← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف المجتهد في تحصيلها بغلبة الظن لأمكنه، وقد فعل ذلك من تقدم، وفي الحكم بأن مراد النبي صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان، إذ أصول الإيمان معلومة محققة، والإيمان بأن هذا العدد واجب في الجملة هذا كلام القاضي ونقله عنه المصنف (متفق عليه. البضع بكسر الباء) الموحدة (ويجوز فتحها) وبسكون الضاد المعجمة وبالعين المهملة (وهو من الثلاثة إلى العشرة) وقيل ما بينهما وصدّر به في «شرح مسلم» ، وقال الخليل: البضع سبع، وقيل ما بين اثنين إلى عشرة، وقيل ما بين اثني عشر إلى عشرين ولا يقال في اثني عشر. قلت: وهذا هو القول الأشهر (والشعبة) بضم المعجمة وسكون المهملة بعدها موحدة (القطعة والخصلة) بفتح الخاء المعجمة من عطف الرديف (والإماطة) بكسر الهمزة وبالطاء (الإزالة) وهما مصدراً أماط وأزال (الأذى) بفتح أوليه وبالقصر (وما يؤذي كحجر) فإنه يدق قدم الماشي وقد يدميه (وشوك) اسم جنس واحده شوكة، والمراد ما قطع شجره عن طريق المارة أو إزالة ما يوجد من أعواده وأجزائه في الطريق، فإنه ربما مع قوة المشي ينغرز في الرجل إلى حيث يصعب إخراجه (وطين) لأنه يلوث الرجل. وقد جعل الفقهاء من أعذار صلاة الجماعة الوحل بالمهملة لذلك (ورماد) لأنه لنعومته تعمل فيه الريح فيدخل في الخياشيم ويحصل به التأذي (وقذر) بفتح أوليه: أي ما يستقذر طاهراً كان كالقمائم والأوساخ الطاهرة الملقاة بالطرق وضررها يضيق الطريق، أو النجسة كالعذرة وضررها ظاهر (ونحو ذلك) من سائر المؤذيات ولا حاجة إليه بعد تصدير المثل بالكاف المؤذنة بعدم الانحصار. ٤٦٨٤ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله أشدّ حياء) منصوب على التمييز (من العذراء) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء ثم ألف

стр. 1227

ممدودة: البكر سميت به لبقاء عذرتها: أي جلدة بكارتها (في خدرها) يكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة: ستر تجعله البكر في جنب البيت: أي أشد حياء من البكر حال اختلائها بالزوج الذي لم تعرفه قبل واستحيائها منه، وليس المراد حال انفرادها في الخدر فإنها حينئذ لا حياء عندها ثمة إذ ليس ثمة من تستحي منه، وهذا آخر الحديث عند البخاري في الأدب من صحيحه، وزاد مسلم حيث أورده في باب فضائل النبيّ (فإذا رأى شيئاً) التنكير فيه للتعميم ليشمل القليل والكثير والجليل والحقير (يكرهه) أي طبعاً (عرفناه في وجهه) أي عرفنا الكراهية له في وجهه: أي أنه لا يتكلم لحيائه بل يتغير وجهه فنفهم نحن كراهته لذلك (متفق عليه) . (قال العلماء حقيقة الحياء) أن تعريفه (خلق) بضمتين وتسكين ثانية تخفيفاً (يبعث) الإسناد مجازي من باب الإسناد للسبب: أي يبعث الله: أي يحمل به (على ترك القبيح) من الأقوال والأفعال والأخلاق وحذف المعمول إرادة للتعميم (ويمنع) صاحبه (من التقصير) أل فيه بدل من الضمير: أي من تقصيره (في حق ذي) أي صاحب (الحق) وذلك أنه ملكة راسخة للنفس توزعها على إيفاء الحقوق وترك القطيعة والعقوق. (وروينا) بفتح مع تخفيف ثانية أشهر من ضم أوله وكسر ثانيه مشدداً ومخففاً، وإن اقتصر على الأخير الكازروني في شرح الأربعين وجعله من باب الحذف والإيصال قال: أي روى لنا سماعاً أو قراءة إلى آخر أنواع التحمل وعلى التشديد، فالمعنى: صيرونا أشياخاً بما رواه لنا (عن الإمام) هو في الأصل كل من يقتدي به ولو في الشرّ، ثم غلب على المقتدي به في الخير فقط (أبي القاسم الجنيد) بضم الجيم وفتح النون وسكون التحتية ابن محمد الزجاج كان أبوه يبيع الزجاج فلذا يقال له القواريري، أصله من نهاوند ومولده ومنشؤه بالعراق، وكان فقيهاً يفتى على مذهب أبي ثور صاحب الشافعي وراوي مذهبه القديم، وكان من كبار أئمة القوم وساداتهم وكلامه مقبول على جميع الألسنة، مات رحمه الله تعالى يوم السبت سنة سبع وتسعين ومائتين، وقبره ببغداد ظاهر يزوره الخاص والعام (قال: الحياء رؤية الآلاء) بالمد جمع إلا بكسر الهمزة والقصر، وقد فسر المصنف الآلاء بقوله (أي النعماء) أي رؤية العبد نعماء مولاه السابغة عليه بمحض فضله مع استغنائه عنه وعن سائر الخليقة (ورؤية التقصير) أي مع ما يراه من تقصيره في أداء خدمة مولاه وإعراضه عن حضرته مع كمال فاقته وفقره إليه (فيتولد) أي يتحصل (بينهما) أي النظرين المذكورين (حالة) الأولى

стр. 1228

حال لأن الأفصح تذكير لفظها وتأنيث معناها فحال حسنة أفصح من حال حسن وحالة حسنة (تسمى حباء) ما ذكر تفسيراً للحياء المذكور في الحديث أورده المصنف، وإلا فكتابه هذا مجرد لذكر الآيات والأحاديث ومنبع يسير من تفسير غريب الأحاديث (والله الموفق) . ٨٥ - باب حفظ السر بكسر السين المهملة: أي ما يسر ويخفي من الأمور (قال الله تعالى) : ( ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً﴾ ) أي عنه فيكون من باب الحذف والإيصال أو من المجاز في الإسناد أو مسئولاً هو هل وفيّ به أم لا؟ فيكون كقوله تعالى: ﴿وإذا المؤودة سئلت أي ذنب قتلت؟﴾ (التكوير: ٨، ٩) تبكينا لصاحب الذنب وفاعله، وذكرت الآية في هذه الترجمة لأنه مما يعتاد التعاهد على كتمانه إما لفظاً أو بقرينة الحال. ١٦٨٥ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: إن من أشرّ الناس عند الله) حال من قوله (منزلة) وكان في الأصل صفة له فلما تقدم أعرب حالاً، وقوله (يوم القيامة) ظرف للأشرّية المدلول عليها (الرجل) أل فيه للجنس (يفضى) بضم التحتية من الإفضاء وهو مباشرة البشرة وهو هنا كناية عن الجماع (إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرّها) ويذكر تفاصيل ما يقع حال الجماع وقبله من مقدماته، والحديث يقتضي كون

стр. 1229

فعل ذلك كبيرة للوعيد المذكور فيه (رواه مسلم) في النكاح من صحيحه. ٢٦٨٦ - (وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ عمر ﵁ حين) ظرف لقال الآتي بعد: أي قال وقت (تأيمت بنته حفصة) أي من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب النبي فتوفي بالمدينة، وهذا كله عند البخاري في حديث الباب حذفه المصنف لعدم تعلق غرض الترجمة به، فعلم أن تأيمها منه كان بموته وكان ذلك من جراحة أصابته بأحد. وذكر الدارقطني أنه كان طلقها، نقله عنه ابن النحوي ولكونه مات من جراحة أصابته بأحد يحمل قول من قال تزوج حفصة بعد ثلاثين شهراً من الهجرة، وعلى الأول يحمل رواية رواية من روي أنه تزوج بها بعد سنتين عقب بدر. % وخنيس بضم المعجمة وفتح النون وسكون التحتية آخره سين مهملة، وكان معمر بن راشد يصحفه فيقوله بالمهملة فالموحدة فالمعجمة آخره ابن حذافة بمهملة فمعجمة ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ القرشي السهمي وهو أخو عبد الله بن حذافة، كان من السابقين إلى الإسلام وهاجر إلى أرض الحبشة (قال: لقيت عثمان بن عفان) أي بعد موت زوجته رقية بنت سيدنا رسول الله (فعرضت عليه حفصة) ففيه عرض الإنسان بنته على أهل الخير كما ترجم به البخاري (فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر) ففيه التفات على رأي السكاكى وأتى به حضاً على القبول: أي بنت عمر وأنت تعلم شأنه وحسن خلطته (فقال: سأنظر في أمري) أي أفكر في شأني هل أتزوج الآن أو أؤخر ذلك (فلبثت) بكسر الموحدة أي أقمت منتظراً له (ليالي) بالنصب على الظرفية (ثم لقيني فقال: قد بدا) بالألف اللينة: أي ظهر (لي أن لا أتزوج يومي هذا) أراد به مطلق الزمن: أي في زمني هذا، وأتى به لدفع توهم إرادته التبتل والانقطاع عن التزوج المنهى عنه (فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت) هو لكونه ترك

стр. 1230

الكلام عن قصد ولداع له أخص من السكوت (أبو بكر فلم يرجع) بفتح التحتية مضارع رجع المتعدي ومنه قوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله﴾ أي لم يردد (إليّ شيئاً) من القبول والإعراض بالصريح أو التعريض أو غيرهما (فكنت أوجد) أي أشد موجدة: أي غضباً (عليه منى على عثمان) وذلك لأن عثمان حصل منه الجواب وأما الصديق فتركه أصلاً (فلبثت ليالي ثم خطبها النبي فأنكحتها إياه) هذه الجملة هي الباعثة لذكر خلف وابن عساكر الحديث في مسند عمر نبه عليه ابن النحوي في شرح البخاري (فلقيني أبو بكر) أي بعد تمام الترويج (فقال: لعلك) هي فيه للإشفاق وأتى به اعتماداً على حسن خلق عمر وأنه لا يغضب لذلك، ولكن جواز الغضب منه يحسب الطبع فقال له ذلك (وجدت) أي غضبت (على) بتشديد الياء (حين) بالفتح المحتمل لكونه حركة إعراب إذ هي منصوبة على الظرفية ولكونه حركة بناء لأنه ظرف مضاف لجملة صدرها مبني وهي (عرضت عليّ حفصة فلم أرجع) بفتح الهمزة (إليك شيئاً فقلت نعم) إخباراً بالوقوع وعملاً بالصدق وإعراضاً عن المواربة (قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أني كنت علمت أن النبيّ ذكرها) أي مريداً التزوج بها، ولعله كان بحضرة الصديق دون غيره فرأى أن ذلك من السرّ الذي لا يباح فلذا قال (فلم أكن لأفشي) بضم الهمزة: أي أظهر (سرّ رسول الله) أي ما أسره إليّ وذكره لي (ولو تركها النبيّ) بالإعراض عنها (لقبلتها) بكسر الموحدة. فيه أنه يحرم خطبة من ذكرها النبي على من علم به وكتم السر، والمبالغة في إخفائه وعدم التكلم فيما قد يخشى منه أن يجرّ إلى شيء منه، وأن من ذكرها ثم أعرض عنها لا يحرم التزوج بها إذ ليست من أزواجه، وهذه الجملة المذكورة عن الصديق عن النبي، ذكر الحميدي وأبو مسعود الحديث في «مسند أبي بكر» ، ولما أخرجه الطبراني في مسند أبي بكر قال: قد أخرجت الأئمة من عهد أحمد بن حنبل إلى زمننا هذا الحديث في مسند الصديق أنه ذكرها (رواه البخاري) في المغازي والنكاح من

стр. 1231

«صحيحه» . (تأيمت) بفتح الفوقية والهمزة وتشديد التحتية والتفعل فيه للصيرورة كما أشار إليه المصنف بقوله (أي صارت بلا زوج) الأنسب لبيان الاشتقاق: أي صارت أيما: أي بلا زوج، وما أفهمه قوله صارت من أن الأيم خاص بمن فورقت عن الزوج غير مراد، ففي المصباح الأيم: العزب رجلاً كان أو امرأة، قال الصغاني: سواء تزوج من قبل أم لا (وكان زوجها) خنيس (توفي ﵁ في التاريخ السابق و (وجدت) بفتح أوليه معناه (غضبت) بفتح فكسر ومصدره موجدة، وهذا الفعل نختلف مصادره باختلاف المراد منه فيقال وجده وجداناً بالكسر ووجوداً، وفي لغة لبني عامر يجده بضم الجيم ولا نظير له في المثال والضمة عارضة فلذا لم تعد الواو المحذوفة لوقوعها بين حرف مضارعة مفتوح وحرف مكسور ووجدت الضالة أجدها وجداناً أيضاً ووجدت في المال وجدا بالضم والكسر لغة، وجدة أيضاً ووجدت به في الحزن وجداً بالفتح اهـ ملخصاً من «المصباح» . ٣٦٨٧ - (وعن عائشة ﵂ قالت كنّ) بضم الكاف وتشديد النون حرف أتى به لجماعة النسوة والفاعل (أزواج النبيّ) فهو على لغة أكلوني البراغيث (عنده، فأقبلت فاطمة ﵂ تمشي) جملة حالية (ما تخطىء مشيتها من مشية رسول الله شيئاً) يجوز أن تعرب الجملة حالاً من ضمير تمشي فتكون متداخلة، أو من فاعل أقبلت فتكون مترادفة، ويجوز أن تكون جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال كيفية مشيها، والمشية بكسر الميم في الموضعين لبيان الهيئة، وشيئاً منصوب على المفعول المطلق: أي شيئاً من المشية أو المفعول به: أي من الأحوال (فلما رآها) أي أبصرها رحب بتشديد المهملة بها: أي بادرها بالترحيب وفسر ذلك بقوله (قال: مرحبا بابنتي) وعدى بالباء لأنه قدّر اشتقاقه من رحبت بك الدار بضم العين ومعنى مرحبا بك نزلت مكاناً رحباً واسعاً بها (ثم أجلسها عن يمينه أو) شك من الراوي (شماله) بكسر الشين وأتى بثم لتراخي الإجلاس

стр. 1232

عن ابتداء وقوع النظر عليها حال إقبالها أو أنه استعيرت ثم مكان الفاء (ثم سارّها) لعل ما أومت إليه «ثم» من التراخي نظراً إلى أنه قدم قبل ذلك مؤانستها بأنواع من الإكرام وشريف الكلام لئلا يتلقاها بذلك أول ما قدمت عليه وتشرفت بجلوسها بين يديه، والمفاعلة يحتمل أن تكون على بابها ويحتمل أن تكون للمبالغة: أي أخفى الأمر لها مبالغاً في إخفائه عن سواها، ويؤيده كتمها له عن عائشة لما استفسرتها عنه (فبكت بكاء شديداً) لما في ذلك من عظيم المصاب وشدة الهول. وفيه قالت آخراً: صبت عليّ مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن ليالياً ﵂ وعنا بها (فلما رأى) أي أبصر (جزعها) بفتح أوليه مصدر جزع الرجل من باب تعب إذا ضعف متنه عن حمل ما نزل به ولم يجد صبراً كذا في المصباح (سارّها) المسارة (الثانية) فهو مفعول مطلق ويجوز إعرابه ظرفاً خبراً لما لحقها وجرياً على ما يبدو من ألطاف المولى من تعقيب الكسر بالجبر والحزن بالفرح والعسر باليسر (فضحكت فقلت لها) لنسألها عما رأته من آثار الجزع (خصك رسول الله من بين نسائه بالسرار) بكسر أوله مضارع فاعل أيضاً (ثم أنت تبكين) أي ما في ذلك من التكرير، والتخصيص يقتضي الشغل به عن سائر مقتضيات البكاء وهذا من السيدة عائشة ﵂ لكونها لم تعلم ما أسرّ به إليها وإلا فلو علمت ذلك لأسعفتها بالبكاء كما أسعف الصاحبان أم أيمن لما زارراها فذكرتهما بأيام المصطفى (فلما قام رسول الله) أي من ذلك المجلس (سألتها ما قال لك رسول الله؟) يحتمل أن يكون المسئول عنه جميع ما سارها به أولاً وآخراً، ويحتمل أن يكون المسئول عنه الأول ويومىء إلى الأول عموم قول فاطمة ﵂ (قالت ما كنت لأفشي) بكسر اللام وهي لام الجحود والإفشاء الإظهار (على رسول الله سرّه) فإن المفرد المضاف من صيغ العموم (فلما توفي رسول الله) وهو بعد ذلك بزمن (قلت: عزمت عليك بمالي) الباء للقسم الاستعطافي، ويحتمل كونها للسببية (عليك من الحق) إذ هي من أمهات المؤمنين وزوج المصطفى

стр. 1233

وحبه، ولأجل عين ألف عين تكرم، وقولها عزمت عليك استعارة للقسم: أي أقسمت عليك (لما حدثني بما قال لك رسول الله) اللام مؤذنة بالقسم وما مزيدة للتأكيد (فقالت أما الآن) منصوب محلاً بمحذوف: أي أما إذا سألتني الآن، وفتحة الآن فتحة بناء كما قرر في محله (فنعم، أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم (حين سارّني في المرة الأولى فأخبرني) الظرف منصوب بمقدر: أي بكائي وقت مسارته لي أولاً وعمل مع حذفه لأنهم يتوسعون في الظرف مالا يتوسعون في غيره (أن جبريل) اسم سرياني معناه عبد الله وقيل عبد الرحمن (كان يعارضه للقرآن في كل سنة مرة) قيل إنه كان يقرأ النبي من القرآن فيعيده بعينه جبريل، ولعل ذلك ليجمع بين مرتين العرض والأخذ من فم المبلغ، والمراد بالقرآن ما اجتمع منه إلى حين تدارسهما فإنه لم يكمل إلا قبيل وفاته بنحو عشرين يوماً (أو) شك من الراوي (مرتين) ومرة ومرتين مما ناب فيه المصدر عن اسم العدد نحو «فاجلدوهم ثمانين جلدة» فهو مفعول مطلق وقوله (وأنه) أي جبريل (عارضه) أي النبي (الآن مرتين) هذا يبين أن المعوّل عليه أن المعارضة في كل عام كانت مرة ولذا لما تكررت، أخذ منه قوله (وإني لا أرى) بضم الهمزة: أي أظن (الأجل) آخر مدة الحياة (إلا قد اقترب) أي قرب والتاء فيه للمبالغة (فاتقى الله) عند حلول ذلك بأن لا تفعلي محرّماً من نياحة وشق جيب أو غير ذلك مما يشعر بعدم الرضى والاعتراض على الأقدار (واصبري) أتى به مع تناول ما قبله له اهتماماً بشأنه، فإنه واسطة عقد المأمور به حينئذ وذلك لغلبة داعية الطبع إلى ما يترتب على الجزع غالباً من التبرم والتضجر وقوله (فإنه نعم السلف أنا لك) جملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها: أي فإن ما يترتب على ذلك من شرف السلف لك يعدل ما قد يبدو من جزع الفراق (فبكيت بكائي الذي رأيت) أي بكاء سالماً من الإثم ومثله لا منع منه وإلا لنهاها عنه المصطفى لأنه لا يقر على محرم (فلما رأى) أي أبصر (جزعي) أي أثره من البكاء (سارّني الثانية فقال: يا فاطمة أما) أداة استفتاح أتى

стр. 1234

بها لتنبيه المخاطب على ما بعدها لعظم موقعه (ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة؟) وهذا مثل ثان لها عن عظيم ألم توقع فراقها لسيد الأحباب، فلما كان ذلك المصاب أعظم مصاب ناسب أن يجازي الصابرون عليه بأعظم الثواب من فضل الوهاب وهي أفضل الأمم فتكون أفضل نساء أهل الجنة كما جاء كذلك في رواية أخرى (فضحكت ضحكي الذي رأيت) أي الخالي عن الأشر والبطر وذلك أنه لكمال شرفها وطيب أصلها لم يغير توقع فقدها لسيد الأحباب استسلاماً لربها، وإنما دمعت عيناها وجزع قلبها مع الصبر على مراد مولاها سبحانه فهو نظير ما ورد من قوله يوم مات إبراهيم «العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ولا لحقها أشر ولا بطر، إذ بشرت بما بشرت به لكمال يقينها ومزيد تمكينها بل كان لسان حالها كلسان حاله «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر» الحديث (متفق عليه) أخرجه البخاري في باب علامات النبوة (وهذا) أي اللفظ المسرود (لفظ مسلم) في أبواب الفضائل، ورواه النسائي في الوفاة وابن ماجه في الجنائز. ٤٦٨٨ - (وعن ثابت) بالمثلثة وبعد الألف موحدة فمثناة وهو البناني بضم الموحدة فنونين خفيفتين بينهما ألف تابعي مكثر للرواية عن أنس. وقد بسطت ترجمته في كتاب رجال الشمائل (عن أنس ﵁ قال: أتى) أي جاء (عليّ رسول الله وأنا ألعب مع الغلمان) جملة حالية من مجرور على، والغلمان بكسر المعجمة وسكون اللام جمع غلام، ففيه جواز اللعب المباح للمراهق (فسلم علينا) من حسن خلقه ومزيد لطفه (فبعثني) أي أرسلني، قال في «المصباح» : كل شيء ينبعث بنفسه فالفعل يتعدى إليه بنفسه يقال بعثته وكل شيء لا ينبعث بنفسه كالكتاب والهدية فالفعل يتعدى إليه بالباء كبعثت به. وأوجز

стр. 1235

الفارابي فقال: بعثه: أي أهبه وبعث به وجهه (في حاجة) التنوين فيه يحتمل كونه للتعظيم أو للتحقير ففيه على الأول مزيد نباهة أنس إذ أهل للإرسال لذلك (فأبطأت) أي طالت مدة غيبتي (على أمي فلما جئت قالت: ما حبسك؟) من باب ضرب: أي منعك؟ (قلت: بعثني رسول الله لحاجة) أي لأجلها وتجمع على حوائج وهو جمع على غير القياس، وذكر الأصمعي أنه مولد، وحق جمعه حاجات وحاج وقال أبو عبيد الهروي: قيل أصل حاجة حائجة فيصح جمعه على حوائج كذا في الفتح (فقالت ما حاجته؟) سؤال عن تعينها (قلت إنها سرّ) في المصباح: السرّ هو ما يكتم، وهو خلاف الإعلان: أي فلا يظهر للغير (قالت لا تخبرنّ) بتشديد النون مبالغة في تأكيد النهي عن إفشائه فإن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى (بسرّ رسول الله أحداً) من ألفاظ العموم لكونه في سياق النفي (قال أنس) منبهاً لثابت على مكانته عنده ومحبته له (والله لو حدثت به أحداً) كائناً من كان كما يشعر به سوقه في حيز الشرط (لحدثتك به يا ثابت) ففيه عظيم لطف أنس وصدق أمانته ووفائه بالعهد (رواه مسلم) في الفضائل (وروى البخاري بعضه مختصراً) أي في باب الأدب من «صحيحه» من غير طريق ثابت بلفظ «أسرّ النبيّ سرّا فما أخبرت به أحداً بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به» . ٨٦ - باب الوفاء بالعهد أي إذا عاهد على أمر (وإنجاز الوعد) . (قال الله تعالى) : ( ﴿وأوفوا بالعهد﴾ ) الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاطونهم أو بما عهد الله من تكاليفه ( ﴿إن العهد كان مسئولاً﴾ ) أي

стр. 1236

عنه أو مطلوباً يطلب من المعاهد ألاّ يضيعه. (وقال تعالى) : ( ﴿وأوفوا بعهد الله﴾ ) أي بما عهد إليكم من التكاليف أو بما عاهدتموه به من التزام الإقرار بتوحيده والقيام بعبوديته (إذا عاهدتم) . (وقال تعالى) : ( ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ) أي بالمعهود وهو ما عهد في القرآن كله وعمومه متناول لسائر العقود. (وقال تعالى) : ( ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله﴾ ) هو أشد البغض ونصبه على التمييز وفاعله ( ﴿أن تقولوا مالا تفعلون﴾ ) في هذا الأسلوب من الكلام من المبالغة ما لا يخفى، والآية نزلت في جماعة قالوا: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فتعمل به، فأخبر الله نبيه أنه الجهاد، فلما فرض نكل منه بعضهم وكرهوا فنزلت، أو نزلت لما التمسوا الجهاد وابتلوا به فولوا يوم أحد مدبرين، أو في المنافقين يعدون نصر المؤمنين ولا يفون، وعلى أيّ ففيه وعيد شديد لمخلف الوعد والعهد. ١٦٨٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: آية) بالهمزة بعدها ألف لينة فتحتية خفيفة: أي علامة (المنافق) استشكل بأنها قد تكون في المؤمن وأجيب بأن المراد أن هذه خصال المنافق وصاحبها شبيه بالمنافق المطلق إلا أن هذا نفاقه خاص في حق من حدثه ووعده وائتمنه لا في الإسلام بإبطان الكفر. وقيل إن المراد به المنافقون الذين كانوا في زمنه فحدثوا بإيمانهم وكذبوا ووعدوا بنصر الدين فأخلفوا وأئتمنوا في دينهم فخانوا. وقال الخطابي: المراد نفاق العمل لا نفاق الإيمان. قال البرماوي في «اللامع الفصيح على الجامع الصحيح» وأحسن من هذا أن النفاق شرعي وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، وعرفى وهو كون سرّه بخلاف علانيته وهو المراد هنا، وفي الحديث أجوبة أخرى (ثلاث) أخبر به آية باعتبار إرادة الجنس: أي كل واحد منها آية أو أن مجموع الثلاث هو الآية (إذا

стр. 1237

حدث كذب) أي أخبر بخلاف الواقع وجعل الجملة الشرطية خبراً بعد خبر أوبد لا مما قبله يقتضي أنه محمول عليه لكن على معنى عند تحديثه (وإذا وعد) أي أخبر بخبر من المستقبل وعطف على ما قبله مع أنه من أفراده قبل لأن الخلف قد يكون بالفعل وهو غير الكذب فتغاير أو جعل حقيقة أخرى خارجة عن التحديث ادعاء كما في عطف جبريل على الملائكة بادعاء أنه نوع آخر لزيادة قال الشاعر: فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وكذا كل خاص يعطف على عام قاله البرماوي (أخلف) أي جعل الوعد خلافاً وذلك بأن لا يفي به (وإذا اؤتمن) أي جعل أميناً وفي رواية اتَّمَن بتشديد التاء وذلك بقلب الهمزة الثانية منه واواً وإبدال الواو تاء وإدغام التاء في التاء (خان) أي تصرف على خلاف الشرع، وخص هذه الثلاثة بالذكر لاشتمالها على المخالفة التي هي مبني النفاق من مخالفة السر العلن (متفق عليه) والحديث قد تقدم مع شرحه في باب الأمر بأداء الأمانة (زاد في رواية مسلم: وإن) هي وصلية (صام وصلى وزعم) أي قال محققاً بحسب ما عنده (أنه مسلم) أي فهذه خصال المنافق. ٢٦٩٠ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء اكتفاء بدلالة الكسر عليها أو أنه من العيص فيكون أجوف كما تقدم بسطه ﵄ أن النبيّ قال: أربع) سوغ الابتداء به مع نكارته تقدير إضافته أي أربع خصال، وجملة (من كن فيه كان منافقاً خالصاً) قال ابن بطال: أي في الخصال المذكورة (ومن كانت فيه خصلة) أي خلة بفتح أولهما (منهن كانت فيه خصلة من النفاق حي يدعها) يحتمل أن يكون خبر المبتدأ وأن تكون صفة والخبر قوله (إذا اؤتمن خان) بتوجيهه السابق قاله البرماوي، والاحتمال الثاني فيه ركاكة (وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر) أي تواثق مع إنسان على أمر غدر به وفعل خلاف ما

стр. 1238

عهد إليه أن يفعله (وإذا خاصم فجر) أي مال عن الحق وقال الباطل أو شق سر الديانة، قال المصنف: ولا منافاة بين قوله هنا أربع وفيما قبله ثلاث، لأن الشيء الواحد قد تكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة، ثم قد تكون تلك العلامة شيئاً واحداً وقد تكون أشياء. وقال الطيبي: العلامات مرة يذكر بعضها ومرة جميعها أو أكثرها قال الزركشي: والأولى أن يقال: إن التخصيص بالعدد لا يدلّ على الزائد والناقص. قلت: وهذا مفرع على أن مفهوم العدد غير حجة ورجح بعضهم حجيته (متفق عليه) ورواه أيضاً أحمد والنسائي كلهم من حديث ابن عمر، وكذا في «الجامع الصغير» ، والحديث عند الشيخين في كتاب الإيمان. ٣٦٩١ - (وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله لو) يحتمل أن تكون للتمني فلا جواب لها ويحتمل كونها شرطية وفصل بقد بينها وبين شرطها في قوله (قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا) بتكرير كناية كيفية الأخذ ثلاثاً، وقد جاء في رواية للبخاري بزيادة «فبسط يديه ثلاث مرات» وجملة أعطيتك جواب الشرط بحذف اللام منه تخفيفاً، وهذا المتمني مجيئه مرة أخرى غير ما تقدم في باب فضل الزهد في الدنيا من حديث عوف، وقوله في الحديث فقدم: يعني أبا عبيدة بمال من البحرين والله أعلم أن ذلك هو الذي سأل العباس النبي أن يأذن له أن يأخذ منه لأنه فادى بنفسه وابنى أخويه فأذن له، ويحتمل أنه مال آخر من البحرين والبحرين من الأعلام المنقولة عن المثنى فيعرب إعراب أصله حملاً له عليه (فلم يجىء مال البحرين) هو مال الجزية وكان العلاء بن الحضرمي عامل النبي عليها (حي قبض النبي) هناك محذوف دل عليه الكلام: أي وولي الخلافة الصديق وعطف عليه بالفاء قوله (فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ﵁ يحتمل أن يكون من إرادة أصل الفعل: وقع منه الأمر (فنادى) أي المأمور (من كان له عند رسول الله عدة) بكسر العين مصدر حذفت فاؤه وعوض منها

стр. 1239

الهاء في آخره: أي وعد (أو) للتنويع (دين فليأتنا) لاستيفاء ماله (فأتيته وقلت: إن رسول الله قال لي كذا وكذا) كنايتان عن قوله لو قد جاء مال البحرين إلخ (فحثى لي حثية) استعمله هنا من اليائي، وقد جاء من الواوي أيضاً حثوة ومبادرة الصديق بالإعطاء يحتمل أن يكون اعتماداً على قول جابر لصدّيقيَّته لما يعلمه من دينه وورعه المانع له عن الكذب في مثل ذلك، ويحتمل أنه بعد أن أقام عليه بينة لأن هذا المال الحق فيه لعموم المسلمين فلا يتصرف فيه الإمام بمجرد قول المدعي وإن كان معلوم الصلاح والصدق، ثم رأيت الحافظ قال في كتاب الحوالة من فتح الباري في أثناء كلام: لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهداً على صحة دعواه، ويحتمل أن يكون علم بذلك فقضى له بعلمه فيستدل به على جواز مثل ذلك للحاكم. وفي كتاب «الشهادات» من الفتح: لما كان أولى الناس بمكارم الأخلاق أدى أبو بكر مواعيده عنه ولم يسأله البينة على ما ادعاه لأنه لم يدع شيئاً في ذمة النبيّ وإنما ادعى شيئاً في بيت المال وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام اهـ (فعددتها فإذا) فجائية (هي) مبتدأ (خمسمائة) خبره (فقال خذ مثلها) بالتثنية (متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من «صحيحه» كالكفالة والشهادات والجزية، ورواه مسلم في باب فضائل النبيّ. ٨٧ - باب الأمر بالمحافظة أي شدة الحفظ (على ما اعتاده من الخير) فالمفاعلة للمبالغة لا للمغالبة. (قال الله تعالى) : ( ﴿إن الله لا يغير ما بقوم﴾ ) أي من النعمة أو النقمة ( ﴿حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ ) من

стр. 1240

الأحوال الجملة أو القبيحة وقد ورد «قال الربّ: وعزتي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهته من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت لهم من طاعتي إلا حولت بهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي» وأيضاً: فإذا غير المتعبد ما اعتاده من الطاعة غير الله ما كان يسبغه عليه من الثواب، وفي الحديث «فإن الله لا يملّ حتى تملوا» . (وقال تعالى) : ( ﴿ولا تكونوا﴾ ) في نقض الأيمان ولايخفي أنه يتناول نقض سائر العهود (كالتي نقضت) أي أفسدت ( ﴿غزلها﴾ ) مصدر بمعنى المفعول: أي ما غزلته ( ﴿من بعد قوة﴾ ) أي نقضته بعد إحكامه وفتله ( ﴿أنكاثاً﴾ ) الأنكاث جمع نكث بكسر النون كما في «المصباح» ، نظيره حمل وأحمال (وهو الغزل المنقوض) زاد في «المصباح» ليغزل ثانياً وأنكاثاً مفعول كان لنقضت بتضمينه معنى الجعل أو مفعول مطلق وهو مثل لمن نقض عهده بعد توكيده، وقد نقل أنه في امرأة كانت تفعل ذلك. (وقال تعالى) : ( ﴿ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب﴾ ) معطوف على أن تخشع وفيه على قراءة التاء الفوقية التفات ( ﴿من قبل﴾ ) كاليهود والنصارى ( ﴿فطال عليهم الأمد﴾ ) الزمان بينهم وبين أنبيائهم (فقست قلوبهم) مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله. (وقال تعالى) : ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ أي بالقيام بما التزموا مما زعموا أنه قربة والآيتان تقدم الكلام عليهما في باب المحافظة على السنة وفيه أيضاً حديث ابن عمرو المذكور. ١٦٩٢ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله: لا تكن مثل فلان) لم أقف على من سماه وقد قال بعض المحققين: لا ينبغي الفحص عمن

стр. 1241

أبهم في مثل هذا المقام، فالستر عن أولي التقصير من شأن الناقد البصير، ثم بين المثل المنهي عنه بقوله على سبيل التنفير (كان يقوم الليل) أي لصلاة التهجد (فترك قيام الليل) وإنما كره لما يؤذن به من قلة الاكتراث بأمر الطاعة والاحتفال إذ لو كان مكترثاً محتفلاً به لحياة قلبه لما وقع منه ذلك (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة. ٨٨ - باب استحباب طيب الكلام أي لينه وترك خشونته (وطلاقة الوجه) هي تهلله بالانشراح والابتسام (عند اللقاء) قال الشاعر: بشاشة وجه المرء خير من القرى فكيف بمن يقرى القرى وهو يضحك (قال الله تعالى) : ( ﴿واخفض جناحك﴾ ) لين جانبك وتواضع ( ﴿للمؤمنين﴾ ) أي دون الكفار. قال تعالى ﴿واغلظ عليهم﴾ . (وقال تعالى) : ( ﴿ولو كنت فظاً﴾ ) سيء الخلق ( ﴿غليظ القلب﴾ ) قاسيه ( ﴿لانفضوا﴾ ) أي نفروا (من حولك) . ١٦٩٣ - (وعن عديّ بن حاتم ﵁ تقدمت ترجمته (قال: قال رسول الله: اتقوا النار) أي اتخذوا ما يقيكم منها (ولو) كان الاتقاء (بشق) بكسر الشين: أي نصف (تمرة)

стр. 1242

فإن الله تعالى يقول: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ (النساء: ٤٠) وقال ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره﴾ (الزلزلة: ٧) وجاء عن عائشة ﵂: أنها وقف عليها سائل فتصدقت عليه بعنبة فاحتقرها فقالت له: إنها تعدل مثاقيل من مثاقيل الذر (فمن لم يجد) أي ما يتقي به من الصدقة، وإن قلت (فـ) لميتقها (بكلمة طيبة) يكون طيبها للمخاطب قائماً مقام ما فاته من اللين (متفق عليه) . ٢٦٩٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: والكلمة الطيبة) كأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإلانة القول لمخاطب في غير مأثم (صدقة) فأفاد الخبر أن الصدقة وإن غلبت في المال لكنها تكون في غيره كلطيف المقال (متفق عليه وهو) أي ما ذكر من حديث أبي هريرة (بعض حديث) وذكره بالواو العاطفة فيه إيماء لذلك (تقدم بطوله) في باب بيان طرق الخير وكذا تقدم في حديث أبي ذر الذي يليه. ٣٦٩٥ - (وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله: لا تحقرن) بتشديد النون (من المعروف) أي ما يستحسن شرعاً (شيئاً ولو) كان ذلك المعروف (أن تلقى أخاك بوجه طلق) أي متهلل بالبشر والابتسام لأن الظاهر عنوان الباطن فلقياه بذلك يشعر لمحبتك له وفرحك بلقياه والمطلوب من المؤمنني التوادّ والتحابّ (رواه مسلم) .

стр. 1243

٨٩ - (باب استحباب بيان) أي إظهار (الكلام) بأن لا يخفي شيء من حروفه فلا يسمعها المخاطب (وإيضاحه) باستعمال الألفاظ الظاهرة الدالة على المراد واجتناب الغريب للمخاطب وذلك ليسهل فهمه (تكريره) ظاهره ولو بإعادته مرة أخرى والخبر فيه فعل ذلك ثلاثاً فلعله أشار بهذا إلى أن التثليث هو الغاية، وأن أصل التكرار مطلوب إذا دعا إليه المقام ويحصل ولو بمرة أخرى (ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك) أي المذكور من جميع الثلاثة. ١٦٩٦ - (وعن أنس ﵁ أن النبي كان إذا تكلم بكلمة) المراد بها المعنى اللغوي (أعادها) أي كررها (ثلاثاً) أي إذا كان المقام يقتضي الإعادة، والتكرار إما لمزيد الاعتناء بمدلول ذلك أو لكثرة المخاطبين أو لغير ذلك، وقوله (حتى تفهم) أي لتفهم (عنه) فحتى تعليلية، إذ لو كانت غائية لما قيدت بالثلاث (وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً) إما لكثرتهم بحيث أن سلامه على أولهم لا ينتهي إلى أواسطهم وأواخرهم وإما لغفلة بعضهم عن سلامه لكونه نائماً أو في شغل بال أو نحو ذلك كما بينته في «شرح الأذكار» أو أنه عند الاستئذان كما قال الخطابي، ففي الحديث «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع» ونظر فيه بأن الإذن إذا حصل بنحو التسليمة الأولى لا تسن الثانية. قال البرماوي: والأوجه أن معناه كان إذا أتى على قوم سلم تسليم الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليم التحية، وإذا خرج سلم تسليم الوداع، والثالثة مسنونة. وقال ابن بطال: إنما كان تكرار الكلام والسلام إذا خشي أن لا يفهم عنه أولاً يسمع سلامه، وفيه أن الثلاثة غاية ما يقع فيه البيان (رواه البخاري) في كتاب العلم بهذا اللفظ ورواه في الأدب من «صحيحه» لكن بلفظ «كان إذا سلم سلم ثلاثاً وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً» ورواه الإمام أحمد والترمذي

стр. 1244

في جامعه كلهم من حديث أنس كما في الجامع الصغير. ٢٦٩٧ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان كلام) أي ما يتكلم به (رسول الله كلاماً فصلاً) أي بينا ظاهراً أو فاصلاً بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿إنه لقول فصل﴾ (الطارق: ٢) أي فاصل قاطع، كذا في النهاية، ويقرب الأول قوله على سبيل الاستئناف (يفهمه كل من يسمعه) فإن في الظهور أقرب، ويجوز أن يكون في محل الصفة لكلام بعد وصفه بالمفرد أو في محل الحال منه لتخصيصه بالوصف (روه أبو داود) في «سننه» . باب إصغاء أي إمالة (الجليس) رأسه أو سمعه (لحديث جليسه الذي ليس بحرام) كأن يقول مطلوباً أو مباحاً (واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه) بكسر الراء جمع مذكر مفعول المصدر أي طلبهما الحاضرين أن ينصتوا، والوعظ غلب في المخوف من عذاب الله المرغب في ثوابه بذكر ما جاء في ذلك. ١٦٩٨ - (وعن جرير بن عبد الله) البجلي تقدمت ترجمته ﵁ في باب من سن سنة حسنة وشرح حديثه هذا في باب تحريم الظلم في أثناء حديث ابن عمر وحديث أبي بكرة (قال: قال لي رسول الله في حجة الوداع) بفتح أوليهما على الأفصح والأشهر (استنصت الناس) أي مرهم بالإنصات فهو استفعال من أنصت الرباعي. قال لبرماوي: وهو قليل، وذلك لأنه سبب لتيسر وصول المسموع إليهم (ثم قال) أتى بثم كأنه لتراخي مدة المعطوف

стр. 1245

بها عن أمر جرير وذلك لكثرة الجمع فإنصاتهم يحتاج لمدة، ويحتمل أن تكون وضعت ثم موضع الفاء: أي (لا ترجعوا) أي تصيروا (بعدي كفاراً) أي كالكفار في الفعل الآتي أو كفاراً لنعمة الآخرة المقتضية لضد ذلك أو كفراً ضد الإيمان إن اعتقد حل ذلك (يضرب) بالرفع والجزم كما تقدما بتوجيههما (بعضكم رقاب بعض) والمراد النهي عن الأسباب المؤدية إلى التقاطع والتقاتل من التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر، وقد قدر الله وقوعهم فيما نهوا عنه ولا معقب لما أراده سبحانه (متفق عليه) . ٩١ - باب الوعظ قال في «المصباح» : هو الأمر بالطاعة والوصية بها (والاقتصاد) أي التوسط (فيه) بين البسط المؤدي إلى الإملال والإيجاز المؤدي إلى عسر الفهم للمقال. (قال الله تعالى) : ( ﴿ادع إلى سبيل ربك﴾ ) أي دينه وهو التوحيد وأعماله (بالحكمة) القرآن (والموعظة الحسنة) مواعظ القرآن، وقيل المراد القول اللين بلا تغليظ وتعنيف. ١٦٩٩ - (وعن أبي وائل) بالهمزة بعد الألف كنية (شقيق) بفتح المعجمة بعدها قافان بينهما تحتية بوزن شريف (بن سلمة) الأسدي الكوفي يعد مخضرماً. قال الحافظ في «التقريب» : مات سنة أربع وستين (قال: كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا) أي بالتكاليف الشرعية بذكر ثواب ما طلب منها فعلاً وعقاب فعل ما طلب منها تركاً (في كل خميس، فقال له رجل) لم أر من سماه (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن مسعود (لوددت) جواب قسم مقدّر: أي ولله

стр. 1246

لأحببت (أنك تذكرنا كل يوم) وذلك لعظم ثمرة التذكير بحلاوة نتائجه (فقال: أما) بتخفيف الميم أداة استفتاح (إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم) أن ومعمولاها مؤولة بمصدر فاعل يمنع: أي يمنعني كراهة إملالكم، فإن النفوس من طبعها الملل مما يداوم عليه وإن كان محبوباً لها (وإني أتخوّلكم) أي أتعهدكم (بالموعظة) مصدر ميمي بمعنى الوعظ (كما كان رسول الله يتخولنا) سيأتي الخلاف في ضبطه أهو بالخاء المعجمة أو بالمهملة وباللام أو بالنون عند بيان المصنف لمعناه (بها مخافة) مفعول له: أي خوف (السآمة) كالملالة وزناً ومعنى، والمراد سآمتهم لا سآمته يدل عليه السياق (علينا) متعلق بالسآمة على تضمينه معنى المشقة أو بوصف أو حال محذوفة: أي الطارئة أو طارئة أو شفقة محذوفاً (متفق عليه) وقع عند البخاري في باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة والعلم بلفظ كراهة السآمة. قال السيوطي في «التوشيح» : وقد روى مخافة في الباب الآتي فالتعبير بكراهة من تصرف الراوي (يتخوّلنا: يتعهدنا) أي يراعي الأوقات في وعظنا ولا يفعله كل يوم. وقال ابن السكيت: معناه يصلحنا ويقوم علينا، وهذا على أنه بالخاء المعجمة وتشديد الواو وباللام. قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب من حيث الرواية وصح بها المعنى. وقال البرماوي بعد ذكر الأقوال المذكورة في ضبطه: إنه بالمهملة رواية لكن الرواية الصحيحة بالإعجام. وقال أبو عمرو بن العلاء: وقد أطلقه البرماوي ولم ينسبه ونسبه كما قلنا السيوطي «يتخوّننا» بالنون، والتخوّن: التعهد، ويرد على الأعمش روايته باللام، وكان الأصمعي يقول ظلمه فإنه يروي باللام والنون، وقال التيمي: تخون فلاناً بعهده وحفظه كأنه اجتنب منه الخيانة المخلة بالحفظ، وقال أبو عمر الشيباني: الصواب بالحاء المهملة: أي يطلب أحوالنا التي ننشط فيها للموعظة والإتيان بالفعل مضارعاً بعد كان الماضي لقصد الاستمرار نحو كان حاتم يقرى الضيف.

стр. 1247

٢٧٠٠ - (وعن عمار) بفتح المهملة وتشديد الميم (بن ياسر) بالتحتية وبعد الألف سين مهملة بن عامر بن مالك العنسى بنون ساكنة بين مهملتين مفتوحة فمكسورة، أبو اليقظان مولى بني مخزوم صحابي جليل مشهور من السابقين الأولين بدري، وقتل مع عليّ بصفين سنة سبع وثلاثين كذا في التقريب، روى له عن رسول الله اثنان وستون حديثاً، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديثين. وقد ترجمه المصنف في «التهذيب» ، وفيه مسند الإمام أحمد وكتاب الترمذي وغيرهما عن عليّ بن أبي طالب قال «جاء عمار ليستأذن على النبي فقال: ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب» وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي طريق عند الترمذي ويقال: حديث حسن عن حذيفة مرفوعاً (واهتدوا بهدى عمار) وفي «المسند» من حديث خالد بن الوليد مرفوعاً «من عادى عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله» وفي سنده انقطاع، وهو والده صحابيان تقدمت ترجمته ﵄ قال: سمعت رسول الله يقول: إن طول صلاة الرجل) أي بالنسبة للخطبة فلا يشكل بحديث «إذ صلى أحدكم بالناس فليخفف» الحديث (وقصر خطبته مئنة من فقهه) وإنما كان كذلك لأن الفقيه يعلم أن الصلاة مقصودة بالذات والخطبة توطئة لها، فيصرف العناية إلى ما هو الأهم، وأيضاً فإن الصلاة عبودية العبد والإطالة فيها مبالغة في العبودية، والخطبة المراد منها التذكير، وما قلّ وقرّ خير مما كثر وفرّ (فأطيلوا الصلاة) أي بالنسبة للخطبة، لا بحيث أنه يشق حتى يوقع في النهي (وأقصروا الخطبة رواه مسلم) وقال السيوطي في الجامع الصغير بعد أن ذكره كذلك وزاد في آخره «وإن من البيان لسحراً» رواه أحمد ومسلم عن عمار (مئنة بميم مفتوحة ثم همزة) الأولى فهمزة (مكسورة ثم نون مشددة: أي علامة دالة على فقهه) وتقدم وجهه. ٣٧٠١ - (وعن معاوية بن الحكم) بفتح المهملة والكاف (السلمي) بضم المهملة وفتح

стр. 1248

اللام نسبة إلى بني سليم قبيلة من العرب. قال الحافظ في «التقريب» : صحابي نزل المدينة، وكذا قال المصنف في التهذيب وزاد فيه: وقد روى عن رسول الله ثلاثة عشر حديثاً انفرد به مسلم عن البخاري. وروى له حديث الباب قال المصنف في «التهذيب» : وخرج عنه أبو داود والنسائي ﵁ قال: بيننا) الألف لكفه عن الإضافة لما بعده فهو جملة مستأنفة (أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم) أي المصلين (فقلت) مشمتاً له أي بعد حمده إذ التشميت إنما يسن حينئذ، ويحتمل أنه بادره عند عطاسه لجهله بتوقف ذلك على الحمد، وهو المتبادر من سياق عبارته (يرحمك الله) خبر لفظاً إنشاء معنى (فرماني القوم بأبصارهم) شزراً إنكاراً لما فعلت لاشتماله على الخطاب لآدمي، وهو مبطل للصلاة وإن كان في ذكل وليس رميهم له بأبصارهم من الالتفات المنهي عنه لأنه يحتمل أن يكون بمجرد لمح أعينهم وبفرض كونه التفاتاً حقيقة فهو لحاجة لا يكره (فقلت واثكل) بضم المثلثة وسكون الكاف كما سيأتي وبفتْحِهما وهما لغتان حكاهما الجوهري كالبخل والبخل (أميَّاه) بكسر الميم، قال القرطبي: أمي مضاف إليه ثكل وكلاهما مندوب، كما قال: واأمير المؤمنيناه، وأصله أمي زيدت عليه الألف لنداء الصوت وأردفت بهاء السكت الثابتة في الوقف المحذوفة في الوصل نقله عنه السيوطي في زهر الربا: أي وافقدها لي فإني هلكت (ما شأنكم تنظرون إلى) جملة حالية من الضمير (فجعلوا يضربون بأيديهم) الباء زائدة (على أفخاذهم) زيادة في الإنكار على. والظاهر أنه لم يتكرر منهم ثلاثاً، فإن المتيقن منه واحدة، والزائد مشكوك فيه فلا تبطل الصلاة بقليل الفعل، وهو ما دون الثلاث من ذلك. أما الثلاث المتوالية عرفاً فتبطل (فلما رأيتهم يصمتونني) أي بالأمر بذلك بالإشارة، غضبت، لجهلي بقبح ما فعلت ومبالغتهم في التنكير على (لكني سكت) امتثالاً لأنهم أعلم مني ولم أعلم بمقتضى ذلك (فلما صلى رسول الله) جوابه قال الآتي وما بينهما اعتراض لما فيه من المناسبة والالتئام (فبأبي هو) أي فرسول الله مفدى أو أفديه بأبي (وأمي) وقرنه بالفاء تزييناً أو تفريعاً على أحسنية تعليمه (ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه) فيه

стр. 1249

تعريض أنهم ألغوا في الإنكار عليه في الكلام مع عذره بجهله بتحريم ذلك بقرب إسلامه، ثم بين الأحسنية بقوله (فوالله ما كهرني) قال المصنف: كما يأتي: أي نهرني هذا قول أبي عبيدة كما في زهر الربا. وقيل الكهر: العبوس في وجه من يلقاه (ولا ضربني ولا شتمني) صرح بهما مع العلم بانتفائهما من انتفاء الأول لأن مقام المدح مقام خطابة وإطناب (قال: إن هذه الصلاة) أي جنسها الشامل لفرضها ونفلها، بل ولما ألحق بها من سجدة تلاوة وشكر والمشار إليه ما في الذهن لا ما في الخارج، لإبهام اختصاص النهي به (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) المراد بالكلام المعني اللغوي وهو: كل لفظ سواء كان مهملاً أو مستعملاً، فتبطل بالنطق بشرط أن يسمع نفسه إن اعتدل سمعه ولا عارض من لغط أو نحوه بالحرف المفهم كق أمر من الوقاية أو بالحرفين وإن لم يفهما من كلام الآدميين وإن لم يقصد خطابهم ولو بالعجمية وإن لم يفهما كأن مد فتولدت ألف أو واو أو ياء وإن تعلق ذلك بمصلحة الصلاة، والكلام لغة: يقع على المفهم وغيره مما هو حرفان فأكثر، وتخصيصه بالمفهم اصطلاح طارىء للنحاة، والحرف المفهم متضمن لمقصود الكلام وإن أخطأ بحذف هاء السكت بخلاف غير المفهم، فاعتبر فيه أقل ما يبني عليه الكلام وهو حرفان، ويستثنى من كلام الناس إجابة المصلي للنبي بقول أو فعل وإن كثر فإنها واجبة لا تبطل بها الصلاة لشرفه ولذا أمر المصلي أن يقول: السلام عليك أيها النبي، وزعم أن هذا الخطاب لغائب يرده أن الخطاب مبطل للصلاة ولو لغائب بأن خطر إنسان في باله فقال مخاطباً له فيها يرحمك الله، بخلاف إجابة الأبوين فإنها تبطل وإن أوجبناها بأن تأذياً بعدمها تأذياً ليس بالهين سواء الفرض والنفل، ويستثنى أمور أخرى مذكورة في كتب الفقه. قال السيوطي: وحرمة الكلام في الصلاة من خصائص هذه الأمة، قال ابن العربي: كان شريعة بني إسرائيل يباح فيها الكلام في الصلاة دون الصوم فجاءت شريعتنا بعكس ذلك. وقال ابن بطال: إنما عيب على جريح عدم إجابته لوالدته في الصلاة لأن الكلام في الصلاة كان مباحاً في شرعهم (إنما هي) كذا فيما وقفت عليه من نسخ «الرياض» بضمير الواحدة المؤنثة والمرجع مدلول عليه بالسياق: أي إنما الكلمات الصالحة فيها، وروايته في المشكاة «هو» بضمير المذكر قال في «فتح الإله» : أي الذي يصلح فيها (التسبيح) أي التقديس لله وتنبيهه عما لا يليق به (والتكبير وقراءة القرآن) ومثلهما سائر الثناء عليه تعالى مما يدل على كماله. ويؤخذ من عدم أمره لمعاوية بإعادة الصلاة وإلا لنقل أن من تكلم فيها جاهلاً بتحريمه عذر بجهله لقرب

стр. 1250

عهده بالإسلام وإن خالط المسلمين أو لبعده عن العلماء لا تبطل صلاته لعذره، ومحل عدم البطلان في ذلك حيث قلّ الكلام، فإن الواقع من معاوية نحو خمس كلمات. أما ما كثر عرفاً فيبطل ولو معذوراً بذلك (أوشك كما قال رسول الله) أي مثل ما قال من التسبيح والتهليل والدعاء (قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية) هي ما قبل ورود الشرع. سميت به لكثرة جهالاتهم، وهذا عذر له في كلامه في الصلاة وعدم علمه بحرمته فيها (وقد جاء الله) في المشكاة جاءنا بزيادة ضمير المفعول للمتكلم ومعه غيره أي جاءنا معشر الأمة (بالإسلام) أي بدينه على يديك فلا تجد على في أسئلة أخرى يحتاج إلى معرفة حكم الله فيها (وإن منا رجالاً يأتون الكهان) جمع كاهن وهو من يدعي معرفة الضمائر ويخبر عن المستقبل، إما لجنى يخبره أو لزعمه أنه يدرك الغيب بفهم وأمارات، بخلاف العراف فإن نظره قاصر على معرفة الضالّ ومكان المسروق ونحوهما (قال فلا تأتهم) قال المصنف: قال العلماء: إنما نهى عن إتيانهم لأنهم قد يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك ولأنهم يلبسون على الناس كثيراً من الشرائع. قال الخطابي: والحديث يشمل النهي عن إتيان كل من الكهان والعراف (قلت: ومنا رجال يتطيرون) من الطيرة بكسر ففتح أو سكون وهو التشاؤم بالشيء، ولم يأت مصدر على فعلة غير هذا والخيرة، وذلك أنهم كانوا يتعرفون نحو الطير، فإن ذهب ذات اليمين مضوا وإلا رجعوا فنهوا عن ذلك بقوله (قال ذلك) أي التطير (شيء يجدونه في صدورهم) وفي المشكاة بلفظ في نفوسهم أي من التوهم والتشاؤم المقتضي بحسب توهمهم الفاسد رجوعهم عما يريدون فعله (فلا يصدهم) كذا في أصول «الرياض» بحذف نون التوكيد وهي ثابتة في «المشكاة» : فلا يمنعهم ذلك عن وجهتهم لأنه لا يؤثر نفعاً ولا ضرا، وإنما هو شيء يسوّله الشيطان في النفس ويزينه لها حتى تعمل بقضيته ليجرها بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو كفر صراح بإجماع العلماء. قال المصنف: قال العلماء: نهاهم عن العمل بالطيرة كأن يمتنعوا من مرادهم بسببها لأن ذلك في قدرتهم وكسبهم دون التطير، لأن ذلك يجدونه في النفس ضرورة فلا عتب عليهم فيه. قال: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير والطيرة، وهو محمول على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير

стр. 1251

عمل على مقتضاه، ونفى في الحديث السؤال عن الخط وسكت عليه المصنف ولفظه «قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك» (رواه مسلم) قال في «المشكاة» : قوله لكني سكت، هكذا وجدت في صحيح مسلم وكتاب الحميدي، وصحح في «جامع الأصول» بلفظة «كذا» فوق «لكني» قال شارحه: ومرّ شرحها كما ذكرناه وأنه لا إشكال فيه، والحديث رواه أبو داود والنسائي وله طرق بينها المزي في «أطرافه» . ( الثكل بضم الثاء المثلثة) أي وسكون الكاف، وتقدم أن هذا إحدى لغتين ثانيتهما فتحهما معاً وقد حكاهما الجوهري وغيره كالبخل والبخل (المصيبة والفجيعة) أي بالولد بفقده (ماكهرنى) بفتح أولية (أي ما نهرني) . ٤٧٠٢ - (وعن العرباض بن سارية) تقدمت ترجمته ﵁ مع شرح الحديث في الباب الذي ذكره المصنف (قال: وعظنا رسول الله موعظة) أي عظيمة كما قال (وجلت) أي خافت (منها القلوب) لأنها محل الدراية من الإنسان (وذرفت) أي سالت (منها العيون) أي دموعها (وذكر الحديث) والقصد أن أحسن المواعظ ما كان جزلاً جامعاً بليغاً نافعاً، فخير الكلام ما دل (وقد سبق بكماله) الباء بمعنى مع (في باب الأمر المحافظة على السنة، و) قد (ذكرنا أن الترمذي قال: إنه حديث حسن صحيح) أتى بذلك لينبه على أن المطلوب من جملة الأحكام التي لا تثبت إلا بالمقبول من الخبر فينبه بذلك على أنه منه. والله أعلم.

стр. 1252

٩٢ - باب الوقار بفتح الواو والقاف مصدر وقر بالضم مثل جمل جمالاً وهو الحلم والرزانة، ويقال وقر يقر من باب وعد فهو وقور كرسول. قال في المصباح: الوقار أيضاً العظمة ويقال وقر وقرا من باب وعد وعداً، يقال جلس بوقار اهـ. وما في الترجمة بالمعنى الأول بدليل عطف قوله (والسكينة) بتخفيف الكاف عليه فهي كما في «المصباح» : المهابة والرزانة والوقار. قال: وحكى في «النوادر» تشديد الكاف ولا يعرف في كلام العرب فعلية مثقلاً إلا هذا الحرف شاذاً اهـ. وبما ذكرنا علم أن عطفها على الوقار من عطف العام على الخاص، لأنه داخل في مفهومها أتى به اعتناء بذلك، وسيأتي فيه مزيد في الباب الذي يليه. (قال الله تعالى) : ( ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً﴾ ) أي هينين أو مشياً هيناً بسكينة ووقار من غير جبرية واستكبار، لا مشى المرضي فإنه مكروه وهو مبتدأ خبره الذين يمشون أو الذين صفته والخبر - أولئك يجزون الغرفة - ( ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ ) أي خاطبهم بما يكرهونه ( ﴿قالوا سلاماً﴾ ) سداداً من القول يسلمون فيه من الإثم أو تسليماً منكم لا خير بيننا ولا شر قال تعالى: ﴿وإذاسمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ (القصص: ٥٥) وعن الحسن البصري قالوا السلام، وفي الحديث ما يؤيده. ١٧٠٣ - (وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله مستجمعاً) أي مبالغاً في الضحك لم يترك منه شيئاً (ضاحكاً) قال الحافظ ابن حجر منصوب على التمييز وإن كان مشتقاً مثل: لله دره فارساً، أي ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكاً تاماً مقبلاً بكليته على الضحك (حتى ترى) بالبناء للمجهول (منه لهواته إنما كان يتبسّم) . قال

стр. 1253

أهل اللغة: التبسم مبادىء الضحك. والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فالضحك. وإن كان بلا صوت فهو التبسم. وهذا باعتبار ما علمته من ضحكه، وإلا فقد جاء في أحاديث «ضحك حتى بدت نواجذه» (متفق عليه) رواه البخاري في الأدب من «صحيحه» ، ورواه مسلم في الفضائل (اللهوات) بفتح أوليه (جمع لهاة) بفتحهما أيضاً (وهي اللحمة التي في أقصى الفم) زاد في «المصباح» قوله المشرفة على الحلق، وتجمع أيضاً على لها كحصاة وحصى. باب الندب بفتح النون وسكون الدال المهملة فباء موحدة: أي الدعاء ، يقال ندبه إلى الأمر ندباً من باب قتل دعاه (إلى إتيان) محل (الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار) وذلك لما في ذلك من سكون النفس فيدخل في العبادة بخشوع وخضوع بخلافه إذا عدا في الطريق بذلك فلا يأتي إلا وهو مضطرب من إسراع المشي فيصده ذلك عن كمال الخشوع أو أصله. (قال الله تعالى) : ( ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها﴾ ) أي تعظيمها ( ﴿من تقوى القلوب﴾ ) أي ناشىء من تقوى قلوبهم أو أعمال ذوى تقوى القلوب، والآية قد تقدم الكلام فيها في باب تعظيم حرمات المسلمين.

стр. 1254

١٧٠٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: إذا أقيمت الصلاة) بذكر كلمات الإقامة ومثله بل أولى إذا لم تقم ولكن خشي قيامها، قيل والمراد هنا بالصلاة الجمعة بدليل تبويب البخاري للحديث بباب المشي إلى الجمعة لكن حملها على العموم أولى، إلا أن يقال يفهم غير الجمعة منها بقياس الأولى (فلا تأتوها) ندباً (وأنتم تسعون) ولا يخالفه قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (الجمعة: ٩) لأن المنهى عنه السعي بمعنى العدو والإسراع في المشي، والمأمور به المضي فيها، وقد قرىء «فامضوا إلى ذكر الله» وقد جاء في رواية في البخاري «فامشوا إلى الصلاة ولا تسرعوا» (وأتوها) ندباً (وأنتم تمشون) مشياً بلا إسراع ينافي الوقار كما يدل عليه تقييده بالجملة الحالية بقوله (وعليكم السكينة والوقار) بالرفع مبتدأ مؤخر كما ضبطه المصنف، واحتمال النصب الذي ضبطه به القرطبي على الإغراء فيه بعد عن السياق، لكن يؤيده أنه جاء في رواية بالسكينة بزيادة الياء تأكيداً، وإنما طلب لتكثير الخطأ المقصود لذاته، ثم محل ذلك ما لم يعدّ مقصراً بالتأخير في الجمعة بحيث ينسب إليه التفويت وإلا فيجب عليه الإسراع حينئذ، ثم عطف السكينة للتأكيد والبيان كما قال القرطبي بناء على ترادفهما، وقال المصنف بعد ذكر الجامع بينهما: الظاهر أن بينهما فرقاً، فالسكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغضّ البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات. ورجح بأن التأسيس خير من التوكيد وأن الأصل في العطف التغاير قال: قال بعض شراح الجامع الصغير: ويرجع الأول بالاكتفاء بالسكينة عنه هنا في رواية فذلك ظاهر في ترادفهما. إلا أن يقال إن الفرق بينهما على القول به عند اجتماعهما، أما عند افتراقهما فأحدهما يغني عن الآخر كالفقير والمسكين (فما أدركتم) أي من الصلاة مع الإمام (فصلوا) الفاء في «فما» فصيحة قدر الحافظ بقوله: إذا فعلتم ما أمرتم به من السكينة وترك الإسراع، فما أدركتم فصلوا وهو أحسن من قول الكرماني: إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا (وما فاتكم) معه (فأتموا) أي أكملوا وحدكم، وفي لفظ فاقضوا وهو بمعنى فإذا فلا

стр. 1255

ينافي رواية فأتموا، وقوله أتموا دليل للشافعية أن ما يفعله مع الإمام أول صلاته وما يأتي به بعده آخرها، لأن الإتمام لا يكون إلا للآخر لاستدعائه سبق الأول، قاله البرماوي (متفق عليه) لكن التصريح بالوقار من زيادة رواية البخاري كما قاله القرطبي، ورواه أحمد والأربعة كما في الجامع الصغير (زاد مسلم في رواية له: فإن أحدكم) أي الواحد منكم (إذا كان يعمد) بكسر الميم أي يقصد (إلى الصلاة فهو في صلاة) أي فيحصل له فضلها وإن لم يدركها معهم وقد جاء في ذلك حديث مرفوع، لكن محل ذلك كما في فتح الإله ما لم يعتد ذلك ويتساهل فيه. ٢٧٠٥ - (وعن ابن عباس ﵄ أنه دفع مع النبي) أي قريباً منه بحيث يعدّ عرفا أنه مصاحب له ومنسوب إليه (يوم عرفة) أي عقبه بعد مغيب شمسه كما جاء التصريح بذلك في حديث جابر (فسمع النبيّ وراءه زجراً شديداً وضرباً) أي صوت ذلك (وصوتاً للإبل) أي من الرغو، قال في «المصباح» : رغت الناقة ترغو: أي صوّتت (فأشار بصوته إليهم) أي تأنوا ودعوا العجلة (وقال) زيادة في البيان (عليكم) أي الزموا (بالسكينة) الباء فيه مزيدة للتأكيد. وقيل عليكم اسم بمعنى خذوا فالباء معدية (فإن البر ليس بالإيضاع) أي إنما هو بالخضوع والخشوع والاستكانة لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (رواه البخاري) في كتاب الحج (وروى مسلم بعضه) وهو قوله في حديث جابر «ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة» اهـ، وبه يتبين أن قوله في رواية البخاري المذكورة وقال «عليكم السكينة» أي بالإشارة إليها، ويحتمل أنه جمع بينها وبين اللفظ بذلك (البر الطاعة) كذا قاله المصنف، وفسر أيضاً بالخير والفضل فجعل الإيضاع

стр. 1256

ليس من البرّ بمعانيه المذكورة مقيدة بما إذا أدى إلى محظور كالتزاحم أو إيذاء الدواب حتى صوتت فإنها لا يكون منها عادة إلا عند ما يشق عليها وإلا فيطلب والله أعلم (والإيضاع) بسكون التحتية المنقلبة عن واو لسكونها وانكسار ما قبلها (بضاد معجمة قبلها همزة) أي وبينهما ياء ساكنة (وهو الإسراع) ومنه قوله تعالى: ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ (التوبة: ٤٧) أي لأسرعوا ركائبهم في وسطكم بإيقاع العداوة بينكم. ٩٤ - باب إكرام الضيف قال في المصباح: الضيف معروف، ويطلق بلفظ واحد على الواحد وعلى غيره لأنه مصدر في الأصل من ضافه ضيفاً من باب باع إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة فيقال ضيف وضيفة وأضياف وضيفان، وأضفته: وضيفته إذا أنزلته وقريته، والاسم الضيافة. قال ثعلب: ضفته إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده وأضفته إذا أنزلته عندك ضيفاً، تضيفني فضيفته: أي طلب مني القرى فقريته اهـ ملخصاً (قال الله تعالى) : ( ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ ) كذا هو بالواو في بعض النسخ وبحذفها من أخرى والتلاوة كذلك، وهذه الجملة لتعظيم شأن الحديث وتنبيه على أن المصطفى إنما عرف ذلك بالوحي له، وإفراد الضيف جاء في اللغة الأولى بدليل وصفه بالمكرمين عند الله أو عند إبراهيم ( ﴿إذ دخلوا عليه﴾ ) ظرف للحديث أو بتقدير اذكر لا للفعل الماضي لاختلاف زمني إتيان الخبر ودخولهم ( ﴿فقالوا سلاماً﴾ ) أي نسلم عليك سلاماً ( ﴿قال سلام﴾ ) أي عليكم سلام وعدل إلى الرفع ليدل على الثبات فعمل بقوله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ (النساء: ٨٦) وقد بسطت هذا

стр. 1257

المعنى في كتاب أحكام السلام من «شرح الأذكار» ( ﴿قوم منكرون﴾ ) أي أنتم قوم لا نعرفكم ( ﴿فراغ﴾ ) ذهب ( ﴿إلى أهله﴾ ) بخفية، فمن آداب المضيف أن يخفي إتيانه بالضيافة عن الضيف ( ﴿فجاء بعجل﴾ ) مشوي كما في الآية الأخرى ﴿فجاء بعجل حنيذ﴾ (هود: ٦٩) (سمين ﴿فقرّبه إليهم قال ألا تأكلون﴾ ) ذكره بصيغة العرض تلطفاً في العبارة (وقال تعالى) : ( ﴿وجاءه﴾ ) أي لوطا ( ﴿قومه يهرعون﴾ ) يسرعون ( ﴿إليه﴾ ) عجلة لنيل مطلوبهم من أضيافه ( ﴿ومن قبل﴾ ) أي من قبل ذلك الوقت ( ﴿كانوا يعملون السيئات﴾ ) أي يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام ( ﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي﴾ ) أي فتزوجوهن واتركوا أضيافي، كانوا يطلبونهن من قبل ذلك ولا يجيبهم وكان تزويج المسلمة من الكافر جائزاً، أو المراد من البنات نساؤهم وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبيّ أبو أمته ( ﴿هن أطهر لكم﴾ ) من نكاح الرجال ( ﴿فاتقوا الله ولا تخزون﴾ ) تفضحوني ( ﴿في﴾ ) شأن ( ﴿ضيفي﴾ ) فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه فدل على الاهتمام بالضيف ودفع المؤذيات عنه ولو بما يتأذى به من المضيف فذلك من الإكرام المأمور به له ( ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ ) يعرف حقيقة ما أقول. ١٧٠٦ - (وعن أبي هريرة) تقدم حديثه ﵁ هذا وشرحه في باب صلة الأرحام، وبنحوه من حديث أبي شريح الخزاعي في حديث الباب الذي قبل ذلك (عن النبي قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي إيماناً كاملاً (فليكرم ضيفه) قيل إكرامه تلقيه بطلاقة الوجه وتعجيل قراه والقيام بخدمته بنفسه، وقد جاء في الرواية «إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم أكرم أضيافك فأعد لكل شاة مشوية، فأوحى إليه أكرم فجعله ثوراً، فأوحى إليه أكرم فجعله جملاً، فأوحى إليه أكرم فتحير وعلم أن إكرامهم ليس في كثرة الطعام فخدمهم بنفسه،

стр. 1258

فأوحى إليه الآن أكرمتهم» كذا في شرح ابن مالك على المشارق (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أعدّ ذلك إيذاناً باستقلال جوابه في ترتبه على الشرط ترتب المسبب على السبب ولو لم يعدل احتمل ذلك واحتمل أن المرتب عليه مجموع الأمور الثلاثة فدفع ذلك كذلك (فليصل رحمه) وتقدم في باب صلة الأرحام أن صلة الرحم مطلوبة وبعض خصالها واجب وبعضها مندوب، فالأمر في ذلك كله إما من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يرى جوازه أو من باب عموم المجاز بأن يراد به مطلق الطلب الشامل للنوعين (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) كذلك اليوم الآخر هو يوم القيامة، وقيل له ذلك لأنه لا يوم بعده، وذكر في الجمل الثلاث لأنه حين المجازاة فذكره باعث على الإكثار من عمل البر زاجر عن الكف عن ذلك وكأن التارك لشيء من هذه الخصال غير مؤمن بما ذكر فيه (فليقل خيراً) من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو كلمة طيبة (أو ليصمت متفق عليه) . ٢٧٠٧ - (وعن أبي شريح) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة (خويلد) بضم المعجمة وسكون التحتية مصغر خالد (ابن عمرو ﵁ الخزاعي الكعبي العدوى حلفاً، وقيل اسمه عبد الرحمن بن عمرو، وقيل هانىء، وقيل كعب. شهد ﵁ فتح مكة مسلماً وكان يومئذ حاملاً أحد ألوية بني كعب، خرّج له الجماعة، روى له عن رسول الله عشرون حديثاً، أخرج منها الشيخان ثلاثة، اتَّفقا على حديثين وانفرد البخاري بالثالث. روى عنه نافع بن جبير والمقبري مات بالمدينة سنة ثمان وستين (قال: سمعت رسول الله يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) بالنصب بدل اشتمال: أي فليكرم جائزة ضيفه (قالوا: يا رسول الله وما جائزته؟ قال: يومه وليلته:) لفظ رواية البخاري في «الأدب» من «صحيحه» «فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة» وقد روى ذلك فيه مرفوعاً ومنصوباً. وعنده في الرقاق «قيل وما جائزته» الحديث لكن ليس فيه ذكر الجار، أما هنا فمرفوع خبر لمحذوف دل عليه ذكره في السؤال: أي جائزته إكرام يومه

стр. 1259

وليلته (والضيافة ثلاثة أيام) واختلف هل الجائزة منها أو زائدة عليها، فإن كان منها قدر كما ذكر وإلا قدر جائزته زيادة يومه وليلته على أيام الضيافة الثلاثة أشار إليها البدر الدماميني في مصابيحه، لكن قوله (وما كان وراء ذلك) أي زيادة عليه (فهو صدقة) يؤيد أنها منها، وقد قال العلماء: المطلوب من المضيف أن يبالغ في إكرام الضيف اليوم الأول وليلته، وفي باقي اليومين يأتي له بما يتيسر من الإكرام غير مبالغ فيهما كاليوم الأول، والله أعلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأدب من «صحيحه» ، وأخرجه مسلم في الأحكام، ورواه أبو داود في الأطعمة والترمذي في البرّ وقال: حسن صحيح، والنسائي فيه وفي الرقاق وابن ماجه في الأدب اهـ ملخصاً من «الأطراف» للمزي (وفي رواية لمسلم: ولا يحل) أي يجوز (لمسلم) التنكير فيه للتعميم (أن يقيم عند أخيه) لا يخفي ما في التعبير بأخيه من الحث على النظر إلى حاله والتخفيف عنه فإن ذلك شأن الأخوّة (حتى يؤثمه) أي إلى أن يوقعه في الإثم (قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟) أي يوقعه فيه (قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) فيؤدي ذلك إلى الوقيعة فيه واغتيابه وإلى الاستدانة المفضية إلى الكذب وخلف الوعد كما في حديث «يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ به من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم وعد فأخلف وحدث فكذب» . ٩٥ - باب استحباب التبشير أي الإخبار بما يسرّ المخبر، سمى بذلك لما يبدو على بَشرة المخبر من الحبور والسرور (والتهنئة بالخير) وذلك لما فيه من التوادّ والتحاب. (قال الله تعالى) : ( ﴿فبشر﴾ ) يا محمد

стр. 1260

( ﴿عباد﴾ ) المشرّفون بشرف نسبة العبودية إليّ، وقوله ( ﴿الذين يستمعون القول﴾ ) أي القرآن ( ﴿فيتبعون أحسنه﴾ ) كالعفو عن نصف الصداق المخير الزوج بينه وبين أخذه. وكالعفو عن المعسر المخير الدائن بينه وبين إنظار المدين، وحذف المبشر به ليعم ويذهب الوهم كل مذهب، وفضل الله أعلى وأوعب. (وقال تعالى) : ( ﴿يبشرهم ربهم﴾ ) لا يخفي لطافة التعبير به: أي الذين رباهم بسابق عنايته بهم حتى أوصلهم لما سبق لهم في علمه ( ﴿برحمة﴾ ) عظيمة جليلة كما يؤذن به قوله ( ﴿منه﴾ ) فإن الذي من العظيم عظيم ( ﴿ورضوان﴾ ) وهو كواسطة العقد، قال تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ (التوبة: ٧٢) فناسب توسيطه بين قلائد الصلاة ( ﴿وجنات﴾ ) والتنوين فيه كهو في رحمة، وقوله ( ﴿لهم فيها نعيم مقيم﴾ ) جملة اسمية في محل الصفة لها وأحد الظرفين خبر مقدم للاهتمام والثاني في محل الحال. (وقال تعالى) حكاية عن تبشير الملائكة لخواص المؤمنين يوم القيامة ( ﴿وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ ) أي على لسان أنبيائكم. (وقال تعالى) : ( ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ ) الأكثر أنه إسماعيل، وقيل إسحاق. (وقال تعالى) : ( ﴿ولقد جاءت رسلنا﴾ ) الملائكة ( ﴿إبراهيم بالبشرى﴾ ) ببشارة الولد وبه يظهر حكمة قران الكلمة لها بما قبلها أو بشارة بهلاك قوم لوط. وقال تعالى) : ﴿وامرأته﴾ أي سارة امرأة إبراهيم ( ﴿قائمة﴾ ) وراء الستر أو قائمة بخدمة الضيف ( ﴿فضحكت﴾ ) سروراً بالأمن أو

стр. 1261

تعجباً وقالت لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعاماً، أو تعجباً من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، فإن الضحك من أسماء الحيض العشرة التي نظمتها في قولي: للحيض عشرة أسماء لنا وردت طمس وطمث وإعصار وإكبار ضحك دراس عراك بعد ذاك أتى حيض نفاس فراك هم يا جار ( ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ) . (وقال تعالى) : ( ﴿فنادته﴾ ) أي زكريا ( ﴿الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب﴾ ) الجملة حال من مفعول نادى والظرف حال من فاعل يصلي، وسمى محل الصلاة محراباً لأن المصلي يحارب فيه الشيطان ( ﴿إن الله﴾ ) بكسر الهمزة بإضمار قائلين وبفتحها من غير إضمار وقرىء بهما ( ﴿يبشرك بيحيى﴾ ) اسم أعجمي على صورة المنقول من مضارع حيى. (وقال تعالى) : ( ﴿إذا قالت الملائكة﴾ ) أي اذكر وقت قولها ( ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة﴾ ) سمى كلمة لأنه صدر عن كلمة «كن» من غير ذكر، وقوله ( ﴿منه﴾ ) إيماء إلى تعظيم عيسى وتفخيم شأنه كما ذكرناه قريباً. (الآية، والآيات في الباب كثيرة معلومة) وكل ما أورده منها شاهد في شطر الترجمة الأولى (وأما الأحاديث فكثيرة جداً) بكسر الجيم: أي نهاية في الكثرة (وهي مشهورة في) كتب (الصحيح) التي أصحها الصحيحان منها.

стр. 1262

١٧٠٨ـ (عن أبي إبراهيم) وعليه اقتصر المصنف في باب الصبر (ويقال) فيه (أبو محمد) ويقال أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفي تقدمت ترجمته في الباب المذكور وهو ووالده صحابيان ﵄ أن رسول الله بشر خديجة أم المؤمنين ﵂ ببيت) أي عظيم، وقد جاء في مسلم بقصر (في الجنة من قصب) الظرف الأخير محتمل للحالية لتخصيص النكرة بالظرف قبله وللوصفية لنكارته (لا صخب) بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة وبالباء الموحدة (فيه) خبر لا (ولا نصب) وهو بالفتح فيهما، وكأن الرواية فيه كذلك وإلا فيجوز فيه من الأوجه الخمسة ما يجوز في «لا حول ولا قوة إلا بالله» (متفق عليه) رواه البخاري في فضل خديجة، ومسلم في الفضائل، ورواه النسائي في المناقب. (القصب) بفتح القاف والصاد المهملة بعدها موحدة (هنا) أي في هذا الحديث وما شابهه (اللؤلؤ المجوف) زاد في النهاية الواسع كالقصر المنيف، والقصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف، وفي التوشيح للسيوطي في الطيراني عن فاطمة «قلت: يا رسول الله أين أمي؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا، من القصب المنظوم بالدرّ واللؤلؤ والياقوت» (الصخب) بالصاد المهملة وإبدالها سينا لغة وبالخاء المعجمة المفتوحتين (الصياح واللغط) وهو مصدر صخب من باب تعب قاله في المصباح (والنصب) مصدر نصب بفتح النون وكسر المهملة (التعب) ونفي التعب عن الجنة لأنها ليست دار تكليف وأعمال وإنما هي منزل تشريف وإجلال. ٢٧٠٩ - (وعن أبي موسى الأشعري) تقدمت ترجمته ﵁ في باب الإخلاص (أنه توضأ في بيته) يحتمل أن يكون لإرادة الصلاة أو ليكون على طهارة (ثم خرج فقال:

стр. 1263

لألزمنّ رسول الله ولأكوننّ معه يومي هذا) الإشارة إليه للتعميم: أي لا أكتفي ببعضه عن باقيه (فجاء المسجد فسأل عن رسول الله فقالوا: وجه) (بفتح الواو وتشديد الجيم: أي توجه كما سيأتي في الأصل، أو وجه نفسه (ها هنا، قال: فخرجت على أثره) بفتح الهمزة المثلثة وبكسر فسكون أي تبعته عن قرب، وجملة (أسأل عنه) حال إما من فاعل فخرج فتكون مترادفة، أو من الظرف فتكون متداخلة (حتى دخل بئر أريس) أي الحائط الذي هي فيه وسيأتي ضبطه في الأصل (فجلست عند الباب حتى) أي إلى أن (قضي رسول الله حاجته) أي حاجة الإنسان من البول أو الغائط (وتوضأ فقمت إليه) أي متوجهاً إليه (فإذا) فجائية (هو) مبتدأ خبره (قد جلس على بئر أريس) وأظهر لزيادة البيان (وتوسط قفها) سيأتي ضبطه، ومعناه: أي الركية التي تجعل حول البئر (وكشف عن ساقيه) تثنية ساق، وهي ما بين الركبة والقدم وهي مؤنثة تصغيرها سويقة، قاله في المصباح (ودلاهما) أي الساقين (في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت) المعطوف عليه محذوف: أي فسلم علىّ ثم انصرفت (فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بوّاباً للنبي اليوم) قال في «فتح الباري» : ظاهره أنه اختار ذلك وفعله من نفسه، وقد صرح به في رواية للبخاري في الأدب فزاد قوله «ولم يأمرني بذلك» قال ابن التين: فيه أن المرء يكون بوّاباً للإمام وإن لم يأمره كذا قال. ووقع في رواية للبخاري في مناقب عثمان من طريق آخر «فقال: يا أبا موسى أملك عليّ الباب» أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» والرواياني في مسنده. وفي رواية الترمذي «فقال لي: يا أبا موسى أملك عليّ الباب فلا يدخلن عليّ أحد» فيجمع بينهما بأنه لما حدّث نفسه بذلك صادف أمر النبي له بحفظ الباب عليه، وأما قوله «ولم يأمرني» يريد أنه لم يستمر بوّاباً، وإنما أمره بذلك قدر ما قضى حاجته وتوضأ، ثم استمر هو من قبل نفسه، فبطل استدلال ابن التين به. وجاء عند أبي داود عن نافع بن عبد الخزاعي قال «دخل النبي حائطاً من حوائط المدينة فقال لبلال: أمسك عليّ الباب، فجاء أبو بكر يستأذن» فذكر نحو حديث

стр. 1264

الباب وأخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث أبي سعيد. قال الحافظ: فإن صحح حمل على التعدد. قال: ثم ظهر لي وهم من بعض رواته، وأن النسائي أخرج الحديث عن نافع عن أبي موسى وهو الصواب، فرجع الحديث إلى أبي موسى واتحدت القصة اهـ. ولا ينافي هذا قول أنس: لم يكن له بواب، لأن مراده لم يكن بواب مرتب لذلك على الدوام (فجاء أبو بكر ﵁ يحتمل أنه علم كون النبي ثمة باستخبار كأبي موسى أو بإخبار سابق منه أو كان ذلك أمراً اتفاقياً (فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر) أي أنا أبو بكر، ففيه استحباب تصريح المستأذن باسمه إذا سئل منه تعيين نفسه (فقلت: على رسلك) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي هينتك (ثم ذهبت) أي فوقفت ثم ذهبت (إلى رسول الله فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن) جملة مستأنفة أو حالية أو خبر بعد خبر (فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة) فيه حسن ثمرة لزوم الأدب، زاد البخاري في رواية «فحمد الله» وكذا قال في حق عمر (فدخل أبو بكر) وسار (حتى جلس عن يمين النبي) لأنها أشرف الجهات (معه) في محل الحال من ضمير جلس وكذا (في القف) ويحتمل أن أحدهما ظرف لغو في القف (ودلى) أي أرخى (رجليه في البئر كما صنع النبيّ وكشف عن ساقيه) كأنه فعل ذلك ليبقى النبي على ما هو عليه من تلك الجلسة المرتاح هو بها، إذ لو لم يفعل ذلك لربما ترك النبي ما كان عليه منها، فأثر بفعله ذلك ما هو من إسقاط الكلفة ما فيه راحة المصطفى (ثم) لعل الإتيان بها لطول مقام أبي موسى ناظراً في فعل الصدّيق وما يقول وما يقال، ويحتمل أنها مستعارة للفاء: أي (فرجعت فجلست وقد تركت أخي) كان أبورهم وأبو بردة، قبل وآخر اسمه محمد وأشهرهم أبو بردة واسمه عامر (يتوضأ ويلحقني،

стр. 1265

فقلت: إن يرد الله بفلان) كناية عن المبهم من أعلام العقلاء وقد تستعمل في غيرهم مجازاً ولذا قال (يعني أخاه خيراً يأت به) ليغنم التمتع بالحضور بين يدي المصطفى في الخلوة، ولعله أن يبشر بالجنة كما بشر من قبله (فإذا إنسان يحرّك الباب) على سبيل الاستئذان، وفيه حسن الأدب في الاستئذان. وأما قول ابن التين لعله كان قبل الاستئذان، فقال الحافظ في «الفتح» : إنه بعيد، لأنه جاء في رواية البخاري عن أبي موسى بلفظ «فجاء رجل فاستأذن» فعرف أنه حركة مستأذن، لا دافعاً ليدخل بغير إذن (فقلت: من هذا؟ فقال عمر بن الخطاب) فيه أنه إذا كان لا يحصل بيان المستأذن إلا بالزيادة على اسمه ذكر ما يحصل به رفع الإبهام (فقلت: على رسلك) متعلق بمحذوف دل عليه الحال: أي وقف حال كونك على هينتك (ثم جئت) عبر به بدل قوله أوّلاً ذهبت تفنناً في التعبير (إلى رسول الله وقلت: هذا عمر) استغنى عن نسبته لعلمه بما يدل على تعيينه عند المصطفى بمجرد ذكر اسمه من قرائن الأحوال التي منها وجود قرينه وهو الصديق (يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة) مبادرة لإدخال السرور عليه، وإلا فذلك حاصل من تأخيره وتبشيره، وفيه قبول خبر الواحد، وفيه جواز العمل بالظن مع القدرة على اليقين (فجئت عمر) أظهر والمقام للضمير ولعله استلذاذاً بذكره لمحبته له (فقلت: أذن) بالبناء للفاعل (ويبشرك رسول الله بالجنة) لعل حكمة العدول مع ما فيه من التفنن في التعبير الإشارة إلى علوّ مقام الأول، لأن الجملة الإسمية المخبر عنها بالفعلية تدل على الدوام والاستمرار نظراً لصدرها وعلى التجدد والحدوث نظراً لعحزها، والجملة الفعلية المحضة لا دلالة فيها على الدوام والاستمرار، فناسب علوّ مقام الصديق على مقام عمر ﵄ أن تكون البشارة للصديق بجملة أبلغ من البشارة لعمر، والله أعلم (فدخل فجلس مع رسول الله في القفّ عن يساره) بفتح التحتية وتخفيف السين أي شماله (ودلى رجليه) عبر بهما بدل ساقيه تفنناً في التعبير، لأنّ تدلية كل من الأمرين مستلزم لتدلية الآخر (في البئر) ، ثم رجعت
следующие страницы →