فَأكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٤١- وعن لَقِيط بن صَبِرَةَ
ــ
إلى غلبة النسيان على الإنسان؛ لكونه طبعاً، وفي نسخة: إذا نسي الصائم، وعلى الأول فالمفعول محذوف، أي: الصوم مدلول عليه بالسياق إلى الصوم. قال الحافظ: وجاء عند ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم والدارقطني، من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من أفطر (٢) في شهر رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه ولا كفارة، قال: ففيه تعيين رمضان، وتصريح بأن لا قضاء، ثم نقل الكلام في حال الحديث بما فيه طول وحاصله قبوله (فأكل أو شرب فليتم صومه) وعند الترمذي: فلا يفطر، والاقتصار على الأكل والشرب؛ لأنهما الأغلب، وإلا فكل المفطرات حكمها كذلك، ولا فرق بين قليل ما ذكر وكثيره حينئذ، وفارق بطلان الصلاة بالأكل ناسياً كثيراً بأن لها هيئة تذكر بها، ولا كذلك الصوم (فإنما أطعمه الله وسقاه) وفي رواية الترمذي " فإنما هو رزق رزقه الله ". وفي رواية الدارقطني "فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه" قال القاضي زكريا في شرح الإعلام: ومقتضى الحديث أن لا قضاء عليه، وقد زاد الدارقطني في روايته: ولا قضاء عليه "لطيفة" روى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن إنساناً جاء أبا هريرة فقال: أصبحت صائماً فدخلت على رجل فنسيت فطعمت، فقال: لا بأس. قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت وشربت فقال: لا بأس أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت قال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام. (متفق عليه) .
١٢٤١- (وعن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف آخره طاء مهملة (ابن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة. قال الحافظ في التقريب: ويقال: إنه جده واسم أبيه عامر، صحابي مشهور، خرج عنه البخاري في التاريخ وأصحاب السنن الأربعة، وقال المصنف في التهذيب: قال ابن عبد البر: يقال فيه لقيط بن صبرة، ولقيط بن عامر، ولقيط بن المشفق، قال الترمذي: وقال أكثر أهل الحديث: لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر، وجعلهما مسلم في كتاب الطبقات اثنين، كما سلك ذلك الدارمي. روى عنه ابن أخيه وكيع بن عدس، وقال ابن بغدسي وعاصم بن لقيط وعمرو بن أوس وغيرهم قالوا: أو كان يكره السائل فإذا
стр. 1787
رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أخْبِرْني عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ: "أسْبغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أنْ تَكُونَ صَائِماً" رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح" (١) .
١٢٤٢- وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رسول الله ﷺ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
ــ
سأله أبو رزين أعجبه مسألته. اهـ وقوله ﵁ جملة خبرية لفظاً دعائية معنى (قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء) أي: عن سننه ومكملاته، بدليل قوله (قال: أسبغ الوضوء) أي: أتممه بغسل ما زاد على الفرائض، من الغرة والتحجيل (وخلل بين الأصابع) وذلك بالتشبيك بين أصابع اليدين، وفي الرجلين بأي كيفية كانت. قال ابن حجر في شرح المنهاج: والأفضل بخنصر اليسرى من يديه، ومن أسفل مبتدياً بخنصر يمنى رجليه، مختتماً بخنصر يسراهما للأمر بتخليل اليدين والرجلين، في حديث ورد أنه ﷺ "كان يدلك أصابع رجليه بخنصره" ومحل كونه من السنن ما لم يتوقف وصول الماء عليه، وإلا كالأصابع الملتفة، فيجب إذا لم يصل الماء لباطنها إلا به، كتحريك خاتم، كذلك ويحرم فتق ملتحمة (وبالغ في الاستنشاق) أي: بإيصال الماء إلى الخيشوم، وجذبه بالنفس مع إدخال خنصر يسراه، وإزالة ما في أنفه من أذى ولا يستقصي فيه فإنه يصير سعوطاً، لا استنشاقاً أي: كاملاً وإلا فيحصل به أصل السنة، وكذا يبالغ غير الصائم في المضمضة ندباً بأن يبلغ بالماء إلى أقصى الحنك ووجهي الإِنسان واللثات، ويسن إمرار الإصبع اليسرى عليها ومج الماء (إلا أن تكون صائماً) أي: فلا تبالغ، فمن ثم كرهت له خشية السبق إلى حلقه، أو دماغه فيفطر، وإنما حرمت القبلة المحركة للشهوة؛ لأن أصلها غير مندوب مع أن قليلها يدعو لكثيرها والإنزال المتولد منها لا حيلة في دفعه، وهنا يمكنه مج الماء (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح) وفي نسخة مصححة لزيادة: حسن (٣) .
стр. 1788
١٢٤٣- وعن عائشة وأم سلمة ﵄، قالتا: كَانَ رسول الله ﷺ يُصْبحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ. متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
٢٢٥- باب فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم
١٢٤٤- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أفْضَلُ
ــ
١٢٤٣- (وعن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً) وقولهما (من جماع غير احتلام) (٢) وصف تقييدي (٣) إذ جنابته ﷺ لا تكون بالاحتلام إذ هو من تلاعب الشيطان، ولا وصلة له إليه ﷺ ، أو تخصيصي بناء على أن الاحتلام نوعان: عن إمتلاء البدن: وهو لكونه من العوارض البشرية، جائز في حقه، وعن تلاعب الشيطان: وهو الممتنع عليه كسائر الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم (ثم يصوم) وقد أومأ إلى صحة صوم من أصبح جنباً قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، إذ يلزم من حله آخر أجزاء الليل طلوع الفجر عليه وهو جنب، فيدل حله على صحة صومه، ذكره الأصوليون في دلالة الإِشارة (متفق عليه) .
باب بيان فضل صوم المحرم
سمي بذلك دون باقي الأشهر الحرم، تشريفاً، وقيل: لغير ذلك، كما بينته في مؤلفي في عاشوراء، المسمى بفتح الكريم القادر، في متعلقات عاشوراء، من الأعمال والمآثر (وشعبان والأشهر الحرم) لعل حكمة فضله بشعبان بين المحرم، وباقي الأشهر الحرام مع فضل صومها على صومه، إكثار صومه ﷺ له كما سيأتي دونها، وإلا فهو بعده في الفضل، خلافاً لبعض منهم ابن رجب في اللطائف كما بينته في المؤلف المذكور مع رده.
١٢٤٤- (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الصيام) أي: من
стр. 1789
الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ الله المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ: صَلاَةُ اللَّيْلِ" رواه مسلم (١) .
١٢٤٥- وعن عائشة ﵂، قالت: لَمْ يكن النبي ﷺ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ أكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ (٢) .
ــ
النانلة المطلقة (بعد) صيام (شهر رمضان شهر الله المحرم) أي: صيامه وإضافة الشهر لله كإضافة البيت والناقة إليه تعالى في قولنا: الكعبة بيت الله، وقوله تعالى: (ناقة الله) (٣) للتشريف والتفخيم (وأفضل الصلاة) أي: من النافلة المطلقة (بعد الفريضة صلاة الليل) أي: التهجد وذلك؛ لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإِخلاص، مع حصول الحضور حينئذ؛ لعدم وجود ما يصد عنه؛ ولأنه وقت التجليات الإِلهية والفيوض الربانية (رواه مسلم) وتقدم مشروحاً في باب فضل قيام الليل.
١٢٤٥- (وعن عائشة ﵂ قالت لم يكن النبي ﷺ يصوم) أي: صوم نفل مطلق، (من شهر) أي: فيه، أو بعضه (أكثر من شعبان) وفعله ﷺ لذلك، مع الحديث قبله الدال على أفضلية صوم المحرم على صومه، لما ورد عنه ﷺ من قوله: "إنه شهر ترفع فيه الأعمال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" وفي حديث آخر " إنه شهر تكتب فيه الآجال فأحب أن يكتب أجلي وأنا صائم " وفي حديث آخر " إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان فأحب إحياءه "؛ أو لأنه لم يطلع على فضل صوم المحرم إلا في أواخر عمره الشريف، أو لم يتمكن من صومه؛ لكونه أول السنة، فكان يتجهز فيها للحروب ويخرج لجهاد أعداء الدين، وعلى كل فلا دليل في إكثاره صومه، دون المحرم على فضله على المحرم مع ما ذكر (فإنه كان يصوم شعبان كله) قيل: المراد أنه كان يصوم معظمه بدليل قوله: (وفي رواية) لمسلم (كان يصوم شعبان إلا قليلاً) وعند البخاري: ما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان، فلذا قال المصنف: (متفق عليه) قال المصنف في شرح مسلم: قوله كان يصوم شعبان إلا قليلاً، هذا
стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسير للأول، وبيان أن قوله كله أي: غالبه، وقيل: كان يصومه كله في وقت وبعضه في وقت آخر، وهذا أنسب باللفظ. قال المصنف قال العلماء: وإنما لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يظن وجوبه، وقيل: في قولها كله أي: يصوم في أوله وفي وسطه وفي آخره، ولا يخص شيئاً منه بل يعمه بصيامه، ذكر هذه الأجوبة المصنف في شرح مسلم، وقيل: غير ذلك، وقد تعقب الدماميني في المصابيح كلامه.
"أما الأول": فإن إطلاق الكل على الأكثر مع الإِتيان به توكيداً، غير معهود. وتعقبه الحافظ زين الدين العراقي، بأن في حديث أم سلمة عند الترمذي: ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا رمضان وشعبان، فعطفه على رمضان يبعد أن يراد به أكثره، إذ لا جائز أن يراد من رمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه، وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول إن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول قال في عمدة القاري: ولا يمشي على ذلك الرأي أيضاً؛ لأن من قال ذلك قاله في اللفظ الواحد، وهما لفظان رمضان وشعبان، لكن نقل الترمذي عن ابن المبارك أن العرب يتجوزون بذلك فيقولون: إذا صام أكثر الشهر وقام أكثر ليله صام الشهر كله، وقام ليله أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره.
"وأما الثاني": فقال الدماميني: إن قولها: كان يصوم شعبان يقتضي تكرار ذلك الفعل له عادة على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة اهـ أي: بناء على إفادتها له، والذي اختاره المصنف وعزاه للأكثرين والمحققين أنها تقتضيه عرفاً.
"وأما الثالث": فقال الدماميني: إن أسماء الشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ شهر كان العمل عاماً لجميعها، فلا تقول سرت المحرم، وقد سرت بعضه، فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم، هذا مذهب سيبويه، وتبعه عليه غير واحد، ولم يخالفه إلا الزجاج، وأما قولها في رواية: وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان، فلا ينافي صيامه لجميعه، فإن المراد، أنه ﷺ أكثر الصيام فيه على غيره من الشهور التي لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله؛ لأنه إذا صام جميعه صدق عليه أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره، ضرورة أنه لم يصم غيره، مما عدا رمضان كاملاً، وأما قولها: لم يستكمل إلا رمضان فيحمل على الحذف أي: وشعبان بدليل الطريق الآخر، كان يصوم شعبان كله، وحذف المعطوف والعاطف جميعاً ليس بعزيز في كلامهم، ويمكن
стр. 1791
١٢٤٦- وعن مُجِيبَةَ البَاهِليَّةِ، عن أبيها أَوْ عمها: أنه أتى رسولَ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ انطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ - وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهيئَتُهُ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله، أمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: "وَمَنْ أنْتَ"؟ قَالَ: أَنَا الباهِليُّ الَّذِي جِئْتُك عام الأَوَّلِ. قَالَ: "فَمَا غَيَّرَكَ، وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الهَيْئَةِ! " قَالَ: مَا أكَلْتُ طَعَاماً مُنْذُ فَارقتُكَ إِلاَّ بِلَيْلٍ. فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "عَذَّبْتَ نَفْسَكَ! " ثُمَّ قَالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَيَوماً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ"
ــ
الجمع بطريق أخرى، وهي أن قولها: كان يصوم شعبان كله، محمول على محذوف أداة الإِستثناء والمستثنى أي: إلا قليلاً منه؛ بدليل رواية عبد الرزاق بلفظ "ما رأيت رسول الله ﷺ أكثر منه صياماً في شعبان فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً. اهـ ملخصاً من القسطلاني على البخاري.
١٢٤٦- (وعن مجيبة) بضم أوله وكسر الجيم بعدهما تحتية، ثم موحدة، امرأة من الصحابة، كذا في تقريب الحافظ (الباهلية) قال ابن الأثير: (١) (عن أبيها) وفي أطراف المزي، اسم أبي مجيبة عبد الله بن الحارث الباهلي صحابي (أو عمها) قال أبو موسى: ذكر فيمن لم يسم، وقال أبو عمر: لا أعرفه، وأخرجه أبو عمر وأبو موسى مختصراً، فيمن روى عن أبيه (أنه أتى رسول الله ﷺ ) أي: أتاه وافداً عليه (ثم انطلق) إلى أهله (فأتاه بعد سنة) الفاء فيه مستعارة لموضع ثم وجملة (وقد تغيرت حاله) أي: صفته، والحال يذكر ويؤنث في محل الحال من الفاعل (وهيئته) هي الحال الظاهرة فعطفها على الحال من عطف الخاص على العام (فقال) عطف على مقدر أي: فلم يعرفه فقال: (يا رسول الله أما) بتخفيف الميم، أداة استفتاح (تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول) من إضافة الموصوف لصفته، وهو مؤول عند البصريين على تقدير عام الوقت الأول ليمنع ذلك اتحاد المتضايفين، وأجازه الكوفيون من غير تأويل (قال: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة) جملة حالية من فاعل غير (قال: ما أكلت طعاماً منذ) ظرف لدخولها على الجملة الفعلية وهي (فارقتك إلا بليل) أي: لم أزل صائماً، ومراده ما عدا أيام العيد والتشريق، ويحتمل أنه أراد ما يعمها، وكان لم يعلم تحريم صومها، ويؤيد الأول أنه لم ينهه عن صومها، ولم يبين له تحريمها (فقال رسول الله ﷺ : عذبت نفسك) أي: بمنعها من مألوفاتها وقطعها عن معتاداتها، بما يضر بالنفس التي مطية العبد للوصول إلى ساحة الفضل (ثم قال: صم) المراد من الأمر فيه مطلق الطلب الشامل للوجوب والندب (شهر الصبر)
стр. 1792
قَالَ: زِدْنِي، فَإنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: "صُمْ يَوْمَيْن" قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: "صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ" قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: "صُمْ مِنَ الحُرُم وَاتركْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتركْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتركْ" وقال بأصابِعه الثَّلاثِ فَضَمَّها، ثُمَّ أرْسَلَهَا. رواه أَبُو داود.
وَ "شَهْر الصَّبر": رَمَضَان (١) .
٢٢٦- باب في فضل الصوم وغيره في العشر الأول من ذي الحجة
١٢٤٧- وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ
стр. 1793
أيَّامٍ، العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّام" يعني أيام العشر. قالوا: يَا رسولَ اللهِ، وَلاَ الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ؟ قَالَ: "وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ" رواه البخاري (١) .
٢٢٧- باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء
ــ
لاستغراق النفي (أيام العمل الصالح) مبتدأ (فيها) ظرف مستقر في محل الوصف أو الحال مما قبله؛ لأنه محلى بأل الجنسية، أو لغو متعلق بالخبر وهو (أحب إلى الله من العمل الصالح في هذه الأيام) ولا يضر تعدد المتعلق لاختلاف اللفظ (يعني) أي: النبي ﷺ بالأيام المشار إليها (أيام العشر) أي: من ذي الحجة (قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله) أي: المفعول في غيرها أفضل من غيره من عمل البر فيها (قال: ولا الجهاد في سبيل الله) أي: فلا يفوق عمل البر فيها (إلا رجل) أي: إلا عمل رجل فالاستثناء متصل، والرفع على البدل، وقيل: منقطع أي لكن رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء أفضل من غيره، وقال الدماميني: إنما يستقيم هذا على اللغة التميمية، وإلا فالمنقطع عند أهل الحجاز واجب النصب (خرج يخاطر بنفسه وماله) أي: خرج يقصد قهر عدوه، ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه وذهاب ماله (فلم يرجع من ذلك بشيء) أي: بأن رزقه الله الشهادة، ولأبي عوانة: إلا من لا يرجع بنفسه، ولا ماله، وله من طريق آخر، إلا أن لا يرجع، وله أيضاً: إلا من عقر جواده وأهريق دمه. زاد أبو عوانة في رواية عن ابن عمر "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإن صيام يوم منها يعدل صيام سنة، والعمل فيها بسبعمائة ضعف " وللترمذي عن أبي هريرة "يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر".
"قلت" وبهذه الروايات يتخصص حديث: أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم (رواه البخاري) ورواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه.
باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء
ممدودان على وزن فاعولاء، والصحيح أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم وتاسوعاء اليوم الذي قبله، كما بينته في كتابي في فضل عاشوراء وبيان أعماله.
стр. 1794
١٢٤٨- وعن أَبي قتادة ﵁، قَالَ: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن صَومِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ" رواه مسلم (١) .
١٢٤٩- وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ صَامَ يَومَ عاشوراءَ وَأمَرَ بِصِيامِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
١٢٥٠- وعن أَبي قتادة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنْ صِيامِ يَوْمِ عَاشُوراءَ، فَقَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ"
ــ
١٢٤٨- (عن أبي قتادة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة) أي: ما له من الفضل بدليل قوله: (قال: يكفر السنة الماضية) أي: التي آخرها سلخ ذي الحجة (والباقية) أي: الآتية وأولها المحرم حملاً على المعنى المتعارف في السنة، والمكفر صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله، والمراد بغفران ما سيأتي. أما العصمة عن ملابسته، أو وقوعه مغفوراً إن وقع ثم صومه إنما يندب لغير الحاج الواقف بعرفة نهاراً، أما هو فالأفضل له الفطر، اتباعاً لفعله ﷺ ، وهل صومه له مكروه أو خلاف الأولى قولان مبنيان على أن حديث النهي عن صومه للحاج هل هو ثابت أو لا؟ (رواه مسلم) .
١٢٤٩- (وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صام عاشوراء) وفي نسخة بزيادة يوم (وأمر بصيامه) وهل كان الأمر به قبل فرضية رمضان على سبيل الوجوب أو الندب؟ الصحيح عند الجمهور أنه على سبيل الندب المؤكد أكمل التأكد، وأنه بعدها بقي أصل التأكد؛ لأنه ﷺ ما زال يصومه، وعزم أن يضم إليه التاسع في العام المقبل وقد بينته ثمة (متفق عليه) .
١٢٥٠- (وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء) أي: عما فيه من الفضل (فقال: يكفر السنة الماضية) ينبغي أن يكون هو آخرها، لا آخر ذي الحجة؛ لئلا يلزم الفصل بين المكفر والمكفر. والله أعلم. وإنما فضل يوم عرفة فكفر سنتين؛ لأنه يوم محمدي وعاشوراء يوم موسوي؛ ولأن يوم عرفة سيد الأيام فاقتضى فضل
стр. 1795
٢٢٩- باب في استحباب صوم الإثنين والخميس
١٢٥٣- عن أَبي قتادة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنْ صَومِ يَوْمِ الإثْنَيْنِ، فَقَالَ: "ذَلِكَ يَومٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَومٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ" رواه مسلم (١) .
١٢٥٤- وعن أَبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَومَ الإثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أنْ
ــ
في الجامع الصغير، وفيه من صام رمضان وشوالاً والأربعاء والخميس، دخل الجنة. رواه أحمد عن رجل، وفي الجامع الكبير رواه البغوي والبيهقي في الشعب عن عكرمة بن خالد عن عريف من عرفاء قريش عن أبيه.
باب استحباب صوم الاثنين والخميس
سميا بذلك بناث على أن أول الأسبوع الأحد.
١٢٥٣- (عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين) أي: عن حكمة إيثاره بالصوم عن باقي الأيام (فقال ذلك) عبر عنه بذلك تنويهاً بشأنه، كما في قوله تعالى (ذلك الكتاب) (٢) والتنوين في قوله: (يوم) للتعظيم، كما يشير إليه وصفه بقوله (ولدت فيه ويوم بعثت) أي: فيه، أفاد به أن شرفه بما ظهر فيه من ولادته وبعثته (أو) شك من الراوي هل قال: بعثت فيه أو قال: (أنزل علي فيه) ؟ أي: الوحي فنائب الفاعل مستتر، أو هو الظرف أي: وجد الإِنزال علي فيه (رواه مسلم) في الصوم، وإنما لم يطلب في يوم مولده ﷺ من الأعمال ما طلب في يوم الجمعة؛ لزيادة شرفه ﷺ فخفف عن أمته ببركته.
١٢٥٤- (وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: تعرض الأعمال) أي: تعرضها الملائكة الحفظة، أو غيرهم (يوم الاثنين والخميس) يحتمل عرض مجموع عمل الأسبوع في الآخر منهما، بعد عرض عمل ما قبل الاثنين مع عمله فيه، ويحتمل أن المعروض في الثاني ما عمل بعد الأول، وما قبل ذلك ففي الأول فقط منهما (فأحب أن
стр. 1796
يُعْرَضَ عَمَلِي وَأنَا صَائِمٌ" رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن"، ورواه مسلم بغير ذِكر الصوم (١) .
١٢٥٥- وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَتَحَرَّى صَومَ الإثْنَيْنِ وَالخَمِيس. رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن" (٢) .
٢٣٠- باب في استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر
والأفضل صومُها في الأيام البيض وهي الثالثَ عشر والرابعَ عشر والخامسَ عشر،
ــ
يعرض عملي وأنا صائم) جملة في محل الحال من المضاف إليه، لكون المضاف كبعض المضاف إليه، فهو كقوله تعالى (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) (٣) (رواه الترمذي وقال: حديث حسن ورواه مسلم بغير ذكر الصوم) ولفظه "تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين، ويوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن، إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا" ورواه الطبراني عن أسامة بن زيد مرفوعاً بلفظ، "تعرض الأعمال على الله تعالى يوم الاثنين والخميس فيغفر الله إلا ما كان من متشاحنين أو قاطع رحم" ورواه الحاكم عن والد عبد العزيز، " بلفظ تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله، وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم، وتزداد وجوههم بياضاً وإشراقاً، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم ".
١٢٥٥- (وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتحرى) أي: يتوخى (صوم الاثنين والخميس) أي: لعظم فضلهما (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه النسائي.
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر
سواء كانت البيض، أو السود أو غيرها (والأفضل صومها في أيام البيض) بكسر الموحدة، وسكون التحتية، من إضافة الموصوف لصفته؛ وسميت بذلك لبياض نهارها بالشمس وليلها بالقمر (وهي الثالث عشر) ببناء الجزأين، كما قاله الدماميني، وكذا
стр. 1797
وقِيل: الثاني عشر، والثالِثَ عشر، والرابعَ عشر، والصحيح المشهور هُوَ الأول.
١٢٥٦- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: أوْصاني خَلِيلي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أنَامَ. متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٥٧- وعن أَبي الدرداءِ ﵁، قَالَ: أوصاني حَبِيبي ﷺ بِثَلاثٍ لَنْ أدَعَهُنَّ مَا عِشتُ:
ــ
المركبات بعده (والرابع عشر والخامس عشر) يستثنى من ذلك ذو الحجة، فصوم الثالث عشر منه حرام. قال الناشري في الإِيضاح: وهل يعوض عنه السادس عشر أو يوم من التسعة الأول؟ فيه احتمالان: "قلت" في العباب عن ابن عبد السلام: يصوم السادس عشر عوضاً عن الثالث عشر (وقيل: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والصحيح المشهور هو الأول) وفي الروضة أن الثاني وجه غريب، حكاه الصيمري الماوردي والبغوي وصاحب البيان فالاحتياط صومهما. اهـ.
١٢٥٦- (عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ ) الخلة من أبي هريرة فلا ينافي لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً. الحديث (بثلاث) أي: من الخصال (صيام ثلاثة أيام من كل شهر) أي: سواء كانت البيض، أو السود أو غيرها أو ذلك؛ ليحصل مثل ثواب الشهر كله (وركعتي الضحى) هما أقل صلاة الضحي. وتقدم أن أكملها وهو أكثرها على الصحيح ثمان (وأن أوتر تبل أن أنام) احتياطاً؛ لئلا يغلبه النوم فيفوت عليه الوتر، وهو محمول على من لم يعتد الاستيقاظ آخر الليل، وإلا فالتأخير إليه أفضل لحديث "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (متفق عليه) وقد سبق مشروحاً في باب فضل صلاة الضحى لكن بلفظ "أرقد" بدل "أنام".
١٢٥٧- (وعن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني حبيبي) في تعبير أبي هريرة بالخلة، إيماء إلى شدة ملازمته ومرابطته، وهذا دونه فيها ( ﷺ بثلاث لن أدعهن) أي: أتركهن (ما عشت) أي: مدة عيشي، أي: حياتي وهو كناية عن المداومة على ذلك وعدم
стр. 1798
١٢٦٠- وعن أَبي ذر ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثاً، فَصُمْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ" رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن" (١) .
١٢٦١- وعن قتادة بن مِلْحَان ﵁، قَالَ: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَأمُرُنَا بِصِيَامِ أيَّامِ البِيضِ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رواه أَبُو داود (٢) .
١٢٦٢- وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ لاَ يُفْطِرُ أيَّامَ البِيضِ في حَضَرٍ وَلاَ سَفَرٍ.
ــ
داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه.
١٢٦٠- (وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صمت من الشهر ثلاثاً) أي: إذا أردت صوم ثلاثة منها، وحذف التاء؛ لحذف المعدود وفي الإتيان بإذا إيماء؛ لشدة حرص المخاطب على ذلك وملازمته إياه (فصم ثالث عشره ورابع عشره وخامس عشره وأورده في الجامع الصغير، بلفظ "ثلاث عشره وأربع عشره وخمس عشره "وكذا هو في بعض نسخ الرياض، والجزءان مبنيان على الفتح على كلا الروايتين (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه أحمد والنسائي وابن حبان كما في الجامع الصغير.
١٢٦١- (وعن قتادة بن ملحان) بكسر الميم وسكون اللام بعدها مهملة، القيسي بالقاف المفتوحة، فالتحتية الساكنة، فالمهملة ابن قيس بن ثعلبة، مسح رسول الله ﷺ رأسه ووجهه قاله في أسد الغابة. روي له ﵁ عن رسول الله ﷺ حديثان، كما ذكره ابن الأحزم في سيرته وغيره. (قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض) أبدل منها بدل مفصل من مجمل قوله (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) ببناء الجزأين لفظاً وجرهما محلاً (رواه أبو داود) في الصوم ورواه فيه النسائي وابن ماجه، وبه يعلم شذوذ أقوال تسعة أو عشرة، حكاها الغزالي في تعيين أيام البيض، في غير ما ذكر، فلا يعوّل على شيء منها.
١٢٦٢- (وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر) أي: أنه لازم عليها فيهما فصومها سنة مؤكدة، وحكمته أن في هذه الأيام
стр. 1799
١٢٦٤- وعن أُمِّ عُمَارَةَ الأنصارِيَّةِ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً، فَقَالَ: "كُلِي" فَقَالَتْ: إنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ
ــ
الترغيب والترهيب: ورواه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولفظ ابن خزيمة والنسائي "من جهز غازياً أو جهز حاجاً أو خلفه في أهله أو فطر صائماً كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء" وقال في حديث سلمان الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه "ومن فطر فيه صائماً" يعني في رمضان "كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء" قالوا: ليس كلنا يجد ما يُفطر به الصائم فقال رسول الله ﷺ : يعطي الله تعالى هذا الثواب، من فطر صائماً على تمرة، أو شربة ماء، أو مزقة لبن؛ الحديث.
١٢٦٤- (وعن أم عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم (الأنصارية ﵂ المكنى بهذه الكنية، اثنتان من الأنصار.
إحداهما: نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مندول بن عمرو بن مازن بن النجار الأنصارية المازنية.
والثانية: غير مسماة كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة، وقال المزي: وهي جدة حبيب بن زيد ويقال: اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو، وذكر النسب إلى النجار وقد ذكر الترمذي نسبتها فقال: عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية؛ ومقتضاه أنها الأولى كما صرح به المزي، وقد وقع في كلام بن عبد البر ما يقتضي أنها واحدة، وحكاه عن ابن الأثير، وقال: إن ابن منده وأبا نعيم جعلاهما اثنتين وذكرا لكل ترجمة، وفي التقريب للحافظ أنهما واحدة، كما في كلام ابن عبد البر ومثله في الأطراف للمزي، وهو ظاهر صنيع المؤلف، إذ لو كان يرى تعددهما لأتى بما يميز الراوية عن الثانية، وقد صرح الدميري بأنها نسيبة، وقال: شهدت العقبة مع السبعين وشهدت أحداً، وأبليت يومئذ بلاءً حسناً، هي وولدها عبد الله بن زيد وزوجها زيد بن عاصم وشهدت بيعة الرضوان وشهدت اليمامة، وجرحت يومئذ أحد عشر جرحاً وقطعت يدها. روى لها أصحاب السنن ثلاثة أحاديث، هذا أحدها. اهـ والله أعلم (أن النبي ﷺ دخل عليها) أي: زائراً ففيه زيارة أهل الفضل أتباعهم (فقدمت إليه طعاماً) فيه إكرام الضيف بإحضار الطعام (فقال: كلي) فيه إيماء إلى استحباب بدء رب المنزل بالأكل قبل الضيف لينشط لذلك (فقالت: إني صائمة فقال رسول الله ﷺ : إن الصائم) أي: لأي صوم كان، من فرض بأنواعه، أو نفل (تصلي عليه الملائكة) أي
стр. 1800
إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرغُوا" وَرُبَّمَا قَالَ: "حَتَّى يَشْبَعُوا" رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن" (١) .
١٢٦٥- وعن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى سعد بن عبادة ﵁ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأكَلَ، ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ : "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ؛ وَأكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ" رواه أَبُو داود بإسناد صحيح (٢) .
ــ
تستغفر له (إذا أكل عنده حتى يفرغوا) أي: الآكلون، المدلول على تعددهم بالجملة الشرطية (وربما قال:) حتى (يشبعوا) وضمير قال: الأقرب عوده إلى النبي ﷺ ، ويؤيده أنه أورده في المشكاة بهذا اللفظ مقتصراً عليه، والمراد منه الإِشارة إلى اختلاف ألفاظه ﷺ ، ويحتمل على بعد عوده إلى أحد الرواة، وهذه الجملة مسوقة للشك في اللفظ النبوي على هذا. وعلى الأول لبيان صدور كل منهما منه ﷺ . الأول كثيراً والثاني قليلاً (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه أحمد وابن ماجه والدارمي وانتهى حديث ابن ماجه إلى تصلي عليه الملائكة، ورواه النسائي أيضاً، كما في الأطراف للمزي.
١٢٦٥- (وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة) سيد الخزرج ﵁ (فجاء بخبز وزيت) فيه إحضار ما سهل وأنه لا ينافي الجود فقد جاء سعد كأبيه من أجواد العرب (فأكل) أي: النبي ﷺ (ثم قال النبي ﷺ ) أي: بعد تمام الأكل (أفطر عندكم الصائمون) أي: أثابكم الله إثابة من فطر صائماً، فهي خبرية لفظاً دعائية معنى كجملة (وأكل طعامكم الأبرار) جمع بر، وهو التقي (وصلت عليكم الملائكة) أي: استغفرت لكم (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد والبيهقي في السنن وابن السني من حديث أنس، ورواه ابن ماجه وابن حبان والطبراني. من حديث ابن الزبير، ولفظ ابن السني " كان ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال: أفطر عندكم " إلخ وروى ابن ماجه عن الزبير "قال: أفطر ﷺ عند سعد بن معاذ فقال: أفطر عندكم إلى آخره" ورواه ابن ماجه في، صحيحه عنه لكن قال: ابن عبادة بدل ابن معاذ. قال القارىء في الحرز: ويمكن الجمع بتعدد القضة.
стр. 1801
٨- كتاب: الاعتكاف
٢٣٢- باب: في فضل الاعتكاف
١٢٦٦- عن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٦٧ - وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
ــ
كتاب الاعتكاف
هو لغة: لزوم الشيء ولو شراً، وشرعاً: مكث مخصوص على وجه مخصوص، والأصل فيه الكتاب والسنة والإِجماع. وهو من الشرائع القديمة، وسكت المصنف عن ذكر ما يتعلق به من الكتاب، كقوله تعالى: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين) (٣) الآية نسياناً.
١٢٦٦- (عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من مضان) بالنصب على الظرفية أي: يوقعه فيها (متفق عليه) .
١٢٦٧- (وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) لما بعد العشرين منه ولو كان ناقصاً، فإطلاق العشر عليه تغليب (حتى توفاه الله) غاية لما دلت عليه كان من الدوام، قيل: لغة، وقيل: عرفاً (ثم اعتكف أزواجه بعده) أي: في العشر المذكور (متفق عليه) .
стр. 1802
١٢٦٨- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً. رواه البخاري (١) .
***
ــ
١٢٦٨- (وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام) وكان أولاً يعتكف العشر الأوسط طلباً لليلة القدر، ثم علم أنها في العشر الأخير فصار يعتكف كما يومىء إليه حديث سعيد المذكور في باب الاعتكاف من البخاري (فلما كان العام) بالنصب على الظرفية خبراً لكان، وبالرفع على أنها تامة (الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً) زيادة اجتهاد في الطاعة؛ لدنو الأجل ولعله أخلذه، أي: دنو الأجل كما صرح به في خطابه لبنته السيدة فاطمة ﵂، من مدارسته جبريل معه ذلك العام القرآن مرتين، ففي الحديث الحض على الاجتهاد في التعبد، والإِعراض عن الأعراض الدنيوية عند خواتم العمر وسن الكبر (رواه البخاري) وما أومأ إليه أحاديث الباب من كون المعتكف صائماً والمدة متطاولة هو الأفضل، وإلا فأقله عند إمامنا الشافعي ما يسمى لبثاً إذا اقترن بالنية ولا يشترط فيه محموم خلافاً لبعض الأئمة.
стр. 1803
٩- كتاب: الحج
٢٣٣- باب: في فضل الحج
قَالَ الله تَعَالَى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) (١) .
ــ
كتاب الحج
هو بفتح الحاء وكسرها لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم، وشرعاً: قصد الكعبة لأداء أعمال مخصوصة، والأصل فيه الكتاب والسنة والإِجماع، وهو من الشرائع القديمة.
روي أن آدم ﵊ حج أربعين سنة من الهند ماشياً وأن جبريل قال له: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة. وقال ابن إسحاق: لم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا حج، والذي صرح به غيره أن ما من نبي إلا حج. خلافاً لمن استثنى هوداً وصالحاً صلى الله على نبينا وعليهم وسلم. وفي وجوبه على من قبلنا خلاف. قيل: الصحيح، إنه لم يجب إلا علينا واستغرب، والصحيح أنه من أفضل العبادات، خلافاً للقاضي حسين في قوله: إنه أفضلها لاشتماله على المال والبدن (قال الله تعالى: ولله على الناس) قيل: دخل فيه الجني بناء على أنه من نوس إذا تحرك، وبه صرّح في عباب اللغة، فيجب الحج على مستطيعه وبه صرّح التقي السبكي (حج البيت) علم بالغلبة على الكعبة (من استطاع إليه سبيلاً) بأن وجد الزاد والراحلة، كما ثبت تفسيره بذلك مرفوعاً في حديث رواه الحاكم في المستدرك، ومن فيه فاعل المصدر المضاف لمفعوله. أي: ولله على الناس أن يحج البيت المستطيع منهم، فإن لم يحج المستطيع أثم الناس أجمع، أو بدل بعض من الناس، والرابط مقدر، أي: منهم وعليه اقتصر المحقق البيضاوي، أو في موضع رفع بالابتداء على أنها موصولة ضمنت معنى الشرط، أو شرطية، وحذف الخبر والجواب أي: من استطاع فليحج، ويؤيد الابتداء قوله: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قال
стр. 1804
١٢٦٩- وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَالَ: "بُنِي الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
ــ
البيضاوي: وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيداً لوجوبه وتغليظاً على تاركه، ولذلك قال النبي ﷺ : "من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوبه، بصيغة الخبر وإبرازه في الصورة الاسمية، وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله في رقاب الناس، وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانياً، فإنه كإيضاح بعد إبهام، وتنبيه وتكرير للمراد. وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة، وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان، وقوله (عن العالمين) بدل عنه؛ لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان، والإِشعار بعظيم السخط؛ لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس، وإتعاب البدن، وصرف المال والتجرد، عن الشهوات، والإقبال على الله . روي أنه لما نزل صدر الآية "جمع رسول الله أرباب الملل فخطبهم وقال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس الملل (٢) : فنزل (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (٣) ".
١٢٦٩- (وعن ابن عمر ﵄ أن النبي) وفي نسخة رسول الله ( ﷺ قال بني الإِسلام على خمس شهادة) بالجر على الأوجه، كما تقدم بيانه في شرح هذا الحديث، المتكرر غير مرة، في أبواب كالزكاة والصيام (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) أل فيها وفيما قبلها للعهد. أي: المفروض منها (وحج البيت) أي: من استطاع إليه سبيلاً، كما جاء كذلك في أحاديث أخر، والمطلق يحمل على المقيد (وصوم رمضان متفق عليه) .
стр. 1805
١٢٧٠- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الحَجَّ فَحُجُّوا" فَقَالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عَامٍ يَا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثاً. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ" ثُمَّ قَالَ: "ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ
ــ
١٢٧٠- (وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا) يتعدى بنفسه وبعلى كما في المصباح (رسول الله ﷺ فقال:) عطف تفسير (يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) أي: ادوا ذلك الواجب (فقال رجل) قال ابن حجر الهيثمي: هو الأقرع ابن حابس انتهى. وقد جاء تعيينه في حديث رواه أحمد والنسائي والدارمي، وسنده حسن (أكل عام) بالنصب ظرف لفرض مقدراً (يا رسول الله فسكت) ﷺ عن جوابه (حتى قالها) أي: المقالة المذكورة (ثلاثاً) منصوب على المصدرية، وسكوته عنه، لينزجر عن سؤاله الواقع في غير محله؛ لوجوه منها: أن مدلول الأمر مدة وما زاد عليها لا بد له من دليل خارجي، ومع ملاحظة ذلك فلا وجه لسؤاله، فكان فيه نوع تعنت وسؤال عما لا يحتاج إليه، ومنها: أنه ﷺ أرسل لتبليغ الأحكام بغاية الإِيضاح والبيان، فلو وجب التكرار لأفاده صريحاً وإن لم يسأل عنه فالسؤال حينئذ ضائع، ولما علم ﷺ من تكريره له أنه لا ينزجر بذلك ولا يقنع إلا بجواب صريح أجابه بما فيه نوع توبيخ له (فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم) أي: فرض عليكم كل عام (لوجبت) أي: الحجة كذلك (ولما استطعتم) ذلك: لأن فيه من المشقة ما لا يطاق تحمله فأفادت (لو) الدالة على انتفاء الثاني لانتفاء المقدم الذي لم يخلفه غيره، أنه لا يجب كل عام أي: باعتبار الأصل، فلا يرد وجوبه بنحو قضاء أو نذر، وأفاد ثانيها أن الأمر للوجوب إذ لا يجب الحج كل سنة، بقوله: حجوا كل سنة إلا إذا كان الأمر للوجوب، وما بعده أنه إنما لم يتكرر لما فيه من الحرج الذي لا يطاق، وإن الأمر على السهولة واليسر لا على الصعوبة والعسر كما توهمه السائل، وإن العاقل لا ينبغي له أن يستقبل الكلف الخارجة عن وسعه وأن لا يسأل عما يسؤه لو أبدى قال تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (١) (ثم قال) زجراً لذلك السائل أيضاً (ذروني ما تركتكم) أي: لأني لا أنطق إلا بما شرعه الله لكم، ولا أحتاج إلى تنبيه؛ لأني لا أخل بشيء مما يحتاج إلى البيان عند الحاجة إليه (فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم) أي: من غير حاجة بل لقصد التعنت المؤدي للإيذاء أو التكذيب (واختلافهم على أنبيائهم) فيتقولون عليهم ما لم يقولوه، ويحرفون ما
стр. 1806
عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا أمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْءٍ فَدَعُوهُ" رواه مسلم (١) .
١٢٧١- وعنه، قَالَ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: "إيمَانٌ بِاللهِ وَرسولِهِ" قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟
ــ
قالوه إيثاراً لما ينالهم من ضعفائهم واتباعهم على رضا الله تعالى واتباع أنبيائه ورسله (فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) كالعاجز عن بعض أعمال الطهارة، أو الصلاة من ركن أو شرط يأتي بالمستطاع له، دون ما عجز عنه (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) وفيه أن الأوامر مقيدة بالاستطاعة دون النواهي؛ لأن الأولى: من باب جلب المصالح، والثانية: من باب درء المفاسد، ودرؤها مقدم على جلب تلك، فلذا سومح في هذه ما لم يسامح في تلك (رواه مسلم) وهذا الحديث من أجل قواعد الإِسلام، ومن جوامع الكلم لأنه يدخل فيه من الأحكام ما لا يحصى، والحديث من قوله: ذروني إلى آخره، تقدم في باب الأمر بالمحافظة على السنة.
١٢٧١- (وعنه قال: سئل النبي ﷺ ) السائل أبو ذر، كما في التوشيح (أي العمل أفضل) أي: أكثر ثواباً عند الله تعالى (قال: إيمان بالله ورسوله) هو عمل القلب؛ لأنه التصديق بكل ما علم مجيء الرسول به ضرورة، والإِقرار للساني بذلك شرط لإِجراء الأحكام (قيل: ثم ماذا؟ قال الجهاد: في سبيل الله) قال السيوطي في التوشيح: في مسند بن أبي أسامة: جهاد، وهو موافق لقوله: إيمان، ولقوله قال: حج. قال الحافظ: فالتعريف في رواية الصحيح من تصرف الرواة. اهـ ثم لعل هذا بالنسبة لحال المتكلم بذلك؛ لقوة تسلط الكفار حينئذ، فكأن القيام به لما فيه من تأسيس الإِسلام أفضل، حتى من الصلاة فلا ينافي حديث " خير أعمالكم الصلاة " ولا حديث ابن مسعود "سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم أي: قال: ثم بر الوالدين قلت: ثم أي: قال: الجهاد في سبيل الله " الحديث رواه الشيخان، وقال المصنف: ذكر هنا بعد الإِيمان الجهاد والحج، وفي حديث أبي ذر، بدل الحج العتق، وفي حديث أبي موسى: السلامة من اليد واللسان، وفي حديث ابن مسعود: الصلاة ثم البر ثم الجهاد، وقال العلماء: واختلاف الأجوبة لاختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين وذكر ما لا يعلمه السائل وترك ما علمه (قيل:
стр. 1807
قَالَ: "حَجٌّ مَبرُورٌ" متفقٌ عَلَيْهِ.
"المبرور" هُوَ: الَّذِي لا يرتكِبُ صاحِبُهُ فِيهِ معصيةً (١) .
١٢٧٢ - وعنه، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقول: "مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
١٢٧٣ - وعنه: أنَّ رسول اللهِ ﷺ ، قال: "العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةَ"
ــ
ثم ماذا؟ قال: حج مبرور. متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في الإِيمان، وكذا رواه فيه النسائي (المبرور) اسم مفعول من البر وهو الطاعة (هو الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية) ولو صغيرة وإن تاب منها من إحرامه به إلى تحلله الثاني، هذا أحد القولين فيه. وقيلِ: هو المقبول وعلامة القبول أن يرجع خيراً مما كان عليه بأن يصير عابداً بعد أن كان غافلاً.
١٢٧٢- (وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حج) أي: أتى بالحج (فلم يرفث) بضم الفاء معطوف على جملة حج أي: لم يلغ (ولم يفسق) أي: بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة (رجع) أي: انقلب من نسكه معرى عن الذنب بالعفو (كيوم ولدته أمه) بفتح يوم؛ لأنه أضيف إلى جملة صدرها مبني، والمراد يكفر بالحج عنه صغائر الذنوب، المتعلقة بحق الله تعالى كما قدمنا التنبيه عليه (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وعند الترمذي بلفظ "غفر له ما تقدم من ذنبه".
١٢٧٣- (وعنه أن رسول الله ﷺ قال: العمرة) بضم فإسكان، وبضمتين وبفتح فإسكان لغات، أفصحها أولها (إلى العمرة كفارة) أي: مكفرتان، وأفرد؛ لأنه مصدر (لما بينهما) من صغائر الذنوب المتعلقة بالله تعالى، وعليه يحمل قوله في رواية: من الذنوب والخطايا (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) يحتمل أن يكون من جزائه إلهام صاحبه التوبة من كل ذنب، وتوفيقه لذلك وحفظه من المخالفة باقي عمره فيدخل الجنة مع الفائزين، والله
стр. 1808
متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٧٤ - وعن عائشة ﵂، قَالَت: قُلْتُ: يَا رسول الله، نَرَى الجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أفَلاَ نُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أفْضَلُ الجِهَادِ: حَجٌّ مَبْرُورٌ" رواه البخاري (٢) .
١٢٧٥ - وعنها: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أكْثَرَ مِنْ أن
ــ
أعلم. (متفق عليه) ورواه مالك وأحمد والأربعة، كذا في الجامع الصغير.
١٢٧٤- (وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله نرى) أي: نعتقد (الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد) لحوز ثوابه (فقال: لكن) باللام الجارة لضمير خطاب النسوة، وهو حال (أفضل الجهاد حج مبرور) وأفضل مبتدأ خبره حج، وقال الدماميني في المصابيح: معترضاً الزركشي في إعرابه أفضل مبتدأ، خبره حج، بأنه على ظن أن لكن ظرف لغو، متعلق بأفضل والمانع موجود، فالصواب أن الخبر قوله لكن، وحج بدل أو خبر لمحذوف، تقديره هو حج مبرور، والضمير عائد إلى أفضل الجهاد. اهـ ثم هذا الضبط هو الذي عند أبي ذر، وعند غيره، لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها وبتسكين النون، فعليها أفضل مبتدأ خبره حج مبرور، وبتشديدها فأفضل اسمها وحج خبرها، ولا بد عليها من تقدير مستدرك عليه، وظرف بعد الاستدراك، دل عليه المقام أي: ليس لكن الجهاد أفضل، ولكن أفضل منه لكن حج مبرور. قال المهلب: وهذا بين على أن قوله تعالى؛ (وقرن في بيوتكن) (٣) ليس على الفرض لملازمة البيوت (رواه البخاري) في الحج والجهاد، وفي رواية لهما عنها " قلت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: جهادكن الحج " ورواه النسائي وابن ماجه ولفظ النسائي "قلت: يا رسول الله أفلا نخرج فنجاهد معك". وفي التعبير عنه بالجهاد إيماء إلى عظيم فضله وحض عليه النساء فكيف بالرجال.
١٢٧٥- (وعنها أن رسول الله ﷺ قال: ما من) صلة لتأكيد استغراق النفي في قوله: (يوم أكثر) بالنصب خبر ما الحجازية (من أن يعتق الله فيه عبداً من النار) متعلق بيعتق (من يوم
стр. 1809
يَعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ" رواه مسلم (١) .
١٢٧٦ - وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً - أَوْ حَجَّةً مَعِي" متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
ــ
عرفة) متعلق بأكثر وهذا صدر حديث آخره "وإنه ليدنو ثم ويباهي الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء" (رواه مسلم) .
١٢٧٦ - (وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: عمرة في رمضان) أي: بأن يتبع تحرمها في جزء منه وإنْ أتى بأعمالها في شوال (تعدل) أي: تماثل (حجة أو) شك من الراوي أي: هل اقتصر على ذلك؟ أو قال: (حجة معي. متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود ابن ماجه من حديث ابن عباس، ورواه من حديث جابر، أحمد والبخاري وأبو داود، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أم معقل، وابن ماجه عن وهب ابن حنيس، والطبراني في الكبير، عن ابن الزبير، وميمونة عن أنس بلفظ "عمرة في رمضان كحجة معي"، كذا في الجامع الصغير وظاهره أنه لا فرق بين من أحرم بها من ذي الحليفة ومن أحرم بها من التنعيم مثلاً؛ ولا تخصيص بكونه وارداً في امرأة تخلفت عن الحج معه ﷺ فقال لها: اعتمري إن عمرة إلخ، وذلك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والظاهر أن المراد بالعدل هنا ما لقوه في نحو خبر: إن قراءة الإِخلاص تعدل ثلث القرآن، من أن في القليل مثل ثواب الكثير من غير مضاعفة، لئلا يلزم تساوي القليل والكثير، فيكون حاملاً للناس على الإِعراض عنِ الكثير، وهذا أولى من قول الطيبي أنه من باب المبالغة، وإلحاق الناقص بالكامل ترغيباً، وحثاً عليه. اهـ وذلك؛ لأن الله امتن على ضعفاء عباده العاجزين عن الإِتيان بذلك الكثير، بأن جعل لهم ما يصلون به إلى مراتب الأقوياء القادرين على الكثير، ولا يلزم منه الرغبة عن الكثير، لما تقرر من الفرق بينهما. وفي الحديث "إن ثواب العمل القليل يزيد بزيادة شرف الوقت" كما يزيد ثواب الكثير بمزيد الحضور ودوام الشهود اللذين يبلغ الشخص بهما مبلغاً لا يحصل له بدون ذلك، وما اقتضاه الحديث من أفضليتها في رمضان عليها ولو في ذي القعدة هو مذهبنا، وأجابوا عن تكرير عمرته ﷺ في ذي القعدة دونه بأنه
стр. 1810
١٢٧٧ - وعنه ﵁ أنَّ امرأة قالت: يَا رسول الله، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الحَجِّ، أدْرَكَتْ أَبي شَيْخاً كَبِيراً، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" متفقٌ عَلَيْهِ. (١) .
١٢٧٨ - وعن لقيط بن عامر ﵁: أنَّه أتى النبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ أَبِي
ــ
كان لمصلحة، هي رد ما كان عليه الجاهلية من اعتقاد أنها في أشهر الحج من أفجر الفجور، فكررها ﷺ فيه مبالغة في إخراج ما رسخ في قلوبهم من ذلك، وعدم إيقاعه لها في رمضان في عام الفتح يحتمل أن يكون لكثرة اشتغاله بمصالح أهل مكة، ثم بتجهيز تلك الجيوش لحنين والطائف على أن ظاهر سبب حديث الباب أنه لم ينطق ﷺ به إلّا بعد حجة الوداع، فيحتمل أنه ﷺ لم يبلغه ذلك إلا حينئذ.
١٢٧٧- (وعنه أن امرأة) هي من خشعم، كما في الحديث نفسه في الصحيح (قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي) فيه مجاز عقليِ من الإِسناد للسبب، وهو قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) (٢) الآية (شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة) جملة في محل الصفة، أو الحال، والمراد: لا يثبت عليها ولو في نحو محارة، كما يومىء إليه إطلاقها (أفأحج عنه) أي: أيجب عليه فأحج عنه نيابة (قال: نعم) ففيه الحج عن المعضوب (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي المغازي وفي الاستئذان، ومسلم في الحج، ورواه فيه أبو داود والنسائي في سننهما، كذا في الأطراف، وتعقب بأن حديث النسائي بطرقه حديث آخر لا يطابق هذا الحديث لا لفظاً ولا معنى، وسياقه هكذا "أن امرأة سألت سيدنا رسول الله ﷺ عن أمها ماتت ولم تحج قال: حجي عن أمك" قال أحد الرواة: عن النسائي هذا حديث غريب، تفرد به علي بن حكيم. اهـ ورواه البزاز عن ابن عباس عن أخيه الفضل، ورواه أيضاً عن سلمان ابن يسار الراوي عن ابن عباس عن الفضل من غير واسطة عبد الله. اهـ وعلى الأول فهو مرسل صحابي. والله أعلم.
١٢٧٨- (وعن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية، ثم طاء مهملة (ابن عامر)
стр. 1811
قَالَ: حُجَّ بي مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ ، في حَجةِ الوَدَاعِ، وَأنَا ابنُ سَبعِ سِنينَ. رواه البخاري (١) .
١٢٨٠ - وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْباً بالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ " قالوا: المسلِمُونَ. قالوا: مَنْ أنْتَ؟ قَالَ: "رسولُ اللهِ". فَرَفَعَتِ امْرَأةٌ صَبيّاً، فَقَالَتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ"
ــ
استحباب جعل النوافل في البيت (قال: حج) بالبناء للمفعول ونائب فاعله (بي) كذا في الأصول المصححة من الرياض، وكذا هو في البخاري. عند الترمذي قال: حج بي أبي بالبناء للفاعل، وبيان أنه أبوه (مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع) بكسر الواو مصدر وادع لوداعته فيها الناس، وبفتحها اسم مصدر منه (وأنا ابنِ سبع سنين) ففيه جواز إحجاج الصبي قبل البلوغ، أو مباشرته النسك أي: إذا كان مميزاً وذلك ليتمرن على العبادة فيألفها بعد البلوغ (رواه البخاري) والترمذي وفي روايته زيادة قوله: في حجة الوداع، وليست عند البخاري، فقوله رواه البخاري أي أصل الحديث لا بجميع الألفاظ المذكورة. والله أعلم.
١٢٨٠- (وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لقي ركباً) جمع راكب أو اسم جمعه كصحب وصاحب وبجمع راكب على ركبان أيضاً (بالروحاء) ظرف لغو متعلق بلقي، والروحاء قال في التهذيب: هي بفتح الواو والحاء المهملة وسكون الواو بينهما ممدودة، موضع من عمل الفرع بضم فسكون، بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلاً، كما روى ذلك مسلم في صحيحه في الأذان عن أبي سفيان، وحكى صاحب المطالع أن بينهما أربعين ميلاً، وأن في كتاب ابن أبي شيبة بينهما ثلاثون ميلاً. اهـ ملخصاً (فقال: من القوم؟ فقالوا: المسّلمون) أي: نحن المسلمون (فقالوا: من أنت؟ قال) وعند أبي داود "قالوا: من أنتم قالوا: (رسول الله، فرفعت امرأة صبياً) عند أبي داود "ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي وأخرجته من محفتها" (فقالت: يا رسول الله ألهذا حج) أي: أيصح الإِحرام عنه بالحج ويثاب عليه وإن كان غير مميز، كما يدل لذلك أخذها له بعضده وإخراجه كذلك من المحفة، إذ من كان كذلك لا تمييز له (قال: نعم ولك أجر) أي: بسبب الحمل وتجنيبه ما يحرم على المحرم، أو بسبب إحرامها عنه إن كانت وصيته من جهة الأب أو أذن لها، الوصي، إذ لا يصح الإِحرام به إلا لولي المال من أب أو جد أو مأذونه. قال أصحابنا: يكتب
стр. 1812
رواه مسلم (١) .
١٢٨١ - وعن أنسٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكانت زَامِلَتهُ. رواه البخاري (٢) .
١٢٨٢ - وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ، وَمَجِنَّةُ
ــ
للصبي ثواب جميع ما يعمله من الحسنات، ولا يكتب عليه معصية بالإِجماع وكذا يكتب للأصل مثل ثواب عمل الفرع من الصالحات دون إثم ما يجتنيه من السيئات (رواه مسلم) ورواه أبو داود.
١٢٨١- (وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ حج) أي: في عام حجة الوداع إذ لم يحج بعد الهجرة غيرها (على رحل) بفتح فسكون كل ما يعد للرحيل من وعاء المتاع ومركب البعير، أي: حج على قتب الراحلة من غير محمل ولا محاره (وكانت) أي: الراحلة التي ركبها وإن لم يجر لها ذكر، لكن دل عليه ذكر الرحل (زاملته) والزاملة البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، من الزمل وهو الحمل، والمراد: أنه لم يكن معه زاملة لحمل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولاً معه على راحلته وكانت هي الراحلة والزاملة. وروى سعيد بن منصور من طريق هشام بن عروة قال: كان الناس يحجون وتحتهم أزودتهم، وكان أول من حج وليس تحته شيء عثمان بن عفان ﵁ (رواه البخاري) ورواه ابن ماجه بلفظ آخر وهو "حج النبي ﷺ على رحل وقطيفة خلقة تسوى أربعة دراهم ولا تسوى، ثم قال: اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة".
١٢٨٢- (وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ) قال في المصباح: بوزن غراب، سوق من أعظم أسواق الجاهلية، وراء قرن المنازل بمرحلة من عمل الطائف على طريق اليمن، وقال أبو عبيد: هي صحراء مستوية لا جبل بها ولا علم، وهي بين نجد والطائف، وكان يقام بها السوق في ذي القعدة نحواً من نصف شهر، ثم يأتون موضعاً دونه إلى مكة يقال له: سوق مجنة، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم يأتون موضعاً قريباً منه، يقال له: ذو المجاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى والتأنيث لغة الحجاز، والتذكير لغة تميم. اهـ (ومجنة) بكسر الميم والجيم المفتوحة والنون المشددة
стр. 1813
١٠ - كتاب: الجهاد
٢٣٤- باب: في فضل الجهاد
قال الله تعالى (١) : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .
وَقَالَ تَعَالَى (٢) : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ
ــ
كتاب الجهاد
أي: مقاتلة الكفرة؛ لإعزاز الدين (قال الله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) أي: جميعاً (كما يقاتلونكم كافة) هو محمول على ما عدا أهل الذمة من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى في الآية الآخرى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) (٣) إلى قوله: (من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، (٣) والآية فيها الإِيماء إلى تقديم داعي قتال الكفار على داعي الطبع، من ترك قتال نحو قريب وخليل وصاحب كفار، أي: لأنهم إذا لم يراعوا لكم ذلك وجهادهم في سبيل الكفر، فأنتم أحق بأن لا تراعوه منهم (واعلموا أن الله مع المتقين) الشرك بالنصر والإِعانة، وهو تشجيع على الإِقدام عليهم وإن كثرت جموعهم، فمن ينصره الله لا يغلب (وقال تعالى: كتب) أي: فرض (عليكم القتال) أي: قتال الكفرة (وهو كره لكم) جملة في محل الحال من نائب الفاعل أي: وهو مكروه لكم بحسب الطبع لما فيه من تعريض النفس للقتل (وعسى) للترجي (أن تكرهوا شيئاً) هو أو غيره (وهو) أي: المكروه (خير لكم) في نفس الأمر (وعسى) للإِشفاق (أن تحبوا شيئاً) بحسب الطبع (وهو
стр. 1814
شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . وقال تعالى (١) : (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
وقال تعالى (٢) : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .
ــ
شر لكم) في نفس الأمر (والله يعلم) النافع لكم من الضار (وأنتم لا تعلمون) ذلك جملة اسمية معطوفة على الاسمية قبلها، أو حالية، وفي الآية إيماء إلى وجوب التفويض في كل الأمور لله ، والرضى بما جرى به قدره، وإن لم يكن ملائماً للطبع ولا مشتهى للنفس فالخيرة في الواقع (وقال تعالى: انفروا) أي: اخرحوا (خفافاً وثقالاً) شمالاً وشيوخاً أو نشاطاً وغير نشاط، أو ركباناً ومشاة، أو فقراء وأغنياء، أو قليلي العيال وغير قليل، أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه، أو أصحاء ومرضى، أو مسرعين بعد الاستعداد، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله بشراء آلات الحرب وبذل النفس إعزازاً لدين الله (وقال تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) التي هو خلقها (وأموالهم) التي هو رزقها (بأن لهم الجنة) قيل: هو (٣) تمثيل لإثابة الله من بذل نفسه وماله في سبيله على هذا البذل بالجنة (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون) الأعداء (ويقتلون) في ميدان الحرب، والجملة مستأنفة لبيان ما لأجله الشراء (وعداً عليه حقاً) مصدران مؤكدان، فإن الاشتراء بالجنة مستلزم الوعد بها (في التوراة) حقاً (والإِنجيل والقرآن) أي: هذا الوعد الموعود به المجاهد ثابت فيهما، كما هو ثابت في القرآن. قال بعضهم: الأمر بالجهاد ثابت في جميع الشرائع، وقال بعض: بين فيهما أنه اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بالجنة كما بين في القرآن (ومن أوفى بعهده من الله) أي: لا أحد أوفى بعهده منه فهو كقوله تعالى: (ومن أصدق من الله قيلاً) (٤) (فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به) أي: افرحوا به غاية الفرح فإنه موجب للفرح الأبدي (وذلك هو الفوز العظيم) نزلت حين قال عبد الله بن رواحة وأصحابه ليلة العقبة
стр. 1815
وقال تعالى (١) : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
ــ
لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل (وقال تعالى: لا يستوي القاعدون) عن الجهاد (من المؤمنين غير أولي الضرر) بالرفع صفة القاعدون فإنه ما أراد به قوماً معيناً فهو كالنكرة أو بدل، ومن قرأ منصوباً فهو حال أو استثناء، وبالجر صفة المؤمنين أو بدل منه كما مر في الرفع نزلت أولاً (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد فغشي على رسول الله ﷺ في مجلسه، ثم سري عنه فقرأ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الحرب غير أولي الضرر (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين) غير أولي الضرر صرّح به ابن عباس (٢) والحديث الصحيح يدل عليه (درجة) الجملة موضحة لما نفي الاستواء فيه ونصب درجة بنزع الخافض أي: بدرجة عظيمة تندرج تحتها الدرجات، أو على المصدر، لأنه تضمن معنى التفضيل (وكلاً) أي: من القاعدين لغير عذر والمجاهدين (وعد الله الحسنى) الجنة والجزاء الجزيل (وفضل الله المجاهدين على القاعدين) بلا عذر (أجراً عظيماً) ثم أبدل منه قوله (درجات منه ومغفرة ْورحمة) كل واحد منهما بدل من أجر، أو كرر تفضيل المجاهدين، وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً تعظيماً للجهاد وترغيباً فيه، وقيل:
الأول: ما خولهم به في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر.
والثاني: ما جعل لهم في الآخرة، وقيل: المراد بالدرجة ارتفاع منزلتهم عند الله،
стр. 1816
وَقَالَ تَعَالَى (١) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
والآياتُ في آلْبابِ كَثيرَة مَشْهورَة.
وأَمًا الْأحَاديثُ في فَضْلِ الْجِهادِ فَأكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، فَمِنْ ذَلِكَ:
ــ
وبالدرجات منازلهم في الجنة، وقال بعض المفسرين: القاعدون. الأول: هم الأضراء أي: هم أولو الضرر فإن المجاهدين أفضل منهم بدرجة واحدة؛ لأن لهم نية بلا عمل وللمجاهدين نية وعمل والقاعدون. الثاني: هم غير أولي الضرر فإن بين المجاهدين وبينهم درجات كثيرة، وهذا خلاف ما قدمناه (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكنم من عذاب أليم) المراد به عذاب الله مطلقاً (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) استئناف مبين للتجارة كأنهم قالوا: دلنا يا ربنا فقال: تؤمنون إلخ (ذلكم) أي: المذكور من الإيمان والجهاد (خير لكم إن كنتم تعلمون) أي: إن كنتم غير جاهلين (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) جواب الشرط مقدر؛ لكونه جواباً للأمر المذكور بلفظ الخبر، للمبالغة أي: آمنوا وجاهدوا فإن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم، وسميت جنة عدن؛ لخلود المؤمن فيها يقال: عدن بالمكان إذا أقام فيه (وأخرى) أي: ولكم نعمة أخرى (تحبونها) فإن الأمر العاجل محبوب للنفوس (نصر من الله) بدل أو بيان (وفتح قريب) عاجل (وبشر المؤمنين) يا محمد بثواب الدارين عطف على تؤمنون فإنه بمعنى آمنوا ويكون جواباً للسؤال. وزيادة كأنهم قالوا: دلنا يا ربنا قيل: آمنوا يكن لكم كذا وبشرهم يا محمد بثبوته، وقل عطف على محذوف أي: قل يا أيها الذين آمنوا وبشر (والآيات في فضل الجهاد في الكتاب) أي: القرآن (كثيرة) يؤدي استيعابها إلى طول زائد (مشهورة) واضحة (وأما الأحاديث) النبوية (في فضل الجهاد فأكثر من أن تحصر) ؛ لكثرتها (فمن ذلك) أي: فبعض المذكور ما ثبت.
стр. 1817
١٢٨٥- وعن أَبي ذرّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أيُّ العَمَلِ أفْضلُ؟ قَالَ: "الإيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ في سَبِيلهِ" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٨٦- وعن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لَغَدْوَةٌ في سَبيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
ــ
١٢٨٥- (وعن أبي ذر رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أى الأعمال أفضل) هو كالعمل في اللذين قبله؛ لأن أل الجنسية تبطل معنى الجمعية وتصيره كالواحد، ويدل عليه قوله (قال: الإِيمان بالله) أي: ورسوله فاكتفى بما ذكر عن قرينه لتلازمهما شرعاً ولجمع إليه الضمير في قوله: (والجهاد في سبيله) وذلك لأنه ولو كان باقياً على معنى الجمعية لأجاب بثلاث فما فوقها، ولا يلزم من كون المذكورين فيه أفضل الأعمال تساويهما فيها، يخالف ما قبله يقال: أفضل علماء البلد زيد وعمر وإن تفاوتا فيما بينهما (متفق عليه) وتقدم أن اختلاف الأفضل في الأخبار إما باعتبار حال السائل، أو باعتبار زمن الجواب أو نحو ذلك.
١٢٨٦- (وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لغدوة) بفتح المعجمة وسكون المهملة قال في النهاية: الغدوة المرة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح. اهـ واللام مؤذنة بالقسم المقدر أتى بها لتأكيد الأمر عند السامع، وقال العيني: هي لام التأكيد لا لام القسم (في سبيل الله) ظرف لغو متعلق بغدوة أو مستقر صفة لها (أو) للتنويع لا للشك، قاله العيني (روحة) بفتح المهملتين وسكون الواو بينهما المرة من الرواح (خير من الدنيا وما فيها) وذلك للثواب المرتب على كل منهما، وقد ورد أن أقل أهل الجنة منزلة من يعطى قدر الدنيا عشر مرات فما بالك بأوساطهم، فضلاً عن أعلاهم، والتفضيل بينه وبين الدنيا باعتبار ما استقر في النفوس من حب الدنيا ورؤيا خيرها، وإلّا فلا مناسبة بين ديني عظيم ثوابه باقٍ وبين دنيوي مخدج فانٍ، لكنه ﷺ خاطبنا بما نألف. ويحتمل أن يكون المراد، أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن حصلت له الدنيا وأنفقها في طاعة الله غير الجهاد (متفق عليه) .
стр. 1818
١٢٨٧- وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رسولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قَالَ: "مُؤْمنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ" قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ في شِعبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
١٢٨٨- وعن سهل بن سعد ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ
ــ
١٢٨٧- (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أتى رجل) قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه، وقد سبق أن أبا ذر سأل عن مثل ذلك (إلى رسول الله ﷺ وقال: أي الناس أفضل) أي: أكثر ثواباً (قال: مؤمن يجاهد) الكفار (بنفسه وماله) بأن يبذلهما لله تعالى طلباً لمرضاته (في سبيل الله) قال العيني في شرح البخاري: أي: أفضل الناس مؤمن مجاهد، قالوا: هذا عام مخصوص والتقدير من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل وكذا الصديقون، كما تدل عليه الأحاديث، ويدل له أن في بعض طرق النسائي لحديث أبي سعيد "أن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه". اهـ (قال: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب) ابتدأ بالنكرة فيهما؛ لكونها للتنويع فهو كقوله: فيوم لنا ويوم علينا، والشعب بكسر المعجمة وسكون المهملة قيل: هو الطريق وقيل: الطريق في الجبل وجمعه شعاب وذكره جري على الغالب، من تيسر الخلوة فيه عن الناس فالمراد: هي لا هو بخصوصه، وقوله: (يعبد الله ويدع الناس من شره) خبر بجملة بعد خبر بمفرد، أو جملة حالية من الضمير المستقر في الظرف، أو مستأنفة جواب عن سؤال تقديره ماذا يعمل فيه. والحديث تقدم مشروحاً في باب العزلة، وتقدم بلفظ "رجل يعتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه" وفي رواية "يتقي الله ويدع الناس من شره" (متفق عليه) .
١٢٨٨- (وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: رباط) بكسر الراء مصدر كالمرابطة، وإضافته إلى (يوم) (١) على معنى في كقوله تعالى: (تربص أربعة
стр. 1819
فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ الغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" متفقٌ عَلَيْهِ (١) .
ــ
أشهر) (٢) (في سبيل الله) (٣) في محل الصفة لرباط (خير من الدنيا وما عليها) عبر بفي في الحديث قبله وبعلى هنا؛ تفنناً في التعبير. ويحتمل أن يكون من نيابة الحرف الجار عن مثله، كما هو مذهب الكوفيين. قال العيني: وفائدة العدول عن في إلى على أن معنى الاستعلاء أعم من الظرفية وأقوى فقصد؛ لزيادة المبالغة (وموضع سوط أحدكم من الجنة) أي: هذا القدر اليسير منها، (خير من الدنيا وما فيها) من الزهرات والشهوات والمستلذات؛ لأنه فانٍ لا بقاء له (والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى) بائعاً لنفسه من الله تعالى بالجنة، والرضى منه تعالى (والغدوة) حذف الجملة الواقعة صفة أو حالاً اكتفاء بدلالة قرينتها عليها (خير من الدنيا وما عليها) خبر عنهما وأفرد؛ لأنه أفعل تفضيل مجرد من أل والإِضافة، وإذا كان كذلك يجب إفراده وتذكيره، أخبر أن صغير الزمان وصغير المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا، تزهيداً فيها وتصغيراً لها، وترغيباً في الجهاد، إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب نفسه وأنفق ماله، وقال القرطبي: أي: الثواب الحاصل على مشيئة واحدة في الجهاد خير لصاحبها من الدنيا وما فيها لو جمعت له بحذافيرها، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو. قال المصنف: وكذا غدوة أو روحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، ثم هذا الحديث فيه فضل الرباط، وهو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم، وقال العيني: الرباط هو المرابطة، وهي ملازمة ثغر الحدود، قال ابن قتيبة: أصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يعد لصاحبه واشترط ابن التين أن يكون غير وطنه ونقله عن ابن حبيب عن مالك، ونظر فيه العيني بأنه قد
стр. 1820
١٢٨٩- وعن سَلمَانَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ ، يقول: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ" رواه مسلم (١) .
١٢٩٠- وعن فَضَالَةَ بن عُبَيْدٍ
ــ
يكون بوطنه وينوي بالإِقامة فيه دفع العدو، ويقال: الرباط المرابطة في نحور العدو وحفظ ثغور الإِسلام، وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوذة بلاد المسلمين.
١٢٨٩- (وعن سلمان) هو الفارسي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم وليلة) هو ظاهر فيما ذهب إليه ابن مالك، في آخرين من مجيء الإِضافة على معنى في أيضاً كما تقدم. ومن منع ذلك قال: هي فيه على معنى اللام والإِضافة لأدنى ملابسة (خير من صيام شهر وقيامه) وذلك لأن نفع الرباط متعد وعام ونفعها قاصر خاص (وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل) أي: أجر ما كان يعمله حال رباطه، وأجر رباطه قاله القرطبي (وأجري عليه رزقه) أي: يرزق من الجنة، كما ترزق الشهداء الذين تكون أرواحهم في حواصل الطير تأكل من ثمر الجنة. ذكر المصنف نحوه (وأومن) هو وما قبله بالبناء للمفعول، وضبط أمن بالبناء للفاعل أيضاً بلا واو حكاه العلقمي عن السيوطي (الفتان) بفتح الفاء وتشديد الفوقية، أي: فتان القبر، ففي رواية لأبي داود في سننه "وأمن من فتاني القبر" بصيغة المثنى، وهو مراد من رواية مسلم؛ لأن المفرد المحلى بأل الجنسية يصدق بالواحد والمتعدد، وضبط أيضاً بضم الفاء جمع فتن. قال القرطبي: وتكون أل للجنس، أي: كل ذي فتنة، وقال العلقمي: المراد فتان القبر من إطلاق الجمع على اثنين أو على أنهم أكثر من اثنين، فقد ورد أن فتان القبر ثلاثة أو أربعة، وقد استدل غير واحد بهذا الحديث على أن المرابط لا يسأل في قبره كالشهيد، وقال الشيخ ولي الدين العراق: المراد به مسألة منكر ونكير. قال: ويحتمل أن يراد أنهما لا يجيئان إليه ولا يختبرانه بالكلية، ويكتفي بموته مرابطاً في سبيل الله شاهداً على حصة إيمانه، ويحتمل إنهما يجيئان إليه لكنه يأنس بهما بحيث أنهما لا يضرانه ولا يروعانه، ولا يحصل له بسبب مجيئهما فتنة، اهـ. (رواه مسلم) .
١٢٩٠- (وعن فضالة) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة واللام (ابن عبيد) بصيغة
стр. 1821
رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله ﷺ ، قَالَ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ المُرَابِطَ فِي سَبيلِ اللهِ، فَإنَّهُ يُنْمى لَهُ عَمَلهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ فِتْنَةَ القَبْرِ" رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١) .
١٢٩١- وعن عثمان ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يقول:
ــ
مصغر، عبد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي ﵁ أول ما شهد أحداً، وشهد ما بعدها من المشاهد ومنها: بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر، ثم نزل دمشق وولي قضاها لمعاوية، ومات سنة ثمان وخمسين، وقيل: قبلها، كذا في التقريب للحافظ. وفيه خرج له البخاري في التاريخ ومسلم، والأربعة روي له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثاً، روى مسلم منها حديثين. اهـ، ودفن بباب الصغير من دمشق سنة ثلاث وخمسين، وقيل: تسع وستين، والصحيح الأول فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعني يا بني فإنك لا تحمل بعده مثله، وتوفي معاوية سنة ستين قاله المصنف في التهذيب. (أن رسول الله ﷺ قال: كل ميت يختم على عمله) فلا يزداد ثواباً ولا عقاباً (إلا المرابط) بالنصب على الاستثناء (في سبيل الله) ثم بين وجه الاستثناء بقوله (فإنه ينمي) بفتح أوله، وسكون النون، وتخفيف الميم المكسورة وبالياء (٢) قال السيوطي في قوت المغتذى: قال العراقي: كذا وقع في رواية الترمذي بياء في آخره وفي رواية أبي داود "ينمو" بالواو، والأفصح ما هنا وهو الذي ذكره ثعلب في الفصيح. اهـ أي: يزداد (له عمله إلى يوم القيامة) بتنمية ثوابه والزيادة فيه ْ (ويؤمن من فتنة القبر) فلا يسأله الملكان عن إيمانه بل موته مرابطاً آية إيمانه كما تقدم (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيحاً ورواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث العرباض بن سارية، بلفظ "كل عمل منقطع عن صاحبه إذا مات، إلَّا المرابط في سبيل الله فإنه ينفي له عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة" أورده في الجامع الصغير.
١٢٩١- (وعن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم في
стр. 1822
"رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ" رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح" (١) .
١٢٩٢- وعن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "تَضَمَّنَ الله لِمَنْ خَرَجَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادٌ في سَبيلِي، وَإيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرٍ، أَوْ غَنيمَةٍ،
ــ
سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) قال الحافظ في الفتح: نقلاً عن ابن بريرة، لا تنافي بينه وبين حديث "خير من صيام شهر"، لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب على الأول، أو باختلاف العاملين. اهـ قال العلقمي: أو باختلاف العمل قلة وكثرة.
قال البيهقي في الشعب: القصد من هذا ونحوه الإِخبار بتضعيف أجر المرابط على غيره، ويختلف ذلك بحسب اختلاف حال الناس نيةً وإخلاصاً، وباختلاف الأوقات (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وقال الحافظ في الفتح: ورواه أحمد وابن حبان، وفي الجامع الصغير ورواه النسائي والحاكم في المستدرك.
١٢٩٢- (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ تضمن الله) أي: التزم فضلا وإحساناً (لمن خرج في سبيله (٢) لا يخرجه إلا جهاد (٣) في سبيلي وإيمان بي) أي: بوعدي (وتصديق برسلي) أي: بأخبارهم، وبنبوتهم ورسالتهم، وجملة لا يخرجه الخ في محل الحال من فاعل خرج (فهو) أي: الله تعالى (ضامن) أي ملتزم تفضلاً وكرماً لمن كان كذلك (أن أدخله الجنة) ابتداءً من غير سابقة عذاب، أي: إن قتل في الحرب (أو أرجعه) بفتح الهمزة، من رجع المتعدي، ومنه قوله تعالي: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) (٤) الآية (إلى منزله الذي خرج منه) للجهاد مصحوباً (بما نال) أي: بالذي ناله (من أجر) أخروي (أو غنيمه) أصابها من مال الكفار، ويصح أن يكون ضامن بمعنى مضمون، كماء
стр. 1823
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللهِ، إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلِم؛ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ ريحُ مِسْكٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ
ــ
دافق أي: مدفوق أو بمعنى ذو ضمان أي: حفظ ورعاية كلابن وتامر وعليهما، فضمير هو راجع إلى الغازي، هذا واختلف في معنى أو فقيل للتقسيم أي: بأجر فقط وهو لمن لم يغنم وتارة بغنيمة فقط. قال العيني: وليس كذلك بل هو راجع بالأجر كانت غنيمة، أو لا. قاله ابن بطال، ويدل لأجره مطلقاً حديث ابن عمرو بن العاص مرفوعاً "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، وبقي لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" فهذا يدل على أنه لا يرجع بدون أجر، لكن ينقص أجر من أصاب الغنيمة، وتضعيف هذا الحديث بحميد بن هانىء وهو غير مشهور، رد بأنه غير ملتفت إليه فهو ثقة محتج به عند مسلم، ووثقه النسائي وابن يونس وغيرهما، ولا يعرف فيه تجريح لأحد، وفي رواية البخاري من حديث أبي هريرة "وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالماً مع أجره أو غنيمة" قال العيني: أي: ضمن الله بملابسة التوفي إدخال الجنة، وبملابسة عدم التوفي الرجوع بالأجر أو الغنيمة. قال الكرماني: يعني لا يخلو من الشهادة أو السلامة، فعلى الأول: يدخل الجنة بعد الشهادة في الحال، وعلى الثاني: لا ينفك عن أجر أو غنيمة، مع جواز الجمع بينهما في قضية مانعة خلو لا مانعة جمع. قال: ولفظ الضمان والتكفل والتوكيل والانتداب الواقعة في الأحاديث كلها بمعنى تحقيق الوعد على وجه الفضل منه. وعبّر ﵊ عن تفضل الله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به العادة بين الناس؛ لتطمئن به النفوس وتركن إليه القلوب (والذي نفس محمد) أظهر مكان الإِضمار؛ لفخامة هذا الاسم فهو كقول الخليفة الخليفة فعل كذا دون فعلت (بيده) أي: بقدرته، وفيه ندب القسم لتأكيد الأمر عند السامع (ما من كلم) أي: جرح، والتنكير للإِشاعة فيصدق بالقليل منه والكثير (يكلم) بالبناء للمفعول (في سبيل الله) الظرف مستقر في محل الحال، والمراد به الجهاد، ومثله كل من جرح في ذات الله وكل ما دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد (إلا جاء يوم القيامة كهيئة) أي: جاء حال كونه مماثلاً لهيئته (يوم كلم) أي: في الدنيا وبين وجه الشبه على طريقة الاستئناف البياني بقوله (لونه لون دم وريحه ريح مسك) وروى البخاري هذه الجملة القسمية من حديث أبي هريرة أيضاً بلفظ "أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون دم والريح ريح المسك" وجملة لونه لون دم حالية. وفي الحديث: أن الشهيد يبعث في حالته
стр. 1824
لَوْلاَ أنْ يَشُقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبيلِ اللهِ أبداً، وَلكِنْ لاَ أجِدُ سَعَةً فأحْمِلُهُمْ وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي. وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أنْ أغْزُوَ في سَبيلِ اللهِ، فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أغْزُوَ فَأُقْتَلَ"،
ــ
التي قبض عليها، والحكمة فيه أن يكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة ربه ويشهد له على ظالمه بفعله، وفائدة رائحته الطيبة أن ينشهر في أهل الموقف إظهاراً لفضله (والذي نفس محمد بيده) أعاد جملة القسم؛ لأن المقسم عليه ثانياً غير المقسم عليه أولاً (لولا أن أشق على المسلمين) أي: العاجزين عن الخروج للجهاد (ما قعدت خلف سرية) منصوب على الظرفية، بدليل رواية مسلم الآخرى "ما قعدت خلف سرية" وبه فسر المصنف هذا الحديث في شرح مسلم، أو على الحال أي: مخالف سرية بأن يخالف فعلى فعلها فتذهب وأقيم، والسرية القطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مائة، تبعث إلى العدو، وجمعها سرايا سموا بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر وخيارهم من السرى وهو الشيء النفيس وجملة (تغزو في سبيل الله) في محل الصفة لسرية (أبداً) أي: في زمان من الأزمنة الآتية (ولكن) استدراك من حاصل الكلام السابق ببيان المانع عن خروجه مع كل (لا أجد سعة) بفتح أوليه المهملين، أي: ما يسع سائر المسلمين (فاحملهم) بالنصب في جواب النفي (ولا يجدون سعة) فيخرجوا بأنفسهم (ويشق عليهم أن يتخلفوا عني) لما فيه من فقدهم الاجتماع عليه ﷺ تلك المدة، مع فوات أجر الغزو الذي تخلفوا عن شهوده (والذي نفس محمد بيده لوددت) بكسر الدال الأولى (أن أغزو في سبيل الله فأقتل) بالنصب عطفاً على المنصوب قبله (ثم أغزو فاقتل ثم أغزو فاقتل) ولفظ البخاري من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" قال العيني: استشكل بعضهم صدور هذا اليمين من النبي ﷺ ، مع علمه بأنه لا يقتل. وأجاب ابن المنير بأنه لعنه كان قبل نزول قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) (١) وأعترض بأن نزولها كان أوائل قدومه المدينة، وقد صرح أبو هريرة بسماعه من النبي ﷺ ، وهو إنما قدم أوائل سنة سبع. وأجاب بعضهم بأن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع. قال العيني: أو ورد على المبالغة في فضل الجهاد والقتل فيه. وجاء عن أنس
стр. 1825
رواه مسلم، وروى البخاري بعضه. "الكَلْمُ": الجَرْحُ (١) .
١٢٩٣- وعنه، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَم في سَبيِلِ الله إِلاَّ جَاءَ يَومَ القِيَامةِ، وَكَلْمُهُ يدْمِي: اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ ريحُ مِسكٍ" متفقٌ عَلَيْهِ (٢) .
١٢٩٤- وعن معاذٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله من رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحاً في سَبِيلِ اللهِ
ــ
مرفوعاً في الشهيد "أنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة" رواه مسلم وسيأتي، وروى الحاكم بسند صحيح عن جابر "كان النبي ﷺ إذا ذكر أصحابه الذين استشهدوا في أحد قال: والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بفحص الجبل وفحص الجبل ما بسط منه وكشف من نواحيه". اهـ (رواه مسلم) في الجهاد (وروى البخاري بعضه) بل كله بنحوه، لكن مفرقاً كما علمت (الكلم) بفتح فسكون (الجرح) كذلك.
١٢٩٣- (وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مكلوم) أي: مجروح (يكلم) بالبناء للمفعول، فيعم ما كان الكلم من الكفار وما كان من غيرهم، كدق حجر أو شجر أو عود (في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى) جملة حالية مصدرة بواو الحال وقوله (اللون لون دم والريح ريح مسك) جملة حالية أيضاً من فاعل يدمى، أو مستأنفة استئنافاً بيانياً جواب سؤال، تقديره كيف صفة ذلك (متفق عليه) اقتصر السيوطي في الجامع الكبير على عزوه للبخاري، ولم أر هذا اللفظ في باب من يخرج في سبيل الله من البخاري، ولا في فضل الجهاد من صحيح مسلم والله أعلم.
١٢٩٤- (وعن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم)
من فيه بيانية للإِبهام الذي في من (فواق ناقة) بضم الفاء وتخفيف الواو وآخره قاف، وسيأتي معناه: وهو كناية عن قليل الجهاد (وجبت له الجنة) ففيه بشارة لمن جاهد في سبيل الله طلباً