← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14106

المنهل الحديث في شرح الحديث

موسى شاهين لاشين

Полный текст (1 103 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه) أي لم يفعل كما فعل زميله الأول فترك المزاحمة حياء من النبي ﷺ ومن أصحابه، أو المراد أنه لم يفعل كما فعل زميله الثالث أي استحيا من الذهاب عن المجلس، يشير إلى هذا المعنى رواية الحاكم ولفظها "ومضى الثاني قليلا، ثم جاء فجلس". (وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) أي أعرض عن مجلس العلم وانصرف عنه، فعامله الله تعالى وجزاه على إساءته إعراضا عنه، وصرفا لرحمته ورضوانه عنه، والإعراض في الأصل انصراف النفس عن الشيء وعدم التوجه إليه، ففي الكلام مشاكلة ومقابلة، كقوله تعالى ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ وقد وصف إعراض الله تعالى في حديث "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ... " الحديث. فالمراد من الإعراض الإهمال، وعدم الإحسان. -[فقه الحديث]- لم يتعرض الحديث بالنسبة للذين جلسا في مجلس العلم إلى تسليمهما، هل سلما؟ فرد ﵉؟ أو لم يسلما؟ ولا إلى أنهما صليا تحية المسجد أو لم يصليا؟ وقد تناول العلماء هاتين النقطتين بالتأويل والتوجيه، فقيل: لعلهما سلما، ورد الرسول ﷺ والصحابة السلام، أو أنهما سلما، ولم يرد أحد عليهما، لأن المشتغل بالعلم، المستغرق في العبادة لا يجب عليه الرد ولم ينقل إلينا هذا أو ذلك لشهرته، وعدم الحاجة إلى الإخبار به، وقيل: لعلهما لم يسلما اعتمادا على عدم مشروعية السلام على المشتغل بالعلم. وعلى كلا الجوابين لا مؤاخذة عليهما. إذ لو أتيا ما يلامان عليه لنبههما ﷺ وعلمهما، فلا وجه لهذا الإشكال أساسا، أما الإشكال الثاني فقد قيل: لعلهما كانا على غير وضوء، ورد بأنه لو كان كذلك لنبههما ﷺ فاعتذرا ولم ينقل إلينا شيء من ذلك، وقيل: لعل دخولهما كان في وقت كراهة التنفل، ويرده الشافعية بأن تحية المسجد لا تكره في أي وقت، وقيل: لعلهما صليا، ولم ينقل إلينا لاهتمام الرواة بغير ذلك من القصة،

стр. 37

وعلى كل لم يثبت أنهما أتيا ما يلامان عليه، فليس في الحديث دليل على إثبات حكم، أو نفيه، لأن ما سكت عنه الراوي لا يستدل به على نفي أو إثبات. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - اتخاذ المسجد مكانا لدراسة العلم والوعظ. ٢ - استحباب التحليق في دروس العلم ومجالس الذكر، لأن ذلك أدعى إلى القرب من المعلم والقائد. ٣ - وأن من سبق إلى مكان في الحلقة أو في المسجد كان أحق به. ٤ - استحباب القرب من المعلم للتبرك، وللمناقشة، وللتمكن من السماع. ٥ - سد الخلل والفرجة في حلقة العلم، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة. ٦ - جواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ، فإن خشي استحب الجلوس حيث ينتهي، كما فعل الثاني، قاله الحافظ ابن حجر، والتحقيق أن الحديث لا يشير إلى ذلك، وإن كان هذا الحكم صحيحا، فقد تكون الفرجة في الحلقة الخارجية إن كانت هناك حلقات، على أن ظاهر الحديث أنها كانت حلقة واحدة، وإلا لقال "فرأى فرجة في إحدى الحلقات ... ". ٧ - وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير. قاله الحافظ ابن حجر أيضا. وليس في الحديث إشارة إلى المزاحمة. ٨ - فضيلة الاستحياء من الانصراف عن باب الخير ودرس العلم، أو من المزاحمة في الحلقات، والثناء على المستحي. ٩ - استحباب الجلوس حيث ينتهي المجلس. ١٠ - ذم من سنحت له فرصة الخير والعلم فانصرف عنها، وهو

стр. 38

محمول على فعل ذلك بدون عذر. ١١ - جواز الدعاء على المذنب بسخط الله، وهذا على أن قوله: "فأعرض الله عنه" خبر لفظا، إنشاء ودعاء معنى، وعلى أنه كان مسلما معرضا بغير عذر، والأولى أن يقال: إنه كان منافقا، أو أطلع الله نبيه ﷺ على أمره أما المسلم فلا يدعي عليه. ١٢ - جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة. ١٣ - الثناء على من فعل جميلا. ١٤ - وابتداء العالم جلساءه بما يزيل عنهم الشبهات ويوضح لهم أسرار الوقائع.

стр. 39

٩ - عن ابن شهاب قال قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيبا يقول سمعت النبي ﷺ يقول "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". -[المعنى العام]- بينما كان ﷺ يوزع الصدقات والأعطيات على مستحقيها اعترض أحدهم على القسمة، فقال: اعدل يا رسول الله. قال: ويحك؟ من يعدل إذا لم أعدل؟ تفقه يا هذا في دينك، وتعلم قواعد شريعتك، وتفهم أحكام الإسلام، والرضا بما حكم نبيه، ومن لم يتفقه في الدين حرم الخير، ولم يبال الله به، وإن من فقه الدين أن تعلم يا هذا أن الله هو المعطي، هو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير، إنه على كل شيء قدير، وإن من الدين أن تعلم يا هذا أنني ما أنا إلا قاسم وموزع ومناول، ما أنا إلا أداة منفذة لإرادة الله، وإرادة الله فوق كل شيء، وهو الذي يعطي، تعلم يا هذا فقه الدين، واسلك طريق من أراد اللهم بهم خيرا، فهم قناديل منيرة في كل عصر، يبقون على الحق ما بقي الزمان، لا يطفئهم أعداء الله، ولا يضرهم العتاة، حتى يأتي أمر الله، وتقوم الساعة. فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب. -[المباحث العربية]- (عن معاوية بن أبي سفيان) أصل السند في البخاري: قال حميد بن

стр. 40

عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبا يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول) قال الزمخشري: تقول: سمعت رجلا يقول كذا، فتوقع السمع على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفت الرجل بما يسمع، في مثل: سمعت رجلا يقول كذا، أو جعلت ما يسمع حالا من الرجل إذا كان معرفة، كما في "سمعت رسول الله ﷺ يقول: فأغناك الوصف أو الحال عن ذكر المسموع وهو القول، ولولا الوصف أو الحال لم يكن بد من أن يقال: سمعت قول فلان ... إلخ. انتهى بتصرف. (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) "يفقهه" بسكون الهاء، مجزوم جوابا للشرط، أي يفهمه، يقال: فقه بضم القاف إذا صار فقيها والفقه سجية له، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم. وفقهه الله، صيره وجعله يفهم، ويسابق في الفهم، ويصبح الفهم سجية وملكة له، ولما كان الفقه في اللغة يشمل الفهم في أي من الأمور، دنيوية أو أخروية خصه هنا بالفهم في الدين، أي فهم كلام الله وكلام رسوله ﷺ سواء كان في العقائد، أو الأحكام الفرعية، أو مطلق التفسير أو مطلق الحديث أو الآداب، وهو المراد من الخير الخير الأخروي، ونكر "خيرا" ليشمل القليل والكثير، بناء على أن التفقه في الدين موزع يزيد وينقص على مختلف الفقهاء. (وإنما أنا قاسم، والله يعطي) "إنما" أداة قصر، وهو هنا من قصر الموصوف على صفة، وهو غير حقيقي بل إضافي، قصر قلب لمن يعتقد أنه معط فقط، وقصر إفراد لمن يعتقد أنه قاسم ومعط، أي أنا قاسم ولست معطيا أي ما أنا إلا واسطة مناولة وتوصيل، والعطاء الحقيقي كله من الله. والمقسوم والمعطي محذوف للتعميم، أي كل ما أوصله ليس لي فيه إلا المناولة وقصر المقسوم والمعطي على مال الفيء والصدقة مراعاة لسبب ورود الحديث أو قصره على الموحي به وتبليغه مراعاة لصدر الحديث "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وقصره على هذا أو ذاك تضييق لواسع. لكن أيا من هذين الأمرين يصلح وجه ارتباط بين هذه الجملة وبين صدر

стр. 41

الحديث، وعبر بالمضارع بدل اسم الفاعل في "يعطي" لإفادة التجدد والحدوث وتوالي النعم والعطاء، وجملتا " " معترضتان بين المبتدأ والخبر للتنزيه والتقديس. (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله) أي على دين الله وفقهه، والمراد بالأمة أمة الإجابة، وتصدق ببعض أفرادها، وما يقوم به بعضها يستند وينسب إليها، أي وسيظل بعض أفراد هذه الأمة متفقهين في دين الله. أما من هم المقصودون بهذا البعض؟ فآراء، تأتي في فقه الحديث. وأما علاقة هذه الجملة بما قبلها فهي رفع إيهام أن الخير والتفقه في الدين مرتبط بزمن أو قرون. (لا يضرهم من خالفهم) أي لا يثنيهم وعد أو وعيد عن قيامهم على دين الله، وجهرهم بالحق، وصلابتهم فيه. (حتى يأتي أمر الله) أي قيام الساعة. أي إلى نهاية الدنيا، وبعدها يكون الحكم لله وحده، والأمر لله وحده، ولا تكليف، فلا وجه للاستشكال بأن ما بعد "حتى" يخالف ما قبلها، فيترتب عليه أن هذه الأمة بعد قيام الساعة لا تقوم على أمر الله، أو يضرها حينئذ من خالفها، وقيل: إن لفظ الغاية قصد به التأبيد، كقوله تعالى ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض﴾ أي قائمين على دين الله أبدا، أو لا يضرهم من خالفهم أبدا وقيل: المراد من أمر الله الثاني فتنة الدجال، فما بعد الغاية يخالف ما قبلها وأحسن التوجيهات هو الأول. -[فقه الحديث]- إذا كان الحديث قد سيق إثر اعتراض أحد الصحابة على عطاء أعطيه من رسول الله ﷺ دون ما كان يطمع، أو اعتراضه على تقسيم الرسول ﷺ لبعض الفيء والصدقات، وأنه أريد به إلزام المعترض بالتسليم، وإرشاده إلى الاستزاد من التفقه في دين الله، ليعلم أن الإيمان الحقيقي في قبول ما جاء وما يجئ به محمد ﷺ وأن (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وتوجيهه إلى

стр. 42

فهم قوله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ وإذا كان هذا هو المورد فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن التفقه في الدين خير، قال الحافظ: ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين ويعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير. ٢ - أن التفقه في الدين لا يكون بالاكتساب فقط، بل بالاكتساب لمن يفتح الله عليه به. ٣ - أن من يفتح الله عليه بذلك سيبقى جنسه موجودا حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وفي نوعية هذا الجنس قال بعضهم: هم أهل العلم بالقرآن والحديث والآثار، وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ وقال القاضي عياض: أراد أحمد: أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وهذا توجيه حسن، ووسع الإمام النووي الدائرة فقال: يحتمل أن تكون هذه الطائفة من أنواع المؤمنين، ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد ومن زاهد، ومن آمر بالمعروف، ومن فقيه ومحدث وغير ذلك من أنواع الخير، ومن حيث اجتماع هذه الطائفة في مكان قال: ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا متفرقين. اهـ. وفي استمرار هذا النوع إلى قيام الساعة كلام كثير استدعاه أحاديث صحيحة، منها "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس". "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة، كحفالة الشعير أو التمر (أي ما يتساقط من قشور الشعير والتمر) لا يبالهم الله باله". تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز (أي يركب بعضهم بعضا) على أولئك تقوم الساعة". "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر

стр. 43

فيهم السمن" وفيه "يبعث الله ريحا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان". هذه الأحاديث في البخاري ومسلم، ويتعارض ظاهرها مع حديثنا، قال الحافظ ابن حجر: وجدت في هذا مناظرة. أخرج الحاكم أن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية. فقال عقبة بن عامر: أعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك". فقال عبد الله: أجل "ويبعث الله ريحا، ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة". قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا فالمراد من قوله في حديث عقبة "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. اهـ ويمكن في حديثنا حمل قوله "حتى يأتي أمر الله" على معنى: حتى يأتي أمر الله بهذه الريح فتقبضهم" والله أعلم. ٤ - وفي الحديث بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس. ٥ - ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. ٦ - أخذ منه بعضهم دليلا على حجية الإجماع، لأن مفهومه أن الحق لا يعدو هذه الأمة. ٧ - استدل به البعض على امتناع خلو أي عصر عن مجتهد. ٨ - فيه أدبه ﷺ ورأفته بأمته، حيث لم يغلظ القول لمن اعترض عليه بل وجهه برفق إلى تعلم الدين. ٩ - وفيه اعترافه بأن المعطي لكل شيء هو الله تعالى وأن الإنسان ما هو إلا واسطة.

стр. 44

١٠ - وفيه إخباره ﷺ بالمغيبات، وما يكون في آخر الزمان والله أعلم.

стр. 45

كتاب الخلق ١٠ - عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال "لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". -[المعنى العام]- سبحان من خلق الإنسان وفي طبعه الشك والنسيان، ثم سلط عليه الشيطان الوسواس الخناس، ليأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ليوسوس له، ويشككه في عبادته، ويخرجه من الإقبال على ربه، سبحانه جل شأنه يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، خفف عن الإنسان، ورفع عنه الحرج والضيق أمام الشك والوسواس. رسم له قاعدة استصحاب الأصل وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وتكفل- جل شأنه -أن يعفو عن الخطأ، ويتقبل العمل، وإن وقع على خلاف الأصل، رحمة منه وفضلا فالمصلى الذي يخيل إليه أنه أحدث وهو في الصلاة، ويخيل إليه أنه خرج منه الريح المبطل للوضوء، المبطل للصلاة، لا ينبغي أن يخرج من الصلاة ولا أن يعتقد بطلانها، بل عليه أن يستصحب الأصل، أي الطهارة التي دخل بها في الصلاة، وأن يطرح الشك الذي طرأ عليه، وأن لا ينصرف حتى يتيقن الحدث، يقينا لا يمازجه شك، يقينا ناشئا عن الحواس الموجبة للعلم، يقينا صادرا عن السمع أو الشم، لا ينصرف حتى يسمع بأذنه ** صوت الريح، أو يشم بأنفه ريح الحدث

стр. 46

بهذا الطريق الشرعي الذي رسمه الإسلام، يسد المسلم على الشيطان أبواب إغوائه، ويدفع عن نفسه أخطار الشك والتردد. -[المباحث العربية]- (أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل) الشاكي عبد الله بن زيد الأنصاري، عم عباد، وفي رواية ابن خزيمة. عن عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل .... إلخ. (الذي يخيل إليه) بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الياء الثانية المفتوحة وأصله من الخيال، والمعنى ظن، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين. (أنه يجد الشيء) أي الحدث، والعدول عن ذكره صراحة، للأدب وصيانة اللسان عن المستقذر، حيث لا ضرورة. ومعنى وجدانه الحدث ظن خروجه منه. (في الصلاة) قيد لبيان الواقع وليس للاحتراز، فالحكم خارج الصلاة هو الحكم فيها على ما ذهب إليه الجمهور، وجعله المالكية للاحتراز، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث. (لا ينفتل -أو لا ينصرف) بالشك من الراوي، والفعل مجزوم ب"لا" الناهية، ويجوز الرفع على أن "لا" نافية. (حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) معناه حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. -[فقه الحديث]- قال النووي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، فمن ذلك مسألة الباب التي

стр. 47

ورد فيها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة، وشك في الحديث، حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة. هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف. وحكي عن مالك روايتان، إحداهما: أنه لزمه الوضوء إن كان شك خارج الصلاة. ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والثانية. يلزمه بكل حال. قال النووي: وقال الشافعية: ولا فرق في الشك بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحدث وعدمه، أو يترجح أحدهما أو يغلب على ظنه، فلا وضوء عليه بكل حال، ويستحب له أن يتوضأ احتياطا. أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. ثم قال النووي: ومن مسائل القاعدة المذكورة أن من شك في طلاق زوجته أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة الماء النجس، أو نجاسة الثوب، أو الطعام، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم هذا الحادث. والله أعلم. قال القرطبي: ومشهور مذهب مالك النقض داخل الصلاة وخارجها وحمل بعض أتباعه الحديث على من كان به وسواس، وتمسكوا بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة. قال الحافظ ابن حجر: وأجيب بما دل على التعميم وهو حديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظه "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه. أخرج منه شيء أو لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". اهـ, فهذا الحديث لم يتعرض لشكوى شاك، وهو صريح في طرح الشك. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من وقائع. ٢ - وعدم الاستحياء في العلم.

стр. 48

٣ - والعدول عن ذكر الشيء المستقبح. ٤ - ومحاربة الشيطان والوسوسة، وإحباط هذا الكيد بترسيخ اليقين، ففي بعض الروايات "إذ جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك أحدثت. فليقل في نفسه: كذبت". ١١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر ومن استجمر فليوتر وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده". -[المعنى العام]- أعلى درجات النظافة، وأسمى مراتب الطهارة، أن نطلب من النظيف أن يزداد نظافة، وأن نكلف احتياطا برفع ما يتوهم من وسخ، وأن نطلب المبالغة في غسل ما لا يهتم بغسله، كجيوب الأنف، والمبالغة في استبراء

стр. 49

النجاسة ولو مع تحقق إزالتها. هذا ما يرمي إليه الحديث الشريف فهو يأمر أن يدخل المتوضئ الماء في أنفه وخياشيمه، ثم يدفعه من الأنف إلى الخارج ليخرج مع الماء ما يحتمل وجوده في منحنيات الأنف. ويأمر المستجمر بالأحجار المنقى بها بقايا البول أو الغائط أن يجعل الحجارة وترا، فإن نقى المكان بحجرين زاد ثالثا، وإن نقى بأربعة زاد خامسا وإن نقى بستة زاد سابعا وهكذا. ويأمر المسلم إذا استيقظ من نومه أن لا يدخل يده في ماء في إناء، أو في إناء فيه سائل حتى يغسلها ثلاث مرات، قل نومه أو كثر، فخر فراشه أو حقر، غسل يده قبل أن ينام أو لم يغسلها، فإنه لا يدري إلى أين تحركت يده أثناء نومه، وإلى أي المستقذرات تعرضت، قد تكون احتكت بمناعم الجسم بين الفخذين، أو تحت الإبط، فعلق بها عرق خبيث أو ريح كريه وقد تكون قد دلكت مداخل الأنف وإفرازاته، أو إفرازات العين فأصابها ما لو وضع في سائل آذاه، ومبدأ الإسلام النظافة والحرص على نقاء اليد وطهارة السائل وصلاحيته للشرب دون تقزز أو اشمئزاز. فعلى من قام من نومه أن يغسل يديه، بأن يصب عليهما ماء في الخارج قبل أن يغمسهما في الإناء حتى من لا يعتقد تلوثهما، فإن شك في تلوثهما كان أولى به وأحرى وألزم، وكلما طال النوم، وكلما كان احتمال التعرض للتلوث أكثر كان الطلب آكد. والله أعلم. -[المباحث العربية]- (إذا توضأ أحدكم) فيه مجاز المشارفة، أي إذا أراد الوضوء وأشرف عليه وابتدأه. (فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر) في رواية صحيحة "فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينثر" والاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، مع إخراج ما في الأنف من مخاط وشبهه بقوة الدفع إلى الخارج. (ومن استجمر فليوتر) الاستجمار مسح البول أو الغائط بالجمار، وهي

стр. 50

الأحجار الصغار، ومنه رمي الجمار في الحج. (وإذا استيقظ أحدكم من نومه) ظاهره عموم النوم بالليل أو النهار، لكن رواية أبي داود "إذا قام أحدكم من الليل" قد تخصص هذا العموم. (قبل أن يدخلها في وضوئه) بفتح الواو، أي الماء الذي يتوضأ به. (أين باتت يده) أي من جسده، وفي رواية "ولا علام وضعها". -[فقه الحديث]- يتناول الحديث ثلاث مسائل فقهية: الأولى: الاستنشاق والاستنثار في الوضوء، وكمال الاستنثار بإيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنفس إلى أقصاه، ثم الاستنثار وطرد الماء مع ما في الأنف إلى الخارج، وتستحب المبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائما، وأقل الاستنشاق إدخال قليل من الماء في مقدم الأنف وفتحتيه. ومذهب مالك والشافعي وأصحابهما أن الاستنشاق سنة في الوضوء والغسل، وحملوا الأمر في الحديث على الندب، والمشهور عن أحمد أنه واجب في الوضوء والغسل، لا يصحان بدونه، وهو مذهب داود الظاهري وحملوا الأمر على الوجوب، وقالوا: لم يحك أحد ممن وصف وضوء رسول الله ﷺ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أنه واجب في الغسل دون الوضوء. أما الاستنثار فهو مستحب، وليس بواجب باتفاق. وكمال كيفيته أن يطرح الماء من أنفه برفق، لئلا يصيب ما حوله، وأن يستعين في ذلك بأصابع يده اليسرى، يضغط برفق على فتحتي الأنف. المسألة الثانية: الوتر في الاستجمار، ويرى الشافعية والحنابلة أنه لا بد في الاستنجاء والاكتفاء بالأحجار من إزالة عين النجاسة، واستيفاء ثلاث مسحات، ولو استنجى بحجر واحد له ثلاثة أطراف، فمسح بكل طرف مسحة أجزأه، وإن كانت الأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف،

стр. 51

للقبل ثلاثة أحجار، وللدبر ثلاثة أحجار، إذا حصل الإنقاء بها، فإن لم يحصل الإنقاء بها وجب رابع، فإن حصل الإنقاء به استحب خامس للإيتار به, وهكذا يجب الإنقاء مهما زاد، ويستحب الإيتار. وذهب المالكية والحنفية إلى أن الشرط الإنقاء فقط ولو حصل بحجر واحد ومسحة واحدة، وقالوا: إن أحاديث الثلاثة محمولة على الندب مبالغة في الإنقاء. وهل تقوم الخرق والورق المتشرب مقام الأحجار؟ التحقيق نعم، لأن المعنى فيه أن يكون مزيلا مانعا من الانتشار، ولهذا قال الشافعية: والذي يقوم مقام الحجر كل جامد [فلا يصلح الرطب] طاهر، مزيل للعين، [فلا يصلح الزجاج] ليس له حرمة كحيطان المساجد، وأوراق كتب العلم، ولا هو جزء من حيوان، وزاد بعضهم أن لا يكون نفيسا، فلا يصلح بالذهب والفضة واللآلي. ** هذا وقد قال النووي: الذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولا، لتخف النجاسة، وتقل مباشرتها باليد، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما مع وجود الآخر جاز، والماء حينئذ أفضل من الحجر، لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يخفف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها. المسألة الثالثة: غسل اليدين قبل إدخالهما إناء السائل، إن قام من النوم. ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحققين أن غسل اليدين قبل غمسهما لمن قام من النوم، أو شك في نجاستهما مندوب، ويكره تركه، وذهب الإمام أحمد إلى وجوب الغسل عند القيام من نوم الليل دون نوم النهار، والجمهور على أن الماء لا ينجس إذا غمس يده فيه قبل غسلهما، لأن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك. والله أعلم.

стр. 52

١٢ - عن ابن عباس ﵄ قال مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي ﷺ "يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة رطبة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة" فقيل له يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا". -[المعنى العام]- الإسلام دين النظافة، نظافة الباطن، ونظافة الظاهر، نظافة السلوك ونظافة البدن والثياب، يمثل السلوك الخاطئ المشي بالنميمة بين الناس، ويمثل القذر في الثياب والبدن عدم التنزه من البول والتعرض للتلوث من بقاياه بسبب عدم الاستبراء منه بالحجارة أو الماء. أمران يستهين بهما المسلم، ولا يحسبهما من الكبائر التي يعذب عليها بعد الموت، مع أنهما من أول ما يعذب من أجله المؤمن، يصور هذا المنظر رسول الله ﷺ حين مر مع أصحابه بمقابر المدينة. قال لأصحابه:

стр. 53

إني أسمع صوت إنسانين في هذين القبرين يعذبان، أسمعهما بقدرة أودعها الله في سمعي، وإن أصواتهما أصوات تأوه وتضجر وتألم مما هما فيه، وقد أخبرني ربي أنهما يعذبان في أمرين استهانا بهما، يعذبان في معصيتين ليستا كبيرتين في حسبان الناس، لكنهما كبيرتان عند الله. كان أحدهما في دنياه لا يتحرز من بقايا البول، فيصيب بدنه وثوبه فتبطل صلاته وهو يدري، وكان الآخر في دنياه ينقل الحديث السيئ من شخص إلى المقول فيه، ويزيد عليه للإيقاع بين الناس. وأخذته الشفقة والرحمة ﷺ فتوجه إلى الله أن يخفف عنهما، ثم طلب من أصحابه جريدة خضراء لينة بما عليها من خوص فشقها نصفين ووضع على كل قبر من القبرين نصفا، وقيل: إن جريدة النخل والرطب من الزرع يسبح الله ما دام رطبا، ولعل الله يخفف عن المعذبين بسبب هذا التسبيح المستمر إلى أن تيبس الجريدتان. -[المباحث العربية]- (بحائط من حيطان المدينة) المنورة، والحائط البستان، وأطلق هنا على الحائط الذي يحيط بالقبور. (أو مكة) الشك من الراوي، لكنه ورد في كتاب الأدب للبخاري بالجزم بأنه من حيطان المدينة. (فسمع صوت إنسانين) الإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وإضافة "صوت" وهو مفرد إلى "إنسانين" وهو مثنى جائز عند النحاة، والجمع أجود جاء به القرآن الكريم في قوله ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ والظاهر أنهما كانا مسلمين، إذ حصر سبب عذابهما في البول والنميمة ينفي كونهما كافرين. (يعذبان في قبورهما) كان الظاهر أن يقال: في قبريهما، لكنه جمع هنا لأمن اللبس، وهو جائز. (وما يعذبان في كبير) أي ولا يعذبان في أمر كبير شاق، بل في أمر سهل الترك يسير، أو لا يعذبان في ذنب كبير في نظر الكثيرين، بل في أمر يحسبونه هينا وهو عند الله الكبير.

стр. 54

(بلى) أي بلى إنهما ليعذبان في كبير. (لا يستتر من بوله) في رواية "لا يستنزه من البول" وفي رواية "لا يستبرئ من البول" وكلها صحيحة، ومعناها لا يتجنب بوله، ولا يتحرز منه فمعنى "لا يستتر من بوله" أي لا يجعل بينه وبين بوله سترا ووقاية، وحمله بعضهم على ظاهره، وأن معناه لا يستر عورته، وهو مردود، لأنه لا يكون لذكر البول حينئذ فائدة. (وكان الآخر يمشي بالنميمة) وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار. (ثم دعا بجريدة رطبة) في رواية "فدعا بعسيب رطب" وهو الجريدة والغصن من النخل، وقيل: العسيب هي الجريدة التي لم ينبت فيها الخوص فإن نبت فهي السعفة، وخص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف. (فكسرها كسرتين) طولا أو عرضا، وفي رواية "فشقه باثنين". (لعله أن يخفف عنهما) "لعل" للترجي، أي أرجو أن يخفف الله عنهما والهاء في "لعله" للحال والشأن. -[فقه الحديث]- الحديث صريح في أن عدم الاستبراء من أسباب عذاب القبر، وقد صحح ابن خزيمة حديث "أكثر عذاب القبر من البول" أي بسبب ترك التحرز منه ويرى جمهور العلماء أنه من الكبائر، ويؤيدهم ما جاء في بعض الروايات عند البخاري "وما يعذبان في كبير، بل إنه كبير" وفي سبب كونه كبيرا قيل: إنه يؤدي إلى بطلان الصلاة لتنجيسه الثوب والبدن، فتركه كبيرة ولا شك. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - حجة لمذهب أهل السنة في ثبوت عذاب القبر، خلافا للمعتزلة. ٢ - نجاسة الأبوال مطلقا قليلها وكثيرها، وهو مذهب عامة الفقهاء

стр. 55

وذهب أبو حنيفة إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير للمشقة، وفي الجواهر للمالكية: أن البول والعذرة من بني آدم الآكلين دون الرضع نجسان، وهما طاهران من كل حيوان مباح أكل لحمه. ٣ - وفيه حرمة النميمة، وهي كبيرة بلا خلاف. ٤ - استدل به بعضهم على استحباب وضع الجريد الأخضر على القبور، ومثله كل ما فيه رطوبة من الأشجار والزهور وغيرها، لكونها تسبح ما دامت رطبة، وليس لليابس تسبيح. لكن الخطابي أنكر مثل هذا الفعل وقال عن الحديث: إنه دعا لهما بالتخفيف مدة النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصها، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وجعلها بعضهم خصوصية له ﷺ ببركة يده فلا يقتدي به، لأنه علل وضعهما بأمر مغيب وهو عذابهما، وغيرهما لا نعلم إن كان يعذب أو لا **، ورده الحافظ ابن حجر فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب في أمر يخفف عنه العذاب لو عذب، كما ندعو بالرحمة لمن لا نعلم أرحم أم لا. ٥ - استدل به بعضهم على استحباب قراءة القرآن على القبور، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن أعظم رجاء وبركة، ومذهب أبي حنيفة وأحمد وصول ثواب القراءة إلى الميت وأجمع العلماء على أن الدعاء ينفع الأموات، ويصلهم ثوابه. ٦ - وفيه التحذير من استمرار النجاسات في البدن أو الثوب دون إزالة.

стр. 56

١٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ "دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". -[المعنى العام]- انتشر الإسلام في البدو والحضر، وسطع نوره في طرق المدينة وشعاب الصحارى، وغزا شغاف القلوب الهينة اللينة، والقلوب القاسية الجافية، كان الأعراب خلف أغنامهم يسمعون به فيؤمنون، ثم ينتهزون فرصة قربهم من المدينة فينزلون إليها، ويقصدون مسجدها لينعموا برؤية رسول الإسلام ومشافهته، ومن هؤلاء الأعراب الجفاة ذو الخويصرة اليماني دخل المسجد النبوي ورسول الله ﷺ يحدث أصحابه، فسلم، ثم صلى، ثم قال بصوت جهوري: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي ﷺ : لقد حجرت واسعا، بل قل: اللهم ارحمني ومحمدا والمسلمين. ثم قام ذو الخويصرة، فانتحى ناحية من المسجد، وفي زاوية من زواياه وقف يبول، ورآه الصحابة فثارت ثائرتهم، وصاحوا: مه. مه. اكفف. اكفف. به. به. توقف. توقف، وثاروا عليه، واتجهوا نحوه يزجرونه ويردعونه فناداهم رسول الرحمة. تعالوا. دعوه. دعوه. لا تقطعوا

стр. 57

عليه بوله. دعوه فليكمل. إنه جاهل بالحكم. إنه لا يقصد إساءة للمسجد، إنه يظن أن المكان الذي هو فيه كبقية أماكن الصحراء، إنه يظن أنه متى بعد عن الناس تبول كيف شاء. قدروا ظروف الرجل، فقد بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، يسروا ولا تعسروا، وتحملوا أخف الضررين، تنجس المكان وانتهى الأمر، وقطعكم لبوله سيحدث به ضررا، وسيلوث بدنه وثوبه وأماكن أخرى من المسجد. قالوا: فما العمل يا رسول الله؟ فقال: ائتوني بدلو كبير مملوء ماء فجاءوا به فقال: صبوه على مكان بوله، شيئا فشيئا تطهر الأرض، ثم دعا الرجل وبغاية الرفق ومنتهى اللين قال له: إن هذه المساجد لا يليق بها البول والقذر فقد خصصت لذكر الله والصلاة. قال: أحسنت يا رسول الله، وجزاك الله خيرا. بأبي أنت وأمي. لن أعود لمثلها أبدا. -[المباحث العربية]- (قام أعرابي في المسجد) الأعرابي واحد الأعراب، وهم من سكن البادية عربا أو عجما، فالأعرابي مقابل الحضري، والعربي مقابل العجمي، وفي وصف الرجل بالأعرابي اعتذار عن فعله، والمراد بالمسجد المسجد النبوي بالمدينة. (فتناوله الناس) أي بالزجر واللوم، ففي البخاري "فزجره الناس" وفي مسلم "فصاح به الناس" فقالوا: مه مه" والمراد بعض الناس أي بعض الصحابة الحاضرين في المسجد. (دعوه) في رواية "ولا تزرموه" بضم التاء وسكون الزاي وكسر الراء، أي لا تقطعوا عليه بوله. (وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء) يقال: هريقوا وأريقوا أي صبوا على مكان بوله، والسجل بفتح السين وسكون الجيم الدلو العظيمة والذنوب بفتح الذال وضم النون الدلو المملوءة ماء، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب.

стр. 58

-[فقه الحديث]- يتعرض الحديث إلى تطهير المتنجس، ويحسن بنا أن نستعرض باختصار مذاهب العلماء في التطهير، والتعبير الدقيق أن نطلق على عين النجاسة وجرمها لفظ "نجس" وعلى ما أصابته من مائع أو جامد لفظ "متنجس". والعين النجسة لا تطهر، إلا ما كان من جلود الميتة، على خلاف بين العلماء، أما ما كان من العين النجسة، كالبول والعذرة فإنه لا يطهر في ذاته وكل ما نفعله إذا أصاب ثوبا أو جامدا أن نزيله ونحوله عنه، وإذا أصاب مائعا أو ماء أن نكثر المائع أو الماء، كثرة تضعف أو تخفي تأثيره، فيصلح المائع أو الماء للاستعمال. وإزالة النجاسة لا تجوز إلا بالماء عند الشافعية والجمهور، وأصح الروايتين عن أحمد، وهو منقول عن مالك، وقال أبو حنيفة: يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع كالخل وماء الورد. ولو وقعت النجاسة في جامد كالفارة تموت في السمن أخرجت وما حولها وانتفع بالباقي. والحديث الذي نحن بصدده في النجاسة تقع على الأرض، فالحنفية يرون أنه إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة كالبول، فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء حكم بطهارتها، وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت عالية هرمية حفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل إلى الحفيرة ثم تكبس الحفيرة. وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل، بل يحفر مكان النجاسة، واستدلوا ببعض روايات الحديث، فعند الدارقطني "احفروا مكانه"، ثم صبوا عليه ذنوبا" وعند أبي داود "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" وفي مصنف عبد الرزاق "احفروا مكانه، واطرحوا عليه دلوا من ماء".

стр. 59

والشافعية والجمهور على أنه لا حفر، وأن الأرض صلبة أو رخوة تطهر بصب الماء عليها كما هو ظاهر الحديث الصحيح. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة، ولهذا أنكروا بحضرته ﷺ قبل استئذانه. ٢ - وأن بول الآدمي نجس، وهو مجمع عليه. ٣ - وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة عن الأرض المتنجسة، ولا يكفي الجفاف بالريح أو الشمس، وهو مذهب الشافعي ومالك والحنابلة، وقال أبو حنيفة: هما مطهران لأنهما يحيلان الشيء. ٤ - واستدل به على عدم نضوب الماء، لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب. ٥ - وفيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، فالبول في المسجد مفسدة وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، ففي تنزيه المسجد عن البول مصلحة، وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما. ٦ - وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع. ٧ - وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزم من غير تعنيف. ٨ - وفيه رأفة النبي ﷺ وحسن خلقه. ٩ - وفيه صيانة المساجد عن القذى والأقذار.

стр. 60

كتاب الغسل ١٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب (قال فانخنست منه) فذهب فاغتسل ثم جاء فقال "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة فقال "سبحان الله إن المسلم لا ينجس". -[المعنى العام]- كان من عادة رسول الله ﷺ إذا التقى بصحابي أن يمسح عليه، وأن يربت عليه بيده، وأن يصاحبه، فيجالسه، تلطفا وتأنيسا وتكرما وتوددا وفي يوم من الأيام، وفي بعض طرق المدينة وجد أبو هريرة نفسه مقابلا لرسول الله ﷺ في طريق واحد، وكان جنبا، فكره أن يتمسح به رسول الله ﷺ ويجالسه، وهو في هذه الحالة غير المستحبة فاستخفى، وتسلل إلى طريق آخر، وذهب إلى بيته فاغتسل، وعاد إلى رسول الله ﷺ كأن لم يحدث منه شيء. كان ﷺ قد رآه، ينخنس ويتسلل ويتوارى في خفاء، فسأله: ماذا بك يا أبا هريرة؟ أين كنت؟ وأين ذهبت؟ وماذا فعلت؟ قال: يا رسول الله. لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. وكان أدبا حسنا من أبي هريرة أن يفعل ذلك، احتراما وتقديسا للنبي ﷺ وما كان يستحق على ذلك لوما أو تعجبا، لولا أن النبي ﷺ خشي أن يعتقد

стр. 61

أبو هريرة نجاسة الجنب، وأنه لا يصح له أن يجالس النبي ﷺ فقال: سبحان الله. عجبا لك يا أبا هريرة. إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا. -[المباحث العربية]- (قال: فانخنست منه) أي فمضيت عنه مستخفيا، ووصف الشيطان بالخناس لإغوائه في خفاء، وروي "فانسللت" وروي "فانبجست" أي جريت واندفعت، وروي "فانبخست" أي اعتقدت نقصان نفسي، ولعل التغاير من تصحيف الرواة. وجاءت هذه الجملة بضمير المتكلم بين ضمائر الغيبه على سبيل الالتفات. (فذهبت) أي إلى رحلي، في بعض روايات البخاري "فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت". (سبحان الله) يقصد بها في مثل هذا المقام التعجب، ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر؟ (إن المؤمن لا ينجس) نجس من باب كرم بضم الجيم في الماضي والمضارع ومن باب سمع بكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع. -[فقه الحديث]- قال النووي: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا أو ميتا، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها هو طاهر. هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، الصحيح أنه طاهر، ولهذا غسل إذ لو كان نجس العين لم يفد غسله -هذا حكم المسلم أما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم عند الشافعية وجماهير العلماء من السلف والخلف، وأما قوله تعالى ﴿إنما المشركون نجس﴾ فالمراد نجاسة العقيدة والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء أكان محدثا أم جنبا

стр. 62

أم حائضا، وهذا كله بإجماع المسلمين. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: تمسك بعض أهل الظاهر بمفهوم قوله "المؤمن لا ينجس" فقالوا: إن الكافر نجس العين. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن العالم إذا رأى من متابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه وعلمه الصواب. ٢ - استحباب استئذان التابع المتبوع إذا أراد أن يفارقه، لقوله: أين كنت؟ فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتى يعلمه. ٣ - جواز تأخير الاغتسال من أول وقت وجوبه. ٤ - استدل به البخاري على طهارة عرق الجنب، لأن بدنه لا ينجس بالجنابة فكذلك ما تخلف عنه. ٥ - وعلى جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل.

стр. 63

كتاب الحيض ١٥ - عن عائشة ﵂ "أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل؟ قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها قالت: كيف أتطهر بها؟ قال تطهري بها قالت: كيف؟ قال سبحان الله! تطهري فاجتبذتها إلي فقلت تتبعي بها أثر الدم". -[المعنى العام]- شجع الإسلام المرأة أن تخرج إلى المسجد، وأن تسعى لطلب العلم، وطلب من الرجال أن يأذنوا لنسائهم في الخروج، لتتمكن من أداء رسالتها وفهم أمور دينها، ودخلت المرأة ميدان الثقافة، وتحولت عن ميدان الجهالة. تلك أسماء الأنصارية التي لم يمنعها الحياء الذي جبلت عليه المرأة من أن تسأل النبي ﷺ عن أخص شئونها، وعما تستحي منه قريناتها، سألت رسول الله ﷺ أمام زوجه عائشة ﵂، فقالت: يا رسول الله كيف أغتسل من حيضي؟ كيف أتطهر؟ إن الغسل من الجنابة ومن الحيض كان معلوما، غير مجهول لأسماء، حتى تسأل عن كيفيته، لكنها كانت مؤدبة مهذبة في سؤالها، إنها قصدت ما وراء الغسل من نقاوة لمكان الحيض وفهم الرسول الفطن ﷺ ، لكنه كان أكثر منها أدبا، فأجاب عن الشيء، ثم أتبعه مستلزماته المقصودة، قال: تأخذ إحداكن ماء غسلها، ومواد نظافتها فتغسل مواطن النجاسة، ثم تتوضأ وضوء الصلاة، ثم تصب على رأسها الماء

стр. 64

وتدلكه، وتدخل أصابعها في أصول شعرها، ثم تصب الماء على جسدها، ثم تأخذ قطعة من قطن أو صوف، وتضع عليها شيئا من المسك أو الطيب فتتطهر بها، ولما كان التطهر في فهم أسماء عبارة عن الوضوء والغسل تعجبت: كيف تتطهر بقطعة القطن الممسكة؟ لكن حياءه ﷺ جعله يقول: سبحان الله. كيف لا تفهمين بالإشارة؟ تطهري بها، وغطى وجهه بيديه، وفهمت عائشة مقصده وحياءه، فجذبت أسماء بعيدا، وأسرت إليها في أذنها، بمنتهى الأدب وطهارة اللفظ قالت: تتبعي بها أثر الدم وامسحي بها المكان الذي خرج منه الدم، وفهمت أسماء وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين. -[المباحث العربية]- (أن امرأة سألت) هي أسماء بنت شكل الأنصارية المصرح باسمها في بعض الروايات. (عن غسلها من المحيض) أي على أي صفة؟ وأي حالة يكون؟ والمحيض مصدر كالحيض. (فأمرها كيف تغتسل) أي علمها كيفية الغسل، وقد صرح به في الروايات الصحيحة قال "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكا شديدا، حتى تبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة .... إلخ". (خذي فرصة من مسك) "فرصة" بكسر الفاء وسكون الراء وفتح الصاد وحكى بعض اللغويين تثليث الفاء، وهي القطعة من الصوف أو القطن، والمسك هو الطيب المشهور، والمقصود أن تأخذ قطعة مطيبة بطيب وتستعملها في الفرج، لتغير بها الرائحة الكريهة المتخلفة عن دم الحيض. (فتطهري بها) أي فتنظفي بها. فالمراد من التطهر المعنى اللغوي. (كيف أتطهر بها؟ ) أي بالفرصة؟ وإنما قالت ذلك لأنها فهمت أن المراد بالتطهير الغسل.

стр. 65

(فاجتذبتها) أي شددتها إلي، وأخذتها ناحيتي. وروي "فاجتبذتها" وهي بمعنى "فاجتذبتها". (تتبعي بها أثر الدم) أي مكان أثر الدم. -[فقه الحديث]- قال النووي: السنة في حق المغتسلة من الحيض، أن تأخذ شيئا من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها، وتدخلها في فرجها، بعد اغتسالها ويستحب هذا للنفساء أيضا، لأنها في معنى الحائض. وذهب بعض العلماء إلى استحباب تطيب ما حول الفرج من الخارج مع الداخل لأن الدم يصيب هذه الأماكن. والحكمة في استعمال المسك تطيب المحل، ورفع الروائح الكريهة وقيل: لأنه يؤدي إلى سرعة العلوق والحمل، وهذا بعيد أو باطل، لأنه يقتضي أن يخص بذلك ذات الزوج الحاضر، الذي يتوقع جماعه في الحال، مع أنه مستحب لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء ذات الزوج وغيرها، فإن لم تجد مسكا استعملت أي طيب، فإن لم تجد طيبا استحب لها أن تستعمل أي شيء مكانه يزيل الرائحة الكريهة، فإن تركت الطيب مع التمكن كره لها وإن لم تتمكن فلا كراهة. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - سعي النساء لتعلم أحكام الدين. ٢ - سؤال المرأة الرجل العالم عن أحوالها التي تحتشم منها، وأنه لا حياء في الدين. ٣ - التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه. ٤ - استحباب استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات. ٥ - الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة.

стр. 66

٦ - الاستحياء عند ذكر ما يستحيا منه، ولا سيما ما يذكر من ذلك بحضرة الرجال والنساء. ٧ - تفسير كلام العالم بحضرته، لمن خفي عليه، إذا عرف أن ذلك يعجبه. ٨ - الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل. ٩ - الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لم يفهم. ١٠ - حسن خلقه ﷺ وعظيم حلمه وحيائه.

стр. 67

كتاب التيمم ١٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". -[المعنى العام]- يقول جل شأنه ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ وقد فضل الله محمدا ﷺ على سائر الأنبياء تفضيلا يتحدث عنه، لا يقول ذلك فخرا وكبرا، وإنما يتحدث بنعمة الله تعالى ليزداد شكرا لربه، ولتشكر أمته ربها على ما كرم به نبيها ﷺ ، يقول: أعطيت من الخصائص الفضلى خمسا، لم يعطهن نبي قبلي. إحداها: أن الله تعالى نصرني، ونصر أمتي بالرعب، يلقيه في قلوب الأعداء، فيسهل نصرنا عليهم، وصدق الله وعده إذ يقول ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ ثانيتها: أن من كان قبلنا لا يصلون إلا في كنائسهم ومعابدهم، ولا يصح طهورهم إلا بالماء، فجعل الله لي ولأمتي الأرض كلها مسجدا صالحة

стр. 68

للصلاة عليها، وجعل ترابها صالحا للتيمم واستباحة الصلاة به، فأي مسلم أدركته الصلاة، وحان وقتها، وكاد يخرج، ولم يجد ماء فعنده مسجده وطهوره، فليتيمم وليصل. ثالثتها: كان من قبلي إذا غنموا لم تحل لهم الغنائم، بل كانت تترك في العراء حتى تهلك، فأحل الله لمحمد ﷺ ولأمته الغنائم يقسمونها ويتمتعون بها. رابعتها: الشفاعة العظمى التي تشمل أهل الموقف العظيم جميعا، يوم يلجأ الناس من الهول إلى الأنبياء، فيحيلون الخلائق إلى محمد ﷺ . وخامستها: عموم رسالته ﷺ فقد كان كل نبي يرسل إلى قوم محددين، ولزمن محدد، تنتهي رسالته عنده، لكن محمدا ﷺ أرسل إلى أهل الأرض جميعا في جميع الأمكنة، وفي جميع الأزمنة، إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين. -[المباحث العربية]- (أعطيت خمسا) أي خمس فضائل وميزات، وفي إحدى روايات الصحيح "فضلنا على الناس بثلاث" وفي بعضها "فضلت على الأنبياء بست" واختلاف الروايات في العدد مشكل عند من يرى أن مفهوم العدد حجة وسنوضح المسألة في فقه الحديث. (لم يعطهن أحد قبلي) أي من الأنبياء. (نصرت بالرعب مسيرة شهر) في رواية لأحمد "يقذف في قلوب أعدائي "وفي رواية" ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر" وقيل: إن الحكمة في جعل الغاية شهرا أنه لم يكن بينه وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر. والأولى جعل هذا اللفظ للمبالغة في البعد. كأنه قال: يلقي الرعب في قلوب الأعداء، فيخافونني من مسافة بعيدة.

стр. 69

(وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) أي موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون موضع، ويمكن أن يراد المسجد المعروف، والكلام على التشبيه، أي جعلت الأرض كالمسجد، في صحة الصلاة عليها، والطهور بفتح الطاء ما يتطهر به، فالمراد ترابها، كما صرح به في رواية في الصحيح "وجعلت تربتها لنا طهورا". (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) "أي" مبتدأ، فيه معنى الشرط و"ما" مزيدة للتأكيد، وذكر الرجل للتغليب، والحكم يشمل النساء. (وأحلت لي الغنائم) في رواية "المغانم" أي أحل أكلها والانتفاع بها والمغانم ما حصل عليه المسلمون في حروبهم مع الكفار. (وأعطيت الشفاعة) أي العظمى، فأل فيها للعهد، والأصل فيها سؤال الخير للغير على سبيل الضراعة. (وبعثت إلى الناس عامة) في رواية "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" وهي كناية عن الكل، كأنه قال: إلى كل لون. -[فقه الحديث]- يتناول الحديث خمس خصائص: الخصوصية الأولى: وهي ليست أولى في بعض الروايات، فلا اعتبار للترتيب، لأن العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، وهي النصر بالرعب. وهل الخصوصية في المدة؟ على معنى أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في مثل هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فقد نصر به بعض الأنبياء؟ أو الخصوصية في النصر بالرعب مطلقا؟ الظاهر الأول، وإلا لم يكن للقيد معنى، نعم رواية "ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر"تشير إلى أن الخصوصية النصر بالرعب مطلقا، لكنها تحمل على المقيدة الأولى، قال بعضهم: وهذه الخصوصية حاصلة له ولو

стр. 70

كان بغير عسكر. وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ محتمل بشرط أن تكون الأمة قائمة على شريعته وسنته. الخصوصية الثانية: جعل الأرض مسجدا وطهورا، وهل الخصوصية مجموع الأمرين؟ وجعلت لغيره مسجدا، ولم تجعل له طهورا؟ حيث قيل إن عيسى ﵇ كان يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة؟ أو أنهم قبله إنما أبيح لهم الصلاة في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته؟ الأظهر أنهما خصوصيتان، وأن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية "وكان من قبلي إنما كان يصلون في كنائسهم" ورواية "ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه" نعم تعميم الأرض للصلاة لا بد أن يراعى فيه ما استثناه الشرع، كالصلاة في المقابر، والمزابل، والمجازر، وأعطان الإبل، وقارعة الطريق، والحمام وغير ذلك مما ورد النهي به، على خلاف في المذاهب. الخصوصية الثالثة: حل الغنائم، قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته. اهـ. وقيل: المراد أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء. والأول أصوب وأولى بالقبول. الخصوصية الرابعة: الشفاعة لأهل الموقف من هول ذلك اليوم. قال العلماء. ولا خلاف في وقوعها له ﷺ ، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وفيها أقوال أخرى. والأول هو الصواب. الخصوصية الخامسة: عموم رسالته ﷺ للناس كافة منذ بعثته إلى يوم القيامة، وهي محل إجمع المسلمين، وكونها خاصة به لم تعط لنبي قبله أمر واضح، والإشكال بأن نوحا ﵇ دعا على أهل الأرض بالهلاك ولو

стр. 71

لم يكن مرسلا إليهم ما دعا عليهم، وبأنه بعد الطوفان كان مرسلا إلى الناجين وهم الأحياء على الأرض، الاستشكال بهذا على أن رسالة نوح ﵇ كانت عامة لا يتم، لأنه على فرض أنه لم يكن على الأرض حينئذ إلا قومه لا يحقق عموم الرسالة، لأنها مرتبطة بزمانه، بخلاف رسالة محمد ﷺ فهي قائمة إلى قيام الساعة. ولرسول الله ﷺ خصوصيات أخرى غير هذه وردت بها الأحاديث. ذكر منها: ١ - جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، أي في صلاة الجماعة واستقامة الصفوف، والاستدارة حول الكعبة. ٢ - أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾ وقد جاء الحديث بإجابة هذا الدعاء. ٣ - أعطيت جوامع الكلم [قيل هو القرآن الكريم، وقيل كلامه ﷺ ]. ٤ - ختم بي النبيون، وهو صريح قوله تعالى ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ ٥ - أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، والمقصود به ما فتح الله به على أمته من خيرات الأرض وبركاتها. وهذه الخصوصيات واردة في صحيح مسلم. وفي مسند أحمد "وسميت أحمد" و"جعلت أمتي خير الأمم" وعند البزار "وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر". "وأعطيت الكوثر". " وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة". وكان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه فأسلم". قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع

стр. 72

وذكر النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن عدد الذي اختص به نبينا ﷺ على الأنبياء ستون خصلة. اهـ. واختلاف الأحاديث في عدد ما اختص به ﷺ لا يثير إشكالا، لأن التعبير ليس من أساليب القصر، فيمكن أن أقول: خصصت بخمس، أذكرها حين أكون قد خصصت بها وبغيرها، كل ما تدل عليه العبارة أن كل واحدة من المذكورات لم تكن لأحد قبله ﷺ . والمتمعن في الخصال الواردة يرى أن بعضها خاص به ﷺ ، ولا تشاركه فيها أمته، لكن في تشريفه ﷺ تشريف لأمته، كما أن بعضها تشترك معه فيها أمته، فإسناد الخصوصيات إليه ﷺ باعتبار أن أمته إنما خصت بذلك من أجله، تكريما له ﷺ . -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - مشروعية تعديد النعم، اعترافا بفضل الله وكرمه. ٢ - وإلقاء العلم قبل السؤال.

стр. 73

كتاب الصلاة ١٧ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر". -[المعنى العام]- السفر قطعة من العذاب، كثير المشاق مهما تيسرت وسائله، فيه فراق الأهل والوطن والمعارف، وفيه ترك الأموال والممتلكات، وفيه يصبح الإنسان غريبا، عرضة للأخطار. لهذه المشاق الجسيمة والنفسية خفف الله عن الأمة الإسلامية بعض فرائضها فأباح الفطر للصائم المسافر، مع القضاء، ورخص للمصلي أن يقصر الصلاة الرباعية، وأن يصليها، ركعتين في ثواب أربع ركعات، صدقة تصدق الله بها على عباده المسلمين. وسواء أكان ابتداء فرض الصلاة مثنى، ثم زيد في صلاة الحضر ركعتان في الظهر والعصر والعشاء -كما تقول عائشة -أم كان ابتداء فرضها على ما هو عليه الآن، وخففت وقصرت في السفر، كما يقول الجمهور -فمما لا شك فيه أن هناك تخفيفا على المسافر رحمة من الله تعالى به. فله الحمد، وله الشكر، حمدا وشكرا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد.

стр. 74

-[المباحث العربية]- (فرض الله تعالى الصلاة) "الصلاة" عام مخصوص، والمراد غير المغرب أي الظهر، والعصر والعشاء والفجر. (فأقرت صلاة السفر) أي ثبت حكمها الأول ركعتين دون تغيير. (وزيد في صلاة الحضر) في الظهر والعصر والعشاء، في كل منها ركعتان فصارت أربعا. -[فقه الحديث]- ظاهر الحديث أن الصلاة -فيما عدا المغرب والصبح -فرضت أولا ركعتين في الحضر والسفر، ثم زيدت صلاة الظهر والعصر والعشاء إلى أربع في الحضر، وذكر الضحاك في تفسيره أن النبي ﷺ صلى في حدة الإسلام الظهر ركعتين، والعصر ركعتين والمغرب ثلاثا والعشاء ركعتين والصبح ركعتين، فلما نزلت آية القبلة تحول للكعبة، وكان قد صلى هذه الصلوات نحو بيت المقدس، فوجهه جبريل ﵇ بعد ما صلى ركعتين من الظهر نحو الكعبة، وأومأ إليه بأن صل ركعتين، وأمره أن يصلي العصر أربعا والعشاء أربعا، والغداة ركعتين. وقال: يا محمد. أما الفريضة الأولى فهي للمسافرين من أمتك والغزاة. اهـ. وإلى هذا القول ذهب جماعة من العلماء، والجمهور على خلافه، وتأولوا قول عائشة، ولم يلتفتوا إلى تفسير الضحاك، إذ لا يثبت به حكم، لأنه خال عن صفات الحديث الصحيح. وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة، أربعا على هيئتها اليوم، وأنكر قول عائشة، وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد. ولسنا مع الأصيلي في رد حديث عائشة، لأن الحديث صحيح مروي في الصحيحين، وطرقه عن عائشة كثيرة ومشهورة، ولكننا نؤول حديثها ونعمل به، وخير ما قيل في تأويله: إن المراد من قولها "فرضت" أي قدرت، وقال الحافظ ابن حجر:

стр. 75

والذي يظهر لي وبه تجتمع الأدلة أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح لطول القراءة فيها وإلا المغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية، فالمراد على هذا بقول عائشة "فأقرت صلاة السفر" ما آل إله الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت. اهـ. والتأويل ضروري لأن حديثها يتعارض أولا مع قوله تعالى ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ لأنه دال على أن الأصل الإتمام، إذ القصر معناه التنقيص، فالآية صريحة في أنها كانت في الأصل أربعا. ويتعارض ثانيا مع ما لوحظ في أول فرض الصلاة ليلة المعراج من قصد التخفيف على الأمة، والانتقال من الاثنين إلى الأربع فيه تشديد ويتعارض ثالثا مع عملها، إذ ثبت أنها كانت تتم في السفر، وإذا كان الأصل في السفر اثنتين فلا أصل للأربع في السفر، لا أول التشريع ولا آخره، وراوي الحديث إذا خالف عمله روايته لا يجب العمل بروايته، أو تؤول. وكان من السهل عدم الاكتراث بهذا الخلاف، لولا أنه استدل به على أن القصر في السفر فريضة وواجب، لأن الفرض الذي لم تتغير فرضيته لا يجوز خلافه، ولا تجوز الزيادة عليه، ألا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له أن يزيد في صلاة عن عدد ركعاتها، ولو زاد عامدا فسدت صلاته؟ فكذا المسافر لا يجوز له أن يصلي أربعا، لأن فرضه في الصلاة ركعتان. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية عنهما وكثير من العلماء: يجوز القصر والإتمام والقصر أفضل خروجا من خلاف من أوجبه، ولهم أدلة كثيرة لا تليق بهذا المختصر. وقد نقلتها في كتابي "فتح المنعم شرح صحيح مسلم". هذا وللقصر في السفر شروط منها أن يكون السفر مباحا، واشترط بعضهم أن يكون سفر طاعة، وجوز أبو حنيفة القصر في سفر المعصية، ومنها أن يكون السفر مسافة ثمانية وأربعين ميلا -أي نحو ثمانين كيلو مترا،
следующие страницы →