة فإنه يحرم النظر إليه، إلى وجهه وسائر بدنه، سواء كان بشهوة أو بغيرها، إلا أن يكون لحاجة البيع والشراء والتطييب والتعليم ونحوها. اهـ.
٨ - يؤخذ من قوله: (فربطته بالحلقة) الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يقدح في التوكل على الله. قاله النووي. وأنكره حذيفة، إذ روي عند أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال: تحدثوا أنه ربطه؟ أخاف أن يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة؟ قال البيهقي: المثبت مقدم على النافي، يعنى من أثبت ربط البراق معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول.
٩ - فيه صلاة النبي ﷺ ببيت المقدس، وأنكرها حذيفة أيضا، واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق، ورده الحافظ ابن حجر فقال: إن أراد بقوله: "كتب عليكم" الفرض منع التلازم، وإن أراد التشريع فقد فرض النبي ﷺ الصلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام وبمسجده في المدينة في شد الرحال في قوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
١٠ - أخذ منه بعضهم أن للسماء أبوابا حقيقية.
١١ - وحفظة موكلين بها.
١٢ - وأن الباب كان مغلقا. قال ابن المنير: وحكمته التحقق من أن السماء لم تفتح إلا من أجله بخلاف ما لو وجده مفتوحا.
١٣ - وفيه إثبات الاستئذان.
стр. 566
١٤ - أخذ من قول الحفظة "ومن معك؟ "أنهم أحسوا برفيق معه وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما بأمر معنوي، كزيادة أنوار أو نحوها مما يشعر بتجدد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة، ذكره في الفتح، وليس بشيء لرواية البخاري في الصلاة، وروايتنا الخامسة إذ جاءت بلفظ "هل معك أحد؟ ".
١٥ - استدل بعضهم بقول جبريل: "محمد" على أن الاسم أدل في التعريف من الكنية، وهذا الاستدلال غير واضح، فالتعريف يكون بما اشتهر به المعرف اسما كان أو كنية أو لقبا.
١٦ - وفيه أنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان - ويسمي نفسه- ولا يقتصر على: أنا، لئلا يلتبس بغيره، ولأنه ينافي مطلوب الاستفهام.
١٧ - وأن المار يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد.
١٨ - واستحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء.
١٩ - استنبط ابن المنير من قولهم: "مرحبا" جواز رد السلام بغير لفظ السلام، وتعقب بأن قول النبي مرحبا ليس ردا للسلام، وإنما هو تعقيب على رد السلام، ولعل سقطه من بعض الرواة للعلم به، وقد جاء مصرحا به في رواية البخاري ونصها عند كل نبي "فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا".
٢٠ - جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الافتتان، قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة، وتواردوا عليها، لأن الصلاح صفة تشمل صفات الخير، ولذلك كررها كل منهم، والصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد، فمن ثم كانت جامعة لمعاني الخير.
٢١ - يؤخذ من قول آدم وإبراهيم "مرحبا بالابن الصالح" إشارة إلى افتخارهما بأبوة النبي ﷺ .
٢٢ - فيه أدب موسى ومراعاته جانب النبي - عليهما الصلاة والسلام- إذ أمسك عن جميع ما وقع منه، حتى فارقه النبي ﷺ فلما فارقه بكى وقال ما قال.
٢٣ - استدل باستناد إبراهيم إلى البيت المعمور على جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، إذ البيت المعمور كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة، وهذا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا.
٢٤ - وأن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه لا يعرف من جميع العوالم من تجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفا غير ما ثبت من الملائكة في هذا الخبر. قال تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر: ٣١].
٢٥ - وفيه فضيلة ماء النيل والفرات، ورؤيتهما في السماء من قبيل التمثيل، وإنما أطلق على هذه الأنهار من الجنة تشبيها لها بأنهر الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة.
٢٦ - أخذ ابن أبي جمرة من قوله: "نهران ظاهران ونهران باطنان" أن الباطن أجل من الظاهر، لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جعل في دار الفناء، ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن.
стр. 567
٢٧ - وفيه فضيلة اللبن، قال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة أنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي ﷺ ، إليه دون غيره أنه كان مألوفا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، وقال بعضهم: جعل اللبن علامة الإسلام والاستقامة لكونه سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين، سليم العاقبة، أما الخمر فأم الخبائث، وجالبة الشر في الحال والمآل.
وظاهر الرواية الأولى أن الإناءين عرضا على النبي ﷺ بعد الصلاة في بيت المقدس، وقبل العروج، وظاهر الرواية السابعة أنهما عرضا عليه في السماء السابعة بعد رؤية البيت المعمور، ثم إن الروايتين تفيدان أن الذي عرض عليه إناءان لا أكثر، لبن وخمر، وفي رواية للبخاري "ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن" وفي حديث أبي هريرة عن ابن عائذ في حديث المعراج، بعد ذكر إبراهيم قال: ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال جبريل: يا محمد ألا تشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت أحدها، فإذا هو عسل، فشربت منه قليلا، ثم تناولت الآخر فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت. فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويت. قال: وفقك الله" وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق "فصلى بهم -يعني بالأنبياء- ثم أتي بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء فأخذت اللبن".
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين الاختلاف إما بحمل "ثم" على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين: مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة. وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر ومجموعها أربعة آنية، وفيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من سدرة المنتهى، فعند الطبري: لما ذكر سدرة المنتهى "يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى" فلعله عرض عليه من كل نهر إناء.
٢٨ - وعن قوله في الرواية السادسة: "ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام" قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع، وقال القاضي عياض: في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتب الله، من اللوح وما شاء، بالأقلام التي هو تعالى يعلم كيفيتها، على ما جاءت به الآيات من كتاب الله تعالى، والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره لكن كيفية ذلك وصورته وجنسه مما لا يعلمه إلا الله تعالى أو من أطلعه على شيء من ذلك من ملائكته ورسله، وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، حكمة من الله تعالى، وإظهارا لما يشاء من غيبه لمن يشاء من ملائكته وسائر خلقه. وإلا فهو غني عن الكتب والاستذكار. .
٢٩ - قال القاضي عياض: وفي علو منزلة نبينا ﷺ وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء
стр. 568
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السموات، دليل على علو درجته وإبانة فضله. اهـ.
٣٠ - يؤخذ من قوله عن البيت المعمور: "وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" كثرة الملائكة، كثرة تفوق كل تصور ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾
٣١ - وفيه أن الصلوات الخمس فرضت بمكة، وأنها فرضت خمسين صلاة ثم خففت، ويؤخذ من قوله في الرواية الأولى: "فحط عني خمسا" أن التخفيف كان خمسا خمسا، وأما قول الكرماني اعتمادا على قوله في الرواية السادسة: "فوضع شطرها" الشطر: النصف ففي المراجعة الأولى وضع خمسا وعشرين، وفي الثانية ثلاث عشرة، يعني نصف الخمس والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعا. إلخ. هذا القول من الكرماني بعيد، ومجموع الروايات يأباه، والشطر كما يطلق على النصف يطلق على البعض.
وهل فرضت الصلاة ليلة الإسراء على ما أقرت عليه وعلى ما انتهت إلينا؟ أو فرضت - كما روي عن عائشة - ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر؟
خلاف بين العلماء، فمن ذهب إلى الثاني كالحنفية بنى عليه أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، ومن ذهب إلى الأول قال: إن قول عائشة غير مرفوع، وهي لم تشهد زمان فرض الصلاة، وإن قولها هذا معارض بحديث ابن عباس "فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين"، وقد رواه مسلم.
وحاول الحافظ ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: والذي يظهر لي، وبه تجتمع الأدلة السابقة أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيد بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح فترك لطول القراءة، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. فعلى هذا: المراد بقول عائشة: "فأقرت صلاة السفر" أي باعتبار ما آل إليه الأمر بالتخفيف، لا أنها استمرت منذ أن فرضت. اهـ.
وهذه المحاولة يعوزها الدليل، وسندها ضعيف، واحتمالها بعيد، والذي أميل إليه أنها فرضت ليلة الإسراء على ما هي عليه، ثم خفف الله [بالقصر] على المسافرين، ورفع عنهم الحرج والمشقة للتيسير. والله أعلم.
والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة الإسراء أنه لما قدس ظاهرا وباطنا حين غسل بماء زمزم وبالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى. كذا قيل. وقال ابن أبي جمرة: في اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظم بيانها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة جبريل. اهـ. كما أشار ابن أبي جمرة إلى الحكمة في كونها كانت كذلك بركوع وسجود بأنه لما عرج به صلى الله
стр. 569
عليه وسلم رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.
٣٢ - واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس كالوتر.
٣٣ - واستدل به على عدم جواز النسخ قبل الفعل، ألا ترى أنه نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلي؟ ذهب إلى ذلك الأشاعرة، ومنعه المعتزلة، وفي الموضوع بحث طويل للأصوليين والشراح.
٣٤ - استدل بقوله: "هي خمس وهي خمسون" على فضل الله على أمة محمد ﷺ .
٣٥ - واستدل من المراجعة على استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده.
٣٦ - واستدل به على فضيلة الاستحياء.
٣٧ - وعلى بذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح في ذلك.
٣٨ - وأن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، لقول موسى إني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، وقد فرض على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بهما.
٣٩ - ويستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانا من هذه الأمة.
٤٠ - استدل به على تكليم الله لمحمد ﷺ من غير واسطة.
٤١ - استدل به على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن خلافا للمعتزلة.
٤٢ - استدل به على فضل السير بالليل على السير بالنهار، وقد ورد "عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل".
٤٣ - استدل النووي من وضع موسى أصبعيه في أذنيه- كما جاء في الرواية الحادية عشرة - على استحباب وضع الأصبع في الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه مما يستحب له رفع الصوت، وهذا مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا.
والله أعلم.
стр. 570
(٩٨) باب رؤية الرسول ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج
٣٠٦ - عن الشيباني قال: سألت زر بن حبيش عن قول الله ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم: ٩] قال: أخبرني ابن مسعود، أن النبي ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح.
٣٠٧ - عن عبد الله ﵁ قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم: ١١] قال: رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح.
٣٠٨ - عن عبد الله ﵁ قال: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨] قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.
٣٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم: ١٣] قال: رأى جبريل.
٣١٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: رآه بقلبه.
٣١١ - عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم: ١١] ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم: ١٣] قال: رآه بفؤاده مرتين.
بهذا الإسناد.
٣١٢ - عن مسروق، قال: كنت متكئا عند عائشة. فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال وكنت متكئا فجلست. فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني. ألم يقل الله : ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ [التكوير: ٢٣]
стр. 571
﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم: ١٣] فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ . فقال "إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطا من السماء. سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] أولم تسمع أن الله يقول: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾ [الشورى: ٥١] قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧] قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥].
٣١٣ - نحو حديث ابن علية. وزاد: قالت: ولو كان محمد ﷺ كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].
٣١٤ - عن مسروق، قال: سألت عائشة: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: سبحان الله! لقد قف شعري. لما قلت وساق الحديث بقصته. وحديث داود أتم وأطول.
٣١٥ - عن مسروق، قال قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ٨ - ١٠] قالت: إنما ذاك جبريل ﷺ . كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء.
٣١٦ - عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه".
стр. 572
٣١٧ - عن عبد الله بن شقيق. قال قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نورا".
-[المعنى العام]-
شغل موضوع رؤية الرسول ﷺ لربه ليلة الإسراء أذهان كثير من الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء والمحدثين فترة طويلة من الزمن، فقد لقي ابن عباس كعبا بعرفة، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نقول: إن محمدا رأى ربه مرتين، فكبر كعب، ورفع صوته بالتكبير حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين.
وعلمت عائشة بهذا الرأي، وهي تعتقد نقيضه، فأخذت تعلن: من حدث أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الكذب والافتراء.
وأصبح الباحثون وراء الحقيقة في حيرة من الأمر، مرة يذهبون إلى ابن مسعود وأخرى إلى أبي ذر، وثالثة إلى ابن عباس، ورابعة إلى عائشة، وهكذا، وممن لجأ إلى عائشة مسروق بن الأجدع المكنى بأبي عائشة التابعي الفقيه الزاهد، وكان قاضيا بالكوفة، لا يأخذ على القضاء رزقا، وكان يحب عائشة حتى اتهم بالتباطؤ عن علي في حروبه، رحل من الكوفة إلى عائشة بالمدينة ليسمع رأيها في الموضوع، فسلم من وراء حجاب، ثم جلس واتكأ، ثم قال: يا أماه. هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت له: سبحان الله، لقد اقشعر جلدي، واهتز شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث، من حدث بهن فقد كذب، من حدث أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب، لأن الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي لا يراه ولا يحيط به أحد من خلقه، ويقول: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] أي لا يكلم الله بشرا من خلقه إلا على حالة من هذه الحالات فكيف يراه محمد ﷺ .
ومن حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا مما أوحي إليه ولم يبلغه للأمة فقد كذب لأن الله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧] ولو كان الرسول ﷺ كاتما شيئا لكتم عتاب الله له في قوله: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧] ومن حدثك أن محمدا يعلم ما في غد فقد كذب، لأن الله يقول: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾ [لقمان: ٣٤].
стр. 573
سمع مسروق من أم المؤمنين هذه الفتوى- وكان يعلم فتوى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم: ١١ - ١٣] وأنه قال: رآه بفؤاده مرتين، ورواية أبي ذر أنه سأل رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: "رأيت نورا" وكان متكئا عند عائشة - كعادة العرب المستأنسين لحديث غير العجلين على القيام، فقد جاء من سفر بعيد- ولكن هذه الفتوى المهمة جعلته يعتدل في جلسته ويتوثب - في أدب- لمناقشتها، فقال: يا أم المؤمنين رفقا بي، وصبرا علي، وحلما على جرأتي، أمهليني ولا تعجليني، وأفسحي لي صدرك وإن قف شعرك. ألم يقل الله تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ٨ - ١٠] فقالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها إلا هاتين المرتين، ورأيته منهبطا من السماء عظيم الخلقة له ستمائة جناح على رفرف خضر، يسد الأفق بين السماء والأرض.
ورجع مسروق إلى الكوفة ينشر فتوى أم المؤمنين بين أتباعه وتلاميذه فرضي الله عن الصحابة والتابعين، والعلماء العاملين المحققين.
-[المباحث العربية]-
﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ اللام في جواب قسم محذوف و"آيات ربه" مفعول "رأى" و"من" زائدة و"الكبرى" صفة لآيات ربه، ويجوز نعت الجماعة بنعت الواحدة كقوله تعالى: ﴿ولي فيها مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨] والتقدير: والله لقد رأى آيات ربه الكبرى، والمراد بها جميع ما رأى ﷺ ليلة الإسراء، ويصح أن يكون "الكبرى" صفة لموصوف محذوف، والجار والمجرور "من آيات ربه" متعلق بمحذوف حال، مقدم من تأخير، والتقدير: والله لقد رأى الآية مندرجة في آيات ربه وواحدة منها، والمراد بالآية الكبرى جبريل ﵇ في صورته الحقيقية، وهذا التقدير هو المناسب للرواية التي معنا.
﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ أي رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ في صورته الحقيقية مرة أخرى في السماء عند سدرة المنتهى بعد أن رآه المرة الأولى بنفس هيئته في الأرض، "نزلة" مصدر من نزل، نصبت نصب الظرف الذي هو مرة، لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها، ولم يقل: "مرة" بدل "نزلة" ليفيد أن الرؤية كانت بنزول ودنو كالرؤية الأولى. وقال ابن عباس: رأى ربه ، وعلى هذا معنى "نزلة أخرى" يعود إلى النبي ﷺ ، فقد كانت له نزلات وعرجات في تلك الليلة.
(ما كذب الفؤاد ما رأى) "كذب" بتخفيف الذال، و"كذب" بتشديدها بمعنى واحد، وبهما قرئ، "وما" موصولة مفعول "كذب" و"أل" في "الفؤاد" للعهد أو عوض عن المضاف إليه، والتقدير: ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، أي ما كذب الفؤاد المبصر، أي ما
стр. 574
أنكره، بل عرفه كما عرفه البصر، وقيل: المرئي هو الله سبحانه، رآه ﷺ بعيني رأسه، وقيل: بقلبه كما سيأتي في فقه الحديث.
(ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية) "ثلاث" مبتدأ، سوغ الابتداء به مراعاة الوصف أو الإضافة. أي ثلاث كلمات، والفرية بكسر الفاء الكذب، يقال فرى الشيء يفريه فريا، وافتراه يفتريه افتراء إذا اختلقه، وجمع الفرية فرى، وفي رواية البخاري "أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب"؟ .
(أنظريني) أي أمهليني، واتركي لي فرصة الكلام.
(رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض) قال النووي: هكذا هو في الأصول "ما بين السماء إلى الأرض" وهو صحيح، وأما "عظم خلقه" فضبط على وجهين، أحدهما بضم العين وإسكان الظاء، والثاني بكسر العين وفتح الظاء، وكلاهما صحيح. اهـ.
(سبحان الله! لقد قف شعري لما قلت) "سبحان الله" مقصودها بذكره التعجب من جهل مثل هذا، وأما قولها "قف شعري" فمعناه قام شعري من الفزع، لسماعي ما لا ينبغي أن يقال. قال النضر بن شميل: القف بفتح القاف وتشديد الفاء كالقشعريرة، وأصله التقبض والاجتماع، لأن الجلد ينقبض عند الفزع والاستهوال، فيقوم الشعر لذلك.
(ثم دنا فتدلى) أي "ثم دنا" جبريل من رسول الله ﷺ "فتدلى" فزاد في القرب، والتدلي هو النزول بقرب الشيء فالترتيب طبيعي، وقيل: التدلي هو الامتداد إلى جهة السفل، والكلام على التقديم والتأخير، وأصله: ﴿علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى﴾ [النجم: ٥ - ٧] ثم تدلى فدنا، لأن التدلي سبب الدنو. فالفرق بين الرأيين في معنى التدلي، هل هو القرب بعد العلو فالترتيب طبيعي، أو هو الامتداد إلى جهة السفل، ففي الكلام تقديم من تأخير، وقيل على الرأي الثاني أيضا: ثم دنا جبريل من الأرض بعد استوائه في الأفق الأعلى ونزل إلى النبي ﷺ .
(فكان قاب قوسين أو أدنى) القاب في اللغة القدر، وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط، والمعنى: فكانت مسافة القرب مقدار قوسين أو أقرب. ولما كان الأصل في معنى "أو" الشك، والله منزه عن الشك عليم بحقائق الأشياء قيل: إن "أو" بمعنى "بل" فهي للإضراب والانتقال. وقيل: إن الشك بالنظر للمخاطبين إذ الله خاطب العباد على لغتهم، ومقدار فهمهم، والمعنى: أدنى من القوسين في تقديركم.
(فأوحى إلى عبده ما أوحى) المراد من العبد محمد ﷺ وقيل: جبريل، وفي تقدير المعنى آراء للمفسرين، أشهرها وأكثرها: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ﷺ ما أوحى، وقيل: فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى، وقيل: فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، فبلغ جبريل محمدا ما أوحي إليه. وكل هذه الأقوال صالحة على أن الذي دنا فتدلى جبريل، أما على قول من يرى أنه رب العزة فلا يناسبه إلا القول الثاني.
стр. 575
وفي إبهام الموحى به تفخيم وتهويل، قيل: أوحي إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
(نور أنى أراه) "نور" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي الذي رأيته نور، و"أنى" بالنون المشددة المفتوحة بمعنى كيف، استفهام إنكاري بمعنى النفي، أو تعجبي، والمعنى: حجابه النور فكيف أراه؟ أي النور منعني من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك الشيء الذي حالت بين الرائي وبينه.
قال المازري: وروي "نوراني" بضم النون وفتح الراء ممدودة وكسر النون وتشديد الياء، أي هو نوراني قال القاضي عياض: هذه الرواية لم تقع لنا، ولا رأيتها في شيء من الأصول.
(قد سألت فقال) الرواية هكذا "سألت" بحذف المفعول، والتقدير: قد سألته.
-[فقه الحديث]-
اختلف العلماء سلفهم وخلفهم في رؤية نبينا محمد ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج على مذاهب أربعة:
الأول: إنكارها إنكارا مطلقا.
الثاني: إثباتها بعيني الرأس.
الثالث: إثباتها بالفؤاد.
الرابع: التوقف.
يتزعم الرأي الأول أم المؤمنين عائشة ﵂ ويتابعها أبو هريرة وابن مسعود في المشهور عنه، وأبو ذر في رواية، وهو رأي جماعة من المحدثين والمتكلمين.
وعائشة في حديثنا تؤكد إنكارها بأساليب مختلفة، وبعبارات بالغة، فهي تتعجب من جهل مثبت الرؤية بقولها في الرواية الخامسة "سبحان الله" ثم تستبشع هذا القول، تهلع له وتفزع وتقول "لقد قف شعري لما قلت" ثم تصف المتحدث بالرؤية بأنه قد أعظم على الله الفرية، ثم تجعله في درجة المتحدث بأن محمدا كتم بعض ما أوحي إليه، أو أنه يعلم الغيب.
ثم تستدل على هذا الإنكار بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] وبقوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾ [الشورى: ٥١].
ثم ردت دليل المثبتين وفسرت آيات سورة النجم بأن المرئي فيها جبريل ﵇، وأيدها بعضهم بما رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا".
стр. 576
ويتزعم القول بإثبات الرؤية ابن عباس وكعب والحسن، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجزم به الزهري وصاحبه معمر وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه، نعم ذهب بعض هؤلاء إلى الرأي الثالث وهو أن الرؤيا كانت بالفؤاد لا بالعين، وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ ؟ .
وأخرج ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس: هل محمد رأى ربه؟ فأرسل إليه أن نعم. وروايتنا الثالثة يقول فيها ابن عباس "رأى ربه بفؤاده مرتين".
وأخرج الترمذي عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه. قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ قال: ويحك. ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين".
وقد مال النووي إلى هذا الجانب فنقل عن صاحب التحرير قوله: إن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول: لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة بقول الله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾ ولقول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسماع. ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيئا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. هذا كلام صاحب التحرير. ثم النووي. فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء. لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم. وإثبات مثل هذا مما لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ ، هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه، ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ، ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات، وسنوضح الجواب عنها. فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فجوابه ظاهر، فإن الإدراك هو الإحاطة، والله تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، وأما احتجاجها ﵂ بقول الله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب .. ﴾ الآية فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
الثاني: أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة.
الثالث: ما قاله بعض العلماء: إن المراد بالوحي الكلام من غير واسطة. اهـ.
وقد حمل الحافظ ابن حجر على الإمام النووي لجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع فقال: إن هذا عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ، فعنده عن مسروق قال: وكنت متكئا فجلست، فقلت: ألم يقل الله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إنما هو جبريل. اهـ.
стр. 577
وعندي أن هذا التحامل من الحافظ ابن حجر هو العجيب، ذلك أن الحديث الذي ساقه، والذي شرحه الإمام النووي لا ينفي رؤية الرسول ﷺ لربه، وإنما ينفي أن يكون الله هو المرئي المقصود من هذه الآية، ولا يمنع أن يكون الرسول ﷺ قد رأى ربه بدليل آخر، فعائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع قطعا، كما يقول الإمام النووي.
وقد رد القرطبي استدلال عائشة بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ برد آخر، فقال: الأبصار في الآية جمع محلى بأل، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعا من قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] فيكون المراد الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: وإذا جازت الرؤية في الآخرة جازت في الدنيا، لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي. اهـ.
وأما قوله ﷺ : "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" فإنه لا يمنع أن يكون الرسول ﷺ : قد رأى ربه في الدنيا باعتبار أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه.
هذا وقد قلنا: إن بعض المثبتين للرؤية ذهب إلى أنها كانت بالفؤاد، والمراد من رؤية الفؤاد رؤية القلب، لا بمعنى مجرد حصول العلم، لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، ولكن بمعنى أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ولو جرت العادة بخلقها في العين.
وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس، فروايتنا الثالثة تصرح بأن الرؤية كانت بالفؤاد مرتين، بل أخرج ابن مردويه من طريق عطاء عن الخلال عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله ﷺ بعينيه إنما رآه بقلبه.
كما اختلفت الروايات عن أحمد، فقد روى الخلال في كتاب السنة عن المروزي: قلت لأحمد: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: يقول النبي ﷺ "رأيت ربي" وقول النبي ﷺ أكبر من قولها.
وحكى عنه بعض المتأخرين قوله: رآه بعيني رأسه. ونفى صاحب الهدى إسناد هذا القول إلى أحمد، وقال: إن نصوص أحمد موجودة وليس فيها إلا أنه قال مرة: رأى محمد ربه ومرة: رأى محمد ربه بفؤاده.
أما رواية أبي ذر (السابعة والثامنة) وفيها أنه ﷺ رأى نورا، فقد قيل: أن مراده أن النور حال بين رؤيته له ببصره، وليس مراده أن هذا النور هو الله، وأنه رآه ببصره، فقد جاء عن أبي ذر نفسه عند ابن خزيمة قال: رآه بقلبه، ولم يره بعينه.
وأمام هذا الاختلاف في الروايات قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة: بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. اهـ.
وأمام هذا التعارض في الأقوال رجح القرطبي في المفهم القول بالوقف في هذه المسألة، وعزاه
стр. 578
لجماعة من المحققين، وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل.
قال: وليست المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي، والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - عظم خلق جبريل ﵇.
٢ - وأن الرسول ﷺ رآه في صورته التي خلقه الله عليها.
٣ - جواز قول المستدل بآية من القرآن: إن الله يقول. وقد كره ذلك مطرق بن عبد الله التابعي المشهور، فروى ابن أبي داود بإسناده عنه أنه قال: لا تقولوا: إن الله يقول، ولكن قولوا. إن الله قال.
قال النووي: وهذا الذي أنكره مطرق ﵀ خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين. فالصحيح المختار جواز الأمرين، ومما يدل على جوازه من النصوص قوله تعالى: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤].
٤ - ويؤخذ من قول عائشة: أولم تسمع أن الله يقول: ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا﴾ مع أن التلاوة ﴿وما كان﴾ بإثبات الواو أن مثل هذا لا يضر في الرواية والاستدلال، لأن المستدل ليس مقصوده التلاوة على وجهها، وإنما مقصوده بيان موضع الدلالة ولا يؤثر حذف الواو في ذلك، وقد جاء لهذا نظائر كثيرة في الحديث، منها قوله: فأنزل الله تعالى: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤] وقوله: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] هكذا هو في روايات الحديثين في الصحيحين، والتلاوة بالواو فيهما. ذكره النووي والله أعلم.
هذا ولشرح الحديث صلة وثيقة بموضوع رؤية الله بصفة عامة في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى.
стр. 579
(٩٩) باب رؤية الله تعالى في الدنيا
٣١٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات. فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار. وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور. (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
٣١٩ - عن الأعمش بهذا الإسناد قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات ثم ذكر بمثل حديث أبي معاوية ولم يذكر "من خلقه" وقال: حجابه النور.
٣٢٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. يرفع القسط ويخفضه. ويرفع إليه عمل النهار بالليل. وعمل الليل بالنهار".
-[المعنى العام]-
كان رسول الله ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة، ويتعاهدهم بتذكيرهم بربهم حينا بعد حين. فقال لهم في بعض عظاته - وفيهم أبو موسى الأشعري-: إن الله جل شأنه لا ينام مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] وكيف ينام مدبر السموات والأرض؟ وكل يوم وكل لحظة هو في شأن عباده ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة﴾ [المجادلة: ٧]. ﴿فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي﴾ [الأنعام: ٩٥] ﴿فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا﴾ [الأنعام: ٩٦].
كل لحظة هو في شأن. ﴿مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير﴾ [آل عمران: ٢٦]. يضل من يشاء ويهدي من يشاء. يرفع أقواما ويخفض آخرين.
стр. 580
يرفع إليه عمل عباده على كثرتهم، وشتات أعمالهم، يرفع إليه عمل الليل عند انتهاء الليل، وعمل النهار عند انتهاء النهار، وهو أعلم بها قبل رفعها، ومن كان هذا شأنه وجبت مراقبته، وحقت عبادته، ولزم الخوف من عقابه.
وسع نوره السموات والأرض، حجب جلاله عن أبصار خلقه، لأنهم لا يقدرون على رؤيته، فعلى المؤمن أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه جل شأنه يرى جميع عباده، فلا ينبغي أن يراهم حيث نهاهم، ولا ينبغي أن يفقدهم حيث أمرهم.
﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦].
-[المباحث العربية]-
(قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات) أي قام فينا متكلما بخمس كلمات، والمراد من الكلمة الجملة المترابطة في المعنى، فالكلمة الأولى "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" والثانية "يخفض القسط ويرفعه" والثالثة "يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل" والرابعة "حجابه النور أو النار" والخامسة "لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
والكلمات الأربع في الرواية الثانية كانت بضم الرابعة والخامسة في كلمة واحدة، والأربع في الرواية الثالثة محذوفة الكلمة الرابعة سقطا من الراوي.
(إن الله لا ينام) أي بالفعل، فإن النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس.
(ولا ينبغي له أن ينام) أي بالاحتمال، فإن النوم مستحيل في حقه جل شأنه.
(يخفض القسط ويرفعه) قال ابن قتيبة: القسط الميزان، وسمي قسطا لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل، والمراد أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة، وهذا تمثيل لما يقدر تنزيله، فشبه بوزن الميزان. اهـ.
وقيل: المراد بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوق يخفضه فيقتره، ويرفعه فيوسعه، وهذا القول أوضح وأقرب. والله أعلم.
(يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل) أي يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده.
(حجابه النور) الحجاب في اللغة المانع والساتر، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام
стр. 581
المحدودة، والله تعالى منزه عن الجسم والحد، فالمراد منه هنا المانع من رؤيته، وسمي ذلك المانع نورا، أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما.
(لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) السبحات بضم السين والباء جمع سبحة، ومعنى "سبحات وجهه" نوره وجلاله وبهاؤه، والمراد بالوجه الذات، والمراد بما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات، لأن بصره محيط بجميع الكائنات ولفظة "من" في قوله: "من خلقه" لبيان الجنس لا للتبعيض، والتعبير مقصود منه التقريب إلى الأذهان، كقوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ [النور: ٣٥] الآية. إذ لا ينتهي بصره جل شأنه.
والمعنى: لو أزال المانع من رؤيته، وتجلى لخلقه، لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. والله أعلم.
فقه الحديث
أجمع أهل السنة على أن رؤية الله تعالى ممكنة، غير مستحيلة عقلا، وذهب المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة إلى أن رؤية الله تعالى مستحيلة عقلا، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى لموسى: (لن تراني) ردا على قوله: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقالوا: إن "لن" لتأكيد النفي الذي يدل عليه "لا" فيكون النفي على التأبيد. ويقول المجوزون: إن الله علق الرؤية على ممكن في قوله: ﴿انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ واستقرار الجبل ممكن، والمعلق على الممكن ممكن. ويقول النافون: إن استقرار الجبل حالة دكه مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، فالرؤية مستحيلة، وللمجوزين أن يقولوا: إن استحالة رؤية موسى لربه لا يلزمها استحالة رؤية غير موسى له جل شأنه. كما تمسك النافون بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] وأجاب المجوزون بأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته.
كما تمسك النافون بأن من شرط المرئي أن يكون في جهة، والله منزه عن الجهة، وأن يكون محدثا والله قديم، واشترطوا في الرؤية شروطا عقلية كالبنية المخصوصة، والمقابلة، واتصال الأشعة، وزوال الموانع كالبعد والحجب، وغير ذلك.
وأجاب المجوزون بعدم اشتراط شيء من ذلك عقلا، وكل ما يشترطونه وجود المرئي، وقالوا: إن للرؤية إدراكا، يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي.
هذا وهناك شبه وردود كثيرة، واعتراضات وأجوبة مشهورة محلها كتب علم الكلام. ومن أرادها فليطلبها.
ولما صار أهل السنة إلى إمكان الرؤية عقلا اختلفوا في وقوعها في الدنيا لنبينا ﷺ على الوجه المتقدم في الحديث السابق مع اتفاقهم على أنها لم تقع لغيره في الدنيا، أما رؤيته في الآخرة فسيأتي بحثها في الأحاديث التالية.
стр. 582
وحديث الباب ظاهر في نفيها في الدنيا، وفي أن هناك مانعا من رؤيته في الدنيا لو أزال - جل شأنه- هذا المانع لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته.
وقال الطيبي: في الحديث إشارة إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وأشعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول، وتبهت الأبصار، وتتحير البصائر فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق، ولا منظور إلا اضمحل، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي، والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية له، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن الله لا ينام ويستحيل النوم في حقه تعالى.
٢ - وأنه في كل لحظة هو في شأن، يرفع أقواما ويخفض آخرين.
٣ - وأنه يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح، يرفع إليه عمل النهار في أول الليل الذي بعده، وعمل الليل في أول النهار الذي بعده.
٤ - وأنه حجابه نور يحول بين الخلق وبين رؤيته في الدنيا.
والله أعلم
стр. 583
(١٠٠) باب رؤية المؤمنين لربهم في الجنة
٣٢١ - عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "جنتان من فضة. آنيتهما وما فيهما. وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه. في جنة عدن".
-[المعنى العام]-
لما نزل قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿ومن دونهما جنتان﴾ [الرحمن: ٦٢] اشرأبت نفوس الصحابة لمزيد المعرفة عن كل من الجنتين فقال ﷺ عن الصنف الأول: هما جنتان، آنيتهما من فضة، وكل ما فيهما من سرر وأرائك وغيرهما من فضة، وعن الصنف الثاني: هما جنتان من ذهب، وكل شيء فيهما من ذهب. قال أبو موسى الأشعري: جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من فضة لأصحاب اليمين.
ورغم النعيم الكبير الذي يتمتع به أصحاب هاتين وأصحاب هاتين، فإن النعمة الكبرى ينتظرونها جميعا، فيما بينهم وليس تحققها إلا مشيئته جل شأنه وإرادته، تلك هي نعمة التجلي لهم، نعمة أن يكشف الله الحجاب بينه وبينهم، ليروه كما يرون القمر ليلة البدر، فما إن تتحقق هذه السعادة حتى يستقلوا جميع ما هم فيه من النعيم بجوارها، فما أعطوا شيئا أحب إليهم منها، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
-[المباحث العربية]-
(عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه) أي عن عبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري.
(جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) "جنتان" خبر مبتدأ محذوف، أي هما جنتان و"آنيتهما" مبتدأ، و"من فضة" خبره مقدم، والجملتان في جواب السائلين عن حقيقة الجنتين، في قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦].
(وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء) "أن" وما دخلت عليه في
стр. 584
تأويل مصدر مجرور بالإضافة، وإذا رفعنا النفي والاستثناء كان التقدير: بين القوم وبين النظر إلى ربهم رداء الكبرياء. قال القرطبي في المفهم: الرداء استعارة كني به عن العظمة كما في الحديث الآخر "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري" وليس المراد الثياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما.
وقال عياض: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه، وعظمته وهيبته وجلاله، لمانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها، استعار لذلك رداء الكبرياء. اهـ.
والمعنى أن مقتضى عزة الله واستغنائه ألا يراه أحد، لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم.
وقال ابن بطال: تأويل الرداء الآفة الموجودة للأبصار، المانعة لها من رؤيته، وسماها رداء لتنزلها في المنع منزلة الرداء الذي يحجب عن الرؤية.
(على وجهه) متعلق بمحذوف حال من "رداء الكبرياء".
(في جنة عدن) يقال: عدن في البلد يعدن ويعدن من باب ضرب ونصر أي أقام، فجنة عدن، أي جنة إقامة، وهو اسم لجنة خاصة من جنات الآخرة، والجار والمجرور "في جنة عدن" متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم، أي مستقرين في جنة عدن. قاله القرطبي، وقال الطيبي: "في جنة عدن" متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف، وقال عياض: "في جنة عدن" راجع إلى الناظرين، أي وهم في جنة عدن، لا إلى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه.
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث أن جنتين من فضة لا ذهب فيهما، وجنتين من ذهب لا فضة فيهما، وهذا يعارض حديث أبي هريرة "قلنا يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال لبنة من ذهب، ولبنة من فضة" أخرجه أحمد والترمذي، وعند البزار "خلق الله الجنة، لبنة من ذهب، ولبنة من فضة".
ورفع هذا التعارض بأن حديث الباب في صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، وحديث الترمذي والبزار في صفة حوائط الجنان كلها. والله أعلم.
وقد يتمسك المجسمة بظاهر الحديث لذكر الرداء والوجه، لكن ثبت استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان.
قال القاضي عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرا، وهي أرفع أدوات بديع فصاحتها
стр. 585
وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جناح الذل﴾ [الإسراء: ٢٤] فمخاطبة النبي ﷺ برداء الكبرياء على وجهه، ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها، وإما أن يؤولها. اهـ.
وقال الكرماني: هذا الحديث من المتشابهات، فإما مفوض، وإما متأول بأن المراد من الوجه الذات.
ثم استشكل الكرماني على الحديث بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة (إذ حاصله أن الرداء مانع الرؤية) وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر. اهـ.
فكأن في الكلام حذفا، تتمته: ثم يمن عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، وهذه التتمة واضحة وصريحة في الحديث الآتي.
والله أعلم.
стр. 586
تابع باب رؤية المؤمنين لربهم في الجنة
٣٢٢ - عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا دخل أهل الجنة، الجنة قال يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ".
٣٢٣ - عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد وزاد في رواية ثم تلا هذه الآية ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
-[المعنى العام]-
ما أعظم الرضا، وما أروع الشكر من جانب أهل الجنة، وما أوسع فضل الله عليهم، وإحسانه لهم، وتكريمه إياهم.
إن المؤمنين إذا زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة آمنوا بأنهم فازوا وحمدوا وشكروا، وكبروا، وأثنوا، فإذا ما تمتعوا بنعيم الجنة بلغ بهم السرور غايته، ووصل بهم الفرح والابتهاج منتهاه، ولم تطمح نفوسهم إلى شيء بعد ما هم فيه من نعيم، وعندئذ يتجلى لهم الرب الكريم، بسؤال الفيض والتكريم. هل تريدون شيئا فوق ما أنتم فيه أعطيكموه؟ فيقولون: ماذا بعد هذا الفضل الكبير؟ ألم تكرمنا بتبييض وجوهنا؟ وبالنور الذي يسعى بين أيدينا وبأيماننا؟ ألم تنجنا من النار وعذابها؟ ألم تدخلنا الجنة وتوسع علينا من نعيمها؟ لقد وجدنا فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ورأينا فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فماذا ننتظر بعد هذا؟ لك الحمد ربنا ولك الشكر، فيكشف الله الحجاب بينه وبينهم، ويمنحهم قوة في أبصارهم يرون بها نوره وجلاله، فيحسون السعادة التي ينسون معها كل نعيم، ويستصغرون بجوارها كل ما أعطوا من متع وسرور، فاللهم اجعلنا من المتقين الفائزين برؤية وجهك الكريم.
стр. 587
-[المباحث العربية]-
(إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله) جواب "إذا" "يقول" الله، ولفظ "قال" مزيد مكرر، أعيد ذكره، وأصل الكلام: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎.
(تريدون شيئا أزيدكم؟ ) الكلام على حذف همزة الاستفهام، والمراد من الشيء أنواع النعيم، والسؤال لاستنطاق الشكر منهم.
(ألم تبيض وجوهنا) الاستفهام للنفي دخل على نفي، ونفي النفي إثبات أي بيضت وجوهنا.
(وتنجنا من النار) بضم التاء وفتح النون وتشديد الجيم المكسورة، وحذف الياء للجزم، عطفا على المجزوم قبله.
(فيكشف الحجاب) بالبناء للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله .
(فما أعطوا) مترتب على المضارع، فينبغي أن يكون مضارعا، والتقدير: فيحسون أنهم ما أعطوا في جنتهم شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم .
-[فقه الحديث]-
أجمع أهل السنة على وقوع رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، وزعمت المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة استحالة رؤية خلقه له في الدنيا والآخرة.
قال النووي: وهذا الذي قالوه خطأ صريح، وجهل قبيح، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله ﷺ ، وآيات القرآن فيها مشهورة، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئي، ولا غير ذلك، ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق، لا على سبيل الاشتراط، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك، بدلائله الجليلة، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة، تعالى الله عن ذلك، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة. اهـ.
والآيات التي أشار إليها الإمام النووي هي:
١ - قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] عن عكرمة "تنظر إلى ربها نظرا" وعن الحسن "تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنظر" وقول المخالفين: تنظر الثواب، أي
стр. 588
ناظرة إلى ثواب ربها، فيه مخالفة للأصل، وهو عدم التقدير، وقولهم: ناظرة بمعنى منتظرة، أي إلى أمر ربها منتظرة، فيه المخالفة السابقة، وفيه أنه لا يتعدى حينئذ بإلى، وفيه أن الآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة، وأهل الجنة لا ينتظرون شيئا، لأنه مهما خطر لهم أتوا به، والانتظار في دار النعيم فيه تنغيص وتكدير لا يليق بأصحاب النعيم.
٢ - وقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] فهي تدل نصا على ثبوت حجب الفجار عن ربهم، ومفهوما على عدم حجب المؤمنين الأبرار عن رؤيته، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة.
٣ - وقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] وقد تلا رسول الله ﷺ هذه الآية عقب قوله: "فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " كدليل على أن المراد بالزيادة هي رؤية الله تعالى.
واختلف أهل السنة القائلون بثبوت الرؤية في معناها، فقال قوم: يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين، كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في الحديث الآتي: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر" إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية وذلك أمر زائد على العلم.
وقال بعضهم: إن المراد بالرؤية العلم، وعبر عنها بعضهم بأنها حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الإبصار إلى المرئيات.
وقال بعضهم: رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم وأوضح من العلم.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقرب إلى الصواب من الأول.
والرأي عندي أن نؤمن بالرؤية لقبولنا ظواهر الآيات والأحاديث الصحيحة المشهورة، ثم نتوقف عن الخوض في كيفيتها وحقيقتها، ولا ضير في ذلك، فقد ذكر الله المتقين، وفي مقدمة أوصافهم ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣].
والله أعلم
стр. 589
(تابع) باب رؤية الله تعالى في الآخرة - الصراط. خروج عصاة المؤمنين من النار وإثبات الشفاعة آخر أهل الجنة دخولا الجنة
٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. يا رسول الله، قال "فإنكم ترونه كذلك. يجمع الله الناس يوم القيامة. فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس. ويتبع من كان يعبد القمر القمر. ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت. وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها. فيأتيهم الله ﵎، في صورة غير صورته التي يعرفون. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه. ويضرب الصراط بين ظهري جهنم. فأكون أنا وأمتي أول من يجيز. ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل. ودعوى الرسل يومئذ: اللهم! سلم، سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان. هل رأيتم السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان. غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله. تخطف الناس بأعمالهم. فمنهم المؤمن بقي بعمله. ومنهم المجازى حتى ينجى. حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله. فيعرفونهم في النار. يعرفونهم بأثر السجود. تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود. حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود. فيخرجون من النار وقد امتحشوا. فيصب عليهم ماء الحياة. فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل. ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد. ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار. وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة.
فيقول: أي رب! اصرف وجهي عن النار. فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها. فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه. ثم يقول
стр. 590
الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره. ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله. فيصرف الله وجهه عن النار. فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت. ثم يقول: أي رب! قدمني إلى باب الجنة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب! ويدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا. وعزتك! فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق. فيقدمه إلى باب الجنة. فإذا قام على باب الجنة. انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور. فيسكت ما شاء الله أن يسكت. ثم يقول: أي رب! أدخلني الجنة. فيقول الله ﵎ له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب! لا أكون أشقى خلقك. فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله ﵎ منه. فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة. فإذا دخلها قال الله له: تمنه. فيسأل ربه ويتمنى. حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني. قال الله تعالى: "ذلك لك ومثله معه". قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا. حتى إذا حدث أبو هريرة: أن الله قال لذلك الرجل: ومثله معه. قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه. يا أبا هريرة! قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: ذلك لك ومثله معه. قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: ذلك لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة.
٣٢٥ - عن أبي هريرة أن الناس قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وساق الحديث بمثل المعنى حديث إبراهيم بن سعد.
٣٢٦ - عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمن. فيتمنى ويتمنى. فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه".
стр. 591
٣٢٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ "نعم". قال "هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ " قالوا: لا. يا رسول الله، قال "ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر. وغبر أهل الكتاب. فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا. يا ربنا! فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا. فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى. فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا. يا ربنا! فاسقنا. قال فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا. فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا! فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. لا نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق. فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود.
ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. ثم يرفعون رءوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة. فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم. وتحل الشفاعة. ويقولون: اللهم! سلم سلم". قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال "دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك. تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان. فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب. فناج مسلم. ومخدوش مرسل. ومكدوس في
стр. 592
نار جهنم. حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله، في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار. فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه. ثم يقولون: ربنا! ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا. ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا. ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها خيرا". وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) [النساء: ٤٠] "فيقول الله : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون. ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط. قد عادوا حمما. فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة.
فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ " فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية. قال "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم. يعرفهم أهل الجنة. هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربنا! أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: يا ربنا! أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي. فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
٣٢٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قلنا: يا رسول الله، أنرى ربنا؟ قال رسول الله ﷺ "هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان يوم صحو؟ " قلنا: لا. وسقت
стр. 593
الحديث حتى انقضى آخره وهو نحو حديث حفص بن ميسرة. وزاد بعد قوله: بغير عمل عملوه ولا قدم قدموه "فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه".
قال أبو سعيد: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف. وليس في حديث الليث "فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين وما بعده" فأقر به عيسى بن حماد.
ونقص شيئا.
٣٢٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسم قال "يدخل الله أهل الجنة الجنة. يدخل من يشاء برحمته. ويدخل أهل النار النار. ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه. فيخرجون منها حمما قد امتحشوا. فيلقون في نهر الحياة أو الحيا. فينبتون فيه كما تنبت الحبة إلى جانب السيل. ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية".
٣٣٠ - عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد وقالا: "فيلقون في نهر يقال له الحياة". ولم يشكا وفي حديث خالد "كما تنبت الغثاءة في جانب السيل" وفي حديث وهيب "كما تنبت الحبة في حمئة أو حميلة السيل".
٣٣١ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال بخطاياهم) فأماتهم إماتة. حتى إذا كانوا فحما، أذن بالشفاعة. فجيء بهم ضبائر ضبائر. فبثوا على أنهار الجنة. ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية.
стр. 594
ولم يذكر ما بعده.
٣٣٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. رجل يخرج من النار حبوا. فيقول الله ﵎ له: اذهب فادخل الجنة. فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى. فيرجع فيقول: يا رب! وجدتها ملأى. فيقول الله ﵎ له: اذهب فادخل الجنة. قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى. فيرجع فيقول: يا رب! وجدتها ملأى. فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها. أو إن لك عشرة أمثال الدنيا. قال فيقول: أتسخر بي (أو أتضحك بي) وأنت الملك؟ " قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه. قال فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة.
٣٣٣ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار. رجل يخرج منها زحفا. فيقال له: انطلق فادخل الجنة. قال فيذهب فيدخل الجنة. فيجد الناس قد أخذوا المنازل. فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم فيقال له: تمن. فيتمنى. فيقال له: لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا. قال فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ " قال فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
٣٣٤ - عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "آخر من يدخل الجنة رجل. فهو يمشي مرة ويكبو مرة. وتسفعه النار مرة. فإذا ما جاوزها التفت إليها. فقال: تبارك الذي نجاني منك. لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة. فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها. فيقول الله : يا ابن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها. فيقول: لا. يا رب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها. وربه يعذره. لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيدنيه منها. فيستظل بظلها
стр. 595
ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى. فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها. لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها. وربه يعذره. لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها. فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين. فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها. لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى. يا رب! هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليها. فيدنيه منها. فإذا أدناه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب! أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين). فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ . فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال "من ضحك رب العالمين حين قال أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر".
٣٣٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة. ومثل له شجرة ذات ظل. فقال: أي رب! قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها" وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود. ولم يذكر "فيقول: يا ابن آدم! ما يصريني منك" إلى آخر الحديث. وزاد فيه "ويذكره الله سل كذا وكذا. فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله" قال "ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين. فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك. قال فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت".
٣٣٦ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة
стр. 596
منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول أي رب! كيف؟ وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت، رب! فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فقال في الخامسة: رضيت، رب! فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله. ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت، رب! قال: رب! فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي. وختمت عليها. فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر" قال ومصداقه في كتاب الله : ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧].
٣٣٧ - عن الشعبي قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر: إن موسى ﵇ سأل الله عن أخس أهل الجنة منها حظا. وساق الحديث بنحوه.
٣٣٨ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة. وآخر أهل النار خروجا منها. رجل يؤتى به يوم القيامة. فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه. فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا. وعلمت يوم كذا وكذا، كذا وكذا. فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر. وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب: قد عملت أشياء لا أراها ههنا". فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
بهذا الإسناد.
٣٣٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ يسئل عن الورود فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر، أي ذلك فوق الناس. قال فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد. الأول فالأول. ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟
стр. 597
فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك. قال فينطلق بهم ويتبعونه. ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن؟ نورا. ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك. تأخذ من شاء الله. ثم يطفأ نور المنافقين. ثم ينجو المؤمنون. فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر. سبعون ألفا لا يحاسبون. ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء. ثم كذلك. ثم تحل الشفاعة. ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. فيجعلون بفناء الجنة. ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل. ويذهب حراقه. ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها.
٣٤٠ - عن جابر ﵁ قال: سمعت من النبي ﷺ بأذني يقول "إن الله يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة".
٣٤١ - عن حماد بن زيد. قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد الله يحدث عن رسول الله ﷺ "إن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة" قال نعم.
٣٤٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة".
٣٤٣ - عن يزيد الفقير، قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج. ثم نخرج على الناس. قال فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالس إلى سارية- عن رسول الله ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين قال فقلت له: يا صاحب رسول الله! ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فما هذا الذي تقولون؟ قال فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم.
стр. 598
قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ (يعني الذي يبعثه الله فيه؟ ) قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم. قال: فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه. فيخرجون كأنهم القراطيس. فرجعنا قلنا: ويحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ فرجعنا. فلا والله! ما خرج منا غير رجل واحد - أو كما قال أبو نعيم.
٣٤٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله. فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب! إذ أخرجتني منها فلا تعدني فيها. فينجيه الله منها".
-[المعنى العام]-
كان رسول الله ﷺ يذكر أصحابه باليوم الآخر وما يقع فيه من الأهوال، وفي ليلة مقمرة بدرها يسطع في السماء حدثهم ﷺ عن الحشر، وعن قول الله: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، وقول المسلمين: هذا مكاننا حتى نرى ربنا. حينئذ سأل أحد الصحابة رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فنظر رسول الله ﷺ إلى القمر، فقال: إنكم ستعرضون على ربكم، فترونه كما ترون هذا القمر، هل يضر بعضكم بعضا إذا نظرتم إلى القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: وهل يزاحم بعضكم بعضا ويؤذيه حين ترون الشمس في وسط السماء ليس دونها سحاب! قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه بسهولة ويسر ووضوح كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب.
ثم أخذ يحدثهم عن هذه الرؤية وعن ظروفها ووقتها، فقال: يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، وفي مكان واحد، في أرض واسعة مستوية، لا يخفى منهم أحد، لو دعاهم داع لسمعوه، ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم، يقومون أربعين عاما، شاخصة أبصارهم إلى السماء لا يكلمهم ربهم، والشمس على رءوسهم، حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر، غير أنه يخفف على المؤمن، فيكون ذلك اليوم أقصر عليه من ساعة من نهار، حتى إذا أذن جل شأنه بالانصراف من هذا الموقف، تطايرت الصحف وتم العرض والميزان، ونادى مناد: من كان يعبد شيئا فليتبعه، أيها
стр. 599
الناس: أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوركم فأحسن صوركم، ورزقكم وأحسن إليكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما كان قد تولى؟ أيها الناس لتنطلق كل أمة مع ما كانت تعبد، ويتمثل لهم الصنم والشيطان والصليب والشمس والقمر، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت والأصنام الطواغيت والأصنام، ويتبع من كان يعبد الصليب صليبهم، فيساقون هم ومعبوداتهم إلى النار، فلا يبقى في الموقف أحد كان يعبد الأصنام والأنصاب، والأوثان والشمس والقمر والنار والإنسان والحيوان والشيطان والملائكة إلا تساقط في النار، ثم يدعى المنحرفون من اليهود، فيقال لهم: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم: كذبتم في ادعائكم أن لله ولدا، سبحانه لم يتخذ من صاحبة ولا ولد، وضللتم في عبادتكم هذه، ولا نجاة لكم اليوم، فيقولون: يا ربنا عطشنا، فاسقنا، فتبدو جهنم أمامهم كأنها ماء، فيقال لهم: هيا ألا تردون! فيحشرون إلى النار، ثم يدعى المبدلون والمحرفون من النصارى، فيقال لهم: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم في ادعائكم أن المسيح ابن الله.
ما اتخذ الله من ولد، ولم تكن له صاحبة، فماذا بعد الكفر والضلال؟ فأنى تصرفون؟ فيقولون: يا ربنا عطشنا، فاسقنا، فتبدو لهم جهنم كأنها ماء، فيشار إليها، ويقال لهم: هيا، ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار، فيجدونها يحطم بعضها بعضا، حتى إذا لم يبق من الخلائق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم أمر الله، يقول لهم: ماذا تنتظرون؟ ماذا يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا حفاظا على ديننا منهم، ونحن أحوج ما نكون إليهم، هجرنا الأهل والأوطان فرارا بديننا، وأخرجنا من ديارنا وأموالنا، ونحن أحوج ما نكون إليهم، فكيف نتابعهم اليوم، لقد سمعنا: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فنحن ننتظر معبودنا، ننتظر ربنا، فيقال لهم: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله بصورة لم يعهدوها، تقول لهم: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لست ربنا، ربنا ليس كمثله شيء، فيقال لهم: هل بينكم وبينه علامة! فيقولون: نعم. فيكشف عن الساق، ويتجلى لهم رب العالمين، فيسجد له كل مؤمن، يسجد له كل من كان يعبده بإخلاص، أما المنافقون الذين كانوا يسجدون اتقاء ورياء فإن أصلابهم تتجمد كأصلاب البقر، كلما حاول أحدهم أن يسجد تقليدا للمؤمنين سقط على قفاه ثم يقال للمؤمنين: ارفعوا رءوسكم إلى نوركم بقدر أعمالكم، فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة، ومنهم من يعطى دون ذلك حتى يكون آخرهم من يعطى نوره على إبهام قدمه، ثم يوجهون إلى الصراط، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. فيقول لهم المنافقون: أنظرونا وتمهلوا نسير في ركابكم ونقتبس من نوركم، فيقولون لهم تبكيتا وخذلانا: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فيرجعون إلى المكان الذي وزع فيه النور، فلا يجدون شيئا، فيحاولون اللحاق بالمؤمنين، فيضرب بينهم بسور له باب فيقذفون في النار.
وينصب الصراط على شاطئ جهنم، جسر ممدود، أدق من الشعر وأحد من السيف، على جانبيه كلاليب وخطاطيف ذات أسهم من كل جانب، تشبه شوكة السعدان، التي تلصق بأصواف الغنم،
стр. 600
ويقف الأنبياء وقلوبهم وجلة، يتضرعون إلى الله، ويقولون: يا رب سلم. يا رب سلم. وتقف الملائكة ممسكة بالكلاليب المأمورة، وهي تقول: يا رب سلم، يا رب سلم وتقف الأمة الإسلامية، ولسانها يلهج بالدعاء: يا رب سلم. يا رب سلم. ومن حولها سائر الرسل وأتباعهم في انتظار أمر الله.
ثم ينادي المنادي: أين محمد وأمته؟ فيقوم ﷺ وتتبعه أمته، برها وفاجرها، فتفرج الأمم لهم عن الطريق. فيمرون غرا محجلين من أثر الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وتتخطفهم الكلاليب، ويكون رسول الله ﷺ أول من يجتاز الصراط، وأمته أول الأمم، ويتسع الصراط لبعض المؤمنين، حتى يكون مثل الوادي، وإن بعضهم يمر عليه كطرف العين، وبعضهم كالبرق، وبعضهم كالسحاب، وبعضهم كانقضاض الكوكب، وبعضهم كالريح، وبعضهم كجياد الخيل، وبعضهم كالطير، وبعضهم كجياد الإبل، وبعضهم كأسرع البهائم، وبعضهم يسعى سعيا، وبعضهم يمشي مشيا تجري بهم أعمالهم، حتى يمر الرجل الذي أعطي نوره على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه يتكفأ به الصراط، يتلبط على بطنه، يجر نفسه بيد، ويتعلق بيد، يجر نفسه برجل ويتعلق برجل، وتضرب جوانبه النار، يقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: أبطأ بك عملك، ويظل يحبو، حتى ينجو، فيلتفت إلى النار، ويقول: تبارك الذي نجاني منك.
حتى إذا خلص المؤمنون من النار وقعت المقاصة بينهم على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا انتهوا إلى الجنة تفقدوا إخوانهم فوجدوا العصاة منهم في النار، فرقت لهم أفئدتهم، واشتدت عليهم حسراتهم، فيجأرون إلى الله بالدعاء، ويناشدونه بكل تذلل أن يعفو عن إخوانهم وأن يخرجهم من النار، يقولون: يا ربنا، إخواننا، كانوا يصومون معنا، ويصلون معنا ويحجون معنا، يا ربنا، آباؤنا، وأجدادنا، أعمامنا، أخوالنا، أبناؤنا، أزواجنا اغفر لهم، شفعنا فيهم، فيقول لهم: اذهبوا فأخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ويأمر ملائكته بإخراجهم، ثم يعودون فيستشفعون في غيرهم فيشفعون، وهكذا حتى يخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، فيقول الله تعالى: شفع الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا أبدا، قد صاروا فحما، فيلقيهم في نهر في مقدمة الجنة، يسمى نهر الحياة، فيخرجون منه كالنبتة الصغيرة في نضارتها وحسنها، ويقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من مائكم، فيرشون عليهم من ماء الجنة، فيزدادون نضارة وبهاء ثم يؤذون لهم بدخول الجنة.
يقول ﷺ لأصحابه: إني أعلم حال آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، هو رجل يبقى مقبلا بوجهه على النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، فقد آذاني ريحها، وأحرقني حرها، يا رب اقبلني واعف عني، يا رب. أقر بذنبي وأعترف بتقصيري، وأرجو واسع رحمتك، ويدعو الله ما شاء أن يدعوه، فيقول الله لملائكته: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت كذا وكذا يوم كذا، وعملت كذا وكذا يوم كذا. فيقول: نعم يا رب، وهو مشفق من كبار ذنوبه، خائف أن تعرض عليه ويؤخذ بها، فيقول: يا رب، قد
следующие страницы →