١٧١١٧٥ - (وعن حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي) أي مؤتماً به في تهجده (ذات ليلة فافتتح البقرة) أي بعد الفاتحة لا أنه افتتح بها من غير قراءة الفاتحة فإنه كان يقرؤها، وصح عنه «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وإنما يذكره الراوي اعتماداً على فهم السامع (فقلت: يركع عند المائة) بكسر الميم وفتح الهمزة وبينهما في الرسم ألف، وبعض الجهال يقوله بفتح الميم والتحتية بينهما ألف، قال الراعي: وهذا جهل كأنه قائله ما قرأ القرآن، وإنما كتبت الألف على خلاف قاعدة الخط دفعاً للالتباس بمنه الجار (ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة) أي فيركع عند تمامها (فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها) هذا ترتيب مصحف ابن مسعود، فلا يقال إن ترك ترتيب السور وقراءة الأخيرة ثم ما قبلها خلاف الأولى، ولعل الترتيب كان حينئذ كذلك، ثم أمر النبي بتقديم آل عمران، وقال المصنف: فيه دليل لمن قال إن ترتيب السور اجتهاد لا توقيف فيه، وبه قال مالك والجمهور والباقلاني وقال إنه أصح القولين مع احتمالهما. قال المصنف: ومن قال إنه توقيفي حدده كما استقر في المصحف العثماني، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير فيتناول قراءته النساء فآل عمران، على أنه كان قبل التوقيف في الترتيب وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ. قال المصنف: ولا خلاف في أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو خارج الصلاة، وأباحه آخرون وحملوا التنكيس المنهي عنه على من قرأ من آخر السورة إلى أولها، ولا خلاف أن ترتيب الآيات توقيفي اهـ. ملخصاً، وقد نقله هو عن القاضي عياض، وقوله (يقرأ مترسلاً) جملة مستأنفة أو
стр. 1717
حالية لبيان كيفية قراءته، والترسل ترتيل الحروف وأداؤها حقها (إذ مر بآية فيها تسبيح) كقوله تعالى: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ (الأحزاب: ٤٢) (سبح) أي
قال سبحان الله (وإذا مر بسؤال) أي بآية فيها ذلك كقوله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ (النساء: ٣٢) وقوله: ﴿فليستجيبوا لي﴾ (البقرة: ١٨٦) (سأل وإذا مر بتعوذ) أي بآية فيها ذلك كقوله تعالى عن أم مريم: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ (آل عمران: ٣٦) أو طلبه كقوله تعالى:
﴿فإما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ (الأعراف: ٢٠٠) (تعوذ) أي سأل الله العوذ من الشيطان وخالف في تعبيره بما في الشرطية الأولى وبما في الأخيرتين تفننا في التعبير. ويؤخذ من الحديث استحباب جميع ما ذكر للقارىء (ثم ركع فجعل) أي عقب تمام ركوعه وهو من أفعال الشروع أي أخذ (يقول) فيه (سبحان ربي العظيم) أي يكرره لقوله (فكان ركوعه نحواً) أي قريباً (من قيامه) أي كان زمن ركوعه قريباً من زمن قيامه، ففيه تطويل الركوع (ثم قال) أي مع رفع رأسه من الركوع (سمع الله لمن حمده) أي تقبله منه (ربنا لك الحمد) قاله حال انتصابه (ثم قام) في الاعتدال من الركوع قياماً (طويلاً قريباً مما ركع) قال المصنف: فيه دليل لجواز تطويل الاعتدال عن الركوع وأصحابنا يمنعونه ويبطلون به الصلاة (ثم سجد فقال: سبحان ربّي الأعلى) صح «أنه لما نزل: ﴿فسبح بسم ربك العظيم﴾ (الواقعة: ٧٤) ، قال: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (الأعلى: ١٤) قال: اجعلوها في سجودكم» وحكمته أنه ورد «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً» فخصه بالأعلى: أي عن الجهات والمسافات لئلا يتوهم بالأقربية ذلك، وقيل لما كان الأعلى أفعل تفضيل وهو أبلغ من العظيم والسجود
стр. 1718
أبلغ في التواضع فجعل الأبغ للأبلغ (فكان سجوده قريباً من قيامه. رواه مسلم) وتقدم في باب المجاهدة.
١٨١١٧٦ - (وعن جابر ﵁ قال: سئل) بالبناء للمجهول ولم أقف على السائل (رسول الله: أي الصلاة) أي أعمالها (أفضل؟ قال: طول القنوت. رواه مسلم المراد بالقنوت القيام) قال المصنف: فيه دليل لمن فضل تطويل القيام على تطويل السجود وتكثير الركوع، وهو مذهب الشافعي وجماعة لحديث جابر هذا، ولأن ذكر القيام القراءة وذكر السجود التسبيح والقرآن أفضل، ولأن المنقول عن النبيّ أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود. وفي المسألة مذاهب أخر، قيل تطويل القيام في الليل أفضل وتكثر الركوع والسجود نهاراً أفضل، وعليه إسحاق بن راهويه، وقيل تطويل السجود وتكثير الركوع أفضل مطلقاً، وقيل إنهما سواء.
١٩١١٧٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله قال) مخاطباً (له) لما أمره بترك مداومة الصوم والقيام وأن يصوم ويفطر ويقوم وينام (أحب الصلاة) أي التهجد (إلى الله) أي أرضاها إليه وأكثرها ثواباً عنده (صلاة داود) ﵇ (وأحب الصيام إلى الله) أي النفل المطلق منه (صيام داود) ﵇، ثم بين ذلك على طريق الاستئناف البياني أو العطف البياني بناء على مجيئه في الجمل بقوله (كان ينام نصف الليل) إعطاء للعين والجسد حقهما منه (ويقوم ثلثه) بضمتين ويخفف الثاني فيسكن: أي
стр. 1719
يحييه بالقيام بالتهجد (وينام سدسه) إراحة للجسد مما أصابه من مرادفة الصلاة. وفيه طلب إخفاء عمل البر وستره عن الغير ليكون أقرب للإخلاص، فإن من قام ونام ما ذكر كان لم يقم لذهاب كلال ذلك السهر بالنوم، ففيه إخفاء التهجد بخلاف المستمر على السهر إلى الفجر فإنه يبدو عليه الأثر ففيه تعرّض لظهور عمله الليلي (ويصوم يوماً ويفطر يوماً) اختلف هل الصوم كما ذكر أفضل من صوم الدهر بشرطه لكل أحد أو ذلك خاص بابن عمرو؟ والجمهور على الأول وذلك لما فيه من المشقة على النفس ومن إعطاء النفس حقها، إذ يحصل لها من القوى يوم الفطر ما يجبر ما قام بها من ضعف يوم الصوم (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٢٠١١٧٨ - (وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول) مؤكداً بمؤكدات إسمية الجملة وتصديرها بأن وتقديم خبرها والإتيان باللام، وكأن الداعي إليه استبعاد كون الليل محل التجليات لكونه جعل سكناً، ومع ذلك الاستبعاد بأن فيض الله على حسب مشيئته فيجعله فيما شاء من ليل أو نهار (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم) التقييد به لكونه جريا على الغالب من قيام الرجل حينئذ لا مفهوم له فمن وافقها من النساء المسلمات كذلك (يسأل الله خيراً) مفعول مطلق: أي سؤال خير وأضافه إليه لكونه أثره وحاصلاً عنه أو مفعول به، وفيه إيماء إلى كمال كرم الله من عدم الوعد بإجابة السائل شراً حينئذ من أمر الدنيا والآخرة كالعافية فيهما وحصول التوفيق في الدنيا والجنة في العقبى (إلا أعطاه إياه) ففيه حث على الدعاء في الليل وحض عليه، وأبهم الساعة في جميعه طلباً لعمارته بالتوجه للمولى وعدم الغفلة فيه بالنوم وإراحة الجسم عنه فإن التوجه بالقلب
стр. 1720
وهو لا ينافي النوم بالعين والجوارح، ويمكن أن تكون الساعة المطلقة في هذا الخبر محمولة على ما جاء من التقييد في رواية بأنها بعد مضي الثلث من الليل، وفي أخرى أنها في الثلث الأخير، ولا منافاة بينها إما بجعل الجميع على أنها في الثلث الأخير لصدق جميع الروايات عليه، وإما بأنها تنتقل فتارة تكون قبل النصف الأخير، وأخرى في النصف الأخير قبل الثلث الأخير، وأخرى في الثلث الأخير، أو على أنه أخبر أوّلاً أنها في الثلث الأخير فأخبر به، ثم أخبر بأنها نم نصف الليل فأخبر به، ثم أخبر بأنها من الثلث الأول فأخبر به، وفيه على كل وجه إيماء إلى اتساع زمنها، بخلاف ساعة الإجابة يوم الجمعة، ويؤيد ذلك أنه أشار لضيق ساعة الجمعة بقول الصحابي، وأشار: أي النبي بيده يقللها، ولم يقل مثل ذلك في الساعة التي في الليل، والله أعلم (وذلك) أي المذكور من إعطاء السائل ما سأل (كل ليلة) بالنصب ظرف والخبر
متعلقة أي كائن فيها، وفيه شرف الليل على النهار لأن التجليات الإلهية لا تختص بليلة دون ليلة بخلاف النهار فهي فيه مختصة بيوم الجمعة (رواه مسلم) ورواه أحمد. قال المصنف: في هذا الحديث إثبات ساعة الإجابة في كل ليلة، ويتضمن الحث على الدعاء في سائر ساعات الليل رجاء مصادفتها اهـ.
٢١١١٧٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: إذا قام أحدكم من الليل) أي لأجل قيامه أو فيه (فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين) لإذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم فتشد الأعصاب وتقوى الأعضاء من فتورها فتتوجه بكمال نشاط لصلاة الليل (رواه مسلم) ورواه أحمد.
٢٢١١٨٠ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله إذا قام من الليل) للتهجد
стр. 1721
(افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) لإذهاب أثر النوم وليدخل الصلاة بكمال النشاط/ والفتور أثر النوم طبع البشر فلا نقص فيه كسائر العوارض والأمراض (رواه مسلم) .
٢٣١١٨١ - (وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله إذا فاتته الصلاة من الليل) المفعولة تهجداً (من) تعليلية (وجع أو غيره) كاشتغاله بأهم منه (صلى من النهار) أي فيه (ثنتي عشرة ركعة) يحتمل أنه يأتي بها قضاء لما فاته من نافلة الليل، فيؤخذ منه ندب قضاء النفل المؤقت، ويحتمل أنه لحوز ثوابه عوضاً عما فات من صلاة الليل لا قضاء عنه وعليه جرى ابن حجر في «شرح المشكاة» (رواه مسلم) .
٢٤١١٨٢ - (وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله: من نام من حزبه) بكسر المهملة وسكون الزاي. قال في «النهاية» : هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد، والحزب النوبة في ورود الماء اهـ. (أو عن شيء منه) أي ولو يسيراً (فقرأه فيما) أي في وقت (بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) الظرف في محل الصفة لما، ويجوز كونها موصولة صفة لمحذوف: أي في الوقت الذي بين الوقت المذكور (كتب) بالبناء للمجهول (له كأنما قرأه من الليل) فيه استحباب تدارك النفل المؤقت، وأن ما ترك لعذر وقضى كتب بمحض الفضل كثواب المؤدي، وأتى بالكاف إيماء إلى نقص ثواب القضاء ولو لعذر عن ثواب الأداء (رواه مسلم) والحديث سبق في باب المحافظة على الأعمال.
стр. 1722
٢٥١١٨٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: رحم الله) جملة خبرية لفظاً دعائية معنى عدل عنها إلى الخبرية تفاؤلاً بالإجابة كأنها حصلت وأخبر عنها بما يخبر به عن الحاصل.d وفيه مزيد حث على الإتيان بما يذكر بالدعاء لفاعله (رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته) للصلاة، فيه تعاون على البر والتقوى وإيثار اتباع الأمر الإلهي على الهوى النفساني (فإن أبت) أي امتنعت من القيام (نضح) أي رش (في وجهها الماء) ليذهب عنها النوم الغالب لها (رحم الله امرأة قامت من الليل) تتهجد (فصلت وأيقظت زوجها) للصلاة (فإن أبى) أي امتنع من أن يقوم (نضحت في وجهه الماء. رواه أبو داود بإسناد صححي) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في «المستدرك» كذا في «الجامع الصغير» ، ورواه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري عن رسول الله قال «ما من رجل يستيقظ من الليل فيوقظ امرأته، فإن غلبها النوم نضح في وجهها الماء، فيقومان في بيتهما فيذكران الله ساعة من الليل إلا غفر لهما» وهذا الحديث مطلق يشمل ذكر الله تعالى في الصلاة وخارجها كما في الآية، والنضح بالنون والضاد المعجمة وإهمال الحاء وإعجامها، قال في «فتح الباري» : قال الأصمعي: النضح بالمعجمة أكثر منه بالمهملة، وسوّى بينهما أبو زيد، وقال ابن كيسان: بالمعجمة لما ثخن، وبالمهملة لما رق: أي من الطيب ونحوه.
٢٦١١٨٤ - (وعنه وعن أبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله: إذا أيقظ الرجل أهله) هو أعم من امرأته، وفيه فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض (من) جوف (الليل فصلياً) أي كلاهما جميعاً، فعند النسائي «فصلياً جميعاً» ففيه اقتداء
стр. 1723
المرأة بزوجها في النافلة، وفيه مشروعية الجماعة فيها، وقال ابن رسلان: قد يقال لا دلالة في جميعا على الجماعة لصدقه على فعلهما النافلة جماعة ومنفردين (أو) شك من الراوي (صلى) أي كل منهما (ركعتين جميعاً) هكذا وقع/ ووجه الكلام فصلياً جميعاً أو صلى كل منهما منفرداً ركعتين (كتب) بالإفراد وكذا هو بخط ابن رسلان في شرحه لسنن أبي داود، وفي نسخة من «الرياض» كتباً بألف التثنية (في) جملة (الذاكرين والذاكرات) أي المذكورين في قوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ (الأحزاب: ٣٥) وذكر الجلالة وكثيراً ليس في الراوية، وهذا من تفسير الكتاب بالسنة (رواه أبو داود بإسناد صحيح) قال ابن رسلان: ورواه ابن حبان في «صحيحه والحاكم» ، وهذا الحديث من جملة الحديث قبله من حيث المعنى، ولعل الإتيان به على احتمال أن الرواية أو صلى بإفراد الفعل أفاد ظاهرها ترتب ثواب الرجل لإيقاظ امرأته على إيقاظها وصلاته سواء أصلت هي أم لا، والله أعلم.
٢٧١١٨٥ - (وعن عائشة ﵂ أن النبي قال: إذا نعس أحدكم) قال في «المصباح» : حقيقة النعاس الوسن من غير نوم، يقال نعس ينعس من باب قتل والاسم منه النعاس، وقال الفقهاء: علامة النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهم معناه (في الصلاة) التي تقوم بها بالليل (فليرقد) ندباً (حتى يذهب عنه النوم) وذلك أن لب الصلاة الخشوع والخضوع والحضور مع الله ، وإنما يكون ذلك مع النشاط وصحة اللب وسلامته من الكسل، وعلل الأمر بالرقاد بقوله (فإن أحدكم إذا صلى) أي دخل في الصلاة (وهو ناعس) حال من فاعل صلى (لعله يذهب يستغفر) جملة لعل واسمها وخبرها في محل الخبر لإن، قال القاضي عياض: أي يدعو (فيسبّ نفسه) بسبب غلبة النعاس وتلجلج اللسان عند إرادة النطق (متفق عليه) ورواه مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
стр. 1724
٢٨١١٨٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: إذا قام أحدكم من الليل) يتهجد (فاستعجم القرآن) والتبس (على لسانه فلم يدر) من النعاس القائم به (ما يقول) من القرآن أو الذكر (فليضطجع) لأن غلبة النعاس عليه تمنعه من تدبر القرآن، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وختم الباب بهذين الحديثين إعلاماً بأن محل فضل القيام ما لم يكن في مثل هذا الحال، والله أعلم.
٢١٣ - باب استحباب قيام رمضان
(وهو) أي القيام الموعود عليه بالغفران في الحديث الصحيح (التراويح) أي حاصل بها، وهي عندنا لغير أهل المدينة عشرون ركعة بعشر تسليمات، كما أطبقوا عليه كذلك في زمن عمر ﵁ لما اقتضاه نظره السديد من جمع الناس على إمام واحد فوافقوه ينوي بهما من التراويح أو من قيام رمضان وكانوا يوترون عقبها بثلاث، وسر العشرين أن الرواتب المؤكدة في غير رمضان عشر، فضوعفت فيه لأنه وقت جدّ وتشمير، ولهم فقط لشرفهم بجواره ست وثلاثون جبراً لهم بزيادة ست عشرة في مقابلة طواف أهل مكة أربعة أسباع بين كل ترويحتين من العشرين سبع، وابتداء حدوث ذلك كان في أواخر القرن الأول، ثم اشتهر ولم ينكر، فكان بمنزلة الإجماع السكرتي، ولما كان فيه ما فيه قال الشافعي: العشرون لهم أحب إليّ، وقال الحليمي: عشرون مع القراءة فيها بما يقرأ في ست وثلاثين أفضل، لأن طول القيام أفضل من كثرة الركعات، ووقتها كالوتر ما بين صلاة العشاء ولو مجموعة جمع تقديم وطلوع الفجر الصادق، وسميت تراويح لأنهم لطول قيامهم كانوا يستريحون بعد كل تسليمتين.
стр. 1725
١١١٨٧ - (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: من قام رمضان) أي أحيا لياليه بالعبادة أو بالتراويح فيها (إيماناً) أي تصديقاً بثوابه (واحتساباً) أي إخلاصاً ونصبهما على الحالية أو على أنه مفعول له (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي الصغائر المتعلقة بحق الله بالعفو عنها وعدم المؤاخذة بها (متفق عليه) ورواه أصحاب السنن الأربع.
٢١١٨٨ - (وعنه ﵁ قال: كان رسول الله يرغب) بتشديد الغين المعجمة: أي يذكر الثواب (في قيام رمضان) أي بإحياء لياليه لعنايته بالأمة ودلالته لهم على محل الفضل (من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة) أي لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم بل أمر ندب وترغيب، ثم فسر صيغة ترغيبه بقوله (فيقول) بالرفع عطفاً على يرغب (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه مسلم) في أبواب النوافل ويؤخذ من الحديث فضل صلاة التراويح حيث رتب عليها ما ذكر فيه، وإنما فضل عليها نوفل أخر من العيدين والكسوفين والرواتب لمواظبته على تلك دون التراويح فإنه صلاها ثلاث ليال، فلما كثر الناس في الثالثة حتى غص المسجد تركها خوفاً من أن تفرض عليهم، ونفي الزيادة ليلة الإسراء نفي لفرض متكرر مثلها فلم يناف خشية فرض هذه.
стр. 1726
٢١٤ - باب فضل قيام ليلة القدر
بإسكان الدال المهملة، قيل إنه بمعنى مفتوحها لأنها التي فيها يفرق كل أمر حكيم ويقدر على الأصح، وقيل إنه بمعنى الشرف، فقيل لشرف قدرها عند الله تعالى، وقيل لأن من لا شرف له إذا صادفها فقامها صار ذا قدر وشرف، وقيل غير ذلك مما بينته في سطوع البدر في فضل ليلة القدر (وبيان أرجى لياليها) أي ليالي رمضان لها. واختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً، ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن الأصح منها أنها باقية وفي كل رمضان، وأنها تلزم ليلة بعينها من العشر الأخير، واختير القول بانتقالها فتكون تارة في الحادية والعشرين وتارة أخرى في أخرى من العشر الأخير، قال المصنف: وبه يجمع بين الأخبار ويرتفع التعارض عنها.
(قال الله تعالى) : ( ﴿إنا أنزلناه﴾ ) أي القرآن المدلول عليه بقرينة المقام ( ﴿في ليلة القدر﴾ ) بإنزاله فيها جملة نم اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بعد بحسب الوقائع ( ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ ) تعظيم لشأنها ( ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ ) أي من ألف شهر ليس فيها ليلة قدر: أي العمل في تلك الليلة أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها تلك الليلة. نزلت هذه الآية حين ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب أصحابه من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. والأصح أنها من خصائص هذه الأمة ( ﴿تنزل﴾ ) أي تتنزل ( ﴿الملائكة والروح﴾ ) أي جبريل أو ضرب من الملائكة ( ﴿فيها بإذن ربهم﴾ ) مع نزول البركة والرحمة، قال «الملائكة في الأرض تلك الليلة أكثر من عدد الحصى» وعن كعب الأحبار: لا تبقى بقعة إلا وعليها ملك يدعو للمؤمنين والمؤمنات سوى كنيسة أو بيت نار أو وثن أو موضع فيه النجاسة أو السكران أو الجرس، وجبريل لا يدع أحداً إلا صافحه، فمن اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه فمن أثر مصافحته ( ﴿من كل أمر﴾ ) أي لأجل كل أمر قدر في تلك السنة ( ﴿سلام هي﴾ ) ليس هي إلا سلامة لا يقدر فيها شر وبلاء، أو لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً. أو ما هي إلا سلام لكثرة تسليم الملائكة فيها على أهل المساجد. وعن مجاهد سلام هي من كل خطر ( ﴿حتى مطلع الفجر﴾ ) غاية
стр. 1727
تبين انتهاء تعميم السلامة أو السلام كل ليلة قدر إلى وقت طلوعه، والمطلع بالفتح مصدر على القياس، وبالكسر مصدر أيضاً كالمرجع، أو اسم زمان كالمشرق على خلاف القياس، وقد قرىء في السبع بهما.
(وقال تعالى) : ( ﴿إنا أنزلناه﴾ ) أي الكتباب المبين ( ﴿في ليلة مباركة﴾ ) هي ليلة القدر ( ﴿إنا كنا منذرين﴾ ) محذرين بإنزال الكتاب: جملة مستأنفة لبيان فائدة الإنزال ( ﴿فيها﴾ ) أي في تلك الليلة ( ﴿يفرق﴾ ) يفصل ويثبت ( ﴿كل أمر حكيم﴾ ) محكم لا يبدل من الأرزاق والآجال وجميع أمورهم إلى السنة ( ﴿أمراً من عندنا﴾ ) نصب على الاختصاص: أي أعني به أمراً حاصلاً من عندنا أو حال من كل أو من ضمير حكيم ( ﴿إنا كنا مرسلين﴾ ) إلى الناس رسلاً تتلو عليهم آياتنا بدل من «إنا كنا منذرين» أي أنزلناه لأن عادتنا الإرسال ( ﴿رحمة من ربك﴾ ) مفعول له، وقيل «إنا كنا» علة لِ «يفرق» و «رحمة» مفعول به: أي تفصل فيها الأمور لأن من شأننا أن نرسل رحمتنا وفصل الأمور من باب الرحمة ( ﴿إنه هو السميع العليم﴾ ) للأقوال والأفعال والرب لا بد وأن يكون كذلك.
١١١٨٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: من قام) أي أحيا بالعبادة (ليلة القدر) ويحصل أصل قيامها بصلاة العشاء فيها جماعة والعزم على صلاة الصبح كذلك (إيماناً واحتساباً) أي مؤمناً ومحتسباً (غفر له ما تقدم من ذنبه) . قال المصنف: قد يقال هذا الحديث مع حديث «من قام رمضان» الخ يغني أحدهما عن الآخر. وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعرفها سبب للغفران وإن لم يقم غيرها اهـ. (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جان كلهم من حديث أبي هريرة، ورواه النسائي أيضاً من حديث عائشة كذا في «الجامع الكبير» .
стр. 1728
٢١١٩٠ - (وعن ابن عمر ﵄ أن رجالاً من أصحاب النبي) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» : لم أقف على تسمية أحد منهم (أروا) بضم أوله (ليلة القدر في المنام) أي قيل لهم فيه إنها (في السبع الأواخر) أي آخر سبع من الشهر، وقيل المراد بها التي أولها ليلة الثاني والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين. قال الدماميني في «المصابيح» : الأواخر جمع آخرة بكسر الخاء لا جمع أخرى لأنها لا دلالة لها على المقصود وهو الآخر في الوجود وإنما تقتضي المغايرة كقولك مررت بامرأة حسنة وأخرى: أي مغايرة لها، ويصح هذا التركيب سواء كان المرور بهذه المغايرة سابقاً أو لاحقاً، وهذا عكس العشر الأول لأنه جمع أولى، ولا يصح الأوائل لأنه جمع أول الذي هو للمذكر وواحد العشر ليلة وهي مؤنثة فلا توصف بمذكر اهـ (فقال رسول الله: أرى) بالفتح أي أبصر مجازاً (رؤياكم) قال القاضي عياض: كذا هو بالإفراد، والمراد رؤياكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة. وقال الدماميني: فهو ما عاقب فيه الإفراد الجمع لأمن اللبس وهو مسموع، وقال السفاقسي: كذا يرويه المحدثون بتوحيد الرؤيا وهو جائز لأنها مصدر، وأفصح منه رؤاكم جمعاً لتكون جمعاً في مقابلة جمع، ولم يبدل ذلك وإن كان أشبه بكلام النبي لكراهة تغيير ما أدته الرواية. قلت: مع حصول معنى الجمع بذلك لأن المفرد المضاف للعموم فهو كالجمع المضاف (قد تواطأت) بالهمز: أي توافقت وزناً ومعنى، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان رجل صاحبه، وهو في مسلم تواطت بطاء فتاء. قال المصنف: هكذا هو في النسخ وهو مهموز، فكان ينبغي كتابة ألف بعد الطاء صورة للمهموز ولا بد من قراءته مهمورا، قال الله تعالى: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ (التوبة: ٣٧) اهـ (في السبع الأواخر، فمن كان متحريها) أي متوخياً مصادفتها (فليتحرها في السبع الأواخر) وجاء عند مسلم في حديث ابن عمر مرفوعاً «من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر» وعنده من حديثه أيضاً
كذلك عمر مرفوعاً «من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر» وعنده من حديثه أيضاً كذلك بلفظ «التمسوها في العشر الأواخر/ فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي. قال
стр. 1729
الحافظ في الفتح: هذا السياق يرجح الأول من الاحتمالين في تفسير السبع الأواخر (متفق عليه) قال في الفتح: في الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الأمور الوجودية بشرط أن لا تخالف القواعد الشرعية.
٣١١٩١ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله يجاور) أي يعتكف (في العشر الأواخر من رمضان) وأوله الحادي والعشرون منه وآخره انقضاء رمضان (ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) أخذ أصحابنا بقضية هذا الحديث فقالوا: إذا علق رجل طلاق زوجته بليلة القدر، فإن كان قبل الحادي والعشرين من رمضان طلقت بانقضائه وإن كان في الحادي والعشرين منه فما بعد فلا يقع الطلاق حتى يحول الحول ويأتي مثل يوم التعليق (متفق عليه) .
٤١١٩٢ - (وعنها أن رسول الله قال: تحروا ليلة القدر) قال في النهاية: التحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالقول والفعل (في الوتر) هذا مقيد لإطلاق الحديث قبله الشامل لأوتار العشر وأشفاعه (في العشر الأخير) في محل الصفة أو الحال من الوتر لكونه محلي بأل الجنسية وكذا قوله (من رمضان) والحديث محتمل لكل
стр. 1730
من القول بلزومها لليلة معينة من الأوتار والقول بانتقالها في لياليها والله أعلم (رواه البخاري) ورواه أحمد والترمذي، كذا في «الجامع الصغير» .
٥١١٩٣ - (وعنها قالت: كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل) أي قامه بأنواع العبادات من الصلاة والذكر والفكر، أو أحيا نفسه بالسهر فيه لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعاً لأن النائم إذا حيى باليقظة حيى ليله بحياته (وأيقظ أهله) تنبيهاً على وقت الخير ليتعرضوا للنفحات. فعند الترمذي «لم يكن النبيّ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه» (وجد) أي بذل جهده وطاقته في أداء الطاعة (وشد المئزر) بكسر الميم الإزار، قال في النهاية: كنى بشده عن اعتزال النساء، وقبل إرادة تشميره للعبادة، يقال شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت له اهـ. وقال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزال النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر لقوله فيه «وأيقظ أهله» فإنه يشعر بأنه كان معهن في البيت، فلو كان معتكفاً لكان في المسجد ولم يكن معه أحد. ونظر فيه بأنه قد روى «أنه اعتكف مع النبيّ امرأة من أزواجه» وبتقدير عدم اعتكاف أحد منهن فيحتمل أن يوقظهن من موضعه وأن يوقظهن عند دخوله البيت لحاجة الإنسان. قال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجد في العبادة، كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري: أي شمرت له، ويحتمل أن يكون كناية عن التشمير والاعتزال معاً، ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز معاً فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة. واعترض بأنه قد جاء في رواية «شد مئزره واعتزل النساء» فعطف بالواو فقوى الاحتمال الأول (متفق عليه) كذا أورده المصنف بلفظ للعشر الأواخر وعزاه لهما، والذي فيها «إذا دخل
стр. 1731
العشر شد مئزره» الخ من غير وصف للعشر، ونبه السيوطي على أن زيادة الوصف لابن أبي شيبة فقال الأخير، ونبه العلقمي أنه كذلك من حديث علي عند ابن أبي شيبة والبيهقي، وحديث الباب من غير لفظ الأواخر، ورواه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه.
٦١١٩٤ - (وعنها قالت: كان رسول الله يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره) لشرفه على باقي الأشهر. وفي الحديث عن أبي سعيد عن رسول الله «سيد الشهور شهر رمضان» الحديث رواه البيهقي في الشعب يجتهد (وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره) من باقي أيامه لفضله على عشريه الأولين لكون ليلة القدر فيه (رواه مسلم) واقتصر في «الجامع الصغير» على الجملة الأخيرة من هذا الحديث وعزاها لأحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه.
٧١١٩٥ - (وعنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت) بفتح التاء أي أخبرني (إن علمت أي ليلة ليلة القدر) برفع أي مبتدأ خبره ليلة القدر، والجملة منصوبة المحل منع العامل من العمل في اللفظ اسم الاستفهام (ما) أي أي شيء مرفوع على الابتداء، والرابط للجملة الخبرية محذوف: أي أقوله، أو منصوب على أنه مفعول مقدم وجوباً لقولها (أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو) بصيغة فعول الموضوعة للمبالغة لأبلغية عفوه سبحانه كيفا وكما يعفو عن الكبائر غير الشرك، وعنه بعد الإسلام وعما لا يعلم عدده سواه (تحب العفو) خبر بعد خبر أو حال من ضمير الخبر قبله أو جملة مستأنفة أتى بها إطناباً (فاعف عني) وفيه إيماء إلى أن أهم المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب وطهارته من دنس العيوب، فإن بالطهارة من ذلك يتأهل للانتظام في سلك حزب الله وحزب الله هم المفلحون (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) .
تتمة: من علامات ليلة القدر أنها معتدلة، والشمس تطلع صبيحتها
стр. 1732
بيضاء وليس لها كبير شعاع، وفائدة ذلك معرفة يومها، إذ يسن الاجتهاد فيه كليلتها.
٢١٥ - باب فضل السواك
بكسر السين المهملة، قال المصنف في «شرح مسلم» : قال أهل اللغة: السواك بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به وهو مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب أيضاً. قال الأزهري: هذا من عدد الليث: أي من أغاليطه القبيحة. وذكر صاحب المحكم أنه يذكر ويؤنث، والسواك فعلك بالمسواك، يقال ساك فمه يسوكه سواكاً. فإن قلت: استاك لم تذكر الفم، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز أيضاً سؤك بالهمزة، ثم قيل إن السواك مأخوذ من ساك إذ دلك، وقيل من جاءت الإبل تساوك: أي تتمايل هزالا. وفي اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإزالة ما عليها، ويحصل بكل خشن ولو نحو سعد وأشنان لحصول المقصود من النظافة بهما، نعم يكره بمبرد وعود ريحان يؤذي، ويحرم بذي سم ومع ذلك يحصل به أصل سنة السواك لأن الكراهة والحرمة لأمر خارج، والعود أفضل من غيره، وأولاه ذو الريح الطيب، وأولاه الأراك للاتباع مع ما فيه من طيب طعم وريح وشعيرة لطيفة تنقى ما بين الأسنان، ثم بعده النخل لأنه آخر سواك استاك به. وصح أيضاً أنه كان أراكا لكن الأول أصح، وكل راو قال بحسب علمه، ثم الزيتون لخبر الطبراني «نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة تطيب الفم وتذهب بالحفر» أي وهو داء في الأسنان «هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي» واليابس المندى بالماء أولى من الرطب ومن المندي بماء الورد، ويظهر أن اليابس المندي بغير الماء أولى من الرطب لأنه أبلغ في الإزالة وكذا في التحفة لابن حجر وفيه حديث في «مسند البزار» ، ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال بالإجماع اهـ.
(وخصال الفطرة) بكسر الفاء لأنها لبيان الهيئة، يقال فطر يفطر فطراً بالفتح وهو الابتداء والاختراع، وقيل الإيجاد على غير مثال. قال القلقشندي في «شرح العمدة» : المراد بها هنا السنة كما نقله الخطابي عن أكثر العلماء، وصوبه النووي في مجموعه: أي سنن الأنبياء، وقيل هي الدين، وجزم به أبو نعيم في «المستخرج» والماوردي وأبو إسحاق الشيرازي وآخرون وقيل هي الجبلة التي خلق الله الناس عليها وجبلهم على فعلها ورجحه أبو عبد الله القزاز في تفسير غريب البخاري ورد البيضاوي الفطرة إلى مجموع ما قيل في معناها فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع القديمة، فكأنها أمر جبلي اهـ.
стр. 1733
١١١٩٦ - (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: لولا أن أشق على أمتي) أي كراهة أو مخافة أن أشق على أمتي: أي أمة الدعوة بدليل قول الراوي على سبيل الشك (أو على الناس لأمر بهم) أي أمر إيجاب فلا دليل فيه لمن قال: المندوب ليس مأموراً به (بالسواك) إن أريد به الفعل فلا حذف، وإن أريد به الآلة فعلى تقدير مضاف: أي باستعمال السواك (مع كل صلاة) أي عند إرادتها، قال الشيخ شهاب الدين الرملي: ولو نسيه حتى دخل في الصلاة أتى به في أثنائه بعمل خفيف، وخالفه ابن حجر الهيتمي قال: لبناء الصلاة على السكون (متفق عليه) ورواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي كلهم من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي أيضاً من حديث زيد بن خالد، ورواه أحمد والترمذي أيضاً والضياء من حديث زيد بن خالد هذا بزيادة «ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل» رواه الحاكم في «المستدرك» من حديث العباس بلفظ «لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء» كذا في «الجامع الصغير» . قال المصنف: في الحديث دليل على جواز الاجتهاد للنبيّ فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول وهو الصحيح المختار، وفيه ما كان النبيّ عليه من الرفق بأمته، وفيه فضل السواك عند كل صلاة وقد ورد نم حديث أم الدرداء مرفوعاً «ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بلا سواك» الحديث رواه ابن النجار والديلمي في الفردوس. قال السيوطي نقلا عن الزين العراقي: وحكمة الأمر به للصلاة أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن نكون في حالة كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة، وقد قيل إن ذلك أمر يتعلق بالملك، وهو أنه يضع فاه على «في» القاريء فيتأذى بالرائحة الكريهة فسن السواك لأجل ذلك. وفيه حديث في «مسند البزار» . وقال الحافظ زين الدين العراقي: يحتمل أن يقال حكمته عند إرادة الصلاة ما ورد من أنه يقطع البلغم ويزيد في الفصاحة، وتقطيع
البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة وكذلك الفصاحة اهـ.
٢١١٩٧ - (وعن حذيفة ﵁ قال: كان النبي إذا قام) أي استيقظ (من النوم)
стр. 1734
وفي لفظ «من الليل» (يشوص فاه بالسواك) تشريعاً للأمة لما ينشأ منهم من التغير عند النوم ففعل ذلك ليفعلوه فيذهب ذلك الأثر (متفق عليه) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
(الشوط: الدلك) .
٣١١٩٨ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كنا نعد) بضم النون من الإعداد أي نهيء (لرسول الله سواكه) أي ما يستاك به (وطهوره) بفتح الطاء (فيبعثه الله) أي يوقظه من نومه، وفي عبارتها استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية (ما شاء أن يبعثه) أي وقت مشيئته إيقاظه فما مصدرية ظرفية، وقولها (من الليل) حال من الضمير المفعول به (فيتسوك) أي عقب قيامه كما تومىء إليه الفاء (ويتوضأ) يحتمل أنه كان يكتفي عن السواك المسنون فيه بما قبله لقربه وأنه كان يؤتى له بسواك ثان (ويصلي) أي صلاة الليل (رواه مسلم) .
٤١١٩٩ - (وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: أكثرت) قال الحافظ في «الفتح» في رواية الإسماعيلي «لقد أكثرت» (عليكم في السواك) أي بالغت في تكرير طلبه منكم. وفي إيراد الأخبار في الترغيب فيه. وقال ابن التين: معناه أكثرت عليكم وحقيق أن أفعل وحقيق أن تطيعوا. وحكى الكرماني أنه روى بضم أوله: أي بولغت من عند الله بطلبه منكم، ولم أقف على هذه الرواية إلى الآن صريحة اهـ (رواه البخاري) ورواه أحمد والنسائي.
стр. 1735
٥١٢٠٠ - (وعن شريح) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية (ابن هانىء) بكسر النون وهمزة آخره ابن زيد الحارثي المذحجي أبي المقدام، قال في التقريب: الكوفي ثقة مخضرم، قتل مع ابن أبي بكر بسجستان كذا في «التقريب» (قال: قلت لعائشة ﵁: بأي شيء) أي من الخصال التي ندب إليها (كان يبدأ النبي إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك) . فيه ندب السواك عند دخول المنزل وذلك لإزالة ما يحصل عادة بسبب كثرة الكلام الناشئة عن الاجتماع (رواه مسلم) .
٦١٢٠١ - (وعن أبي موسى) هو الأشعري، وليس في الصحابة من يكنى بذلك غيره. واسمه عبد الله بن قيس ﵁ قال: دخلت على النبي وطرف السواك على لسانه) فيه جواز الدخول على الكبار حال الاستياك (متفق عليه) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والخوارزمي والإسماعيلي أبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم، كذا في «غاية الأحكام» (وهذا لفظ مسلم) رواه في أبواب الطهارة مختصراً وأورده في أبواب الإمارة من جملة حديث بلفظ «أقبلت إلى النبيّ والنبي يستاك، قال: فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت» الحديث، وكأنهما قضيتان في إحداهما رأى السواك على طرف اللسان وفي أخرى تحت الشفة، أو رآه في تلك القصة فيما ذكر في الحديثين في زمن بعد آخر، وعزا صاحب «عمدة الأحكام» اللفظ المذكور لهما وزاد «وهو يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع» .
٧١٢٠٢ - (وعن عائشة ﵂ أن النبي قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)
стр. 1736
قال المصنف في المجموع: المطهرة بفتح الميم وكسرها لغتان ذكرهما ابن السكيت وغيره والكسر أشهر: كل آلة يتطهر بها شبه السواك لأنه ينظف الفم، والطهارة النظافة، وقال زين العرب في «شرح المصابيح» : مطهرة ومرضاة بالفتح مصدران بمعنى الفاعل: أي مطهر ومرض، أو باقيان على معناهما المصدري: أي سبب الطهارة والرضا، ويجوز كون مرضاة بمعنى المفعول: أي مرضية للرب. وقال الكرماني: مطهرة ومرضاة إما مصدران ميميان بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى الآلة. فإن قلت: كيف يكون سبب مرضاة الله تعالى؟ فالجواب أنه من حيث الإتيان بالمندوب يوجب الثواب، ومن جهة أنه مقدمة الصلاة وهي مناجاة الرب ولا شك أن طيب الرائحة يقتضي طيب المناجاة. وقال الطيبي: يمكن أن يقال إنها مثل «الولد مبخلة مجبنة» أي السواك مظنة الطهارة والرضا: أي يحمل السواك الرجل على طهارة الفم ورضا الرب، وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن تكون الطهارة علة للرضا وأن يكونا مستقلين في العلية (رواه النسائي وابن خزيمة في «صحيحه» بأسانيد صحيحة) قال السيوطي في «الجامع الصغير» : رواه أحمد عن أبي بكر ورواه الشافعي وأحمد وابن حبان والحاكم في «المستدرك» والبيهقي في «السنن» كلهم عن عائشة، ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة (وذكر البخاري ﵀ في «صحيحه» هذا الحديث تعليقاً أي محذوف أول سنده (بصيغة جزم) أي وما رواه كذلك محكوم بصحته (فقال: وقالت عائشة ﵂ الخ.
٨١٢٠٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: الفطرة خمس أو) شك من الراوي (خمس من الفطرة) ويتعين حمل الرواية الأولى على هذه، فقد جاء عند أحمد وغيره بلفظ «من الفطرة خمس» وعند مالك «خمس من الفطرة» سيما وقد ثبتت الرواية بزيادة على الخمس بكثير كما سيأتي في الحديث بعده، فعلم أن الحصر غير مراد. والنكتة في الإتيان بهذه الصيغة إما التنبيه على أن مفهوم الدلالة ليس بحجة، وإما أنه أعلم أولاً بالخمس نظير
стр. 1737
حديث «الدين النصيحة» أي معظمه، ويدل له ما أخرجه الترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم مرفوعاً «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» وورد مثله في عدم حلق العانة وتقليم الأظفار، وساغ الابتداء بخمس على الرواية الثانية لكونها صفة لموصوف محذوف تقديره خصال خمس أو مضافة لمحذوف، والتقدير خمس خصال، أو الجملة خبر مبتدإ محذوف تقديره: المشروع لكم خمس من الفطرة، وأما الرواية الأولى فالقدير: خصال الفطرة خمس، فحذف المضاف، قاله في غاية الأحكام. وفي قوله والجملة خبر مبتدإ محذوف الخ ما لا يخفي، وليس المراد بالسنة المفسر بها لفطرة هنا ما يقابل الواجب بل المراد الطريقة، كما جزم به جماعة من الأئمة منهم أبو حامد والماوردي، إذ منها الخنان وهو واجب عندنا، والمضمضة والاستنشاق وهما واجبان عند بعض الأئمة (الختان) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الفوقية مصدر ختن بفتحات: أي قطع، وكان قياس مصدره ختنا بسكون الفوقية وهو قطع جزء مخصوص (والاستحداد) أي استعمال الحديد لحلق شعر العانة وتنظيف محلها، وهو الشعر الذي حول كل من ذكر الذكر وفرج المرأة كما سيأتي (وتقليم الأظفار) تفعيل من القلم وهو القطع، يقال قلمت ظفري بتخفيف اللام وتشديدها للتكثير والمبالغة، والأظفار جمع ظفر بضم الظاء المعجمة والفاء وبسكون الفاء. وحكى كسرها وكسر أوليه، وأنكره انب سيده، وحكي أيضاً أظفور بوزن عصفور، والمراد قطع ما طال عن اللحم من الظفر لأن الوسخ يجتمع فيه
فيستقذر، وربما منع وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة. وفي ترتيب قصها أوجه أشهرها: يبدا بمسبحة اليد اليمنى فالوسطى إلى الخنصر ويختم بإبهامها ثم بخنصر اليسرى إلى إبهامها، ويبدأ في الرجل اليمنى بإبهامها إلى الخنصر وفي اليسرى من خنصرها إلى الإبهام (ونتف الإبط) أي نتف شعره النابت فيه وهو سنة اتفاقاً كما قاله المصنف، ويستحب أن يبدأ باليمين وأن يتولاه بنفسه، ولو حلقه أو أزاله بالنورة جاز لحصول المقصود. وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل، لكن يظهر أن النتف مقصود لما فيه من إضعاف الشعر وبذلك تضعف الرائحة، والإبط تذكر وتؤنث، ويقال تأبط الشيء: إذا وضعه تحت إبطه (وقص الشارب) وهو الشعر النابت على الشفة العليا، وقيل الإطار بكسر الهمزة وبالطاء المهملة وهو الذي يباشر به المشروب. والحكمة في قصه مخالفة المجوس كما ورد في الحديث أو النظافة والأمن من التشويش عند الأكل ومن بقاء زهومة المأكول فيه. وقال ابن العربي: يشرع القص لأن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر لما فهي من اللروجة فتعسر إزالته عند غسله
стр. 1738
وهو بإزاء حاسة شريفة وهي الشم فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة به، والمستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن منه، وهو مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه أو يتولى ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة ولا حرمة بخلاف الإبط والعانة، ويحصل أصل السنة بالأخذ بالمقص وغيره.
فائدة: هذه الخصال هي الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم ﵊ فأتمهن فجعله الله إما ما يقتدي به ويستن بسننه كما قاله ابن عباس وهو أول من أمر بها من الأنبياء، قاله الخطابي، وقيل كانت عليه فرضاً وهي لنا سنة (متفق عليه) وأخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم وأبو الشيخ ابن حبان والبيهقي وغيرهم، وأخرجه مالك والنسائي أيضاً موقوفاً، ورواه مالك خارج «الموطأ» مرفوعاً (الاستحداد: حلق العانة، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج) قال الراعي: كأن مأخوذ نم الحديد لأنهم كانوا لا يعرفون النورة اهـ. والعانة: الشعر الذي قول الفرج وحواليه من الرجل والمرأة، ونقل ابن شريح أنها الشعر النابت حول حلقة الدبر، فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما، قاله المصنف ويحصل المقصود بالنتف لكن السنة الحق لها. وقال المصنف في «التهذيب» : النتف في حق المرأة أولى، وسبقه إليه الذرماري. واستشكله الفاكهي بأن فيه ضرراً على الزوج باسترخاء المحل باتفاق الأطباء، وقال ابن العربي: النتف في حق الشابة أولى لأن به يربو فكان التنف، والأولى في حق الكهلة التنور والضابط في إزالته الحاجة.
٩ - (وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله: عشر) أي خصال عشر (من الفطرة قص الشارب) واختلف في السبالين وهما طرفاً الشارب (وإعفاء اللحية) أي عدم التعرض لشعرها بأخذ شيء منه، قال في «شرح مسلم» : قال العلماء: يكره في اللحية خصال بعضها أشد قبحاً من بعض: خضابها بالسواد لا لغرض الجهاد، وخضابها بالصفرة تشبيها بالصالحين لا اتباعاً للسنة، وتبييضها بالكبريت أو غيره استعجالاً للشيخوخة لأجل الرياسة
стр. 1739
والتعظيم وإيهام لقيّ المشايخ، ونتفها أول طلوعها إيثاراً للمرودة وحسن الصورة، ونتف الشيب وتصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعاً ليستحسنه النساء وغيرهن، والزيادة فهيا والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس ونتف جانبي العنفقة وغير ذلك، ونسريحها تصنعاً لأجل الناس، وتركها شعثة متشعثعة إظهاراً للزهادة وقلة المبالاة بنفسه، والنظر إلى سوادها أو بياضها إعجاباً وخيلاء، وغرة بالشباب وفخراً بالمشيب وتطاولاً على الشباب، وعقدها وضفرها وحلقها إلا إذا نبتت للمرأة فيستحب لها حلقها اهـ (والسواك) أي الاستياك (واستنشاق الماء) أي إيصاله إلى الأنف وهو مطلوب في كل من الوضوء والغسل (وقص الأظفار) لإذهاب ما يجتمع تحتها من الوسخ (وغسل البراجم) دفعاً لما يجتمع في غضونها منه، ويلتحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع، وكذا ما يجتمع داخل الأنف وسائر الوسخ المجتمع في أي موضع كان من البدن بالعرق والغبار ونحوهما (ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء. قال الراوي) هومصعب ابن شيبة كما صرح به مسلم (ونسيت العاشرة) أي من الخصال (إلا أن تكو المضمضة) قال المصنف: هذا شك من الراوي، قال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو أولى (قال وكيع) بفتح الواو بوزن بديع (وهو أحد رواته) وراه عند مسلم بواسطة (انتقاص الماء) أي بالقاف والصاد
المهملة (الاستنجاء) أي انتقاص البول بالماء لأنه ينقص البول من مجراه ويوقفه داخل الفرج، وقال أبو عبيد وغيره: معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره، وقيل هو الانتضاح، وقد جاء في رواية الانتضاح بالماء بدل انتقاص الماء، قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينتفي عنه الوسواس، وقيل هو الاستنجاء بالماء. وذكر ابن الأثير أنه روى انتفاص بالفاء والصاد المهملة، قال: والمارد نضحه على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل نقصه وجمعها نفص، وهذا الذي نقله شاذ والصواب ما سبق قاله المصنف في «شرح مسلم» (رواه مسلم) قال السيوطي في «الجامع الصغير» : ورواه أحمد والأربعة (البراجم بالياء الموحدة) أي المفتوحة (وبالجيم) وبعد الموحدة راء خفيفة وهي جمع برجمة بضم الموحدة والجيم (وهي عقد) بضم ففتح جمع عقدة (الأصابع) ومفاصلها
стр. 1740
(وإعفاء اللحية معناه) توفيرها: أي (لا يقص منها شيئاً) قال المصنف: وهو بمعنى «أوفوا اللحى» في رواية وكان من عادة الفرص قص اللحية فنهى الشارع عنه.
١٠ - (وعن ابن عمر ﵄ عن النبي قال: أحفوا الشوارب) قال المصنف: أي أخفوا ما طال منها على الشفتين (وأعفوا) بقطع الهمزة فيه كالذي قبل: أي وفروا (اللحى) قال ابن السكيت وغيره: يقال في جمع اللحية لحى ولحى بالكسر والضم لغتان والكسر أفصح. قال المصنف: حصل من مجموع روايات هذا اللفظ في «الصحيحين» خمس روايات أعفوا وأوفوا وأرخوا ووفروا، ومعناها كلها تركها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء (متفق عليه) ورواه الترمذي والنسائي من حديث ابن عمر، ولم يعز السيوطي في الجامع الصغير الحديث للبخاري بل اقتصر فيه على ذكر مسلم، ولعل هذا اللفظ لمسلم، وللبخاري من حديث ابن عمر بلفظ «خالفوا المشركين» وعنده من حديثه أيضاً «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى» اهـ. قال السيوطي: ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة، ووراه الطحاوي من حديث أنس وزاد في آخره «ولا تشبهوا باليهود» ورواه ابن عدي والبيهقي في الشعب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وزاد بدل وقوله «ولا تشبهوا» قوله «وانتفوا الشعر الذي في الآناف» .
стр. 1741
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢١٦- باب: في تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها
قال الله تعالى (١) : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) .
وَقَالَ تَعَالَى (٢) : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) .
ــ
باب تأكيد وجوب الزكاة
هي لغة النماء والتطهير وشرعاً جزء مخصوص يخرج من مال مخصوص على وجه مخصوص (وبيان فضلها) معطوف على تأكيد (و) بيان (ما يتعلق بها) من بيان بعض ما يجب فيه الزكاة، ومن يجب عليه (قال الله تعالى: وأقيموا الصلاة) أي: بإتمام أركانها وشرائطها من قولهم أقمت العود أزلت عوجه (وآتوا) أي: اعطوا (الزكاة) دل قرن إعطائها بإقامة الصلاة على عظم تاكيد ذلك (وقال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله) أي: ليتذللوا غاية التذلل له (مخلصين له الدين) بأن لا يشركوا معه فيه شركاً جلياً بأن يعبدوا غيره معه كما يفعل المشركون أو شركاً خفياً بأن يرائي العامل بعمله، أو يسمع به فإن الأول يمنع أصل الإِيمان، والثاني يمنع ثواب الأعمال المفعولة كذلك (حنفاء) مائلين عن كل دين باطل (ويقيموا الصلاة) عطف على يعبدوا (ويؤتوا) أي: يعطوا (الزكاة وذلك) أي: ما ذكر من الإِيمان مخلصاً وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (دين القيمة) أي: دين الملة أو الشريعة المستقيمة، وقيل: هي جمع القيم أي: الأمة القائمين لله تعالى. وتقدم تفسير هذه الأية أول باب الإخلاص (وقال تعالى: خذ من أموالهم) أي: أموال المؤمنين (صدقة تطهرهم) عن الذنوب ورذيلة البخل (وتزكيهم بها) أي: ترفعهم بالصدقة إلى منازل المصدقين
стр. 1742
وَقَالَ تَعَالَى (١) : (خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) .
١٢٠٤- وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَالَ: "بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" متفقٌ عَلَيْهِ. (٢) .
١٢٠٥- وعن طَلْحَةَ بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب التيمي ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ نَسْمَعُ
ــ
المخلصين. ففي الحديث والصدقة برهان.
١٢٠٤- (وعن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ) أي: من الخصال (شهادة أن لا إله إلا الله) (وشهادة أن محمداً رسول الله) الشهادتان خصلة واحدة ويجوز في شهادة وجوه الإِعراب الثلاثة الجر على الإِتباع، والآخران على القطع.
(وإقام الصلاة) بحذف التاء للتخفيف. (وإيتاء) أي: إعطاء (الزكاة وحج البيت وصوم رمضان) . المصادر فيه محتملة؛ لكونها مبنية للفاعل، مضافة للمفعول أي: شهادة المكلف وإقامته وإيتاؤه وحجه وصومه؛ ولكونها مبنية للمفعول أي: أن تشهد الشهادتان وتقام الصلاة الخ. (متفق عليه) وتقدم مشروحاً في باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات.
١٢٠٥- (وعن طلحة) بفتح المهملتين وسكون اللام بينهما. (ابن عبيد الله) بالتصغير (ابن عثمان بن عمرو بن كعب) بن سعد بن تيم بن مرة القرشي (التيمي) أبي محمد المكي المدني أحد العشرة المبشرة بالجنة (٣) ، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر ﵁، وأحد الستة أصحاب (٤) الشورى الذين توفي رسول الله عليه ﷺ وهو عنهم راض ﵁ سماه رسول الله ﷺ طلحة الخير، وطلحة الجود، وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدراً؛ لكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، وأجره كمن حضرها وشهد
стр. 1743
دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلاَ نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رسولِ الله ﷺ ، فَإذا هُوَ يَسألُ عَنِ الإسْلاَم، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: "لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ"
ــ
أحداً وما بعدها من المشاهد، وكان أبو بكر ﵁ إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله كان لطلحة وفضائله أشهر من أن تذكر روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثاً اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، وقتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في قدر عمره، فقيل أربع وستون، وقيل ثمان وخمسون، وقيل اثنان وستون، وقيل: ستون. وقبره بالبصرة مشهور يزار ويتبرك به، ومن فضائله أن عائشة ﵂ قالت: طلحة ممن قضى نحبه، وما بدلوا تبديلاً، وثبت مع النبي ﷺ يوم أحد، ووقاه بيده ضربة فصد بها فشلت يده. فقال رسول الله ﷺ : أوجب طلحة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقاص ﵁ انتهى. ملخصاً من التهذيب. (قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد) قال الجلال البلقيني: في مبهمات البخاري قال القاضي عياض: هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، كذا قال ابن بطال وغيره وفيه نظر؛ لأن ضماماً إنما هو في حديث أنس. أما حديث طلحة فلا، فالظاهر أنهما قضيتان لتباين الألفاظ نبه عليه القرطبي اهـ وكأنه لهذا التنظير قال السيوطي في التوشيح قيل هو ضمام (ثائر الرأس) أي: منتشره منتفشه وهو بالرفع صفة رجل، وقيل: يجوز نصبه على الحال. (نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول) قال المصنف: بالنون المفتوحة فيهما، وروي بالتحتية المضمومة فيهما، والأول هو الأشهر الأكثر الأعرف، ودوي الصوت بفتح الدال المهملة على المشهور، وحكى صاحب المطالع ضمها وخطأ القاضي عياض ضمها، وكسر الواو وتشديد الياء وهو بعده في الهواء، ومعناه شدة صوت لا يفهم. وقال الخطابي: الدوي صوت مرتفع متكرر لا يفهم وذلك لأنه نادى من بعد (حتى دنا) أي: قرب غاية لمقدر أي: فسار إلى أن قرب (من رسول الله ﷺ فإذا) فجائية (هو) مبتدأ خبره جملة (يسأل عن الإِسلام) أي: عن شرائعه، وعند البخاري في الصوم فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس، وكذا قال في الزكاة. قال في التوشيح: وبه يتبين مطابقة الجواب هنا للسؤال. (فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة) أي: مفروضة فيهما على كل مكلف بها لا نحو حائض ونفساء ومجنون. (فقال: هل عليّ غيرها؟) أي: علي فرض من الصلاة غير الخمس؟ (قال لا إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو وأصله تتطوع فادغمت التاء في الطاء، ويجوز تخفيف
стр. 1744
فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ" قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ" قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رسول الله ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ" فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لاَ أُزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "أفْلَحَ إنْ صَدَقَ"
ــ
الطاء على حذف إحدى التاءين، والاستثناء منقطع، أي: لا شيء واجب عليك غيرها؛ لكن يستحب أن تتطوع، ومنه أخذ أصحابنا عدم وجوب الوتر، وأنه سنة، وجعله بعض العلماء متصلاً، واستدل به على أن من شرع في نفل من صوم، أو صلاة، وجب عليه إتمامه، ومذهبنا أنه يستحب الإِتمام، ولا يجب. قاله المصنف (فقال رسول الله ﷺ : وصيام شهر رمضان) عطف على خمس (قال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع) والمراد بيان الواجب منهما بأصل الشرع وإلا فيجب في الصلاة زيادة على الخمس بنذر، وفي الصوم بنذر، أو كفارة (قال) أي: الراوي (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) أي: المفروض منها (فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) قال الدماميني في المصابيح: لا يخفى أن هذا الرجل إنما وفد بالمدينة، وأقل ما قيل فيه أنه وفد سنة خمس، وقد تقرر في ذلك الزمن النهي عن أمور كالقتل، والزنى، والعقوق، والظلم، والسرقة. فثبت أن عليه وظائف أخرى غير الصلاة والزكاة والصيام. وأجاب ابن المنير بأنه ﷺ كان يجيب بما يقتضيه الحال، وبالأهم فالأهم، إذ لا يمكن بيان الشريعة دفعة، لا سيما لحديث عهد بالإِسلام، أو أن الرواة اقتصروا على بعض ما ذكره ﷺ كما سيأتي عن المصنف. (قال: فأدبر الرجل وهو يقول) جملة حالية، أو معطوفة (والله لا أزيد على هذا ولا أنقص) أحسن ما يقال فيه: أن المعنى أبلغها قومي على ما سمعتها من غير زيادة ولا نقص؛ لأنه كان وافداً لهم ليتعلم تسلمهم. قاله ابن المنير قال الدماميني: ولا ينافيه ما في كتاب الصوم من البخاري من قوله والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئاً؛ لأن ما في الصوم من حديث أنس، وما فيه قضية غير القضية التي في حديث طلحة، كما تقدم عن القرطبي.
(فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق) معناه ظاهر باعتبار ما تقدم، وقال ابن العربي في كتابه القبس: إنما قال له النبي ﷺ ذلك لأنه أول ما أسلم فأراد أن يطمئن فؤاده، وبعد ذلك يفعل ما سواها بما يظهر له من ترغيب الإِسلام، وقال المصنف: أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحاً، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحاً، فإنه إذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى، فإن قيل كيف قال لا أزيد على هذا وليس في الحديث جميع الواجبات، ولا المنهيات الشرعية ولا السنن المندوبات؟
стр. 1745
متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٠٦ - وعن ابن عباس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ بعث مُعاذاً ﵁ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وَأنِّي رسول اللهِ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أن اللهَ تَعَالَى، افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ،
ــ
فالجواب أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإِسلام فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فعلى عموم قوله بشرائع الإسلام، وعموم قوله مما فرض عليّ، يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فقيل: يحتمل أنه كان قبل شرعها، ويحتمل أنه أراد، لا أزيد على الفريضة بصلاة النافلة مع عدم الإخلال بشيء من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة، وترد بها الشهادة، إلا أنه ليس بعاص، بل مفلح ناج. اهـ وتقدم في كلام الدماميني منع الاستدلال بما في رواية البخاري المذكورة لما في هذا الحديث لاختلاف قضيتهما (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان، وفي الصوم وفي الشهادات، وفي ترك الحيل. وأخرجه مسلم في الإِيمان، ورواه أَبو داود في الصلاة من سننه، والنسائي في الصلاة وفي الصوم وفي الإِيمان من سننه، كذا في الأطراف للمزي ملخصاً.
١٢٠٦- (وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً) هو ابن جبل الأنصاري ﵁ إلى اليمن) عاملاً على بعض منها (فقال:) أي: في أثناء الحديث وتقدم بجملته في باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات، وكذا حديث ابن عمر المذكور بعده. (ادعهم) حذف العاطف وهو الفاء المذكورة قبله؛ لعدم تعلق غرض ما أورد له الحديث بها؛ أي: ادع أهل الكتاب الذين تقدم عليهم. (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) بدأ بالدعاء إليهما لأنهما الأساس للاعتداد بالطاعات. (فإن هم أطاعوا لذلك) بالإذعان له والإِقرار به (فاعلمهم أن الله افترض) أي: فرض، والعدول إلى صيغة الافتعال إيماء إلى الاهتمام بالمفروض، (عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) ظرف لأداء المقدر
ــ
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: الزكاة من الإِسلام، (١/٩٧، ٩٩) .
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإِسلام، (الحديث: ٨) .
стр. 1746
فَإنْ هُمْ أطَاعُوك لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٠٧- وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رسول الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِني دِمَاءهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّ الإسْلاَمِ،
ــ
قبل خمس (فإن هم أطاعوا لذلك) بالتصديق بوجوبها والتزام فعلها (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة) إن قيل توقف الصلاة على الشهادتين ظاهر؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بعد الإسلام، فما وجه توقف الزكاة على الصلاة مع استوائهما في كونهما ركنين من الإسلام؟ فالجواب أن المعنى فإن أطاعوا باعتقاد الصلاة فرضاً فاذكر لهم الزكاة، والغرض بذلك التدريج حتى لا ينفروا من كثرتها لو جمعت، وتقديم الصلاة؛ لشرفها ولكونها بدنية أسهل من الزكاة؛ لكونها مالية، وبذل المال مشق (تؤخذ من أغنيائهم) يشمل الصغير فتجب الزكاة في ماله والمدين غني باعتبار الحال الحاضر، فلذا لم يمنع الدين وجوب الزكاة عليه على الأصح (وترد على فقرائهم) اقتصر عليهم مع أن مستحقها أصناف مذكورة في آية (إنما الصدقات) (٢) لمقابلة الفقراء بالأغنياء ولأن الفقراء هم الأغلب، والإِضافة تقتضي منع صرف الزكاة لكافر، وإنما لم يذكر في الحديث الصوم والحج؛ لأن اهتمام الشرع بالصلاة والزكاة أكثر؛ ولذا كُررا في القرآن كثيراً، وأيضاً فإن الصوم قد يسقط بالفدية، والحج بفعل الغير في المعضوب، قال البرماوي: أو أن الحج لم يكن شرع، وفيه نظر لا يخفى لأن إرساله إلى اليمن كان قبيل موته ﷺ ، وقد استقر وجوب الحج حينئذ بلا خلاف (متفق عليه) .
١٢٠٧- (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت) بصيغة المجهول، ولم يذكر الفاعل وهو الله تعالى للعلم به (أن أقاتل الناس) أي: الكفرة غير الكتابيين ومن ألحق بهم (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) فيه أن تارك الصلاة كسلاً ومانع الزكاة لا يمتنع قتالهما وهو مذهب إمامنا الشافعي فيقتل بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة إن لم يتب (٣) ، ويقاتل الإمام تاركي الزكاة إذا توقف أخذها منهم عليه، (فإذا فعلوا ذلك) أي: ما ذكر من الشهادتين وما بعدهما،
стр. 1747
وَحِسَابُهُم عَلَى الله" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٠٨- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ،
ــ
وفيه تغليب الفعل على القول (عصموا) أي: منعوا (مني دماءهم) فلا يجوز قتلهم إلا بسبب خاص من قصاص أو زنى مع إحصان أو ارتداد (وأموالهم) فلا يجوز أخذها إلا بطريقه من كفارة أو بدل ما أتلفوه. (وحسابهم على الله) يعني أن الشريعة الشريفة إنما تجري على الظواهر ولا تنقر عما في القلب، فمن أتى بالشهادتين والتزم أحكام الإِسلام جرت عليه أحكامهم، سواء كان في الباطن كذلك أم لا. أما الكتابي وما ألحق به من المجوسي فيقاتل حتى يسلم أو يؤدي الجزية. (متفق عليه) ورواه أصحاب السنن الأربع، قال السيوطي في الجامع الصغير: وهو متواتر.
١٢٠٨- (وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي) بصيغة المجهول، ونائب فاعله (رسول الله ﷺ ) وسكت عن ذكر الفاعل للعلم به. (وكان أبو بكر ﵁ أي: خليفة أو التقدير وكانت خلافة أبي بكر أي: وجدت فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وذكر العامل؛ لتذكير مرفوعه (وكفر) أي: ارتد (من كفر من العرب) وما بقي على الإِيمان سوى أهل الحرمين، ومن حولهما وأُناس قليل، وقيل: المراد منه وترك الزكاة من ترك، وأطلق الكفر على مانع الزكاة تغليظاً، أو أن الذين أراد الصديق قتالهم كان بعضهم مرتداً كأصحاب مسيلمة، وبعضهم بغاة بمنع الزكاة، وأُطلق على الجميع الكفر؛ لأنه كان أعظم خطباً، وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخاً بزمان على إذ كانوا منفردين في عصره لم يختلطوا بأهل الشرك، ولا منافاة بين إيمانهم مع إنكارهم الزكاة، الذي يكفر به غير المعذور لأن التكفير بذلك إنما هو في زماننا لتقرر الأركان، وحصول الإجماع عليها، وكونها معلومة من الدين بالضرورة. وأما أولئك فلم يكفروا بذلك لكونهم كانوا قريبي عهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، وبوقوع الفترة بموت النبي ﷺ ، وكانوا جهالاً
стр. 1748
فَقال عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رسولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوُا لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ. وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤدُّونَهُ إِلَى رسولِ الله ﷺ ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللهِ
ــ
بأمور الدين، فدخلتهم الشبهة فغدروا، فسموا بذلك بغاة، وذلك لأن المناظرة بين الصحابة إنما هي في قتال مانعي الزكاة (فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس) بالفوقية إنكار على أبي بكر أمره به أو بالنون أي نتلبس به، والفاء عاطفة على محذوف دل عليه السياق، أي: فأراد أبو بكر قتالهم وأمر به فقال عمر: إلخ (وقد قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) أي: مع قرينتها وهي محمد رسول الله، وظاهر هذه الرواية الاكتفاء في رفع القتال بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإن لم يأت قبله بقوله أشهد، والرواية قبله تقتضي اعتبار ذلك، والصحيح الاكتفاء به من غير لفظ أشهد. (فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه) عمومه متناول الصادق في إيمانه والمنافق فيه فذلك منه عاصم لهما منه، ويدل له قوله (وحسابه على الله) أي: فإن كان صادقاً نفعه في الآخرة، وإلا فلا، وهذا من سند الصديق، فإن من حق المال الزكاة، فلا تعصم الشهادة من أخذها (فقال:) أي: أبو بكر ﵁ (والله لأقاتلن من فرق) بالتشديد والتخفيف (بين الصلاة والزكاة) أي: بأن قال إحداهما واجبة دون الأخرى، أو امتنع من إحداهما (فإن الزكاة حق المال) أي: والشهادتان لا يعصمان من أخذه من المال (١) ، فهي داخلة في قوله ﷺ إلا بحقه (والله لو منعوني عقالاً) بكسر المهملة وبالقاف. قال في النهاية: أراد به الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع القبض بالرباط، وقيل: أراد ما يساوي عقالاً من حقوق الصدقة، وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان الإِبل قيل أخذ عقالاً، وإذا أخذ أثمانها قيل أخذ نقداً وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال أخذ المصدق عقال هذا العام إذا أخذ منهم صدقته، واختاره أبو عبيد. وقال: هو أشبه عندي بالمعنى، وقال الخطابي: إنما يضرب المثل في هذا بالأقل إلا بالأكثر وليس بسائر في لسانهم أن العقال صدقة عام، وفي أكثر الروايات عناقاً، وفي أخرى جدياً. اهـ (كانوا يؤدونه) أي: يدفعونه (إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه) أي: لأجل منعهم إياه (قال
стр. 1749
مَا هُوَ إِلاَّ أنْ رَأيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ. متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٠٩- وعن أَبي أيُّوب ﵁: أنّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ ﷺ : أخْبِرْنِي بعمل يُدْخِلُنِي الجَنَّة، قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ، وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ،
ــ
عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) أي: اجتهد فطابق اجتهاده. قال البرماوي: إن عمر أخذ بظاهر أول الحديث قبل أن ينظر في آخره، فقال أبو بكر: إن الزكاة حق المال، فدخلت في قوله إلا بحقه، وقاسه على الممتنع من الصلاة، لأنها كانت بالإِجماع، فرد المختلف فيه إلى المتفق عليه والعموم يخص بالقياس، على أن هذه الرواية مختصرة من الرواية المصرح فيها بالزكاة، وهو حديث ابن عمر السابق قبله، وسبب الاختصار أنه حكى ما جرى بين الشيخين لا جميع القصة اعتماداً على علم المخاطبين بها، أو اكتفى بما هو الغرض حينئذ، وقال الخطابي: الخطاب في الكتاب ثلاثة أضرب: عام نحو: إذا أقمتم إلى الصلاة، وخاص بالرسول ﷺ نحو فتهجد حيث قيد بذلك، وخطاب يواجه به الرسول ﷺ وهو والأمة فيه سواء كآية (خذ من أموالهم صدقة) (٢) ، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم. وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحبها، فإن الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله ورسوله فيها، وكل ثواب موعود على عمل كان في زمنه ﷺ فهو باق، فيستحب للإمام أن يدعو للمتصدق ويرجى أن يستجيب الله منه ولا يخيبه (متفق عليه) .
١٢٠٩- (وعن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري ﵁ أن رجلاً) نقل عن الصريفيني (٣) أنه روى الحديث من طريق أبي أيوب وقال فيه: أنه وافد بني المنتفق، قاله الدماميني في المصابيح، وقال البرماوي: حكى ابن قتيبة في غريب الحديث أنه أبو أيوب نفسه، وتقدم شرح الحديث في باب بر الوالدين وصلة الأرحام (قال للنبي ﷺ أخبرني بعمل يدخلني الجنة) بالرفع جملة في محل الصفة لما قبله، وإسناد الإدخال إليه مجاز من الإِسناد للسبب. (فقال) أي: (النبي ﷺ تعبد الله) هو من حذف أن قبل المضارع، أو تنزيل الفعل منزلة المصدر كما في تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وكذا المعطوفات (ولا تشرك
стр. 1750
وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢١٠- وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ أعْرَابياً أتَى النبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الجَنَّةَ. قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ" قَالَ: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أزيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ
ــ
به شيئاً) جملة خبرية حالية من فاعل الفعل قبله، رابطها الواو والضمير (وتقيم الصلاة) أي: تأتي بها جامعة الأركان والشرائط (وتؤتي الزكاة) أي: تؤديها للفقراء وباقي مستحقيها، وسكت عن الصوم والحج إن كانا قد وُجبا إما اكتفاء بعلم المخاطب أنهما كاللذين قبلهما في سببية دخولها؛ أو لأن الحاجة إلى ما ذكره في الحديث أهم لتقصير السائل في تلك الأمور، لا في نحو الصوم والحج، فبين له شأنهما تحريضاً عليهما، أو ذكراً وسقطاً من الراوي (وتصل الأرحام متفق عليه) .
١٢١٠- (وعن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً) هو ساكن البادية، وهذا الأعرابي لعله عبد الله بن الأحزم، قاله البلقيني في الإِفهام (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته) عبر بها لثقته بتوفيق الله تعالى له، فكأنه مقطوع بحصوله (دخلت الجنة قال تبعد الله ولا تشرك به شيئاً) من الشرك، أو من المعبودات، والجملة حال رابطها الضمير (وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة) احترازاً من صدقة التطوع (وتصوم رمضان) سكت عن الحج والجهاد، إما لعدم طلبهما من السائل، أو لعلمه بأنه يعلم ثوابهما وعلو مكانهما (قال: والذي نفسي بيده) أي: بقدرته (لا أزيد على هذا) زاد مسلم: ولا أنقص منه. قال الطبراني: هذا الحديث ونحوه خوطب به أعراب حديثو عهد بالإِسلام فاكتفى منهم بفعل الواجب في ذلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت عليهم. كذا في التوشيح (فلما ولى) أي: أدبر (قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) قال البرماوي: فيه أن المبشر بها أكثر من العشرة، كما ورد النص في الحسن والحسين وأمهما وجدتهما وأزواج النبي ﷺ ، فتحمل بشارة العشرة على أنهم بشروا
стр. 1751
أهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢١١- وعن جرير بن عبد الله ﵁، قَالَ: بايَعْتُ النبيَ ﷺ عَلَى إقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
١٢١٢- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلاَ فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ
ــ
دفعة واحدة، أو بلفظ بشره بالجنة، أو أن العدد لا ينفي الزائد (متفق عليه) .
١٢١١- (وعن جرير بن عبد الله) بالجيم والرائين بوزن قتيل وهو البجلي ﵁ قال بايعت النبي ﷺ ) من مبايعة الجند الأمير، وهو التزام ما يلزم (على إقام الصلاة) مصدر أقام بحذف التاء المزيدة عوضاً عن ألف الافتعال تخفيفاً، وذلك خاص بحال إضافته (وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) أي: ذي إسلام من ذكر أو أنثى (متفق عليه) وقد تقدم في باب النصيحة.
١٢١٢- (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من) مزيدة لتأكيد استغراق قوله (صاحب ذهب ولا فضة) أي مما تجب فيه الزكاة منهما، فالوعيد مخصوص بذلك، وقول ابن حجر في شرح المشكاة: فذلك الوعيد لا يستثنى منه أحد، مراده ممن وجد عنده أحد النقدين الواجبة زكاتهما فلم يؤدها (لا يؤدي منها حقها) أي: الحق الواجب فيها وهو الزكاة، والإِضافة للملابسة وإفراد الضمير، إما لإِرجاعه إلى القصة لأنها أقرب، والذهب يعلم مما ذكر فيها بالأولى أو لأنها الأغلب، أو لأنهما في معنى الدنانير والدراهم، وهذا على منوال قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها) (٣) (إلا) استثناء من أعم الأحوال أي: لا يحصل له حال من الأحوال إلا حالة واحدة هي أنه (إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح) بالرفع ويصح النصب على أنه المفعول الثاني، والأول ضمير الذهب والفضة وأفرد لما مر ولمطابقة الثاني. قال التوربشتي: تصفيح الشيء جعله عريضاً،
стр. 1752
مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيَرَى سَبيلَهُ، إمَّا
ــ
والصفائح ما طبع من الحديد وغيره عريضاً (من نار (١) فاحمى عليها في نار جهنم) بيان لمعنى كونها من نار لأن حقيقتها من غيرها، لكن لهذا الإِحماء الذي يصيرها كالنار في رأي العين سميت ناراً، والآية (يوم يحمى عليها في نار جهنم) (٢) إلخ ظاهرة في هذا، وذكر أحمى هنا ويحمي في الآية؛ لإِسناده إلى الظرف، والأصل أحميت النار عليها أي: صارت ذات توقد وحر شديد، ثم حول الإِسناد إلى الظرف مبالغة؛ لأن كونها يحمى عليها أبلغ من كونها محماة؛ لإِشعار الأول بمزيد علاج واعتناء أتم، ومن ثم كان المراد أن تلك الصفائح تعاد إلى النار عوداً متكرراً إلى أن تبلغ في مزيد حرها ولهبها واشتداد إحراقها الغاية، وإنما كان الأصل ذلك لأنه لا يقال أحميت على الحديد بل أحميت الحديد وحميته (٣) كذا في فتح الإله، وبه يندفع منع التوربشتي من جهة الدراية لا من جهة الرواية لرفع الصفائح، زاعماً تعين نصبها؛ لأن على الرفع يتعين كون من نار لبيان الجنس ولا يستقيم، وذلك لأن الأموال هي التي جعلت صفائح ليعذب بها صاحبها، ولو كانت الصفائح متخذة من نار لم يكن لقوله (يحمى عليها) وجه، ووجه الاندفاع أنه لا منافاة بين كون التعذيب بنفس الأموال، وبين كونها من النار؛ لأن الأول حقيقة والثاني مجاز؛ لأنه لشدة التهابها بالنار صارت كأنها عينها، وقوله ثم يكن لقوله (يحمى عليها) وجه ممنوع، بل له وجه وهو المبالغة في ذلك العذاب والله أعلم بالصواب. (فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره) خصت هذه الثلاثة؛ لأن إمساك المال عن أداء الواجب لأجل الوجاهة وملء البطن من الأطعمة وستر الظهر باللباس، أو لأنه أعرض بوجهه عن الفقير، وأزور عنه بجانبه وولاه ظهره؛ أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة؛ لاشتمالها على الأعضاء الرئيسية الدماغ والقلب والكبد، أو المراد منها جهات البدن الأربع أمامه ووراءه ويمينه ويساره (كلما بردت) عن الحمو ردت إلى النار لزيادة حموها وشدتها (أعيدت له) أحر وأشد مما كانت. قال القرطبي: معناه دوام التعذيب واستمرار شدة الحرارة في تلك الصفائح، كاستمرارها في حديدة محماة ترد إلى الكير وتخرج منها ساعة فساعة (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) على الكافرين ونحوهم من الفسقة المتمردين المانعين حق الله تعالى وحق عباده، أما المؤمنون فهو على بعضهم كركعتي الفجر، وعلى
стр. 1753
إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ" قيل: يَا رسولَ الله، فالإبلُ؟ قَالَ: "وَلاَ صَاحِبِ إبلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَومَ وِرْدِهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أوْفَرَ مَا كَانَتْ، لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا فَصيلاً وَاحِداً، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأفْوَاهِهَا،
ــ
باقيهم كنصف يوم من أيام الدنيا كما أشير إليه بقوله تعالى: (وأحسن مقيلاً) (١) ولا يزال تعذيبه مستمراً في هذه المدة الطويلة (حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله) . قال الطيبي: رويناه بضم الياء وفتحها وبرفع سبيله ونصبه. اهـ وعلى ضم التحتية فسبيله أما نائب فاعل أو مفعول به، وعلى فتحها فهو مفعول به فقط. والسبيل كالطريق وزناً ومعنى يذكر ويؤنث (إما إلى الجنة) أي: إن كان مؤمناً والظرف في محل الحال (وإما إلى النار) بأن كان كافراً ومنه مستحل ترك الزكاة (قيل: يا رسول الله فالإِبل) أي: عرفنا حكم النقدين فما حكم الإِبل؟
(قال:) عطفاً على قوله ما من صاحب ذهب إلخ (ولا صاحب إبل) بكسرتين وبكسر فسكون، أي: وما من صاحب إبلٍ (لا يؤدي منها حقها) الواجب (ومن) أي: بعض (حقها) المندوب ذكر استطراداً وبياناً لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة، وإن لم يكن فيه عذاب؛ لأن العذاب لا يكون إلا بترك واجب وفعل حرام (حلبها) بفتح المهملة واللام على الأشهر، وإسكانها غريب لكنه القياس (يوم ورودها) أي: ورودها الماء بأن تحلب حينئذ ويسقى من ألبانها للمارة والواردين للماء، ونظير ذلك الأمر بالصرام (٢) نهاراً ليحضر المحتاج والنهي عنه ليلاً (إلا إذا كان يوم القيامة بطح) أي: طرح على وجهه. قال المصنف وقال القاضي: قد جاء في رواية البخاري تخبط وجهه بأخفافها، وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح كونه علي الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى المد والبسط، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها (لها) وفي نسخة له: ولا يصح رواية بل معنى خلافاً للطيبي كالتوربشتي؛ لأن الضمير لها وذكر باعتبار الجنس (بقاع) أي في صحراء واسعة مستوية (قرقر) بقافين وراءين أي: مستو فهو صفة كاشفة كذا في فتح الإِله، والظاهر أنها صفة مؤكدة. قال التوربشتي: القرقر في معنى القاع، وعبر عنه بلفظين مختلفين؛ للمبالغة في استواء ذلك المكان. قال: وروي بقاع قرق وهو مثله (أوفر) أي: أسمن (ما كانت) أي: أوقات أكوانها وأحيائها ليزداد ثقلها عليه عند وطئها له؛ ولكون إضافة أفعل غير محضة لم تمنع وقوعه حالاً، كذا في فتح الإِله وهو وهم، فإن الصفة التي تكون إضافتها لفظية هي اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، كما في التوضيح، ونصبه في
стр. 1754
كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ" قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ، فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلاَ صَاحِبِ بَقَرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بقَاعٍ قَرْقَرٍ، لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلاَ جَلْحَاءُ، وَلاَ عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بقُرُونها، وَتَطَؤُهُ بِأظْلاَفِهَا، كُلَّمَا مرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرى سَبيِلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ" قيل: يَا رسول الله فالخَيْلُ؟ قَالَ: "الخَيلُ ثَلاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ
ــ
الحديث على الظرفية أي: وقت أوفرِ أكوانها والله أعلم (لا يفقد منها) جملة حالية من فاعل كان التامة العائد للإِبل (فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها) حال أيضاً متداخلة، أو استئناف بياني جواب لسؤال مقدر تقديره لم بطح لها وقت كونها أوفر (وتعضه بأفواهها كلما) ظرف لقوله ردت (مر عليه أولاها رد عليه أخراها) قيل: الأنسب. رواية مسلم: كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها، بل قال المصنف: إنه الأصوب وإن به يستقيم الكلام، وكذا قال التوربشتي في شرح المصابيح، لكن قال في فتح القدير: وفيه ما فيه، بل المقصود من العبارتين تتابعها عليه واحداً بعد واحد (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالبقر) اسم جنس شامل للذكر والأنثى من الحيوان المعروف سمي به؛ لأنه يبقر الأرض للحرث أي: يشقها (والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم) أي: مما تجب فيه الزكاة بأن يكون نصاباً بدليل قوله (لا يؤدي منها حقها) أي: الزكاة الواجبة فيها (إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد) بكسر القاف أي: لا يعدم (منها شيئاً ليس فيها عقصاء) بالمهملتين بينهما قاف هي ملتوية القرنين (ولا جلحاء) بالجيم والمهملة أي: لا قرن لها (ولا عضباء) بالمهملة والمعجمة هي المكسورة القرن استفيد من هذه أن قرونها في غاية السلامة والقوهّ ليكون أوجع للمنطوح (تنطحه) بكسر الطاء وفتحها لغتان، ذكرهما الجوهري وغيره، وقال المصنف: الكسر أفصح وهو المعروف في الرواية (بقرونها وتطؤه بأظلافها) هي للبقر والغنم والظباء بمنزلة الخف للإِبل، فالظلف المنشق من القوائم، والخف للبعير، والقدم للآدمي، والحافر للفرس والبغل والحمار. (كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد) والفعل فيه وفيما قبله مبني للمجهول، وسكت عن ذكر الفاعل للعلم به لتعيينه (فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالخيل) قال في
стр. 1755
وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ. فَأمَّا الَّتي هي لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ ربطها رِيَاءً وَفَخْراً وَنِوَاءً عَلَى أهْلِ الإسْلاَمِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ في ظُهُورِهَا، وَلاَ رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ أجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله لأهْلِ الإسْلاَمِ في مَرْجٍ، أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ المَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ
ــ
المصباح: معروفة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. سميت خيلاً لاختيالها وهو إعجابها بنفسها مرحاً، ومنه يقال اختال الرجل وبه خيلاء أي: كبر وإعجاب، والمسئول عنه وجوب الزكاة فيها (قال الخيل ثلاثة) أي: لها أحكام غير ما مر، فلا زكاة فيها، هذا ما دل عليه السياق ويؤيده حديث "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه زكاة" وقال الطيبي، خولف بين إيراد جواب هذا وأجوبة الأنعام، فما هنا وارد على أسلوب الحكيم، فالتقدير على مذهب الشافعي دع السؤال عن الوجوب، فليس فيها حق واجب؛ ولكن سل عن اقتنائها، وعما يرجع إلى صاحبها من النفع، أو المضرة (هي لرجل وزر) بكسر الواو أي: إثم أي: سببه (وهي: فالرجل ستر) أي: للحالة التي هو فيها من الفقر أو الضيق (وهي لرجل أجر فأما التي) قال المصنف: كذا في أكثر النسخ أي من مسلم، ووقع في بعضها الذي هو أوضح وأظهر (هي له) وفي المشكاة لرجل بالاسم الظاهر محل المضمر (وزر فرجل ربطها رياء وفخراً) حال أو علة (ونواء) بكسر النون وتخفيف الواو بالمد: المعاداة (لأهل الإِسلام فهي له وزر) جملة مؤكدة مشعرة بتمام عنايته ﷺ بتمام هذا الأمر والتحذير منه، ويأتي هذا في نظيره الآتي (وأما التي هي له ستر) أي: من إظهار الحاجة (فرجل ربطها في سبيل الله) أي: طاعته لا خصوص الجهاد لئلا يتحد مع ما بعده، ومن ثم عبر بدله في رواية بقوله: فرجل ربطها تغنياً وتعففاً أي: استغناء بنتاجها وتعففاً به عن سؤال الناس عند حاجته إلى الركوب، وهذا أشبه بصنيع ذوي الهيئات وأخلاق أهل الكرم والمروءة (ثم لم ينس حق الله في ظهورها) بأن يركبها للطاعات وعند الحاجات ندباً تارة ووجوباً أخرى (ولا رقابها) بأن يتعهدها بما يصلحها ويدفع ضررها (فهي له ستر) أي: حجاب يمنعه عن الحاجة للناس (وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله) أي: بقصد الجهاد عليها والإِعانة بها (لأهل الإِسلام في مرج) بالميم والراء والجيم بوزن فلس أي: أرض ذات نبات ومرعى والظرف متعلق بربط (أو روضة) عطف خاص على عام (فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء) من مزيدة مؤكدة؛ لعموم مجرورها إذ هو نكرة في سياق النفي (إلا كتب له عدد ما) أي: الذي (أكلت)