وهذا البيهقي، بعد أن ذكر أن السنة قد دُوّنت جميعُها قبل عصره، وأنه لا يُقبل من أحدٍ في زمنه ادّعاءُ رواية شفهيّة غير مدوّنة، وأن الأسانيد في زمنه لا يُقصد بها إثباتُ الخبر، وإنما يُقصد منها إبقاءُ خصيصة الإسناد لهذه الأمّة بعد هذا يقول: ((والذي ينبغي ذكره هاهنا: أن الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظاً، ثم كتبه بعضهم احتياطاً، ثم قام بجمعه، ومعرفةِ رواته، والتمييز بين صحيحه وسقيمه جماعةٌ لم يَخْفَ عليهم إتقانُ المتقنين من رواته ولا خطأَ من أخطأ منهم في روايته، حتى لو زِيْدَ في حديثٍ حرفٌ، أو نُقِصَ منه شيءٌ، أو غُيِّرَ منه لفظٌ يُغَيِّرُ المعنى وقفوا عليه، وتَبَيَّنُوهُ، ودوّنوه في تواريخهم، حتى ترك أوائلُ هذه الأمةِ أوَاخرَها - بحمد الله - على الواضحة. فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلَهم، واقتدى بهم صار على بيّنةٍ من دينه)) (١) .
والنُّقول في هذا الباب كثيرة (٢) ، ونحن في الحقيقة مستغنون عنها بشاهد الوجود، وبعلم أولئك العلماء الحاضرِ بَيْنَ أيدينا، عن الاستدلال له بكلام شاهدٍ معاصرٍ أو قريبٍ من المعاصر (كالذين سبقوا) .
стр. 37
فإضافةً إلى ما سبق، فإنه لا أدلّ على بلوغ منهج نقد السنة درجةَ النضج الكامل خلال هذا القرن، من أنه القرن الذي شهد تأليفاً يُمثِّلُ خلاصةَ ذلك المنهج النقدي، ويجعلها حقيقةً مشاهدةً، وذلك بالتأليف في الحديث الصحيح المجرّد، على يدي الشيخين: البخاري ومسلم، حيث بلغ وضوحُ المنهج النقدي لديهما إلى الحدّ الذي اعتُبر معه كتاباهما قمةَ التصنيف الحديثي وقمةَ المنهج النقدي في معرفة الحديث الصحيح، الذي هو خلاصة وثمرة المنهج النقدي كُلِّه. أيستطيع أحدٌ أن ينسى أن الصحيحين أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى؟!! هذا ما اتّفقت عليه الأُمّة، وأجمع عليه العلماء قديماً وحديثاً. وفي هذا الإجماع إجماعٌ من الأمّة على صحّة ذلك المنهج الذي سارَا عليه، بل في ذلك الاتفاق على كونهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى اتّفاقٌ على أن منهجهما أصحّ المناهج على الإطلاق.
نعم.. لقد خرجنا إذن بنقل الإجماع على أن منهج النقد في هذا القرن قد بلغ قمةَ التطوّر!!!
وهذا غاية ما نريد!!!
المرحلة السادسة: وهي القرن الرابع الهجري.
لقد دخل القرن الرابع وهو يحمل إرثاً عظيماً وثقيلاً، لقد كان مِنْ قَدَرِ الله تعالى له أن يكون مرحلةَ ما بَعْدَ الاكتمال، وليس بعد الاكتمال إلا النقص. وهذه سنةٌ سبق الكلام عنها في تاريخنا النظري، فلا غرابة في حصولها.
وقد أرّخَ لها بعضُ شهود العصر وغيرهم:
فهذا ابن حبان (ت ٣٥٤هـ) يقول في مقدّمة (المجروحين) : ((ولم يكن هذا العلم في زمانٍ قطُّ تعلُّمُه أوجب منه في زماننا هذا، لذهاب من كان يُحسن هذا الشأن، وقلَّةِ اشتغال طلبة العلم به؛ لأنّهم اشتغلوا في العلم في زماننا هذا، وصاروا حزبين: فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثرُ هِمّتِهِم الكتابةُ والجَمْعُ، دون الحفظ والعلم به وتمييز الصحيح من السقيم، حتى سمّاهم العوامُّ حشويّة. والحزبُ الآخر: المتفقّهة ... )) (١) .
стр. 38
وأرّخ لهذا النقص الإمام الخطابي (ت ٣٨٨هـ) ، مشيراً إلى دخول علم الكلام على بعض المحدثين، كسبب من أسباب الخلل في عصره (١) .
وعبّرَ عن ذلك كُلِّه شَاهِدُ عَصْرٍ ثالثٍ، وهو أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن ابن خَلاّد الرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) ، فقال منشداً، مشيراً إلى نفسه:
قُلْ لابن خَلاّدٍ إذا جئتَه ...مُسْتَنِداً في المسجد الجامعِ
هذا زمانٌ ليس يحظى به...حدثنا الأعمشُ عن نافعِ (٢)
ولشاهد عصر رابعٍ موقفٌ مؤثِّرٌ ومعبِّرٌ عن ذلك النقص، وهو أبو عبد الله ابن منده (ت ٣٩٥هـ) ، فقد رُئيَ في سَفْرةٍ ومعه أربعون وِقْراً من الأحمال، فسُئل عنها، فقال: ((هذا متاعٌ قلَّ من يرغبُ فيه في هذا الزمان، هذا حديثُ رسول الله ﷺ ) (٣) .
стр. 39
ومن الشهادات المهمّة لإمامٍ متأخّر، شهادةُ مجد الدين ابن الأثير (ت٦٠٦هـ) ، حيث ذكر مراحل علوم السنة، إلى أن ذكر عَصْرَ البخاريِّ ومسلمٍ وكتابيهما في الصحيح، ثم قال: ((إلى أن انقرضَ ذلك العصرُ الذي كانا فيه حميداً عن جماعةٍ من الأئمة والعلماء، قد جمعوا وألّفوا: مِثْلِ أبي عيسى الترمذي، وأبي داود السجستاني، وأبي عبد الرحمن النسائي، رحمةُ الله عليهم، وغيرهم من العلماء الذين لا يُحصَوْن كثرة. وكأنّ ذلك العصر كان خُلاصةَ العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى. ثم من بعده نَقَصَ ذلك الطلبُ بَعْدُ، وقلَّ الحرصُ، وفَتَرَتْ الهِمَم. وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها، فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً، ولا يزال يَنْمِي ويزيد، ويعظم إلى أن يصل إلى غايةٍ هي مُنْتَهَاهُ، ويَبْلُغَ إلى أمدٍ هو أقصاه، ثم يعود. فكأنّ غايةَ هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما من علماء الحديث، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزدادُ تقاصُراً والهممُ قصوراً، سُنّةَ الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا)) (١) .
وأرّخَ لهذا النقص الإمام الذهبي في غير ما كتابٍ من كتبه (٢) ، وقد كنتُ تحدّثت عن هذا النقص وأسبابه في كتابي (المنهج المقترح) .
لكن سبق أن قلنا في التاريخ النظري لهذه المراحل: إن هذا النقص لم يكن هُوِيًّا سريعاً إلى القاع، بل كان نقصاً تدريجيًّا. ولذلك فإن المُتَصَوَّرَ هو أن يبقى في هذا القرن شيءٌ كثيرٌ من خصائص القرن السابق، وستثبت كثيرٌ من ملامح ازدهاره. وإن كان أوّلُه في ذلك أسعدَ حظًّا من آخره، وآخرُهُ لرُبّما كان آخرَ من نال حظًّا غالباً من هاتيك الخصائص والملامح!
стр. 40
ومن مظاهر هذا التدرّجِ في النقص، أنه لم يكن شاملاً لكل علماء السنّة خلال القرن الرابع. بل لم يزل في علماء السنة خلال القرن الرابع من هم امتدادٌ لعلماء القرن الثالث، دلّت على ذلك شواهدُ الوجود، من المؤلفات والمصنفات التي خلّفوها، في أصول العلم ومختلف فنونه (١) . ولا أدلّ على ذلك أيضاً من أنّ بعض من أرّخوا لذلك التناقص هم من أهل ذلك القرن، ومن أنّهم عرفوا مظاهر ذلك النقص، فلم يكتفوا بالتنزّه عنها، بل سعى بعضهم إلى مقاومتها.
فهذا ابن حبان يعيب على طلبة السنة في زمنه عدمَ العناية بحفظ السنة، والاكتفاء بالجمع كتابة، ويعيب عليهم أيضاً عدم تمييز الصحيح من السقيم. ثم هاهو يؤلف كتابه (التقاسيم والأنواع) على ترتيبٍ لا ينتفع به إلا من حفظه، ويصرّح ابن حبان بهذا المقصد في مقدّمة كتابه (٢) . وكتابه هذا خصّه بالصحيح المجرّد عنده، دالاًّ بذلك على أنه لم يخالف إلى ما نهى عنه من عدم تمييز الصحيح من السقيم.
وهذا الإمام الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) ، الذي به خُتِمَ معرفة العلل (كما يقول الإمام الذهبي) (٣) ، يتنزّه عن أحد أسباب تناقص علوم السنة في القرن الرابع، وهو العناية بعلم الكلام (٤) ، فيقول: ((ما في الدنيا شيءٌ أبغضُ إليّ من الكلام)) (٥) .
стр. 41
وهذا الإمام الرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) يؤلف كتابه الأصيل (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) ، لغرض مقاومة مظاهر النقص في زمنه، التي كانت سبباً لتشنيع خصوم المحدثين عليهم (١) .
وهذا الحاكم أبو عبد الله (ت ٤٠٥هـ) ، الذي يكاد يمثِّلُ آخر ذلك الجيل، يؤلف كتابه الجليل (معرفة علوم الحديث) لهذا الغرض أيضاً، حيث يقول في مقدّمته: ((أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قَلّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث)) (٢) .
стр. 42
إذن فذلك النقص في علوم السنّة خلال القرن الرابع لم يصل إلى درجة اندراس آثار ازدهاره في القرن الثالث، هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى: فهو لم يُفقد جميعَ علماء السنة في ذلك العصر شيئاً من أدوات الاجتهاد فيه، فلم يزل فيهم أئمةٌ مجتهدون في العلم به، ومن أهل النقد فيه: بتمييز صحيحه من سقيمه، وتعليل رواياته، وجرح وتعديل رواته (١) .
стр. 43
ومع ما ذكرناه آنفاً من أن تدرّج النقص، الذي هو سنةٌ لا تتخلّف في مثل هذه الأمور عادةً، يُلْزِمُ بأن لا نتصوَّرَهُ نقصاً يقضي على ملامح ازدهاره السابقة فجْأةً، وأنه لابُدّ من حفاظِه على كثيرٍ من خصائص العصر الذهبيّ للسنّة فإننا سَنُعَزِّزُ هذا المعنى من وَجْهٍ آخر.
فقد سبق أن قرّرنا بأن علماء الأمّة كانوا ينتقلون بالسنة من مرحلةٍ إلى مرحلة حَسَبَ ما كانت تبدو لهم حاجاتُ السنّة في عصرهم، وما هي مجالات خدمتها الضروريّة التي يجب أن يُبَادَرَ إلى القيام بها، وما هي الأخطار التي يُخشى على السنة منها في زمنهم ليُسارعوا إلى دَفْعِها.
وفي القرن الرابع: لاشك أن دواعي نقص حفظ الصدور قد ازدادت، بتدوين السنة كُلّها، مما يجعل الاعتماد على المكتوب أيسر وأقرب. كما أن زيادة طول الأسانيد وتشعُّبِها واختلافِ رواتها قد أدّى إلى تعسُّرِ الحفظ أيضاً. فاجتمع لنقص حفظ الصدور سببان: الاطمئنانُ على السنة بعدم ضياع شيءٍ منها، وصعوبةُ حفظها مع امتداد زمن الرواية. ولذلك فقد كان عدمُ الحفظ في الصدور هو الخَلَلَ الذي نصّ عليه ابن حبان، مما أرّخ لظهوره في طلبة العلم في زمنه.
ومع وجود هذا الخلل (نقصُ حفظ الصدور) إلاّ أنه لم يشمل أئمةَ النقد في هذا العصر، مع أنهم هُمْ أنفسهم واقعون تحت ضغط سَبَبَيْ نقص الحفظ الآنفَيْنِ. ذلك أن أئمة النقد هؤلاء قد عرفوا أن السنّة لم تزل في حاجةٍ إلى خدمة ضروريّة، تتمِّمُ خدمةَ علماء القرون السابقة، وهذه الخدمة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد في علوم الحديث، والتي من أهمِّها إحاطةُ حفظ الصدور بالمرويّات. ولذلك فقد استطاعوا أن يُقَاوموا سببَ نقصِ الحفظ، وأن يستمرّوا على نهج أسلافهم من أهل القرن الثالث فيه، بل أن يحاولوا مقاومةَ تلك الظاهرة في أهل جيلهم، كما سبق عن ابن حبان.
стр. 44
والاستدلالُ لصحّة هذا التقرير يحتاج إلى بيان ما هي تلك الضروريّات من وجوه الخدمة التي تستلزم الحفظَ الكاملَ في الصدور، وكانت هي سبب اكتمالِ آلاتِ الاجتهاد في أئمة النقد خلال القرن الرابع.
- ففي مجال تدوين السنة، الذي قرّرنا أنه قد اكتمل في القرن الثالث، لم يزل هناك مجالٌ لخدمته خدمةً مهمّة، وهي خدمةٌ لا يستطيع أن يقوم بها إلا الحفّاظ الكبار أصحاب الاطلاع الكامل على السنة وأسانيدها.
ذلك أن اكتمال تدوين السنة في مصنّفات متفرّقة ومدوّنات متعدّدةٍ كثيرة غير كافٍ وحده لتيسير الاطّلاع على تلك البحار المتلاطمة من الأسانيد والروايات، خاصةً تلك الأسانيد الغرائب والأحاديث الأفراد، التي هي ليست من الشهرة بحيث تتكرّر في كثير من المصنّفات، ليضمن الباحثُ بسبب شهرتها أنه سيطّلع عليها حتى لو فاته الوقوفُ على بعض مصنفات السنة، إذ إن بعضَ المصنفات سيكفي في تلك المشاهير عن بعضها الآخر. أمّا تلك الغرائب والأفراد، فيُخشى عليها (لقلّة انتشارها في المصنّفات) أن لا يَطّلعَ عليها المحتاجُ إليها، وأن يفوته الوقوفُ عليها في بعض ما لم ينظر فيه من مصنفات السنة الكثيرة.
ولهذا.. فإن اعتبارَ أبي داود أن الفخر في أحاديث كتابه أنها مشاهير، لأنّها كانت أولى ما يجب أن يُدوّنَ ويُجْمع في زمنه، لم يَعُدْ هو الفخر بعد أن دُوّنت تلك المشاهير. بل الفخر هو أن تُدَوّن الغرائب، لتتمَّ خدمة السنة، بضمّ الغرائب إلى المشاهير!
وهذا هو ما يُفسِّرُ ذلك الاهتمام البالغ لدى عموم حفّاظ القرن الرابع بهذا الصنّف من الروايات: الروايات الغرائب، التي هي مع العوالي (١) مادّةُ كتب الفوائد والأمالي التي انتشرت انتشاراً واسعاً في هذا القرن.
стр. 45
بل لقد قامت مؤلّفاتٌ ضخام لجمع تلك الغرائب، مثل: المعجم الأوسط للطبراني (ت ٣٦٠هـ) ، والغرائب والأفراد للدارقطني (ت ٣٨٥هـ) ، وهما أكبر كتب الغرائب وأجلّها مطلقاً.
بل حتى من عَمَدَ إلى التأليف على منهج كتب السنن، أي في جمع أحاديث الأحكام، لم يَعْمَد إلى جمع المشاهير كما فعل أبو داود، وإنّما عمد إلى جمع غرائب أحاديث الأحكام، كما فعل الإمام الدارقطني، في كتابه الجليل (السنن) (١) . وكأنه بذلك يُتمّمُ عمل أبي داود، ويؤلف كتاباً في الزوائد عليه (٢) .
إن حاجة السنة إلى إبراز الأسانيد الغرائب؛ لما لها من علاقة كبيرة في التعليل والجرح والتعديل، ولأنّ منها ما هو صحيح مقبول أيضاً (وإن كان أكثرها ليس كذلك) هذا هو الذي جعل علماء هذه المرحلة يسعون إلى القيام بهذه المهمة الشاقّة.
لكن الحكم بالغرابةِ والتفرُّدِ ليس أمراً مقدوراً عليه لعموم المحدّثين، فضلاً عمّن سواهم، بل هو من خصائص كبار حُفّاظ السنّة؛ لأنّ الحكم بالغرابة يتضمّن دعوى الاطلاع على السنة جميعها، فلا يقوم به إلا من كان أهلاً لمثل هذه الدعوى.
ولذلك قال محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) في مقدّمة كتابه: أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني: ((وأمّا الغريب والأفراد فلا يُمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث)) (٣)
стр. 46
وهذه الحاجة المُلْجِئةُ إلى استمرار حفظ الصدور، للقيام بهذه الخدمة للسنة، كانت إحدى دواعي استمرار ذلك الحفظ، الذي هو آلة الاجتهاد المطلق في نَقْدِ الحديث.
ولنَقْصِ هذه الآلة عند المتأخّرين منع ابنُ الصلاح المتأخرين من الاستقلال بالحكم على الحديث بالضعف، لمجرّد ضعف السند، لاحتمال وجود متابعةٍ لم يقفوا عليها؛ إلا إنْ حَكَمَ أحدُ أئمة الحديث بغرابة ذلك السند (١) .
بل يُصرّح السيوطي بالمسألة نصًّا عليها، فيقول متحدّثاً عن المتأخرين: ((وينبغي التوقُّفُ عن الحكم بالفرديّة والغرابة؛ لاحتمالِ طريقٍ آخر لم يقف عليه، وعن العِزّة أكثر؛ لضيق شرطها)) (٢) .
إذن فحاجة تمييز الغرائب، التي لا يقوم بها إلا حُفّاظ الصدور الحفظَ الواسع كانت هي إحدى أسباب استمرار علماء القرن الرابع على أن تبقى آلةُ الاجتهادِ في الحديث مكتملةً فيهم.
- وفي مجال نقد الحديث: لئن ورث هذا القرنُ منهجاً مكتملاً في النقد، إلا أن هذا المنهج المكتمل في القرن الثالث، لم توجد مصنّفاتٌ تستوعبُ كُلّ أحكامه على الأحاديث والرواة.
فمثلاً: قمةُ المنهج النقدي، التي هي تمييز الصحيح من السقيم، هل استوعبت جميعَ الأحاديث الصحيحة في مدوّنات القرن الثالث؟ لاشكَّ أنها ليست كذلك. وليس أدلّ على ذلك ممّا جاء في اسم كتابي البخاري ومسلم، وهما أجلّ ما أُلف في الصحيح خلال القرن الثالث، من تسميتهما بـ (المختصر) (٣)
стр. 47
إذن فهناك أمرٌ ضروريٌّ يجبُ أن يقومَ به علماءُ القرن الرابع، وهو تكميلُ جهود السابقين في تجريد الحديث الصحيح، بعد كتابي البخاري ومسلم.
وكما سبق، فإن الحكم على الحديث بالصحّة (١) هو في الحقيقة قمّةُ الميزان النقدي، وخلاصةُ العلمِ به وبجميع فنونه. ولذلك فهو حقٌّ موقوفٌ على أهل الاجتهاد المطلق في الحديث، لا يُمكن لغيرهم أن يقتربوا من هذه الغاية.
وقد عرفنا أن حفظَ الصدور الحفظَ المحيطَ هو أوّل آلات الاجتهاد المطلق في السنّة، وما دام الاجتهادُ المطلق هو الذي سيتيحُ لعلماء القرن الرابع أن يقوموا بذلك الواجب الضروري، وهو تجريد الصحيح فلن يعجزوا عن بلوغ هذه الرتبة، ولن يتأخروا عن طلب تحصيلها، ليؤدُّوا الأمانةَ التي في أعناقهم للأمة من بعدهم.
وقد صرَّح ابنُ حبان بهذه الخدمة الضروريّة في زمنه، وبالداء الذي ظهر في بعض طلبة الحديث في زمنه ممّا لا يُمكنّهم من القيام بتلك الخدمة، ألا وهو عدمُ الحفظ والعلم (٢) ، عندما قال عن طلبة الحديث: ((فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثر هِمّتهم الكتابةُ والجمع، دون الحفظِ والعلمِ به وتمييزِ الصحيح من السقيم)) (٣) .
стр. 48
وها هو ابن حبان يكون أحد من يؤلف في الصحيح، واضعاً نُصْبَ عينيه الحرصَ على زيادة عدد الصحيح (١) ، ومرتّباً لكتابه على طريقةٍ لا ينتفع بها إلا من حفظه (كما سبق) ، ليقاومَ (من جهة أخرى) ذلك الخلل في منهج التعلُّمِ في زمنه (٢) .
بل هذا الحاكم، يَقْصدُ إلى هذا الغرض صراحةً، عندما يؤلف كتابه (المستدرك على الصحيحين) .
إذن فحاجة السنة إلى تمييز الصحيح، كانت سبباً آخر في استمرار اكتمالِ آلة الاجتهاد عند علماء القرن الرابع.
ومن هذه الحاجة إلى حاجة أخرى، لا تَقِلُّ في ضروريّتها عن تمييز الصحيح، ولا في كونها حقًّا موقوفاً على أهل الاجتهاد المطلق، وهي: بيان علل الأحاديث.
ولا أظنني في حاجةٍ إلى التأكيد على أن علم العلل هو كهانةُ علم الحديث عند الجُهّال أمثالنا، وأنَّى لي أن أحتاج إلى ذلك مع تقرير عامّة المتأخرين لذلك.
وإن علماً هذه مكانته، لاشك أن أوّل آلات الاجتهاد فيه هي الحفظ الواسع.
وبَعْدُ.. فهل هناك من شك أن أجلّ ما بلغنا من كتب العلل هو كتاب العلل للدارقطني (ت ٣٨٥هـ) .
يقول الحُميدي (ت ٤٨٨هـ) : ((ثلاثةُ كتبٍ من علوم الحديث يجب التّهمُّمُ بها: كتاب العلل، وأحسن كتابٍ وُضع فيه كتاب الدارقطني)) (٣) .
стр. 49
وقال ابن كثير، بعد أن ذكر عدداً من كتب العلل:» وقد جمع أزمّة ما ذكرناه كُلَّه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجلّ كتاب، بل أجلّ ما رأيناه وُضع في هذا الفنّ، لم يُسبق إلى مثله، وقد أعجز من يُريد أن يأتي بشكله، فرحمه الله وأكرمَ مثواه)) (١) .
والعجبُ الذي لا ينتهي أن الدارقطني أملى هذا الكتابَ حفظاً (٢) !!!
ولذلك حُقّ للذهبي أن يقول، بعد ذكره إملاءَ الدارقطني لكتاب العلل:» فمن أراد أن يعرف قَدْرَ ذلك، فَلْيُطالعْ كتاب العلل للدارقطني، ليعرفَ كيف كان الحُفّاظ؟!)) (٣) . وقال في موطن آخر: ((إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلّت عليه هذه الحكاية، فهذا أمرٌ عظيم، يُقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا ... )) (٤) .
فمن يستطيع بعد ذلك أن يدّعي أنّ الدارقطني ليس من أهل الاجتهاد المطلق في علوم الحديث؟!!
ومن يستطيع بعده أن يظن بأن القرن الرابع لم يكن من عصور أهل النقد والاصطلاح الحديثي، الذين هم أهل الفنّ مِمّن يُحْتكمُ إليهم؟!!
ولا أنسى في غمرة هذه الحُجَج الباهرة، أن أُذَكِّرَ بعالمٍ آخر، يكفي أن أُسمِّيَهُ وكتابَهُ، لِنَضُمَّهُ إلى أهل الاجتهاد المطلق في علم الحديث خلال القرن الرابع. ألا وهو أبو أحمد ابن عدي (ت ٣٦٥) ، وكتابه (الكامل في ضعفاء المحدثين وعلل الحديث) .
стр. 50
ولقد كان يكفي لبيان أن القرن الرابع من عصور أهل الاصطلاح والنقد الحديثي أن أُسمّيَ أولئك النقادَ فقط! (١)
وبذلك نخلص إلى أنّ اكتمال تدوين السنة واكتمال منهجها النقدي في القرن الثالث، لا يعني انقضاءَ زمنِ أئمةِ الاجتهاد المطلق فيه، بل لقد استمرَّ ذلك خلال القرن الرابع. فقد بيّنّا ذلك واقعاً، واستدلالاً لسبب وقوعه.
المرحلة السابعة: وهي القرن الخامس فما بعده.
لقد انتهينا آنفاً إلى أن علوم السنة ابتدأت في التناقص مع نهاية القرن الثالث وبداية الرابع، وحيث إن هذا التناقص كان تدريجيًّا، وحيث إنه لم تزل هناك مَنَاحٍ لخدمة السنة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد المطلق فقد استمرّ هذا القرن مستمسكاً بخصائص القرن السابق له، ولذلك فقد كان من علماء القرن الرابع من كانوا أهلَ اجتهاد مطلق، وألّفوا في أصول العلم وفروعه مصنفاتٍ هي عمدةٌ في بابها لمن أراد أن يتعلّم علومَ السنة.
لكن ذلك التناقص في علم السنّة الذي ابتدأ من أول القرن الرابع متدرّجاً، لم يصل إلى بداية القرن الخامس حتى اتّضحت ملامحه، وقويت أسبابه، وانتشرت دائرةُ أثره، فلم يكد ينجو منه أحد. وهذه هي سُنّة العلوم، كما هو معلوم.
стр. 51
فلقد بدأ القرن الخامس وقد بَلَغَ طولُ الأسانيد وتشعُّبُها واختلافُ رواتها مبلغاً هائلاً، ووافق ذلك أن السنّة كُلّها قد دُوِّنت قبل القرن الخامس بقرنٍ من الزمان، ثمّ جاءت مصنّفات القرن الرابع لتقرّبَ قَصِيّ السنّة وتُيَسِّرَ عسيرها، وانضاف إلى ذلك أن أحكام أئمة النقد خلال القرن الرابع فما قبله كانت من الثراء والضخامة إلى درجة الإشعار بالكفاية والغَنَاء (١) فكيف لا يتناقص الحفظ للسنّة في هذا القرن ذلك النقصَ الكبير؟!! بعد وجود أسبابه على أكمل صورة!!
وقد علمنا أن حفظَ الصدور لأسانيد السنّة واختلافِ طرقها هو أوّل أدوات الاجتهاد المطلق في السنّة، فإذا لم يتحقق ذلك الحفظ الواسع عند أحدٍ من أهل العلم أو في أهل جيل منهم، لم يكن أولئك العلماء من أهل الاجتهاد المطلق فيه.
وبناءً على هذا التقرير فإن القرن الخامس ليس من عصور أهل الاجتهاد المطلق في السنة، هذا ما يُمليه علينا التاريخ العلمي للسنّة وعلومها، دون مزايدةٍ على مسألة إجلال أهل العلم ومعرفة أقدارهم.
стр. 52
ونحن نسأل من يأبى إلا المزايدة على تلك المسألة: هل استمرّ الاجتهاد المطلق في علوم السنّة إلى اليوم؟ أم انتهى عند عصر من العصور. فإن قال إنه مُستمرٌّ إلى اليوم، سألناه عن آلات الاجتهاد المطلق، وهل تحقّقت في أحدٍ من أهل هذا العصر، بل فيمن قبلهم بقرون؟!!! وإن قال إنه ينتهي في العصر الفلاني أو الفلاني، قلنا له: ولمَ لا يكون قبله أو بعده؟ أرّخْ لنا علوم السنة مبيّناً لنا كيف قُلتَ بهذا القول، ثمّ يُمكن لغيرك أن يرفع عليك عصاً كنتَ قد رفعتها على من سواك، هي المزايدة على إجلال العلماء وتقديرهم ممّن جاؤوا بعد العصر الذي اخترته.
إن اعتبار علماء القرن الخامس ممن نقصت فيهم أهليّة الاجتهاد في علوم السنة عن درجة الاجتهاد المطلق ليس رأياً مبتدعاً، ولا هو بالقول العريّ عن الدليل، فقد سبق الاستدلال له، وسيأتي مزيد تقرير له. وأمّا كونه ليس رأياً مبتدعاً، فقد سبق إليه عالمٌ كبير، حيث ذكر رأيه في هذه المسألة، واختلفت فُهُوم العلماء لها. أعني ابن الصلاح ﵀ ورأيه في مسألة التصحيح والتضعيف لأهل الأعصار المتأخّرة.
ولن أدخل غمار هذه المسألة هنا، ولكني أريد أن أقرّر تقسيم ابن الصلاح كما يراه هو.
فلقد قسّم ابن الصلاح العلماء إلى قسمين مختلفي الأعصار: فعلماء الأعصار الأولى هم الذين يحق لهم الاستقلال بالحكم على الأحاديث (أسانيد ومتوناً) ؛ لاكتمال آلة الاجتهاد فيهم. وعلماء الأمصار المتأخّرة هم الذين لا يحق لهم ذلك الاستقلال بالحكم؛ لنقص أهليتهم عن هذه الرتبة (١) .
ولا أُريد هنا مناقشة هذا الرأي، تأييداً أو ردًّا، ولكني أريد أن أستثمره في معرفة الحدّ الذي اعتبره ابن الصلاح بداية الأعصار المتأخّرة التي لا يحق لعلمائها الاستقلال بالحكم على الحديث لنقص أهليّتهم.
стр. 53
وقد كتبتُ بحثاً في ذلك، وهو في طوره للنشر. لكني أختصره هنا ذاكراً نتيجة ذلك البحث ودليلَه بإيجاز.
لقد ذهب ابن الصلاح إلى أن القرن الرابع فما قبله هو من عصور أهل الاجتهاد المطلق، وأمّا القرن الخامس فهو من العصور المتأخّرة التي نقصت أهليّة علمائه عن بلوغ تلك الرتبة.
والدليل على أن ابن الصلاح قد حدّد هذا التحديد أمران:
الأول: أن ابن الصلاح لمّا ذكر العلماءَ الذين يُعتمد على أحكامهم في التصحيح، ذكر علماء من القرن الثالث والرابع، فكان ممن ذكرهم من القرن الرابع: ابن حبان (ت ٣٥٤هـ) ، والدارقطني (ت ٣٨٥هـ) ، وجاء آخرهم الحاكم (ت ٤٠٥هـ) (١) . ولم يذكر ابنُ الصلاح أحداً بعد الحاكم، بل كان ذِكْرُهُ للحاكم وانتقاده له بالتساهل في التصحيح يدل على أنه عنده يمثِّلُ آخر المرحلة التي هو منها، وكأنّه آخر الموجة التي تكسّرت على أسوار القرن الخامس الهجري!
الدليل الثاني: أنّ ابن الصلاح ربط هذا التقسيم وعَلّله بتحقُّقِ صفات، هي تدوين السنّة الذي أدّى إلى نقص الحفظ، ذلك التدوين الذي لم يُبْقِ لأسانيد المتأخرين إلى دواوين السنّة دوراً في إثبات النقل، وإنما هي رمزٌ وخصيصةٌ للأمّة المحمّديّة، يُحرص على أن لا تزول. ولذلك فإنه يُتساهَل مع رواة الأعصار المتأخّرة، اكتفاءً منهم بحفظ تلك الخصيصة الإسناديّة (٢) .
وبذلك يعتبر ابنُ الصلاح أن العصر الذي تتحقق فيه تلك الصفات هو عصر عدم الاستقلال بالحكم على الحديث؛ لنقص أهليّة علمائه عن ذلك.
وبعد أن قرّر ابنُ الصلاح هذا الأمر، أورد كلاماً للبيهقي (ت٤٥٨هـ) ، يذكر فيه البيهقي أن عصره قد تحقّقت فيه تلك الصفات (٣) .
стр. 54
إذن فعصر البيهقي، والبيهقي نفسه، ليس من أهل الاستقلال بالحكم على الحديث عند ابن الصلاح، لعدم كمال الأهليّة.
ولا يُمكن أن يكون ابن الصلاح قد أخرج القرن الرابع إلى هذا الحدّ الممنوع أصحابُهُ عن الاستقلال بالحكم على الحديث؛ لأنّه صرّح بقبول ذلك الاستقلال من بعض أعيانه، كما سبق.
والبيهقي عَلَمٌ من أعلام النصف الأول من القرن الخامس.
والنتيجة: هي ما سبق أن ذكرناه، من أن القرن الخامس عند ابن الصلاح ليس من عصور علماء الاجتهاد المطلق في السنة!!
وبذلك يتّضح أن ذلك الحدّ الذي تبنّيتُه ليس حدًّا مبتدعاً، فهو قولٌ لإمام معتبر، والدليل يؤيّده، ولا أعرف لغيره دليلاً!!
وتالله إن الأمر ليس في حاجةٍ إلى استدلالٍ له بالسبق إليه من عالم، بعد ذلك التوضيح التاريخي!
ثم ألا يكفي اعتراف أهل القرن الخامس أنّهم ليسوا سوى متّبعين لعلماء السنّة الأول، مترجمين لمعاني مصطلحاتهم في علمهم، ومقرّرين لقواعده عندهم!!
وقد سبق كلامُ البيهقي في ذلك، الذي يقول في آخره: ((حتى ترك أوائلُ هذه الأمّة أواخرها - بحمد الله - على الواضحة، فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلهم، واقتدى بهم صار على بيّنةٍ من دينه)) (١) .
ويصرّح الخطيب بذلك في مقدّمة كتابه (الكفاية) (٢) ، ويرثي علم الحديث في عصره في كتابه (الجامع) ، ويقول خلال ذلك عن علماء الحديث:
وقد كنّا نعدهم قليلا......فقد صاروا أقل من القليل (٣)
أمّا بعد القرن الخامس: فالأمر فيه واضحٌ، والاستدلال له أكثر من أن يستوعبه هذا المقال المختصر. لكني أكتفي بنقل كلامٍ لعالمين كبيرين، أحدهما من القرن السادس، والثاني من القرن الثامن.
стр. 55
أمّا الأول فهو ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) ، حيث ذكر في كتابه (الموضوعات) تعليلاتٍ خفيّةً من كلام أبي عبد الله الحاكم، ثم قال: ((فإن قويَ نظرُك ورسخت في هذا العلم فَهِمْتَ مثل هذا، وإن ضَعُفْتَ، فَسَلْ عنه. وإن كان قد قَلَّ من يَفْهمُ هذا، بل عُدِم)) (١) .
وأمّا الثاني فهو الذهبي (ت ٧٤٨هـ) ، فقد قال وهو يؤرّخ للقرن الثالث الهجري ولمن فيه من علماء الحديث: ((وخلقٌ كثيرٌ لا يحضرني ذكرهم، ربما كان يجتمعُ في الرحلة منهم المئتان والثلاثمائة بالبلد الواحد، فأقلّهم معرفةً كأحفظ من في عصرنا)) (٢) .
ويقول الذهبي أيضاً في موطن آخر: ((ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة، ولم يزل يتناقص إلى اليوم. فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدّثين على قِلّتهم نظيرُ صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم. وكم من رجل مشهورٍ بالفقه والرأي في الزمن القديم أفضل في الحديث من المتأخرين، وكم من رجل من متكلّمي القدماء أعرف بالأثر من سُنّيّة زماننا)) (٣) .
ويقول في موطن ثالث: ((وليس في كبار محدّثي زماننا أحدٌ يبلغ رُتبة أولئك في المعرفة ... (إلى أن قال في الردّ على من لمزَ متقدّمي المحدثين بنقص الفقه) : فاسكت بحلم أو انطق بعلم، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء. ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدّثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل ... )) (٤) .
وأقف هنا، ولولا ضيق الوقت لاتّسع المقال.
ولكن فيما تقدّم كفاية.
الخاتمة:
стр. 56
إن من أعظم أسباب صعوبة علوم الحديث، ومن أشدّ أسباب غموض فنونه هو ذلك الاختلاف الكبير في مصطلحاته وفي بعض قواعده. ولذلك كان من المهمّ أن يَتقلّصَ هذا الاختلافُ قَدْر المستطاع؛ لأن الاختلاف في القاعدة يؤدّي إلى اختلاف في عددٍ كبير من المسائل الجزئيّة التي تنبني عليها؛ ولأن الاختلاف في تفسير المصطلحات سيُغيّرُ فَهْمَنا لكلام العلماء وأحكامهم، وبالتالي سيؤول إلى الاختلاف في التقعيد أيضاً.
وكان تقليصُ هذا الاختلاف سهلاً لو كان الاختلافُ غيرَ منهجي كُلَّه، أي لو كان الاختلاف نشأ مع اتّحادِ منهج البحث والدراسة، وأنه إنما نشأ بسبب عدم الاطلاع على بعض أدلّة البحث وعدم ملاحظة جميع معطياته. حيث إن الاجتهاد المتّفِقَ في المنهج المختلِفَ في النتائج، زوالُ الاختلاف فيه يكون باستكمال البحث في أدلّة المسألة المختلف فيها. أمّا الاختلاف المنهجي، فلا علاقة له بالاطلاع على الأدلّة أو عدم الاطلاع عليها، وإنما هو متعلّقٌ بأصول الدراسة ومَنْحَى التأمُّل والنظر.
والواقع: أن الاختلاف في علوم الحديث منه ما هو اختلافٌ جزئي، ومنه ما هو اختلافٌ منهجيّ. والذي يعنينا هو الاختلاف المنهجي؛ لأهميته، ولخطورته.
لقد جاءت هذه المقالة لبيان مسألةٍ مهمّة في سبيل تصحيح ذلك الخطأ المنهجي، وقبل بيان الأمر الذي عالجه هذا المقال، أودّ توضيح ذلك الخطأ المنهجي الذي نتحدّث عنه:
стр. 57
لقد تحدّثت عن طرف مهمّ من هذا الخطأ المنهجي في كتابي المنهج المقترح، وذلك بما أسميته بـ (فكرة تطوير المصطلحات) ، وهي تقرير معانٍ لمصطلحات الحديث غيرِ معانيها عند أهل الاصطلاح، مع العلم بهذا التغاير، ثم التعامل مع كلام أهل الاصطلاح وفق هذا المعنى الجديد ومحاكمتهم إليه (١) .
لقد أباح بعضُ أهل العلم لنفسه أن يقع في هذا الخطأ الكبير، الذي هو في واضحِ حقيقته مشاحّةٌ في الاصطلاح، لا وَجْه لها. وهو في خافي حقيقته منازعةٌ لأهل الاصطلاح ممن ليس من أهله فيما ينازعهم فيه. ذلك أن الذي يأتي إلى علم مكتملِ القواعد والأصول، مُقرَّرٍ بألفاظٍ وتعابير اصطلاحيّةٍ سابقةٍ له، كان ينبغي عليه أن يأخذ هذا العلمَ كما هو عن أهله، ولا داعي إلى تغيير مصطلحاته (٢)
стр. 58
؛ لأن ذلك لا فائدة فيه، ما دامت مصطلحاته القديمة قد قامت بخدمة ذلك العلم، وقد دُوّنت أصول العلم وأمهات كتبه عليها. بل ذلك التغيير سيؤدّي إلى تعسُّرِ ذلك العلم بتعدُّد معاني ألفاظه، وربّما أدّى إلى فَهْمِ كلام السابقين وَفْق اصطلاح اللاحقين (كما وقع بالفعل) ، بل ربما أدّى ذلك إلى محاكمة السابقين وتخطيئهم وفق ذلك الاصطلاح الحادث (وهذا قد وقع أيضاً) ، ثم يؤدّي ذلك إلى تقرير قواعد العلم بناءً على ذلك الفهم الخطأ لكلام الأئمة النقاد. وإذا افترضنا أن شيئاً من هذه المحاذير لم يقع، سوى أنّ أحدهم اقترح معاني جديدةً لمصطلحات قديمة، مبيّناً صراحةً أنّها اصطلاحاتٌ خاصّةٌ به، لا علاقةَ لها بغيره؛ فإنني أعود لأسأل: إذا أبحنا لأحدٍ فِعْلَ ذلك، فبأي حق أمنع غيره منه؟! وإذا لم أمنع غيره، فتعدّدت معاني المصطلحات الخاصّة في ذلك العلم بتعدُّد الكاتبين فيه، فلك أن تتصوّر التعسُّر بل التعذُّرَ في تعلُّم ذلك العلم الذي سيحدث جرّاءَ تلك المعاني المختلفةِ المتباينةِ في علمٍ واحد.
أعود لأقول: إن العلم المكتمل القواعد والأصول، المقرَّرَ بألفاظٍ وتعابير اصطلاحيّة: لا يحق لأحدٍ أن يحاول تأصيلَ غير ما اكتمل من قواعده، ولا أن يُقَرِّرَهُ بغير اصطلاحاته التي تقرَّرَ عليها من قَبْل؛ لأنّ في فعل شيءٍ من هاذين الأمرين إضاعةً لذلك العلم وتدميراً له!!!
إذن فالعلم الذي اكتملت قواعده وأصوله من قبل، ينبغي أن يكون سبيل تعلُّمِه بالرجوع إلى ما سُبقنا إليه من تقرير تلك القواعد والأصول؛ لأن في الخروج عنها خروجاً عن الكمال، والخروج عن الكمال نقص.
стр. 59
ثم إن العلم الذي قُرّرت قواعدُهُ المكتملةُ باصطلاحات معيّنة، ينبغي أن نحرص على فَهْمِ مصطلحاته (التي سُبقنا إلى تقرير قواعده بها) على ما كانت عليه، حتى يتسنّى لي فَهْمُ تلك القواعد وفهم ذلك العلم؛ وإلا فلن أفهم تلك القواعد فهماً صحيحاً إن فهمت كلام من أكملوا ذلك العلم بتلك الألفاظ والتعابير على غير مقاصدهم منها، وإن شرحت مصطلحاتهم بخلاف مرادهم منها.
وهذا التقرير يعني: أن هناك مَنْ ينبغي أن يُلْتَزَمَ بتأصيلهم لقواعد العلم، وينبغي أن لا نخرج عن مقاصدهم من مصطلحاتهم ليُفهم عنهم ذلك العلم. وهذا يعني أن هناك من يُحتكمُ إليهم في تصويب تنظير على تنظير ممن جاؤوا بعدهم، وأنّ هؤلاء المتأخّرين إذا خالف أحدُهم في معنى مصطلح من مصطلحاتهم قُضيَ عليه بالخطأ لمجرّد أنه خالفهم.
ومن هنا تتبيّن الأهميّة القصوى لمعرفة من هُمْ أولئك العلماء الذين هم الحَكَمُ في معرفة الصواب والخطأ؛ ولمَ كانوا هُمْ - دون مَنْ سواهم - أصحابَ هذه المنزلة؟.
لقد جاء هذا البحث جواباً عن هذا السؤال الجوهري، واستدلالاً لصحّة هذا الجواب.
وبعد هذا العرض أسأل، وأترك الجواب للمنصفين:
١ - من هم الذين أسسوا علوم السنّة، وبنوا صَرْحها، حتى بلغت حدَّ الاكتمال؟
٢ - من هم الذين لم يتركوا لمن جاء بعدهم مجالاً للزيادة في تقعيد علمهم، فلم يَعُدْ بإمكان الذين تأخروا عنهم أن يضيفوا إلى تقعيدهم المكتملِ شيئاً، ولم يَبْقَ عليهم إلا واجب الحفاظ على ذلك العلم العظيم؟
٣ - من هم أصحاب الاجتهاد المطلق في ذلك العلم، وعندهم الأهليّة العلميّة الكاملة للكلام في أصول مسائله كلِّها وفي فروعها؟ بخلاف من سواهم، ممن يلزمهم تقليدُ أولئك في بعض أهمّ مسائل العلم، وقد صَرّحوا كثيراً بهذا الالتزام؛ لنقصان أهليتهم العلميّة عن رتبة الاجتهاد المطلق في هذا العلم.
стр. 60
٤ - من هُمْ الذين صنّفوا في أصول العلم وفروعه، فكانت مصنفاتهم هي عمدة من جاء بعدهم؟ حتى إنّه لا يَتَمايزُ الذين جاؤوا من بعدهم إلا بَقَدْر اغترافهم من تلك المصادر الأولى، فهي المورد الذي يصدر عنه كل المتأخرين، وعلى قدر عَبِّهم منه يتفاضلون.
٥ - من هم الذين لا سبيل لنا إلى العلم بعلوم السنة إلا إن عرفنا منهجهم، وتفقّهنا في كلامهم، وفهمنا مآخذَ أحكامهم، وأدركنا مقاصدهم في اصطلاحاتهم؟ ومن هُمْ الذين إذا لم نعرف منهجهم ولم نفقه كلامهم، ولم نفهم مآخذ أحكامهم، ولم ندرك معاني مصطلحاتهم كانت علوم السنة علينا أبعد لها من طالب لها بعلم الفلك أو الطب؟!!
٦ - من هم الذين إذا اختلف المُصَنّفُون في علوم الحديث ومصطلحه، في تقرير قاعدةٍ من قواعده، أو في تفسير مصطلح من مصطلحاته، كانت أقوالُهم وتصرّفاتُهم هي المُحْتَكَمَ إليها والمُسْتَدَلَّ بها في تصويب تقرير على تقرير وفي ترجيح تفسير على تفسير؟ (١)
стр. 61
٧ - وأخيراً: من هم الذين يُمْتَدَحُ مَنْ سار على طريقتهم في علوم السنة، ويُذَمُّ ويُنْتَقَدُ من خالف طريقتهم؟
الجواب عن ذلك كلّه معلوم.
وهؤلاء هم أهل الاصطلاح والنقد، الذين ندعو إلى الرجوع إليهم.
هذا.. والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
فهرسة المصادر
ـ أدب الإملاء والاستملاء: للسمعاني. ت: أحمد محمد عبد الرحمن. الطبعة الأولى. المطبعة المحموديّة.
ـ أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني: لابن طاهر المقدسي. ت: محمود محمد نصار، والسيد يوسف. الطبعة الأولى (١٤١٩هـ) . دار الكتب العلمية: بيروت.
ـ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: لابن بَلَبان الفارسي. ت: شعيب الأرناؤوط. الطبعة الأولى (١٤١٢هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
ـ الإرشاد (منتخبه) : للخليلي. ت: د. محمد سعيد بن عمر إدريس. الطبعة الأولى (١٤٠٩هـ) . مكتبة الرشد: الرياض.
ـ اختصار علوم الحديث: لابن كثير. (مع شرحه: الباعث الحثيث: لأحمد محمد شاكر) . ت: علي حسن عبد الحميد. الطبعة الأولى (١٤١٥هـ) . دار العاصمة: الرياض.
ـ البحر الذي زخر: للسيوطي. ت: د. أنيس بن أحمد. الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ) . مكتبة الغرباء الأثريّة، المدينة المنورة.
ـ تاريخ الإسلام: للذهبي. ت: عمر عبد السلام تدمري. دار الكتاب العربي: بيروت.
ـ التاريخ عن يحيى بن معين: للدوري. ت: د. أحمد محمد نور سيف. الطبعة الأولى (١٣٩٩هـ) . جامعة الملك عبد العزيز، كلية الشريعة: مكة المكرمة.
ـ تدريب الراوي: للسيوطي. ت: نظر محمد الفريابي. الطبعة الثالثة (١٤١٧هـ) . مكتبة الكوثر: الرياض.
ـ تذكرة الحفاظ: للذهبي. تصوير دار إحياء التراث العربي: بيروت.
ـ تقييد العلم: للخطيب. ت: يوسف العش. الطبعة الثانية (١٩٧٤م) . تصوير: دار إحياء السنة النبوية.
ـ ثبت الضياء المقدسي. ت: د. محمد مطيع الحافظ. الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ) . دار البشائر الإسلامية: بيروت.
стр. 62
ـ جامع الأصول: لابن الأثير. ت: عبد القادر الأرناؤوط. الطبعة الأولى (١٣٨٩هـ) . مكتبة الحلواني، والملاح، ودار البيان: بيروت.
ـ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب. ت: د. محمد عجاج الخطيب. الطبعة الأولى (١٤١٢هـ) . مؤسسة الرسالة: بيروت.
ـ الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم. الطبعة الأولى (ت ١٣٧١هـ) . مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية.
ـ دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه: د. محمد مصطفى الأعظمي. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) . المكتب الإسلامي: بيروت.
ـ ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: للذهبي. ت: عبد الفتاح أبو غدّة. الطبعة الخامسة (١٤١٠هـ) . مكتب المطبوعات الإسلامية: حلب.
ـ ذمّ الكلام وأهله: لأبي إسماعيل الهروي. ت: عبد الله بن محمد الأنصاري. الطبعة الأولى (١٤١٩هـ) . مكتبة الغرباء: المدينة المنورة.
ـ الرحلة في طلب الحديث: للخطيب. ت: د. نور الدين عتر. الطبعة الأولى (١٣٩٥هـ) .
ـ رسالة أبي داود إلى أهل مكة. ت: عبد الفتاح أبو غُدّة. الطبعة الأولى (١٤١٧هـ) . مكتبة المطبوعات الإسلامية: حلب.
ـ زغل العلم: للذهبي. ت: محمد بن ناصر العجمي. الطبعة الأولى. مكتبة الصحوة الإسلامية.
ـ الزهد: لعبد الله بن المبارك. ت: حبيب الرحمن الأعظمي. دار الكتب العلميّة: بيروت.
ـ السنة النبويّة وبيان مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني: لعبد الفتاح أبو غدة. الطبعة الأولى (١٤١٢هـ) . مكتب المطبوعات الإسلامية: حلب.
ـ سير أعلام النبلاء: للذهبي. ت: شعيب الأرناؤوط، وجماعة. الطبعة الثانية (١٤٠٤هـ) .
ـ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: للالكائي. ت: د. أحمد بن سعد بن حمدان. الطبعة الثالثة (١٤١٥هـ) . دار طيبة: الرياض.
ـ شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى: لأبي شامة المقدسي. ت: جمال عزون. الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ) . مكتبة العمرين العلمية: الشارقة.
стр. 63
ـ شرح علل الترمذي: لابن رجب. ت: نور الدين عتر. الطبعة الرابعة (١٤٢١هـ) . دار العطاء: الرياض.
ـ شروط الأئمة: لابن منده. ت: د. عبد الرحمن الفريوائي. الطبعة الأولى (١٤١٦هـ) . دار المسلم: الرياض.
ـ صحائف الصحابة: لأحمد عبد الرحمن الصويان. الطبعة الأولى (١٤١٠هـ) .
ـ صحيح البخاري. الطبعة الأولى (١٤١٧هـ) . دار السلام: الرياض.
ـ صحيح مسلم. ت: محمد فؤاد عبد الباقي. الطبعة الأولى.
ـ الصناعة الحديثيّة في السنن الكبرى للبيهقي: د. نجم عبد الرحمن خلف. الطبعة الأولى (١٤١٢هـ) . دار الوفاء: المنصورة.
ـ العلل: للدارقطني. ت: د. محفوظ الرحمن زين الله. الطبعة الأولى. دار طيبة: الرياض.
ـ العلل الكبير: للترمذي. ت: حمزة ديب مصطفى. الطبعة الأولى (١٤٠٦هـ) . مكتبة الأقصى: عمّان.
ـ علوم الحديث: لابن الصلاح. ت: نور الدين عتر. الطبعة الثالثة (١٤٠٤هـ) . دار الفكر: دمشق.
ـ عناية المحدثين بتوثيق المرويات وأثر ذلك في تحقيق المرويات: د. أحمد محمد نور سيف. الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ) . دار المأمون: دمشق.
ـ الكفاية: للخطيب. ت: أحمد عمر هاشم. الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) . دار الكتاب العربي: بيروت.
ـ المجروحين: لابن حبان. ت: محمود إبراهيم زايد.
ـ المحدث الفاصل: للرامهرمزي. ت: د. محمد عجاج الخطيب. الطبعة الثالثة (١٤٠٤هـ) . دار الفكر: بيروت.
ـ المدخل إلى السنن الكبرى: للبيهقي. ت: محمد ضياء الرحمن الأعظمي. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي: الكويت.
ـ المدخل إلى كتاب الإكليل: للحاكم. ت: د. فؤاد عبد المنعم أحمد. دار الدعوة: الإسكندريّة.
ـ معالم السنن: للخطابي. ت: أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد فقي. الطبعة الأولى (١٤٠٠هـ) . دار المعرفة: بيروت.
ـ معرفة علوم الحديث: للحاكم. ت: السيد معظّم حسين.
ـ المعرفة والتاريخ: للفسوي. ت: د. أكرم العمري. الطبعة الأولى (١٤١٠هـ) . مكتبة الدار: المدينة المنورة.
стр. 64
ـ الموضوعات: لابن الجوزي. ت: د. نور الدين بن شكري. الطبعة الأولى (١٤١٨هـ) . أضواء السلف: الرياض.
ـ الموقظة: للذهبي. ت: عبد الفتاح أبو غدّة. الطبعة الثانية (١٤١٢هـ) . مكتب المطبوعات الإسلامية: حلب.
ـ نظم الفرائد لما تضمّنه حديث ذي اليدين من الفوائد: للعلائي. ت: بدر البدر. الطبعة الأولى (١٤١٦هـ) . دار ابن الجوزي: الدمام.
ـ النكت على كتاب ابن الصلاح: لابن حجر. ت: ربيع المدخلي. الطبعة الأولى (١٤٠٤هـ) . الجامعة الإسلامية: المدينة المنورة.
ـ هدي الساري: لابن حجر. دار الريّان: القاهرة.
ـ يتيمة الدهر: للثعالبي. ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. الطبعة الأولى (١٣٦٦هـ) . تصوير دار الكتب العلمية: بيروت.
стр. 65
الرياض البديعة
في أصول الدين وبعض فروع الشريعة
على مذهب الإمام الشافعي
﵁
للشيخ الفاضل محمد حسب الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(أما بعد) فهذا مختصر في أصول الدين وجملة من فروعه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ سميته: (الرياض البديعة) في أصول الدين وبعض فروع الشريعة، راجياً من الله أن ينفع به طلبة العلم لا سيما المبتدئين وأن يوجه إليه رغبة الراغبين.
اعلم أنه يجب على كل شخص من المكلفين ولو كان رقيقاً أن يعرف أركان الإسلام والإيمان. فأركان الإسلام خمسة: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت الحرام إن استطعت إليه سبيلاً.
وأركان الإيمان ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ويجب عليه أيضاً أن يعرف عقائد الإيمان وهي الصفات الواجبة لله تعالى والمستحيلة عليه والجائزة في حقه والصفات الواجبة للرسل عليهم الصلاة والسلام. والمستحيلة عليهم والجائزة في حقهم.
(فيجب) لله تعالى الوجود والقدم والبقاء ومخالفته تعالى لجميع خلقه وقيامه تعالى بنفسه، ومعناه أنه تعالى لا يفتقر إلى ذات يقوم بها ولا إلى موجد يوجده، بل هو تعالى الموجد للأشياء كلها، يجب له تعالى الوحدانية ومعناها أنه تعالى لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهذه ست صفات، الأولى منها تسمى صفة نفسية وهي الوجود والخمسة التي بعدها يقال لها صفات سلبية، ويجب له تعالى أيضاً سبع صفات يقال لها صفات المعاني وهي: القدرة والإرادة والعلم المحيط بجميع المعلومات والحياة والسمع والبصر والكلام الخالي عن الحروف والأصوات وغيرها مما يوجد في كلام الحوادث.
стр. 66
(ويستحيل) عليه تعالى العدم والحدوث والفناء ومماثلته تعالى لشيء من خلقه وافتقاره إلى ذات أو موجود، وأن لا يكون واحداً في ذاته أو صفاته أو أفعاله، ويستحيل عليه تعالى العجز ووجود شيء من العالم بغير إرداته تعالى والجهل بشيء من المعلومات والموت والصمم والعمى والبكم، أو وجود حرف أو صوت في كلامه القديم.
(ويجوز) في حقه فعل كل ممكن وتركه.
(ويجب) له تعالى إجمالاً كل كمال يليق بذاته العلية ويستحيل عليه جميع النقائص، والدليل على ذلك كله وجود هذا العالم على هذا الشكل البديع.
(ويجب) للرسل عليهم الصلاة والسلام الصدق في جميع ما أخبروا به ولو بالمزح والأمانة والفطانة وتبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق.
(ويستحيل) عليهم الكذب والخيانة والبلادة وكتمان شيء مما أمروا بتبليغه.
(ويجوز) في حقهم صفات البشر التي لا تنقص بسببها مراتبهم العلية كالأكل والشرب والمرض والوقاع الحلال.
(ويجمع) معنى هذه الصفات كلها قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 67
(ويجب) على المكلف أيضاً أن يعتقد أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام من جملة عباد الله المكرمين وأنهم معصومون من جميع المعاصي منزهون عن صفات البشر، وأنه لا يعلم كثرتهم إلا الله تعالى ومنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وهؤلاء الأربعة هم الرؤساء وهم أفضلهم، ومنهم حملة العرش وهم الآن أربعة ويزاد عليهم يوم القيامة أربعة ومنهم: منكر ونكير ورضوان خازن الجنة ومالك خازن النار، وأن يعتقد أن أفضل الخلق كلهم نبينا محمد ﷺ ثم الرسل ثم الأنبياء ثم الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، ثم الصحابة ﵃، وأن يعتقد أن الخلق كلهم يموتون عند انقضاء أعمارهم، وأن القابض لأرواحهم ملك الموت وهو عزرائيل، وأنهم يسألون بعد دفنهم في قبورهم إلا جماعة مخصوصين، وأنهم يبعثون يوم القيامة ويحاسبون في الموقف على أعمالهم إلا من يدخل الجنة بغير حساب، وأن أعمالهم كلها توزن في الميزان، وأنهم يمرون جميعاً على الصراط، وأن المؤمنين يشربون من حوض نبينا محمد ﷺ وينالون شفاعته يوم القيامة وأكبر شفاعاته ﷺ الشفعة العظمى في فصل القضاء، وأن يعتقد أن نبينا ﷺ عربي قرشي وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
(وأمه) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وأنه أبيض مشرب بحمرة، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه ولد بمكة وبعث بها وهاجر إلى المدينة المنورة بعد الإسراء ومات بها، ودفن بها في بيت عائشة ﵂، وأن شريعته نسخت جميع الشرائع السابقة عليها وتبقى مستمرة إلى يوم القيامة.
стр. 68
ويجب على المكلف أيضاً أن يعرف شرائع الدين وهي فروعه وأهمها: الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ونطلب من الله تعالى الإعانة على ذكر الأهم منها والبركة فيه فنقول:
كتاب الطهارة
لا يصح الوضوء والغسل وإزالة النجاسة إلا بالماء الطهور وهو الذي لم تقع فيه نجاسة ولا شيء طاهر يذوب ولم يكن قليلاً مستعملاً وينحصر في النازل من السماء والنابع من الأرض، فإذا وقع فيه شيء من الطاهرات التي تذوب كالعسل أو ينفصل منها شيء كالزعفران وغيره تغييراً فاحشاً فهو طاهر في نفسه لكنه لا يرفع الحدث ولا يطهر النجس ولو كان ألف قربة، ومثله الماء المستعمل إن كان أقل من قلتين ولم يتغير بالنجاسة والمستعمل هو الذي رفع به الحدث أو أزيلت به نجاسة، وإذا وقع فيه نجاسة وتغير بها طعمه أو لونه أو رائحته ولو تغيراً يسيراً تنجس ولو كان قدر البحر، فإن لم يتغير بها منه شيء لم يتنجس إلا إذا كان أقل من قلتين، وإذا زال تغيره بنفسه أو بماء وضع عليه عاد طهوراً، وكذا لو زال التغيير بماء أخذ منه وكان الباقي قلتين. والقلتان خمسمائة رطل برطل بغداد وقدروها بخمس قرب من قرب الحجاز، ولو وقع في السمن مثلاً أو في الماء القليل نجاسة لا يراها البصر المعتدل أو ميتة ليس لها دم سائل كعقرب ووزغ ولم تغيره لم يتنجس.
(فصل) : ويحل استعمال جميع المواعين الطاهرة من كل نجس إلا مواعين الذهب والفضة فيحرم استعمالها لغير ضرورة، ويحرم استعمال المطلي بذهب أو فضة إن كثر طلاؤه وتحصل منه شيء بعرضه على النار.
(فصل) : الحيوانات كلها تنجس بموتها إلا الآدمي والسمك والجراد والمأكول المذبوح إن ذبح ذبحاً شرعياً، وجلودها تطهر بالدباغ ظاهراً وباطناً إلا جلد الكلب والخنزير والمتولد منهما أو من أحدهما ولو مع حيوان طاهر، وإذا دبغ الجلد ولم يغسل بعد دبغه صار متنجساً فلا يحل استعماله مع الرطوبة ولا تصح الصلاة معه إلا بغد غسله.
باب نواقض الوضوء
نواقضه أربعة:
стр. 69
(الأول) خروج شي من القبل أو الدبر وإن خرج قهراً وكان ظاهراً إلا مني الشخص الخارج منه أول مرة.
(والثاني) زوال التمييز بجنون أو سكر أو مرض أو نوم إلا من نام ممكناً مقعده من مقره.
(والثالث) ملامسة الرجل للمرأة الأجنبية من غير حائل بين جلديهما ولو كان كل منهما هرماً أو حصلت الملامسة بغير الاختيار وينتقض بها وضوء كل منهما.
(والرابع) مس قبل الآدمي أو حلقة دبره بباطن الكف بلا حائل ولو مع السهو أو الإكراه، وينتقض به وضوء الماس فقط إلا إن كان المس بين رجل وأنثى أجنبية فينتقض به وضوؤهما كما سبق. ويحرم بالحدث الأصغر الصلاة والطواف ومس المصحف حتى كيسه وصندوقه ما دام فيهما، ويحل قلب ورق المصحف بعود إلا إن انفصلت الورقة وحملت عليه، ويحل حمله في متاع إلا إن قصد المصحف وحده بالحمل، ويحل حمل التفسير إن كان أكثر من القرآن يقيناً، ولا يمنع الصبي المميز من مس المصحف وحمله لحاجة التعليم.
(فصل) : يجب الاستنجاء من كل خارج من القبل أو الدبر إن كان نجساً ولوث محل خروجه، ويجوز أن يستنجي الشخص بالأحجاء فقط ولو بلا عذر وإن كان على طرف البحر، والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر والجمع بينهما أفضل، ويجب تنظيف المحل من عين النجاسة وأثرها إن استنجى بالماء، فإن استنجى بالحجر عفي عن الأثر القليل الذي لا يزيله إلا الماء أو الخزف الصغار، وإذا اقتصر على الحجر وجب ثلاث مسحات وإن نظفت المحل أقل منها وإن لم تنظفه الثلاث وجب أن يزيد عليها حتى ينظفه، فإن نظفه بوتر لم يزد عليه شيئاً، وإن نظفه بشفع فالسنة له أن يزيد واحدة، ويقوم مقام الحجر في الاستنجاء كل جامد طاهر خشن يقلع عين النجاسة كخرقة. وشرط الاستنجاء بالحجر أن لا ينشف الخارج النجس، وأن لا ينتقل عن المحل الذي استقر فيه، وأن لا يجاوز البول حشفة الذكر ولا الغائط صفحة الأليتين، وأن لا يصل بول الأنثى إلى محل جماعها.
باب الوضوء
стр. 70
الفروض التي لا يصح الوضوء إلا بها ستة:
(الأول) النية ويجب أن تكون مقرونة بأول جزء يغسله من الوجه وينوي المتوضىء رفع الحدث أو فرض الوضوء أو الوضوء فقط أو نحو ذلك.
(والثاني) غسل الوجه من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن، ومن وتد إحدى الأذنين إلى وتد الأخرى، ويجب غسل الشعر النابت في الوجه ظاهراً وباطناً إلا اللحية الغزيرة فيكفي غسل ظاهرها فقط والسنة تخليل باطنها، ويجب أيضاً غسل السلعة النابتة في الوجه وإن طالت جداً.
(والثالث) غسل اليدين مع المرفقين، ويجب غسل الشعر النابت عليهما ظاهراً وباطناً وإن كثر وطال وغسل سلعتهما وإن طالت.
(والرابع) مسح جزء من جلد الرأس أو من الشعر النابت فيه ولو رأس شعرة واحدة بشرط أن لا يمسح على الطويل الخارج عن حد الرأس
(والخامس) غسل الرجلين مع الكعبين من كل رجل وشعر الرجلين وسلعتهما كشعر اليدين، ويجب تحريك الخاتم الضيق وتخليل أصابع اليدين والرجلين إن كان الماء لا يصل إليه إلا بذلك.
(والسادس) ترتيب الأعضاء بأن يقدم الوجه على اليدين واليدين على الرأس والرأس على الرجلين، ويجب في الوضوء إزالة الأوساخ التي تمنع وصول الماء إلى الأعضاء إلا إن كان في إزالتها شدة مشقة، ومثلها الأوساخ التي تحت الأظفار، ولا يكفي مسح الأعضاء المغسولة بل لا بد من سيلان الماء عليها، وإذا ترك لمعة صغيرة من عضو ولو سهواً لم يصح الوضوء حتى يغسلها ويعيد غسل الأعضاء التي بعدها.
وسنن الوضوء كثيرة: منها استقبال القبلة فيه والتسمية مقرونة بأوله وغسل الكفين معاً إلى الكوعين ثم المضمضة ثم الاستنشاق ومسح الرأس كله ثم مسح الأذنين معاً ظاهراً وباطناً بماء جديد وتقديم اليمين على الشمال من اليدين والرجلين، وتطهير كل عضو ثلاث مرات متوالية، والموالاة لغير دائم الحدث.
стр. 71
(وأما السواك) فليس من السنن الخاصة بالوضوء بل هو سنة في كل حال إلا في الصوم فيكره من الزوال إلى الغروب ويتأكد استحبابه عند الوضوء ومحله فيه قبل المضمة، ويتأكد أيضاً عند تغير الفم والانتباه من النوم وإرادة الصلاة وقراءة القرآن والعلم وتحصل السنة فيه بكل طاهر خشن يزيل صفرة الأسنان ولو خرقة وأفضله الأراك اليابس المبلول بالماء.
باب الغسل
لا يجب الغسل على الحي إلا بالجنابة أو الولادة ولو من غير بلل أو انقطاع الحيض أو النفاس، وتحصل الجنابة إما بدخول الحشفة أو مقدارها في قبل أو دبر ولو لبهيمة وإن لم يحصل إنزال، وإما بنزول المني ولو بغير إيلاج كالحاصل في النوم.
وله فرضان لا يصح إلا بهما،
(الأول) : النية مقرونة بأول جزء يغسله من جسده وينوي المغتسل رفع الحدث أو فرض الغسل أو نحو ذلك.
(والثاني) تعميم جسده ظاهراً فقط وشعره ظاهراً وباطناً بالماء مرة واحدة، ويجب على المغتسل أن يتعصر حتى تنفتح حلقة دبره ويغسلها عن الحدث، وعلى الأنثى أن تغسل ما يظهر منها عند قعودها على قدميها أيضاً فإن ذلك كله من ظاهر الجسد، فلو ترك في الغسل ولو نسياناً لم يصح الغسل وإلا فضل أن يغسل هذين المحلين قبل جسده بنية تخصهما غير النية على بقية الجسد.
(وسنن الغسل) كثيرة منها الوضوء كاملاً قبله ودلك أعضائه والابتداء بالشق الأيمن من جسده وتعميم جسده بالماء ثلاث مرات واستقبال القبلة حال غسله.
(ويحرم) بالجنابة قراءة القرآن والمكث في المسجد والمحرمات بالحدث الأصغر.
باب التيمم
لا يصح التيمم بشيء من أجزاء الأرض إلا بالتراب الخالص الطاهر الذي له غبار بشرط أن ينقله ولو من الهواء وأن يكون بعد دخول وقت العبادة التي يتيمم لها.
(وأسبابه) ثلاثة:
(الأول) : عدم الماء.
(والثاني) : خوف الضرر من استعماله بسبب مرض أو نحوه.
(والثالث) : احتياجه لشربه أو شرب حيوانه المحترم.
فروضه أربعة:
стр. 72
(الأول) النية مقرونة بنقل التراب وبأول جزء يمسحه من الوجه وينوي المتيمم استباحة الصلاة مثلاً.
(الثاني) مسح الوجه طولاً وعرضاً حتى المقبل من أنفه وشفتيه.
(الثالث) مسح اليدين مع المرفقين ولا تكفي ضربة واحدة للوجه واليدين بل لا بد لكل منهما من ضربة مستقلة.
(الرابع) الترتيب بأن يقدم مسح الوجه على مسح اليدين.
(ويبطله) ما يبطل الوضوء والردة وزوال المانع قبل الشروع في الصلاة التي يتيمم لها.
(ولا يفعل) بالتيمم الواحد فرضين بل فرضاً فقط وما شاء من النوافل التي دخل وقتها قبل التيمم.
(ويعيد) المتيمم صلاته إن تيمم للبرد أو صلى في محل يغلب فيه وجود الماء.
باب النجاسة وإزالتها
الحيوانات كلها طاهرة إلا الكلب والخنزير والمتولد منهما أو من أحدهما، والميتة كلها نجسة إلا الآدمي والسمك والجراد وكل ما خرج من السبيلين نجس إلا المني والريح والحصى إن لم ينعقد من البول.
والنجاسة ثلاثة أقسام: مخففة ومغلظة ومتوسطة،
(فالمخففة) بول الذكر الذي لم يبلغ حولين ولم يتناول غذاء غير اللبن ويطهر محلها برش الماء عليه مرة واحدة حتى يعمه بشرط أن تزول عين البول قبل الرش.
(والمغلظة) نجاسة الكلب والخنزير والمتولد منهما أو من أحدهما ولا يطهر محلها حتى يغسل سبع مرات إحداهن مخلوطة بالتراب الطهور ولا يكتفي بالسبعة إلا إن زالت عين النجاسة بالمرة الأولى فإن زالت بغير الأولى فجميع الغسلات السابقة على زوالها يحسب مرة واحدة ويجب بعدها تمام السبعة.
стр. 73
(والمتوسطة) بقية النجاسات ويطهر محلها بجريان الماء عليه مرة واحدة إن لم يكن للنجاسة جرم ولا طعم ولا لون ولا رائحة، فإن كان لها شيء من هذه الأوصاف فلا يطهر محلها حتى يزول ذلك الوصف ويعفى عن اللون وحده وعن الريح وحده إذا عسر زواله، ولو توقف زوال النجاسة على صابون أو غيره وجب استعماله، ويعفى عن النجاسة التي لا يراها البصر المعتدل وعن القليل من الدم والقيح إن كان من غير كلب وخنزير، وعن الكثير أيضاً إن كان من الشخص نفسه وخرج بغير فعله، ولا يتنجس الطاهر الناشف إذا أصابته نجاسة ناشفة، ولا يطهر شيء من نجس العين إلا جلود الميتة إذا اندبغت والخمر إذا انقلبت خلاً بنفسها، ولا يضر فورانها ولا نقلها من الشمس إلى الظل ولا العكس، فإن طرح فيها شيء قبل تخللها ولو طاهراً وبقي فيها حتى تخللت لم تطهر.
باب الحيض والنفاس
الحيض هو الدم الخارج من قبل المرأة في صحتها بلا سبب. والنفاس هو الدم الخارج منها بعد تمام ولادتها. وأقل سن الحيض تسع سنين تقريباً، وأقل مدته يوم وليلة وأكثرها خمسة عشر يوماً وغالبها ستة أو سبعة، فإن نقص الدم عن أقل المدة أو زاد عن أكثرها فهو دم فساد، وأقل مدة النفاس لحظة وغالبها أربعون يوماً وأكثرها ستون وما زاد عليها فدم فساد أيضاً.
(ويحرم) بالحيض والنفاس المباشرة فيما بين السرة والركبة من غير حائل، والمرور في المسجد إن خافت تنجيسه والصوم ومحرمات الجنابة السابقة، ويجب على الحائض والنفساء قضاء الصوم الفائت في الحيض والنفاس دون قضاء الصلاة الفائتة فيهما.
كتاب الصلاة
فرض الله على هذه الأمة في كل يوم وليلة خمسة صلوات فقط، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ولا تجب إلا على المسلم البالغ العاقل والطاهر من الحيض والنفاس بعد دخول وقتها، ولكل صلاة منها وقت محدود.
فوقت الظهر من زوال الشمس عن وسط السماء إلى أن يزيد ظل الشيء على مثله بعد ظل الاستواء.
стр. 74
ووقت العصر من الزيادة على ظل المثل إلى غروب الشمس كلها
ووقت المغرب من تمام غروب الشمس حتى يغيب الشفق الأحمر.
ووقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر حتى يطلع أول الفجر الصادق.
ووقت الصبح من طلوع أول الفجر الصادق حتى يطلع أول الشمس. ولا قضاء على الكافرر إذا أسلم، إلا المرتد، ولا على المجنون والمغمى عليه والسكران بعد صحوهم إلا إذا تعدوا بذلك، ولا على الصغير إذا بلغ ويجب على الآباء والأمهات أن يأمروا أولادهم بالصلاة عند سبع سنين ويضربوهم على تركها عند عشر، والأفضل تعجيل الصلاة في أول وقتها، ويجوز تأخيرها عن أول الوقت ولو بلا عذر بشرط أن يعزم على فعلها قبل خروج الوقت، ومثل الصلاة في ذلك بقية الفروض الموسعة كالحج، ويجب على الشخص عند أول بلوغه أن يعزم على فعل جميع الواجبات والامتناع عن جميع المحرمات، ومن جحد وجوب الصلاة عليه من المتكلفين فهو كافر مرتد، ويقتل كفراً إن لم يرجع إلى الإسلام ولا يصلى عليه ولا يدفن في قبور المسلمين فإن لم يجحد وجوبها وأخرها عن وقتها بلا عذر فهو مؤمن فاسق لكنه يقتل بشروط مذكورة في المطولات، ولا تسقط الصلاة عن أحد ولو اشتد عليه المرض إلا إذا غاب عقله بغير تعمد منه ولا عذر له في تأخيرها في الحضر عن وقتها ولو تكاثرت عليه الاشغال إلا إذا نسي بغير لعب أو نام قبل دخول وقتها ولم يتنبه إلا بعد فواتها، وإذا فاتت شخصاً فريضة بغير عذر وجب عليه قضاؤها على الفور، فإن فاتته بعذر وجب عليه قضاؤها على التراخي والأفضل له المبادرة بقضائها.
باب شروط الصلاة
الشروط لصحة الصلاة أربعة:
(الأول) الطهارة عن الحدثين وعن النجاسة التي لا يعفى عنها في الجسد والملبوس والمكان
стр. 75
(والثاني) ستر العورة من أعلى البدن وجوانبه للقادر عليه ولو صلى في الظلمة منفرداً عن الناس وعورة الذكر والأمة في الصلاة ما بين السرة والركبة لكن يجب عليهما ستر السرة والركبة أيضاً، وعورة الحرة الكاملة جميع بدنها إلا الوجه والكفين، ومن عجز عن ستر عورته في الصلاة صلى عارياً ولا إعادة عليه.
(والثالث) دخول الوقت ولو بغلبة الظن في الصلاة المؤقتة كالفرض الأصلي وتوابعه ووجود السبب يقيناً في التي لها سبب كصلاة الخسوف فلا تصح صلاة مؤقتة حتى يدخل وقتها، ولا صلاة لها سبب حتى يوجد سببها يقيناً.
(والرابع) استقبال عين الكعبة يقيناً في القرب وظناً في البعد إلا في نافلة السفر وصلاة شدة الخوف.
باب أركان الصلاة
أركانها ثلاثة عشر:
(الأول) النية مقرونة بجزء من تكبيرة الإحرام،
(والثاني) القيام في الفرض للقادر عليه ومن عجز عن القيام صلى جالساً فإن عجز عن الجلوس اضطجع على جنبه واستقبل القبلة بوجهه ومقدم بدنه، ويكره أن يضطجع على الجنب الأيسر من غير عذر، فإن عجز عن الاضطجاع استلقى على ظهره، ويجب عليه أن يرفع رأسه بشيء ليستقبل القبلة بوجهه، وأن يجلس للركوع والسجود إن أمكنه ذلك، فإن عجز أشار برأسه، فإن عجز أشار بأجفانه، فإن عجز أجرى أركان الصلاة على قلبه وفي جميع ذلك لا ينقص من أجره شيء، ويجوز للقادر أن يصلي النفل قاعداً ومضطجعاً، لكن ثواب القاعد نصف ثواب القائم، وثواب المضطجع نصف ثواب القاعد.
(والثالث) تكبيرة الإحرام ويتعين فيها الله أكبر فلا تصح بغير ذلك للقادر عليه والعاجز عنه يأتي بما قدر عليه ولو بغير العربية، والسنة عقب هذه التكبيرة أن يقرأ دعاء الافتتاح ثم يتعوّذ من الشيطان الرجيم.