Полный текст (2 250 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
«إن» في أوله والتأكيد مناسب للوعيد والتشديد (من تأخذه النار إلى كعبيه) وهو العظم الناتىء عند مفصل الساق من القدم (ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه) وهو مجمع عظم الساق والفخذ (ومنهم من تأخذه إلى حجزته) بضم الحاء المهملة وإسكان الجيم وبالزاي (ومنهم من تأخذه إل ترقوته» ) أي وباقي الجسد الذي لم يأخذه العذاب يغلي بما أخذه منه العذاب (رواه مسلم) في صفة النار (الحجزة) بضبطها السابق وكان عليه ذكر ذلك (معقد الإزار) والسراويل كما في «شرح مسلم» له (تحت السرّة) المراد ما يحاذي ذلك المحل من جنبيه (والترقوة بفتح التاء) المثناة الفوقية (وضم القاف) وسكون الراء وفتح الواو، تفعلة وجمعها تراقي (هي العظم الذي عند ثغرة النحر) الثغرة بضم المثلثة وسكون المعجمة بعدها راء مهملة التي في وسطه قال في «شرح مسلم» : الترقوة بين ثغرة النحر والعاتق (وللإنسان ترقوتان في جانبي النحر) قال في «المصباح» : قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان خاصة.
٥٤٠٠ - (وعن ابن عمر) بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يقوم الناس) أي من قبورهم (لرب العالمين) أي لأمره وجزائه. قال كعب: يقومون ثلثمائة عام (حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» ) قيل سبب هذا العرق تراكم الأحوال وتزاحم حرّ الشمس والنار كما جاء في الرواية «إن جهنم تدير أهل المحشر، فلا يكون لأهل الجنة طريق إلاّ الصراط» فيكون الناس في ذلك العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يلجمه ويصير له كاللجام ويمنعه من الكلام ويصل لأذنه، ومنهم دون ذلك حتى إنه يكون للبعض إلى كعبه.
فإن قلت: إذ كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الآخر:
стр. 807
قلنا: يجوز أن يخلق الله ارتفاعاً في الأرض تحت أقدام البعض، أو يقال يمسك الله عرق كل إنسان عليه بحسب عمله فلا يصل إلى غيره منه شيء كما أمسك جرية البحر لموسى وقومه حتى أتبعهم فرعون، قاله ابن ملك في «شرح المشارق» (متفق عليه) والسياق لمسلم (والرشح) بفتح الراء وسكون الشين المعجمة وبالحاء المهملة (العرق) بفتح أوليه المهملتين.
٦٤٠١ - (وعن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله) أي وعظ، وسميت خطبة لأنهم كانوا يلقونها عند الخطب والمهام. وحذف المفعول للتعميم أو للجهل بأعيانهم (خطبة، ما سمعت مثلها قط) لكمال بلاغتها، وقط بفتح القاف وضم الطاء المهملة المشددة في اللغة الفصحى ظرف لاستغراق ما مضى من الزمان نحو ما فعلته قط. قال ابن هشام: وقول العامة لا أفعله قط لحن (فقال) أي من جملتها، أو يحتمل أن يكون ذلك هو المقول كله (لو تعلمون ما أعلم) أي من أهوال الآخرة وما أعدّ في الجنة من نعيم وفي النار من العذاب الأليم (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) قيل إن كان الخطاب للكافرين فليس لهم ما يوجب الضحك أصلاً، وإن كان للمؤمنين فعاقبتهم الجنة أبداً، وإن دخلوا النار فما يوجب البكاء بالنسبة إلى ما يوجب الضحك شيء يسير، فينبغي أن يكون الأمر بالعكس. قلنا: الخطاب للمؤمنين، لكن خرج هذا الحديث في مقام ترجيح الخوف على الرجاء، قال الكازروني: ففي الحديث الحثّ على البكاء والتحذير من إكثار الضحك (فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم) فيه استحباب تغطية الوجه عند البكاء وقد ورد الأمر به حال العطاس وكأنه ستر لما يعرض حينئذٍ في بشرة الوجه (ولهم خنين) في «المشارق» للقاضي عياض أنه بالمهملة للقابسي والعذري، وبالمعجمة للكافة وهو الصواب، وهو تردد في البكاء بصوت أغن. وقال أبو زيد: الخنين كالحنين اهـ. وفي «شرح مسلم» للمصنف: هو بالمعجمة في معظم النسخ، ولمعظم الرواة ولبعضهم بالمهملة، ومن ذكر
стр. 808
الوجهين صاحب التحرير وآخرون وسيأتي معناه (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير، واللفظ له ومسلم في فضائل النبي بنحوه، ورواه الترمذي في التفسير وقال: حسن صحيح غريب، ورواه النسائي في الرقائق مختصراً «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» اهـ. ملخصاً من «الأطراف» للمزي. وللحافظ العسقلاني تعقب عليه في بعضه في كتابه «النكت الظراف» (وفي رواية)
هي لمسلم ( «بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: عرضت عليّ الجنة والنار) قال القاضي عياض: قال العلماء: يحتمل أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما وأزال الحجاب بينه وبينهما كما خرج له عن بيت المقدس حين وصفه، ويحتمل أن يكون عرض وحي، وعلم من أمورهما تفصيلاً ما لم يعلمه قبل ذلك ومن عظم شأنهما ما زاده علماً بأمرهما وخشية وتحذيراً ودوام ذكر فلذا قال: لو تعلمون الخ. قال القاضي: والتأويل الأول أولى والتنبيه بألفاظ الحديث لما جاء في الأحاديث مما يؤيده كتناوله العنقود وتأخره مخافة أن تلحقه النار. وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم وهو مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة (فلم أر كاليوم في الخير والشر) قال المصنف: معنى الحديث لم أر خيراً أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرّاً أكثر مما رأيته في النار (ولو تعلمون ما أعلم) مما رأيته اليوم (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) أي لحصل من الإشفاق البليغ ما يقلّ ضحككم ويكثر بكاءكم. وفيه دليل على أنه لا كراهية في استعمال «لو» في مثل هذا (فما أتى) أي جاء (على أصحاب النبيّ يوم أشد منه) في إزعاجهم بالموعظة وتأثرهم بها (غطوا) بتشديد الطاء المهملة أي ستروا (رءوسهم) بالغطاء (ولهم خنين» ) جملة حالية (الخنين بالخاء المعجمة) المفتوحة وبنونين أولاهما مكسورة خفيفة وبينهما تحتية ساكنة (هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت) وفي «شرح مسلم» : ومعناه بالمعجمة صوت وهو نوع من البكاء دون الانتحاب. قالوا: وأصل الخنين خروج الصوت (من الأنف) كالحنين بالمهملة. وقال الخليل: هو صوت فيه غنة. وقال الأصمعي:
стр. 809
إذا تردد بكاؤه وصار في كونه غنة فهو: خنين. وقال أبو زيد الخنين هو شدة البكاء.
٧٤٠٢ - (وعن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنى) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم بأنه الله تعالى (الشمس يوم القيامة من الخلق) أل فيه للجنس أي من المخلوقين (حتى يكون) تصير (منهم كمقدار) أي مثل مقدار (ميل) وذلك تشديد في الهول والكرب (قال سليم) بضم المهملة وفتح اللام وتخفيف التحتية (ابن عامر) وهو الجنائزي بالجيم والنون وهمزة بعد ألف ثم زاي الحمصي (الراوي عن المقداد) فهو تابعي يروي عن أبي الدرداء وعوف بن مالك، والمقداد ثقة بقي إلى بعد عشر ومائة روى عنه مسلم والأربعة كذا في «الكاشف» للذهبي (فوا ما أدري ما يعني) أي النبي (بالميل لمسافة الأرض) أي أراد المسافة التي هي عند العرب مقدار مدّ البصر من الأرض، وعند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع. قال في «المصباح» : والخلف لفظي فإنهم اتفقوا على أن مقداره ستّ وتسعون ألف أصبع، ولكن القدماء يقولون الذراع اثنتان وثلاثون أصبعاً والمحدثون أربع وعشرون أصبعاً، فإذا قسم الميل على رأي المحدثين أربعاً وعشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع اهـ. (أم) أراد (الميل الذي تكتحل به العين) قال في «المصباح» : قال الأصمعي: العامة يقولون لما يكتحل ب ميل وهو خطأ وإنما هو ملمول، وقال الليث: الميل المملول الذي يكتحل به البصر والله أعلم (فيكون على قدر أعمالهم في العرق) أي اختلافهم في مكان العرق منهم بحسب اختلافهم في العمل صلاحاً وفساداً ثم فصله كذلك زيادة في البيان فقال (فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه) بفتح الحاء المهملة وكسرها: وهما معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه (ومنه من يلجمه العرق إلجاماً) أي يصل إلى فيه وأذنيه فيكون له بمنزلة اللجام من
стр. 810
الحيوانات كما قال الراوي (وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه» . رواه مسلم) .
٨٤٠٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يعرق) بفتح التحتية والراء (الناس) من شدة كرب يوم القيامة وأهوالها (يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم) بضم التحتية من ألجمه الماء: إذا بلغ فاه (حتى يبلغ آذانهم) وهذا لبعض الناس لتفاوت الناس في ذلك كما تقدم في الحديث قبله، واستثنى من ذلك الأنبياء والشهداء ومن شاء الله من المؤمنين والمؤمنات، ثم أشد الناس عرقاً الكافر، ثم أصحاب الكبائر ثم من بعدهم (متفق عليه) رواه البخاري في الرقاق ومسلم في باب صفة الجنة والنار (ومعنى يذهب في الأرض: أي ينزل فيها ويغوص) في «المصباح» : يقال نزل من علوّ إلى أسفل ينزل نزولاً، وما ذكره المصنف في الحديث وجه، وفسر الشيخ زكريا يذهب بقوله يجري، ولا مانع من جريانه على وجه الأرض هذا القدر دون ما زاد عليه مع ارتفاعه وبلوغه إلى آذانهم لأنه ممكن والقدرة صالحة له.
٩٤٠٤ - (وعنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة) بفتح الواو وسكون الجيم وبالموحدة أي سقطة، قال في «المصباح» : يقال وجب الحائط ونحوه: سقط (فقال: هل تدرون ما هذا) أي المسموع، وظاهره أنهم سمعوها أيضاً كرامة، ولا مانع فقد سمعوا حنين الجذع وتسبيح الحصا في يده وغير ذلك، لكن قوله أولاً إذ سمع النبيّ ربما يومىء إلى اختصاصه بذلك، والله أعلم (فقلنا: الله ورسوله أعلم) فيه بيان أن الأدب إذا سئل الإنسان عما لا علم له به أن يكل العلم فيه إلى الله سبحانه ولا يتكلم فيما لا علم له
стр. 811
به، وليس من التكلم بلا علم ما يستنبطه أهل العلم ويستخرجونه بما عندهم من جودة الذهن وحسن الفكر، بل هو من التكلم بالعلم، قال تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (النساء: ٨٣) (قال هذا حجر) أي صوت حجر (رمي) بالبناء للمفعول (به في النار من) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بمن الجارة وهو في مسلم بلفظ منذ وهي هنا بمعنى من لأنها جارة لاسم الزمان الماضي، فما في الرياض إن كان من المصنف فرواية بالمعنى (سبعين خريفاً) أي عاماً والمقام يقتضي حمله على حقيقته، ويحتمل أنها كناية عن الكثرة بما فوق وما دون (فهو يهوي) بكسر الواو: أي ينزل (في النار الآن) اسم للزمان الحال وهو ظرف خبر مقدم لقوله (حين انتهى إلى قعرها) وجملة انتهى مضاف إليها، وفتحت «حين» لإضافتها إلى جملة صدرها مبني فهو مرفوع، وتقديره الآن حين انتهى بها إلى قعر النار (فسمعتم وجبتها) بفتح الواو وسكون الجيم هكذا هو في أصل مصحح، ويحتمل أن يكون بكسر الجيم وبالتحتية فالموحدة ومعناه الاضطراب: أي صوت اضطراب النار من نزول الحجر إليها، قال في «المصباح» : وجب القلب وجيباً ووجباً: رجف، ثم قوله فسمعتم وجبتها ليس هو عند مسلم في حديث «حتى انتهى إلى قعرها» إنما هو عنده بإسناد آخر للحديث وفيه «وقال هذا وقع في أسفلها فسمع وجبتها» فيكون ذكر فسمعتم وجبتها مدرجاً في الحديث
الذي ذكره المصنف لأنه ليس عنده بإسناد ذلك الحديث إنما هو بإسناد آخر، والله أعلم (رواه مسلم) في باب صفة الجنة والنار.o
١٠٤٠٥ - (وعن عديّ) بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية (ابن حاتم) بالمهملة فالفوقية ﵁ تقدمت ترجمته في الكلام على الحديث في باب بيان كثرة طرق الخير (قال: قال رسول الله: ما منكم من أحد) من مزيدة في الفاعل لتأكيد العموم فيه لوقوعه بعد النفي (إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) قال في «المصباح» : ترجم
стр. 812
فلان كلامه إذا بينه وأوضحه، وترجم كلام غيره: إذا عبر عنه بلغة عن المتكلم، واسم الفاعل ترجمان، وفيه لغات أجودها فتح التاء وضم الجيم ثم ضمهما ثم فتحهما والجمع تراجم والتاء والجيم فيه أصليتان فترجم بوزن دحرج اهـ. والمراد هنا أنه تعالى يكلمه بلا واسطة (فينظر أيمن منه) أي جانباً أيمن منه (فلا يرى) أي يبصر (إلا ما قدم) من صالح العمل (وينظر أشأم منه) بالشين المعجمة والهمزة من الشومي: وهو من أسماء الشمال (فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء) بكسر الفوقية وبالمد: أي قبالة (وجهه، فاتقوا النار) أي اجعلوا صالح العمل وقاية بينكم وبينها (ولو) كان (بشق) بكسر الشين المعجمة: أي نصف (تمرة متفق عليه) .
١١٤٠٦ - (وعن أبي ذرّ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ﵁ قال: قال رسول الله: إني أرى) أي أبصر أو أعلم (ما لا ترون) أي تبصرون أو تعلمون (أطت السماء وحق) بضم الحاء المهملة وتشديد القاف: أي ويحق (لها أن تئطّ) أي لما فيها من أعمال البرّ وعمالها كما قال (ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك) قال الدلجى: موضع بالتنوين، وقوله أربع أصابع ظرف مستقرّ لاعتماده على حرف النفي (إلا وملك) حال من فاعل الظرف أعني موضعاً: أي وفيه ملك (واضع) بالتنوين ويجوز تركه (جبهته ساجداً) حال من الضمير قبله لكون المضاف بعض ما أضيف إليه (تعالى) واستدل به على فضل السماء على الأرض، وهو المختار عند أصحابنا الشافعية فهي محل الطاعة ولم يقع عليها عصيان، وامتناع إبليس من السجود كان وهو خارج عنها، ويؤخذ منه فضل مواضع أعمال البرّ من الأرض على مواضع غيره، وقد أشار إليه إمامنا الشافعي بقوله:
إني نظرت إلى البقاع وجدتها
تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
(وا) أتى به تأكيداً لما بعده (لو تعلمون ما أعلم) من عظم جلال الله تعالى وشدة
стр. 813
انتقامه (لضحكتم قليلاً) خوفاً من سطوة المولى سبحانه (ولبكيتم كثيراً) كذلك، وفي قوله قليلاً أولاً وكثيراً ثانياً إيماء إلى أن المطلوب من العبد أن لا ينتهي به الخوف إلى اليأس والقنوط بل يكون عنده بعض الرجاء فيعمل معه البر ويكون عنده من الخوف ما ينزجر به عن المخالفة، ويكون تارة في مظهر الجمال وتارة في مظهر الجلال (وما تلذذتم بالنساء على الفرش) أي لشدة ما كان يحصل لكم من الوجل (ولخرجتم إلى الصعدات) أي الطرقات (تجأرون) بسكون الجيم وبعدها همزة مفتوحة: أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة إلى الله تعالى، والجملة في موضع الحال: أي رافعي أصواتكم متضرّعين (إلى الله تعالى. رواه الترمذي وقال حديث حسن) قال ابن أَقَبْرَس: أخرجه مرفوعاً، وأخرجه أيضاً في الزهد، ويروى عن أبي ذرّ موقوفاً، وأخرجه ابن ماجه اهـ. وكذا ذكر السيوطي في تخريج الشفاء أن ابن ماجه أخرجه أيضاً (وأطت بفتح الهمزة وتشديد الطاء) المهملة (وتئطّ بفتح التاء) أي الفوقية (وبعدها همزة مكسورة) مكتوبة بصورة الياء على القاعدة (والأطيط) بفتح الهمزة وكسر الطاء الأولى (صوت الرجل) بالحاء المهملة هو ما يشد على البعير ويوضع عليه الحمل ويسمى بالكور. قال في «النهاية» : وقد تكرر ذكر الرجل مفرداً وجمعاً وهو له كالسرج للفرس اهـ. (والقتب) بفتح القاف والفوقية وبالموحدة قال في «المصباح» القتب للبعير جمعه أقتاب كسبب وأسباب وعليه فيكون من عطف الرديف (وشبههما) من ذي الصوت (ومعناه) أي معنى هذا الكلام (أن كثرة من في السماء من الملائكة العابدين قد أثقلها حتى أطت) أي حصل الصوت منها كما يحصل من الرجل إذا ركب عليه، أجرى المصنف الكلام على ظاهره. قال ابن الأثير في «النهاية» : وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثم أطيط إنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى. زاد الدلجى بعد
حكايته قوله فأفرغ هذا الكلام في قالب الاستعارة التمثيلية تقريباً وتقريراً لعظمة الله تعالى. وقال ابن أقبرس: وهذا عندي على طريق الاستعارة بالكناية، شبهت السماء بذي الصوت من الإبل، ثم ذكر شيئاً من لوازم الإبل والأقتاب المركوب عليها وهو الصوت المعبر عنه بقوله أطت لينتقل الذهن منه إليه، وأنت خبير بما بين الكلامين يعني كلامه وكلام «النهاية» من الحسن اهـ. وما ذكره من أن الاستعارة المكنية لفظ المشبه به مراداً به المشبه مذهب
стр. 814
فيها، ومذهب الخطيب وعليه الجمهور أنها التشبيه المضمر في النفس وقرينتها الاستعارة التخييلية: أي إثبات لازم المشبه به للمشبه، والله أعلم (والصعدات ضم الصاد والعين) وبالدال المهملة (الطرقات) بضم أوليه جمع طريق (ومعنى تجأرون تستغيثون) مضارع من الاستغاثة بالمثلثة: سؤال للغوث.
١٢٤٠٧ - (وعن أبي برزة) بموحدة ثم (براء ثم زاي) ثم هاء (نضلة) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة (ابن عبيد) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه واسم أبيه، ويقال نضلة بن عمرو ويقال نضلة بن عبد الله. قال الحاكم في «تاريخ نيسابور» : وقيل اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل نضلة بن دينار. قال: وقيل كان اسمه نضلة بن دينار فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقال: «دينار» شيطان (الأسلمي) من ولد أسلم بن أقصى بن حارثة ﵁ وأبو برزة كنية انفرد بها لا يعرف في الصحابة من يكنى بها غيره، كما قاله الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي البغدادي في التنبيه على الغربيين وذكره الحاكم في الكنى المفردة، ومعناه: ليس في الناس من يكنى بها غيره ومراده من قبله، وإلا فقد كنى بها بعده أبو برزة الفضل بن محمد الحاسب. أسلم أبو برزة قديماً وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة، روي له عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. نزل البصرة وولده بها ثم غزا خراسان. وقيل: إنه رجع البصرة وبها توفي، وقيل توفي بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل توفي سنة ستين، وقيل سنة أربع وستين اهـ. ملخصاً من «التهذيب» للمصنف.
(قال: قال رسول الله: لا تزول قدما عبد) أي من موقفه للحساب إلى جنة أو نار (حتى يسأل) بالبناء للمفعول (عن عمره) بضم أوليه ويسكن ثانيه تخفيفاً: أي حياته وبقائه في الدنيا (فيما أفناه) في طاعة أم معصية، فما استفهامية فيه وفيما بعده وإثبات ألفها مع كونها مجرورة قليل والكثير حذفها (وعن عمله فيما
стр. 815
فعل فيه) لوجه الله تعالى خالصاً فيثاب عليه، أو رياء وسمعة فيعاقب عليه إن شاء الله تعالى. (وعن ماله من أين اكتسبه) أمن حلال ذلك أو حرام (وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) في طاعة مولاه أم في سواه، ويستثنى من ذلك الأنبياء وبعض صالحي المؤمنين كالذين يدخلون الجنة بغير حساب (رواه الترمذي) في أبواب الزهد من «جامعه» (وقال: حديث حسن صحيح) وطريقه واحد، فالتقدير على ما قرره الحافظ العسقلاني في مثله كما تقدم حسن أو صحيح.
١٣٤٠٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله: يومئذٍ تحدث أخبارها ثم قال أتدرون ما أخبارها؟) المحدثة بها (قالوا: الله ورسوله أعلم) أي عالم، وليس مرادهم أن عندهم به علم، وا ورسوله أعلم بذلك منهم فأفعل فيه بمعنى أصل الفعل، ويحتمل كونه على ظاهره وسكوت العالم إما أدباً أو لزيادة استبصار ووقوف على ما لم يعلم (قال: فإن أخبارها أن تشهد) بلسان قالها كما هو الظاهر ولا مانع منه لأنه ممكن وهو أبلغ في إلزام الحجة (على كل عبد أو أمة بما علم على ظهرها) الظاهر أن العموم فيه مخصوص بغير ذي الأعمال المكفرة، ويحتمل عموم الخبر لهم ويكون شهادتها بذلك تذكيراً لمزيد إنعام الله عليه حيث سامحه بسوء عمله ولم يعاقبه عليه بل أثابه من فضل، وقوله: (تقول عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا) تفصيل للشهادة وبيان لكيفتها وكذا كناية عن مقدار الشيء وعدته، وتكون كناية عن الأشياء فتقول فعلت كذا وقلت كذا، قال: فإن قلت: فعلت كذا وكذا فلتعدد الفعل، والأصل ذا ثم أدخل عليه كاف التشبيه بعد زوال معنى التشبيه والإشارة، وجعل كناية عما يراد به وهو معرفة فلا يدخله أل قاله في «المصباح» (فهذه
стр. 816
أخبارها) بفتح الهمزة جمع خبر (رواه الترمذي) في الزهد والتفسير من «جامعه» (وقال حديث حسن) ورواه النسائي في التفسير.
١٤٤٠٩ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: «كيف أنعم) بفتح العين من النعمة بفتح النون: وهي المسرة والفرح. قال في «المصباح» : نعم عيشه ينعم من باب تعب: اتسع ولان: أي كيف أتسع في الدنيا وألتذ بها. قال المظهري: أي كيف أطيب عيشاً وقد قرب أمر الساعة وكأنه خاف على أصحابه منها، وقد علم أنها لا تقوم إلا على أشرار الناس، أو حثّ لأصحابه على الوصية لمن بعدهم بالتهيؤ لها (وصاحب القرن) أي الصور يعني الملك الموكل به وهو إسرافيل (قد التقم القرن) أي وضع فاه عليه: قال المظهري في «المفاتيح» : يقال التقمت اللقمة: أي ابتلعتها يعني وضع الصور في فمه (واستمع) أي أصغى (الإذن) يحتمل أن يكون مفعولاً به أي يستمعه وينظر وأن يكون مفعولاً له (متى يؤمر بالنفخ) أي بنفخ الصور (فينفخ) أي عقب الأمر فحينئذٍ يصعق من في السموات والأرض: أي يموت (فكأن ذلك) أي المذكور من قرب الساعة، وهي إنما تقوم على الأشرار (ثقل) بفتح المثلثة وضم القاف: أي عظم ومصدره ثقل بوزن عنب كما في «المصباح» : أي فكأنه ثقل (على أصحاب رسول الله ﷺ فقال) أي النبيّ (لهم: قولوا حسبنا) أي محسبنا وكافينا من أحسبه الشيء أي كفاه وهو خبر والمبتدأ هو (اونعم الوكيل) أي الموكول إليه والمخصوص بالمدح مضمر بعد الواو والجملة الفعلية خبره، والأصح وقوع الجملة الإنشائية خبراً بلا تأويل وفي الكلام عطف خبرية على مثلها. قال في «المفاتيح» : والدليل أن حسبك بمعنى محسبك وقوعه صفة للنكرة في نحو مررت برجل حسبك فلو لم يصح لكان اسم فاعل، وإضافته على معنى الانفصال لما وصف به النكرة لأنه مضاف لمعرفة (رواه الترمذي) في أبواب الزهد من «جامعه» (وقال: حديث حسن) ورواه
стр. 817
النسائي في التفسير من طريق عن أبي هريرة بنحوه (القرن) بفتح القاف وسكون الراء مضاف لمعرفة (الصور) بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبالراء (الذي قال الله تعالى) أي فيه (ونفخ في
الصور، كذا فسره رسول الله) قلت: رواه أحمد والترمذي وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ عن النبيّ قال: «الصور قرن ينفخ فيه» وفي الترمذي بيان سببه قال: «قال أعرابيّ: يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه» قال ابن رسلان: قوله الصور قرن هو على هيئة البوق دائرة رأسه كعرض السموات والأرض، ولأبي الشيخ في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة «إن الله تعالى لما خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» .
وفي رواية لأبي الشيخ «فأطرق صاحب الصور وقد وكل به مستعداً ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتدّ إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان» وإسنادهما جيد اهـ.
١٥٤١٠ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله «من خاف) أي خاف البيات (أدلج) أي هرب في أوّل الليل (ومن أدلج بلغ المنزل) الذي يأمن فيه البيات. قال العاقولي: هذا مثل طالب الآخرة وكون الشيطان على طريقه، فإن تبتل بالطاعة وصبر مدة أيامه القلائل أمن فيه الشيطان. وقال المظهري: أي من خاف الله فليهرب من المعاصي إلى طاعته تعالى (ألا) أداة استفتاح (إن سلعة ا) بكسر السين المهملة وجمعها سلع فهي كسدرة وسدر. والسلعة: المتاع (غالية) بالمعجمة: أي رفيعة القيمة (ألا إن سلعة ا» ) هي الجنة وهي عزيزة لا يليق بثمنها إلا بذل النفس والمال (رواه الترمذي) في باب الزهد (وقال: حديث حسن) وروى عن مطرف عن أبي سعيد، وقيل عن ابن عباس اهـ. (وأدلج بإسكان الدال) المهملة وبالجيم معناه (سار من أول الليل) وهو أنسب بالحديث لكونه أدل على مزيد الاهتمام والاعتناء وأمكن في القصد للبعد عن العدو، وما ذكره المصنف هو ما في «النهاية» وزاد فيها «وادّلج» بالتشديد: إذا سار من آخره، والاسم منها الدلجة بالضم والفتح،
стр. 818
ومنهم من يجعل الإدلاج أي بوزن إكرام مصدر أدلج بالتخفيف لليل كله ولم يفرق بين أوله وآخره، وأنشدوا لعلي:
اصبر على السير والإدلاج في السحر
اهـ. قلت: وجرى على هذا الأخير صاحب «المصباح» ، وعبارته أدلج إدلاجاً مثل أكرم إكراماً: سار الليل كله فهو مدلج، وإن خرج آخر الليل فقد ادّلج بالتشديد اهـ. وكأن المصنف جرى على القول المذكور في الأصل لأنه أنسب بالحديث لما ذكرنا (والمراد التشمير في طاعة ا) أي إنه تمثيل لذلك كما سبق عن العاقولي وإلا فلا مسافة حسية تقطعها بسيرك ليلاً، إنما هي المجاهدات المورثة بالفضل الإلهي للمشاهدات.
١٦٤١١ - (وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس) عامّ مخصوص فقد جاء في صحيح مسلم «أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ ثم أكسى» الحديث (يوم القيامة حفاة) بضم أوله المهمل وبالفاء جمع حاف: وهو الذي لا حذاء في رجله ولا خف (عراة) بالضبط المذكور جمع عار وهو الذي لا ثوب ببدنه (غرلاً) أي غير مختونين، والفائدة في خلق الجلدة المقطوعة من الذكر والعلم عند الله تعالى التنبيه على إحكام خلقته إذ خلقه للأبد لا للفناء إذ لم ينقص من أعضائه بل أعيد كاملاً، أو أنه التزم عوده كما كان، قاله المظهري والثلاثة منصوبة على الحال من الفاعل (قلت: يا رسول الله الرجال والنساء جميعاً) منصوب على الحال من الرجال الفاعل بمحذوف دل عليه ما قبله: أي الحشر حال كونهم مجموعين، وقولها (ينظر بعضهم إلى بعض) يحتمل أن يكون حالاً من ذلك أو من ضمير جميعاً المستكن فيه وأن تكون مستأنفة لبيان السؤال عن جميعهم في الحشر (فقال يا عائشة الأمر) أي هول الأمر وشدته (أشد من أن يهمهم) بفتح التحتية وضم الهاء أو بضم التحتية وكسرها قال. في «المصباح» : يقال أهمني الأمر بالألف: أقلقني، وهمني هما من باب قتل مثله (ذلك» ) أي النفوس إنما تنظر لذلك عند الاستراحة وهم في
стр. 819
هول يذهل به الخليل عن خليله كما تقدم أوّل الباب.
(وفي رواية) هي «للصحيحين» أيضاً كما في «المشكاة» وهي عند النسائي وابن ماجه كما في «الجامع الكبير» ( «الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض» ) جاء في رواية ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعاً «قالت عائشة: ينظر بعضهم إلى بعض، قال: شغل الناس يومئذٍ عن النظر وسموا بأبصارهم إلى السماء موقوفون أربعين سنة لا يأكلون ولا يشربون» (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق ومسلم في أبواب صفة الجنة والنار (غرلاً بضم الغين المعجمة) وسكون الراء (أي غير مختونين) في «المصباح» : الغرلة مثل القلفة وزناً ومعنىً، وغرل غرلاً من باب تعب: إذا لم يختن فهو أغرل والأنثى غرلاء والجمع غرل من باب أحمر اهـ. والله أعلم.
٥١ - باب الرجاء
بفتح الراء وبالمد: هو ضد الخوف، وعرف بأنه تأمل الخبر وقرب وقوعه. ويطلق على الخوف ومنه قوله تعالى: ﴿مالكم لا ترجون وقاراً﴾ (نوم: ١٣) وقال الراغب في «مفرداته» : قيل مالكم لا تخافون؟ ووجه ذلك أن الرجاء والخوف يتلازمان. وفي «الرسالة القشيرية» : الرجاء تعليق القلب بمحبوب في المستقبل، والفرق بينه وبين التمني أن التمني يصاحبه الكسل ولا يسلك صاحبه طريق الجد وضده صاحب الرجاء، وقدم المصنف الخوف عليه لأنه باعتبار نتائجه من باب التخلية بالخاء المعجمة إذ ينتج ترك المخالفة، والرجاء من باب التحلية بالمهملة إذ يبعث على صالح العمل إذ لولا الرجاء لما وجد عمل، أما تمني الثواب لا مع صالح العمل فذلك أمنية وليس من الرجاء في شيء. وفي الحديث عن شداد بن أوس عن النبيّ «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» .
стр. 820
(قال الله تعالى) : ﴿قل يا عبادي﴾ ) إضافتهم إليه إضافة تشريف وتكريم ليذهب عنهم ما عداهم من خشية المعصية وبعد المخالفة، وتخصيصهم بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن ( ﴿الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ ) أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعصية ( ﴿لا تقنطوا من رحمة ا﴾ ) لا تيأسوا من مغفرته أوّلاً وتفضله ثانياً ( ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ ) عفوا ولو بعد بعدا وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر، ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (النساء: ٤٨) الآية والتعليل بقوله ( ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ ) للمبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في عبادي من الدلالة على الذلة والاختصاص المقتضين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم، والنهي عن القنوط مطلقاً عن الرحمة فضلاً عن المغفرة وإطلاقها وتعليله بأن الله يغفر الذنوب، ووضع اسم الله موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق والتأكيد، وما روي من خصوص نزولها بعياش أو الوليد بن الوليد بن جماعة فتنوا فافتتنوا، أو في وحشي لا ينفي عمومها إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(وقال تعالى) : ﴿وهل يجازى إلا الكفور﴾ ) أي هل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في الكفران أو الكفر، وفيه إيماء إلى أن المؤمنين لا يجازون كذلك للغفران الكائن لهم بشرف الإيمان.
(وقال تعالى) مخبراً عن موسى وهارون ( ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب﴾ ) وهو عبارة عن الألم مع الإماتة ( ﴿على من كذب وتولى﴾ ) وفيه إيماء إلى سلامة من أمن من ذلك، ولا ينافيه ما ورد من تعذيب قوم من أهل التوحيد لأنه ليس لإهانتهم بل لتطهيرهم لما حصل لهم من دنس المخالفة حتى يتأهلوا لدخول الجنة والحلول بها.e جعلنا الله من أهل الجنة بمحض الفضل والمنة.
(وقال تعالى:
стр. 821
﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ ) (الأعراف: ١٥٦) المؤمن والكافر. قال البيضاوي: وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة قوله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ (الأعراف: ١٥٦) الآية.
١٤١٢ - (وعن عبادة بن الصامت) الأنصاري الخزرجي تقدمت ترجمته ﵁ في باب الأمر بالمعروف (قال: قال رسول الله: من شهد) أي علم (أن لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا ا) بالرفع بدلاً من محل اسم لا قبل دخولها ولا يجوز الإبدال من محله بعد دخولها لأنها لا تعمل في المعارف، وفي إعرابها بسط ذكرته في باب فضل الذكر وباب التشهد من «شرح الأذكار» (وحده) أي منفرداً بالألوهية وغيرها من أوصاف الكمال (لا شريك له) في ذلك ولا في شيء من أوصافه ولا من أفعاله بل كان ما في الوجود خلق الله وحده، والمراد من صدّق بمضمون ذلك وأذعن له بجنانه ونطق به بلسانه، فإن منع من النطق مانع من خرس أو معالجة منية فهو مؤمن، وإلا فنقل المصنف في أوّل شرح مسلم الإجماع على كفره. وعورض بأن الغزالي نقل فيه عن جمع أنه مؤمن عاص بترك النطق بها (و) شهد (أن محمداً عبده) هو أشرف أوصافه فلذا ذكره به في الكتاب في أشف المواطن كمقام الإسراء وإنزال الكتاب عليه ولذا قدمه على قوله (ورسوله) وفيه إيماء إلى ما جنح إليه ابن عبد السلام في تفضيل النبوّة لتعلقها بالحق على الرسالة لتعلقها بالخلق، وذلك لأنه قدم العبودية لكونها إضافة إلى الحق له بها شرف على الخلق، والرسالة ليست كذلك وإن كان الأصح عند الجمهور تفضيل الرسالة لوجود التعلق بالحق فيها كالنبوة وزيادتها بالإبلاغ للخلق (وأن عيسى) اسم معرب يسوع كما في البيضاوي، قال: واشتقاقه من العيس وهو بياض تعلوه حمرة تكلف لا طائل تحته (عبد ا) خصه بالذكر رداً على النصارى في إنكارهم ذلك، وقولهم إنه ابنالله، تعالى الله عن ذلك (ورسوله) إلى بني إسرائيل (وكلمته) سمي به لأنه وجد بأمره تعالى دون أب فشابه البدعيات التي هي عالم الأوامر،
قال الشيخ أكمل الدين في «شرح المشارق» : وسماه كلمة مبالغة لأنه تكلم في غير أوانه، وأضيف إلى الله تعالى تعظيماً (وروح منه) سماه روحاً لأنه أحيى به الأموات فكان كالروح وأحيى به القلوب من
стр. 822
موت الجهالة، أو لأنه حدث من نفخ الروح كما قال تعالى:
﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ (الأنبياء: ٩١) قيل كان النافخ جبريل وإضافته إلى الله تعالى لأنه كان بأمره. وفي «تفسير البيضاوي» أي ذي روح صدر منه لا يتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة (والجنة والنار) بالنصب عطفاً على ما قبله: أي وشهد أنهما (حق) أي ثابتان موجودان، وأفرد الخبر مع تثنية المخبر عنه إما لأنه مصدر أو لإرادة كل واحدة منهما (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أي على أي عمل كان سيئاً أو حسناً، وهو حال نحو رأيت فلاناً على أكله: أي آكلاً وفيما نحن فيه لا يجوز أن يقدر عاملاً، لأن العمل غير حاصل وقت الدخول فيقدر مستحقاً بما يناسب عمله من الثواب والعقاب، يعني من مات على الإيمان لا تخرجه الكبائر عن إيمانه فيدخل الجنة، أما كونه ابتداء أو بعد دخول النار فمفوض إلى مشيئة الله تعالى. قال الطيبي في «شرح المشكاة» : لا يتصوّر هذا في حق العاصي الذي مات قبل التوبة إلا إذا دخل الجنة قبل استيفاء العقوبة. فإن قلت: ما ذكرت يستدعى أن لا يدخل أحد من عصاة المؤمنين النار. قلت: اللازم عموم العفو وهو لا يستلزم عدم دخول النار لجواز أن يعفو عنهم بعد دخولها قبل استيفاء العذاب، فليس يحثم عندنا أن يعذب بالنار أحد من الأمة بل الواجب العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ (متفق عليه) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، ومسلم في الإيمان ورواه النسائي في «اليوم والليلة» وفي التفسير من «سننه» كذا قاله المزي في «الأطراف» .
(وفي رواية لمسلم) أي عن عبادة بن الصامت أيضاً رواه الإمام أحمد والترمذي قاله في «الجامع الصغير» : وقال الحافظ المزي: أخرجه مسلم والترمذي في الإيمان وأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ويلزم من شهادته برسالته شهادته برسالته بسائر الأنبياء لأن النبي جاء بذلك (حرم الله عليه النار) أي الخلود فيها، وأول الحديث كما في مسلم عن الصالحي قال: «دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت فبكيت، فقال لي: مهلاً لم تبك؟ فوا لئن استشهدت لأشهدن
стр. 823
لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: وا ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثاً واحداً وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي سمعته يقول: من شهد الخ» .
٢٤١٣ - (وعن أبي ذرّ) الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله: يقول الله فيه دليل على عدم كراهة استعمال المضارع فيه، لأن المراد به الدلالة على دوام ذلك وعدم انقطاعه خلافاً لمن كرهه من السلف لما يدل عليه من التجدد والحدوث، وأوصاف الله تعالى قديمة أزلية، والحديث من الأحاديث القدسية (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) أي عشر حسنات أمثالها فضلاً من ا؛ أي جزاؤها مكرراً عشر، لا أنه يكرّر نفس الحسنة كذلك، وقد نبه الشيخ زكريا في سورة النساء من «حاشيته» على البيضاوي على أن هذا أقلّ مراتب المضاعفة ولذا قال (أو أزيد) وأو فيه يحتمل أن تكون بمعنى بل: أي بل أزيد من ذلك كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ (البقرة: ٢٤٥) . (وقال تعالى) : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ ) . وقال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ (السجدة: ١٧) قال البيضاوي: وهذا أي العشر أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغير حساب، ولذا قيل المراد بالعشرة الكثرة دون العدد (ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها) قضية العدل (أو أغفر) فضلاً وإحساناً وانظر إلى ما انطوى عليه هذا الحديث من اللطف في جانب الحسنة إضافتها للجائي بها باللام الدالة على الاختصاص تشريفاً وتكريماً، وفي جانب السيئة ترك ذلك إيماء إلى قبح المعصية وأن حقها أن تباعد وتزايل حتى لا تنسب لأحد (ومن تقرب مني) أي من فضلي ورحمتي (شبراً) بالمبالغة في المجاهدة وأداء واجب الألوهية (تقربت منه) أي بفضلي وتوفيقي (ذراعاً ومن تقرب مني) بذلك (ذراعاً) وهو دون ما قبله (تقربت منه باعاً) ففيه أن الجزاء على قدر العمل وبحسبه، والباع والبوع بضم الموحدة وفتحها طول ذراعي الإنسان وعضده
стр. 824
وعرض صدره: قال الباجي: وهو قدر أربعة أذرع (ومن أتاني يمشي) وأسرع نحو طاعتي (أتيته هرولة) أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم
أحوجه إلى مزيد مشي في وصوله لمراده، والمقصود أن جزاءه يكون على حسب عمله وتقربه، والهرولة بفتح الهاء وسكون الراء وهي إسراع في المشي دون الخبب، قال المصنف: هذا الحديث من أحاديث الصفات، ومستحيل إرادة ظاهره لما فيه من باب التمثيل كما سيأتي قال القرطبي إن قيل مقتضى ظاهر الخطاب أن جزاء الحسنة بمثلها إذ الذراع شبران والباع ذراعان وتقدم في الكتاب والسنة أن أقل ما يجازى على الحسنة بعشرأمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف لا تحصى فما وجه الجمع؟ قلنا: هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار عدد الأجور وعدد تضاعيفها، وإنما سيق لتحقيق أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل قليلاً كان أو كثيراً، وأن الله يسرع إلى قبوله وإلى مضاعفة الثواب عليه إسراع من جيء إليه بشيء فبادر لأخذه وتبشبش له بشبشة من سرته ووقع منه الموقع، ألا ترى إلى قوله: وإن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي لفظ آخر «أسرعت إليه» ولا تتقدر الهرولة والإسراع بضعفي المشي، وأما عدد الأضعاف فيؤخذ من حديث آخر لا من هذا الحديث اهـ. وما ذكره من أن الباع ذراعان مخالف لما نقله المصنف عن الباجي من أنه أربعة أذرع (ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة) تمييز لقراب الأرض: أي بما يقارب ملأها من الخطايا لو ككان جسماً وجرماً وقوله (لا يشرك بي شيئاً) جملة في محل الحال من فاعل لقى (لقيته بمثلها مغفرة، رواه مسلم) في كتاب الدعوات ورواه ابن ماجه في فضائل التسبيح.
(ومعنى الحديث) أن قوله تعالى فيه «من تقرّب مني شبراً» إلى قوله «أتيته هرولة» ليس على ظاهره لاستحالته على الباقي لما فيه من اعتوار الحركة وغيرها عليه تعالى عن ذلك، بل معناه: من تقرب إلى بطاعتي تقربت إليه برحمتي، وإن زاد زدت. فظاهره أن قوله: وإن زاد زدت، تفسير للمراد من قوله: ومن تقرب مني ذراعاً، وفيه ما لا يخفى بل الظاهر أنها أومأت إلى جزاء العامل على عمله الصالح وإن قل، فالجملة الأولى لبيان عظم الثواب على كثرة العمل ومزيد المجاهدة، والثانية لبيان حصول ثواب العمل وإن قل ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ (الكهف: ٣٠) والله أعلم. (وإن أتاني) أي أقبل على طاعتي
стр. 825
(يمشي) أي يجد ويجتهد (وأسرع في طاعتي) حسب طاقته فيها ولم يقدم عليها علائقه (أتيته هرولة: أي صببت عليه الرحمة صباً وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود) قال القرطبي: هذه الجمل أمثال ضربت لمن عمل من الطاعات وقصد به التقرب إلى الله تعالى تدل على أنه تعالى لا يضيع أجر محسن وإن قل عمله، بل يقبله ويثيبه مضاعفاً، ولا يفهم من الحديث الخطا بنقل الأقدام إلا من ساوى الحمر في الأفهام اهـ. (وقراب الأرض بضم القاف، ويقال) فيما نقله القاضي عياض وغيره (بكسرها) مصدر قارب الأمر: إذا داناه، يقال لو أن لي قراب هذا ذهباً: أي ما يقارب ملأه ولو جاء بقراب الأرض بالكسر أيضاً بما يقاربها اهـ. (والضم أفصح وأشهر) مقتضى كلامه في «شرح مسلم» أن الكسر قريب، وعبارته فيه بضم القاف على المشهور فيخالف ما هنا من أن الكسر مشهور إلا أن الضم أشهر منه ولا مخالفة تأمل. (ومعناه: ما يقارب ملأها) بكسر الميم (والله أعلم) .
٣٤١٤ - (وعن جابر ﵁ قال: جاء أعرابي) واحد الأعراب وهم سكان البادية من العرب (إلى النبي فقال: يا رسول الله: ما الموجبتان؟ قال) أي النبي (من مات لا يشرك با شيئاً) أي من الشرك الجلي أو من المعبودات: أي وحد الله تعالى وأفرده بالعبودية (دخل الجنة) قال المصنف: هذا مما أجمع عليه المسلمون ابتداءً مع الفائزين إن لم يمت مصرّاً على الكبائر، وإن مات مصرّا عليها فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة» وإن شاء أدخله إياها ابتداءً بفضله (ومن مات يشرك به شيئاً) من الشرك الجليّ أو من المعبودات (دخل النار) وخلد فيها ولم يخرج منها أبداً لا فرق بين كتابي وعابد وثن وسائر
стр. 826
الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عناداً وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام ولا من انتسب إليها، ثم حكم بكفره يجحده ما يكفر بجحده أو غير ذلك. أما الشرك الخفي من الرياء والسمعة فلا يقتضى أن يؤيد في النار إذا مات صاحبها على الإيمان (رواه مسلم) في كتاب الإيمان.
٤٤١٥ - (وعن أنس ﵁ أن النبيّ، ومعاذ) كذا وقفت عليه في نسخ الرياض بالرفع وهو مبتدأ خبره قوله (رديفه) بفتح الراء وكسر المهملة وقوله (على الرحل) متعلق بالخبر والجملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها وهو قوله (قال يا معاذ؟ قال لبيك) بتشديد الموحدة، أي إجابة بعد إجابة، وقيل قربا منك وطاعة لك، وقيل أنا مقيم على طاعتك، وقيل محبتي لك، وقيل غير ذلك (وسعديك) أي ساعدت طاعتك مساعدة لك بعد مساعدة فهما مثنيان مراداً منهما التكثير (قال: يا معاذ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك، قال يا معاذ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً) ظرف لمقرر مقدر وتكرير نداء معاذ لتأكيد الاهتمام بما يخبره به وليكمل تنبه معاذ فيما يسمعه، وثبت في الصحيح «أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لهذا المعنى» قاله المصنف (قال ما من) مزيدة لتأكيد عموم النفي (عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً) حال: أي حال كونه صادقاً في ذلك، أو مفعول مطلق: أي شهادة صدقاً أو شهادة صدق فأقيم المضاف مقامه فانتصب انتصابه (من قلبه) وهذا القيد لإخراج شهادة اللسان إذا لم يطابقها الجنان كالمنافقين (إلا حرّمه الله على النار) أي الخلود فيها فلا ينافي تعذيب بعضهم (قال) أي معاذ (يا رسول الله ألا أخبر بها الناس) إدخالاً للسرور عليهم وحثاً على صدق الإيمان وتحريضاً على الإخلاص (فيستبشروا، قال إذاً يتكلوا) أي يتركوا الأعمال ويتكلوا على ذلك فيفوتهم
стр. 827
بذلك عالي المنازل في العقبى، وهو لمزيد اهتمامه بأمته واعتنائه بشأنهم لا يريد لهم إلا المنازل العلى، فأشار إلى معاذ بالترك لأنه رأى الثمرة المترتبة عليه أتم من المترتبة على الإعلام (فأخبر بها) أي بالبشارة المدلول عليها بقوله: يستبشرون (عند موته تأثماً) مفعول له: أي خروجاً من إثم كتم ما للناس إليه حاجة من الشريعة، وقد جاء الوعيد الشديد في الكتم، قال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا
من البينات والهدى﴾ (البقرة: ١٥٩) الآية. (متفق عليه) أخرجاه في الإيمان.
(قوله تأثماً أي خوفاً من الإثم) الكائن أو كائناً (في كتم هذا العلم) أي كتم هذا القدر منه.
٥٤١٦ - (وعن أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري ﵄ وقوله (شك الراوي) أي هو الأعمش كما في «صحيح مسلم» بيان لأن أو للتردد والشك في عين الراوي منهما (ولا يضرّ الشك في عين الصحابي لأنهم كلهم عدول) من خالط الفتن ومن اعتزلها لأنهم فيها بين مجتهد مصيب فله أجران أو مخطىء فله أجر، وإذا كانوا كذلك فلا غرض في تعيين الراوي منهم. وقد قال علماء الأثر إذا قال الراوي: حدثني فلان أو فلان وهما ثقتان احتج به بلا خلال لأن المقصود الرواية عن ثقة سمي وقد حصل. وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغدادي في «الكفاية» وذكرها غيره وهي في غير الصحابي، ففي الصحابي أولى لعدالتهم أجمعين، قاله المصنف في «شرح مسلم» (قال: لما كان يوم) المراد به هنا الزمن أي زمن (غزوة تبوك) تقدم ضبطه وبيان جواز صرفه وعدمه ووجه تسميته بذلك وبيان تاريخ الغزوة في باب التوبة أول الكتاب (أصاب الناس مجاعة) قال في «النهاية» : مفعلة من الجوع اهـ. ومقتضى قول «الصحاح» وقد جاع يجوع جوعاً ومجاعة أنه مصدر ميمي والجوع ضد الشبع (قالوا: يا رسول الله) استئناف بيان كأنه قيل ماذا قالوا حينئذٍ؟ فقال قالوا يا رسول الله (لو
стр. 828
أذنت لنا) أي في نحر دوابنا المأكولة كما يدل عليه ما بعده، ولو في للتمني فلا جواب لها، ويحتمل كونها الشرطية والجواب محذوف: أي لو أذنت لنا في نحرها (فنحرنا نواضحنا) جمع ناضح أصله البعير الذي يستقى عليه الماء قال في «المصباح» : ثم استعمل في كل بعير وإن لم ينضح عليه ومنه حديث «أطعمه ناضحك» أي بعيرك. قلت: وما هنا محتمل لذلك (فأكلنا) لحومها (وادهنا) من شحومها، وقال صاحب «التحرير» : ليس المقصود منه ما هو المعروف من الادّهان إنما معناه: لو اتخذنا من شحومها
لارتفقنا بذلك أو لكان خيراً أو لكان صواباً أو رأياً مبيناً أو مصلحة ظاهرة وما أشبه ذلك، وعلى كونها شرطية محذوفة الجواب جرى المصنف في «شرح مسلم» : ثم قال: وقولهم «لو أذنت لنا» هذا من أحسن أدب خطاب الكبار والسؤال منهم، وهو أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر، وفيه أنه لا ينبغي للعسكر أن يضيعوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بدون إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة اهـ. (فقال رسول الله: افعلوا) وذلك مراعاة لمصلحتهم وتقديم الأهم فالأهم وارتكاب أخفّ الضررين دفعاً لأشدهما (
فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر) أي الدوابّ سميت بذلك لكونها يركب على ظهورها أو لكونها يستظهر بها ويستعان بها على السفر، وإسناد فعلهم وهو نحرها إليه مجاز عقلي لكونه عن أمره فهو كقولهم: بنى الأمير المدينة وفي الخبر جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء وأن للمفضول أن يشر عليهم بخلاف ما رأوه (ولكن) استدراك عن معنى الكلام السابق: أي لا تنظر لمصلحتهم بذلك لئلا يقل الظهر ولكن انظر إليها بوجه آخر. وهو قوله (ادعهم بفضل أزوادهم) متعلق الظرف: أي يأتون به والجملة في محل الحال، والفضل بفتح الفاء وسكون الضاد مصدر فضل يفضل كنصر ينصر وجاء كنعت ينعت، وهو البقية: أي بالباقي من أزوادهم، وزاد المسافر طعامه المتخذ لسفره (ثم ادع الله عليها بالبركة) أتى بثم إشارة إلى تراخى اجتماعه وانضمامه عن أمرهم بذلك الذي عندهما يكون الدعاء (لعل الله
стр. 829
أن يجعل في ذلك) قال المصنف: كذا وقع في الأصول التي رأينا؛ وفيه محذوف تقديره: يجعل في ذلك بركة أو خيراً، فحذف المفعول به لأنه فضلة، وأصل البركة كثرة الخير وثبوته، وتبارك الله ثبت الخير عنده (فقال رسول الله: نعم) بفتح أوليه وهي هنا لكونها بعد الطلب للوعد فهو وعد منه بفعل ذلك لتصويبه له (قال: فدعا بنطع) فيه أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء وبفتحها وفتح النون وكسرها مع سكون الطاء فيهما حكاه المصنف في «شرح مسلم» ولم يبين معناه، وكأنه لوضوحه قال في «المصباح» : هو المتخذ من الأديم معروف اهـ. (فبسطه) أي نشره (ثم دعا بفضل) أي بقية (أزوادهم قال) أي الصحابي الراوي (فجعل الرجل يجيء بكف) أي بمثله (ذرة) بتخفيف الراء: نوع من الحبوب معروف قال (ويجيء الآخر) بفتح الخاء المعجمة أي غير من قبله (بكف تمر) بفتح المثناة الفوقية، والإضافة فيه وفيما قبله بيانية من إضافة المميز إلى تمييزها كخاتم حديد إذ المراد بالكف هنا ملؤه كما قدرنا (ويجيء الآخر بكسرة) بكسر الكاف:
القطعة المكسورة من الشيء ومنه كسرة الخبز وجمعها كسر كسدرة وسدر كذا في «المصباح» (حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير) حتى فيه غاية لمقدر أي جمعوا حتى اجتمع (فدعا رسول الله ﷺ بالبركة) في الإتيان بالفاء إيماء إلى مزيد اهتمامه بشأن أمته وبما ينفعهم (ثم قال: خذوا في أوعيتكم) أي واجعلوه: أي المأخوذ في أوعيتكم فمتعلق الظرف محذوف.I والأوعية بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر العين المهملة جمع وعاء، وهو ما يوعى فيه الشيء أي يجمع (قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى) عاطفة على عموم الآنية (ما) تركوا (في العسكري) وهو الجيش. قال ابن الجواليقي: فارسي معرب كذا في «المصباح» (وعاء إلا ملؤه قال فأكلوا) أي بعد ملء الأواعي (حتى شبعوا وفضل فضلة) تقدم أنه يجوز فتح العين في الغابر وضمها في المضارع وكسرها في الماضي وفتحها في المضارع وهما كما قال المصنف لغتان مشهورتان وأما فضل كعلم يفضل كينصر فمن باب التداخل (فقال رسول الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فيه بيان كيفية إتيانه بشهادته لنفسه بالرسالة وجاء أنه أذّن فقال «وأشهد أن محمداً رسول الله» قال: وفيه أنه كان يجب عليه الإيمان برسالته ونبوته (لا يلقى الله بهما عبد) بعد موته (غير شاك) يجوز رفعه صفة لعبد، وهو الذي رأيته في أصل مصحح، ونصبه حالاً منه لتقدم النفي عليه، والمراد به إخراج المنافقين ممن قال ذلك بلسانه غير موقن بمضمونه بجنانه (فيحجب) بالنصب: أي فيمنع
стр. 830
(عن الجنة) بل لا بد من دخولها إما ابتداء مع الناجين، أو بعد إخراج من النار (رواه مسلم) في كتاب الإيمان.
٦٤١٧ - (وعن عتبان بن مالك) بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السالمي ﵁ قال المصنف: كابن الأثير في «أسد الغابة» (وهو ممن شهد بدراً) قال ابن الأثير: ولم يذكره ابن إسحاق في البدريين وذكره غيره، ولم يخرج له الشيخان غير هذا الحديث الواحد، مات في خلافة معاوية وكان قائماً بديات قومه إلى أن مات ﵁ (قال: كنت أصلي لقومي بني سالم) أي لأجلهم، والمراد أنه يؤمهم كما صرح به أبو داود الطيالسي إماماً بهم (وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار) أي يحول السيل الكائن فيه عند مجيء الأمطار (فيشق على اجتيازه) أي الجواز فيه والمرور به (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري) كذا ذكره جمهور أصحاب الزهري، وهو عند البخاري ومسلم في بعض طرقه وعند مسلم من طريق أخرى «أصابني في بصري بعض العمى» وعند الطبراني «لما ساء بصري» قال الحافظ: وهو ظاهر في أنه لم يعم إذ ذاك، لكن أخرج البخاري من طريق أخرى عن محمود بن الربيع أنه كان يؤم قومه وهو أمي وأنه قال: يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر، قلت: وعند مسلم في رواية أنه عمي وقد جمع المصنف في «شرح مسلم» بأنه أراد به بعض الشيء في تلك الرواية العمى، وهو ذهاب البصر جميعه. ويحتمل أنه أراد به ضعفه وذهاب معظمه، وسماه عمى في الرواية الأخرى لقربه منه ولمشاركته في فوات بعض ما كان حاصلاً في حال السلامة. قال الحافظ: ابن حجر: ويجمع بأن قوله إنه كان يؤمّ قومه وهو أعمى أراد أن عماه كان حين لقي محمود له وسمع فيه حديثه لا حين سأل عتبان النبيّ وقوله فيه له وأنا ضرير البصر كقوله أنكرت بصري. قال الحافظ: وجمع ابن خزيمة بأن قوله أنكرت بصري يطلق على
стр. 831
من في بصره سوء وإن أبصر بصراً ما وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئاً اهـ. والأولى أن يقال
أطلق عليه العمى لقربه منه ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده حال الصحة، وبهذا تألف الروايات، انتهى كلام الحافظ (وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل) إسناد السيل إلى الوادي إسناد مجازي من إسناد ما للحال إلى المحل (إذا جاءت الأمطار فيشق) بضم الشين المعجمة أي يصعب (على اجتيازه فوددت) بكسر الدال الأولى: أي تمنيت، وحكى الفراء فتح الدال في الماضي والواو في المصدر والمشهور في المصدر الضم، وحكي أيضاً الكسر فهو مثلث وتقدم التنبيه عليه في باب فضل برّ أصدقاء الأب (أنك تأتي فتصلي) هو بإسكان الياء ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمني (مكاناً) ظرف وقوله (اتخذه مصلى) صفة لمكان وعند البخاري فاتخذه، ويجوز فيه ما جاز في يصلي من الرفع والنصب (فقال رسول الله: سأفعل) في البخاري بزيادة إن شاءالله، قال الحافظ: هو للتعليق لا لمحض التبرك كذا قيل، ويجوز أن تكون للتبرك لاحتمال اطلاعه بالوحي على الجزم بوقوع ذلك. قلت: ويؤيده إدخال حرف التنفيس عليه وتقدم في «الكاشف» أنها في مثله للتأكيد، قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى:
﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ (النساء: ١٥٢) ما لفظه: وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر، لكن اعترضه في «التقريب» بأن سوف للتأخير، وأما جزم وقوعه فمن خارج وهو قرينه إخباره به سبحانه (فغدا على رسول الله) زاد الإسماعيلي بالغدو، وعند الطبراني في بعض طرقه أن السؤال وقع يوم الجمعة وأن الوصول إليه كان يوم السبت (وأبو بكر ﵁ لم يذكر جمهور الرواة عن الزهري غيره حتى إن في رواية الأوزاعي «فاستأذنا فأذنت لهما» لكن عند مسلم في طريق «فأتاني ومن شاء الله من أصحابه» وللطبراني في طريق آخر «فجاءني في نفر من أصحابه» وجاء في رواية «ومعه أبو بكر وعمر» ويحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده ابتداء ثم عند الدخول اجتمع عمر وغيره فدخلوا معه (بعد ما اشتد النهار) قال في «النهاية» أي علا وارتفعت شمسه (واستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن
стр. 832
أصلي من بيتك؟) هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وهو بين في المراد: أي إنه لم يجلس حتى صلى بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة حيث جلس وأكل، ثم صلى لأنه هناك دعي إلى الطعام فبدأ به وهنا إلى الصلاة فبدأ بها، ثم هو هكذا عند رواة البخاري، ووقع عند الكشميهني وحده في بدلها (فأشرت له إلى المكان الذي أحبّ) أي أريد (أن يصلي فيه فقام رسول الله) أي شرع في الصلاة (وكبر وصففنا) المفعول محذوف: أي أنفسنا، ويمكن أن لا حذف، والمراد فحصل منا التصاف (وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم) فيه صحة الجماعة في النافلة المطلقة وإن كانت لا تشرع فيها (فحبسته) عند البخاري فحبسناه: أي منعناه من الرجوع (على خزيرة) يأتي ضبطها ومعناه ففيه إكرام الضيف (تصنع له) في محل الصفة لما قبله (فسمع أهل الدار) أي المحلة لقوله: «خير دور الأنصار دار بني النجار: أي محلتهم» والمراد أهلها (أن رسول الله ﷺ في بيتي، فثاب رجال منهم) ثاب
بالمثلثة وبعد الألف موحدة: أي اجتمعوا بعد أن تفقوا. قال الخليل: المثابة مجتمع الناس بعد افتراقهم ومنه قيل للبيت مثابة، وفي المحكم يقال ثاب إذا رجع وثاب إذا أقبل. قلت: وكلا المعنيين هنا محتمل (حتى كثر الرجال في البيت فقال رجل منهم) قال الحافظ: لم يسم هذا المبتديء (ما فعل مالك لا أراه) أي ابن الدخيشن أو الدخشن بالدال والحاء والشين المعجمتين والنون، شك فيه الراوي عند البخاري هل هو مصغر أو مكبر، وعند أحد رواة البخاري بالميم بدل النون قال الطبراني عن أحمد بن صالح الصواب الدخشيم بالميم. قال الحافظ: وهي رواية أبي داود الطيالسي وكذا لمسلم في بعض طرقه (فقال رجل) قيل هو عتبان، واستدل قائله لتسمية المبهم به بما لا دليل فيه على دعواه (ذلك منافق لا يحب الله ورسوله) تقدم أن محبة العبد وللرسول المراد منها انقياده لأحكامهما والدخول بالرضا تحت طاعتهما (فقال رسول الله ﷺ لا تقل ذلك) أي إنه منافق (ألا تراه) أي ما تعلمه (قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى) فيه شهادة
стр. 833
منه بالإيمان له، قال ابن عبد البر: لم يختلف في شهود مالك بدراً وهو الذي أسر سهيل بن عمرو، ثم ساق الحديث بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبيّ قال لمن تكلم فيه «أليس قد شهد بدراً» قال الحافظ العسقلاني: وفي مغازي ابن إسحاق «أن النبي بعث مالكاً ومعن بن عدي فحرقا مسجد الضرار» فدل على أنه برىء من النفاق، أو كان قد أقلع عن ذلك، أو النفاق الذي اتهم به نفاق العمل لا نفاق الكفر، وإنما أنكر عليه الصحابة لتردده للمنافقين ولعل له عذراً في ذلك كما وقع لحاطب (فقال: الله ورسوله أعلم، أمّا) بتشديد الهمزة أداة متضمنة لمعنى الشرط (نحن فوا لا نرى) أي نعلم (وده لا حديثه إلا إلى المنافقين) الظاهر أنه متعلق بوده، وإلى فيه بمعنى اللام فإن الود تعدى بها ومفعول حديثه محذوف (فقال رسول الله: إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله
إلا الله محمد رسول الله) وقوله (يبتغي بذلك) أي القول (وجه ا) لإخراج من نافق بها لحقن دمه وحفظ ماله فلا يكون كذلك، والمراد من تحريمها على المؤمن الحقيقي تحريم خلوده فيها كما تقدم أو تحريم الدخول في طبقة الكفار الخاصة بهم لا الطبقة المعدة لعصاة المؤمنين، أو المراد تحريم دخولها بشرط حصول قبول العمل الصالح والتجاوز عن السيء والله أعلم (متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من «صحيحه» وهذا سياقه في بعضها، ورواه مسلم في كتاب الإيمان بنحوه (وعتبان بكسر العين المهملة) قال في «شرح مسلم» : وهذا هو الصحيح المشهور الذي لم يذكر الجمهور سواه. قال صاحب «المطالع» : وقد ضبطناه من طريق ابن سهل بالضم أيضاً اهـ. وكذا قال في «المغني» نقل عن الزركشي بكسر العين وقد تضم، ومقتضى قول الحافظ في «الفتح» بكسر العين ويجوز ضمها جوازهما معاً والله أعلم (وإسكان المثناة الفوقية بعدها باء موحدة) وبعد الألف نون (والخزيرة بالخاء المعجمة) المفتوحة (والزاي المكسورة) وحكى في المطالع أنها رويت في «الصحيحين» بحاءين وراءين مهملات (هي دقيق يطبخ بشحم) وقال ابن قتيبية: يصنع من لحم صغار ثم يصب عليه ماء
стр. 834
كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيه لحم فهو عصيدة، وكذا ذكره يعقوب وزاد من لحم بات ليلة، قال: وقيل حساء من دقيق فيه دسم، وحكى في «الجمهرة» نحوه. قال في النهاية: وزاد وقيل إذا كان من دقيق حريرة وإذا كان نخالة فخزيرة، وحكى الأزهري عن أبي الهيثم أن الحريرة من النخالة، وكذا حكاه البخاري في الأطعمة عن النضر بن إسماعيل، قال عياض: والمراد بالنخالة دقيق لم يغربل. قال الحافظ في «الفتح» : ويؤيد هذا التفسير قوله في رواية الأوزاعي عند مسلم «فحبسناه» على حشيشة بجيم ومعجمتين قال أهل اللغة: أن تطحن الحنطة قليلاً ثم يلقى فيها شحم أو غيره اهـ. (وثاب رجال بالثاء المثلثة) . وآخره باء موحدة (أي جاءوا واجتمعوا) تقدم بسطه.
٧٤١٨ - (وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم) بالبناء للمفعول (على رسول الله ﷺ بسبي) أحد الظرفين نائب الفاعل والآخر في محل الحال والسبى بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر سبى كرمي يرمى والمراد منه اسم المفعول أي المسبي (فإذا) فجائية (امرأة) مبتدأ وقوله (من السبى) في محل الصفة له والخبر جملة (تسعى) هذه رواية البخاري بالسين المهملة من السعي ورواية مسلم «تبتغى» بالموحدة والفوقية، من الابتغاء: وهو الطلب. قال القاضي عياض: ورواية مسلم وهم والصواب ما في رواية البخاري، قال المصنف كلاهما صواب لا وهم فيه فهي ساعية وطالبة ومبتغية لابنها (إذا) ظرفية مضمنة معنى الشرط: أي كل وقت (وجدت صبياً) الظاهر أن المراد به ما يشمل الأنثى أي رضيعاً (في السبى أخذته فألزقته ببطنها) رحمة له (فأرضعته) لذلك (فقال رسول الله: أترون) يحتمل أن تكون بفتح الفوقية: أي أتعتقدون، وأن يكون بضمها أي تظنون (هذه المرأة) مفعول أول على الأول وثان على الثاني، والمرأة نعت، واسم الإشارة بدل أو عطف بيان
стр. 835
عليه (طارحة) حال على الوجه الثاني و (ولدها) مفعول طارحة و (في النار) متعلق بطارحة (قلنا لا) أي لا نرى ذلك وأكد عدم اعتقاد ذلك بالقسم فقال (وا فقال) أي النبي (ا) وفي نسخة من البخاري وا» بإدخال لام القسم عليه وفي أخرى من غير قسم قبله فاللام حينئذٍ إما للتوكيد أو جواب قسم مقدر (أرحم بعباده من هذه بولدها. متفق عليه) أخرجه البخاري في الأدب ومسلم في التوبة.
٨٤١٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: لما خلق الله الخلق كتب في كتاب) أي من صحف الملائكة وإلا فأقضية الله قديمة أزلية (فهو) ضمير شأن والخبر جملة إن مع اسمها وخبرها (عنده فوق العرش) ظرفان في محل الحال حذف عاملهما: أي أعنيه حال كونه عنده، عندية شرف ومكانة فوق العرش (إن رحمتي تغلب غضبي. وفي رواية) أي لهما (سبقت غضبي) قال المصنف: قال العلماء: غضب الله ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادته الإثابة للمطيع، ومنفعة العبد تسمى رضاه ورحمته، وإرداته عقاب العاصي وخذلانه يسمى غضباً وإرادته سبحانه صفة له قديمة يريد به جميع المراد، قالوا: والمراد بالسبق والغلبة هذا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في الرقاق، ومسلم في التوبة.
٩٤٢٠ - (وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: جعل الله الرحمة مائة جزء) قال الدماميني في «تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح» : اعلم أنه يجوز عند المتكلمين في تأويل ما لا يسوغ نسبته إلى الله تعالى على حقيقته اللغوية وجهان: أحدهما،
стр. 836
الحمل على الإرادة فيكون من صفات الذات، والآخر الحمل على فعل الإكرام فيكون من صفات الفعل، كالرحمة فإنها في اللغة مشتقة من الرحم، وحاصلها رقة طبيعية وميل جبلي، وهذا مستحيل من الباري سبحانه، فمنهم من يحملها على إرادة الخير، ومنهم من يحملها على فعل الخير، ثم بعد ذلك يتعين أحد التأويلين في بعض السياقات لمانع يمنع من الآخر. مثالها ههنا فيتعين تأويلها بفعل الخير لتكون صفة فعل فتكون حادثة عند الأشعري، فيتسلط الخلق عليها ولا يصح تأويلها هنا بالإرادة لأنها من صفات الذات فتكون قديمة فيمتنع تعلق الخلق بها ويتعين تأويلها بالإرادة في قوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ (هود: ٤٣) لأنك لو حملتها على الفعل لكانت العصمة بعينها فيكون استثناء الشيء من نفسه، وكأنك قلت: لا عاصم إلا العاصم، فتكون الرحمة الإرادة به والعصمة على بابها لفعل المنع من المكروهات كأنه قيل: لا يمتنع من المحذور إلا من أراد الله له السلامة اهـ. هذا، وقد جاء في رواية مسلم «كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض» (فأمسك عنده تسعة وتسعين) جزءاً، في رواية «وأنه أخر عنده تسعة وتسعين رحمة» (وأنزل في الأرض جزءاً واحداً) وفي رواية «وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة» (فمن ذلك الجزء) من يحتمل أن تكون تعليلية، وأن تكون بمعنى الباء أو الابتداء أو التبعيض (يتراحم الخلائق) في رواية «فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها» (حتى ترفع الدابة حافرها) هو للفرس وللحمار بمنزل الظلف من البقر والخف من الجمل (عن ولدها خشية) مفعول له (أن تصيبه) وخص ذو الحافر بالذكر، قال ابن أبي جمرة:
لأنه أشد الحيوان المألوف الذي يرى المخاطبون حركته مع ولده، ولما في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل ومع ذلك تتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها (وفي رواية) أي لهما من حديث أبي هريرة كما يقتضيه قول المصنف بعد «متفق عليه» ولكن رأيته في باب التوبة من مسلم ولم أره في أبواب الأدب من البخاري (إن تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس) الظرف محتمل الحالية لوصف النكرة، والوصفية لنكارتها (والبهائم) جمع بهيمة قال البيضاوي: والبهيمة كل حي لا يميز، وقيل كل ذات أربع، قال القرطبي: سمي بهذا لأنه بهم عن أن يبين، قال الراغب: البهيمة ما لا نطق له من الحيوان ثم خص في التعارف بما عدا السباع والطير، ثم
стр. 837
استعملت في الأزواج الثمانية إذا كان فيها الإبل وسمي بذلك لإبهامه الأمر وكتمه (والهوام) بتشديد الميم جمع هامة هي الحشرات، وفي الفتح الهوام بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الأحناش (فبها) أي بتلك الرحمة (يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش) بفتح الواو، وهو ما لا يستأنس من دواب البر كذا في «المصباح» ، وهو اسم جنس فلذا أعاد الضمير عليه مؤنثاً فقال (على ولدها، وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) ففيه إيماء إلى مزيد الكرم وتقوية الرجاء في فضل المولى سبحانه (متفق عليه) أخرجه البخاري بالرواية الأولى في الأدب، ومسلم بروايته في التوبة.
(وفي رواية مسلم) في باب التوبة (أيضاً) انفرد بها البخاري وغيره (من رواية سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله: إن الله تعالى) دون غيره كما يؤذن به تقدم ما حقه التأخير وهو الخبر الظرف على الاسم وهو قوله (مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم) بمعنى المجرد والعدول إلى التفاعل للبالغة: أي يرحم (بها الخلق بينهم، وتسع) وفي نسخة مصححة من مسلم وتسعة بالتاء آخره (وتسعون ليوم القيامة) يحتمل أن تكون الواو عاطفة ويكون تسع مبتدأ خبره محذوف تقديره منها. دل عليه ذكره في الجملة قبلها، والظرف حال سوغه خصوص المبتدأ بتقديم خبره الظرفي عليه، ويحتمل أن يكون الظرف الخبر، والأول أنسب بمقام التفصيل (وفي رواية) هي لمسلم في باب التوبة أيضاً (إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة) أي مائة نوع من الإنعام والإفضال كما تقدم الإيماء عليه في كلام البدر (كل رحمة طباق) بكسر الطاء المهملة قال في «النهاية» : أي غشاء (ما بين السماء والأرض) أي ما يملأ ذلك لو كان جسماً من كبره وعظمه (فجعل منها في الأرض رحمة فيها) أي يسببها، ويحتمل أن تكون للتبعيض كهي في قوله تعالى: ﴿يشرب بها عباد ا﴾ (الإنسان: ٦) ويؤيده أنها تعود في الآخرة وتكمل بها المائة فما ظهر في الدنيا بعض ثمراتها والبعض إلى الآخرة أي
стр. 838
فببعضها (تعطف) بكسر الطاء (الوالدة على ولدها) قال في «المصباح» : عطفت الناقة على ولدها عطفاً من باب ضرب: حنت عليه ودرّ لبنها اهـ. (والوحش والطير) قال أبو عبيدة وقطرب والطير يقع على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد طير بل طائر وقل ما يقال للإنسان طائرة، وفي «المصباح» إنه جمع طائر مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار (بعضها) مبتدأ وقوله (على بعض) أي يعطف وحذف مع كونه كوناً لدلالة ما قبله عليه، ويجوز إعراب بعضها بدلاً مما قبله بدل بعض من كل (فإذا كان) أي وجد
(يوم القيامة) وأتى بإذا الشرطية لتحقق الأمر (أكملها) أي التسعة والتسعين المدخرة عنده (ابهذه الرحمة) قال المصنف هذه الأحاديث من أحاديث الرجاء والبشارة للمسلمين، قال العلماء، لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار، الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله به عليه، فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء. والله أعلم.
١٠٤٢١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة لا عن سلمان كما قد يتوهم من كونه أقرب (عن النبيّ فيما يحكي عن ربه ﵎ قال: إذا أذنب) أي أثم (عبد ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي) في الإتيان بالفاء إيذان بوجوب المبادرة إلى التوبة عقب المخالفة (فقال الله ﵎: أذنب عبدي) إضافة تشريف، هذا من كمال الكرم ومزيد الفضل أنه من فضله عليه بعفوه عنه أضافه إليه إضافة تشريف وتكريم (ذنباً فعلم أن له رباً) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض وهو كذلك في نسخة مصححة من مسلم، وفي أخرى منه بإثباتها وهو في صحيح
стр. 839
البخاري بلفظ «فقال ربه، أعلم عبدي أن له ربا؟» وعلى هذا المعنى يحمل ما حذف منه الفاء والهمزة، أي أعلم أن له رباً، والاستفهام ليس على حقيقته، ولا يجوز أن يكون مما حذف فيه العطف لأنه لا يحذف إلا الواو فقط عند أمن اللبس (يغفر الذنوب جميعاً) أي الكثيرة فما بالك بالذنب الواحد (ثم عاد) أي بعد التوبة منه إليه أو إلى ذنب آخر (فأذنب فقال أي) بفتح الهمزة المقصورة، وحكى الكسائي أنها قد تمد أيضاً كما قاله المرادي، قال: وحكى بعضهم أنها قد تمتد إذا بعدت المسافة فيكون المد لها دليلاً على البعد وسكون الياء حرف نداء، قيل للبعيد وعليه فأتى بها لكونه كالبعيد من حيث إنه لا يراه أحد سوى المصطفى من العباد في الدنيا بالعين الشحمية، وقيل إنها للقرب كالهمزة وعليه فالنداء بها لكونه أقرب إلى كل من حبل الوريد، ونادى ثانياً بأي لما يومىء إليه العود إلى الذنب من البعد وقلة الاهتمام بالديانة وعقب النداء بقوله (ربّ) بكسر الموحدة الدالة على الياء المضاف إليها المحذوفة ويحتمل أن يكون بفتحها دلالة على الألف المحذوفة المنقلبة إليها الياء تخفيفاً، ويحتمل أن يكون بضمها وهذه الوجوه الثلاث من جملة اللغات الست الجائزة في المضاف للياء من مثله، وكان النداء للفظ الربّ توسلاً إلى التكميل والتخليص من نقص المخالفة، فإن الربّ هو الذي
يربي الشيء ويبلغه إلى كماله (اغفر لي ذنبي، فقال الله ﵎: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب) أي إن شاء أل فيه للجنس فيساوى لكونه مفرداً محلى بأل الجنسية الذنوب في العموم والشمول (ويأخذ) أي يعاقب (بالذنب) وأتى به مظهراً تقبيحاً له وتنبيهاً على داعي الأخذ وهو المخالفة (ثم عاد فأذنب ذنباً فقال: أي ربّ اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي) أي لتوبته الصحيحة المشير إليها «قوله: اللهم اغفر لي» أو بمحض الفضل وإن لم يتب. والأول أقرب وسيأتي في كلام المصنف ما يقويه (فليفعل ما شاء) أي من الذنب المعقب بالتوبة الصحيحة، ففيه أن التوبة الصحيحة لا يضرّ فيها نقص بالذنب ثانياً بل مضت على صحتها ويتوب من المعصية الثانية وهكذا
стр. 840
(متفق عليه) والسياق لمسلم أخرجه في التوبة وأخرجه البخاري بنحوه في التوحيد (وقوله تعالى: فليفعل ما شاء أي ما دام يفعل هكذا) أي مدة دوامه يفعل ذلك، فما فيه مصدرية ظرفية وهو ظرف لقوله أغفر له وقوله هكذا فيه إجمال بينه بقوله (يذنب ويتوب) أي فلا يتوهم منه إباحة المخالفة واكتساب الآثام (أغفر له) وبين حكمة ذلك بقوله (فإن التوبة) الصحيحة الجامعة لشروطها ومعتبراتها (تهدم) بكسر الدال المهملة، أي تسقط (ما قبلها) أي من الذنب.
١١٤٢٢ - (وعنه قال؛ قال رسول الله: والذي نفسي بيده) أي بقدرته، والقسم أتى به لتأكيد المقام وتقويته عند السامع (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى) أي عقب الذنب فوراً (فيغفر لهم. رواه مسلم) .
١٢٤٢٣ - (وعن أبي أيوب الأنصاري) واسمه زيد بن خالد وتقدمت ترجمته ﵁ في باب برّ الوالدين وصلة الأرحام، قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم. رواه مسلم) وأحمد والترمذي كما في «الجامع الصغير» ، ورواه مسلم أيضاً بلفظ «لو أنكم لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم»
стр. 841
وبهذا اللفظ أورده الصغاني في المشارق ورمز بالقاف التي هي للمتفق عليه، وقد رواه أحمد عن ابن عباس بلفظ «لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون ليغفر لهم» قال ابن ملك: ليس هذا تحريضاً للناس على الذنوب بل كان صدوره لتسلية الصحابة وإزالة شدة الخوف عن صدورهم، لأن الخوف كان غالباً عليهم حتى فر بعضهم إلى رؤوس الجبال للعبادة، وبعضهم اعتزل النساء، وبعضهم النوم، وفي الحديث تنبيه على رجاء مغفرة الله تعالى وتحقق أن ما سبق في علمه كائن لأنه سبق في علمه تعالى أنه يغفر للعاصي فلو قدر عدم عاص لخلق الله من يعصيه فيغفر له.
١٣٤٢٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كنا قعوداً) بضم أوله جمع قاعد مع رسول الله، معنا» بفتح العين مع مع، فيها على الظرفية هذه هي اللغة المشهورة ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب «المحكم» و «الجوهري» وغيرهما، وهي المصاحبة قال صاحب «المحكم» مع اسم معناه الصحبة (أبو بكر وعمر في نفر) بفتح أوليه جمع الرجال من الثلاثة إلى التسعة، وقيل إلى السبعة (فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا) أي من بيننا بإقحام المضاف وزيد لظهور كونه بينهم (فأبطأ علينا) أي تأخذ مجيئه عنا كما في «المصباح» (وخشينا أن يقتطع) بالبناء للمفعول، أي يؤخذ (دوننا) ولعل ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وا يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧) أو بعده وخافوا أن يصيبه من الضرر ما دون القتل (ففزعنا) بكسر الزاي، الفزع يأتي بمعنى الروع ويأتي بمعنى الهبوب للشيء والاهتمام به وبمعنى الإغاثة. قال القاضي عياض: فتصح هذه المعاني الثلاثة: أي ذعرنا باحتباسه عنا، ألا تراه كيف قال: وخشينا أن يقتطع دوننا، ويدل على الوجهين الأخيرين قوله: أي خفنا أي حصل لنا خوف، وحذف المعمول لأن القصد حصول الفعل دون تعلقه بمعمول (فقمنا فكنت أول من فزع) : أي خاف (فخرجت أبتغي) أطلب (رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار) حتى فيه للغاية لمقدر تقديره فسرت. والحائط البستان وجمعه حوائط. قال المصنف: سمي حائطاً لأنه لا سقف له (وذكر الحديث بطوله) أي مما لا يتعلق غرض
стр. 842
الترجمة به فلذلك حذفه، ويؤخذ منه كما تقدم التنبيه عليه جواز تقطيع الحديث إذا كان لا تعلق للمأتي به بالمحذوف بأن لا يكون غاية ولا استثناء ولا نحو ذلك (إلى قوله فقال رسول الله) مخاطباً لأبي هريرة (اذهب فمن لقيته) بكسر القاف (وراء هذا الحائط) أي البستان (يشهد أن لا إله إلا ا) أي مع قرينتها التي لا يعتد بها إلا معها، وهي: محمد رسول الله كما تقدم نظيره (مستيقناً بها قلبه) أي موقناً
بها قلبه والسين فيها للمبالغة لأن كثرة المبنى تدل على زيادة المعنى غالباً، وخرج بها المنافق (فبشره بالجنة) إما ابتداء إن مات عقب الإسلام قبل التلبس بكبيرة أو بعد الإسلام بمدة ولم يفعل معصية أو فعلها وكانت صغائر وله حسنات لم تغلب عليها المعاصي أو كانت كبائر فتاب منها، أو بعد إدخال النار مدة إن مات على صغائر زائدة على حسناته أو على كبيرة ولم يتب منها، ويجوز أن يتفضل الله عليه فيدخله الجنة ابتداء، قال تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ٤٨) وحذف المصنف ما أشار به عمر من ترك هذا التبشير مخافة مما يترتب عليه من ترك صالح العمل المقتضي لفوات المراتب العلية في الجنة فوافقه على ذلك لعدم تعلق غرض الترجمة به (رواه مسلم) .
١٤٤٢٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبيّ تلا) أي قرأ (قول الله تعالى في قصة إبراهيم،) ﴿رب﴾ أي يا رب بكسر الموحدة وحذف حرف النداء لمزيد الشهرة المستغني به عن النداء الكائن للبعيد عادة ( ﴿إنهن﴾ ) يعني الأصنام ( ﴿أضللن﴾ ) أي أوقعن في الضلال ( ﴿كثيراً من الناس﴾ ) وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية كقوله: ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ (الأنعام: ٧٠) ( ﴿فمن تبعني﴾ ) على ديني ( ﴿فإنه مني﴾ ) أي بعضي لا ينفك عني في أمر الدين ( ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ ) تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة، قال البيضاوي: وفيه دليل على أن كل ذنب فللَّه أن يغفر حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه
стр. 843
وبين غيره اهـ. وهذا مذهب الأشعري، وذهب الماتريدي إلى استحالة ذلك عقلاً وعدم إمكانه أصلاً، قال: لأن ذنبه لقبحه منع من جواز العفو (وقال) مصدر معطوف على قول الله تعالى، قال القاضي عياض: قال هو اسم للقول لا فعل، يقال قال قولاً وقالاً وقيلاً كأنه قال وتلا (عيسى: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ ) أحقاء بالتعذيب لأنك المالك المتصرف ( ﴿وإن تغفر لهم﴾ ) أي للمؤمنين منهم ( ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ ) تلخيصه إن تعذب فعدل وإن تغفر ففضل (فرفع) (يديه وقال: اللهم أمتي أمتي) أي ارحمهم أو الحظهم أو نحو ذلك فهو مفعول به بعامل محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأ: أي أمتي عبادك فنعمتك فيهم فضل وعقابك عدل (وبكى) خضوعاً وتذللاً له (فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد) وقوله (وربك أعلم) جملة معترضة أتى بها لدفع توهم أن الاستفهام منه تعالى على حقيقته، وهو استكشاف ما يجهله المستفهم، بل علمه تعالى محيط بجميع المعلومات قبل وجودها فيه وفيه وبعد انقضائها وقوله (فسله ما يبكيك) معطوف على جملة اذهب، وهو هكذا في الأصول سله بحذف همزة الوصل والهمزة عين الفعل والأصل اسأله فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها والمزة
المنقول حركتها لالتقاء الساكنين والاستفهام معلق للسؤال عن الجملة بعده (فأتاه جبريل) إظهاراً لشرف المصطفى وأنه بالمحل الأعلى عند مولاه فيسترضى ويكرم بما يرضيه (فأخبره رسول الله ﷺ بما قال) أي من قوله: أمتي أمتي (وهو) أي الله (أعلم) أي بما قال نبيه (فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك) هو موافق لقوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (الضحى: ٥) (ولا نسوءك) قال صاحب التحرير: هو تأكيد للمعنى: أي لا نخزيك لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار، فقال تعالى: نرضيك ولا ندخل عليك خزياً بل ننجى الجميع (رواه مسلم) قال المصنف: في الحديث أنواع من
стр. 844
الفوائد: منها بيان كمال شفقته على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها الله شرفاً بقوله: سنرضيك في أمتك، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة، ومنها بيان عظمة النبي.
١٥٤٢٦ - (وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف) بكسر الراء وسكون الدال المهملة، هذه الرواية المشهورة وهي التي ضبطها معظم الرواة، وحكى القاضي عياض أن أبا علي الطبري الفقيه الشافعي أحد رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء وكسر الدار، قال: والرديف: هو الراكب خلف الراكب، يقال منه ردفته أردفه بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع: إذا ركبت خلفه، قال القاضي عياض: ولا وجه لرواية الطبري إلا أن يكون فعل هذا اسم فاعل مثل عجل إن صحت رواية الطبري اهـ. (النبي على حمار) جاء في رواية أخرى لمسلم «على حمار يقال له عفير» بضم المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية: قال المصنف: وهو يقتضي أن يكون في مرة غير المرة المتقدمة في الحديث السابق فإن الرجل يخص البعير، قال: ويحتمل أن يكونا قصة واحدة. قلت وتجوز بالرحل عما يرحل عليه على مطلق الدابة والله أعلم (فقال يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على ا) قال صاحب «التحرير» : اعلم أن الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، وا سبحانه هو الحق الموجود الأزلي الباقي الأبدي، والموت والجنة والنار حق: أي إنها واقعة لا محالة، فحق الله على العباد ما يستحقه عليهم وحقهم عليه معناه محقق لا محالة اهـ. ملخصاً. وقال غيره: قول الرجل: حقك واجب عليّ: أي متأكد قيامي به قاله المصنف (قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد) أي واجبه الثابت عليهم (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) من المعبودات (وحق العباد) بالنصب عطفاً على ما قبله ويجوز الرفع على الابتداء والواو عاطفة للجملة أو مستأنفة (على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) أي وإدخال بعض عصاة المؤمنين النار ليس من العذاب، لأن العذاب فيما قال بعضهم الألم مع الإهانة والإذلال، وا تعالى إذا أدخل المؤمن النار فهو لتطهيره حتى يتأهل لمنازل الأخيار (فقلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس) أي أسكت عن نشر ذلك فلا أبشر
стр. 845
الناس (قال: لا تبشرهم فيتكلوا) رجح مصلحة ترك التبليغ لما فيه من الحثّ على الإكثار من صالح العمل على التبليغ لما قد يؤدي إليه من التعطيل (متفق عليه) رواه البخاري في التوحيد ومسلم في الإيمان.
١٦٤٢٧ - (وعن البراء بن عازب ﵄ أن النبيّ قال: المسلم) الحقيقي (إذا سئل في القبر) على وجه الامتحان وحذف السائل للعلم به، وهما الملكان المولان بذلك منكر ونكير والمسؤول عنه للعلم به: أي سئل عن ربه ونبيه (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولالله، فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ ) أي الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار ورواه النسائي في الجنائز.
١٧٤٢٨ - (وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إن الكافر) بأي نوع من أنواع الكفر (إذا عمل حسنة) أي طاعة لا تتوقف على نية كإعتاق وتصدق وإطعام محتاج، أما المتوقفة عليه كالصيام والصلاة فلا تصح منه لفقد شرط النية المتوقفة عليه من الإسلام، وإنما حكم بصحة غسل الكتابية من نحو الحيض فحلت لحليلها للضرورة ولذا تجب إعادته إذا أسلمت (أطعم) بالبناء للمجهول (بها طعمة) بضم الطاء وسكون العين المهملتين، وهو
следующие страницы →