Полный текст (2 250 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن حبان في «صحيحه» وابن خزيمة وابن الجارود والطحاوي في «شرح معاني الآثار» والبيهقي في «السنن» . ووهم ابن دحية في زعمه أن مالكاً أخرجه في «الموطإ» ، كذا في «شرح عمدة الأحكام» للقلقشندي ومن خطه نقلت (رواه إماما المحدثين) بإثبات ألف التثنية خطاً وحذفها لفظاً لالتقاء الساكن أي المقتدي بهما ورعاً وزهداً واجتهاداً في «تخريج الصحيح» وإيداعه دون غيره كتابيهما، حتى ائتمّ بهما في ذلك الأئمة الذين حذوا حذوهما (أبو عبد الله محمدبن إسماعيلبن إبراهيمبن المغيرة) بضم الميم وكسرها (ابن بردزبه) بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فمهملة مكسورة بعدها زاي ساكنة فموحدة فهاء تأنيث وهو بالعربية الزراع. قال في «فتح الباري» : كان بردزبه المذكور مجوسياً، وكان في بخارى والٍ يقال له اليمان الجعفي، فأسلم المغيرة بن بردزبه على يديه فمن ثم قيل للبخاري الجعفي، وأما إبراهيمبن المغيرة فلم نقف على شيء من أحواله، والظاهر أنه لم ينظر في العلم، وأما إسمعيل فذكر له ابنه ترجمة في «تاريخه» وقال: إنه سمع من مالك وحمادبن زيد وابن المبارك، وذكره كذلك ابن حبان في «الطبقة الرابعة» من ثقاته، وزاد: روى عنه العراقيون اهـ (الجعفي) أي: مولاهم لما ذكر من أن جده المغيرة أسلم على يد اليمان ابن أخنس الجعفي فنسب إليه ولاء فأشار المصنف إلى أنه يقدم النسب إلى القبيلة ولو ولاء على النسب إلى البلاد عند الجمع. وعبارة «التهذيب» للمصنف: إذا جمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قدم النسب إلى القبيلة. انتهت (البخاري) ولد ثالث عشر شوال سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وكتب عن ابن حنبل ويحيىبن معين وخلائق يزيدون على ألف.
وروى عنه مسلم خارج صحيحه وأبو زرعة والترمذي وابن خزيمة والنسائي. ومناقبه نعمة ذكرت جلة منهم في «شرح الأذكار» . توفي ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ ست وخمسين ومائتين، ودفن يخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند. ومن مناقبه ما حكي عنه أنه عمي صبياً فرأى في نومه إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فتفل في عينيه أو دعا له فأبصر، فمن ثم لم يقرأ كتابه. في كرب إلا فرج. ثم الحديث المذكور في سبعة مواضع من
стр. 37
«صحيح البخاري» (أبو الحسين مسلمبن الحجاجبن مسلم القشيري) نسبة إلى قشيربن كعببن ربيعةبن عامر ابن صعصعة قبيلة كبيرة، وقشير أيضاً بطن من أسلم، منهم سلمة بن الأكوع ﵁ (النيسابوري) نسبة إلى نيسابور أحسن مدن خراسان وأجمعها للخيرات.
قال الأصفهاني في «لبّ الألباب» : قيل لها ذلك لأن سابور لما رآها قال: يصلح أن يكون ها هنا مطينة. وكانت قصبا فأمر بقطع القصب وأن تبنى مدينة، فقيل نيسابور، والنيّ: القصب اهـ. ولد الإمام مسلم سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، ومات في رجب سنة (٢٦١) إحدى وستين ومائتين. وأخذ عن أحمد وحرملة وخلائق. روي عنه ساعة منهم من هو في درجته كأبي حاتم الرازي والترمذي فروى عنه حديثاً واحداً وابن خزيمة وخلائق ﵄ في كتابيهما) المشهورين بالصحيحين المعروفين بذلك كنار على علم (اللذين) بلامين وفتح الذال المعجمة مثنى الذي وكتب بلامين فرقاً بينه وبين الذين الجمع (هما أصحّ الكتب) بلا شك ولا مرية كما أطبق عليه من بعدهما لا سيما المحدثوند حيث جعلوا الصحيح سبعة أقسام: أعلاها ما خرجاه، فما انفرد به البخاري فما انفرد به مسلم، فما كان على شرطهما، فما كان على شرط البخاري، فما كان على شرط مسلم، فما صححه معتبر وسلم من المعارض. وقول الشافعي: لا أعلم كتاباً بعد كتاب الله أصحّ من «موطإ» مالك إنما كان قبل ظهورهما. فلما ظهرا كانا بذلك أحق، والجمهور على أن ما أسنده البخاري في «صحيحه» دون التراجم والتعاليق وأقوال الصحابة والتابعين أصحّ مما في مسلم، لأنه كان أعلم منه بالفن اتفاقاً مع كون مسلم تلميذه وخريجه، ومن ثم قال الدارقطني: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء، هذا وإن لم يلزم منه أرجحية المصنف إلا أنها الأصل.
قال الحافظ ابن حجر في «نكته» على كتاب ابن الصلاح بعد ذكر نحو ما ذكرنا: هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فيترجح كتاب البخاري على كتاب مسلم بأن الإسناد الصحيح مداره على اتصاله وعدالة الرواة، وكتاب البخاري أعدل رواة وأشد اتصالاً، وبيانه أن الذين انفرد لهم بالإخراج دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلاً، المتكلم فيه بالضعف منهم نحو الثمانين، والذين انفرد مسلم بهم ستمائة وعشرون رجلاً، المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلاً، ولا شك أن من سلم من التكلم فيه رأساً أقوى ممن تكلم فيه وإن لم يعول على ما تكلم به فيه، على أن المتكلم فيهم في
стр. 38
البخاري لم يكثر من تخريج أحاديثهم، بخلاف مسلم، وأيضاً فأكثرهم شيوخه الذين هو أعرف بهم من غيره لكونه لقيهم وخبرهم وخبر حديثهم، وأما المتكلم فيهم في مسلم فأكثرهم من المتقدمين الذين لم يخبرهم، وأيضاً فالبخاري غالباً إنما يخرج للمتكلم فيه في المتابعات والشواهد بخلاف مسلم. وأما ما يتعلق بالاتصال فمسلم كان مذهبه بل نقل الإجماع في أول صحيحه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذ تعاصر المعنعن والمعنعن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة، ومن ثم قال النووي: وهذا المذهب مما يرجح به كتاب البخاري قال: وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله بهذا المذهب في «صحيحه» لكونه يجمع طرقاً كثيرة يبعد معها وجود هذا الحكم الذي جوّزه اهـ. وجمعه لتلك الطرق هو الغالب، وفيما لم يجمع فيه طرقاً جلالته قاضية بأنه إنما جرى على الأحوط من ثبوت الاتصال انتهى ملخصاً مع يسير زيادة. وقوله: (المصنفة) اقتفى به أثر الإمام الشافعي ﵁ في قوله: بعد كتابالله، ليحترز بذلك عنه أيضاً.
٢٢ - (وعن أم المؤمنين) أي: في الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح، دون نحو النظر والخلوة، وكذا سائر أمهات المؤمنين، وهو أب للمؤمنين في الرأفة والرحمة والمراد من نفي أبوته في الآية أبوة النسب والتبني (أم عبد ا) كناها بابن أختها أسماء «عبد ابن الزبير» وقيل بسقط لها منه، واستبعد (عائشة) الصديقة بنت أبي بكر الصديق عبد ابن أبي قحافة عثمان ﵂ وعن أبيها وجدها، تزوّجها بمكة وهي بنت ست سنين، بعد تزوّجه بسودة بشهر، وقبل الهجرة بثلاث سنين ودخل بها في شوّال منصرفة من بدر سنة ثنتين من الهجرة، وهي بنت تسع سنين، وتوفي وهي بنت ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده أربعين سنة، وتوفيت سنة سبع أو ثمان وخمسين لثلاث عشرة بقيت من رمضان بعد الوتر، وصلى عليها أبو هريرة لإمارته على المدينة حينئذٍ من قبل مروان، روي
стр. 39
لها ألفا حديث ومائتان وعشرة وقيل ألف وعشرة. اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وستين ومسلم بثمانية وستين (قالت: قال رسول الله: يغزو جيش الكعبة) في رواية مسلم: «عبث رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا له: صنعت شيئاً لم تكن تفعله؟ قال: العجب أن أناساً من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش» وزاد في رواية أخرى: أن أم سلمة قالت ذلك أيام ابن الزبير، وفي أخرى: أن عبد ابن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة قال: وا ما هو هذا الجيش.
قال القرطبي: وقد ظهر ما قال، فإن الجيش المرسل إلى ابن الزبير لم يخسف به اهـ. قال العاقولي: والأولى إجراء الحديث على إطلاقه وعدم تقييده بأحد، والكعبة مأخوذة من كعبته: ربعته، والكعبة: كل بيت مربع كذا في «القاموس» . وفي كلامهم أن إبراهيم بنى الكعبة مربعة، ولا ينافيه اختلاف بعد ما بين أركانها لأنه قليل لا ينافي التربيع، وهذا أعني كون سبب تسميتها كعبة تربيعها أوضح من جعل سببها ارتفاعها. كما سمي كعب الرجل بذلك لارتفاعه، وأصوب من جعله استدارتها إلا أن يريد قائله بالاستدارة التربيع مجازاً، أو يكون أخذ الاستدارة في الكعب سبباً لتسميته، لكنه مخالف لكلام أئمة اللغة (فإذا كانوا ببيداء) في رواية مسلم: بالبيداء. قال القرطبي: والبيداء: أرض ملساء لا شيء فيها. وفي «الصحاح» : البيداء المفازة والجمع بيد، وهل هي بيداء المدينة أو لا؟ فيه خلاف (من الأرض) في محل الصفة لبيداء (يخسف بأولهم وآخرهم) زاد الترمذي في حديث ضعيف «ولم ينج أوسطهم» . وزاد مسلم في حديث حفصة: «يخسف بأوسطهم ثم ينادي أولهم آخرهم ثم يخسف بهم فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم» واستغني بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط بأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك، ولكونه آخراً بالنسبة للأول وأولاً بالنسبة للأخير فيدخل (قالت) عائشة متعجبة من وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة (قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم) أي: بجملتهم (وفيهم أسواقهم) كذا للبخاري بالمهملة والقاف جمع، والمعنى: أهل أسواقهم أو السوقة منهم (و) فيهم (من ليس منهم) أي: ممن خرج بقصد القتال وإنما وافقهم في صحبة الطريق (قال) مجيباً عما سألت عنه: بأن العذاب يقع عاماً لحضور آجالهم، ثم يبعثون على نياتهم.
وقد روى الشيخان عن ابن عمر مرفوعاً ﵄ «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على
стр. 40
نياتهم» (يخسف بأولهم وآخرهم) أي: بجملة القوم تابعهم ومتبوعهم لشؤم الأشرار (ثم يبعثون) ويعاملون عند الحساب (على نياتهم) فيعامل كل بقصده من الخير أو الشر. وفي الحديث: أن من كثر سواد قوم في المعصية مختاراً أن العقوبة تلزمه معهم. وفيه أن الأعمال تعتبر بنية العامل، وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطرّ إلى ذلك (متفق عليه) ورواه أيضاً غيرهما، و (هذا) المذكور (لفظ البخاري) ولمسلم ألفاظ وهي بنحو ما ذكر، فمن ألفاظه. فقلنا: إن الطريق تجمع الناس. قال: «نعم فيهم المستنصر لذلك» أي: للمقاتلة «والمجبور» بالجيم الموحدة: أي المكره «وابن السبيل» أي: سالك الطريق معهم وليس منهم. فقال «يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم» .
٣٣ - (وعن عائشة ﵂ قال قالت النبيّ: لا هجرة) أي: من مكة (بعد الفتح) أي: فتحها، وجاء في حديث للبخاري مرفوعاً «لا هجرة بعد فتح مكة» وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة. وذلك أن الهجرة: أي مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام كانت واجبة على من بمكة فيجب على من أسلم بها أن يهاجر منها إلى المدينة لكونها كانت دار كفر فلما فتحت صارت دار إسلام، أما الهجرة من المواضع التي لا يتأتى إقامة أمر الدين فيها فهي واجبة اتفاقاً، وعلى ذلك يحمل حديث «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار» قال الخطابي: كانت الهجرة على معنيين: أحدهما أنهم إذا أسلموا وأقاموا بين قومهم أو ذوا، فأمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم ويزول عنه الأذى. والآخر الهجرة من
стр. 41
مكة إلى المدينة لأن أهل الدين بالمدينة كانوا قليلين ضعيفين، فكان الواجب على من أسلم أن يهاجر إلى رسول الله ﷺ إن حدث حادث استعان بهم في ذلك، فلما فتحت مكة استغنى عن ذلك، إذ كان معظم الخوف من أهلها، فأمر المسلمون أن يقيموا في أوطانهم ويكونوا على نية الجهاد مستعدين لأن ينفروا إذا استنفروا.
قال المصنف: يتضمن الحديث على هذا القول معجزة لرسول الله، وهي أن مكة تبقى دار الإسلام لا يتصوّر منها الهجرة. قال: وقيل معنى الحديث: لا هجرة بعد الفتح، فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ (الحديد: ١٠) الآية اهـ (ولكن جهاد ونية) قال الطيبي: كلمة لكن تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها: أي: المفارقة عن الأوطان المسماة بالهجرة المطلقة انقطعت لكن المفارقة بسبب الجهاد باقية مدى الدهر، وكذا المفارقة بسبب نية خالصة تعالى كطلب العلم والفرار بدينه ونحوه. وقال المصنف تحصيل الخبر بسبب الهجرة قد انقطع بالفتح، ولكن حصلوه بالجهاد والنية (وإذا استنفرتم) أي: طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد، ويحتمل العموم أي إذا استنفرتم إلى الجهاد ونحوه (فانفروا) بكسر الفاء على الأفصح ويجوز ضمها وبالأول جاء القرآن: أي أخرجوا (متفق عليه) ورواه أبو داود، وروى بعضه الإمام أحمد وابن حبان وأبو عوانة والدارمي وابن الجارود وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. نقله العزّبن فهد في «الأربعين» التي خرّجها في الجهاد (ومعناه لا هجرة من مكة) أي بعد الفتح واجبة: لأنها وجبت منها أو لا لكونها كانت داراً للكفر وقد زال بفتحها فلا يجب منها (لأنها صارت دار إسلام) أو معناه كما يؤخذ من كلام الخطابي: لا هجرة إلى المدينة واجبة على من آمن
стр. 42
وأمن على دينه بعد الفتح، لأنها إنما وجبت أو لا لكون المسلمين بالمدينة يومئذٍ كانوا قليلين، فكان الواجب على من أسلم الهجرة إلى رسول الله ﷺ إعانة له، واستغنى عن ذلك بعد فتح مكة لأن معظم الخوف كان من أهلها.
٤٤ - (وعن أبي عبد الله جابربن عبد الله الأنصاري) الخزرجي السلمي بفتح اللام لنسبته إلى سلمةبن سعد. روي عنه أنه قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، فلما قتل أبي لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط» . وعنه قال: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة وكان أبوه يومئذٍ أحد النقباء. وكان جابر من أصغر الصحابة سناً. وكان من ساداتهم وفضلائهم المتحفين بحبّ رسول الله. روي له عن رسول الله ﷺ ألف وخمسمائة وأربعون حديثاً اتفقا منها على ستين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم بمائة وستة وعشرين. توفي بالمدينة بعد أن كفّ بصره سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وصلى عليه أبانبن عثمان، وكان والي المدينة، وجابر آخر الصحابة موتاً بالمدينة ﵄ أشار إلى أنه ينبغي لكل من ذكر صحابياً أبوه صحابي، أي وقد ذكره، أن يقول ﵄ (قال: كنا مع النبيّ في غزاة) هي غزوة تبوك كما صرحت به رواية البخاري الآتية. وفي «النهاية» غزا يغزو غزوا فهو غاز، والغزوة: المرّة من الغزو، والاسم الغزاة: أي: بفتح الغين، وجمع الغازي غزاة بضمها وغزى وغزىّ وغزاة كقضاة وفسق وحجيج وفساق اهـ (فقال: إنّ بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً) أي: سيراً أو في مكان سير، فهو مصدر ميمي أو اسم مكان (ولا قطعتم وادياً) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ا﴾ (التوبة: ١٢٠) إلى قوله: ﴿ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ (التوبة: ١٢١) (إلا كانوا معكم) أي: شركوكم في الأجر كما في الرواية الثانية «وكان لهم مثل أجركم مضاعفاً» لصحة نيتهم في مباشرة كل ما باشره إخوانهم المجاهدون (حبسهم)
стр. 43
أي: منعهم (المرض) فلصحة النية أعطاهم الله مثل أجر المباشر.
كذا في «المفهم» (وفي رواية إلا شركوكم) بكسر الراء (في الأجر) بدل قوله: إلا كانوا معكم. قال العاقولي في «شرح المصابيح» : هذا دليل على أنهم شركاء في الأجر وعلى التساوي أيضاً، لأنه إذا قال الرجل لصاحبه هذا لي ولك حمل على المساواة، ولذلك تجعل الدار بينهما نصفين إلا أنه يستدل بقوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ (النساء: ٩٥) الآية على ترجيح جانب الغازي على جانب القاعد، فيحمل ذلك على القاعد من غير عذر، والتساوي المفهوم من الحديث على القاعد بعذر فلا معارضة بين الآية والحديث، وسيأتي زيادة تحقيق في هذا المقام (رواه مسلم) .
٥٥ - (ورواه البخاري عن أنس) عدل المصنف عن قوله متفق عليه مع أنهما روياه لكن باختلاف يسير في لفظه، وذلك الاختلاف لا يضر في إطلاق الإتفاق، لاختلاف صحابي الحديث عندهما. وقد اختلف في مثل ذلك هل هو مما اتفقا عليه، وبه قال ابن الجوزي وقال جمهور المحدّثين: لا يطلق اتفاقهما إلا على ما اتفقا على إخراج إسناده ومتنه معاً. نقله الحافظبن حجر في «نكته» على كتاب ابن الصلاح (قال رجعنا من غزوة تبوك) بفتح الفوقية وهي في طرف الشام من جهة القبلة بينها وبين المدينة النبوية نحو أربع عشرة مرحلة. وكانت غزوته تبوك في سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته. قال الأزهري: أقام بتبوك بضعة عشر يوماً. والمشهور ترك صرف تبوك للتأنيث والعلمية، وفي رواية «صحيح البخاري» في حديث كعببن مالك: أي الآتي في باب التوبة: «لم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكاً» بالصرف في جميع النسخ باعتبار إرادة الموضع (مع النبيّ) أي: صحبته (فقال: إن أقواماً) أي: رجالاً بدليل الرواية السابقة، ولأن القوم مختص بالرجال، قال تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم * ولا نساء من نساء﴾ (الحجرات: ١١) الآية.
وقال الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء.
(خلفنا) بسكون اللام أي وراءنا، وفي نسخة بتشديدها، من التخليف أي خلفنا خلفاً (بالمدينة) علم بالغلبة على دار هجرته (ما سلكنا شعباً) بكسر الشين المعجمة أي الطريقة في الجبل كما قاله ابن
стр. 44
السكيت، قيل: الفرجة النافذة بين الجبلين (ولا وادياً) هو الموضع الذي يسيل فيه الماء كذا في «مفردات الراغب» (إلا وهم معنا) بفتح العين والجملة حالية (حبسهم العذر) استئناف بياني جواباً عن السؤال المقدر من حصول مثل ثواب المجاهد لهم مع قعودهم، وقد جاء السؤال مصرّحاً به في رواية أبي داود عن أنس، ولفظها: أن النبيّ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم، قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العُذر» والعذر بضم المهملة: وصف يعرض للمكلف يناسب التسهيل عليه.
٦٦ - (وعن أبي يزيد معن) بفتح الميم وسكون المهملة آخره نون (ابن يزيدبن الأخنس) بمعجمة فنون فمهملة ﵃ أتى بضمير الجمع وعلل الإتيان به كذلك بقوله: (هو وأبو وجده صحابيون) أي: وما كان كذلك فينبغي أن يؤتى عند ذكرهم بالترضي عليهم بصيغة الجمع. والصحابي على الصحيح: من اجتمع بالنبيّ حال حياته مؤمناً به ولو لحظة ومات على الإيمان. قيل: وقد شهد الثلاثة بدراً. قال الكرماني: ولم يتفق ذلك لغيرهم. وقيل: لم يشهدها معن. نزل معن الكوفة ثم مصر ثم الشام وقتل بمرج راهط سنة أربع وستين في دولة مروان. ذكره ابن الجوزي في «التلقيح» فيمن له عن رسول الله ﷺ خمسة أحاديث، وقال: قال البرقي له حديثان اهـ. انفرد البخاري بالرواية عنه عن مسلم للحديث الآتي، وروي عنه أبو داود (قال) أي: معن من جملة حديث (كان أبي) الأولى «وكان أبي» بالواو تنبيهاً على أنه بعض حديث (يزيد) بالرفع عطف بيان لأبي أو بدل منه (خرج دنانير يتصدق بها) ظاهره صدقة تطوع (فوضعها عند رجل في المسجد) أي: وأذن له أن يتصدق بها على المحتاج إليها (فجئت) الرجل (فأخذتها) أي: باختيار منه (فأتيته) أي: أبي (بها) أي: مصاحباً لها (فقال: وا ما إياك أردت) بهذه الدنانير المتصدق
стр. 45
بها (فخاصمته) منتهياً (إلى رسول الله. فقال) : (لك ما نويت) أي: ثوابه (يا يزيد) لأنك نويت التصدق بها على محتاج، وابنك محتاج وإن لم تنوه (ولك ما أخذت يا معن) لكونك قبضتها قبضاً صحيحاً (رواه البخاري) .
٧٧ - (وعن أبي إسحاق سعدبن أبي وقاص) بتشديد القاف آخره مهملة (مالك) بالجر على العطف على أبي أو بدلاً منه ويجوز قطعه عنه مرفوعاً بتقدير هو، ومنصوباً بتقدير أعني (أبن أهيب) بضم الهمزة وفتح الهاء وسكون التحتية (ابن عبد مناف) بفتح الميم (ابن زهرة) بضم الزاي (ابن كلاب) بكسر الكاف يحتمل أن يكون منقولاً عن جمع كلب، وأن يكون منقولاً عن مصدر كالب. وفي «المواهب اللدنية» : سئل أعرابيّ لم تسمون أبناءكم بشرّ الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنا نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا. يريد أن الأبناء عدة للأعداء وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء. وكلاب هذا يجتمع فيه نسب أبي النبيّ وأمه. واسم كلاب حكيم وقيل عروة (ابن مرّة) بضم الميم وتشديد الراء (ابن كعب) وهو أول من جمع يوم العروبة كانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبيّ ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم باتباعه والإيمان به (ابن لؤيّ) بضم اللام وفتح الهمزة وتقدم ما يتعلق به أول الباب (ابن غالب القرشيّ الزهريّ ﵁ أسلم سعد قديماً. وسبب إسلامه مذكور في «شرح الأذكار» ، وكان من المهاجرين الأولين شهد بدراً وما بعدها، وكان يقال له فارس الإسلام، وهو (أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃ وقد جمع أسماءهم غير واحد كالحافظ زين الدين العراقي فقال:
وأفضل أصحاب النبي مكانة
ومنزلة من بشروا بجنان
سعيد زبير سعد عثمان عامر
علي ابن عوف طلحة العمران
وأحد الستة أصحاب الشورى، كان يحرس النبيّ في مغازيه، وجمع له النبي
стр. 46
أبويه فقال: «فدالك أبي وأمي أيها الغلام الحزور، اللهم سدّد رميته وأجب دعوته» . ثم قال لهم هذا خالي فليأت كل رجل بخاله. وفي هذا المقام في «شرح الأذكار» بسط فراجعه. ودعا له النبيّ بالشفاء من جرح كان به فشفي وهو أول من أراق دماً في الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيلالله، وأخباره في الشجاعة والشدة في دين الله واتباع السنة والزهد والورع وإجابة الدعوة والصدق والتواضع شهيرة. روي له عن النبي مائتان وسبعون حديثاً. وفي «التلقيح» لابن الجوزي مائتان وإحدى وسبعون حديثاً. وقال أبو نعيم أسند مائة حديث ونيفاً سوى الطريق. وقال البرقي: الذي حفظ عنه نحو من سبعين حديثاً اهـ. اتفق على خمسة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بثمانية عشر. توفي في قصره بالعقيق على سبعة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة، وصلى عليه والي المدينة مروانبن الحكم وأزواج النبيّ قيل وكان آخر المهاجرين موتاً بالمدينة ولما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له فقال: كفنوني فيها، فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وكنت أخبؤها لهذا اليوم. وكانت وفاته سنة ثمان أو خمس وخمسين وله بضع وستون أو سبعون أو ثمانون أو تسعون سنة (قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني) فيه عيادة الكبير أتباعه، ففيه التواضع ولين الجانب (عام حجة الوداع) سميت بذلك لأنه ودعهم فيها وهو بكسر الواو ويجوز فتحها، وتسمى بحجة البلاغ، لأنه قال لهم فيها: «هل بغلت» وبحجة الإسلام، لأنها الحجة التي حجّ فيها المسلمون وليس فيها مشرك (من وجع اشتد بي) وفي رواية لهما «أشفيت منه على الموت» أي: قاربته وأشرفت عليه (فقلت، يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى) فيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من نحو مداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حالة، وكراهة ذلك محمولة على ما كان
على وجه التسخط ونحوه لكونه قادحاً في أجر مرضه (وأنا ذو مال) فيه دليل إباحة جمع المال، لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلا لمال كثير (ولا يرثني) من الولد أو خواصّ الورثة وإلا فقد كان له عصبة، وقيل معناه؛ لا يرثني من أصحاب الفروض (إلا ابنة لي) اسمها عائشة ولم يكن إذ ذاك سواها، ثم جاء له بعد ذلك أولاد. وتعقب الحافظ ذلك في «الفتح» ، ثم قال؛ والظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاببن عبد ابن الحارث.t قال
стр. 47
الحافظ؛ ولم أر من حررّ ذلك (أفأتصدق بثلثي مالي) يحتمل أنه أراد بالصدقة الوصية، ويحتمل أنه أراد الصدقة المنجزة، وحكمهما سواء عندنا. وعند العلماء كافة لا ينفذ منهما ما زاد على ثلث التركة إلا برضى الوارث (قال لا، قلت فالشطر) أي: فالنصف بالرفع على الابتداء أي أتصدق به أو على أنه فاعل لفعل مقدر: أي أفيجوز الشطر؟ وقال في «فتح الباري» : هو بالنصب على تقدير فعل: أي أسمي أو أعين الشطر. ثم قال: ويجوز الرفع (قال لا، قلت فالثلث) بالرفع أو النصب (قال) : (الثلث) بالرفع على تقدير أنه فاعل فعل محذوف: أي يكفيك الثلث، أو خبر مبتدإ محذوف: أي المشروع الثلث، أو مبتدأ حذف خبره: أي الثلث كافيك، وبالنصب على الإغراء أو بفعل مضمر: أي أعط الثلث (والثلث كثير) بمثلثة وعليه اقتصر الشيخ زكريا في «تحفة القاري» على البخاري (أو كبير) أي: بموحدة، وقد حكاه مع ما قبله المصنف في «شرح مسلم» روايتين قال وكلاهما صحيح. قال في «فتح الباري» : المحفوظ في أكثر رواياته بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه قال: وهذا محتمل أن يكون مسوقاً لبيان جواز التصدق بالثلث، وأن الأولى النقص عنه وهو ما يتبادر إلى الفهم، ومحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث من الأكمل: أي كثير أجره أو كثير غير قليل.
قال الشافعي: وهذا أولى معانيه، يعني أن الكثرة أمر نسبي اهـ. (إنك) يجوز فتح الهمزة وهو أوضح لأنه علة لما تضمنه قوله: «والثلث كثير» من أنه لا ينبغي أن يوصي بالثلث بل ينقص عنه شيئاً قليلاً، ويجوز كسرها استئنافاً، وفيه الإشارة إلى تلك العلة أيضاً (أن تذر ورثتك أغنياء) بفتح همزة أن: أي لأن تذر فمحله جرّ أو نصب على الخلاف في ذلك، أو هو مبتدأ فمحله رفع وخبره (خير) وعلى الأول فهو خبر لأن، ويجوز كسر همزة أن إن صحت به الرواية، قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر فإن فيه شرطية وجوابها جملة صدرها مع فاء الجواب محذوف: أي فو خير، وبصحة الرواية اندفع ما قبل حذف ذلك ضرورة (من أن تذرهم) أي: تتركهم (عالة) بتخفيف اللام فقراء (يتكففون الناس) أي: يسألونهم ما في أكفهم، ففي الحديث حثّ على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب والشفقة على الورثة، وأنّ صلة القريب الأقرب أفضل من الأبعد (وإنك لن تنفق نفقة) معطوف على قوله: «إنك أن تذر» إلى آخره، وهما علة للنهي عن الوصية
стр. 48
بأكثر من الثلث كأنه قال: لا تفعل لأنك إن متّ تركت ورثتك أغنياء وهو خير لك، وإن عشت تصدقت وأنفقت فالأجر حاصل لك في الحالين، وعبر بتنفق مع أن اشتراط الإخلاص لا يختص به بل يجري في كل تصرّف ما لي أو فعلى تفاؤلاً، فإن الإنفاق إنما يقال فيما صرف في الخير، وغيره يقال فيه حسنى وصنيع. وقال ابن أبي جمرة: نبه بالنفقة على ما سواها من عمل البرّ (تبتغي بها وجه ا) أي: ذاته وحده كما دل عليه السياق (إلا أجرت) بالبناء للمجهول: أي آجرك الله (عليها) وفي نسخة «بها» لأنه من العمل الصالح (حتى ما تجعل في في امرأتك) حتى عاطفة، وما اسم موصول في محل نصب عطفاً على نفقة، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ: أي إلا أجرت بالنفقة التي تبتغي بها وجه الله حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك، ففي الحديث أن الأعمال بالنيات. وإنما يثاب على عمله بنيته، وأن الإنفاق على العيال
يثاب عليه إذا قصد وجه الله تعالى به. وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة ويثاب عليه؛ إذ وضع اللقمة في فم امرأته إنما يكون في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذّذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع ذلك فقد أخبر الشارع بأن ذلك يؤجر عليه بالقصد الجميل. فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا قصد به وجهالله. ويؤخذ منه أن الإنسان إذا فعل مباحاً من أكل أو شرب وقصد به وجه الله كالاستعانة بذلك على الطاعة وبالنوم على قيام الليل يثاب عليه. ووجه عطف جملة وإنك لن تنفق الخ» على «إنك» الأولى بيان سبب استكثار الثلث ببيان ما يتعلق به في الدنيا والآخرة: أي: لا تستقل الثلث، فإنك إذا أخرجته أثبت الثواب العظيم. وأبقيت لورثتك ما يصونون به وجوههم عن ذلّ السؤال، ومع ذلك تكون قد تداركت به ما فرطت. كما في حديث «إن الله أعطى عبده ثلث ماله في آخر عمره ليتدارك به ما فرط منه» (قال فقلت يا رسول الله أخلف) بضم الهمزة وفتح اللام المشددة، وفي نسخة من البخاري «أخلف» بهمزة الاستفهام: أي أخلف في مكة (بعد أصحابي) أي: بعد انصرافهم معك.
قال القاضي عياض: قاله إما إشفاقاً من موته بمكة لكونه هاجر منها وتركها فخشي أن يقدح ذلك في هجرته أو في ثوابه، أو خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي وأصحابه إلى المدينة وتخلفه عنهم بسبب المرض، وكانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه. ولذا جاء في رواية أخرى «أخلف عن هجرته» . قال القاضي: قيل كان حكم الهجرة باقياً بعد الفتح لهذا الحديث، وقيل: إنما كان ذلك لمن هاجر قبل الفتح اهـ (قال إنك لن تخلف) أي:
стр. 49
بأن يطول عمرك وبقاؤك في الحياة بعد جماعات من أصحابك (فتعمل عملاً يبتغي) تقصد (به وجه ا) وحده: أي: ذاته (إلا ازددت به درجة) في الجنة (ورفعة) بكسر الراء، ففي هذا فضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح، والحثّ على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال (ولعلك أن تخلف) بأن يطول عمرك (حتى ينتفع بك أقوام) في دينهم ودنياهم (ويضربك آخرون) هذا من جملة إخباره بالمغيبات فإنه عاش حتى فتح العراق وغيره، وانتفع به قوم في دينهم ودنياهم، وتضرر به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قتلوا إلى جهنم وسبيت نساؤهم وأولادهم، وغنمت أموالهم وديارهم، وولى العراق فاهتدى على يديه خلائق بإقامة الحق فيهم من كفار ونحوهم (اللهمّ) أصله يا أ، فحذف حرف النداء وعوّض عنه الميم ولهذا امتنع الجمع بينهما في الاختيار، وبسطت الكلام في تحقيق هذه الكلمة في «شرح الأذكار» قيل: وهو الاسم الأعظم (أمض) بفتح الهمزة: أي أتمم (لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم) قال القاضي عياض: استدل به بعضهم على أن بقاء المهاجر بمكة كيف كان قادحاً في هجرته، ولا دليل فيه عندي لأنه يحتمل أنه دعا لهم دعاء عاماً أو تقدم معنى ذلك (لكن البائس) بموحدة وبالمد: أي الذي آثر البؤس، أي شدة الفقر والقلة (سعدبن خوله) بفتح الخاء المعجمة وهو زوج سبيعة الأسلمية (يرثى له) أي: يرق له ويترحم له (رسول الله ﷺ أن) بفتح الهمزة: أي: لأنه (مات بمكة) وهي الأرض التي هاجر منها.
قال العلماء: انتهى كلام النبي إلى قوله: «لكن البائس سعدبن خولة» ، وما بعده، مدرج من الراوي قيل من سعد وقد جاء مفسراً في بعض الروايات، وقيل أكثر ما جاء من كلام الزهري. واختلف في قصة سعدبن خولة: فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها. وقيل: إنه هاجر وشهد بدراً ثم انصرف إلى مكة ومات بها، وقيل: هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدراً وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: توفي بمكة سنة سبع في الهدنة، خرج مختاراً من المدينة إلى مكة. فعلى القول الأول سبب بؤسه عدم هجرته. وعلى الثاني والأخير سبب بؤسه سقوط هجرته لرجوعه مختاراً بها. وعلى القول الثالث سبب بؤسه موته بمكة على أي حال كان وإن لم يكن باختياره، لما فاته من الأجر الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه الذي هجره تعالى،
стр. 50
ذكره المصنف في «شرح مسلم» (متفق عليه) ورواه مالك في «الموطإ» وأبو داود والترمذي والنسائي كذا في «جامع الأصول» لابن الأثير.
٧٨ - (وعن أبي هريرة) جره بالكسرة هو الأصل وصوّبه جماعة لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه كما هو شائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم، لأن الكل صار كالكلمة الواحدة. واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معاً في كلمة واحدة بل في لفظ هريرة إذا وقعت فاعلاً مثلاً، فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظراً للأصل وتمنع من الصرف نظراً للحال، ونظيره خفي. وأجيب بأن الممتنع رعياتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا، وكأن الحامل عليه الخفة واشتهار هذه الكنية، حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه وفي اسم أبيه على خمسة وثلاثين قولاً، أصحها (عبد الرحمنبن صخر ﵁ وسبب تكنيته بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال: «كنت أحمل يوماً هرة في كمي، فرآني النبي فقال: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقال: يا أبا هريرة» وفي رواية إسحاق «وجدت هرة حملتها في كمي فقيل لي: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقيل أنت أبو هريرة» روجح بعضهم الأول، وقيل غير ذلك. أسلم عام خيبر وشهدها مع رسول الله، ثم لازمه الملازمة التامة رغبة في علم راضياً بشبع بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، ومن ثم كان أحفظ الصحابة، وقد شهد له أنه حريص على العلم والحديث. يروى عنه كما قال البخاري أكثر من ثمانمائة ما بين صحابي وتابعي، وله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ثلاثمائة، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين. وكان ملازماً لسكنى المدينة، وبها توفي في سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. وما اشتهر أن قبره بقرب عسقلان لا أصل له إنما ذاك صحابي اسمه حيدرة (قال: قال رسول الله: إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى
стр. 51
صوركم) أي: لا يثيبكم عليها ولا يقربكم منه ذلك كما قال تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً﴾ (سبأ: ٣٧) الآية، فمعنى نظر اهنا مجازاته وإثباته، وهذا
بعينه يأتي في قوله تعالى: ﴿ولا ينظر إليهم﴾ (آل عمران: ٧٧) وإلا فنظره تعالى الذي هو رؤيته للموجودات وإطلاعه عليها لا يخص موجوداً دون موجود بل يعم جميع الأشياء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والحاصل أن الإثابة والتقريب ليسا باعتبار الأعمال الظاهرة وإنما هي باعتبار ما في القلب كما قال: (ولكن ينظر إلى قلوبكم) وفي الحديث الاعتناء بحال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن كل وصف مذموم وتحليته بكل نعت محمود، فإنه لما كان القلب محل نظر الربّ حق على العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحواله لإمكان أن يكون فيه وصف مذموم يمقته الله بسببه. وفيه أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على عمل الجوارح، لأن عمل القلب هو المصحح للأعمال الشرعية، إذا لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثم لا يكمل إلا بمراقبته تعالى فيه المعبر عنها بالإحسان، وحيث كان عمل القلب مصمماً للعمل الظاهر وعمل القلب غيب عنا فلا يقطع لذي عمل صالح بالخير، فلعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفاً مذموماً لا يصح معه ذلك العمل، ولا لذي معصية بالشرّ فلعله سبحانه يعلم من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه، والأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية، ويترتب على ذلك عدم الغلوّ في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة، بل تحتقر تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة، فتدبر هذا فإنه نظر دقيق، لخص من المفهم للقرطبي (رواه مسلم) وابن ماجه أيضاً.
٩٩ - (وعن أبي موسى عبد ا) بالجر عطف بيان أو بدل من أبي موسى (ابن قيس)
стр. 52
بفتح القاف وسكون التحتية آخره مهملة (الأشعري) نسبة إلى الأشعر قبيلة مشهورة باليمن والأشعر هو مرةبن أددبن زيدبن يشجب، وإنما قيل له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه، كذا في لبّ اللباب. قدم أبو موسى ﵁ مكة على النبي قبل الهجرة فأسلم ثم هاجر، وقدم المدينة مع جعفر وأصحاب السفينة بعد خيبر، وأسهم لهم منها كمن حضرها، وقال؛ لكم أهل السفينة هجرتان، وكان لأبي موسى ثلاث هجر: إلى مكة، ثم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. ولاه على زبيد وعدن وساحل اليمن، وكان يكرمه ويبجله، وقال له «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود» وولاه الولايات، وقد ذكرت جملة من أحواله في باب فضل الذكر من «شرح الأذكار» ، روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة وستون حديثاً اتفقا منها على تسعة وأربعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة عشر. توفي بمكة وقيل بالكوفة سنة اثنتين أو أربع وأربعين عن ستين سنة (قال سئل) بالبناء للمجهول، والسائل هو لاحق ابن ضمرة الباهلي كما في «تحفة القاري» (رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل) في محل الصفة أو الحال من الرجل، لأن أل فيه جنسية فهو نظير قوله تعالى: ﴿وأية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ (يس: ٣٧) وقال الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
(شجاعة) هي الإقدام على العدو عن روية، قال الشاعر:
стр. 53
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
(و) سئل عن الرجل (يقاتل حمية) بتشديد التحتية: أي: أنفة وغيره ومحاماة عن عشيرته.
(و) سئل عن الرجل (يقاتل رياء) أي: ليرى الناس قتاله ومثله القتال سمعة أي ليسمع الناس، وقوله: «شجاعة» بالنصب وكذا المذكورات في الجمل المعطوفة بعده، وقد جاء في رواية «سئل عن الرجل يقاتل للذكر» الحديث؛ أي: لأن يذكر بالشجاعة؛ أي: ملاحظة لنظر الخلق ليمدحوه ويقبلوا عليه، فشجاعة وكذا المنصوبات في الجمل المعطوفة بعده مفعول له (أيّ ذلك) بالرفع مبتدأ وهو اسم استفهام وخبره (في سبيل ا) أي: كائن في طاعته (فقال رسول الله: من قاتل لتكون كلمة ا) أي: دين الإسلام، فإن الإسلام ظهر بكلام الله الذي أظهره على لسان رسول الله، وقيل: المراد من كلمة الله دعوته إلى الإسلام (هي العليا فهو في سبيل ا) يدخل في الحديث من قاتل لطلب ثواب الآخرة أو رضي الله لأنه من إعلاء كلمةالله. وحاصل الجواب أن القتال في سبيل الله قتال منشؤة القوّة العقلية لا القوة الغضبية أو الشهوانية، قال المصنف؛ في الحديث بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الوارد في المجاهدين يختص بمن قاتل لإعلاء كلمة الله (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي والترمذي.
١٠١٠ - (وعن أبي بكرة) بسكون الكاف كني بذلك لأنه تدلى ببكرة من حصن الطائف إلى النبي لما حاصر الطائف، ثالث ثلاثة وعشرين من عبيد أهل الطائف (نفيع) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية آخره مهملة عطف بيان أو بدل من أبي بكرة، وقيل اسمه مسروح بمهملات، وقيل اسم أبيه ذلك (ابن الحارث) بن كلدة بفتحتين (الثقفي) نسبة لثقيف بوزن رغيف. كان أبو بكرة ﵁ من ذوي المزايا من أصحاب رسول الله، نزل البصرة وشهد وقعة الجمل ولم يقاتل فيها واجتنب حروب الصحابة، روي له عن رسول الله ﷺ مائة واثنتان وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثمانية منها، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد. توفي بالبصرة سنة إحدى أو اثنتين وخمسين (أن النبي قال: إذا التقى
стр. 54
المسلمان بسيفيهما) قاصداً كل منهما إتلاف صاحبه (فالقاتل) بسببه مباشرته قتل صاحبه (والمقتول) لحرصه على ذلك كائنان (في النار) أي: إن لم يعف الله عنهما (قلت: يا رسول الله
هذا القاتل) : أي: حكمة دخوله النار إن لم يعف الله عنه ظاهرة لأنه ظلم أخاه (فما بال المقتول) المظلوم (قال إنه) أي: المقتول (كان) عاصياً لأنه كان (حريصاً على قتل صاحبه) ففي الحديث العقاب على من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها، ويحمل ما جاء في الأحاديث من العفو عن الخواطر على غير ذلك بأن مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هما المعصية التي عزم عليها كما ذكر تكتب سيئة ويؤاخذ بها إن لم يعملها فإن عملها كتبت معصية ثانية، وإن تركها خوفاً من الله تعالى كتبت حسنة. وتمسك أبو بكرة بهذا الحديث في ترك القتال في الفتنة حتى نقل عنه أنه قال: لو دخل عليّ أحد حتى يقتلني لم أمنعه (متفق عليه) قال في «الجامع الصغير» ورواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة، ورواه ابن ماجه عن أبي موسى.
١١١١ - (وعن أبي هريرة) سبقت ترجمته ﵁ قال: قال رسول الله: صلاة الرجل جماعة) أي: في المسجد (تزيد على صلاته) أي: الرجل (في سوقه) سميت بذلك لأن الناس يسوقون إليها بضائعهم. أو لأنهم يقفون فيها على ساق (و) تزيد على صلاته في (بيته) جماعة كانت أو فرادي صرح به الحافظ في «الفتح» ، لكن قال المصنف: الصواب أن المراد منه صلاته في بيته وسوقه منفرداً، وقيل فيه غير هذا وهو قول باطل اهـ.
وقال الحافظ: مقتضى الحديث أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت جماعة وفرادى. قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر لي أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفرداً، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة
стр. 55
في المسجد صلى منفرداً، قال: وبهذا يرتفع إشكال من استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق اهـ. ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد ألا يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن تكون الصلاة جماعة في البيت والسوق لا فضل فيها على الصلاة منفرداً، بل الظاهر أن التضعيف المذكور يختص بالجماعة في المسجد. والصلاة في البيت مطلقاً أولى منها في السوق كذلك. لما ورد من كون الأسواق محلاً للشياطين والصلاة جماعة في السوق والبيت أفضل من الإنفراد (بضعاً) بكسر الباء وفتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقيل: غير ذلك، والصحيح الأول. والمراد منه خمس أو ست أو سبع كما جاء مبيناً في روايات في «الصحيح» (وعشرين درجة) أي: يزيد ثواب الصلاة في الجماعة في المسجد على الصلاة في البيت والسوق هذا القدر، فيحصل له بالصلاة في المسجد ثواب أزيد من ثواب ما لو صلى تلك الصلاة بعينها منفرداً فيها بضعاً وعشرين درجة، كما ذكره ابن دقيق العيد وغيره. قال ابن الأثير: إنما قال درجة لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع وأن تلك فوق
هذه بكذا درجة لأن الدرجات إلى جهة فوق (وذلك) إشارة إلى أن الأمور المذكورة بعد علة التضعيف والتقدير، وذلك لأنه، فكأنه يقول سبب التضعيف المذكور (أن أحدهم) أي: الواحد من الرجال المدلول عليه بلفظ الرجل فأل فيه استغراقية (إذا توضأ فأحسن الوضوء) بضم الواو: أي: أسبغه وأتى بسننه وآدابه (ثم أتى المسجد) حال كونه (لا يريد) من إتيانه إياه (إلا الصلاة) أي: ثواب الصلاة في جماعة فأن فيه عهدية، وأوقع الفعل على الصلاة لأنها سبب، وليس مفهوم «ثم» وهو المهلة والتراخي مراداً بل المبادرة أولى؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ (المؤمنون: ٦١) .p
وفي الحديث إشارة إلى اعتبار الإخلاص (لا ينهزه إلا الصلاة) هو بمعنى ما قبله (لم يخط) بفتح التحية وضم الطاء المهملة (خطوة) قال الحافظ في «الفتح» : ضبطناه بضم أوله،
стр. 56
ويجوز الفتح. قال الجوهري: الخطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة. وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح، وقال القرطبي إنها في رواية مسلم بالضم (إلا رفع) بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى الرجل (بها) أي: بسببها، و (درجة) منصوب على الظرفية والدرجة بفتح الدال المرتبة والمنزلة، ثم يحتمل أن تكون حسية في الجنة، وأن تكون معنوية بمعنى ارتفاع رتبته (وحط) أي: وضع (عنه) أي: عن الرجل المذكور بأن يمحي من صحيفته (بها) أي: بسببها (خطيئة) أي: ذنب (حتى) غاية لما قبله: أي إلى أن (يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد) منتظراً للصلاة بالنصب على الظرفية على سبيل التوسع، وإلا فحقه ألا ينصب عليها لأنها اسم مكان مختص (كان) الرجل (في الصلاة) أي: في ثوابتها. وهذا مجاز، فإن الصلاة أو ثوابها ليس ظرفاً (ما كانت الصلاة هي تحبسه) «ما» فيه مصدرية ظرفية ثم محله ما لم يصرف جلوسه في مصلاه لغرض آخر، وهل يحصل الثواب المذكور لمن نوى إيقاع الصلاة في المسجد جماعة وإن لم يوقعها فيه أم لا؟ قال القلقشندي: الظاهر الثاني. وقضية ما تقدم في حديث المخلفين عن تبوك من المعذورين من قول القرطبي إنهم يثابون كالمباشر لصدق نيتهم، أن يحصل له الثواب عند صدق النية (والملائكة) قيل: هم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل، وقيل: غير ذلك، وهل هي متحيزة أو لا؟ وهل يستقل العقل بمعرفتها أو لا؟ فيه خلاف تحقيقه في علم الكلام (يصلون على أحدكم) أي: يدعون له. وقابل صلاة الجماعة بصلاة الملائكة ليتناسب العمل والثواب. وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة ويجوز أن يكونوا غيرهم (ما) مصدرية ظرفية أيضاً (دام في مجلسه) أي: مدة دوام كونه في مجلسه (الذي صلى فيه) أي: صلاة تامة كما قال ابن
أبي جمرة.
قال القلقشندي: والمراد ما دام فيه ينتظر الصلاة وقد ورد كذلك صريحاً عند مسلم، ومقتضى هذا أنه إذا انصرف عن مصلاه إلى موضع آخر في المسجد أو غيره وهو ينتظر الصلاة أنه ينقطع ذلك، وليس مراداً كما نبه عليه الحافظ في «الفتح» ، فقال الباجي: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يختص بصلاة الملائكة عليه (يقولون) بيان ليصلون (اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه) فعلم أن المراد بصلاتهم الدعاء لا الاستغفار
стр. 57
فقط. واستدل بالحديث على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال كما ذكر من دعاء الملائكة للمصلى، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة لأنهم يكونوا في تحصيل الدرجات بعبادتهم والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم (ما لم يؤذ فيه) بسكون المهملة كما قاله الداودي. قال: وضبطها بعضهم بفتحها وأراد بغير ذلكالله. قيل: والمراد بالحدث في الحديث الذي ذكره البخاري الريح كما فسره أبو هريرة راوي الحديث. وقيل: المراد أعم من ذلك ويؤيده رواية مسلم هذه الجامعة بين الأذى والحدث إن لم يكن الثاني تفسيراً للأول، فإن كان تفسيراً له يؤخذ منه أن اجتناب حدث اللسان واليد من باب أولى فيهما ويؤخذ منه أن الحدث يقطع ذلك ولو استمر جالساً في مصلاه. وتأول أكثر العلماء الأذى بالغيبة والضرب فإن ذلك أعظم من أذى الحدث (متفق عليه، وهذا لفظ مسلم) ورواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي مقطعاً، وكذا ابن ماجه والإسماعيلي وأبو عوانة وابن الجارود مختصراً والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم، كذا في «شرح عمدة الأحكام» للقلقشندي (قوله) كما في نسخة (ينهزه: هو بفتح الياء والهاء) وحكي ضم الياء وكسر الهاء (وبالزاي أي يخرجه وينهضه) وفي «النهاية» : النهز الدفع، يقال نهزت الرجل أنهزه: أي: إذا دفعته، ونهز رأسه إذا حركه.
١٢١٢ - (وعن أبي العباس عبد ابن عباس) عم رسول الله ﷺ (ابن عبد المطلب ﵄ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب، وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه
стр. 58
بيسير وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل ابن خمس عشرة، وقيل ابن عشر، ويؤيد الأول ما صح عنه من قوله في حجة الوداع «وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام» وصح أنه دعا له بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه الحكمة والتأويل، اللهم علمه تأويل القرآن، اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين، اللهم زده علماً وفقهاً» وثبت عنه أنه قال: «رأيت جبريل مرتين» وهذا سبب عماه في آخر عمره. وفضائله شهيرة ومناقبه كثيرة، أوردت جملة صالحة منها في كتاب فضل زمزم. روي له ألف حديث وستمائة وستون حديثاً، اتفقا منها على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. مات بالطائف ودفن بها سنة ثمان وخمسين في خلافة ابن الزبير، وقيل: سنة تسع، وصلى عليه محمدبن الحنفية وقال؛ مات رباني هذه الأمة (عن رسول الله ﷺ فيما يروي) أي: روي عن أبي العباس أنه روى عن النبي ما يأتي حال كونه مندرجاً في الأحاديث القدسية وهي التي يرويها (عن ربه تبارك) قال البيضاوي أو تكاثر خيره، من البركة وهي كثرة الخير، أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وقيل: دام من بروك الطير على الماء، ومنه البركة لدوام الماء فيها، وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا تعالى اهـ.
وعلى الثاني مما قاله، فيكون قوله (تعالى) أي: تنزّه عما لا يليق به مما يقوله الجاحدون المبطلون إطناباً. ثم هذه عبارة السلف في رواية الأحاديث القدسية، فلذا آثرها المصنف، ولهم في ذلك عبارة أخرى وهي أن يقال: قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله، والمعنى واحد. وقد ذكرت ما افترق فيه القرآن والحديث القدسي في «شرح الأذكار» ، وسيأتي بعضه في باب الصبر. وقيل: ليس من الأحاديث القدسية، بل المراد فيما يرويه عن فضل ربه أو حكمه أو نحو ذلك. وتعقب ذلك الجزم بأن كلا الأمرين محتمل، والأقرب إلى السياق وإلى اصطلاح السلف المذكور في رواية الأحاديث القدسية أنه منها، وقد جاء في بعض طرق الصحيحين ما يصرح بأنه منها وهو «يقول الله : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها، وإن تركها لأجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، وإذا عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها عليه بمثلها» (قال) أي: النبي، ويصحّ عوده إلىالله، وعليه فيكون من الإظهار في محل الإضمار قوله: (إن الله كتب
стр. 59
الحسنات والسيئات) أي: أمر الحفظة بكتابتهما، أو كتبهما في علمه على وفق الواقع منهما أو قدر مبالغ تضعيفهما (ثم بين) أي: الله تعالى، وجعل الضمير له مبني على ما مر من أن المراد بعن ربه عن حكمته أو فضله وقد علمت ما فيه، و «ثم» للترتيب الذكرى (بين ذلك) للكتبة من الملائكة حتى عرفوه واستغنوا به عن الاستفسار كل وقت كيف يكتبونه (فمن هم بحسنة) أي: أرادها وترجح فعلها عنده، فعلم منه بالأولى العزم وهو الجزم بفعلها والتصميم عليه (فلم يعملها كتبها الله عنده) هي عندية شرف ومكانة لتنزهه تعالى عن عندية المكان (حسنة) لأن الهم بالحسنة سبب إلى عملها وسبب الخير خير، أما الخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من
غير عزم ولا تصميم فليست كذلك.
واستفيد من ذكر الحسنة هنا والمضاعفة فيما يأتي اختصاص المضاعفة بمن عمل دون من نوى، فهما في الأصل سواء وإن اختص العامل بالتضعيف، وقوله: (كاملة) وصف حسنة وذكر لئلا يظن أنها لكونها مجرد همّ ينقص ثوابها (وإن همّ بها) أي: بالحسنة (فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات) لأنه أخرجها من الهمّ إلى ديوان العمل، فكتب له بالهمّ حسنة ثم ضوعفت فصارت عشراً، وهذا التضعيف لازم لكل حسنة تعمل. قال الله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (الأنعام: ١٦٠) ثم قد تضاعف بعد لمن شاءالله. قال الله تعالى: ﴿وا يضاعف لمن يشاء﴾ (البقرة: ٢٦١) مضاعفة أخرى (إلى سبعمائة ضعف) علي حسب ما اقترن بها من إخلاص نيته وإيقاعها في محلها الذي هي به أولى وأحرى. وفي رواية في «الصحيحين» أيضاً «إلى تسعمائة ضعف إلاّ الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» وفيها دليل على أن الصوم لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله تعالى لأنه أفضل أنواع الصبر، وقد قال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (الزمرة: ١٠) (إلى أضعاف كثيرة) وكثيرة هذه وإن كانت نكرة إلا أنها أشمل من المعرفة فتقضي لهذا أن يحسب توجيه الكثرة على أكثر ما يمكن. كتصدق بحبة برّ مثلاً
стр. 60
تحسب له في فضل الله تعالى أنه لو بذرها في أزكى أرض مع عناية الريّ والتعهد» ثم حصدت وبذر حاصلها في أزكى أرض كذلك وهكذا إلى يوم القيامة، جاءت تلك الحبة كأمثال الجبال الرواسي، وما ذكرته من أن التضعيف بعشرة لا بد منه لكل عامل حسنة وأن التضعيف بسبعمائة فأكثر إنما يحصل للبعض على حسب مشيئته تعالى، هو ما جزم به المصنف رحمه الله تعالى (وإن همّ بسيئة فلم يعملها) بأن ترك فعلها أو التلفظ بها لوجهه تعالى لا لنحو حياء أو خوف ذي شوكة أو عجز أو رياء، بل قيل يأثم حينئذٍ من حيث نحو الرياء، لأن تقديم خوف المخلوق على خوف الله محرم وكذا الرياء (كتبها الله عنده
حسنة) لأن رجوعه عن العزم عليها خير أيّ خير فجوزي في مقابلته بحسنة، وأكدت بقوله: (كاملة) إشارة إلى نظير ما مر في كاملة في الهم بالحسنة. لا يقال نظير ما مرّ ثم إن الهمّ بالحسنة تكتب فيه حسنة أن يكون بالسيئة تكتب فيه سيئة، فإن الهمّ بالسوء من أعمال القلب. لأنا نقول؛ قد تقرّر أن الكف عنها خير أيّ خير، وهو متأخر عن ذلك الهم فيكون ناسخاً له ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١٤) وعند مسلم «يقول ا؛ إنما تركها من جرّاي» أي: من أجلي وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة زاد أحمد «ولم تضاعف عليه» ويدل له قوله تعالى: ﴿فلا يجزى إلا مثلها﴾ (الأنعام: ١٦٠) نعم قد تعظم بشرف زمان أو مكان كالأشهر الحرم ورمضان ومكة، أو بشرف الفاعل لها وقوة معرفته با تعالى وقربه منه، فإن من عصا السلطان على بساطه أعظم جرماً ممن عصاه على بعده. ثم قوله: «إن هم الخ» فيه دليل على أن العزم لا يكتب معها، لكن أفتى قاضي القضاة ابن رزين من أئمتنا بأن من عزم عليها ففعلها ولم يتب منها أوخذ بعزمه لأنه إصرار. وتناقض فيه كلام السبكي. ورجح ولده ما يوافق كلام ابن رزين.
стр. 61
تنبيه: لم يقع من يوسف ﵇ همّ بمعصية على ما قاله ابن أبي حاتم ومن وافقه ومعنى الآية عندهم: ﴿وهمّ بها لو أن رأى برهان ربه﴾ (يوسف: ٢٤) ؛ أي: لولا رؤية البرهان لهمّ لكنه لم يهمّ لأنه رآه. وعلى المشهور في الآية فالهمّ الواقع منه بمعنى حديث النفس المعفوّ عنه. واعلم أن ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب: الأولى: الهاجس وهو ما يلقى فيها. ثم جريانه فيها وهو الخاطر. ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا. ثم الهمّ وهو قصد ترجيح الفعل. ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به. فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعاً لأنه ليس من فعله وإنما هو شيء طرقه قهراً عليه، وما بعده من الخاطر وحديث النفس وإن قدر على دفعهما مرفوعان بالحديث الصحيح: أي: وهو قوله: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به» أي: في المعاصي القولية «أو تعمل به» أي: في المعاصي الفعلية، لأن حديثها إذا ارتفع فما قبله أولى، وهذه المراتب لا أجر فيها في الحسنات أيضاً لعدم القصد. وأما الهمّ فقد بين الحديث الصحيح أنه بالحسنة يكتب حسنة وبالسيئة لا يكتب سيئة، ثم ينظر فإن تركه كتب حسنة؛ وإن فعله كتبت سيئة واحدة. والأصح في معناه أن يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله واحدة، وإن الهمّ مرفوع، ومنه يعلم أن قوله في حديث النفس «ما لم تتكلم أو تعمل به» ليس له مفهوم حتى يقال إنها إذا تكلمت أو علمت يكتب حديث النفس، لأنه إذا كان الهم لا يكتب كما استفيد من قوله واحدة فحديث النفس أولى بذلك، كذا قال السبكي في الحلبيات وخالف نفسه في «شرح المنهاج» وتبعه ولده، وعبارته في منع الموانع هنا دقيقة، وقد نبهنا عليها في «جمع الجوامع» هي: أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهمّ ليس مطلقاً، بل بشرط عدم التكلم والعمل حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله، ولا يكون همه مغفوراً ولا حديث نفسه إلا إذا لم يعقبه كما هو ظاهر الحديث. ثم حكى
كلام أبيه ورجح المؤاخذة. وخالفه غيره فرجح عدمها. قال وإلا يلزم أن يعاقب على المعصية عقوبتين، ونظر بأنه لا يلزم عليه ذلك لأن الهمّ حينئذٍ صار معصية أخرى. ثم قال في «الحلبيات» : وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به، وخالف بعضهم وقال: إنه من الهم المرفوع، واستدل له بما لا يجدي. قال ابن رزين: والعزم على الكبيرة وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها، والله أعلم (متفق عليه) .
стр. 62
١٣١٣ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد ابن عمربن الخطاب ﵄ ولد قبل البعثة بسنة، وأسلم مع أبيه بمكة وهو صغير وقيل قبله، وهاجر معه وقيل قبله، ولم يشهد بدراً، وكان عمره عام أحد أربع عشرة سنة فاستصغره، ثم بلغ في عام الخندق خمس عشرة سنة فأجازه، ثم لم يتخلف بعد عن سرية من سرايا رسول الله، وقال: لشقيقته حفصة «إن أخاك رجل صالح لو أنه يقوم الليل» فلم يترك قيامه بعده، وكان من فقهاء الصحابة ومفتيهم وزهادهم، واعتزل الفتنة فلم يقاتل مع عليّ ولا مع معاوية، وأولع بالحج أيام الفتنة وبعدها، وكان من أعلم الناس بالمناسك قيل وحجّ ستين حجة واعتمر ألف عمرة وأفتى في الإسلام ستين سنة، وحمل على ألف فرس في سبيلالله، روي له عن النبيّ ألف حديث وستمائة وثلاثون حديثاً اتفقا منها على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، وقد ذكرت زيادة في ترجمته في «شرح الأذكار» . مات بمكة سنة ثلاثة وسبعين شهيداً عن ستّ وثمانين سنة وسبب موته أنه سفه عليه الحجاج فقال له عبد الله: إنك سفيه مسلط، فعزّ ذلك عليه فأمر رجلاً فسمّ زج رمحه فزحمه في الطواف ووضع الزج على قدمه، فمرض أياماً وتوفي ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وقيل بفخ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: انطلق ثلاثة نفر) في «النهاية» هو اسم جمع يقع على عدد مخصوص من الرجال: أي: ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه (ممن كان) إفراد الضمير باعتبار لفظ من (قبلكم) في الزمان (حتى آواهم) حتى فيه عاطفة والمعطوف عليه انطلق، ويحتمل كونها جارة غاية لمقدر: أي: فساروا إلى أن آواهم المبيت، وآوى بالمدّ في الأفصح لكونه معتدياً وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿وآويناهما إلى ربوة﴾ (المؤمنون: ٥٠) ويجوز قصره، ومصدره إيواء بوزن إكرام ومصدر القاصر أووى على وزن فعول قبل قلب الواو الثانية ياء وإدغامها في الياء بعدها وكسر الواو الأولى لمناسبة
الياء والأفصح في الفعل اللازم القصر وجاء في القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿إذ أوى الفتية﴾ (الكهف: ١٠) (المبيت) البيتوتة فاعل (إلى غار) أي: كهف وجمعه غير أن بقلب الواو الساكنة ياء لكسر ما قبلها كما في «النهاية» (فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت) بتشديد الدال (عليهم الغار) أي بابه: أي صارت على باب الغار كالسد (فقالوا: إنه الضمير للشأن
стр. 63
لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى) متوسلين إليه (بصالح أعمالكم) أي: بأعمالكم الصالحة، الواو من تدعوا ساكنة لأنها للجمع، والأصل بعد الإعلال تدعون حذفت النون للناصب وهو أن. قال المصنف: واستدل أصحابنا بهذا أي بقوله: «لا ينجيكم» الخ على أنه يستحبّ للإنسان الدعاء في حال كربه وفي حال الاستسقاء وغيره بصالح عمله، ويتوسل إلى الله تعالى بذلك، لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم، وذكره في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم (قال رجل منهم) قدم على الرجلين بعده إشارة إلى شرف برّ الوالدين والاهتمام بشأنهما، فإن التقديم في الذكر يكون للاهتمام (اللهمّ) أي: يا أ (كان لي أبوان) فيه تغليب الأب لشرفه على الأم، فهو نظير ﴿وكانت من القانتين﴾ (التحريم: ١٢) وكان يحتمل كونها ناقصة والظرف خبراً مقدماً، وكونها تامة والظرف في محل الحال (شيخان) بفتح الشين (كبيران) في السن (وكنت) معطوف على كان قبله (لا أغبق) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وضم الموحدة وكسرها.
قال المصنف: هذا الذي ذكر من ضبطه متفق عليه في كتب اللغة وكتب غريب الحديث والشروح، وقد يصفه بعض من لا أنس له فيقول بضم الهمزة وكسر الموحدة وهذا غلط. وقال الحافظ في «الفتح» ضبطوه بفتح الهمزة من الثلاثي إلا الأصيلي فضبطه من الرباعي وخطئوه اهـ: أي: كنت لا أقدم في شرب الماء (قبلهما أهلاً) أي: من زوج وولد (ولا مالاً) أي: من رقيق وخادم، والغبوق: شرب العشيّ؛ والصبوح: شرب الصباح.
قال القرطبي: والحاس هو الذي يؤتى به عند انفلاق الفجر (فنأى) بتقديم الهمزة بوزن سعى وفي رواية: فناء بوزن جاء: أي بعد والنأي البعد (بي طلب الشجر يوماً) لترعى فيه المواشي (فلم أرح عليهما) بضم الهمزة وكسر الراء: أي: لم أرجع (حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما) وفي نسخة من البخاري «فحملت» (فوجدتهما
стр. 64
نائمين) يحتمل أن يكون وجد فيه من أفعال القلوب فنائمين مفعوله الثاني، وأن يكون بمعنى لقي فنائمين حال من المفعول (فكرهت) قال في «تحفة القاري» وفي نسخة: أي: من البخاري؛ وكرهت (أن أوقظهما وأن أغبق) بفتح أوله كما تقدم (قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي) جملة حالية من الفاعل، وكذا قوله (أنتظر استيقاظها) ثم يحتمل أن يكون من فاعل لبث، وأن يكون من الياء في الجملة قبله وعليه فهي حال متداخلة (حتى برق الفجر) بفتح الراء وكسرها؛ أي تلألأ وظهر ضوءه (والصبية يتضاغون) جملة حالية من فاعل لبث أيضاً، ويتضاغون بالضاد والغين المعجمتين: يصيحون من الجوع، والضغاء ممدود مضموم الأول: صوت الذلة والفاقة (عند قدمي) يحتمل أن يكون بفتح الميم وتشديد الياء مثنى وحذفت النون للإضافة، وأن يكون بكسر الميم وسكون التحتية، وهو لكونه مفرداً مضافاً يؤدي مؤدى الأول، وهو عند البخاري «عند رجلي» وضبط في أصل صحيح منه بتشديد الياء وهو يؤيد الأوّل من الاحتمالين فإن قلت: نفقة الفرع مقدمة على نفقة الأصل فلم تركهم جائعين؟ قلت، قال الكرماني: لعل في شريعتهم تقديم الأصل على الفرع أولى، أو كانوا يطلبون الزائد على سدّ الرمق، والصياح لم يكن من الجوع اهـ (فاستيقظا فشربا غبوقهما) بفتح الغين (اللهم إن كنت فعلت ذلك) المذكور من السهر واللبث عليه وحمل القدح إلى قيامهما (ابتغاء وجهك) أي: ذاتك لا لغرض آخر دنيوي كما يدل عليه السياق (ففرّج عنا) بتشديد الراء دعاء من التفريج: أي: افتح، ثم هو هكذا في أصلين من الرياض، والذي في «الصحيحين» «فافرج» وقضية
كلام القرطبي في «المفهم» أنه بهمزة وصل وضم الراء من الثلاثي وعبارته أفرج: افتح: والفرجة بضم الفاء من السعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه فرجة بفتحها، وفعل كل واحد منهما فرج بالفتح والتخفيف يفرج بالضم لا غير.
لكن قال الحافظ في «الفتح» : إنه بهمزة الوصل وضم الراء وبهمزة القطع وكسر الراء من الفرج والإفراج اهـ (ما نحن فيه من) كرب سد (هذه الصخرة
стр. 65
فانفرجت شيئاً) أي: يسيراً من الإنفراج، وهو مفعول مطلق قائم مقام قوله فرجة الوارد في رواية (لا يستطيعون الخروج) أي: (منه قال الآخر) بمد الهمزة وفتح الخاء المعجمة (اللهم إنه كان) بالتذكير للفصل بقوله: (لي) بينه وبين مرفوعه المؤنث الحقيقي، وفي نسخة «كانت» وهو (ابنة عم، كانت أحبّ الناس إلي) بتشديد الياء والياء المدغمة هي المنقلبة عن ألف إلي، والمدغم فيها ياء المتكلم (وفي رواية) أي: في «الصحيحين» «كنت أحبها كأشد» أي حباً مثل أشد (ما يحب الرجال النساء) فالكاف في كأشد صفة المصدر، وقال الكرماني هي زائدة، قال: أو المراد تشبيه محبته بأشد المحبات (فأردتها) وفي نسخة فراودتها (على نفسها) هو كناية عن طلب الجماع (فامتنعت مني) أي: من موافقتي على ما طلبته منها (حتى ألمت) أي: إلى أن نزلت (بها سنة من السنين) المقحطة: أي المجدبة التي لا تنبت فيها الأرض شيئاً (فجاءتني) عند نزول الشدة بها (فأعطيتها عشرين ومائة دينار) لا ينافي ما رواه البخاري في رواية أخرى ومسلم من أن جميع ما دفعه لها مائة دينار لأن التخصيص بالعدد لا ينفي الزائد، أو أن المائة كانت تطلبها والعشرين تبرع لها بها كرامة (على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت) أي خلّت، أو المفعول محذوف: أي: أوجدت التخلية (حتى إذا قدرت عليها) أي: بالقعود الآتي بيانه في الرواية الثانية، ويحتمل أن يكون المراد بالقدرة عليها التمكن من الوقاع بها من غير معارض منها أو من غيرها (وفي رواية) للبخاري
(فلما قعدت) وعند مسلم «فلما وقعت» (بين رجليها) أي: وهي
стр. 66
جلسة الجماع (قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه) الفضّ بالفاء والضاد المعجمة: الكسر والفتح.
ويجوز في آخر الفعل المذكور الحركات الثلاث. والخاتم كناية عن الفرج وعذرة البكارة، وحقه: التزويج المشروع: أي: لا تزل بكارتي إلا بالتزويج (فانصرفت عنها) إجلالاً وخوفاً منه كما يعلم مما يأتي. وقوله: (وهي أحب الناس إليّ) جملة في محل الحال مسوقة لبيان تقديم خوف الله على هوى نفسه (وتركت الذهب الذي أعطيتها) معطوف على قوله: «فانصرفت عنها» أو على الجملة الحالية فيكون فيه زيادة في مجاهدة النفس على ترك الهوى بتخلية المال (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك) أي: طلب مرضاة ذاتك لا لغرض آخر (فافرج) يجوز في ضبطه الوجهان السابقان في كلام الحافظ (عنا ما نحن فيه) أي: من الكرب (فانفرجت الصخرة) أي: فرجة زائدة على الفرجة الأولى (غير أنهم) مع ذلك (لا يستطيعون الخروج منها) لضيقها عن ذلك (وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء) بضم الهمزة وفتح الجيم جمع أجير نحو شرفاء وشريف، وسقط لفظ «إني» في هذا المقام في بعض نسخ البخاري، وجاء في رواية في «الصحيحين» «استأجرت أجراء على فرق من الطعام» (وأعطيتهم أجرهم) أي: أجرتهم (غير رجل) بالنصب، وقوله: (واحد) وصف رجل للتأكيد ودفعاً لتوهم أن المراد منه الجنس نحو: «تمرة خير من جرادة» (ترك الذي له) أي: في ذمة المستأجر (وذهب فثمرت أجره) أي: كثرته (حتى كثرت) بضم المثلثة (منه) أي: من أجره بالتجارة فيه (الأموال) أي: أنواعها من إبل وبقر وغنم ورقيق (فجاءني) أي: ذلك الرجل الأجير (بعد حين) أي: زمن
стр. 67
(فقال: يا عبد الله أدّ) بحذف الياء ووقع في بعض نسخ البخاري إثباتها.
قال الشيخ زكريا في «تحفة القاري» : والوجه حذفها اهـ أي: ادفع (إليّ) بتشديد الياء (أجرى، فقلت له) مخلصاً (كل ما ترى) من أنواع المال (من أجرك) وفي نسخة من البخاري «من أجلك» وهو خبر المبتدإ وقوله (من الإبل) بكسرتين أو بكسر فسكون وما بعده بيان لما قبله (والبقر) ويقال فيه باقور، سمي بذلك لأنه يبقر الأرض: أي: يشقها للحرث (والغنم والرقيق، فقال) أي: الأجير (يا عبد الله لا تستهزىء بي) فإن أجري في أصله لا يقارب ذلك وهو بسكون الهمزة (فقلت: لا أستهزىء بك، فأخذه كله فاستاقه) أي: ذلك إلى رحله ومنزله (فلم يترك) أي: يدع لي (منه شيئاً. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك) أي: طلب مرضاتك وحدك لا غيرك (فافرج) بالوجهين السابقين (عنا ما نحن فيه) أي: من الكرب (فانفرجت الصخرة) عن باب الغار (فخرجوا يمشون متفق عليه) أي: على أصل الحديث، وإلا فبيتهما اختلاف في بعض ألفاظه.
قال المنذري في «الترغيب» بعد إيراده بنحو من حديث ابن عمر، رواه الشيخان والنسائي ورواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة باختصار ولفظه بنحوه، وفيه أن كلاً من الثلاثة قال: «فإن كنت تعلم أنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا» وفيه عند دعاء كل من الأولين من الثلاثة «فزال ثلث الحجر» وفي الثالث «فزال الحجر، فخرجوا يتماشون» . ثم في الحديث استحباب الدعاء حال الكرب والتوسل بصالح العمل كما تقدم فيه. وفيه فضيلة برّ الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهما من الولد والزوجة، وفيه فضل العفاف أو الانكفاف عن المحرّمات. لا سيما بعد القدرة عليها والهمّ بفعلها وترك ذلك خالصاً، وفيه جواز الإجارة بالطعام وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة وإثبات كرامات
стр. 68
الأولياء وهو مذهب أهل الحق. ولا حجة فيه على جواز بيع الفضولية، لأن ما ذكر في شرع من قبلنا، وفي كونه حجة خلاف، وعلى تقدير الحجة فلعله استأجره بأجرة في الذمة كما أشرنا إليه ولم يسلمها له بل عرضها عليه فلم يقبلها لرداءتها، فبقيت على ملك المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه لبقائه على ملكه فصح تصرفه فيه، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوع به صاحبه تقرباً به إلى الله تعالى، ولذا توسل به للخلاص، ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من القدر الذي استأجره عليه، فلذا حمد فعله، والله أعلم.
٢ - باب التوبة
٢ - باب التوبة
بالرفع خبر مبتدإ محذوف: أي هذا باب، أو مبتدأ خبره محذوف: أي: باب التوبة هذا، ويجوز نصبه على تقدير: خذ باب التوبة. وهي لغة الرجوع يقال تاب وأناب وآب بمعنى رجع فالتائب إلى الله تعالى هو الراجع من شيء إلى شيء، راجع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة، راجع عما نهى الله عنه إلى أمره، وعن معصيته إلى طاعته، وعما يكرهه إلى ما يرضاه، رجوع من الأضداد إلى أسباب الوداد، ورجوع إليه تعالى بعد المفارقة، وإلى طاعته بعد المخالفة فمن رجع عن المخالفات خوفاً من عذاب الله فهو تائب، ومن رجع حياء فهو منيب، ومن رجع تعظيماً لجلال الله سبحانه فهو أوّاب. والتوبة أحسن ما قيل في معناها شرعاً: هو الرجوع من البعد عن الله إلى القرب إليه اهـ. ذكره الإيجي قال القرطبي: أسدّ العبارات وأجمعها في تعريفها قول بعض المحققين: هي اجتناب ذنب سبق منك مثله حقيقة أو تقديراً.
(قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب) ووجوبها مجمع عليه، لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد (فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي) عطف بيان على قوله بين العبد وبين الله ،
стр. 69
وقوله: (فلها ثلاثة شروط) جواب إن الشرطية (أحدها أن يقلع) بضم أوله: أي: يكف وينقطع (عن المعصية) التي كان متلبساً بها، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وهذا قد يترك اشتراطه ويحمل على من يستحيل منه وقوع مثل تلك المعصية كمن زنى فجبّ، فهذا استحال منه الإقلاع المكتسب، وكذا العزم على ألا يفعله في المستقبل لأن فعله غير ممكن منه.
قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في «أماليه» : لا يجب على الإنسان ترك الشيء إلا إذا كان ممكنه فعله، إذ لا تكليف بترك المستحيل (والثاني) من الشروط (أن يندم على فعلها) من حيث إنها معصية، فلو ندم عليه لا من هذه الحيثية بل لأجل تلك الوجوه الآتية في الكلام على التوبة النصوح لم يعتد بندمه ونازع الغزالي في «منهاج العابدين» له في اشتراط الندم في مفهوم التوبة، ثم قال: وقيل المراد اشتراط ما يؤدي إليه من تذكر الذنب وشؤمه وعذاب الله وعقابه ونحو ذلك، لأن هذا في قدرته ومن كسبه، وهو يترتب عليه الندم الذي هو أمر طبيعي لا قدرة له على اكتسابه، والله أعلم (والثالث أن يعزم ألا يعود إليها) أي: إلى مثلها مطلقاً (أبداً) فلا يعود التائب من الرياء إلى مثله وهو الرياء، وإلا فالمعصية التي كان تلبس بها انقضت وزالت فلا يمكن العود إليها. هذا وزاد بعضهم اشتراط عدم صحبة من ارتكب معه المعصية بعد التوبة، وأن تكون التوبة تعالى خاصة.
قال ابن عبد السلام: استدرك السيف الآمدي على الناس قيداً آخر في التوبة التامة، وهو أن يكون الندم تعالى، احترازاً مما إذا قتل شخص ولده، فإنه يندم على الماضي لأجل كونه ولده. وأجيب بأن هذا ليس استدراكاً إذ الإخلاص شرط في كل عبادة، والناس يعنون بقولهم للتوبة ثلاثة أركان ما عدا الإخلاص اهـ. وأدرج ابن حجر الهيتمي هذا القيد في الشرط الأول وهو الإقلاع فقال: ترك الذنب تعالى، فلو تركه لخوف أو رياء أو غير ذلك من الأغراض التي لغير الله لم يعتد بتركه (فإن فقد أحد هذه الثلاثة) أي: واحد منها (لم تصح توبته) أي: التامة أما الناقصة فتصح مع فقد الإقلاع والعزم على عدم العود كما تقدم تمثيله، قيل: وعلى ذلك يحمل حديث «الندم توبة» وقيل: بل الحديث نظير حديث «الحج عرفة» أي: ركنها الأعظم، والله أعلم (وإن كانت المعصية) التي تريد التوبة منها (تتعلق بحق آدمي فشرطها أربعة) خبر عن قوله شرطها، وجاز الإخبار عنه بذلك لكونه مفرداً مضافاً إلى معرفة.
стр. 70
وهو على الصحيح حيث لا عهد للعموم الصالح للجمعية من حيث مدلول لفظه، إذ هو حينئذٍ المعنى الذي استغرقه لفظه الصالح له من غير حصر، وإن كان مدلوله في التركيب كلياً على الأصح: أي: محكوماً فيه على كل فرد مطابقة، لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده، والصحيح فيها بناه على ظاهر كلام النحاة، وليست العبرة في مطابقة المبتدإ للخبر إلا باصطلاحهم أن مدلوله كل: أي: محكوم فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع (هذه الثلاثة) المذكورة (و) الرابع (أن يبرأ من حق صاحبها) وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو القول، قال: فيقول القاذف مع إبراء المقذوف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه، وكذا شهادة الزرو (فإن كانت) أي: المعصية المتعلقة بالآدمي (مالاً أو نحوه) من اختصاص محترم (رده إليه) أي: إلى صاحبه بعينه إن كان موجوداً أو بدله عند تلفه من قيمة أو مثل (وإن كان) أي: حق الآدمي (حد قذف ونحوه) أي: نحو
القذف كالقتل والقطع قصاصاً (مكنه) أي: صاحب الحق (منه) أي: من الحد أي استيفائه منه (أو طلب عفوه) بإسقاط حقه. وظاهر كلامه توقف صحة التوبة على ما ذكر من الردّ والتمكين أي إن أمكنه ذلك، وإلا نوى ذلك إذا قدر أو طلب العفو، لكن ذهب الإمام وتبعه العز ابن عبد السلام وأقرّه المصنف إلى صحة توبته وإن لم يسلم نفسه بالنسبة لحق الله تعالى ويبقى عليه حق الآدمي وإثم الامتناع، بل قال في «الشامل» وتبعه جمع: إنه حيث ندم صحت توبته وإن لم يردّ المظلمة، وهو ظاهر فيبرأ بالنسبة لحق الله تعالى إن وجد الإقلاع، وإلاّ كردّ المغصوب ما دام باقياً وقدر عليه فلا (وإن كان) أي: حق الآدمي، وفي نسخة «كانت» أي: المعصية (غيبة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية، وسيأتي ما يتعلق بها في باب من الكتاب. قيل: ومثل الغيبة القذف، وقد يقال هو داخل في مفهوم الغيبة.
واعتبر بعضهم في التوبة من القذف كما مر أن يقول القاذف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه. وكذا شاهد الزور (استحله منها) أي: بأن يخبره بما قاله حتى يصح تحليله، لكن محل تعيين الإخبار ما لم يترتب عليه ضرر أعظم، وإلا كأن يخشى قتله بذلك مثلاً فلا. ومحل تعيين الإخبار والاستحلال إن بلغه الاغتياب وإلا كفى الاستغفار (ويجب) جمعاً عندنا معاشر أهل السنة (أن يتوب من جميع الذنوب) أي: ولو صغائر قال تعالى: ﴿توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ (التحريم: ٨)
стр. 71
﴿توبوا إلى الله جميعاً﴾ (فإن) لم يتب من الجميع بل أصرّ على بعضها (وتاب من بعضها صحبت توبته عند أهل الحق) هم أهل السنة (من ذلك الذنب) الأنسب من ذلك البعض: أي: الذي تاب منه (وبقي عليه الباقي) أي: تبعته ووجوب التوبة منه قالوا للإجماع على أن من أسلم تائباً عن كفره مع إصراره على بعض معاصيه صحّ إسلامه وتوبته لكون حقيقتها ليس إلا الرجوع والندم والعزم، وقد وجدت (وقد تظاهرت) بالظاء المعجمة، من التظاهر وهو التعاون (دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة) إضافة دلائل لما بعدها من المتعاطفات إضافة بيانية (على وجوب التوبة) متعلق بتظاهرت.
(قال الله تعالى) أي: حال كونه متعالياً علوّ مكانة لا علوّ مكان متقدماً عما لا يليق به، ويصح جعلها مستأنفة، والجملة إنشائية معنى سيقت لما ذكر كما تقدم بيانهما أول الكتاب ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون﴾ مما وقع منكم من النظر الممنوع وغيره. وفي الآية تغليب الذكور على الإناث ﴿لعلكم تفلحون﴾ تنجون من ذلك بقبول التوبة منه. ولعل في الأصل للرجاء، وفي كلامه تعالى للتحقيق. قال السيوطي في «التوشيح» : كل وعد في الكتاب أو السنة فواجب الوقوع لوجوب سلامة خبر من ذكر عن الخلف.
(وقال تعالى) : ﴿استغفروا ربكم﴾ من الشرك، ومثله من غيره، والقصر عليه لأنه الذنب المأمور بالخروج عنه (إنه كان غفاراً) المبالغة باعتبار الكمّ، فلا تحصى عدة المغفور لهم، وباعتبار الكيف فيغفر الصغائر والكبائر والفواحش ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ (الزمر: ٥٣) وقوله: «إنه الخ» علة للأمر قبله.
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ اختلفت عبارات السلف
стр. 72
في التوبة النصوح ومرجعها إلى شيء واحد. قال عمربن الخطاب وأبيّبن كعب ﵄: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على ألا يعود إليه، وقال الكلبي: هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. وقال ابن المسيب: «توبة نصوحا» تنصحون بها أنفسكم. جعلها ناصحة للتائب كضروب بمعنى ضارب، والأولون جعلوها بمعنى المفعول: أي: قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغشّ. فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة: أي: مركوبة ومحلوبة، أو بمعنى ناصحة: أي خالصة وصادقة قاله بعض المحققين. وقال الزرعي في «شرح المنازل» : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: أحدها تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها. والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه أو حرفته أو منصبه أو لحفظ حاله أو ماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو نحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها تعالى، فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث بما يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب نفسه. ولا ريب أن
التوبة الجامعة لما ذكر تستلزم الغفران وتتضمنه وتمحق جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة. انتهى ملخصاً.
١٤١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وا) فيه ندب
стр. 73
الحلف لتأكيد الأمر وتقويته ليبادروا إلى الإتيان بذلك (إني لأستغفر ا) أي: أطلب منه مغفرة تليق بمقامي المبرإ عن كل وصمة ذنب أو مخالفة ولو سهوا وقبل النبوة (وأتوب إليه) أي: أرجع إليه متنقلاً من شهود فرق إلى شهود جمع. ثم الجملة جواب القسم (في اليوم) وهو شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. قال السفاقسي: لم يرد ما فاؤه ياء وعينه واو إلا هذا اللفظ قيل: «ويوح» وهو من أسماء الشمس. وقيل: إنه بالموحدة (أكثر من سبعين مرة) إنما لم يحده بعدد مخصوص، لما علمت أن موجب الاستغفار والتوبة اللائقين به لا ينحصر ولأنهما يتكرارن بحسب الشهود والترقي. ثم في هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه مع كونه معصوماً وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة؛ واستغفاره ليس من الذنب بل من اعتقاده أن نفسه قاصرة في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام (رواه البخاري) وفي كتاب الأطراف بعد إخراجه لكن بلفظ «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» وأخرجه البخاري وأبو عبد الرحمن يعني النسائي وأبو عيسى يعني الترمذي، وسيأتي فيه كلام في باب الاستغفار أواخر الكتاب.
١٥٢ - (وعن الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (ابن يسار) بفتح التحتية والمهملة (المزني) ويقال الجهني، وفي الصحابة أيضاً الأغر الغفاري وجعلهما بعض الحفاظ إنساناً واحداً. وقال الحافظ نور الدين الداودي: الحق أنهم ثلاثة، وانفرد مسلم بالإخراج للأغر المزني، وكذا أخرج عنه أبو داود والترمذي ﵁ قال: قال رسول الله: يا أيها الناس توبوا إلى ا) أي: ارجعوا إليه بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ومما أمركم به التوبة، فهي واجبة من كل ذنب ولو صغيرة إجماعاً كما تقدم (فإني أتوب) أي: أرجع رجوعاً يليق بي (إليه) أي: إلى شهوده أو إلى سؤاله أو
стр. 74
الحضور والصغار بين يديه (في اليوم مائة مرة. رواه مسلم) في «أواخر صحيحه» . قال في «السلاح» : ليس للأغر في الكتب الستة إلا هذا الحديث.
١٦٣ - (وعن أبي حمزة) بالحاء المهملة المفتوحة: كنى بذلك ببقلة فيها حموزة: أي: حموضة كان يحبها (أنس) بفتح أوليه (ابن مالك) بن النضر (الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني ثم البصري (خادم رسول الله) حضراً وسفراً منذ قدم المدينة إلى أن توفي ﵁ قال: قدم النبي إلى المدينة وأنا ابن عشر سنين ومات وأنا ابن عشرين سنة، غزا مع النبيّ ثماني غزوات، وروى الكثير، وعدة ما روى له عن رسول الله ﷺ كما في «مسند» بقيّبن مخلد ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعين. روى عن عدة من الصحابة، وروي عنه كثير، وخرّج عنه أصحاب المسانيد. ومن كراماته معه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عنه قال: «دخل النبي عند أم سليم: يعني أمه، فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية البيت يصلي غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت: يا رسول الله ﷺ إن لي خويصة، قال: وما هي؟ قالت خادمك أنس، ادع الله له، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك به، قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً» . وعنه قال: رزقت لصلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة، وإن أرضي لتثمر في السنة مرّتين» . وكان ريحان بستانه يشم منه رائحة المسك، وقد ذكرت
стр. 75
زيادة في مناقبه ومآثره في «شرح الأذكار» . توفي على نحو فرسخ ونصف من البصرة في موضع يعرف بقصر أنس، وهو آخر من مات بها من الصحابة. والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. ولما مات قال مورّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك أن أهل الأهواء كانوا إذا خالفونا في الحديث نقول لهم تعالوا إلى من سمعه من النبيّ (قال: قال رسول الله:) بفتح اللام جواباً للقسم المقدر: أي: وا (أفرح) أي: أشد فرحاً والمراد منه
هنا استحالة قيام حقيقته، إنما هي اعتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بعرض يستكمل به نقصانه أو يسد به خلته: أي حاجته، أو يدفع به عن نفسه ضرراً أو نقصاً بالباري سبحانهـ غايته من الرضا لأن السرور يقارنه الرضا بالمسرور بهـ أو هو تشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة من المجموع فتكون غايته ونهايته، وفائدة إبرازه في صورة التشبيه تقرير المعنى في ذهن السامع؛ أو تمثيلي بأن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه.
فالحاصل أن المراد بقوله: «أفرح» أرضى (بتوبة عبده من) فرح (أحدكم) حال كونه قد (سقط على بعيره) قال في «النهاية» أي: يعثر على موضعه ويقع عليه كما يسقط الطائر على وكره اهـ. والمراد صادفه من غير قصد (وقد أضله) أي: ضيعه جملة حالية من الضمير في سقط فهي حال متداخلة (في أرض فلاة) من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي: في أرض واسعة (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) أي: انفرد بلفظها عن البخاري (أشد فرحاً بتوبة عبده) أي: رجوعه إلى طاعته وامتثال أمره (حين يتوب) أي: يرجع منتهياً (إليه) أي: يخلص في توبته بأن ينوي بها وجه الله لا غير، وبه يعلم أن قوله: (حين يتوب إليه) قيد لا بد منه لا يغني عنه قوله بتوبة عبده (من) فرح (أحدكم إذا كان) وفي نسخة «كان» (على راحلته) أي: التي يركبها من ناقة أو غيرها (بأرض فلاة) قضية كلام فتح الإله أنه بالإضافة وضبط بالقلم في أصل صحيح من الرياض بتنوين أرض (فانفلتت) أي: الراحلة (منه و) الحال أنه (عليها طعامه وشرابه) فله احتياج إليها لوجهين ركوبها، وكون زاده عليها (فأيس منها) لمبالغته في لحوقها أو في التفتيش عنها فلم يقدر عليها (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها)
следующие страницы →