← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

والتاريخ من أبرز طرق كشف الكذب والكذابين في الحديث: يحدث الراوي عمن مات قبله، أو كان يوم مات الشيخ في سن لا يحتمل السماع منه. قال حفص بن غياث: " إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين " يعني: احسبوا سنه وسن من كتب عنه (١). وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وذكر المعلى بن عرفان: " قال: حدثنا أبو وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصفين " فقال أبو نعيم: " أتراه بعث بعد الموت؟ " (٢). قال البخاري: " وهذا لا أصل له؛ لأن عبد الله مات قبل عثمان، ﵁، وقبل صفين بسنين " (٣). وقال إسماعيل بن عياش: " كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هذا رجل يحدث عن خالد بن معدان، قال: فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بعد موته بسبع "، قال إسماعيل: " مات خالد سنة ست ومئة " (٤).

стр. 1017

وقال صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) في (محمد بن مهاجر الطالقاني أخي حنيف): " أكذب خلق الله، يحدث عن قوم ماتوا قبل أن يولد هو بثلاثين سنة، وأعرفه بالكذب منذ خمسين سنة " (١). وقال ابن أبي حاتم الرازي في (محمد بن منده الأصبهاني): " لم يكن عندي بصدوق، أخرج أولاً عن محمد بن بكير الحضرمي، فلما كتب عنه استحلى الحديث، ثم أخرج عن بكر بن بكار، والحسين بن حفص، ولم يكن سنه سن من يلحقها " (٢). وقال ابن عدي في (أحمد بن محمد بن الصلت أبي العباس): " رأيته في سنة سبع وتسعين ومئتين يحدث عن ثابت الزاهد وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ، قوم قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، وما رأيت في الكذابين أقل حياء منه، وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحمل من عندهم رزماً، فيحدث بما فيها، وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب، ولا يبالي ذلك الرجل متى مات، ولعله قد مات قبل أن يولد " (٣). ومثاله أيضاً: محمد بن عبدة بن حرب العباداني، أدركه ابن عدي وكتب عنه، وقال: " قوله: كتبت عن بكر بن عيسى كذب عظيم، وذاك أنه كان يقول: ولد سنة ثماني عشرة، وبكر مات أربع ومئتين، فكيف يكتب عنه؟ " (٤). وقال ابن حبان في (أبي العباس أحمد بن محمد بن الأزهر) وقد أدركه: " قد روى عن محمد بن المصفى أكثر من خمس مئة حديث، فقلت

стр. 1018

له: يا أبا العباس، أين رأيت محمد بن المصفى؟ فقال: بمكة، فقلت: في أي سنة؟ قال: سنة ست وأربعين ومئتين، قلت: وسمعت هذه الأحاديث منه في تلك السنة بمكة؟ قال: نعم، فقلت: يا أبا العباس، سمعت محمد بن عبيد الله بن الفضيل الكلاعي عابد الشام بحمص يقول: عادلت محمد بن المصفى من حمص إلى مكة سنة ست وأربعين، فاعتل بالجحفة علة صعبة، ودخلنا مكة، فطيف به راكباً، وخرجنا في يومنا إلى منى، واشتدت به العلة، فاجتمع علي أصحاب الحديث، وقالوا: أتأذن لنا حتى ندخل عليه؟ قلت: هو لما به، فأذنت لهم، فدخلوا عليه، وهو لما به لا يعقل شيئاً، فقرأوا عليه حديث ابن جرير عن مالك في المغفر، وحديث محمد بن حرب عن عبيد الله بن عمر: ليس من البر الصيام في السفر، وخرجوا من عنده، ومات فدفناه. فبقي أبو العباس ينظر إلي " (١). قلت: فرواية الواحد من هؤلاء شيئاً عمن لم يدركوه يدعون السماع منه، كذب، وإسناد ذلك الراوي عن ذلك الشيخ موضوع. الثامنة: أن يختبر الراوي بسؤاله عن المكان الذي سمع فيه من شيخ معين، أو عن صفة ذلك الشيخ، فيذكر ما يخالف الحقيقة، فيكون تحديثه بما حدث به عن ذلك الشيخ كذباً. مثل: سهيل بن ذكوان، فقد ادعى أنه سمع من أم المؤمنين عائشة، فسئل: أين لقيت عائشة؟ قال: بواسط، وعائشة ما دخلت واسط (٢). كما قيل له: صف عائشة، فقال: كانت أدماء، أو: سوداء (٣)، وكذب في ذلك.

стр. 1019

التاسعة: أن يكون معلوماً أن زيداً من الرواة غير معروف بالرواية عن فلان، فيروي رجل حديثاً يذكر فيه رواية لزيد عن فلان هذا، فيستدل به على تركيبه الأسانيد، وأن ذلك الإسناد موضوع مركب. مثل: (عبد الله بن حفص الوكيل) روى بإسناده عن سليمان التيمي عن حميد عن أنس حديثاً منكراً، فقال ابن عدي: " هذا موضوع المتن والإسناد، وذاك أن سليمان التيمي لا يحفظ له عن حميد شيء " (١). والوكيل هذا متهم بالكذب ووضع الحديث، ومثل هذه العلة دليل على أنه كان يركب الأسانيد. العاشرة: أن يستدل بطراوة الخط في الكتاب العتيق أو بلون الحبر مثلاً على أن الراوي أضاف اسمه في طباق السماع، فادعى لنفسه السماع واتصال ما بينه وبين من روى عنه ذلك الحديث أو الكتاب، وإنما هو يكذب. وصنيع هذا وقع من طائفة من المتأخرين بعدما صارت الرواية إلى الكتب، ولذا يلزم تتبع ذلك من النقلة لكشف صحة السماع أو عدمه، قال الحاكم: " يتأمل أصوله: أعتيقة هي أم جديدة، فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيحدثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها " (٢). قلت: ومن أمثلة من فضحه الله بتزوير السماع: محمد بن عبد الخالق اليوسفي (٣)، وأبو البقاء محمد بن محمد بن معمر بن طبرزد (٤).

стр. 1020

ومنهم: محمد بن أيوب بن سويد الرملي، قال أبو زرعة الرازي: " أتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبواباً مصنفة بخط أيوب بن سويد، وقد بيض أبوه كل باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها، فإذا الذي بخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة ليست من حديث أيوب بن سويد، قلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي، فقلت: هذه الزيادات، خط من هو؟ قال: خطي، قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي، قلت: لا ضير، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها "، قال أبو زرعة: " فاصفار لونه وبقي (١)، وقال: الكتب ببيت المقدس، فقلت: لا ضير، أنا أكتري فيجاء بها إلي. . " قال: " فبقي ولم يكن له جواب، فقلت له: ويحك ! أما تتقي الله؟ ما وجدت لأبيك ما تفقه به سوى هذا؟ أبوك عند الناس مستور وتكذب عليه؟ أما تتقي الله؟ فلم أزل أكلمه بكلام من نحو هذا ولا يقدر لي على جواب " (٢). واعلم أنه ليس كل من ادُّعي عليه أنه يفعل ذلك يكون مما يقدح فيه، فقد تكلم الحافظ ابن النجار، في شيخه (عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عبد الكريم السمعاني) فقال: " كانت سماعاته التي بخط والده وخطوط المعروفين من المحدثين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه، فإنه كان يلحق اسمه في طباق لم يكن اسمه فيها إلحاقاً ظاهراً، ويدعي سماع أشياء لم يوجد سماعه منها، وكان متسامحاً " (٣). فاعتذر عنه ابن حجر، فقال: " هذا الذي قاله ابن النجار فيه لا يقدح بعد ثبوت عدالته وصدقه، أما كونه كان يلحق اسمه في الطباق، فيجوز أنه

стр. 1021

كان يحقق سماعه، وأما كونه ادعى سماع أشياء لم توجد، فهذا إنما يتم به القدح فيه لو وجد الأصل الذي ادعى أنه سمع فيه، ولم يوجد اسمه فيه، أما فقدان الأصول فلا ذنب للشيوخ فيه " (١). الحادية عشرة: أن يكون في نفس المروي قرينة تدل على كونه كذباً. كالأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، أو تخالف البراهين الصريحة ولا تقبل تأويلاً بحال. قال الشافعي: " لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أنه يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه " (٢). وذكر ابن القيم (٣) لتمييز الحديث الموضوع بهذا الطريق علامات، إليكها ملخصة مقربة مع زيادة فائدة يقتضيها المقام: [١] اشتمال الحديث على المجازفات في ترتيب الجزاء المبالغ في وصفه على العمل اليسير. مثل: " من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبيا " (٤). [٢] مخالفة الواقع المحسوس. مثل: " الباذنجان شفاء من كل داء " (٥).

стр. 1022

قلت: كالذي روى العلاء بن زيدل، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال " العالم لا يخرف ". سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث فقال: " العلاء ضعيف الحديث، متروك الحديث، قد وجدنا من ينسب إلى العلم: المسعودي، والجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعطاء بن السائب، وغيرهم " (١). قلت: يعني أنه كبروا فخرفوا. [٣] مناقضة السنن الإلهية في التشريع والتكليف. مثل ما يروى في حرمة النار على من اسمه (محمد) أو (أحمد) (٢). [٤] أن يشمل على تحديد تاريخ مستقبل، تقع فيه حوادث، فيقال: " إذا كانت سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت " (٣). ومن هذا ما يذكر في عمر الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة (٤). والمبين لكذب هذا النوع من الأخبار: خلو أخبار الوحي المعروفة من ذلك بالاستقراء، مع ظهور كذب تلك الأخبار في الواقع المشاهد. [٥] أن تقوم الشواهد الصحيحة، والعلم القاطع، للدلالة على بطلانه. مثل: " إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة ". [٦] أن يشمل على خلاف الصحيح الثابت. مثل حديث وضع الجزية على يهود خيبر، فهو باطل لأن فيه شهادة

стр. 1023

سعد بن معاذ، ولم يكن حيا يومئذ، ولم يكن أسلم يومئذ والجزية لم تكن شرعت يومئذ، إلى قرائن أخرى. [٧] أن يكون سمج اللفظ، أو يكون كلاماً تقبح إضافة مثله إلى نبي. مثل: " لا تسبوا الديك، فإنه صديقي، ولو يعلم بنو آدم ما في صورته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب " (١). ومثل: " أربع لا تشيع من أربع: انثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر " (٢). ومن قبيح كذبهم: " عليكم بالوجوه الملاح، والحدق السود، فإن الله يستحيي أن يعذب وجهاً مليحاً بالنار " (٣). [٨] أن يشتمل على ما يوجب اتفاق الأمة في زمن على الضلالة. كادعاء أن يكون النبي ﷺ فعل أمراً ظاهراً بمحضر من جميع الصحابة، ثم اتفقوا على كتمانه، مثل الذي تدعيه الرافضة في شأن الوصي. [٩] أن يكون كلاماً هو ألصق بكلام الأطباء أو أصحاب المهن أو الحكماء، منه بكلام الأنبياء. مثل: " كلوا التمر على الريق، فأنه يقتل الدود " (٤). قلت: ومما يشكل على هذا الطريق: أن من الكذابين من كان يحاكي الكلمات النبوية، ويأتي بالعبارات البليغة، والحق من القول، مركباً على الأسانيد التي ظاهرها السلامة، فيحسبه بعض الناس من كلام النبي ﷺ

стр. 1024

وهذا من أغمض ما يكون، إذ لا يتبينه إلا حاذق عارف، يقارن بين المتون والأسانيد فيقيس على المحفوظ المعروف. ومثال ذلك من هؤلاء الكذابين (أبو جعفر عبد الله بن المسور الهاشمي)، فقد صح عن الثقة رقبة بن مصقلة العبدي قوله: " كان يضع أحاديث، كلام حق، وليست من أحاديث النبي ﷺ ، وكان يرويها عن النبي ﷺ " (١). وثبت عن محمد بن سعيد الشامي المصلوب قوله: " إني لأسمع الكلمة الحسنة، فلا أرى بأساً أن أنشئ لها إسناداً " (٢). قلت: ووجود مثل هذا يبطل عبارة يدعيها بعض الناس في بعض أحاديث الضعفاء المتهمين والمجهولين: (هذه الكلمات حق، لا بد أن تكون خارجة من مشكاة النبوة)، كذلك يبطل قبول خبر المجهول الذي لا يعرف له على خبره متابع معتبر على ما روى؛ لجواز أن يكون على نفس صفة هذا الهالك، حتى يتبين أمره في الثقة والأمانة. مسائل في الموضوع: المسألة الأولى: مصطلح (حديث لا أصل له) . كان يستعمل في عرف السلف في الحديث يروى بإسناد، لكنه خطأ أو باطل لا حقيقة له ولم يوجد أصلاً.

стр. 1025

وإذا حكموا بذلك على الحديث أرادوا: لا أصل له عن النبي ﷺ ، وإذا حكموا على الإسناد أرادوا: لا أصل له عمن أضيف إليه في ذلك الطريق ممن لم يعرف من حديثه من الثقات، وجائز أن يكون له أصل محفوظ عن النبي ﷺ من غير ذلك الوجه. والعبارة تساوي: ما هو كذب في نفسه متناً أو سنداً، أو في كليهما، ولذلك كثيراً ما تقترن بلفظ (موضوع) أو (كذب). وكثيراً ما يستعمل هذه العبارة أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والعقيلي وابن عدي وابن حبان، وغيرهم من السالفين في الخبر له إسناد، لكنه باطل أو كذب. ومن أمثلته: مثال ما ليس له أصل بإسناد معين، ومتنه محفوظ عن النبي ﷺ من وجه آخر: سئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " (١)؟ فقال أبو حاتم: " هذا حديث باطل، لا أصل له، إنما هو: مالك،

стр. 1026

عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي ﷺ (١) " (٢). ومثال ما روي بإسناد، ولا أصل له عن النبي ﷺ من وجه: ما رواه العلاء بن عمرو الحنفي، قال: حدثنا يحيى بن بريد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي " (٣). فهذا قال فيه العقيلي: " منكر، لا أصل له " (٤). وسبقه أبو حاتم الرازي فقال: " هذا حديث كذب " (٥). والمتأخرون استعملوا العبارة أيضاً فيما يضاف إلى النبي ﷺ من المتون

стр. 1027

الموضوعة، ولا تروى عنه بإسناد، ولا ريب أنه استعمال صحيح أيضاً ليس بخارج عما استعمله فيه السلف، بل إطلاقه على هذه الصورة أولى. وذلك كحكم ابن حجر العسقلاني وغيره على حديث: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " بقوله: لا أصل له " (١). ويشبه هذه العبارة في المعنى قول الناقد في حديث ما: " ليس له إسناد "، فإنه حكم بكونه لا أصل له. ومن ذلك ما حكاه أبو داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: " يروى عن النبي ﷺ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وليس له إسناد "، قال أبو داود: " يعني حديث عبد الله بن جعفر المخرمي من ولد مسور بن مخرمة، عن عثمان الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، يريد بقوله: ليس له إسناد؛ لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة " (٢). المسألة الثانية: الحديث الذي لا أصل له يكثر في أبواب الفضائل، والترغيب والترهيب، والقصص، والتفسير، والفتن والملاحم، والسير والمغازي. قال أحمد بن حنبل: " ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير " (٣). قال الخطيب: " وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أن المراد به كتب

стр. 1028

مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها " (١). قال: " أما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية " (٢). قلت: ومن تأمل الكتب العتيقة المدونة في هذه الأبواب وجد الوهاء سمة مؤلفيها، ككتب محمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الضبي في السير والمغازي، وتفيسر الكلبي ومقاتل بن سليمان. وإن كان المؤلف موصوفاً بالسلامة كمحمد بن إسحاق، كان تصنيفه كثير الغث قليل الصواب. نعم، ربما يسهل في قبول بعض ما جمعه هذا الصنف، مما استفادوه من كلام العرب ولغتها، لا الرواية. قال يحيى بن سعيد القطان: " تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث " ثم ذكر ليث بن أبي سليم، وجرير بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب يعنى الكلبي، وقال " هؤلاء لا يحمد حديثهم، ويكتب التفيسر عنهم " (٣). ويبين البيهقي وجه هذا الترخص فيقول: " وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط " (٤).

стр. 1029

المسألة الثالثة: الكتب المؤلفة في تمييز الأحاديث الموضوعة . اعلم أن الأحاديث الموضوعة في أزمان أولئك الكذابين كانت كثيرة، ولكن الله نفى أكثرها بأئمة الهدى الذين سخرهم للذب عن دينه، ففضح بهم أمر الكذابين، وكشفوا عن حقيقة أمرهم، وأبطلوا ما جاءوا به، ثم صنفت التصانيف الموثقة في حديث رسول الله ﷺ ، فعمد أصحابها إلى انتقاء الحديث فيها، متقين ما انكشف وظهر بطلانه ووضعه، وأكثروا تخريج أحاديث الثقات، وانعدم تارة وندر أخرى فيما خرجوه أحاديث الكذابين، خصوصاً تلك الكتب الأمهات المحتوية على تفاصيل السنن، والتي لا يكاد يخرج عنها من الحديث الصحيح إلا ما ندر. فحين ترى مثلاً ما جاء عن الرجل الواحد من رءوس الكذب أنه وضع الآلاف من الحديث، فلا يغرنك هذا فتحسب له أثراً في حفظ سنة النبي ﷺ . وذلك كقول الحاكم النيسابوري: " مُحمد بن تميم الفاريابي، قد وضَعَ على رسول الله ﷺ أكثر من عشْرة آلافِ حديث، وهُو قريبٌ من الجوباري " (١). قول ابن حبان في (محمد بن يونس الكديمي): " يضع على الثقات الحديث وضعاً، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث " (٢). فهذا وشبهه جميعاً مما لم يبق له وجود من رواية هؤلاء وأمثالهم إلا الشيء اليسير المتميز الذي تسلم منه أمهات السنة بفضل الله ونعمته، فله الحمد. ولعل من حكمة بقاء ذلك اليسير أن يستدل به على كذب هؤلاء وفضيحتهم، وقد اعتنى ببيانه علماء الأمة، ولا يزالون.

стр. 1030

ومن أشهر المؤلفات فيه كتاب " الموضوعات " لأبي الفرج ابن الجوزي. وهو كتاب نافع، غير أنه انتقد في مواطن منه، وعيب عليه فيه أمران أساسيان: الأول: أنه أدخل فيه أحاديث لا تبلغ الوضع، بل الضعف، إنما هي من الحديث المقبول، وبعض ذلك في كتب " السنن" و " مسند أحمد "، بل فيه حديث هو في " صحيح مسلم " (١). وأكثر من اجتهد في تعقبه في ذلك: جلال الدين السيوطي في كتاب " اللآلئ المصنوعة "، وكان قبله قد تعقبه العراقي وابن حجر فيما أورده في " الموضوعات " من أحاديث " المسند ". والتحقيق: أن زعم أن يكون شيء مما أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " مما هو من قسم المقبول، محل بحث في أكثره، فقد يسلم فيه الحديث بعد الحديث، لكن أغلب ذلك مما اجتهد في دفع الضعف عنه بتكلف لا يخفى على من تأمله. وإنما يصدق النقد لابن الجوزي في أنه حكم على ما ضمنه كتابه بالوضع، وفيه أحاديث كثيرة لا تهبط إلى ذلك القدر، بل هي من قسم الضعيف. وعلة أوهام ابن الجوزي في كثير منها ناتجة عن التقليد لمن تقدمه كابن عدي والعقيلي وابن حبان، حيث يتابعهم في إيراد أحاديث انتقدوها

стр. 1031

على بعض الرواة، ربما لم يحكموا عليها بأكثر من النكارة، فيوردها ابن الجوزي على أنها موضوعة. والثاني: أنه بنى في نقده على إعماله الجرح غير المحرر في الراوي المختلف فيه، وأوهامه في هذا كثيرة في جميع كتبه التي تعرض فيها لنقد الأحاديث أو الرجال، فإنه يذكر الجرح ويقصر في التعديل، أو يغفله جملة، وغاية أمر الراوي أن يكون ضعيفاً لا يتهم. قال الذهبي وذكر قدر معرفة ابن الجوزي بنقد الحديث: " أما الكلام على صحيحه وسقيمه، فما له فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحفاظ المبرزين، فإنه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة، مع كونه كثير السياق لتلك الأحاديث في الموضوعات، والتحقيق أنه لا ينبغي الاحتجاج بها، ولا ذكرها في الموضوعات وربما ذكر في الموضوعات أحاديث حساناً قوية، ونقلت من خط السيف أحمد بن المجد (١) قال: صنف ابن الجوزي كتاب " الموضوعات "، فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل. ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو: ليس بالقوي، أو: لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا حجة بأنه موضوع، سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وهذا عدوان ومجازفة " (٢). قلت: نعم، أكثر ما في كتاب " الموضوعات " من الحديث الأحاديث الموضوعة. قال ابن تيمية: " الموضوع في اصطلاح أبي الفرج: هو الذي قام دليل على أنه باطل، وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب، بل غلط فيه؛ ولهذا

стр. 1032

روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع، وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره، وقالوا: إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل، بل بينوا ثبوت بعض ذلك، لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء " (١). وقبل ابن الجوزي وبعده كتب مفيدة في معرفة الأحاديث الموضوعة، لكن ليس فيها ما استقصى، وكأن هذا مطمع غير ممكن من أجل حظ الاجتهاد، إذ ما يدخله التردد: هل هو موضوع، أم شديد الضعف واه، أم منكر، في هذا الباب كثير. وابن الجوزي ممن حاول الفصل بين الموضوع والواهي في كتابين منفصلين، لكن عند غيره أشياء كثيرة مما يخالفه فيها في أي القسمين تكون، أو هي خارجهما أصلاً. كما أن من مظان معرفة الموضوعات أيضاً كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ككتاب " المقاصد الحسنة " للسخاوي، لكن تنبه إلى كون هذه لم تقصد إلى الحديث الموضوع ومما لا أصل له، وإنما عنيت بالأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس، وفيها الصحيح والحسن والضعف والموضوع. المسألة الرابعة: مما يساعد على تمييز الموضوع في الحديث: معرفة أبواب مخصوصة ، عامة ما يروى فيها من الحديث موضوع. وذلك كالأحاديث في فضل العقل، والأحاديث في حياة الخضر، وأحاديث صلوات الأيام والليالي، كصلوات أيام الأسبوع، وما جاء في صوم رجب والصلاة المسماه بصلاة الرغائب فيه، وصلاة النصف من شعبان، والأحاديث في ذم الحبشة والسودان والترك والمماليك، وغير ذلك (٢).

стр. 1033

الفصل الثالث حكم الاعتبار بالحديث الضعيف

стр. 1034

المبحث الأول: تفسير الاعتبار يستعمل أهل الحديث مصطلح (الاعتبار) و (يعتبر به)، وما في معناها في معنيين: المعنى الأول: أن الراوي أو الحديث ضعيف ضعفاً يرجى برؤه، ولا يسقط به. وقد يعبر عنه بالقول: (صالح)، وفي الراوي تارة: (يكتب حديثه)، و (يخرج حديثه اعتباراً). وتدل عليه جميع عبارات الجرح التي لا يطرح بها الراوي أو حديثه. فيجمع ما كان ضمن هذا النوع من الحديث، أو الرواة، ويكتب، أو يخرج في الكتب، رجاء أن يوجد له في الروايات سواه مما يشاكله في القوة أو يرقى فوقه، من متابعات في الأسانيد أو شواهد، فيزول به أثر الضعف وينتقل به الحديث إلى درجة القبول. فإن فقد ذلك فهي أفراد الضعفاء. وسيأتي بيان ما يعتبر به على هذا المعنى من الروايات.

стр. 1035

والمعنى الثاني: أن يميز حديث الراوي ويعرف، لا على معنى جواز تقويته أو التقوية به، فكأنه من معنى: أتخذه عبرة خشية الضرر به. كقول أبي حاتم الرازي في (عبد العزيز بن عمران): " متروك الحديث ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً "، قال ابنه: قلت: يكتب حديثه؟ قال: " على الاعتبار " (١). وكقول أبي زرعة أيضاً في (محمد بن عمر الواقدي): " ضعيف "، قال ابن أبي حاتم: قلت: يكتب حديثه؟ قال: " ما يعجبني إلا على الاعتبار، ترك الناس حديثه " (٢). قلت: وتأمل قوله: " على الاعتبار "، ولم نقل: " للاعتبار "، وهذا فرق ما بين هذا الاستعمال ومصطلح (الاعتبار) بالمعنى الأول. يؤيد هذا ما قاله أبو نعيم الأصبهاني عقب الفصل الذي ذكر فيه الضعفاء والمتروكين: " كل واحد من المذكورين في هذا الفصل بنوع من الأنواع، إذا نظرت في حديثه وتميزته، ارتفع الريب في أمره، وظهر لك حقيقة ما نسبته إليه، وأكثرهم عندي لا تجوز الرواية عنهم ولا الاحتجاج بحديثهم، وإنما يكتب حديث أمثالهم للاعتبار والمعرفة، إذ لا سبيل إلى معرفتهم في حديثهم، وإذا احتاج الراوي إلى ذكرهم عرف لهم من الوضع والكذب والوهم والخطأ والإنكار وغير ذلك، ما يذكرهم به ويضيفه إليهم؛ ليكون ما كتب من حديثه شاهداً له على جرحه لهم " (٣). والمعنى المقصود هنا لهذا المبحث هو الأول. * * *

стр. 1036

المبحث الثاني: تمييز ما يصلح للاعتبار عماد مسألة ما يصلح للاعتبار وما لا يصلح يقوم على أساسين: الأول: صلاحية الراوي . وذلك أن يكون الراوي محل الاعتبار لم يبلغ حديثه في الضعف درجة السقوط. وللناقد الخبير أبي عبد الله الذهبي تصوير دقيق لمنازل الرواة يقرب فهم هذه المسألة، قال: " منهم هو العدل الحجة، كالشاب القوي المعافى. ومنهم من هو ثقة صدوق، كالشاب الصحيح المتوسط في القوة. ومنهم من هو صدوق، أو لا بأس به، كالكهل المعافى. ومنهم الصدوق الذي فيه لين، كمن هو في عافية، لكن يوجعه رأسه أو به دمل. ومنهم الضعيف الذي تحامل، ويشهد الجماعة محموماً، ولا يرمي جنبه. ومنهم الضعيف الواهي، كالرجل المريض في الفراش، وبالتطبيب ترجى عافيته.

стр. 1037

ومنهم الساقط المتروك، كصاحب المرض الحاد الخطر. وآخر، حاله كحال من سقطت قوته، وأشرف على التلف. وآخر، من الهالكين، كالممحتضر الذي ينازع. وآخر، من الكذابين الدجالين " (١). قلت: فهذا توضيح لصفة أحوال الرواة، فإذا استثنيت الصدوق ومن فوقه، وجدت سائر الأوصاف تعود في جملتها إلى قسمين: الأول: من يمكن أن يعالج حديثه من الرواة تبعاً لحاله في المرض. والثاني: ما لا سبيل إلى علاجه؛ لتمكن المرض، أو لبلوغه مبلغ الهلاك. والصالح للاعتبار من هؤلاء: من أمكن علاج علته، وهذا ما كان ضعفه ناتجاً عن سوء حفظه، وكثرة خطئه، أو ورود مظنة ذلك عليه كالمجهول. فبالنظر للأنواع المتقدمة للحديث الضعيف، نجد ما يمكن علاجه مما يعود ضعفه إلى ضعف راويه، ما يلي: أولاً: حديث المجهول والمستور. وينبغي أن يلاحظ فيه التسهيل في الاعتبار بمجاهيل التابعين، ومزيد الاحتياط فيمن بعدهم. وذلك أن الكذب في التابعين كان قليلاً نادراً؛ لقرب العهد من نور النبوة، ولعدم ظهور الشره في الحديث الذي أصاب من بعدهم مما حمل كثيرين على الكذب ووضع الحديث.

стр. 1038

قيل لزيد بن أسلم (وهو من صغار التابعين): عمن يا أبا أسامة؟ قال: " ما كنا نجالس السفهاء، ولا نحمل عنهم " (١). كذلك مما يوجب التشديد في الاعتبار بحديث المجهول في الطبقات المتأخرة، خصوصاً مجهول العين: ما عرف من طائفة من الرواة من تدليس الأسماء، فربما كان ذلك المجهول شيخاً واهياً لم يتعين أمره للتدليس. ولا شك أن تمييز من يفعل ذلك من المدلسين طريق لتوقي حديث مثل هؤلاء المجهولين. غير أن الشأن في الجملة: صحة الاعتبار برواية المجهول، وإن كان مجهول العين، كشأن الاعتبار بالحديث المنقطع، من جهة الجهالة بعين الساقط. قال الدارقطني: " من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره " (٢). وإذا صح الاعتبار برواية مجهول العين، صح بالأولى الاعتبار برواية مجهول الحال والمستور، خصوصاً أن الأخيرين ربما صرنا إلى الحكم بقبول حديثهما لذاته، وذلك عند استيفاء شروط الحسن. ثانياً: حديث سيء الحفظ، وهو راوي الحديث الذي يضعف بسبب لينه، لا من يبلغ الترك لغلبة خطئه. وهذا من أكثر ما اعتنى أئمة الحديث بالاعتبار به، وأكثر ما جرى عليه الترمذي فيما حسنه من الحديث لغيره إنما كان من روايات هذا الصنف، والمعنى فيه ظاهر فإن الصدق في الجملة ثابت للراوي، وسوء حفظه لم يغلب الخطأ على حديثه، فحيث نجد ما يشده فإن قبول حديثه متعين؛ لزوال الشبهة.

стр. 1039

ويندرج في جملته: حديث الثقة المختلط الذي عرف أنه حدث به بعد اختلاطه، وحديث من عرف بقبول التلقين. ثالثاً: من وقع الاضطراب في حديثه؛ لكون ذلك واقعاً بسبب سوء الحفظ، والاضطراب تكافؤ في الوجوه، فإذا وجد المرجح تعين المصير إليه، والمرجح قد يكون إلى جانب القبول. رابعاً: من وقع في حديثه الاختلاف، فرد لأجله، فإن لم يتعين في ذلك الاختلاف الخطأ، ووجد المرجح إلى جهة القبول وجب المصير إليه والاعتداد بذلك الراوي، إذ ما خشيناه من مظنة خطئه قد زال. وما لا يمكن علاجه منها، ما يلي: أولاً: الراوي الموصوف بكونه (منكر الحديث)، أو (متروك الحديث)، أو (شديد الضعف)، أو بأي عبارة تقتضي الوهاء. ثانياً: الراوي المتهم بالكذب، أو سرقة الحديث، وأولى منه من يثبت ذلك عليه. فإن قلت: ربما روى الواحد من هذا الصنف أو الذي قبله ما يرويه الثقات، فهل يعتبر بما يوافق فيه الثقات أم لا؟ قلت: وجدنا من الناس من المتأخرين من يغتر بتلك الموافقات، والتحقيق: منع الاعتبار بروايات هذين الصنفين، وإن وقعت موافقة لروايات الثقات، والعلة في ذلك: ما يقع في رواياتهم من التحديث بما ليس من حديثهم المسموع لهم، سرقة، أو تشبيهاً عليهم، أو تلقيناً لهم، أو دسا في كتبهم. فالواجب النظر إلى روايات هؤلاء بمنزلة المعدوم في هذا الباب. ومن كلام الأئمة في توكيد هذا الأصل في التمييز بين من يعتبر به ومن لا يعتبر به، ما يلي: قال الترمذي بعد ذكر (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)

стр. 1040

و (مجالد بن سعيد): " إذا تفرد أحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه، لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عنى إذا تفرد بالشيء " (١). قلت: فهذا دال على أن حديث هذا الصنف صالح عند عدم التفرد. وقال أحمد بن حنبل: " ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيراً مما أكتب أعتبر به، ويقوي بعضه بعضاً " (٢). فإن كان من أحاديث متهم أو متروك أو منكر الحديث، ممن هو شديد الضعف، فهذا لا يعتبر بحديثه عندهم. قال أحمد بن حنبل في الفرق بين النوعين: " الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر " (٣). وبين ذلك بأكثر من هذا في روية أخرى، قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: " المنكر أبداً منكر "، قيل له: فالضعفاء؟ قال: " قد يحتاج إليهم في وقت " كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأساً (٤). قلت: وجه ترك كتبة المنكرات، عدم صحة الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار لا يكون بما ليس له أصل، والمنكرات لا أصول لها. أما أحاديث الضعفاء التي يوجد ما يشدها فهذه تكتب؛ لأن لها أصلاً. وكذلك صنع أحمد في " مسنده " فإن أكثره من رواية الثقات المتقنين، وفيه روايات الضعفاء الذين تعرف أحاديثهم أو معانيها من وجوه أخرى، إلا

стр. 1041

قليلاً جداً مما يمكن وصفه بالنكارة، ولم يجر من أحمد على سبيل القصد مع تبينه لنكارته. قال الجوزجاني في (سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي): " كان أبو اليمان يثني عليه في فضله وعبادته، قال: كنا نستمطر به. فنظرت في حديثه فإذا أحاديثه معضلة، فأخبرت أبا اليمان بذلك، فقال: أما إن يحيى بن معين لم يكتب منها شيئاً، فلما رجعت إلى العراق ذكرت أبا المهدي ليحيى بن معين، وقلت: ما منعك يا أبا زكريا أن تكتبها؟ قال: من يكتب تلك الأحاديث؟ من أين وقع عليها؟ لعلك كتبت منها يا أبا إسحاق؟ قلت: كتبت منها شيئاً يسيراً لأعتبر به، قال: تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل " (١). قلت: وعند بعض النقاد لا يترك حديث الراوي حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، وعلى هذا فمن لم يتفق على ترك حديثه فهو عند هذه الطائفة صالح للاعتبار. وهذه طريقة أحمد بن صالح المصري. قال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: " لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف)، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه " (٢). وكذلك جاء عن أحمد بن شعيب النسائي، أنه لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه (٣). لكن هذا يجب أن يكون مشروطاً بعدم ظهور وجه الجرح الذي يسقط

стр. 1042

به حديث الراوي، وإلا فإطلاقه لا بجري على الأصول، فإن الجماعة قد تعدل الراوي، ويطلع واحد من أهل الاختصاص على كذبه، فهذا عندهم في التحقيق كاف لإسقاط جميع روايته. والثاني: صلاحية نفس الحديث . فيعتبر بكل ما لم يثبت أنه: كذب، أو منكر، أو خطأ. فيصح الاعتبار بما يلي: أولاً: المنقطع. ثانياً: المرسل. ثالثاً: المعضل بسقط اثنين، وذلك فيما يرفعه صغار التابعين أو كبار أتباع التابعين (١)، فإن طال السقط، أو كان في الطبقات المتأخرة فلا ينبغي الاعتداد به؛ لقوة مظنة الوهاء بتتابع العلل، أو من أجل تساهل متأخري الرواة فيمن يحملون عنهم. رابعاً: حديث المدلس الذي عنعن فيه، أو ثبت تدليسه فيه، ما لم يرجع تدليسه فيه إلى متروك الحديث أو متهم بالكذب. خامساً: المرسل إرسالاً خفياً. ولا يصح الاعتبار بما يلي: أولاً: المعلق حتى يوقف على إسناده، إذ المعلقات ترجع في الأصل إلى الأسانيد، فإن لم يوقف له على إسناد نزل منزلة ما لا أصل له. ثانياً: المقلوب.

стр. 1043

ثالثاً: المصحف. رابعاً: المدرج. خامساً: الشاذ. سادساً: المعلل المتعين خطؤه. وهذه لا يعتبر بها من أجل كون الراجح فيها الخطأ، والحديث إذا تبين أنه خطأ فإنه لا يصلح الاعتداد به، إذ الخطأ لن يكون صواباً. سابعاً: المنكر. ووجه سقوط الاعتبار به أنه لا يخلو من أن تكون نكارته بسبب المخالفة من الراوي الضعيف، وهذه مرجوحة خطأ، ولا يعتبر بالخطأ. أو أن تكون نكارته بسبب التفرد، فيخرج عن هذه المسألة؛ لأن الاعتبار إنما يكون بما يوجد له الموافق. وربما جاءت النكارة بسبب التدليس عن متروك أو متهم. ثامناً: الموضوع (١). وعدم الاعتبار بما ثبت أنه كذب أو منكر، ظاهر، وإن تعددت له

стр. 1044

الطرق وكثرت، فلا تعني كثرتها في التحقيق شيئاً؛ لجواز التواطؤ من قبل الكذابين والمتهمين على تنويع الأسانيد للحديث الواحد، فربما نتج تعدد الطرق عن رواية رجل من الضعفاء، عرف بذلك الحديث، فسرقه المتهمون وتداولوه بينهم، يسرقه بعضهم من بعض. وجائز أن يكون الضعيف الذي ترجع إليه جميع الطرق ممن يعتبر به، ولكن ليس في تلك الطرق ما يشده؛ لوهائها. وهذا لا يتقى إلا بتمييز ما كان يصلح للاعتبار بحسب رواته من جهة حفظهم وأنهم لم يبلغوا الترك، والسلامة من العلة القادحة في الإسناد أو المتن. وأمثلة ما لا تعتد به من تعدد الطرق كثيرة. مثل حديث: " من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر ديناه، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً "، فهذا روي من حديث ثلاثة عشر رجلاً من الصحابة، بأسانيد كثيرة كلها واهية ساقطة (١). وحديث " زر غبا تزدد حبا "، روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر وحبيب بن سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، وكلها واهية الأسانيد، وما كان فيه بعض النفس فإنه يفتقر إلى ما يشده. وقال الزيلعي في شأن أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة: " وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها، لكنها كلها ضعيفه، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير (٢)، وحديث الحاجم

стр. 1045

والمحجوم، وحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه "، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً (١). تنبيه: الاعتبار بالطرق المرجوحة التي دل النظر على أنها خطأ، لا يصح كما تقدم، وهو مما يغفل عنه كثير من المشتغلين بهذا العلم، يغر أحدهم ظاهر ورود طريق أخرى للحديث، فيقوي بها، دون ملاحظة شذوذها في الإسناد مثلاً، أو رجوعها إلى نفس طريق الحديث الأولى التي أراد تقويتها. وإليك مثالين توضيحاً لذلك: المثال الأول: روى منصور بن المعتمر، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا سمر إلا لأحد رجلين: لمصل أو مسافر ". هذا الحديث رواه عن منصور الثقات من أصحابه: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وعمرو بن أبي قيس، جميعاً هكذا، لكن منهم من يذكر واسطة مبهمة بين خيثمة وابن مسعود، ومنهم من لا يذكر وعلى كلا الحالين فإنه منقطع، خيثمة لم يدرك ابن مسعود، والواسطة مبهمة. خالف الجماعة عن منصور: إبراهيم بن يوسف الصيرفي، فرواه عن سفيان بن عيينة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زياد بن حدير، عن ابن مسعود. فحسب بعض الناس هذه طريقاً أخرى للحديث، وما فطنوا إلى أن

стр. 1046

الصيرفي هذا وهم في إسناده على ابن عيينة، من أجل المحفوظ عن منصور، فمن يعتمد قوله في النقلة كالنسائي قال في (الصيرفي): " ليس بالقوي " وهو من شيوخه، والرجل حسن الحديث ما أتى بما هو موافق لرواية الثقات، أما أن يأتي بمثل هذا الإسناد فهذا مقام إعمال قول الناقد (ليس بالقوي). فإذا تبين أن رواية الصيرفي وهم، والحديث كما رواه جماعة الثقات عن منصور، فيسقط الاعتداد بطريق الصيرفي لتقويته؛ لأنه رواية خطأ (١). والمثال الثاني: ما رواه الضحاك بن نبراس، عن ثابت البناني، عن أنس من مالك، عن زيد بن ثابت، قال: أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله ﷺ يمشي، وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال لي: " أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر عدد خطانا في طلب الصلاة " (٢).

стр. 1047

فهذا تابع الضحاك عليه: محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، به مرفوعاً (١). والضحاك لين الحديث، ومحمد بن ثابت ليس بالقوي، وكلاهما يعتبر به، ولو سلم حديثهما هذا من المخالفة لكان حديثاً حسناً، غير أن حماد بن سلمة والسري بن يحيى وجعفر بن سليمان الضبعي رووه عن ثابت البناني عن أنس عن زيد موقوفاً من فعل زيد وقوله (٢). وقال العقيلي: " حديث حماد أولى " قلت: كيف لا، وأثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة؟ ومتابعة السري ثقة، وجعفر صدوق، ولا يقاوم الضحاك ومحمد بن ثابت مجتمعين جعفراً وحده فكيف بمن فوقه، كحماد؟ بل كيف بهم مجتمعين؟ لذا قال أبو حاتم الرازي: " روى هذا الحديث جماعة عن ثابت البناني، فلم يوصله أحد إلا الضحاك بن نبراس، والضحاك لين الحديث، وهو ذا يتابعه محمد بن ثابت، ومحمد أيضاً ليس بقوي، والصحيح موقوف " (٣). فهذا مما يبين لك أن ما يعتبر به من طرق الحديث: ما سلم من المعارض الراجح، إذ قيام المعارض الراجح خطأ، فيتعذر حينئذ دفع الضر عنه.

стр. 1048

المبحث الثالث: تقوية الحديث بتعدد الطرق تقدم في (الحديث الحسن) ذكر (الحسن لغيره)، وأنه الحديث الضعيف الذي لم يبلغ ضعفه السقوط لاتهام راويه بالكذب أو غلبة الخطأ، ينجبر بممجيئه من وجه آخر يعتبر به. وبينت في المبحث السابق ما يعتبر به وما لا يعتبر به من الحديث، والذي هو مقدمة ضرورية لفهم هذا المبحث. ومحل الحديث منه هنا مقصور على المنهاج الذي يصح به تقوية حديث ضعيف يعتبر به في الأصل لخفة ضعفه، بغيره، إذ أسقطنا فيما تقدم ما لا يعتبر به. وبيان هذا الأصل أن نقول: اعلم أن تقوية الحديث الضعيف الصالح بغيره يشترط لها في الجابر أربعة شروط: الشرط الأول: أن يكون حديثاً له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه . أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثاً مرفوعاً، وجب في جابره

стр. 1049

أن يكون مرفوعاً، صراحة أو حكماً؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل. ويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث. ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي ﷺ . أولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم. وهذا يكون صحيحاً أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً. وليس اشتمال الحديث على الحق، مما يجيز بمجرده نسبته إلى النبي ﷺ ، وإلا أسقطنا الاعتداد بقوانين هذا العلم، ولقال من شاء ما شاء. ومن مثال هذا: تقوية ما رواه دراج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] " (١). فهذا معناه في كتاب الله صحيح، لكن الحديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد ضعيف، دراج ضعيف الحديث عن أبي الهيثم، وقد جاء بالأمر بالشهادة بالإيمان لمرتاد المسجد، وهو مما لا شاهد له من القرآن.

стр. 1050

ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة. الحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل. فإن قلت: وجدنا في كلام الشافعي ما نعتبر فيه تقوية المرسل بالمنقول عن الصحابة (١). قلت: ليس لهذا مثال يقول فيه الشافعي بتصحيح نسبة حديث مرفوع إلى النبي ﷺ علته الإرسال، بقول صحابي أو فعله، وإنما وجد في كلامه تعضيد الحكم المستفاد من المرسل، بجريان عمل بعض الصحابة به، كما وقع منه في بعض مراسيل سعيد بن المسيب. وثبوت الحكم بهذا الطريق غير ثبوت نسبة الحديث. وجاء عن أحمد بن حنبل في هذا ما قد يتعلق به، وذلك ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة عن جابر في الشفعة، قلت له، ما تقول فيه؟ قال: " منكر "، ورأيته ينكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: " هو ثبت "، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: " رواه صالح بن أبي الأخضر " يعني مثل رواية معمر، قلت: صالح يحتج به؟ قال: " يستدل به، يعتبر به " (٢). قلت: فظاهر هذا أن أحمد قوى المرفوع بالموقوف، وليس كذلك وإنما أطلق لفظ (الموقوف) هنا على المرسل، وذلك أن الحديث رواه معمر بن راشد وصالح بن أبي الأخضر وغيرهما، عن ابن شهاب الزهري

стр. 1051

عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. ورواه مالك في " الموطأ " (١) فقال: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة، الحديث معناه. وهذا مرسل، وليس بموقوف. ورجح أحمد والبخاري (٢) وغيرهما وصله، وهو الصواب، إذ معمر من حفاظ أصحاب الزهري، وزاده رجحاناً في حفظ الوصل متابعة من تابعه ممن يعتبر به (٣). ثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به. يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية. أما عد ذلك العمل منهم دليلاً على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث.

стр. 1052

على أنه لا يوجد لهذا مثال صالح، أن حديثاً ضعيفاً تقوى بالعمل، وإنما يوجد العمل بما هو ضعيف، وله أمثلة كثيرة. كالذي روي عن سعيد بن عبد الله الأودي، قال: شهدت أبا أمامة وهو في النزع، فقال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ فقال: " إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانه، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانه، فإن يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من قد لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما "، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: " فينسبه إلى حواء: يا فلان بن حواء " (١). ذكره ابن القيم، وقال: " فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار، كاف في العمل به " (٢). قلت: فجعل العمل به مع ضعفه عنده سائغاً، من أجل ما جرت به العادة، وكان ذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه استحسن تلقين الميت في قبره واحتج عليه بالعمل، ولم يذكر عن أحمد غير ذلك.

стр. 1053

وابن القيم قد طعن على هذا الحديث ورده في غير هذا الموضع من كتبه (١)، وليس هو من قسم الحديث الصالح للاعتبار أصلاً، بل هو منكر باطل. ومحاكمة هذا الاستعمال للحديث الضعيف، تتصل بأصل (منع الاحتجاج بالحديث الضعيف) وسيأتي بيانه. رابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به. وهذا أضعف مما تقدم، فإن الواقع أن الاستدلال بالحديث الضعيف، بل بما هو شديد الضعف أحياناً كثيرة، هو مما وقع لكثير من المجتهدين، خصوصاً من برز في الفقه منهم دون الحديث. ومنهم، وفيهم العارفون بالحديث، من يستدل بالحديث الضعيف في الباب لا يوجد فيه ما هو ثابت، كما لا يوجد لدلالة ذلك الضعيف معارض، كاستدلالهم بالمرسل وحديث المستور والمجهول وسيء الحفظ، وإن تحققت هذا منهم وجدتهم يصيرون إليه لاحتمال الثبوت لا لترجيحه، تقديماً له على محض النظر، كالذي بينت وجهه عنهم في (المرسل). على أنك يجب أن تذكر أن لقب (الضعيف) كان في كلام بعض السلف، كأحمد بن حنبل، ربما أطلق على (الحديث الحسن)، كما بينته في محله. خامستها: تقوية الحديث عن طريق الكشف. وهذا يذكر عن بعض متأخري الصوفية، كما زعمه الشعراني في

стр. 1054

حديث " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، حيث حكم بصحته عند أهل الكشف، مع إقراره بعدم ثبوته عند المحدثين (١). وليس هذا بطريق من طرق العلم، فالكشف هذا إن كان من صالح صاحب سنة فغايته أن يكون فتحاً في الفهم وتوفيقاً وتسديداً فيه، والفهم رأي، والرأي يخطئ ويصيب، ومن دليل خطئه مخالفة الدليل، فإذا قام الدليل على علة الحديث، فكيف يرد بظن مجرد؟ ولو ساغ اتباع هذا الطريق في أي أمر من العلم لفسدت الأصول، بل لاستغني به عن النقول. ومن بابه تصحيح النبي ﷺ للحديث في النوم، وهذا وإن كان مثاله نادراً، لكنه وقع لبعضهم، وقد يكون المنام حقا، والرائي صالحاً صادقاً، لكن المنامات لا تجري على الظواهر، إنما تقبل التأويل لو كانت حقا، كما أنها لا تكون طرقاً للمعارف، وإن كانت ربما دلت على الشيء منها لشخص الرائي. سادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع. وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، كمن نظر إلى أحاديث الفتن وتغير الزمان، وما يطرأ من الحوادث، فوجد لها ذكراً في بعض الأحاديث التي لا يثبت نقلها عن النبي ﷺ ، فجعل وقوع الشيء مما ورد ذكره في الحديث الضعيف دليلاً على صحة ذلك الحديث، وصدوره من (مشكاة النبوة) كما يعبر به بعضهم. كما قال التويجري في صدر كتاهبه الذي جمعه في الفتن: " بعض الأمور التي ورد الإخبار بوقوعها لم ترو إلا من طرق ضعيفة، وقد ظهر مصداق كثير منها، ولا سيما في زماننا، وذلك مما يدل على صحتها في

стр. 1055

نفس الأمر، وكفى بالواقع شاهداً بثبوتها وخروجها من مشكاة النبوة " (١). قلت: أصَّل بهذا، وجرى على ذكر الضعيف والمنكر والواهي الساقط من روايات المتروكين والمتهمين، ويقويه بهذا الطريق. وهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحاً، ويسقط الاعتداد بالقواعد، ومما ينقض صحة اختياره طريقاً لتقوية الحديث أن المتأمل للمنقول من أخبار الفتن وتغير الزمان، يجد الكثير من تلك الأخبار جاء من روايات كعب الأحبار، ووهب بن منبه وغيرهما ممن عرف بالتحديث بالإسرائيليات، ومثل هذا كان زاداً للضعفاء والمتروكين والكذابين، فركبت الأسانيد لكثير منه وأسند إلى رسول الله ﷺ ، وتقدم عن أحمد بن حنبل الإشارة إلى الموضوع في هذا الباب، حين ذكر الملاحم مما ليس له أصول. وما ينقل عن أهل الكتاب قد يكون فيه الحق، كما يكون فيه الباطل، فكيف يسوغ بعد ذلك غيور على سنة النبي ﷺ أن يجعل من الخبر يروى على هذا النحو، يصحح نسبته إلى النبي ﷺ بتحقق مضمونه في الواقع المشاهد، دون اعتبار شروط ثبوت الحديث؟ على أن واقع صنيع من ذهب إلى هذا المذهب تكلف تفسير كثير من تلك الروايات لربطها بالواقع المشاهد. الشرط الثاني: أن يكون في أدنى درجاته مما يصلح الاعتبار به . فيتقوى الضعف بما يماثله في الضعف، أو يقرب منه وإن كان دونه ما لم يكن من الأنواع السابقة التي لا يعتبر بها، كما يتقوى بما هو في فوقه في القوة، بل ذلك أولى. وتقدم بيان ما يعتبر به من أنواع الضعيف.
следующие страницы →