Полный текст (2 250 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
والماء) قال الصغاني: أطلق الأسودان على التمر والماء والسواد للتمر دون الماء، فنعتا بنعت واحد تغليباً، وإذا اقترن الشيئان سميا باسم أشهرهما. وعن أبي زيد: الماء يسمى الأسود أيضاً، واستشهد له بشعر نظر فيه الحافظ في «الفتح» . قال: ووصف التمر بالأسود لأنه غالب تمر المدينة. وزعم صاحب المحكم وتبعه بعض المتأخرين من شراح البخاري أن تفسير الأسودين بالتمر والماء مدرج، وإنما أرادت الحرة والليل، واستدل له بما رده عليه الحافظ في أوائل كتاب الهبة من «فتح الباري» ، وقد يقع للخفة والشرف كالعمرين لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر (إلا أنه كان للنبيّ جيران من الأنصار) زاد أبو هريرة في حديثه «جزاهم الله خيراً» والاستثناء منقطع، والجملة المستثناة في محل نصب على الاستثناء كما نبه عليه في «مغنى اللبيب» وزادها على حصر الجمل المعربة المحل في سبع. والجيران: جمع جار وهو المجاور في السكن، وللجار معان أخر. حكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الجار الذي يجاورك بيتاً ببيت، والجار الشريك في العقار مقاسماً كان أو غير مقاسم، والجار الخفير الذي يجير غيره: أي يؤمنه مما يخاف، والجار المستجير أيضاً وهو الذي يطلب الأمان، والجار الحليف، والجار الناصر، والجار الزوج، والجار أيضاً الزوجة ويقال فيها أيضاً جارة، والجارة الضرة قيل لها جارة استكراهاً للفظ الضرة اهـ. من «المصباح» . والأنصار: اسم إسلامي علم بالغلبة على أولاد الأوس والخزرج كما تقدم (وكانت لهم منايح) جمع منيحة بنون وحاء مهملة اسم من المنحة بكسر الميم وهي الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلاً يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع لبنها كذا في «المصباح» ، والجملة معطوفة على خبر إن، ويصح أن تكون في محل الحال بإضمار قد (فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها) يحتمل كون «من» للتبعيض ويحتمل كونها......
للتبيين لمقدر شيئاً هو ألبانها، والثاني أنسب لكونها منيحة كما علم من معناها لغة (فيسقينا) يجوز ضم التحتية وفتحها مزيد ومجرد من السقي قال ابن أقبرس في «شرح الشفاء» : إن قلت: كتم هذا الخبر مما يدل عليه صحيح الأثر لما فيه من إيهام الشكوى وإفشاء ما يستحب ستره من العبادات قلت: هو من مثلها على طريق الإرشاد إذ لا يليق كتم أفعال المشرع لأنه
стр. 947
علم الهدى وإمام الاقتداء اهـ. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في آخر الكتاب.......
٣٤٩٢ - (وعن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) قال السيوطي في «لبّ اللباب» في الأنساب بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة، وكأنه اقتصر عليه لكونه أفصح، وإلا فقد ذكر غير واحد منهم المصنف في «شرح مسلم» والشيخ محمد طاهر في «المغنى» جواز الفتح للموحدة والكسر نسبة إلى مواضع القبور. قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» : يكنى أبا سعيد مدني ثقة من كبار التابعين، تغير قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة روى عنه الستة (عن أبي هريرة ﵁ أي عن قصته (أنه مرّ بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل) ورأى أنه من الترفهات وشأن المحب أن يتبع آثار محبوبه ويأتم بها فلذا امتنع (وقال) موضحاً لسبب إيائه (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا) أي توفي (ولم يشبع من خبز الشعير) لا ينافى ما سيأتي في حديث أبي الهيثم، فلما أن شبعوا لأن الشبع ثم لم يكن من خبز الشعير بل كان من التمر واللحم، أو لأن المنفي الشبع التام الذي لا يبقى معه مساغ لتناول غيره كما هو شأن الشره المهتم ببطنه، والمثبت أصل الشبع أو المنفى الشبع لحظ نفسه، والمثبت أنه يشبع لحظ غيره كأن ينزل به ضيف فيشبع لأكله مؤانسة له أو ينزل ضيفاً بغيره فيشبع ليقرّ عين ربّ المنزل بذلك ويكرمه به لا لحاجته إلى الطعام (رواه البخاري) في الأطعمة من «صحيحه» (مصلية بفتح الميم) اسم مفعول من صليت اللحم أصلية: أي شويته (أي مشوية) .......
٤٤٩٣ - (وعن أنس) بن مالك ﵁ قال: لم يأكل رسول الله ﷺ على خوان) بكسر الخاء المعجمة ويجوز ضمها وهي المائدة ما لم يكن عليها طعام، وهو معرب يعتاد بعض المتكبرين والمترفهين الأكل عليه احترازاً من خفض رؤوسهم فهي بدعة لكنها جائزة
стр. 948
(حتى مات وما أكل خبراً مرققاً) أي محسناً مليناً كخبز الحوّاري وشبهه، والترقيق التليين، وقد يراد بالمرقق الموسع، قاله القاضي عياض، وجزم به ابن الأثير فقال: وهو السميد وما يصنع به من كعك ونحوه، كذا في «أشرف الوسائل» والذي في «النهاية» المرقق هو الأرغفة الواسعة الرقيقة، يقال رقيق ورقاق كطويل وطوال اهـ. وقال ابن الجوزي: هو الخفيف كأنه أخذه من الرقاق وهي الخشبة التي يرقق بها وهو قريب من كلام «النهاية» : وظاهر قوله (حتى مات) أنه لم يأكل ذلك قبل البعثة ولا بعدها سواء خبز له أو لغيره، ويؤيده رواية البخاري عن أنس الآتية بعده (رواه البخاري) في الأطعمة ورواه مسلم أيضاً كما في «الأطراف» .
(وفي رواية له) أي البخاري في الرقاق من «صحيحه» عن أنس قال: «فما أعلم النبي رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق با» (ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط) السميط: هو ما أزيل شعره بماء سخن وشوي بجلده، وإنما يفعل ذلك بصغير السن وهو من فعل المترفهين. قال ابن الأثير: ولعله يعني أنه لم ير السميط في مأكوله، إذ لو كان غير معهود لم يكن في ذلك تمدح وقط بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة، ظرف لما مضى من الزمان: أي لم يره في شيء من أزمنته.......
٥٤٩٤ - (وعن النعمان) بضم النون وسكون المهملة (ابن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وسكون التحتية بعدها راء تقدمت ترجمته وهو صحابي ابن صحابي ﵄ قال: لقد) هذه اللام مثلها في قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم﴾ (البقرة: ٦٥) قال أبو حيان: ي لام الابتداء مفيدة لمعنى التوكيد، ويجوز أن يكون قبلها قسم مقدر وألا يكون. وقال ابن الحاجب في «الأمالي» : لام الابتداء يجب أن يكون معها المبتدأ، وقال الزمخشري في ﴿ولسوف يعطيك ربك﴾ (الضحى: ٥) لام الابتداء لا تدخل إلا على مبتدأ وخبر، وقال في ﴿لا أقسم﴾
стр. 949
لام ابتداء دخلت على مبتدأ محذوف ولم يقدرها لام قسم لأنها عنده ملازمة للنون، وكذا زعم في ولسوف أن التقدير ولأنت سوف. وقال ابن الحاجب: هي لام التأكيد اهـ. (رأيت نبيكم) الظاهر أن الرؤية فيه بصرية وجملة (وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه) في محل الحال، وقيل إنها علمية والجملة مفعول ثان دخلتها الواو إلحاقاً لها بخبر كان على رأي الأخفش، وإضافة النبيّ إلى المخاطبين ليحثهم على الاقتداء به والإعراض عن الدنيا ما أمكن، فلذا لم يقل نبييّ ونبيكم، وقتل خالد مالك بن نويرة لما قال له كان صاحبكم يقول كذا فقال صاحبنا ولي بصاحبك فقتله ليس لمجرد هذه اللفظة بل لما بلغه من ارتداده وتأكد عنده ذلك بما أباح له به الإقدام على قتله (رواه مسلم) في آخر «صحيحه» ، ورواه الترمذي في الزهد من «جامعه» وقال صحيح وفي الشمائل، ورواه أبو عوانة وغيره وهو طرف حديث أوله «ألستم في طعام وشراب ما شئتم لقد رأيت» الخ (الدقل) بفتح الدال المهملة والقاف (تمر رديء) وفي «النهاية» هو رديء التمر ويابسه، وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثوراً اهـ. وفي «المصباح» الدقل أردأ التمر وقد تقدم الحديث مع الكلام عليه في الباب قبله.......
٦٤٩٥ - (وعن سهل بن سعد) الساعدي ﵁ قال: ما رأى رسول الله ﷺ النقي) أي الخالص من النخالة ونفى رؤيته مبالغة في نفي أكله (من حين ابتعثه ا) أي نبأه وبعثه، والتاء فيه للمبالغة في تحمل أعباء الرسالة لثقلها (حتى قبضه ا) أي توفاه سبحانه ونقله إلى دار كرامته (فقيل له هل كان لكم في عهد) أي زمن (رسول الله ﷺ مناخل) جمع منخل بضم أوله وثالثه المعجم وسكون النون بينهما، وهو أحد ما خرج عن قياس بناء اسم الآلة لأن قياسه الكسر وجمعه باعتبار جمع المخاطبين (قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين) بالفتح على الأفصح لإضافته جملة (ابتعثه الله تعالى) وهي مبنية الصدر وقال بعض المحققين: أظنه احترز بهذا عما قبل البعثة لكونه سافر تلك المدة إلى الشام تاجراً، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم،
стр. 950
والخبز النقي عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه لا ريب أنها كانت عندهم (حتى قبضه) بفتح الموحدة أي توفاه (اإليه فقيل له) لم أقف على تعيين القائل (كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول) بالنصب على الحال ووجه التعجب من ذلك كثرة نخالته فربما نشب في الحلق (قال: كنا نطحنه وننفخه) أي المطحون الدال عليه نطحنه (فيطير ما طار) من نخالته (وما بقي) بكسر القاف: أي فضل من النخالة في الدقيق بعد نفخه (ثريناه. رواه البخاري) في الأطعمة والرقاق من «صحيحه» والنسائي (قوله النقي هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء) ولم يحتج إلى تقييد بالتحتية المأتي به للاحتراز عن الفوقية لأن الصورة الخطية هنا دالة على التعيين (وهو الخبز الحوّاري) بضم المهملة وتشديد الواو وبالراء ثم ألف من الحور: البياض فهو الخبز الأبيض كما قال (وهو الدرمك) بفتح الدال وسكون المهملة. قال في «الصحاح» : هو دقيق الحواري اهـ. وبه يعلم أن في كلام المصنف مضافاً مقدراً: أي خبز الدرمك (قوله ثريناه هو بثاء مثلثة ثم......
راء مشددة) مفتوحتين (ثم ياء مثناة من تحت) ساكنة (ثم نون) الأوضح ثم بالنون لأن ما ذكره يوهم أنها نون النسوة (أي بللناه) بفتح أوليه الموحدة فاللام المخففة كما في «المصباح» ، قاله بللته بالماء بلا فابتل ويجمع البل على بلال مثل سهم وسهام والاسم البلل بفتحتين، وقيل البلال ما يبل به الحلق من ماء ولبن، وبه سمى الرجل اهـ. (وعجناه) أي فيلين ما يبقى من نخالته فلا ينشب في الحلق.
٧٤٩٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم) أي في الحقيقة التي هي اليوم وأتى بذات دفعاً لتوهم أن المراد به مطلق الزمان (أو) شك من الراوي (ليلة) بالإضافة والمضاف لفظ ذات (فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄ أي
стр. 951
ففاجأ خروجه رؤيتهما، وهو مبتدأ والظرف بعده خبر (فقال، ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟) أي التي لم تجر العادة بالخروج فيها لأنها ليست وقت صلاة ولا ما يجتمع له من كسوف أو نحوه من الحوادث (قالا: الجوع) يجوز أن يعرب مبتدأ خبره جملة محذوفة دل عليها السؤال: أي أخرجنا ويجوز إعرابه فاعلاً لأخرجنا مقدراً وأيهما أولى يبني على الخلاف في أي المرفوعات أصل المبتدأ أو الفاعل أو هما في مرتبة واحدة فعل الأول يعرب مبتدأ وعلى الثاني فاعلاً وعلى الثالث يخير (قال) (وأنا) الواو فيه للاستئناف ثم في رواية صاحب «الشمائل» وغيره الغابة «قال أبو بكر: خرجت للقاء رسول الله ﷺ والنظر في وجهه والسلام عليه فلم يلبث أن جاء عمر فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسولالله، قال رسول الله: قد وجدت بعض ذلك» فيحتمل أن الصديق كان قال كلا من المقاتلين وإنما اكتفى بلقي المصطفى والنظر إليه والسلام عليه لأن بذلك يحصل كمال القوى فيذهل عن ألم الجوع كما قال في وصاله في صومه «إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني» على أحد الأقوال فيه (والذي نفسي بيده) أي بقدرته فيه ندب......
القسم لتأكيد الأمر عند السامع والحلف من غير استحلاف (لأخرجني الذي أخرجكما) وعند الترمذي في «شمائله» «وأنا وجدت بعض ذلك» أي الجوع. قال في «أشرف الوسائل» : فيحتمل أنه جمع بين المقالتين وفي عقد التقي الفاسي عن جده قال: سمعت الإمام محمداً المرجاني يقول قوله الذي أخرجكما لفظ مبهم ظاهره الجوع، والمراد والله أعلم هوالله، إذ هو الذي أخرجه حقيقة فعبر بلفظ الذي الصادق على السبب وعلى المسبب ليشاركهم في ظاهر الحال دفعاً للوحشة الواقعة في ذكر الجوع. قلت: وهذا من معالي الأخلاق وكريم الشيم وهو من معنى قوله تعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ (الشعراء: ٢١٥) اهـ. كلامه. قلت: وهذا يسميه البديعيون بالتوجيه، ومنه قول إمامنا الشافعي ﵁ في خياط أعور:
خاط لي عمرو قباء
ليت عينيه سواء......
فإنه محتمل للدعاء له والدعاء عليه (قوموا فقاموا) أي على الفور كما تؤذن الفاء
стр. 952
وانصرفوا (معه فأتى رجلاً من الأنصار) يأتي تعيينه في الأصل بما فيه (فإذا هو ليس في بيته) أي ففاجأ مجيئهم فقدانه من البيت، وهو مبتدأ والجملة بعده في محل الخبر (فلما رأته) أي أبصرته (المرأة) فيؤخذ منه جواز نظر الأجانب إليه كما يجوز نظره للأجانب منهن وأنه معهم كالمحارم في جواز الخلوة والنظر، ويحتمل أن تكون الرؤية علمية والمفعول الثاني محذوف لدلالة المقام عليه: أي مقبلاً، والمرأة بوزن التمرة ويجوز نقل حركة هذه الهمزة إلى الراء فتحذف وتبقى مرة بوزن سنة، ويقال فيها امرأة كما يقال مرأة وربما قيل امرأ بغير هاء اعتماداً على قرينة تدل على المسمى. قال الكسائي: سمعت امرأة من فصحاء العرب تقول أنا امرأ أريد الخير وجمع امرأة نساء ونسوة من غير لفظها كذا في «المصباح» ولم أقف على اسمها (قالت مرحباً) أي وجدت منزلاً رحباً: أي واسعاً فانزل (وأهلا) أي وصادفت أهلاً فأنس كذا في هذه الرواية، وفي رواية أنهم كرروا السلام ولم يجبهم حتى هم بالانصراف، ثم أجابت واعتذرت بأنها أرادت كثرة دعائه وتكريره لها ولصاحب منزلها فلعلها قالت ما ذكر قولاً نفسياً ثم أخبرت عنه والله أعلم (فقال لها رسول الله: أين فلان؟) قال المصنف في «التهذيب» : قال ابن السراج: كناية عن اسم يسمى به المحدث عنه خاص غالب اهـ. وتقدم هذا المعنى بزيادة في باب الصبر وزاد «تفسيري البيضاوي والكشاف» قولهما كما أن هذا كناية عن الأجناس (قالت: ذهب يستعذب لنا الماء) يؤخذ منه أن استعذاب الماء لا ينافي شأن الصحابة من الإعراض عن زهرات الدنيا ومستلذاتها (إذ جاء الأنصاري) يحتمل أن تكون للمفاجأة بناء على مجيئها لذلك كما قال به جمع وإن نوزعوا فيه بما بينته أول رسالتي «إنباه النائم من سنة نومه» ببعض فوائد قوله تعالى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ (البقرة: ٦٠) (فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه......
وسلم وصاحبيه) أي وقع النظر إليهم عقب مجيئه وهذا يحتمل أن يكون اتفاقاً، ويحتمل أن يكون لما حل عليه من الإشراق والتجلي الرباني ولم يدر سببه من نفسه، فنظر ليرى سببه من الخارج فرأى مشكاة أنوار المصطفى المختار ومعه صاحباه رضوان الله عليهما (ثم قال) أي بعد أن رحب وأظهر كمال الفرح الكامن فيه الكائن عنده بحلول المصطفى في منزله وأتى بما يدل على ذلك (الحمد) أي هذه نعمة يجب شكر المنعم بها شرعاً ليدوم نفعها، وقوله (ما أحد اليوم
стр. 953
أكرم أضيافاً مني) جملة مستأنفة ليبين الحامل له على الحمد والداعي إليه، وفيه دليل كمال فضيلته وبلاغته وعظم معرفته لأنه أتى بكلام بديع مختصر في هذا الموطن، وما حجازية وأكرم خبره واليوم ظرف للنفي المدلول عليه بما: أي انتفى وجدان أحد اليوم أكرم، من الكرم وهو الجود والخيار ومنه حديث «إياك وكرائم أموالهم» وأضيافاً منصوب على التمييز ومني متعلق بأكرم (فانطلق) أي من محل رؤيته من حائطه عقب قول ما ذكر (فجاءهم بعذف) وجاء عند الترمذي بدله «بفنو» وهو بكسر القاف وسكون النون: العذق الغصن من النخل (فيه بسر) هو المتلون من ثمر النخل.......
قال المصنف في «التهذيب» : قال الجوهري: البسر أوله طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر، الواحدة بسرة والجمع بسرات وبسر وأبسر النخل صار ما عليه بسراً اهـ (وتمر) بفتح الفوقية وسكون الميم. قال في «المصباح» هو تمر النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة لأنه يترك على النخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس، الواحدة تمرة والجمع تمور وتمران بالضم والتمر يذكر ويؤنث في لغة فيقال: هو التمر وهي التمر اهـ (ورطب) بضم ففتح قال في «المصباح» : الرطب تمر النخل إذا أدرج ونضج قبل أن يجف والجمع رطاب مثل كلبة وكلاب (فقال: كلوا) زاد الترمذي في «الشمائل» : فقال النبيّ: «أفلا تنقيت» ؟ فقال: يا رسول الله: إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره فأكلوا وشربوا، (وأخذ المدية) بسكون الدال المهملة (فقال له رسول الله: «إياك والحلوب» أصله احذر تلاقي نفسك والحلوب العامل وجوباً وفاعله، ثم المضاف الأول وأنيب عنه الثاني فانتصب، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث، فانتصب وانفصل لتعذر اتصاله، قاله ابن هشام في «التوضيح» في نحوه وإنما نهى عن ذبحها شفقة على أهله بانتفاعهم بلبنها مع حصول المقصود بغيرها فهو نهي إرشاد لا كراهة في مخالفته لزيادة أكرام الضيف وإن أسقط حقه (فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق) أتى بمن التعيضية إشعاراً بالإعراض عن الدنيا مع تمام الداعية ومزيد الحاجة (وشربوا) أي من الماء العذب (فلما أن شبعوا ورووا) بضم الواو التي هي عين الفعل والأصل رويوا بوزن علموا (قال رسول الله ﷺ لأبي بكر
стр. 954
وعمر ﵄: «والذي نفسي بيده» ) أي قبض روحي بقدرته (لتسألن) بضم اللام والفعل مبني للمجهول ونائب الفاعل واو الجماعة فحذف لالتقاء الساكنين (عن هذا النعيم يوم القيامة) ثم قال مبيناً وجه السؤال المذكور على وجه الاستئناف البياني (أخرجكم من بيوتكم) بضم الموحدة وتكسر......
اتباعاً لحركة الياء (الجوع) ونسبة الإخراج إليه مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب، وإلا فالمخرج لهم من منازلهم هو الله تعالى (ثم لم ترجعوا) بالبناء للفاعل ويجوز بناؤه للمجهول إن لم تصد عنه رواية (حتى أصابكم هذا النعيم) وهو الطعام والشراب (رواه مسلم) في أواخر «صحيحه» ، ورواه الترمذي في «جامعه» و «شمائله» ، وقال في «جامعه» في باب الاستئذان: رواه غير واحد عن شيبان، وشيبان صاحب كتاب وهو صحيح الحديث، وقال في الزهد منه وقد رواه من طريق شيبان أيضاً: حسن غريب، ورواه فيه من طريق أخرى ثم، وشيبان ثقة عندهم صاحب كتاب وهو صحيح الحديث، ورواه النسائي في الوليمة وابن ماجه في الأدب. ٥......
(وقولها: يستعذب) ، أي يطلب الماء العذب فالسين فيه للطلب، وهو أحد معاني استفعل كما ذكرته في رسالتي «إنباه النائم في سنة نومه» وفي «الصحاح» استعذب لنا الماء استقى لنا ماء عذباً واستعذب الماء سقاه عذباً اهـ. وبه يعلم أن الفرق بينه مع لنا ودونها، وإنما ذهب لطلب الماء العذب لأن أكثر مياه المدينة حينئذ كانت مالحة (وهو) أي الماء العذب (الطيب) أي ما يستطاب من الماء وليس المراد منه معنى العذب لغة، وهو ما يسوغ شربه ولو مع بعض الكزازة لأن ذلك ثابت لجميع مياه المدينة (والعذق بكسر العين) المهملة (وإسكان الذال المعجمة وهو الكباسة) قال في «المصباح» : هي بالكسر عنقود النخل والجمع كبائس وهو معنى قوله: (وهي) أي الكباسة (الغصن) أي من أغصان النخل لا مطلقاً كما هو ظاهر واكتفى عن تقييد ذلك بدلالة السياق (والمدية بضم الميم) بوزن غرفة وجمعها غرف، ومقتضى كلام «المصباح» وبنو قشير تقول مدية بكسر الميم والجمع مدى كسدرة وسدر (هي السكين) بكسر المهملة وتشديد الكاف ونون أصلية قيل: بوزن فعيل، وقيل: زائدة فيكون وزنه فعلين مثل غسلين: الشفرة سمي بذلك لأنه يسكن حركة المذبوح، وحكى ابن الأنباري فيه التذكير والتأنيث. قال السجستاني: إن أبا زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهما ممن أدركه أنكروا
стр. 955
التأنيث وقالوا: هو مذكر، وربما أنث في الشعر على معنى الشفرة وأنشد الفراء:
بِسِكِّين مُوَثَّقَةِ النِّصابِ......
ولذا قال الزجاج: السكين مذكر وربما أنث بالهاء لكنه شاذ غير مختار (والحلوب) بفتح الحاء المهملة وضم اللام (ذات اللبن) قال في «المصباح» : فإن جعلتها اسماً أتيت بالهاء فقلت: هذه حلوبة فلان مثل الركوب (والسؤال عن هذا النعيم) المؤكد بالقسم واللام، وذلك لاستبعادهم له فإنه من حاجة جافة، لا من شهوة وحظ نفس (سؤال تعداد النعم) والامتنان بها وإظهار الكرامة بإساغتها، زاد في «الشمائل» : ظل بارد ورطب وماء بارد (لا سؤال توبيخ) وفي «المصباح» وبخته توبيخاً: لمته على سواء فعله وعنفته وعتبت عليه، كلها بمعنى. وقال الفارابي: عيرته. وقال الجوهري: التوبيخ التهديد: أي لعدم القيام بشكرها (وتعذيب) أي يتسبب عن كفرانها وعدم شكرها لأن ذلك غير كائن للصاحبين فيما تتناولاه حينئذ. قال ابن القيم: كل أحد يسأل عن تنعمه الذي كان فيه هل ناله من حل أو لا؟ وإذا خلص من ذلك يسأل هل قال بواجب الشكر فاستعان به على الطاعة أو لا والأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن محل صرفه اهـ. وإنما ذكر المصطفى ذلك إرشاداً للآكلين والشاربين في حفظ أنفسهم في الشبع عن الغفلة باشتغال أحدهم بحظ نفسه ونعمتها عن تذكر الآخرة (وهذا الأنصاري الذي أتوه هو أبو الهيثم) بهاء مفتوحة وسكون التحتية وفتح المثلثة: كنية مالك (ابن التيهان) بفتح الفوقية وتشديد التحتية الأنصاري الأوسي أحد النقباء (كذا جاء مبيناً في رواية الترمذي) من حديث أبي هريرة نفسه، رواه كذلك في «جامعه» وفي «الشمائل» ، وورد في رواية أخرجها الحافظ ابن حجر العسقلاني في «تخريج أحاديث الأذكار» من حديث ابن عباس أنهم انطلقوا إلى دار أبي أيوب الأنصاري وساق القصة بنحوه وفي آخره: «إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله وببركةالله، وإذا شبعتم فقولوا: الحمد الذي أشبعنا وأروانا وأنعم علينا وأفضل فإن هذا كفاف هذا» وذكر بقية الحديث، وحسن الحافظ الحديث وقال: وفيه غرابة من وجهين: ذكر أبي......
أيوب والمشهور في هذا قصة أبي الهيثم، والثاني ما في آخره من التسمية والحمد اهـ. وفي «أشرف الوسائل» في رواية عند الطبراني وابن حبان أنهم جاءوا إلى أبي أيوب، ولا مانع في أنهما قصتان اتفقتا لهم مع كل
стр. 956
واحد منهما، ورواية مسلم رجلاً من الأنصار محتملة لهما اهـ. وكأن المصنف جزم بكونه أبا الهيثم لكون رواية الترمذي عن الصحابي الذي رواه عنه مسلم والله أعلم (وغيره) كابن ماجه فعنده أيضاً اذهبوا إلى بيت أبي الهيثم بن التيهان وكابن أبي عاصم في كتاب الأطعمة والحاكم كما أشار إليه الحافظ في تخريجه لأحاديث الأذكار في «أماليه» عليها.......
٨ - (وعن خالد بن عمر) بضم العين وفتح الميم والراء كذا وقفت عليه في نسخ متعددة من الرياض وهو من تحريف الكتاب إنما هو «عمير» بالتصغير (العدوي) بفتح المهملتين وهي نسبة إلى عدي بفتح فكسر، والمنسوب إليه كذلك متعدد في المهاجرين وفي الأنصار وفي غيرهم كما في «لب اللباب» للأصفهاني، وخالد هذا بصري. قال الحافظ العسقلاني في «التقريب» : مقبول من كبار التابعين، يقال: إنه مخضرم، وهم من ذكره في الصحابة، روى عنه مسلم والترمذي في «الشمائل» وابن ماجه اهـ. قلت: قضيته أن الترمذي لم يرو عنه في «الجامع» لكن في «الأطراف» للحافظ المزي أن حديث الباب رواه الترمذي في صفة جهنم من «جامعه» وفي «شمائله» وأشار بقولهم «وهم الخ» إلى الحافظ ابن عبد البر فإنه ذكره في «الاستيعاب» (قال خطبنا عتبة) بضم المهملة وسكون الفوقية بعدها موحدة فهاء تأنيث (ابن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي ابن وهب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان أبو عبد الله. ويقال أبو غزوان، قال الحاكم قال الواقدي: كان عتبة طوالاً جميلاً قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة وكان من الرماة المذكورين، روي له عن رسول الله ﷺ أربعة أحاديث هذا أشهرها، وليس له في الكتب الستة سواه. وروى له الحاكم أن النبي قال يوماً لقريش: «هل فيكم أحد غيركم؟» قالوا: ابن أختنا عتبة بن غزوان قال النبي: «ابن أخت القوم منهم» ثم قال: غريب جداً. قال في «تلخيص المستدرك» : إسناده مظلم. قال الشيخ أبو العباس القرطبي: عتبة مازني حليف لبني توفل قديم الإسلام، هاجر وشهد مع رسول الله ﷺ بدراً والمشاهد كلها. أمّره عمر على جيش فتوجه إلى العراق وفتح الأبلة والبصرة بموضع يقال له: معدن بني سليم، قاله ابن سعد. ويقال: إنه مات بالربذة، قاله ابن المدائني كذا في «الديباجة» للدميري (وكان
стр. 957
أميراً على البصرة) بتثليث
الموحدة كما حكاه الأزهري وأفصحهن الفتح وهو المشهور، ويقال له: البصيرة بالتصغير، والمؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها في أول الدهر: أي انقلبت. قال صاحب «المطالع» : قال أبو سعيد السمعاني: يقال للبصرة قبة الإسلام وخزانة العرب، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر سنة سبع عشرة وسكنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يعبد الصنم قط على أرضها اهـ. وهذا يصح كونها من جملة مثول القول والمحكي بالقول مجموع الجمل، ويحتمل كونها في محل الحال من فاعل خطب بإضمار قد (فحمد الله) أي أثنى عليه بالأوصاف الأزلية الثبوتية (وأثنى عليه) بسلب ما لا يليق به سبحانه في الثناء ويصح كونهما بمعنى وعطفهما مع كونهما كذلك لاختلافهما لفظاً إيماء إلى أنه أطنب في الثناء على مولاه سبحانه كما يدل عليه قوله (ثم قال) والأول أولى لأن التأسيس خير من التأكيد، والفاء في قوله فخطب كالفاء في نحو توضأ زيد فغسل وجهه الخ للترتيب الذكري لا للترتيب في الزماني بأن يراد أراد الخطبة وأراد الوضوء والإرادة سابقة على فعله والله أعلم. (أما بعد) أتى بها اقتداء به فقد كان يأتي بها في خطبة، وذكر الحافظ في «الفتح» أن الرهاوي أخرجها من أربعين طريقاً عنه (فإن الدنيا قد آذنت بصرم) لتحول أحوالها الدال على حدوثها، وكل ما ثبت حدوثه وجب قبوله للعدم قال الشاعر:
وإن افتقادي واحداً بعد واحد
دليل على ألا يدوم خليل
(وولت حذاء) أي منقطعة، ومنه قال للقطة حذاء: أي منقطعة الذنب قصيرته، ويقال: حمار أحذّ: إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيدة، وهذا مثل فكأنه قال: إن الدنيا قد انقطعت مسرعة (ولم يبق منها إلا صبابة) لأنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بإصبعيه الوسطى والمسبحة (كصبابة الإناء يتصابها بها صاحبها وإنكم منتقلون عنها) إذ هي دار ارتحال وانتقال (إلى دار لا زوال لها) ولا ارتحال عنها (فانتقلوا) أي من الدنيا (بخير ما بحضرتكم) أي بكسب صالح الأعمال وادخار الحسنات عند المولى سبحانه، جعل الخير المتمكن منه في الحياة كالحاضر المحتاج إليه في المآل، فصاحب الحزم يدخر منه حاجته لينتفع به عند
стр. 958
احتياجه إليه، وهذا كما قال ابن عمر ﵄: وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك، وبين الداعي لاستعداد الزاد وادخاره ليوم المعاد بما ورد من الترهيب والترغيب فقال على سبيل الاستئناف البياني (فإنه قد ذكر لنا) ببناء ذكر للمجهول، وحذف الفاعل للعلم به أنه المصطفى لأن الصحابي الذي لم يخالط كتب أهل الكتاب لا سبيل له إلى معرفة ذلك إلا من قبله، وقد ذكر علماء الأثر أن من الموقوف لفظاً المرفوع حكماً قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا بالبناء للمجهول فيهما، وجوز في «الديباجة» أن ذلك ذكر له عن النبي ولم يسمعه هو منه وسكت عن رفعه إما نسياناً أو لأمر اقتضاه ومراده الرفع لفظاً لما ذكرناه، قال: ويحتمل أن يكون سمعه منه وسكت عن رفعه للعلم به اهـ (أن الحجر) أل فيه للجنس، والحجر معروف. قال ابن النحوي في لغات «المنهاج» : جمعه في أدنى العدد أحجار، وفي الكثرة حجار، والحجارة نادر وهو كقولنا حمل وحمالة وذكر وذكارة، كذا قال ابن فارس والجوهري ورد عليهما القرطبي بأن في القرآن «فهي كالحجارة، وإن من الحجارة، كونوا حجارة، ترميهم بحجارة، وأمطرنا عليهم حجارة» فكيف يكون نادراً إلا أن يريد أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فيصح ا
هـ. وذلك لأن ما كان كذلك وعكسه يقع في الفصيح بخلاف ما خالفهما معاً فمردود (يلقى من) ابتدائية (شفير جهنم) أي حرفها. وشفير كل شيء حرفه أيضاً كالبئر والنهر كذا في «المصباح» وفي «الديباجة» حرفها الأعلى كل شيء أعلاه وشفيره، ومنه شفير العين، وجهنم قيل: اسم أعجمي، وقيل: عربي مأخوذ من قولهم: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، وعلى كل فهي ممنوعة الصرف للعجمة أو التأنيث المعنوي مع العلمية، وهو اسم لنار الآخرة: نسأل الله العافية منها ومن كلا بلاء (فيهوي) بكسر الواو، أي ينزل (فيها سبعين) منصوب على الظرفية الزمانية: أي في قدر سبعين (عاماً لا يدرك) بالبناء للفاعل: أي لا يصل والإسناد فيه مجازي والحقيقي لا يوصله الله (لها قعراً) بفتح القاف وسكون العين وهو كما في «المصباح» أسفل الشيء وجمعه قعوراً اهـ (وا لتملأن) بالبناء للمجهول للعلم بالفاعل سبحانه أكد بالقسم وباللام دفعاً لما قد يقصر العقل عن إدراكه من ملء ما لا يقطع مدى الوصول إلى قعره سبعين عاماً فما بالك بعرضه وكمال سعته: أي وإذا كان كذلك وتمتلىء عن آخرها فاحذروا من مخالفته سبحانه لئلا توبقكم المخالفة وتوقعكم فيها المعصية، غفر الله لنا ذنوبنا وستر عيوبنا بمنه وكرمه وبما كان ما ذكره أمراً عظيماً جداً قال على وجه التقرير (أفعجبتم) أي من هذا الأمر الدال على عظم قدرة الله سبحانه وكمال جلاله وقوة انتقامه وتقدم أن في
стр. 959
ذلك قولين أحدهما: أن التقدير أسمعتم فعجبتم فالفاء عاطفة على مقدر بعد الألف، والثاني: أن ألف الاستفهام من جملة المعطوف وقدمت لصدارتها لتضمنها الاستفهام، ولما حصل عند الحاضرين من مزيد الرهبة وعظيم الخوف مما سمعوه حتى كادوا أن يظنوا عموم العذاب لجميعهم، أراد رفع ذلك عنهم وإدخالهم في ميدان الرجاء إعلاماً بسعة رحمة الله تعالى وكمال فضلة، فأكد ذلك بالقسم المقدر الدال عليه اللام في قوله: (ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين) بكسر الميم
تثنية مصراع، ومصراع الباب ما بين عضادتيه وهو ما يسده الغلق كذا في «المفهم» للقرطبي، وفي «المصباح» : المصراع من الباب الشطر وهما مصراعان (من مصاربع الجنة مسيرة أربعين عاما) برفع مسيرة خبر أن، وإذا كان هذا سعة الباب وأبوابها ثمانية وبين كل بابين خمسمائة عام كما تقدم في حديث: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» فما بالك بسعة باطنها ويكفيك في ذلك قوله تعالى:
﴿وجنة عرضها السموات والأرض﴾ (آل عمان: ١٣٣) والعادة جارية أن الطول أزيد من العرض، فسبحان المنعم المتفضل (وليأتين عليها) أي الجنة (يوم) هو وقت دخولها (وهو) أي المصراع أن محله من الباب (كظيظ من الزحام) وذلك ما يدل على كثرة الداخلين بعموم الرحمة ومزيد الفضل ففي الحديث إيماء إلى أن المكلف ينبغي له أن يكون عنده حال الصحة خوف من مولاه سبحانه ورجاء لفضله إحسانه بقبول ما يعمله من صالح العمل. والزحام بكسر الزاي مصدر زاحمه: أي دافعه (ولقد رأيتني) قال في «أشرف الوسائل» هي بصرية وقوله: (سابع سبعة) حال: أي واحداً من سبعة، قال: لكن قضية قوله: يعني في رواية الترمذي فقسمتها بيني وبين سبعة» أنه ثامن، لكن قوله: أولئك السبعة يدل للأول وأن المراد بقوله سبعة: أي بقية سبعة اهـ. ولا يشكل على كونها بصرية اتحاد ضمير فاعلها ومفعولها وذلك من خصائص أفعال القلوب، وعبارة «الكافية» لابن الحاجب، ومنها: أي خصائص أفعال القلوب أنه يجوز أن يكون فاعلها ضميرين لشيء واحد مثل علمتني منطلقاً، قال شراحها: والعبارة للمحقق الجامي، ولا يجوز ذلك في سائر الأفعال فلا يقال: ضربتني ولا شتمتني بل يقال: ضربت نفسي، وذلك لأن أصل الفاعل أن يكون مؤثراً والمفعول به متأثراً، وأصل المتأثر أن يغاير المؤثر، فإن اتحدا معنى كره اتحادهما لفظاً فقصد مع اتحادهما معنى تغايرهما لفظاً بقدر الإمكان، فمن ثم قالوا: ضربت نفسي ولم يقولوا: ضربتني، فإن الفاعل
والمفعول فيه ليسا بمتغايرين
стр. 960
بقدر الإمكان لاتفاقهما من حيث إن كل واحد منهما ضميراً متصلاً، بخلاف ضربت نفسي فإن النفس بإضافتها إلى ضمير المتكلم صارت كأنها غيره لغلبة مغايرة المضاف إليه فصار الفاعل والمفعول فيه متغايرين بقدر الإمكان، وأما أفعال القلوب فإن المفعول به ليس المفعول الأول في الحقيقة بل مضمون الجملة، فجاز اتفاقهما لفظاً لأنهما ليسا في الحقيقة فاعلاً ومفعولاً به اهـ. لكن ألحق بأفعال القلوب في ذلك رأي البصرية، قال الشاعر:
ولقد أراني للرماح دريئة
والحلمية كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ (يوسف: ٣٦) وقوله: (مع رسول الله) حال من فاعل رأى، ويصح كونها لغواً متعلقاً برأي، وقوله: (ما لنا طعام إلا ورق الشجر) يحتمل أن تكون في محل الحال من فاعل رأى، وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لكيف كنتم معه، وقوله: (حتى قرحت أشداقنا) غاية لمقدر: أي فأكلناه إلى أن قرحت جوانب أشداقنا جمع شدق بكسر الشين المعجمة كحمل وأحمال، ويقال: شدق بفتح المعجمة وجمعه شدوق كفلس وفلوس (فالتقطت بردة) أي عثرت عليها من غير قصد وطلب، وهي شملة مخططة وقيل: كساء أسود مربع، وقال القرطبي: البردة الشملة، والعرب تسمي الكساء الذي يلتحف به بردة، والبرد بغير تاء نوع من ثياب اليمن (فشققتها بيني وبين سعد بن مالك) هو ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة (فاتزرت) بتشديد الفوقية (بنصفها واتزر سعد بنصفها) وفي الترمذي فشققتها بيني وبين سعد كما تقدم، ثم مبادرته بشقها عقب التقاطها كما تؤذن به الفاء، إما لعلمه برضا صاحبها وإما بإعراضه عنها لسقوطها وتمزقها، أو لمعرفته بمالكها فإنه يرضى بذلك، أو كان قبل وجوب تعريف اللقطة (فما أصبح) أي صار (اليوم منا أحد) اسم أصبح والظرف قبله حال منه وكان صفة له فقدم عليه فصار حالاً (إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار) أشار به إلى اتساع الحال عليهم بعد ضيقه أولاً، زاد في آخر الحديث: وسيخربون الأمراء بعدنا: أي ليسوا مثلنا من جهة العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا وكان الأمر على ذلك، وأشاروا إلى الفرق بأنهم رأوا معه ما كان سبباً لرياضتهم وتقللهم من الدنيا فمضوا على ذلك وغيرهم ممن بعدهم ليس كذلك، فلا يكون إلا على قضية طبعه المجبول على الخلق القبيح (وإني
стр. 961
أعوذ) أي اعتصم (با) من (أن أكون في نفسي عظيماً) بأن يوهمني ذلك الشيطان والنفس (وعند الله صغيراً) لا يقبل علي بالفضل والإحسان، ولا ينصب لعملي وزن إذا نصب الميزان، قال: «يجاء يوم القيامة
بالرجل العظيم لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ أو كما قال: (رواه مسلم) أواخر «صحيحه» ورواه الترمذي في «جامعه» وفي «شمائله» إلا أنه لم يسق منه فيها إلا من قوله: «لقد رأيتني سابع سبعة» الخ، وأشار إلى باقي الحديث، ورواه النسائي في «الرقاق المفتوحة» ورواه ابن ماجه في الزهد مختصراً.
(قوله: آذنت هو بمد الهمزة) أي وبالذال المعجمة المفتوحة (أي أعلمت) عبارة القرطبي: أي أشعرت وأعلمت وحذف المصنف الأول لإغناء الثاني عنه.
(وقوله: بصرم بضم الصاد) أي المهملة وسكون الراء (أي بانقطاعها وفنائها) الأولى بانقطاع وفناء كما عبر به القرطبي وتبعه في «الديباجة» لأن المفسر غير مضاف إليها وإن كان الكلام فيها.
(وقوله: وولت حذاء) و (هو بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة ثم ألف ممدودة: أي سريعة) هذا تفسير للحذاء لا لمجموع المحكي كما قد توهمه عبارته، ولو قال: أي أدبرت سريعة أو قال حذاء: أي سريعة لسلم من ذلك الإيهام إلى أن يسامح زيادة في الإيضاح كما هي عادته من بذل النصيحة جزاه الله خيراً، وفي «المصباح» : الأحذّ المقطوع الذنب. وقال الخليل: الأحذّ الأملس الذي ليس مستمسكاً لشيء يتعلق به والأنثى حذاء (والصبابة بضم الصاد المهملة) وهو بموحدتين خفيفتين بينهما ألف (وهي البقية اليسيرة) كذا في الأصول بإثبات الواو على أن الخبر الظرف السابق على الجملة وهي معطوفة عليه، ثم قوله: البقية غير مقيدة بشيء هو ما قاله غيره ومنهم القرطبي والدميري، وبه يعلم أن قول «المصباح» الصبابة بالضم بقية الماء مراده به التمثيل لا التقييد. قال القرطبي: والصبابة بالفتح: رقة الشوق ولطيف المحبة اهـ.
(وقوله يتصابها) بفتح التحتية والفوقية (وهو يتشديد الموحدة) من باب التفاعل فأدغمت الموحدة في مثلها (قبل الهاء أي يجمعها) قال القرطبي: أي يروم صبها على قلة الماء: أي مثلاً وضعفه (والكظيظ) بفتح الكاف وكسر الظاء المعجمة الأولى وسكون التحتية بينهما (الكثير) بالمثلثة (الممتلىء) يقال: كظة الشر فهو كظيظ، وفي «النهاية»
стр. 962
حديث عتبة في باب الجنة «وليأتين عليه يوم وهو كظيظ» أي ممتلىء، والكظيظ الزحام اهـ. ٦ ومثله في «مجمع البحار» نقلاً عنها، وكأنه أشار بذلك إلى أنه مشترط بين الممتلىء والزحام: أي ذي الزحام لأنه تفسير الوصف، والله أعلم.
(وقوله: قرحت هو بفتح القاف وكسر الراء) وبالحاء المهملة (أي صار فيها قروح) بضمتين جمع قرح بفتح القاف وضمها، وفي «النهاية» قيل: بالفتح المصدر وبالضم اسم مصدر وبضم أوليه أيضاً، ولم يذكر المصنف في «تحريره» سوى فتح القاف وضمها وقال: إنه الجرح، وقال غيره: إنه كالجدري، وفي «مفردات الراغب» : القرح الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من خارج، والقرح أثرها من داخل كالبثرة ونحوها، ونقل ابن عطية في «تفسيره» قرح بفتح القاف وضمها، وإسكان الراء، ثم قال: قال أبو علي: هما لغتان كالضعف والضعف، والفتح أولى لأنه لغة أهل الحجاز، وقال الأخفش: هما مصدران بمعنى واحد، ومن قال القرح بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألمها قبل منه إذا أتي برواية، لأن هذا مما يعلم بقياس، وقرأ ابن السميقع بفتح القاف والراء، قال الزمخشري: كالطرد والطرد، قال أبو البقاء: وبضمها على الاتباع كاليسر واليسر اهـ من لغات «المنهاج» لابن النحوي.
٩ - (وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أخرجت لنا عائشة كساء) بكسر الكاف وبالسين المهملة والألف الممدودة، زاد البخاري ملبداً وعندهما بلفظ كساء من التي يسمونها الملبدة (وإزاراً) بكسر الهمزة وبالزاي ثم الراء بينهما ألف اسم لما يستر أسافل البدن (غليظاً) أي ثخيناً، وفي رواية لمسلم: «أخرجت إلينا عائشة كساء وإزاراً ملبداً» وإخراجها ذلك لتبيين إعراضه عن الدنيا إلى مفارقته لها ونقلته لحضرة مولانا سبحانه وتهييجاً للمقتدين به المتبعين سبيله على ذلك، ولذا (قالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين) زاد مسلم في رواية له: «الثوبين» (متفق عليه) رواه البخاري في الخمس وفي اللباس، ومسلم في
стр. 963
اللباس، ورواه أبو دواد والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي كلهم في اللباس من «سننهم» ، ثم الذي في الكتب المذكورة أن الحديث عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أخرجت إلينا عائشة، ولا ذكر فيها لأبي موسى والذي وقفت عليه من نسخ الرياض عن أبي موسى كما شرحته، وهو إن لم يكن من تحريف الكتاب سبق قلم من الشيخ بلا ارتياب.
١٠ - (وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إني لأول العرب ممن رمى بسهم في سبيل ا) وذلك في بعث حمزة وعبيدة بن الحارث وهي ثاني سرية في الإسلام. وقيل: بل هي أول سرية فيه، وجرى عليه السيوطي في «أوائله» ، وقد جزم به الحافظ في «الفتح» ، وفيها كما روى ابن إسحاق وغيره، ما لفظه: «ولم يكن بينهم: يعني المسلمين والكفار قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمى به في الإسلام» وفي «أوائل» السيوطي: «أول من أراق دماً في سبيل الله سعد بن أبي وقاص» أسنده العسكري وهو أول من رمى بسهم في سبيلالله، أخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة عنه، وأنه قال في ذلك:
ألا هل أتى رسول الله أني
حميت صحابتي بصدور نبل
أذود بها عدوهم ذياداً
بكل حزونه وبكل سهل
فما يعتمد رام من معدّ
بسهم قبل رسول الله قبلي
(ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة) جملة النفي في محل الحال من فاعل نغزو (وهذا السمر) قال القرطبي: عند عامة الرواة بحذف الواو: أي على أنه بيان ورق الحبلة، وعند الطبراني والتميمي: وهذا السمر بواو، ووقع عند البخاري إلا الحبلة وورق السمر، وكذا ذكره أبو عبيد، ورواية البخاري أحسنها لأنه بين فيها أنهم كانوا يأكلون ثمر العضاة وورق الشجر السمر (حتى) غاية لكون طعامهم ذلك (إن) مخففة من الثقيلة (كان أحدنا ليضع) كناية عن الغائط، وفي بعض طرقه «يبعر» (كما تضع الشاة) أي من البعر ليبسه وعدم ألفة المعدة له، وهذا كان سنة ثمان في غزوة الخبط وأميرهم أبو عبيدة، وسيأتي في الأصل إن شاء الله تعالى، وعليه، فالمراد بالمعية التبعية حكماً، ويحتمل أن تكون المعية على ظاهرها، وأن ذلك في غزوة أخرى غزاها سعد مع النبي لما في «الصحيحين» «بينا نغزو مع رسول الله ﷺ وما لنا طعام إلا الحبلة» ذكره في
стр. 964
«أشرف الوسائل» (ما له خلط) بكسر الخاء المعجمة: أي لا يختلط بعضه ببعض من شدة جفافه ويبسه، وهذا باعتبار ما كانوا عليه من الضيق أول الإسلام وامتحاناً ليظهر صدق ثباتهم.
لولا اشتعال النار في جزل الغضا
ما كان يعرف طيب نشر العود
(متفق عليه) رواه البخاري في فضل سعد في الأطعمة، وفي «الرقائق» ومسلم في أواخر كتابه، ورواه الترمذي في الزهد وقال: حسن غريب، والنسائي في المناقب وابن ماجه في السنة، كذا في «الأطرف» للمزي (الحبلة بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة، وهي والسمر) بفتح فضم، قال في «المصباح» : شجر الطلح بضم الحاء وهو نوع من العضاة الواحد سمرة اهـ (نوعان معروفان من شجر البادية) قال القرطبي: الحبلة شجر العضاة، وقال ابن الأعرابي: ثمرة السمر شبه اللوبيا، وذكرهما في «النهاية» مقدماً الثاني فيهما من غير عزو لابن الأعرابي حاكياً للأول بقيل.
١١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: اللهم اجعل رزق) بكسر الراء مصدر بمعنى المفعول: أي من ينتفعون به مأكلاً ومشرباً وملبساً (آل محمد) جاء عند بعض رواته زيادة في «الدنيا» بل قضية كلام «الجامع الصغير» أنه كذلك عند مسلم، ولم أره كذلك عند مسلم إنما الحديث فيه بحذفه. قال الثعالبي في «تفسير الجواهر الحسان» : وعندي أن المراد بآل محمد هنا متبعوه (قوتاً. متفق عليه) أي بالمعنى وإلا فاللفظ لمسلم في إحدى رواياته، ولفظ البخاري وهو عند مسلم أيضاً (اللهم ارزق آل محمد قوتاً» ) قال الحافظ في «الفتح» بعد ذكر لفظ المذكور في «المتن» وهو المعتمد كون اللفظ الأول صالحاً لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلبه لهم دائماً، بخلاف لفظ مسلم فإنه يعين الاحتمال الثاني وهو الدال على الكفاف والحديث، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه كما في «الأطراف» (قال أهل اللغة) هم الحاكمون
стр. 965
لمعاني المفردات عن العرب (والغريب) هم المتكلمون على مفردات الكتاب والسنة (معنى قوتاً: أي ما يسد الرمق) في «المصباح» القوت ما يؤكل ليمسك الرمق. وقال القرطبي: معنى الحديث طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، ولم يظهر وجه إدخال: أي بين المفسر والمفسر، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً.
١٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: وا الذي لا إله إلا هو) أتى به لتأكيد ما بعده في ذهن سامعه (إن) مخففة إني (كنت لأعتمد بكبدي) بفتح الكاف وكسر الموحدة أفصح من فتح الكاف وكسرها مع سكون الموحدة (على الأرض) أي ألصق بطني بها (من الجوع) من فيه تعليلية، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شده الحجر على بطنه، ويحتمل أن يكون كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشياً عليه كما سيأتي في الحديث عنه عقب هذا: «لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشياً عليّ» الحديث (وإني كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) كعادة العرب وأهل الرياضة أو أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك إن خلت أجوافهم لئلا تسترخي أمعاؤهم فتثقل عليهم الحركة، وبربط الحجر تشتد البطن والظهر فتسهل عليهم الحركة حينئذ. وقبل حكمة شده أنه يسكن بعض ألم الجوع، لأن حرارة المعدة الغريزية ما دامت مشغولة بالطعام فتلك الحرارة به، فإذا نفذ اشتعلت برطوبات الجسم وجوهره فيحصل التألم حينئذ ويزداد ما لم يضم على المعدة الأحشاء والجلد، فإن نارها حينئذ تخمد بعض الخمود فيقل الألم. وقيل: يفعل ذلك لأن البطن إذا خلا ضعف صاحبه عن القيام لتقوس ظهره، فاحتيج لربط الحجر ليشده ويقيم صلبه (ولقد قعدت على طريقهم) قال في «المصباح» : يذكر في لغة نجد وبه جاء قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً﴾ (طه: ٧٧) ويؤنث في لغة الحجاز. قلت: وعدم تأنيث يبساً لكونه مصدراً وصف به كما ذكر البيضاوي في «التفسير» ، قال في «المصباح» :
стр. 966
وجمعه طرق، وقد يجمع عن لغة التذكير على أطرقه والضمير يرجع إلى المارة المدلول عليه بالمضاف (الذي يخرجون منه) أي إلى مطالبهم، وذلك لئلا يفوتوه (فمرّ بي النبيّ) قبله في البخاري مرور أبي بكر وعمر، وأنه سأل كلا منهما عن آية وقصد بالسؤال التعرض للنوال فلم يقع، وسكت عنه المصنف لعدم تعرض غرض الباب به، إذ غرضه التحريض على
الزهد في الدنيا والإعراض عما تدعو إليه الضرورة بالمرة، وهذا الخبر وأمثاله يدل عليه، إذ لو كان حاله بخلاف ذلك لما بلغ حال أصحابه في الفقر إلى ما ذكر في الخبر لما علم من كمال كرمه وإيثاره على نفسه (فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي) أي مما يدل على ما في نفسي (وما في نفسي) أي من الاحتياج إلى ما يسد الرمق، ووقع عند بعض رواة البخاري بأو التي للشك بدل الواو في قوله: «وما» قال في «الفتح» استدل أبو هريرة بتبسمه على أنه عرف ما به لأن التبسم يكون لما يعجب وتارة يكون لإيناس من تبسم إليه ولم تكن لك الحالة معجبة فقوي الحمل على الثاني (ثم قال يا أبا هر) بتشديد الراء، قال في «الفتح» : وهو من رد الاسم المؤنث إلى المذكر والمصغر إلى المكبر، فإن كنيته في الأصل أبو هريرة تصغير هرة مؤنثاً، وأبو هرّ مذكر مكبر، وذكر بعضهم أنه يجوز فيه تخفيف الراء مطلقاً فعلى هذا فيسكن (قلت: لبيك يا رسول الله) هذه رواية علي بن مسهر بإثبات حرف النداء، وعند باقي الرواة له بحذفه أي إجابة بعد إجابة (قال الحق) بهمزة وصل وفتح الحاء المهملة أي اتبع (ومضى) أي إلى سبيل بيته (فاتبعته) بتشديد الفوقية، زاد في رواية علي بن مسهر: فلحقته، وفي «تفسير البغوي» أتبع بقطع الهمزة معناه أدرك وألحق، واتبع بتشديد التاء معناه سار، يقال: ما زالت أتبعه حتى اتبعته: أي ما زال أسير خلفه حتى أدركته ولحقته (فدخل) زاد علي بن مسهر إلى أهله (فاستأذن) قال في «الفتح» : بهمزة بعد التاء والنون مضمومه فعل المتكلم، وعبر عنه بذلك مبالغة في التحقق لأنه حكاية حال ماضية، ففيه الإشارة لكمال استحضاره لها حتى كأنه يخبر عن حاضر عنده وفي رواية ابن مسهر: فاستأذنت بضمير المتكلم (فأذن لي) يحتمل أن يقرأ بالبناء للفاعل: أي النبيّ،
стр. 967
وأن يقرأ بالبناء للمفعول ما لم تكن رواية فيوقف عندها (فدخل) قال في «الفتح» كذا فيه، وهو إما تكرار لهذه اللفظة لوجود الفصل أو التفات (فوجد لبناً
في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟) .
وفي رواية ابن مسهر من أين لكم؟ (قالوا: أهداه فلان أو فلانة) كذا بالشك قال في «الفتح» : ولم أقف على اسم من أهداه، وفي رواية روح: «أهداه لنا فلان آل فلان أو آل فلان» وفي رواية: «أهداه لنا فلان» (قال: أبا هرّ قلت: لبيك يا رسول الله) بإثبات حرف النداء عند جميع رواه البخاري (قال: الحق إلى أهل الصفة) ضمن الحق معنى انطلق فلذا عداه بإلى، وقد وقع في رواية روح بدله: انطلق (فادعهم لي، قال) أي أبو هريرة وسقط من رواية روح ولا بد منها فإن قوله: (وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد) إلى آخر مايأتي من بيان شأنهم من كلام أبي هريرة شرح به حال أهل الصفة والسبب الداعي لدعائهم، وأنه كان يخصهم بالصدقة ويشركهم فيما يأتيه من الهدية. ووقع في رواية يونس ما يشعر بأن أبا هريرة كان منهم، وقد عدّه فيهم السخاوي في مؤلفه في أهل الصفة. والصفة بناء في مؤخر المسجد منزل فقراء المهاجرين مما لا مال له، ولا معارف بالمدينة، وقد تقد فيهم بيان قبل هذا في باب فضل الزهد في الدنيا، ووقع هكذا في الرواية: لا يأوون على أهل والكثير «إلى» بدل «على» وقوله: ولا على أحد تعميم بعد تخصيص فيشمل الأقارب والأصدقاء وغيرهم، وجملة ولا يأوون في محل الحال (وكان إذا أتته صدقه بعث بها إليهم ولم يتناول) وفي رواية روح ولم يصب (منها شيئاً) أي لنفسه وزاد روح ولم يشركهم فيها لحرمة الصدقة عليه لعلو مقامه (وإذا أتته هدية أرسل إليهم) أي ببعضها كما يدل عليه قوله: (وأصاب منها وأشركهم فيها) وهذه الجملة الأخيرة كالإطناب فيها إيماء إلى أنه يجعل لهم منها حظاً وافراً، وأما هو في نصيبه منها فلا يستكثر إيثاراً، والجملة الشرطية وما عطف عليها مستأنفة فيها بيان معاملته معهم واعتنائه بأمرهم، وما ذكر من بعث الصدقة وبعث الهدية لأهل الصفة هو أحد أحواله معهم، وتارة كان إذا أتاه شيء
стр. 968
وقيل له إنه صدقة أمر من عنده بأكله ولم يأكل منه، وإن قيل: إنه هدية ضرب بيده وأكل منه، وحمل على أن هذا كان قبل بناء الصفة وكان يقسم الصدقة فيمن يستحقها ويأكل الهدية فيمن حضر من أصحابه، ويحتمل أن يكون باختلاف حالين فيحمل حديث الباب على ما إذا لم يحضره أحد فإنه يرسل ببعض الهدية إلى أهل الصفة أن يدعوهم كما في قصة الباب، وإن حضر أحد شركه في الهدية وإن كان هناك فضل أرسل به إلى أهل الصفة أو دعاهم، ووقع في حديث أحمد عن طلحة بن عمر: نزلت في الصفة مع رجل كان بيني وبينه كل يوم مدّ من تمر وهو محمول على اختلاف الأحوال، كان أولاً ينزل إلى أهل الصفة مما حضره أو يدعوهم أو يفرقه على من حضر إن لم يحضر ما يكفيهم، فلما فتحت فدك وغيرها صار يجري عليهم من التمر في كل يوم ما ذكره اهـ ملخصاً من «الفتح» (فساءني) بالمد: أي أحزنني (ذلك) أي قوله: ادعهم لي لمزيد ضرورتي وشدة فاقتي ظن أن ذلك اللبن لا يزيد عن حاجته كما هو مقتضى العادة فيه فلذا قال: (فقلت وما هذا اللبن) والواو عاطفة على محذوف والإشارة للتحقير (في أهل الصفة؟) وهم عدد كثير، وفي رواية: «وأين يقع هذا اللبن في أهل الصفة؟» (كنت أحق) أي أولى به (أن أصيب) وحذف المفضل عليه مجروراً بمن لدلالة السياق عليه: أي أولى منهم إصابة (من هذا اللبن شربة أتقوى بها) أي أصير ذا قوة من ضعف الجوع بسببها، يقال: تحجر الطين: أي صار حجراً، ويجوز أن يكون بمعنى المجرد: أي أقوى بها بعد الضعف (فإذا جاء) قال الحافظ في «الفتح» كذا فيه بالإفراد: أي من أمرني بطلبه، والأكثر جاءوا بصيغة الجمع اهـ، والموجود في بعض نسخ الرياض الوجه الثاني (أمرني) أي النبي (فكنت أنا أعطيهم) وكأنه عرف ذلك بالعادة لأنه كان يلازم النبي ويخدمه (وما عسى أن يبلغني) أي يصل إلى (من هذا اللبن) بعد أن يكتفوا منه، وقال الكرماني: لفظ عسى زائد، ووقع في رواية يونس بن بكير: «فيأمرني أن أديره عليهم وما عسى أن
يصيبني منه، وقد كنت أرجو أن أصيب منه ما يقيتني» : أي من جوع ذلك اليوم (ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد) أي محيد. قال في «المصباح» : لا بد من كذا: أي لا محيد عنه، ولا يعرف استعماله إلا مقروناً بالنفي اهـ. وذلك لأن شكر المنعم سبحانه واجب شرعاً وطاعة الرسول له سبحانه، قال تعالى:
﴿من يطع الرسول فقد أطاع ا﴾ (النساء: ٨٠) (فأتيتهم) أي عقب الأمر لي بدعوتهم وإن كان على خلاف هواي (فدعوتهم)
стр. 969
قال الكرماني: وظاهر قوله: «فأتيتهم» أن الإتيان والدعوة وقعا بعد الإعطاء وليس كذلك، ثم أجاب أن معنى قوله: «فكنت أنا أعطيهم» عطف على جواب «فإذا جاءوا» ، فهي بمعنى الاستقبال، قال في «الفتح» : وهو ظاهر من السياق (فأقبلوا فاستأذنوا) أي سألوا الإذن في الدخول (فأذن لهم) بالبناء للفاعل كذا في النسخ: أي النبي، ولو قرىء بالبناء للمفعول لجاز لأن المدار على وجود الإذن من أي كان، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ (الأحزاب: ٥٣) (فأخذوا مجالسهم) أي فقعد كل منهم في المجلس اللائق به (من البيت) أي بيت النبي وقد أمر بإنزال الناس منازلهم كما رواه مسلم في أول «صحيحه» عن عائشة معلقاً، قال الحافظ في «الفتح» : ولم أقف على عددهم إذ ذاك، قال أبو نعيم: عدد أهل الصفة يختلف بحسب الحال، فربما اجتمعوا فكثروا وربما تفرّقوا إما لغزو أو سفر أو استغناء فقلوا. ووقع في عوارف المعارف أنهم كانوا أربعمائة، وفي «المصباح» : المجلس: أي بفتح أوله وثالثه: مكان الجلوس والجمع مجالس. وقد يطلق على أهله مجازاً تسمية للحال باسم المحل اهـ (قال: يا أبا هرّ: قلت لبيك يا رسولالله، قال: خذ) أي قدح اللبن المدلول عليه بالسياق والسباق (فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت) أي شرعت (أعطيه الرجل) والإتيان به حكاية للحال الماضية إشارة لكمال استحضار القصة، ولولا ذلك لقال فأعطيته الرجل، وأل في الرجل للجنس
(فيشرب حتى يروي ثم) فيه إيماء إلى طول شرب الرجل منهم، وذلك لمزيد الجوع وتمام الفاقة (يرد) بالبناء للفاعل (عليّ القدح فأعطيه) أي عقب رده (الآخر) أي الذي إلى جنبه، وهذه رواية يونس، وفي رواية علي بن مسهر «فجعلت أناول الإناء رجلاً رجلاً، فإذا روي أخذته فناولته الآخر حتى روي القوم جميعاً» ووقع في بعض نسخ البخاري: فأعطيته الرجل، وعليها شرح الحافظ كالكرماني فقال: أي الذي إلى جنبه، وهذا فيه أن المعرفة إذا أعيدت معرفة لا تكون عين الأولى. قال: والتحقيق أن ذلك لا يطرد بل الأصل أن تكون عينه إلا أن يكون هناك قرينة. قال الحافظ بعد ذكر اختلاف الروايات كما ذكرنا: وعليه فاللفظ المذكور من تصرف الرواة، فلا حاجة فيه لخرم القاعدة (فيشرب حتى يروي ثم يرد عليّ القدح) وقوله: (حتى
стр. 970
انتهيت إلى النبي) أي فأعطيه غاية لمقدر: أي عممتهم أجمعين حتى انتهيت إليه (وقد روي القوم كلهم) جملة في محل الحال، وقد للتحقيق إيماء إلى أنه تحقق لهم الري المطلوب، وأكد القوم بكلهم دفعاً لتوهم أن المراد ري بعضهم (فأخذ القدح) أي وقد بقيت فيه فضلة من اللبن كما في رواية روح (فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم) قال الحافظ في «الفتح» : كأنه تفرس في أبي هريرة ما كان وقع في توهمه أنه لا يفضل له شيء من اللبن فلذا تبسم. قلت: ويجوز أن يكون قد اطلع على ذلك ككثير من المغيبات (فقال: أبا هر) كذا في رواية، وفي رواية ابن مسهر هنا وفيما ذكر أوله: «أبو هرّ» بالواو وهو على تقدير الاستفهام: أي أنت أبو هريرة أو على لغة من لا يعرب الكنية (فقلت: لبيك يا رسولالله، قال: بقيت أنا وأنت) كأنه بالنسبة لمن حضر من أهل الصفة، وأما من كان في البيت من أهل النبي فلم يتعرض لذكرهم، ويحتمل أن البيت إذ ذاك ما كان فيه أحد منهم، أو أخذوا كفايتهم، والذي في القدح نصيبه (قلت: صدقت يا رسول الله) وهذه الجملة والتي قبلها من باب لازم الخبر (قال: اقعد فاشرب) فيه أن اللبن كغيره من
المشروبات في استحباب الجلوس عند شربه، بخلاف المص للمشروب فإنه يستحب فيما عدا اللبن، أما هو فيعبه عباً لأن ما شرع له المص من خوف الشرقة به مفقود في اللبن لقوله تعالى:
﴿سائغاً للشاربين﴾ (النحل: ٦٦) قال الحافظ السيوطي: لم يشرق باللبن أحد أصلاً (فقعدت فشربت فما زال يقول لي: اشرب) أي لما علم من مزيد حاجته وشدة فاقته، ولأنه ربما يترك بعض حاجته ليبقى بعضه للنبي فأمره بذلك ليستوفي إربه، وظاهر أنه كرّر ذلك مراراً، والمذكور في أدب الضيافة أن المضيف يقول نحو ذلك للضيف إلى ثلاثة لا يجاوزها (حتى قلت: لا) المنفي محذوف: أي لا أشرب ثم علل ذلك على وجه الاستئناف البياني مؤكداً بالقسم بقوله: (والذي بعثك) أي أرسلك ملتبساً (بالحق لا أجد له مسلكاً) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه المهمل بينهما: أي مكاناً يسلك فيه مني (قال فأرني) وفي رواية روح فقال:
стр. 971
ناولني القدح (فأعطيته القدح فحمد الله تعالى) أي على ما منّ به من البركة في اللبن المذكور مع قلته حتى روي القوم كلهم وأفضلوا (وسمى) في ابتداء الشرب (وشرب الفضلة) أي البقية، وفي رواية روح: فشرب من الفضلة، وفيه إشعار بأنه بقي بعضه فإن كانت محفوظة فلعله أعدها لمن بقي بالبيت إن كان (رواه البخاري) في «الرقاق» من «صحيحه» ووقع في «الأطراف» أنه رواه في الاستئذان وهو وهم، إلا إن أراد أنه رواه كذلك مختصراً بنحوه في الباب المذكور كما نبهت عليه في حاشية كتاب «الأطراف» ، ورواه الترمذي في الزهد من «جامعه» ، والنسائي في الرقاق من «سننه» .g وفي الحديث من الفوائد من علامات النبوة تكثير الطعام والشراب ببركته، وفيه جواز الشبع ولو بلغ أقصى غايته أخذاً من قول أبي هريرة لا أجد له مسلكاً، وتقرير النبيّ له على جوازه خلافاً لمن قال بتحريمه، والجمع بين ذلك وبين الأحاديث الواردة بالزجر عن الشبع بحمل الزجر على متخذ الشبع عادة لما يترتب عليه من الكسل عن
العبادة وغيرها، وحمل الجواز على من وقع له ذلك نادراً، لا سيما بعد شدة جوع واستبعاد حصول شيء بعده عن قرب.
تنبيه: قال في «الفتح» : وقع لأبي هريرة قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة. أخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: «أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: جنّ أبو هريرة حتى انتهيت إلى الصفة، فوافقت رسول الله ﷺ أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول لكي يدعوني حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها، فجمعه فصار لقمة فوضعها على أصابعه فقال لي: كل باسمالله، فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت» اهـ.
١٣ - (وعن محمد بن سيرين) بكسر المهملة وسكون التحتية وبالراء ثم تحتية ثم نون غير منصرف للعلمية والعجمة، وابن سيرين تابعي يكنى أبا بكر، بصري ثقة ثبت، عابد كبير القدر من أوساط التابعين، مات سنة عشر ومائة، روى عنه الستة كذا في «تقريب» الحافظ (عن أبي هريرة ﵁ قال: لقد رأيتني) أي أبصرتني وهذا طرف من أواخر حديثة، وأوله: «كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان، ولقد رأيتني» وكان على المصنف ذكر الواو لينبه على أن ما ذكر بعض
стр. 972
حديث معطوف على شيء تقدمه (وإني لأخر) بكسر الخاء المعجمة: أي لأسقط والجملة حال من فاعل رأيتني أو مفعوله (فيما) أي في المكان الذي أو مكان (بين منبر) بكسر فسكون ففتح، من النبر بالنون فالموحدة: الارتفاع (رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة ﵂ القياس وحجرة عائشة لأن بين لا تضاف إلا إلى متعدد، وكذا رأيته عزاه الحافظ في باب الرقاق من «الفتح» إلى باب الاعتصام، لكن في باب الاعتصام من «الصحيح» بلفظ إلى، وفي كتب النحو فيما اختصت به الواو العاطفة عن باقي العواطف عطف ما لا يستغني عنه كجلست بين زيد وعمرو، ولذا كان الأصمعي يقول: الصواب بين الدخول وحومل، لا فحومل. وأجيب بأن التقدير بين نواحي الدخول فهو كقولك دخلت بين الزيدين، أو أن الدخول مشتمل على أماكن ذكره في «مغني اللبيب» ، والجواب الأول ممكن هنا: أي ما بين ساحات المنبر إلى حجرة عائشة وما بين المنبر وحجرة عائشة: أي بيتها، وهي مدفنه حذاء الروضة طولاً (مغشياً علي) هذا محط الفائدة ومقصد الإخبار: أي مغمي علي، والإغماء زوال الشعور مع فتور في الأعضاء (فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون) أي وتلك عادتهم بالمجنون حتى يفيق وجملة يرى محتملة للحالية وللاستئناف البياني (وما بي من) مزيدة للتنصيص على العموم الظاهر فيه (جنون) لكونه نكرة في سياق
النفي، وهو مبتدأ والظرف قبله خبر قدم عليه اهتماماً واعتناء (وما بي) الباء فيه سببية: أي ليس سبب إغمائي (إلا الجوع. رواه البخاري) في باب الاعتصام، ورواه الترمذي في الزهد من «جامعه» ، وقال: حسن صحيح غريب، ورواه في «الشمائل» بنحوه.
١٤ - (وعن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ ودرعه) بكسر الدال المهملة: ما يلبس في الحرب، زاد البخاري في أول البيوع عنها: ورهنه درعاً من حديد (مرهونة عند يهودي) هو أبو الشحم، قال الحافظ في «الفتح» : كما بينه الشافعي ثم البيهقي
стр. 973
من طريق جعفر ابن محمد عن أبيه أن النبي رهن درعاً له عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر في شعير، وأبو الشحم اسمه كنيته، وظفر الهمزة وكسر الموحدة اسم فاعل من الإباء. قال العلماء: الحكمة في عدوله عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود، وإما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة من عندهم، أو خشي أنهم لا يأخذون ثمناً أو عوضاً فلم يرد التضييق عليهم، فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر منه على ذلك أو أكثر منه، فلعله لم يطلعهم على ذلك وإنما طلع عليه من لم يكن موسراً به ممن نقل ذلك اهـ (في ثلاثين صاعاً) وقيل في عشرين، وقيل: في أربعين، وقيل: وسقاً بدل الصاع كما ورد كل منها، قال الشيخ زكريا في «تحفة القاريء» ، وجمع في «الفتح» بين روايتي عشرين وثلاثين بأنه لعله كان ناقصاً عن الثلاثين فجبر بذلك الكسر وألغى أخرى. قال: ووقع لابن حبان عن أنس أن قيمة الطعام كانت ديناراً (من شعير) قال الشيخ زكريا في «شرح البهجة» : قيل افتكه قبل موته لخبر «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي» وهو منزّه عن ذلك والأصح خلافه لقول ابن عباس ﵄ «توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي» أي ولحديث الباب، والحديث الأول محمول على من لم يخلف وفاء. قال السبكي: مع
أنه ليس من الخبر لأن دينه ليس لمصلحة نفسه، لأنه غنيّ با، وإنما أخذ الشعير لأهله وهو متصرف عليهم بالولاية العامة فلا يتعلق الدين به بل بهم، ولم يثبت أنه كان عليه ديون وإن ثبت فهو لمصلحة المسلمين، وإذا استدان الإمام لمصالحهم كان عليهم لا عليه. فإن قيل: هذا فيما استدانه للجهات العامة دون ما استدانه لأهله، فإنه وكيل عليهم والوكيل تتعلق به العهدة. والجواب: أنه أولى بالمؤمنين، فهو يتصرف عليهم بهذه الولاية التي ليست لغيره من الأئمة ولا يخفى ما فيه اهـ كلام الشيخ زكريا. أقول: يمكن أن يجاب بأن المختار عند الأصوليين عدم دخول المتكلم في عموم كلامه، فذلك في حق من سواه، أما هو فلا يحبس عن علي مقامه تشريفاً له والله أعلم. وفي «فتح الباري» : فيه أي في حديث: «توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة» دليل على أن المراد بقوله في حديث أبي هريرة: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه» وهو حديث صححه ابن حبان وغيره من لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل به الوفاء وإليه جنح الماوردي، وذكر ابن الطلاع في الأقضية النبوية أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي، لكن روى ابن سعد أن أبا بكر قضى عدات النبي وأن علياً قضى ديونه، وروى إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن الشعبي مرسلاً أن أبا بكر افتكها وسلمها لعلي، وأما من أجاب بأنه
стр. 974
افتكها قبل موته بثلاثة أيام فمعارض بحديث عائشة اهـ (متفق عليه) رواه البخاري في أبواب من «صحيحه» بعضها باللفظ المذكور وبعضها بنحوه، ورواه مسلم في البيوع، ورواه النسائي وابن ماجه.
١٥ - (وعن أنس ﵁ قال: رهن النبيّ درعه) لفظ البخاري درعاً له، فيه أنه من أدراعه لا الذي كان يعتاد لبسه (بشعير) أي مقابلة بثمن الشعير الذي شراه نسيئة، ففي الحديث مضاف مقدر والباء فيه للمقابلة، ويصح كونها باء السببية ولا مضاف: أي بسبب الشعير الذي شراه نسيئة (ومشيت إلى النبي بخبز شعير) قال الحافظ في كتاب الرهن من «الفتح» : ووقع لأحمد عن أنس: «لقد دعي نبي الله ﷺ يوم على خبز شعير وإهالة سنخة» ، فكأن اليهودي دعا النبي على لسان أنس، فلذا قال: مشيت إليه بخلاف ما يقتضيه ظاهره (وإهالة سنخة) بالسين المهملة، قال الشيخ زكريا: ويروى زنخة بالزاي بدلها والباقي سواء، ففيه إعراضه عن المشهيّات واجتزاؤه بما يسد الحاجة من القوت حتى حمل إليه مثل ذلك (ولقد سمعته) ظاهره أن هذا من كلام أنس، ومرجع الضمير البارز للنبي: أي قال أنس: سمعت النبي، وهو ما فهمه الحافظ ابن حجر، ورد على الكرماني قوله وهو كلام قتادة، والضمير المنصوب فيه لأنس. قال الحافظ: ويرد عليه أنه أخرجه أحمد وابن ماجه عن أنس بلفظ: «ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفس محمد بيده» فذكر الحديث بلفظ ابن ماجه وساقه أحمد بتمامه (يقول) مسلياً لأولي الفقر والحاجة من أمته (ما أصبح لآل محمد) أي عندهم كقوله تعالى: ﴿أثم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (الإسراء: ٧٨) أي عنده كما يدل عليه لفظ البخاري في أوائل البيوع: «ما أمسى عند آل محمد صاع برّ» الحديث، قال في «تحفة القارىء» : وآل مقحم. قلت: ويجوز إبقاؤه على ظاهره خصوصاً ومذهب البصريين وهو المختار منع زيادة الأسماء، ويؤيده عود الضمير إليه من قوله وإنهم لتسعة أبيات (إلا صاع) أي مكيلة من الطعام لكن في باب شراء النبي نسيئة أوائل البيوع من «صحيح البخاري» في حديث الباب عن أنس: «ولقد سمعته يقول: ما
стр. 975
أمسى عند آل محمد صاع برّ لا صاع حبّ» ويمكن الجمع بأن المنفي في رواية: «صاع»
تام من نوع واحد، والمثبت صاع مجمع من أقوات كما يبينه أنه في جانب النفي بين فرداً خاصاً ثم عطف عليه ما يعمه وغيره، وفي جانب الإثبات لم يبين إبهام الصاع والله أعلم (ولا أمسى) أي لهم سواه كما صرح به أبو نعيم في روايته في «مستخرجه» بلفظ: ولا أمسى إلا صاع، وحذف ذلك إيجازاً لدلالة ما قبله عليه (وإنهم) أي آله الذين ينفق عليهم من زوجاته ومن يلوذ بهن (لتسعة أبيات) هذا بالنسبة للزوجات، وكان له مارية وريحانة يطؤهما بملك اليمين، وجملة وإنهم في محل الحال من الظرف، قال الحافظ في «الفتح» : ويناسبه ذكر أنس لهذا القدر مع ما قبله الإشارة إلى سبب قوله هذا، وأنه لم يقله متضجراً ولا شاكياً. معاذالله، إنما قاله متعذراً عن إجابته لدعوة اليهودي ولرهنه درعه عنده، ولعل هذا هو الحامل للذي زعم أنه قائل ذلك هو أنس فراراً من أن يظن به أنه قاله تضجراً، والله أعلم (رواه البخاري) في البيوع والرهن، ورواه الترمذي في البيوع من «جامعه» وقال: حسن صحيح، والنسائي في البيوع أيضاً، وابن ماجه في «الأحكام» (الإهالة بكسر الهمزة) وتخفيف الهاء واللام (الشحم الذائب) وفي «المصباح» هي الودك المذاب، وفي «التحفة» : هي ما يؤتدم به من الأدهان كالألية، وهما قولان، ففي «النهاية» كل شيء من الأدهان يؤتدم به إهالة، وقيل: هو ما أذيب من الألية والشحم وبهذا بدأ الحافظ في «الفتح» ، وقيل: هو الدمس الجامد. قلت: وعلى الأول والاخير فيشمل السمن ونحوه من الزبد (وانسنخة بالنون) المكسورة، قال الحافظ: ويقال فيها بالزاي بدل السين (والخاء المعجمة، وهي المتغيرة) أي متغيرة الرائحة من طول المكث كما في «تحفة القارىء» ، ففي الحديث كمال تواضعه وزهده وتقلله من الدنيا مع قدرته عليها، وكرمه الذي أفضى به إلى عدم الإدخار حتى احتاج إلى رهن درعه.
١٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: لقد رأيت سبعين) بتقديم المهملة على الموحدة (من أهل الصفة) من فيه تبعيضية لما تقدم قريباً من أنهم يبلغون إلى أربعمائة (ما
стр. 976
منهم رجل عليه رداء) أي لا رداء، وهو الساتر لأعلى البدن على أحد منهم وإنما معهم ما يسترون به عورتهم إما بكسر الهمزة للتفضيل (إزار وإما كساء) وهو مبتدأ خبره محذوف: أي ما لهم ذلك أو ذلك (قد ربطوا) بحذف العائد وهو المفعول به: أي ربطوه (في أعناقهم) وذلك للاستمساك فيدوم ستر العورة (منها) أي الأزر والأكسية المدلول عليها بما ذكر (ما يبلغ نصف الساقين) أفرد المضاف إلى المثنى وهو جائز كتثنيته وجمعه كقطعت رأسي الكبشين وكحديث «كان شعاره إلى أنصاف أذنيه» وقوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ (التحريم: ٤) وفي «المصباح» : الساق من الأعضاء أنثى، وهي ما بين الركبة والقدم وتصغيرها سويقة اهـ (ومنها ما يبلغ) أي يدرك (الكعبين) قال في «المصباح» : الكعب من الإنسان اختلف فيه أئمة اللغة، قال أبو عمرو بن العلاء والأصمعي: الناتىء عند ملتقى الساق والقدم فيكون لكل قدم كعبان عن يمينها وشمالها، وقد صرح بهذا الأزهري وجماعة، وقال ابن الأعرابي وغيره: الكعب هو المفصل بين الساق والقدم، وذهب الشيعة إلى أن الكعب في ظهر القدم، وأنكره أئمة اللغة كالأصمعي وغيره اهـ. وظاهر أن المراد هنا لا يختلف على قول أهل اللغة الستة المذكورين إذ المراد التقريب لا التحديد، فما أدرك الناتىء قارب إدراك المفصل وبالعكس، والأول أبلغ في الإعراض عن الدنيا اللائق بأحوالهم (فيجمعه) أي الرجل أعاد الضمير أولاً مجموعاً في قوله قد ربطوا باعتبار المعنى، إذ المراد من رجل العموم وإفراده هنا باعتبار لفظه: أي فيجمع ما ذكر من الإزار والكساء (بيده كراهية) بتخفيف التحتية وهو الكراهة بحذفها مصدر كره الأمر يكرهه وهو مفعول له علة للجمع: أي استقباح (أن ترى عورته) من طرفي نحو الإزار لصغره (رواه البخاري)
في الصلاة من «صحيحه» وقد سبق الحديث في الباب قبله.
١٧ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان فراش رسول الله) أي الذي ينام عليه (من أدم) بفتح أوليه والدال مهملة جمع أديم: الجلد المدبوغ (حشوه) أي محشوه مصدر
стр. 977
بمعنى المفعول (ليف) بكسر اللام وسكون التحتية، قال في «الصحاح» : الليف للنخل واحده ليفة (رواه البخاري) .
١٨ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا جلوساً) بضم أوليه جمع جالس (مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من الأنصار) أي وقت مجيء الرجل الأنصاري وتقدم أنها تحتمل المفاجأة بناء على قول أبي عبيدة بإفادتها له (فسلم عليه) أي على النبي (فقال رسول الله: يا أخا الأنصار) أي يا واحداً من الأنصار في «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿إذ قال لهم أخوهم نوح﴾ (الشعراء: ١٠٦) قيل أخوهم لأنه كان منهم من قول العرب يا أخا بني تميم يريدون يا واحداً منهم، ومنه بيت الحماسة:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهاناً
(كيف أخي) فيه كمال تواضعه ومزيد فضله إذ أطلق هذا اللفظ في حقه تشريفاً له، وفيه إيماء إلى صدق إيمانه فيكون فيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠) (سعد بن عبادة) سيد الخزرج (فقال صالح) خبر مبتدأ محذوف لدلالة السؤال عليه ففيه استحباب مثله لمن سأل عن حال مريض من نفسه أو غيره. وفي الحديث: «أن علياً ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في اليوم الذي توفي فيه النبيّ فقال: بخير، أصبح بارئاً بحمد ا» وقوله صالح: أي للشفاء عند مجيء إبانها في العلم الأزلي وهو كناية عن مرضه، فلذا توجه لعيادته (فقال رسول الله: من يعوده منكم) فيه أن العيادة مطلوبة على الكفاية (فقام وقمنا معه) ظاهره قيام جميع حاضري المجلس معه (ونحن بضعة عشر) البضعة بكسر الموحدة ما بين العقدين من العدد (ما علينا نعال) بكسر النون جمع نعل أي في أقدامنا (ولا خفاف) بكسر أوله أيضاً جمع خف بضمه، قال في «المصباح» : الخفّ
стр. 978
الملبوس جمعه خفاف ككتاب: أي بل كنا حفاة (ولا قلانس) هي كالقلاسي جمع قلنسوة بوزن فعنلوة بفتح أوليه وسكون النون وضم اللام، وفي «التهذيب» للمصنف: القلنسوة هي التي تلبس، النون فيها زائدة وهي معروفة وفيها لغتان ذكرهما الجوهري وغيره، قال الجوهري: هي القلنسوة والقلنسية إذا فتحت القاف ضمت السين، وإن ضمت القاف كسرت السين وقلبت الواو ياء، فإذا جمعت أو صغرت فأنت بالخيار في حذف الواو أو النون لأنهما زائدتان، وإن شئت حذفت الواو فقلت قلانس، وإن شئت حذفت النون قلت: قلاس، وإن جمعت القلنسوة بحذف الهاء قلت: قلنس والأصل قلنسو، وإلا أن الواو رفضت لأنه ليس في الأسماء: أي المعربة اسم آخره حرف علة قبله ضمة، فإذا أدى إلى ذلك قياس وجب رفضه وتبدل من الضمة كسرة فيصير آخر الاسم ياء مكسوراً ما قبلها فتحذف كهي في غاز اهـ ملخصاً (ولا قمص) بضمتين جمع قميص ويجمع على قمصان: الثوب المعروف الملبوس على البدن
وجملة النفي في محل الحال من المبتدأ على مذهب سيبويه، ويصح أن يكون خبراً بعد خبر كجملة (نمشي في تلك السباخ) بكسر المهملة وبالموحدة جمع سبخة، بوزن تمرة أما سبخة بوزن كلمة فجمعها سبخات ككلمة وكلمات، والأرض السبخة قال في «النهاية» : هي التي يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. وفي هذه الجملة دلالة على الاقتصار على قليل الملبوس والإعراض عما زاد على الضرورة، وظاهر العبارة أنه حينئذ كان كذلك ليتأسوا به ويقتدوا بهديه (حتى جئناه) غاية للمشي (فاستأخر قومه) الخزرج أو الأنصار (من حوله حتى دنا) أي قرب منه (رسول الله ﷺ وأصحابه الذين) جاءوا (معه) إكراماً للوافد وإنزالاً للناس منازلهم وليتأنس بهم المريض ويذهب عنه بعض الكلال الذي يحصل له من طول ملازمة من عنده إن كان (رواه مسلم) في الجنائز من «صحيحه» .
١٩ - (وعن عمران) بكسر المهملة (ابن حصين) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية بعدها نون ﵄ عن النبيّ قال: خيركم) أيها الأمة وحذف «المصنف لفظ» إن من أول الحديث وهي ثابتة عند مسلم (قرني) وفي لفظ آخر لهما: «خير أمتي قرني» وفي لفظ آخر لمسلم: «خير الناس قرني» وحديث الباب بمعناه كما قدرناه. قال
стр. 979
السيوطي في «الترشيح» : القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، والأصح ألا يضبط بمدة فقرنه هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة (ثم الذين يلونهم) أي ثم قرن التابعين، وقرنهم من سنة مائة نحو سبعين (ثم الذين يلونهم) أي من أتباع التابعين، وقرنهم من ثمة إلى حدود العشرين ومائتين، ومن هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن اهـ. قال المصنف: والمراد تفضيل جملة القرن، ولا يلزم منه تفضيل الصحابي على الأنبياء ولا تفضيل أفراد النساء على مريم وآسية وغيرهما بل المراد جملة القرن بالنسبة إلى جملة القرن. حكي عن عياض عن المغيرة قال: قرنه أصحابه، والذين يلونهم أبناؤهم، والثالث أبناء إبنائهم، وقال سهل: قرنه ما بقيت عين رأته، والثاني ما بقيت عين رأت من رآه ثم كذلك (قال عمران) هذا من كلام أحد الرواة عنه، ويحتمل على بعد أن يكون عبر عن نفسه باسمه كما هي طريق كثير من الأوائل (فما أدري، قال النبي) ثم الذين يلونهم (مرتين أو) قالها (ثلاثاً) وشرف القرن الرابع باعتبار من فيه من أئمة الإسلام الناصرين للحق الذابين عنه، المجاهدين في سبيلالله، الصابرين على ما أصابهم في سبيله كالإمام أحمد بن حنبل وأضرابه (ثم يكون بعدهم) أي أهل القرون المشهود لهم بالأخيرية (قوم يشهدون ولا يستشهدون) قال المصنف في «شرح
مسلم» : هذا غير مخالف لحديث: «خير الشهود الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسأل عنها» لأن ذلك محمول على دعاوى الحسبة أو على إعلام ذي الحق بأنك تشهد به وهو لا يعلم شهادتك به، وحديث الباب محمول على الشهادة لذي الحق العالم بها عند الحاكم قبل طلبها منه أو على شاهد الزور أو على من ينتصب شاهداً وليس هو من أهل الشهادة أو على من يشهد لقوم بالجنة أو النار من غير توقيف، وهذا ضعيف اهـ ملخصاً (ويخونون ولا يؤتمنون) قال المصنف في «شرح مسلم» بعد أو أورده بلفظ يتمنون بالتشديد الفوقية: كذا في أكثر النسخ، يعني من مسلم، وفي بعضها يؤتمنون ومعناه يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة، بخلاف من خان بحقير مرة واحدة فإنه يصدق عليه أن خان
стр. 980
فلا يخرج عن الأمانة في بعض المواطن اهـ.d قلت: ويصح أن يكون جملة النفي في محل الحال: أي إن طبعهم الخيانة مع عدم الائتمان لهم فليس لهم سوى وبال العزم عليها من غير ظفر بشيء والله أعلم (وينذرون) بفتح الفوقية وضم الذال المعجمة وكسرها لغتان كما في المصنف (ولا يوفون) قال في «شرح مسلم» : وفي رواية: «ولا يفون» وهما صحيحتان يقال وفي وأوفى (ويظهر فيهم السمن) أي كثرة اللحم: أي إنه يكثر ذلك فيهم، وليس الخلقي منهم مذموماً بل المكتسب له بالتوسع في المأكل والمشرب وغير زيادة على المعتاد، وقيل: المراد التكثر مما ليس لهم وادعاء ما ليس لهم من الشرف وغيره، وقيل: المراد جمعهم الأموال (متفق عليه) أخرجه البخاري في الشهادات وفضل الصحابة وغيرهما من «صحيحه» ، ومسلم في الفضائل، ورواه النسائي في النذور.
٢٠ــ (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وميمين خفيفين بينهما ألف ﵁ قال: قال رسول الله: «با ابن آدم إنك إن) بفتح الهمزة (تبذل الفضل) أي بذلك الفضل منصوب بدل اشتمال من اسم أن، والفضل بفتح الفاء وسكون الضاد المعجمة أفضل عما يحتاج إليه عادة (خير لك) ليبقى لك غلته، ويحتمل أن يكوم مصدراً (وأن تمسكه شر لك) لأنك ربما لا تؤدي الحقوق الواجبة، وقد يشغل به القلب الذي هو بيت الرب ومحل نظره من العبد عن التوجه إليه (ولا تلام) بضم الفوقية مبني للمجهول: أي لا يلحقك لوم: أي عتب من الشرع (على كفاف) بفتح أوليه: أي قدر الحاجة من طعام وشراب وملبس ومسكن وخادم احتاجه، قال القرطبي: وهو ما يكف عن الحاجات ويدفع الضرورات والفاقات ولا يلحق بأهل الترفهات، وهذا أحسن الأحوال لسلامته من وصمه كل من الفقر والغنى (وابدأ) في الإنفاق (بما تعول) أي بحق الذي تعوله وتمونه من زوجة وأصل أو فرع محتاج أو خادم فالعائد محذوف، أو بعائلتك فما موصولة أو مصدرية (رواه الترمذي)
стр. 981
في الزهد من «جامعه» (وقال: حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في الزكاة من «صحيحه» وكان عزوه إليه أولى، وكأنه غاب عن الشيخ ولا عيب على الإنسان في النسيان.
٢١ - (وعن عبيد ا) بصيغة التصغير (ابن محصن) بكسر الميم وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية آخره نون (الأنصاري) رأى ﵁ النبي قال في «أسد الغابة» بعد أو أن أورد حديث الباب: وقال أبو عمرو يعني ابن عبد البرّ: منهم من جعل حديثه مرسلاً والأكثر يصحح صحبته فيجعل حديثه مسنداً، روي عنه أبو سلمة أيضاً اهـ (قال: قال رسول الله: «من أصبح منكم» ) الخطاب للحاضرين بمجلسه وحكمه على الواحد حكمه على الجماعة (آمناً) من عدوه (في سربه) على نفسه وبضعه وأهله وماله (معافى في جسده) من الأمراض لأن معها لا سيما الشديد منها يذهل المرء عن نظره في حسن حاله وما أنعم المولى به عليه من أمن وسعة (عنده قوت يومه) من طعام وشراب وسائر ما يحتاج إليه من أدوية ونحوها (فكأنما حيزت) بكسر المهملة وسكون التحتية بعدها زاي: أي ضمت وجمعت (له الدنيا) وفي رواية زيادة «بحذافيرها» أي بجوانبها أي فكأنما أعطي الدنيا بأسرها (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه البخاري في «الأدب المفرد» وابن ماجه (سربه بكسر السين المهملة) وسكون الراء وبالموحدة المجرورة على الحكاية (أي نفسه) قاله في «النهاية» قال: ويروى بالفتح وهو المسلك والطريق، يقال خلّ له سربه: أي طريقه، قلت: وعليه فيكون مجازاً عن الأمن أيضاً فيرجع إلى الأول (وقيل: قومه) قلت: كأن قائله أخذه من قول اللغويين: السرب أي بكسر أوله الجماعة من النساء والبقر والشاة والقطاة والوحش كذا في «المصباح» ، فجرد السرب عن قيد النساء الخ، وأراد به مطلق جماعته وقومه والله أعلم.
стр. 982
٢٢ - (وعن عبد الله بن عمرو بفتح المهملة) ابن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح» أي فاز بالفلاح وهو الفوز والبقاء والظفر (من أسلم) بدأ به لأنه الأساس في الاعتداد بقبول صالح الأعمال، والمراد الإسلام الصحيح المخلص فيه لأنه الكامل فينصرف المطلق إليه (وكان رزقه كفافاً) أي بقدر الحاجة لا يفضل عنه، قال المصنف: هي الكفاية من غير زيادة ولا نقص، وفيه شاهد لتفضيل الكفاف على كل من الفقر والغنى (وقنعه ا) أي صيره قانعاً، ولعل التضعيف إيماء إلى بعد هذا الوصف عن طبع الإنسان فكان محاول إزالتها يحتاج إلى مبالغة في ذلك، لأن الطبع البشري مائل إلى الاستكثار من الدنيا والحرص عليها إلا من عصمالله، وقيل ماهم: أي وجعله الله يخفي ألطافه قانعاً (بما آتاه) بالمد: أي أعطاه من الكفاف. قال القرطبي: معنى الحديث أن من حصل له ذلك فقد حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدارين (رواه مسلم) قال في «الجامع الصغير» : رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
٢٣ - (وعن أبي محمد فضالة) بفتح الفاء وبالضاد المعجمة (ابن عبيد) بصيغة التصغير ابن ناقذ بالمعجمة ابن قيس بن صهيب بن الأصرم بن جحجبا بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء موحدة ابن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس (الأنصاري) العمري ﵁ قال المصنف في «التهذيب» : أول مشاهده أحد شهدها وما بعدها من المشاهد ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر وسكن دمشق وولى قضاءها لمعاوية وأمره على غزو الروم في البحر، روي له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثاً، روى له مسلم منها حديثين، توفي بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين، وقيل: تسع وستين والصحيح الأول فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه وقال لابنه: أعني يا بنيّ فإنك لا تحمل بعده مثله، وتوفي معاوية سنة ستين (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: طوبى) قال في «المصباح» قيل: من الطيب، والمعنى: العيش الطيب، وقيل: الحسن، وقيل: الخير وأصلها طيبي فقلبت الياء واو المجانسة الضمة، وفي كتاب الجهاد من «صحيح البخاري» : طوبى فعلى من
стр. 983
كل شيء طيب، وهي ياء حولت إلى الواو، وهو من يطيب اهـ (لمن هدى) أي أوصل (للإسلام) فعدي باللام لتضمنه معنى أوصل. قال تعالى: ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ (النور: ٣٥) أي يوصله للدخول في جملة أهله (وكان عيشه كفافاً وقنع) الأقرب أنه بالبناء للمفعول من باب التفعيل كما يدل عليه ما قبله، ويحتمل أن يكون بتخفيف النون مفتوحة، والجملتان الأقرب كونهما معطوفتين على جملة الصلة، ويجوز كونهما في محل الحال من نائب فاعل هدي (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في «الجامع الصغير» : ورواه ابن حبان والحاكم في «مستدركه» .
٢٤ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة) أي التابع بعضها بعضاً مع الاتصال (طاوياً) هذا مقصود الإخبار. قال في «النهاية» يقال: طوى من الجوع يطوي طوى فهو طاوي: أي خالي لم يأكل (وأهله) بالرفع عطف على الضمير المستكن في يبيت للفصل بينهما بالظرف، ويجوز أن يقرأ بالنصب على أن الواو واو المصاحبة: أي مع من يقوم بنفقتهم، وقوله: (لا يجدون عشاء) بفتح العين وبالمد، قال في «المصباح» : اسم للطعام الذي يتعشى به الإنسان وقت العشاء: أي بكسر العين اهـ. وفي كتاب الصيام من كتب الفقه: العشاء اسم لما يؤكل بعد الزوال: أي في وقت العشي جملة مستأنفة لبيان حالهم المقتضي لطواهم (وكان أكثر خبزهم خبز الشعير) أي وهو أقل في كلفة التحصيل من البرّ وغيره من نفائس الأقوات، والجملة محتملة للعطف على ما قبلها ولكونها حالية بإضمار قد (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) ورواه أحمد وابن ماجه كما في «الجامع الصغير» .
٢٥ - (وعن فضالة بن عبيد) أي الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا
стр. 984
صلى بالناس) أي وقت صلاته بهم، وهو مضمن معنى الشرط ولا يجزم إلا في الشعر، جوابه (يخرّ) بكسر الخاء المعجمة: أي يسقط (رجال من) ابتدائية: أي سقوط مبتدأ (من قامتهم في الصلاة) تعليلية (الخصاصة) بفتح الخاء المعجمة وبالمهملتين الخفيفتين بينهما ألف (وهم أصحاب الصفة) جملة حالية من فاعل يخر لتخصيصه بالوصف (حتى) غاية لمحذوف: أي فتعجب من خرورهم من لم يعلم سببه إلى أن (يقول الأعراب) أي من حضره حينئذ من سكان البوادي (هؤلاء مجانين) يحتمل كون الجملة خبرية كما هو الظاهر، ويحتمل أنها استفهامية على تقدير الهمزة، وعلى كل فهي منصوبة المحل على الحكاية، وذلك أنهم توهموا أن ذلك الخرور صادر عنهم اختياراً لا عن سبب يقتضيه، وذلك بحضرة الجمع شأن المجانين، فلذا حكموا عليهم به، أو سألوهم كذلك (فإذا صلى رسول الله) أي الصلاة بإتمامها بسلامه منها وانصرف عنها (انصرف إليهم) أي متوجهاً إليهم (فقال) عقب وصوله إليهم لأنه الحامل له على قصدهم (لو تعلمون ما لكم عند ا) أي ما أعده لكم مما لم تسمعه أذن ولم يره بصر، وفيه شهادة لهم بمكانتهم عند المولى سبحانه لصدق إيمانهم، وحسن مجاهدتهم وكمال وجهتهم (لأحببتم أن تزدادوا فاقة) أي حاجة فعطف قوله: (وحاجة) عليها من عطف الرديف وحبهم، ذلك ليصبروا عن الابتلاء بها فيكثر ما يؤجرون عليه من ذلك، فإن الجزاء على حسب المجازى عليه قلة وكثرة، أو لأنهم استعذبوا جميع ما يرد عليهم من الحق سبحانه لكمال عرفانهم، فنظروا إلى النعم من حيث صدورها من الرحيم لا من حيث ذاتها فأعجبوا بها على أي أمر تجلت وعلى أيّ مذاق، وما أحسن قول القائل:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً
رأيت جميع الكائنات ملاحاً
وقلت في هذا المعنى:
يا طالب التحقيق والعرفان
لا تنظرن لحوادث الأزمان
فتضيق منها وانظرن لمن بدت
منه إليك فهو العلي الشان
(رواه الترمذي) في الزهد من «جامعه» (وقال: حديث صحيح. الخصاصة: الفاقة
стр. 985
والجوع الشديد) قال في «النهاية» : وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء.
٢٦ - (وعن أبي كريمة) بفتح الكاف وكسر الراء (المقداد) بكسر الميم وسكون القاف ومهملتين بينهما ألف (ابن معد يكرب) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وفتح الكاف وكسر الراء وتقدمت ترجمته ﵁ في باب فضل الحب في الله (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما ملأ آدمي» ) نسبة إلى آدم أبي البشر ﵇: أي إنسان (وعاء شراً من بطنه) قال الطيبي: نقله عن ابن أقبرس جعل البطن وعاء كالأوعية المتخذة ظروفاً لحوائج البيت توهيناً لشأنه، ثم جعله شرّ الأوعية لأنها تستعمل فيما هي له، والبطن خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى الفساد ديناً أو دنيا فيكون شراً منها، فإن قلت: شرّاً أفعل تفضيل وهو ما اشتق من فعل الموصوف بزيادة على غيره فما وجه تحقق ثبوت الوصف في المفضل عليه؟ قلت: ملء الأوعية لا يخلو من طمع أو حرص على الدنيا وكلاهما شرّ على الفاعل (بحسب ابن آدم) أي كافية فالباء مزيدة في المبتدأ (أكلات) بفتح الكاف وضمها مع ضم الهمزة: أي كافية ذلك في سد الرمق، ولذا قال: (يقمن صلبه) والجملة في محل الصفة لأكلات ويصح كونها مستأنفة لبيان سبب كفاية ذلك (فإن كان لا محالة) في «الصحاح» قولهم لا محالة: أي بفتح الميم: أي لا بد، يقال: الموت آت لا محالة اهـ: أي فإن كان لا بد من الكثرة على ذلك فليكن أثلاثاً (فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) قال ابن أقبرس: أي يبقى من ملئه مقدار الثلث ليكون متمكناً من النفس. ورأيت في بعض كتب الطب أن كسرى سأل طبيباً: ما الداء الذي لا دواء له؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، فذاك الذي أفتى البرية وقتل سبع البرية، فسأل عن الحمية فقال: الاقتصاد في كل شيء، فإذا أكل فوق
المقدار ضيق على الروح اهـ (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي من طريق الترمذي ومن طريق أخرى، وأخرجه القاضي عياض في «الشفاء» من طريق أبي نعيم الحافظ والبزار، وفي «الجامع الصغير» ،
следующие страницы →