Полный текст (1 103 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وهذا الرأي يعمل بكل الأحاديث مطلقها ومقيدها.
واختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة، فداود الظاهري ورواية عن أحمد أن الجماعة فرض عين وشرط لصحة الصلاة، وفي رواية عن أحمد وجماعة من محدثي الشافعية أنها فرض عين وليست شرطا لصحة الصلاة فتصح بدونها مع الإثم، واستحقاق العقوبة، وجمهور المتقدمين من الشافعية وكثير من الحنفية والمالكية أنها فرض كفاية.
والمشهور عن المتأخرين أنها سنة مؤكدة، ولكل أدلة ذكرتها في كتابي فتح المنعم شرح صحيح مسلم.
وأما فضل إسباغ الوضوء، ففي الصحيح "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" وأما فضل الخطى إلى المسجد وانتظار الصلاة فسيأتي في الحديث رقم (٣٤) والله أعلم.
٢٥ - عن أبي جهيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لو يعلم
стр. 107
المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه قال أبو النضر لا أدري أقال أربعين يوما أو شهرا أو سنة".
-[المعنى العام]-
حرص الشارع الحكيم على تقديس الصلاة، وحمايتها من مظاهر اللهو والعبث، وحماية ساحتها من الاعتراض، وتوفير وسائل الخشوع والمناجاة فأمر المصلي بأن يحجز مكان صلاته من مرور الناس، بجدار أو بعصا أو بساتر ما، وحذر المار من أن يمر بين يدي المصلي، وخوفه بالوعيد الشديد الذي يستصغر أمام هوله أن يقف أربعين سنة انتظارا لانتهاء المصلي من صلاته، لو قدر له أن يبقى في صلاة هذه المدة، وكان رسول الله ﷺ القدوة الصالحة، فلم يكن يصلي إلا إلى ساتر، وكان أحيانا يتخذ بعيره ساترا، وأحيانا يتخذ الجدار، وأحيانا يتخذ الإسطوانة في المسجد، وحرض المصلي، إن اعتدى على قداسة موضع صلاته أحد بالمرور بين يديه، أن يدفعه بيده دفعا خفيفا، فإن لم يمتنع دفعه بما هو أشد إلى أن يصل إلى المنع إلا بالمقاتلة كان له أن يقاتله، وهكذا يوفر الإسلام للمصلي وسائل وظروف الخشوع، ويهيئ له ظروف الانصراف إلى الله بقلبه وجوارحه في صلاته إنها مناجاة الله.
-[المباحث العربية]-
(لو يعلم المار بين يدي المصلي) أي أمامه، وبالقرب منه، وكل ما بين يديك تستطيع ملامسته، فالظاهر أن المقصود بالمسافة ما تناله يد المصلي لو مدت.
(ماذا عليه من الإثم) أي ما الذي عليه من الإثم بسبب مروره بين يدي المصلي.
(لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر) أي لكان وقوفه أربعين خيرا
стр. 108
له من المرور، ولا خيرية في المرور ولا في الوقوف، فأفعل التفضيل ليس على بابه فهو من قبيل: الضرب خير من الشتم، أي لو خير لاختار الوقوف باعتباره أخف الضررين.
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث يوجه المار بين يدي المصلي وينذره ويحذره، وهناك في الصحيح أحاديث أخرى توجه المصلي أن يقي نفسه ومكانه من أن يمر أحد بين يديه، فعن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يصلي إلى راحلته" وفي رواية "صلى إلى بعيره" وفي حديث "كان يغرز العنزة -أي الحربة -ويصلي إليها" وفي حديث كان يعرض راحلته وهو صلى إليها وفي حديث إذا وضع أحدكم بين يده مثل مؤخرة الرحل وهو العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك وفي حديث أبي سعيد الخدري "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبي فليقاتله، فإنما هو شيطان" فالموضوع ككشف العورة والنظر إليها، كل من الناظر والمنظور عليه واجب، وتقصير أحدهما في واجبه لا يبرر تقصير الآخر، وإذا كان على المصلي أن يتخذ سترة كان على المار أن لا يمر بين المصلي وسترته، ولا بين يديه إن لم يتخذ سترة.
قال النووي: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه، واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، ومذهبنا أنها مشروعة مطلقا. اهـ. وهل الخط في الأرض أو على الرمل يقوم مقام السترة عند عدمها؟ المختار استحبابه إذا لم يجد غيره، إذ به ثبت حريم للمصلي، وفي كيفيته قيل: يجعله مقوسا كالهلال، وقيل: أفقيا معترضا بينه وبين القبلة، وقيل: يخطه يمينا وشمالا، ويستحب أن يدنو المصلي من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف وسترة الإمام سترة لمن خلفه.
وإطلاق الأربعين في إثم المار بين يدي المصلي للمبالغة في تعظيم
стр. 109
الأمر على المار وليس العدد مرادا، فقد ورد عند ابن ماجه "لكان أن يقف مائة عام خيرا من الخطوة التي خطاها" ولا شك أن الإثم يختص بمن يعلم النهي وارتكبه، إذ قوله "لو يعلم المار" دليل على توقف هذا الجزاء على العلم.
وقد قسم بعض المالكية أحوال المار والمصلي في الإثم إلى أربعة أقسام:
١ - يأثم المار دون المصلي، كأن يصلي إلى سترة في شارع غير مطروق.
٢ - يأثم المصلي دون المار، كأن يصلي في طريق مشروع مسلوك بغير سترة ولا يجد المار مندوحة [هذا غير مسلم، بل على المار أن يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته].
٣ - يأثم المصلي والمار جميعا، كأن يصلي في طريق مسلوك بغير سترة ويجد المار مندوحة، فيأثمان.
٤ - لا يأثمان، كأن يصلي إلى سترة في غير طريق مشروع، ولم يجد المار مندوحة [وهذا أيضا غير مسلم، بل على المار أن يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته].
أما كيف يفعل إذا رأى مارا بينه وبين سترته؟ فإن الأحاديث تأمر بمنعه من المرور، ففي مسلم عن أبي صالح السمان قال: بينما أنا مع أبي سعيد يصلي يوم الجمعة إلى شيء يستره، إذ جاءه رجل شاب من بني أبي معيط، أراد أن يجتاز بين يديه، فدفع في نحره، فنظر فلم يجد مساغا إلا بين يدي أبي سعيد، فعاد، فدفع في نحره أشد من الدفعة الأولى، فمثل قائما، فنال من أبي سعيد، ثم زاحم الناس فخرج، فدخل على مروان، فشكا إليه ما لقي. قال: ودخل أبو سعيد على مروان، فقال له مروان: مالك ولابن أخيك؟ جاء يشكوك. فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه
стр. 110
فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
والذي عليه جمهور الفقهاء أنه يستحب للمصلي إلى سترة أن يشير للمار أو يسبح إذا كان بعيدا عنه، وليس له أن يمشي إليه ليرده، فإن كان قريبا منه استحب له أن يرده برفق بيده، فإن أبى فله أن يدفعه بشدة، ثم له أن يقاتله بغير سلاح، فإن هلك فلا قود عليه باتفاق، وفي وجوب ديته مذهبان.
والجمهور على أن الصلاة لا يقطعها مرور من مر، وفي رواية عن أحمد يقطعها مرور الكلب الأسود، وفي النفس من قطعها بمرور الحمار والمرأة شيء واستند إلى أحاديث قال عنها الجمهور: إنها منسوخة أو مؤولة، وهذه الأحاديث وتأويلها مذكورة في كتابنا فتح المنعم فليرجع إليها من شاء.
стр. 111
كتاب مواقيت الصلاة
٢٦ - عن عبد الله ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني".
-[المعنى العام]-
في مجال التنافس في الطاعات، ورغبة في التسابق إلى الخيرات يسأل عبد الله بن مسعود رسول الله ﷺ عن أفضل القربات. أي العمل الصالح أحب إلى الله؟ وأكثر ثوابا؟ ويجيبه ﷺ : أحب الصالحات إلى الله المحافظة على أداء الصلوات في مواقيتها، ويرى ابن مسعود أنه -بحمد الله -يقوم بهذا العمل الصالح، لكنه يجب أن يترقى ويزداد فيسأل: ثم ماذا بعد هذا؟ فيقول رسول الله ﷺ : ثم بر الوالدين، ورعاية أمورهما والإحسان إليهما، قال ابن مسعود: ثم ماذا من الأعمال أحب إلى الله بعد الصلاة على وقتها وبر الوالدين؟ قال رسول الله ﷺ : ثم الجهاد في سبيل الله.
ورغب ابن مسعود في الاسترسال في السؤال حرصا على الاستزادة من العلم ومعرفة أبواب الخير، لكنه استشعر، أو خاف ملل الرسول ﷺ فسكت شفقة منه عليه، وهو يعلم أنه لو سأل زيادة لأجيب.
стр. 112
-[المباحث العربية]-
(أي العمل أحب إلى الله؟ ) في بعض الروايات الصحيحة "أي العمل أفضل" وفي بعضها "أي الأعمال أقرب إلى الجنة" والظاهر أن بعض الصيغ من تصرف الرواة بالمعنى.
(الصلاة على وقتها) المقصود الصلاة أول وقتها على الأصح، فلفظ "على" يدل على الاستعلاء على جميع الأوقات، وفي رواية "الصلاة لوقتها" فاللام للابتداء، وقيل: إن اللام بمعنى "في" فالمراد أداؤها في أي جزء من أجزاء وقتها. وعلى هذا تكون رواية "على وقتها" دالة على التمكن من الأداء في الوقت.
(ثم أي؟ ) المضاف إليه محذوف لفظا، والتقدير: ثم أي العمل أفضل؟ .
(بر الوالدين) البر ضد العقوق، يقال بررت والدي، بفتح الباء وكسر الراء أبره، بفتح الباء، وأنا بر به، بفتح الباء، وبار، وجمع البر أبرار، وجمع البار البررة.
(حدثني بهن رسول الله) القائل عبد الله بن مسعود، وفيه إشارة لتقرير وتأكيد ما تقدم وأنه باشر السؤال وسمع الجواب.
(ولو استزدته لزادني) أي ولو استزدته من هذا النوع، وهو مراتب أفضل الأعمال، وفي رواية "فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه" أي إشفاقا وإبقاء عليه ورفقا به.
-[فقه الحديث]-
اختلف العلماء في المراد من قوله "الصلاة على وقتها" هل المقصود أول وقتها؟ أو طيلة وقتها؟ على رأس القائلين بالرأي الأول ابن بطال، إذ قال: في الحديث أن البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيها، لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب.
стр. 113
وعلى رأس القائلين بالرأي الثاني ابن دقيق العيد، إذ قال: ليس في لفظ الحديث ما يقتضي أولا ولا آخرا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. اهـ. ونحن نميل إلى رأي ابن بطال، لأن إخراجها عن وقتها محرم ولفظ "أحب" يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت، يؤيد ما ذهبنا إليه ما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي بلفظ "الصلاة في أول وقتها" وهذا لا يمنع فضل الصلاة في وقتها، لكن الصلاة في أول وقتها أفضل من الصلاة في آخر وقتها ومن جميع الأعمال.
أما بر الوالدين فالآيات تقتضي الوصية بهما، والأمر بطاعتهما، ولو كانا كافرين، إلا إذا أمرا بالشرك، فتجب معصيتهما في ذلك، عملا بقوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ وقد اختلف العلماء في تقديم حق الأم في البر على الأب، فذهب الجمهور إلى أن للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، أخذا بالحديث الصحيح "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله. من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك" وبالحديث الصحيح "إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم بالأقرب فالأقرب".
ونقل بعضهم عن مالك أنهما في البر سواء، أخذا مما روي عنه أنه سأله رجل، قال: طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال: أطع أباك، ولا تعص أمك. قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى أن برهما سواء، إذ قال الليث حين سئل عن المسألة بعينها: أطع أمك، فإن لها ثلثي البر.
هذا وتقديم الصلاة على البر لأن الصلاة شكر لله، والبر شكر للوالدين, وشكر الله مقدم على شكر الوالدين، موافقة لقوله تعالى ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾
وأما تقديم البر على الجهاد فلأن المراد هنا من الجهاد غير فرض
стр. 114
العين، وهو يتوقف على إذن الوالدين، وخص الثلاثة بالذكر لأنها علامة على غيرها، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها في غير عذر، مع خفة مؤونتها عليه وعظيم فضلها فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل برا، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك. فظهر أن الثلاثة تجتمع في أن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع. قاله الطبري.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما سبق: ]-
١ - أن أعمال البر يفضل بعضها بعضا.
٢ - الرفق بالعالم والتوقف من الإكثار عليه خشية الملل.
٣ - ما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي ﷺ والشفقة عليه.
٤ - وفيه حسن المراجعة في السؤال.
٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه؟ قالوا لا يبقي من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا".
стр. 115
-[المعنى العام]-
الصلاة مناجاة للرب، ووقوف بين يديه، تضرع ودعاء، وتسبيح وذكر واستغفار، إن هي أديت كما ينبغي تجلو القلوب من خبث الغل والحق والحسد والظن السيئ وتصفى النفوس من الحرص والتكالب على متاع الحياة الدنيا، وتحصن المسلم ضد شهوات النفس، ووساوس الشيطان ومغرياته وقد شاءت حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن يوزع هذا الدواء الروحي على ساعات الليل والنهار، خمس صلوات في كل يوم وليلة، ليرجع المؤمن إلى ربه بين الحين والحين، وكلما جذبه الشيطان ناحية الشر جذبته الصلاة ناحية الخير، يخطئ فيغفر له، فهي في يسرها وقربها من العبد ومحوها للخطايا كنهر يجري بالماء أمام البيت، يغتسل فيه جاره خمس مرات في كل يوم وليلة. كما علق به التراب، أو لحق به العرق، أو أصابه قذر الطريق، قام الغسل بإزالة كل ذلك، وأعاد إليه النضارة والنظافة والصفاء.
سؤال وجهه رسول الله ﷺ لأصحابه، ليعرفوا قدر الصلاة وأثرها فيحرصوا عليها ويحافظوا على أدائها، سؤال من واقع حياتهم، وهم الذين يعتزون بالماء، ويعرفون قدر الاغتسال به، يقول لهم: أخبروني لو أن نهرا من الماء العذب الصافي، يجري أمام بيت أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات. هل يبقى على جسده وسخ؟ فيقولون بداهة: لا. لا يبقى من وسخ على الجسم، فيقول: ذلك مثل الصلوات الخمس، تطهر المسلم بين الحين والحين، والصلاة إلى الصلاة تكفر ما بينهما، ويمحو الله بها الخطايا.
-[المباحث العربية]-
(أرأيتم) أي أخبروني بجواب هذا الاستفهام، وفي دلالة "أرأيتم" على معنى أخبروني مجازان، الأول في الاستفهام الذي هو طلب الفهم بأن نريد منه مطلق الطلب عن طريق مجاز مرسل علاقته الإطلاق بعد التقييد. الثاني في "رأي" التي هي بمعنى علم أو أبصر، بأن نريد منها المسبب عن العلم
стр. 116
أو عن الإبصار وهو الإخبار، عن طريق المجاز المرسل أيضا علاقته السببية والمسببية فيتحصل من الاستفهام والفعل طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبروني.
(لو أن نهرا) "لو" يقتضي أن يدخل على الفعل، وأن يجاب، لكنه وضع الاستفهام الآتي موضع جوابه، والتقدير لو ثبت أن نهرا صفته كذا وكذا لما بقي من الدرن شيء، والنهر بفتح الهاء وسكونها ما بين جنبتي الوادي سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه، والمراد منه هنا نفس الماء تسمية للشيء باسم محله، وجملة "لو أن نهرا" ... مستأنفة لبيان الحال المستخبر عنها: كأنه لما قال: أرأيتم؟ قالوا: عن أي شيء تسأل؟ فقال: لو أن نهرا ... إلخ.
(بباب أحدكم) أي أمام أحدكم، فهو كناية عن قرب النهر وسهولته ويسره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنهر، أو خبر "أن".
(يغتسل فيه) الجملة حال من النهر بعد وصفه، أو من ضميره في متعلق الجار والمجرور، أو من "أحدكم" أو خبر بعد خبر.
(كل يوم خمسا) "خمسا" منصوب على المفعول المطلق المبين للعدد.
(ما تقول؟ ذلك يبقي من درنه؟ ) الخطاب لكل من يتأتى خطابه، وفي رواية "ما تقولون"؟ أي ماذا تظن فتقول أيها المخاطب؟ أو ماذا تظنون فتقولون؟ أذلك يبقي من درنه؟ والدرن الوسخ، وقد يطلق على الحب الصغير الذي يظهر في بعض الأحيان في بعض الأجسام، لكن المراد هنا الأول لرواية "فأصابه وسخ أو عرق، فكلما مر بنهر اغتسل فيه" و"من" في "من درنه" تبعيضية، والتقدير: أذلك الغسل يبقي بعض درنه؟ .
(قالوا: لا يبقي من درنه شيئا) كان من الممكن أن يقولوا: لا. لكنهم صرحوا بمضمون الجواب للتأكيد والمبالغة في نفي الدرن. و"يبقي" بضم الياء وكسر القاف، والفاعل ضمير مستتر يعود على الاغتسال و"شيئا" مفعول به و"من درنه" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من "شيئا" وأصله صفة له
стр. 117
وقدمت عليه فأعربت حالا، وفي رواية "لا يبقى من درنه شيء" يفتح ياء "يبقى" ورفع "شيء" على الفاعلية.
(فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا تقرر عندكم هذا الأمر فذلك مثل الصلوات، وجملة "يمحو الله بها الخطايا" مستأنفة، أو حال من الصلوات.
والكلام على سبيل تشبيه التمثيل، أي تشبيه هيئة بهيئة، والمقصود منه هنا إبراز المعقول في صورة المحسوس، لتقريبه إلى الأذهان، وليستقر الحكم في النفس فضل استقرار وتمكن، ووجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسة في بدنه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنبا إلا أسقطته.
-[فقه الحديث]-
قال الطبري: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب، ويشكل عليه ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا "الصلوات الخمس كفارة لما بينها، ما اجتنبت الكبائر" فعلى هذا القيد [ما اجتنبت الكبائر] يحمل المطلق. اهـ.
ولا خلاف في أن المراد من الخطايا في الحديث، الذنوب الصغائر خاصة يؤكد ذلك تشبيهها بالدرن، والدرن صغير جدا بالنسبة لما هو أكبر من الأقذار أو الحبوب.
نعم الصغائر تكفر أيضا بصالحات أخرى، كصيام رمضان، وصلاة الجمعة، وباجتناب الكبائر، مصداقا لقوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ بل ببعض النوافل، كصوم يوم عرفة التي نحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.
فإن قيل: لو اجتنبت الكبائر فماذا تكفر الصلاة؟ أجيب بأن اجتناب الكبائر لا يتم إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبا للكبائر.
стр. 118
فإن قيل: إذا كفر اجتناب الكبائر الذنوب الصغائر فماذا تكفر الأعمال المندوبة الواردة في الأحاديث؟ أجيب بأن الأعمال الصالحة المكفرة للصغائر إذا لم توجد صغائر رفعت من الدرجات، وأعطت من الحسنات ما يعادل تكفيرها للصغائر، أو كفرت من الكبائر بقدرها.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - استخدام المعلم سؤال المتعلمين ليستقر الجواب في نفوسهم.
٢ - استعمال التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس.
٣ - فضيلة المحافظة على الصلوات الخمس.
٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون".
стр. 119
-[المعنى العام]-
كما فضل الله بعض الناس على بعض، وفضل بعض الأماكن على بعض فضل بعض الأوقات على بعض، وتفضيل الأماكن والأوقات تفضيل للعبادة فيهما على العبادة في غيرهما.
وقد فضل الله وقتي العصر والفجر على بقية أوقات اليوم، لأن الفجر وقت النوم، ووقت الخلود إلى الراحة، ووقت البرد في الشتاء، ولأن العصر وقت انشغال الناس بالأعمال والكسب، فكان الترغيب في المحافظة على الصلاة في هذين الوقتين، وكان فضل الله في الإثابة على صلاتهما عظيما، وشاء الله أن يباهي بعباده المصلين ملائكته، ينزل من السماء إلى الأرض ملائكة في هذين الوقتين. تنزل ملائكة الفجر فتشهد الصلاة مع المصلين، وتستمر إلى صلاة العصر، فتنزل طائفة أخرى من الملائكة تجتمع مع الأولى في صلاة العصر مع المصلين، ثم تصعد طائفة النهار إلى ربها، وتبقى ملائكة الليل فتبيت حتى الفجر، فتنزل ملائكة النهار فتجتمع مع ملائكة الليل في صلاة الفجر، ثم تصعد ملائكة الليل، فيسألهم ربهم سؤال استنطاق: كيف تركتم عبادي؟ وهو أعلم بهم، فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون.
فيا سعادة من شهدت صلاته وشهدت له الملائكة، ويا خسارة من أضاع هذا المغنم.
-[المباحث العربية]-
(يتعاقبون فيكم ملائكة) مذهب الأخفش ومن تابعه من النحويين في هذا وفي أمثاله أن الواو في "يتعاقبون" علامة جمع المذكر، وليست الفاعل، وإنما الفاعل "ملائكة" وحكوا مثله في قول العرب: أكلوني البراغيث، وحملوا عليه قوله تعالى ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾
وقال سيبويه وأكثر النحويين: لا يجوز إظهار الضمير مع وجود الفاعل
стр. 120
الظاهر، ويتأولون هذا وأمثاله، ويجعلون الضمير هو الفاعل، ويقدرون له ما يعود عليه نحو: لله ملائكة يتعاقبون فيكم، و"ملائكة" المذكور بعد الفعل أما بدل من الضمير، وإما خبر لمبتدأ محذوف.
ومعنى "يتعاقبون" تأتي طائفة عقيب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية والخطاب في "فيكم" للمصلين.
(وملائكة بالنهار) إعادة النكرة نكرة تفيد أن الثانية غير الأولى.
(ثم يعرج الذين باتوا) عرج من باب نصر، والعروج الصعود.
(فيسألهم) أي ربهم، كما صرح به في بعض الروايات، ولم يصرح به هنا للعلم به، ومقصود السؤال أن ينطقوا بالجواب. إذ هو أعلم بهم منهم.
(تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) جملة "وهم يصلون" حال وكان الترتيب الطبيعي أن يخبروا عن حالة الإتيان، ثم عن حالة الترك، لكنهم لم يراعوا الترتيب الوقوعي، لأنهم طابقوا السؤال "كيف تركتم عبادي" فقدموا جوابه، ثم زادوا عليه.
-[فقه الحديث]-
ذهب أكثر العلماء إلى أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة، الذين يكتبون أعمال العباد، فسؤاله لهم عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم والغرض من سؤالهم على هذا مدح المؤمنين، والثناء عليهم رفعا لدرجاتهم وزيادة في الرضا عنهم. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكونوا غير الحفظة فسؤاله لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وأنه ظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ قال القرطبي: وهذا من خفي لطفه، وجميل ستره جل شأنه، إذ لم يطلعهم إلا على حال عباداتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. اهـ. وهذا أيضا إنما يصح على أنهم غير الحفظة.
وتخصيص العروج بالذين باتوا في الحديث، إما للاكتفاء بذكر أحد
стр. 121
الأمرين عن الآخر، وإما لأن الليل مظنة المعصية، ومظنة التكاسل.
لكن جاء مصرحا بعروج كل من ملائكة الليل والنهار وسؤالهم في رواية ابن خزيمة. فلا حاجة إلى التكلف والتعليل فالتخصيص للاكتفاء واختيار المبيت عند الاكتفاء لأن الليل مظنة المعصية، فإذا أطاعوا فيه كانوا أكثر طاعة في غيره.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه عليها وقع السؤال والجواب.
٢ - فيه إشارة إلى عظم هاتين الصلاتين.
٣ - وفضل هذين الوقتين.
٤ - وفيه الإيذان بأن الملائكة تحب هذه الأمة ليزدادوا فيهم حبا، ويتقربون بذلك إلى الله تعالى.
٥ - وفيه دلالة على أن الله تعالى يكلم ملائكته.
٦ - وفيه الإخبار بالغيب.
стр. 122
٢٩ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وأقم الصلاة لذكري".
-[المعنى العام]-
حينما قفل رسول الله ﷺ هو وأصحابه من غزوة خيبر، وفي ليلة مظلمة بعد أن تعبوا من المسير، نزلوا يستريحون، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: من يحرسنا؟ فيظل يقظا لا ينام ليوقظنا لصلاة الفجر؟ قال بلال: أنا يا رسول الله. قال: فاحفظنا, لا تفوتنا صلاة الفجر، وناموا، وقام بلال يصلي ما قدر له، ثم أسند ظهره إلى بعير فنام، فلم يستيقظ أحد إلا بعد أن طلعت الشمس، وكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ ، فقام فزعا وقام الناس فزعين. قال: يا بلال، ألم أقل لك؟ قال: يا رسول الله. بأبي أنت وأمي أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك من النوم الغالب لقوى البشر، ما ألقيت على نومة مثل هذه النومة قط، وأخذ الصحابة يهمسون: ما كفارة نومنا عن الصلاة؟ وسمعهم رسول الله ﷺ ، فقال لهم: لكم في رسول الله أسوة حسنة، إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، ليس في النوم تفريط ولا إثم، إنما التفريط والإثم على من تكاسل وأهمل الصلاة حتى خرج وقتها، فمن نام عن صلاة، أو نسيها فليصل فورا إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، قال تعالى ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ أي لتذكرك إياها وإياي.
-[المباحث العربية]-
(من نسي صلاة) في رواية في الصحيح "من نسي صلاة أو نام عنها" وفيه "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها" والمقصود من الصلاة فريضة أي وقت، وقيل بدخول السنن الراتبة، وسيأتي إيضاحه في فقه الحديث.
(فليصل) المفعول محذوف، أي فليصلها، وفي الصحيح رواية "فليصلها" وفيه "فكفارتها أن يصليها".
стр. 123
(إذا ذكرها) أي حين ذكره لها دون تأخير.
(لا كفارة لها إلا ذلك) أي إلا أداؤها.
﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ اللام للتعليل أو للتوقيت، أي لأجل ذكري، أو حين ذكري، و"ذكري" مصدر مضاف للفاعل، أي لذكري لك، أي لأذكرك بالمدح في الملأ الأعلى، وهذا بعيد عن موطن الاستشهاد، لأن الذكر في الملأ الأعلى للأداء، والمشهود هنا القضاء، أو المعنى لتذكيري لك بها، فالذكر بمعنى التذكير وهذا أولى، أو مضاف إلى المفعول، أي لتذكرني بها بعد نسيان، وهو أقرب.
وفي الصحيح "فليصلها إذا ذكرها" فإن الله يقول ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وهي جزء آية في سورة طه، وكاملها ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ وقد قرئ "للذكرى" بفتح الراء، أي للتذكر.
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - قال النووي: يؤخذ من قوله "من نسي صلاة فليصل" في رواية "فليصلها" وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر، كنوم ونسيان، أو بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال: وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصيتها بالقضاء، قال: وهذا خطأ: من قائله وجهالة. اهـ.
والخطأ والجهالة من قائله ناشئان من أنه ظن أن القضاء من غير المعذور يخرج من وبال المعصية، ولم يقل أحد بذلك.
٢ - وظاهر قوله "إذا ذكرها" يفيد وجوب المبادرة وعدم التأخير في قضاء الفائتة عن وقت الذكر، لكنه محمول على الاستحباب، ويجوز التأخير
стр. 124
عند الجمهور، سواء فاتت بعذر أو بدون عذر، وحكي عن بعضهم أنه يجب قضاؤها على الفور إن فاتت بدون عذر، أي فيأثم بتأخيرها وتصح.
٣ - استدل بقوله "لا كفارة لها إلا ذلك" أنه لا يجب غير إعادتها، خلافا لمن قال: تعاد المقضية مرتين، مرة عند ذكرها، ومرة عند حضور مثلها الآتي أخذا بظاهر رواية في مسلم "فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" والجمهور على أن المراد من هذه الرواية أنه إذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد.
قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بالمرتين وجوبا، ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب، ليحوز فضيلة الوقت في القضاء لكن قال الحافظ ابن حجر: ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا، بل عدوا الحديث غلطا من راويه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين "أنهم قالوا: يا رسول الله. ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ قال: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".
٤ - استدل بعضهم بتنكير "صلاة" في قوله "من نسي صلاة" على عموم الفريضة والنافلة فقال بوجوب قضاء الفريضة، وباستحباب قضاء النافلة الراتبة. قال النووي: وإن فاتته سنة راتبة، ففيها قولان للشافعي وأصحهما أنه يستحب قضاؤها، وقيل: لا يستحب، وأما السنن التي شرعت لعارض كصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوهما، فلا يشرع قضاؤها بلا خلاف.
٥ - استدل باستشهاد الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵇، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ.
стр. 125
كتاب الآذان
٣٠ - عن ابن عمر ﵄ كان يقول: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم بل بوقا مثل قرن اليهود فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فناد بالصلاة".
-[المعنى العام]-
كان المسلمون بمكة قليلي العدد، يستخفون كثيرا في صلاتهم، ولا يكادون يجتمعون، وإذا اجتمعوا ترقبوا دخول الوقت، وتحينوا حينه وزمنه ثم قاموا إلى الصلاة دون أذان أو إقامة.
فلما هاجر رسول الله ﷺ وبنى المسجد النبوي وكثر المسلمون، ولم يعودوا يخشون الجهر بالعبادة، استشار رسول الله ﷺ أصحابه في وسيلة يجمع بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: نرفع راية، فإذا رآها المسلمون علموا أنه قد حان الوقت للصلاة فجاءوا، ولم يقبل هذا الاقتراح، لأن الراية لا يراها إلا قلة من المسلمين، ثم إنها لا ترى بالليل، فلا تنفع للإعلان بالعشاء والفجر. قال بعضهم: نوقد نارا عند حلول وقت الصلاة، قال ﷺ : إن رفع النار من فعل المجوس، ولا نحب أن نتشبه بهم، قال بعضهم: نتخذ قرنا وبوقا ننفخ فيه، فيرتفع الصوت، فيسمعه من يريد الصلاة.
стр. 126
قال ﷺ : اتخاذ البوق من فعل اليهود، فلا نتشبه بهم، قال بعضهم: نتخذ ناقوسا. قال ﷺ : اتخاذ الناقوس من فعل النصارى، سكت ﷺ قليلا يفكر. أليس النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا؟ أليست المشابهة في عمل من أعمالهم أقل خطرا على المسلمين من مشابهة غيرهم؟ لم لا نتخذ ناقوسا حتى يأتي أمر الله؟ فأمر ﷺ بصنع ناقوس. قال عمر: لم لا نبعث الآن رجلا عالي الصوت إلى مكان مرتفع، أو إلى باب المسجد فينادي بالصلاة؟ يجمع الناس لها، ورضي رسول الله ﷺ برأي عمر، فقال: يا بلال. قم وناد بالصلاة، فقام بلال فنادى: الصلاة جامعة.
وانصرف المسلمون إلى بيوتهم تلك الليلة، وهم مشغولون بما دار من حديث، ومنهم عبد الله بن زيد. قال: "انصرفت وأنا مهتم لهم رسول الله ﷺ فرأيت في منامي، وأنا بين النائم واليقظان، رجلا يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله. أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فلما أصبح عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما رأى، وكان الوحي قد نزل بالأذان، فقال ﷺ لعبد الله بن زيد: إنها لرؤيا حق. قم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فيؤذن به، فإنه أندى منك صوتا، وسمع عمر الأذان وكان قد رأى في منامه ما رأى عبد الله بن زيد، فخرج يجري يجر رداءه، فقال: يا رسول الله. والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل هذا.
-[المباحث العربية]-
(كان المسلمون حين قدموا المدينة) مهاجرين من مكة.
(فيتحينون الصلاة) أي يقدرون أحيانها، ليأتوا إليها، والحين الوقت والزمان.
стр. 127
(ليس ينادي لها) اسم ليس ضمير الحال والشأن، وجملة "ينادي لها" خبر ليس، والجملة حالية.
(اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى) كان ناقوس النصارى أولا خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فتحدث صوتا، ثم صاروا إلى الناقوس المعروف اليوم في الكنائس والمدارس.
(بل بوقا مثل قرن اليهود) "بوقا" مفعول به لفعل محذوف، أي اتخذوا بوقا، والبوق والقرن اسطوانة واسعة من الطرف البعيد، ضيقة من الطرف الذي ينفخ فيه، تضخم الصوت وترفعه، ويقال له: الصور، والشابور.
(أولا تبعثون رجلا) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أتقتدون بالنصارى واليهود ولا تبعثون رجلا؟ فالهمزة لإنكار الجملة الأولى وتقرير الجملة الثانية.
(ينادي بالصلاة) مراده من النداء الإعلام بالصلاة بأي لفظ، لا بلفظ الأذان.
(قم. فناد بالصلاة) المراد الإعلام المحض. والمراد من الأمر "قم" قيل: الوقوف، وقيل: الذهاب إلى البعد.
-[فقه الحديث]-
ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب بعضهم إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، والمحققون من العلماء يرون أن الصلاة فرضت في الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان في الظهر والعصر والعشاء، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية منها خفف منها في السفر.
واختلف في السنة التي شرع فيها الأذان، والراجح أن ذلك كان في
стр. 128
السنة الأولى، وقيل: كان في الثانية، أما الأحاديث التي وردت بأن الأذان شرع قبل الهجرة بعد الإسراء فهي ضعيفة لا تصح، وهي مروية عند الطبراني والدارقطني وابن مردويه قال الحافظ ابن حجر: والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك.
وظاهر حديث الباب أن النداء الأول الذي تم في جلسة التشاور كان مجرد الإعلان بحضور الوقت، وقد أخرج ابن سعد في الطبقات أن اللفظ الذي نادى به بلال للصلاة قوله "الصلاة جامعة".
وحديث الباب لا يتعرض لبدء الأذان المشروع المعروف ولا لألفاظه كيف جاءت؟ ولا من جاء بها؟ وكيف أقرت؟ والأحاديث التي تعرضت لذلك كثيرة، رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وقد عرضناها في المعنى العام عن عبد الله بن زيد، ولم يخرج البخاري ومسلم حديثه، لأنه ليس على شرطهما، وإن كان صحيحا.
والحكمة في إعلام الناس بالأذان على غير لسانه ﷺ التنويه بقدره والرفع لذكره على لسان غيره.
وقد ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء، إظهار شعائر الإسلام وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة.
والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان.
والسبب في تخصيص بلال بالنداء أنه أندى صوتا، أي أرفع وأطيب.
والصحيح أن النبي ﷺ لم يباشر الأذان بنفسه.
والأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس بالنصوص الصحيحة
стр. 129
والإجماع، ولا يشرعان لغير الخمس باتفاق، ولكن ينادي للعيدين والكسوفين والاستسقاء: الصلاة جامعة.
وفي حكمهما قيل سنة، وقيل فرض كفاية، وقيل فرض كفاية في الجمعة سنة في غيرها. وقال ابن المنذر: هما فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر.
ولا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت، وأما الصبح فيجوز أن يؤذن له بعد نصف الليل، وقال أبو حنيفة: لا يجوز قبل الفجر.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - مشروعية التشاور في الأمور لا سيما المهمة.
٢ - أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده، ثم يفعل صاحب الأمر ما ظهرت له فيه المصلحة.
٣ - وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده ولو أخطأ.
٤ - وأن المطلوب مخالفة أهل الباطل في أعمالهم.
٥ - وفيه مراعاة المصالح والعمل بها، فإنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة بسبب أشغالهم نظروا في ذلك.
٦ - استدل بعضهم بقوله: "يا بلال. قم. فناد بالصلاة" على شرعية الأذان من قيام، وأنه لا يجوز الأذان قاعدا، وفيه نظر لاختلاف المراد من الأمر "قم".
٧ - قد يؤخذ من الحديث أن الأذان للرجال، والجمهور على أنه لا يصح أذان المرأة للرجال.
٨ - واستحباب كون المؤذن رفيع الصوت حسنه.
стр. 130
٣١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا".
-[المعنى العام]-
طلب ﷺ من أصحابه أن يتقدم إلى الصف الأول أولوا العقول والفهم والعلم، ولكن كيف يستجيبون لذلك؟ وهم المتواضعون الذين يحسنون الظن بغيرهم؟ قبل أن يحسنوه بأنفسهم؟ من منهم الذي يدعي لنفسه أنه خير القوم عقلا وعلما حتى يتقدم؟ لقد دفعهم تواضعهم وهضمهم لأنفسهم إلى أن يتأخروا عن الصف الأول، حتى كاد يختل توازنه وتراصه، بل حتى خلا الصف الأول، وأصبح بين الإمام وبين المأمومين ما يسع صفا أو أكثر، لقد رغب ﷺ في الصف الأول كثيرا، قال: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم" وقال "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف
стр. 131
النساء آخرها، وشرها أولها" ولم يتغلب الترغيب على هضم النفس والتواضع فظلوا يتأخرون عن الصف الأول، حتى قال ﷺ "لا يزال قوم يتأخرون [عن الصف الأول] حتى يؤخرهم الله" وربط فضل الصف الأول بميزة يؤمن بها الصحابة، ربطه بالأذان وفضل المؤذنين وقد علم عندهم أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة، فقال: لو يعلم المسلمون فضيلة المؤذن وفضيلة الصلاة في الصف الأول لاستبقوا إليهما ولتنافسوا وتباروا في الوصول إليهما حتى يضطروا إلى القرعة تفصل بينهم، وتقدم بعضهم، ولما كان المقام بيان التسابق في الخيرات اقتضى أن يقرن بذلك الدعوة إلى التسابق إلى الصلاة والتبكير إليها، وبخاصة صلاة العشاء وصلاة الفجر، وهما أثقل صلاة على المنافقين فقال: لو يعلم المسلمون ما في التبكير إلى الصلاة من الأجر لتسابقوا بشأنه ولو يعلمون ما في صلاة العشاء والفجر من الأجر لأتوهما سراعا ولو كانوا مرضى لا يستطيعون المشي، لأتوهما حبوا على أيديهم وأرجلهم.
-[المباحث العربية]-
(لو يعلم الناس ما في النداء) المراد به الأذان، أي لو يعلمون ما في مباشرته وأدائه من الأجر.
(والصف الأول) ما يلي الإمام مطلقا، وقيل: أول صف تام يلي الإمام لا ما يتخلله شيء، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف وهو أضعف الأقوال، وأقواها الأول.
(ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) الاستهام الاقتراع، والمعنى أنهم لو علموا فضيلة الأذان، ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به، لضيق الوقت عن أذان بعد أذان، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله.
(ولو يعلمون ما في التهجير) أي التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت وخصه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور الأول.
стр. 132
(ولو يعلمون ما في العتمة والصبح) أي صلاة العشاء والفجر.
(لأتوهما ولو حبوا) بفتح الحاء وسكون الباء، وهو المشي على اليدين والرجلين.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام، لأنه أولى بالإكرام ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو، لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها وينقلوها ويعلموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم.
ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والقضاء، والذكر والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث ونحوها، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ذلك: ]-
١ - فضيلة الأذان والمؤذن.
٢ - فضيلة الصف الأول فالأول.
٣ - مشروعية القرعة عند التنازع وعدم المرجح.
٤ - فضيلة التهجير والتبكير إلى الصلاة.
٥ - جواز تسمية العشاء عتمة، وقد ثبت النهي عنه، قال النووي: وجوابه من وجهين. أحدهما أن هذه التسمية بيان للجواز، وأن ذلك النهي ليس للتحريم، والثاني وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة، ولنفي مفسدة، لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب، فلو قال: لو يعلمون ما في العشاء والصبح لحملت على المغرب، وفسد المعنى، وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها، وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.
стр. 133
٦ - فيه الحث على حضور جماعة العشاء والفجر، والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس، من تنغيصهما أول النوم وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين.
٣٢ - عن أبي قتادة ﵁ قال: "بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
-[المعنى العام]-
لصلاة الجماعة فضيلة يسعى إليها كل مسلم، وللمبادرة إلى اقتناصها من أولها فضيلة يحرص عليها كل مصل، ولهذا كان الصحابة يحرصون على هاتين الفضيلتين كل الحرص، وكانوا يسارعون ويتسابقون، لدرجة الجري والقفز. وللصلاة قدسيتها، لأنها مناجاة لله، وساحة المناجاة والتهيؤ لها يعطي حكمها من التقديس والوقار. أمام هذين الوضعين كان التوجيه النبوي الكريم.
стр. 134
سمع رسول الله ﷺ أصوات وحركات أصحابه يسعون ويهرولون للحاق به وهو في الصلاة، حيث كانت مواضع وضوئهم بعيدة عن مكان الصلاة فلما سلم من صلاته قال لهم: ما هذه الجلبة؟ ولماذا ما سمعت من حركات؟ قالوا: أسرعنا الخطا، وتعجلنا اللحاق بك، لندرك أكبر قدر من الائتمام والفضيلة. قال: لا تعودوا لمثلها، ولا تسعوا عند إتيانكم الصلاة ولكن ائتوها مشيا قريب الخطا، وعليكم بالسكينة في طريقكم، والخشوع والوقار في مشيتكم لها، فإن أحدكم إذا كان يقصد المسجد للصلاة، لا يدفعه لذلك إلا الصلاة، فهو في خطواته كما لو كان في صلاة، له ثوابها ويكتب له أجرها، فما أدركتم مع الإمام فصلوا معه، وما سبقكم به منها فأتموه، وائتوا به بعد سلام الإمام.
-[المباحث العربية]-
(بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع) "بينما" أصله "بين" زيدت عليه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، فيقال "بينا" وهي ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة، من فعل وفاعل، أو من مبتدأ وخبر ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى، ويصدر بإذ، أو إذا، أو الفاء، وبدون شيء من ذلك.
(جلبة الرجال) "أل" في "الرجال" للعهد، أي المصلون، والمراد بعضهم، وفي رواية في الصحيح "جلبة رجال" بالتنكير، والجلبة الأصوات المختلطة ولم تعرف أسماؤهم، وسمى منهم الطبراني أبا بكرة.
(ما شأنكم) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والشأن بالهمز وبالتخفيف هو الحال.
(استعجلنا إلى الصلاة) السين والتاء للطلب، أي طلبنا العجلة وقصدناها أو للصيرورة، أي صرنا عجلين.
(فلا تفعلوا) المفعول محذوف، أي لا تفعلوا العجلة والإسراع، والفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا تأخرتم فلا تفعلوا.
стр. 135
(إذا أتيتم الصلاة) أي إذا قصدتم وتحركتم لإتيانها.
(فعليكم بالسكينة) الفاء في جواب "إذا" و"عليكم" اسم فعل أمر بمعنى الزموا، والياء زائدة داخلة على المفعول به، ومثلها كثير في الأحاديث الصحيحة، كقوله "عليكم برخصة الله". "فعليه بالصوم". "عليكم بقيام الليل" وقد لا تزاد كقوله تعالى ﴿عليكم أنفسكم﴾ وقد جاء في رواية في الصحيح "عليكم السكينة" ويجوز رفع السكينة على أنها مبتدأ مؤخر و"عليكم" خبر مقدم. والسكينة الوقار، وفي رواية "وعليه السكينة والوقار" فالعطف تفسيري مؤكد.
وقيل إن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة من غض البصر وخفض الصوت ونحو ذلك.
(فما أدركتم فصلوا) أي فالقدر الذي أدركتموه من الصلاة مع الإمام فصلوا معه.
(وما فاتكم فأتموا) لفظ الإتمام يقع على باق من شيء قد تقدم أكثره أو بعضه، فظاهره أن ما فاته هو بالنسبة له آخر صلاته لا أولها، وسيأتي أيضا ذلك في فقد الحديث.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث الندب الأكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيا، سواء في ذلك صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أو لا. اهـ.
وهذا التعميم الذي ذكره النووي هو ما عليه عامة العلماء، وقد جاء عن الإمام أحمد قوله: ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئا ما لم يكن عجلة تقبح. وعن بعض اللف أن الإسراع المنهي عنه هو الإسراع المفضي إلى عدم الوقار. والأصح ما ذكره النووي.
ولا يقال: إن النهي عن السعي إلى الصلاة هنا يتعارض مع الأمر به
стр. 136
في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ لأن المراد من السعي المنهي عنه في الحديث الجري والعجلة، لمقابلته بالأمر بالمشي، والمراد من السعي المأمور به في الآية المضي والذهاب، لمقابلته بترك البيع، والاستعمالان لغويان.
قال الحافظ ابن حجر: وعدم الإسراع يستلزم كثرة الخطأ، وهو معنى مقصود لذاته، وردت فيه أحاديث، كحديث جابر عند مسلم "إن بكل خطوة درجة".
واختلف الفقهاء فيما يدركه المسبوق مع الإمام، هل هو أول صلاته؟ أو آخرها؟ على ثلاثة أقوال. الأول: أن ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها، فلو أدرك الركعتين الأخيرتين من العشاء مثلا كانتا بالنسبة له الأوليين، فإذا سلم الإمام أتم المأموم بركعتين، لا يجهر فيهما ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة. وهذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ودليله روايات "وما فاتكم فأتموا" والإتمام لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وروايات "أتموا" هي الصحيحة، ورواية "فاقضوا" فيها كلام. ثم إن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا، لكنه يطلق على الأداء، فحمله على الأداء يوافق الرواية الأخرى ولما كان مخرج الحديث واحدا والاختلاف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى يتم به الاتفاق كان ذلك أولى.
ومن أدلة هذا المذهب أنه يجب على المسبوق أن يتشهد في آخر صلاته على كل قول، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له، لما احتاج إلى إعادة التشهد. ومن أدلته أيضا أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الركعة الأولى، فما أدركه المأموم إنما هو أول صلاته.
المذهب الثاني: أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، وعليه بعد تسليم الإمام أن يقضي أول صلاته، بما ينبغي له من أقوال وأفعال، على الهيئة اللازمة للأول، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد ورواية عن مالك
стр. 137
وهو قول كبار المالكية، دليلهم رواية "صل ما أدركت واقض ما سبقك".
المذهب الثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فلا يجهر في الإتمام بعد سلام الإمام، وآخر صلاته بالنسبة إلى الأقوال، فيقضي الأوليين بالفاتحة والسورة. وهو قول مالك في المشهور، ودليله ما رواه البيهقي عن علي "ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك من القرآن".
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - يؤخذ من قوله "وما فاتكم فأتموا" جواز قول: فاتتنا الصلاة. وأنه لا كراهة فيه، وكرهه ابن سيرين وقال: إنما يقال: لم ندركها. إذ فيه نسبة عدم الإدراك إلينا بخلاف فاتتنا. وكلام ابن سيرين غير صحيح.
٢ - فيه أنه يستحب للذاهب للصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلم بقبح، ولا ينظر نظرا قبيحا.
٣ - استدل بقوله "إذ سمع جلبة الرجال" على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يفسد الصلاة.
٤ - استدل بالحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله "فما أدركتم فصلوا" ولم يفصل بين القليل والكثير. وهذا قول الجمهور وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة. ولا يخفى أن إدراك فضيلة الجماعة شيء، ومساواة من أدرك تكبيرة الإحرام للمسبوق في أجر الجماعة شيء آخر.
٥ - استدل بالحديث على استحباب دخول المسبوق مع الإمام في أي حال وجد عليها، وفيه حديث صريح عند ابن أبي شيبة"من وجدني راكعا أو قائما أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها.
стр. 138
٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء".
-[المعنى العام]-
من أبرز أهداف الإسلام ترابط المجتمع، وغرس المودة والمحبة بين أبنائه حتى يصبح كالجسد الواحد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولقد ولد الإسلام في مجتمع متفرق، لا يضمه هدف، ولا تجمعه غاية، يغير بعضه على بعض، وتترفع كل قبيلة على الأخرى، فحارب الإسلام هذه العصبية، وسوى بين الناس كأسنان المشط، ونادى بقرآن يتلى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾
стр. 139
وكان لا بد من وسائل تقود إلى غرس هذا المبدأ، وكان لا بد من تدريبات عملية تطبع المسلمين على الإحساس بهذه المساواة، فكانت صلاة الجماعة، إمامها رسول الله ﷺ ، ومناديها بلال بن رباح العبد الحبشي، يقف المسلمون فيها صفوفا كصفوف الملائكة. المناكب ملاصقة للمناكب والأقدام مساوية للأقدام، الغني بجوار الفقير، والقوي بجوار الضعيف، الكل يتحرك حركة واحدة، ويسكن سكونا واحدا، فإذا ما قضيت الصلاة التقى المسلمون بعضهم ببعض، فدرسوا مصالحهم، وسأل بعضهم عن أحوال بعض، وعرفوا غائبهم، لقاءات في المسجد، خمس مرات كل يوم وليلة.
ودخل في الإسلام منافقون، ثقلت عليهم صلاة الفجر وصلاة العشاء وثقلت عليهم الجماعات، فكانوا يتخلفون، وكرر الرسول ﷺ على مسامعهم الترغيب في الجماعة، فصموا آذانهم، فكان المناسب لهم الوعيد والتهديد، فقال رسول الله ﷺ : لقد فكرت، وهممت أن أنفذ فكرتي أن يؤذن المؤذن للصلاة ويقيم، ثم آمر رجلا يصلي بالناس بدلا مني، ثم آخذ بعض الفتية، وبعض حزم الحطب، فنحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة وهم فيها، وخاف المنافقون، وضعاف الإيمان من التهديد، فحافظوا، حتى المريض الذي لا يستطيع المشي كان يأتيها بين رجلين يستند إليهما، وحتى الأعمى الذي يشكو تعثره في الظلماء، وفي السيل، لم يؤذن له بالتخلف عن الجماعة، وأصبحت الجماعة في المسجد لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، مغاضب لله ورسوله والمسلمين.
﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾
-[المباحث العربية]-
(لقد هممت) اللام في جواب القسم، ومعنى "هممت" قصدت، والهم العزم، وقيل: دون العزم.
(أن آمر بحطب فيحطب) أي فيجمع.
(أن آمر بالصلاة) "أل" في "الصلاة" للجنس فهي عامة، وقل: للعهد والمعهود العشاء أو الفجر أو الجمعة، روايات.
стр. 140
(ثم أخالف إلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، وقيل: أتخلف عن الجماعة وأذهب إليهم، أي أخالف المصلين قاصدا إلى بيوت رجال. والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان.
(فأحرق عليهم بيوتهم) "أحرق" بتشديد الراء المكسورة للمبالغة في التحريق بالنار.
(عرقا سمينا) بفتح العين وسكون الراء هو العظم الذي عليه قليل اللحم.
(أو مرماتين حسنتين) "أو" للتنويع، لا للشك، والمرماة بكسر الميم، وقد تفتح، هي ظلف الشاة، أو ما بين ظلفيها من اللحم وقيل: اسم سهم يرمى به في الصيد، والمقصود به الخسيس الحقير من متاع الدنيا.
-[فقه الحديث]-
يشير الحديث إلى صلاة الجماعة، والتشديد في الأمر بها، والتخويف من التهاون فيها، أما فضلها فقد وردت فيه أحاديث كثيرة، وأنها أفضل من صلاة الفرد بخمس وعشرين -أو سبع وعشرين -درجة.
وأما حكمها ففيه أربعة مذاهب:
الأول: أنها فرض عين وشرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها إلا لعذر، وهو مذهب داود الظاهري، ورواية عن أحمد، ودليلهم ظاهر التهديد في الحديث، وهو عقوبة لا يعاقب بها إلا الكفار.
وهذا المذهب أضعف المذاهب وأبعدها عن الصواب.
المذهب الثاني: أنها فرض عين، وليست شرطا لصحة الصلاة فتصح الصلاة بدونها مع الإثم، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر، ودليلهم دليل الأولين ... وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبي ﷺ بها كافيا، ولو كانت سنة لما هدد تاركها بالتحريق، كما استدلوا على فرضيتها بصلاة
стр. 141
الخوف، إذ فيها أعمال منافية للصلاة، ارتكبت من أجل الجماعة، ولم يرخص بترك الجماعة في هذه الشدة، ولا يعمل ذلك لأجل فرض الكفاية، ولا للسنة، ثم إن النبي ﷺ لم يرخص لابن أم مكتوم وهو أعمى في ترك الجماعة، ولو كانت فرض كفاية، أو سنة لرخص له.
المذهب الثالث: أنها فرض كفاية، وهو مذهب جمهور المتقدمين من الشافعية، وبه قال كثير من الحنفية والمالكية.
المذهب الرابع: أنها سنة مؤكدة، وهو المشهور عند الآخرين، وقد أجابوا عن ظاهر الحديث بعدة أجوبة، أهمها:
١ - أن الحديث نفسه يدل على عدم الوجوب، لكونه ﷺ هم ولم يفعل، ولو كانت فرض عين لنفذ ما هم به. فتركه التحريق بعد التهديد دليل عدم الفرضية.
٢ - لو كانت فرضا لقال ﷺ للذين صليا في رحالهما من غير جماعة: أعيدا صلاتكما، أو أنتما آثمان، لكنه قال "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا، فإنها لكما نافلة".
٣ - قال الباجي: إن الحديث ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة.
٤ - قال بعضهم: إن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسا لا مجرد الجماعة.
٥ - قال بعضهم: إن فرضية الجماعة كان في أول الإسلام، لأجل سد الباب على المنافقين، ثم نسخ.
٦ - إن المراد بالصلاة صلاة الجمعة خاصة.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - أخذ منه بعضهم أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية.
стр. 142
٢ - أن الإمام إذا عرض له شغل استخلف من يصلي بالناس.
٣ - وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر.
٤ - تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وأن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى.
٥ - وجواز أخذ أهل الجرائم على غرة.
٦ - استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونا بها ورد بأن التهديد بالتحريق لا يلزم منه حصول القتل، لا دائما ولا غالبا.
٧ - وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة، لإخراج من يستخفى في بيته ويتركها.
٨ - استدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل.
٣٤ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام".
стр. 143
-[المعنى العام]-
إذا كانت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد منفردا بخمس وعشرين درجة كان على المسلمين أن يحرصوا عليها، وأن يتحملوا في سبيل تحصيلها ما يقابلهم من صعاب، الوضوء بالماء البارد في شدة البرد، والمشي طويلا لبعيد الدار عن المسجد، وانتظار الصلاة حتى تقام، ولكل من ذلك أجر، فمن توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يشغله، ولا يحركه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا كان له بها حسنة، وحط عنه بها سيئة، فإذا ما دخل المسجد، وجلس ينتظر الصلاة، كان في ثواب صلاة، حتى يدخل في الصلاة.
لقد خفي على بعض المسلمين ما في كثرة الخطا إلى المسجد من الأجر وكانوا يسكنون في أقصى المدينة، على بعد ميل من المسجد، فدفعهم حرصهم على الجماعة، أن يبيعوا بيوتهم، ويشتروا بدلها بيوتا بجوار المسجد، وعلم الرسول ﷺ فقال لهم: لا. يا بني سلمة. الزموا بيوتكم لا تبيعوها وتحملوا مشاق الوصول إلى المسجد، فإن الله يكتب لكم آثاركم يكتب بكل خطوة حسنة، فأعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم ممشى فأبعدهم ممشى قالوا: سمعنا وأطعنا يا رسول الله. وظل الصحابة يحرصون على انتظار صلاة الجماعة في المسجد ابتغاء الأجر الوفير وبخاصة في صلاة العشاء التي كانت تؤخر أحيانا، لعلمهم أن الذي يطول انتظاره لصلاة الإمام خير من الذي يصلي منفردا، ثم يذهب إلى بيته فينام.
-[المباحث العربية]-
(أعظم الناس أجرا) منصوب على التمييز.
(أبعدهم، فأبعدهم ممشى) أي أكثرهم بعدا عن المسجد، ثم من هو دونه فالفاء للترتيب التنازلي في أعظم الأجر، و"ممشى" اسم مكان منصوب على التمييز.
стр. 144
(والذي ينتظر الصلاة، حتى يصليها مع الإمام) أي جماعة.
(أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام) قال الحافظ ابن حجر: أي سواء صلى وحده أو في جماعة. اهـ. قال الكرماني: وفائدة ذكر "ثم ينام" هنا الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقة، التي في ضمن الانتظار. اهـ. أي فليس النوم مقصودا، فكأنه قال: أعظم أجرا من الذي يصلي، ثم يذهب ليستريح، وحملها بعضهم على النوم الحقيقي، فحمل الصلاة على صلاة الظهر والعشاء. وهو بعيد.
-[فقه الحديث]-
يرتبط هذا الحديث بفضل صلاة الجماعة، وأنها تزيد على صلاة الرجل وحده بخمس -أو سبع -وعشرين درجة، وقد حاول بعض العلماء أن يدخل في سبب هذه الزيادة إحسان الوضوء والخروج من البيت لا يقصد إلا الصلاة والخطوات إلى المسجد وانتظار الصلاة.
والذي نستريح إليه أن التضعيف إلى خمس وعشرين عام في الجماعات في أي مكان، سواء أكانت في المسجد الجامع أم في أي مسجد، أم في دور العلم أم في البيت، أم في السوق، مع تقرير نوع زائد من الفضل، وقدر خاص من الثواب للجماعة في المسجد الجامع، وللجماعة في المسجد ولكثرة الخطا، ولانتظار الصلاة.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - كثرة الأجر بكثرة الخطا في المشي إلى المسجد، وقد اختلف العلماء فيمن كان بجوار المسجد، هل يجاوزه للصلاة في مسجد أبعد؟ كرهه بعضهم مطلقا، واستحسنه بعضهم مطلقا، واستحسنه بعضهم إذا كان الأبعد المسجد الجامع، لزيادة الفضل بكثرة المصلين، واشترط بعضهم أن لا يكون في المسجد البعيد مانع من الكمال، كأن يكون إمامه مبتدعا أو لحانا في القراءة، أو مكروها من قومه، وأن لا يكون في ذهابه إلى البعيد هجر للمسجد القريب، وإلا فإحياؤه بالذكر أولى.
стр. 145
كما اختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد، وقارب الخطا، بحيث يساوي عدد خطاه عدد من داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟ مال الطبري إلى المساواة، ويستأنس له بما رواه ابن أبي شيبة من طريق أنس قال: "مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا، وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد" والحق أن هذا وإن دل على فضل تكثير الخطا فإنه لا يدل على المساواة، لأن ثواب الخطا الشاقة ليست كثواب الخطا الكثيرة السهلة، وحديثنا يربط الأجر ببعد المكان لا بعدد الخطوات.
٢ - ويؤخذ من الحديث فضل انتظار الصلاة بالمسجد، حتى لو شارك نية الانتظار أمر آخر، وظاهر العبارة أن الأجر لمنتظر الصلاة سواء أكان انتظاره خارج المسجد أو داخله، لكن رواية "فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه" يشير إلى أن أعظم الأجر مرتبط بالمكان وبالنية.
٣ - يؤخذ من عموم قوله "أعظم أجرا من الذي يصلي، ثم ينام" أي سواء صلى وحده، أو في جماعة، أن صلوات الجماعة تتفاوت في الأجر.
следующие страницы →