← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأجاب الجمهور عن هذه المشيئة ب أن ه تعليم للعباد كيف يتكلمون إذا أخْبَرُوا عن المستقبل، وبأن أصل ذلك الشرطُ، ثم صار يُذكر للتبرك. أو بأن المعنى لتدخلن المسجد جميعاً إن شاء الله ولا يموت منكم أحد قبل الدخول. وعن سائر الآيات بأنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب، كما تقول لابنك: إن كنت ابني فأطِعْني. السادس: أن تكون بمعنى قد، ذكره قُطرب، وخرج عليه: (فَذَكر إن نَفَعَتِ الذِّكرى) ، أي قد نفعت. ولا يصح معنى الشرط فيه، لأنه مأمور بالتذكير على كل حال. وقال غيره: هي للشرط، ومعناه ذَمّهم واستبعاد لنَفْع التذكير فيهم. وقيل التقدير: وإن لم تنفع، على حد قوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) . فائدة قال بعضهم: وقع في القرآن إنْ بصيغة الشرط، وهو غير مراد في ستة مواضع: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) . (واشكروا نعمةَ الله إن كنتم إيَّاه تعبُدُون) . (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) . (إن ارتَبْتُم فعدتُهن) . (أن تَقصروا من الصلاة إن خِفْتُم) (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) . *** (أنْ) بالفتح والتخفيف - على أوجه: الأول: أن تكون حرفا مصدريّا ناصباً للمضارع، وتقع في موضعين: الابتداء، فتكون في محل رفع، نحو: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ١. (وأن تعفُوا أقْرَبُ للتقوَى) .

стр. 457

وبعد فعل دالٍّ على معنى غير اليقين، فتكون في محل رفع، نحو: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) . (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) . ونصب، نحو: (نَخْشَى أن تُصِيبَنَا دائرةٌ) . (وما كان هذا القرآن أن يُفْتَرَى) . (فأرَدتُ أن أعِيبها) . وخفض، نحو: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا) . (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) . وأن هذه موصول حرفي، وتوصل بالفعل المتصل: مضارعاً كما مر. وماضياً، نحو: (لولا أن مَنَّ اللهُ علينا) . (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) . وقد يرفع المضارع بعدها إهمالاً لها، حملاً على (ما) أختها، كقراءة ابن محيصن: (لِمَنْ أرادَ أن يَتِم الرضاعةُ) (١) . الثاني: أن تكون مخففة من الثقيلة، فتقع بعد فعل اليقين، أو ما نزِّل منزلته. نحو: (أفلا يَرَوْنَ ألا يرجعُ إليهم قَوْلاً) . (علم أن سيكون) . (وحسبوا ألا تكون فتنة) - في قراءة الرفع. الثالث: أن تكون مفسرة بمنزلة أي، نحو: (فأوحينا إليه أن اصنَعِ الفلْكَ بأعيننا) ، (ونودوا أن تلكم الجنة) . وشرطها أن تسبق بجملة، فلذلك غَلِطَ مَنْ جعل منها: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . وأن يتأخر عنها جملة، وأن يكون في الجملة السابقة معنى القول. ومنه: (وانطلق الملأ منهم أن امْشوا واصبِروا) . إذ ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألَسنتهم بهذا الكلام. كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي. وزعم الزمخشري أن التي في قوله: (أنِ اتخِذِي من الجبال بُيوتاً) - مفسرة.

стр. 458

ورُدَّ بأن قوله: (وأوْحَى ربّك إلى النَّحْل) ، والوحْيُ هنا إلهام باتفاق، وليس في الإلهام معنى القول، وإنما هي مصدرية، أي باتخاذ الجبال. وألا يكون في الجملة السابقة أحرف القول، وذكر الزمخشري في قوله: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) - أنه يجوز أن تكون مفسرة بالقول على تأويله بالأمر، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعبدوا الله. قال ابن هشام: وهو حسن. وعلى هذا فيقال في الضابط: ألَّا يكون فيها حروف القول إلا والقول مؤوّل بغيره. قلت: وهذا من الغرائب كونهم يشترطون أن يكون فيها معنى القول، فإذا جاء لفظه أوّلوه بما فيه مع صريحه، وهو نظير ما تقدم من جعلهم (ال) في الآن زائدة مع قولهم بتضمنه معناها وألا يدخل عليها حرف جر. الرابع: أن تكون زائدة، والأكثر أن تقع بعد لما التوقيفية، نحو: (ولما أنْ جاءَتْ رسلُنا لوطاً) . وزعم الأخفش أنها قد تنصب المضارع وهي زائدة، وخرج عليه: (وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) ، قال: فهي زائدة، بدليل: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) . الخامس: أن تكون شرطية كالمكسورة، قاله الكوفيون، وخرج عليه: (أنْ تضِلَّ إحداهما) . (أن صَدّوكم عن المسجدِ الحرام) . (صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) . قال ابن هشام: ويرجِّحه عندي تواردهما على محل واحد والأصل التوافق. وقد قُرِئ بالوجهين في الآيات المذكورة، ودخول الفاء بعدها في قوله: (فتذكر) . السادس: أن تكون نافية، قاله بعضهم في قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) : أي لا يؤتى.

стр. 459

والصحيح أن ها مصدرية، أي ولا تؤمنوا أن يؤتى، أي بإيتاء أحد. السابع: أن تكون للتعليل كـ إذ، قاله بعضهم في قوله: (بل عَجِبوا أنْ جاءَهم منْذِرٌ منهم) . (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا) . والصواب أنها مصدرية وقبلها لام التعليل مقدرة. الثامن: أن تكون بمعنى لئلا، قاله بعضهم في قوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) ، أي لئلا تضِلوا. والصواب أنها مصدرية، والتقدير كراهة أن تضلوا. *** (إنَّ) بالكسر والتشديد - على أوجه: أحدها: التأكيد والتحقيق، وهو الغالب، نحو: (إن اللهَ غَفورٌ رحيم) . (إنا إليكم لَمرْسلون) . قال عبد القاهر: والتأكيد بها أقوى من التأكيد باللام. قال: وأكثر مواقعها بحسب الجواب لسؤال ظاهر أو مقدر إذا كان للسائل فيه ظن. الثاني: التعليل، أثبته ابن جني وأهل البيان، ومثّلوه بنحو: (واستَغْفِروا اللهَ إن اللَهَ غفورٌ رحيم) . (وَصَلِّ عليهم إن صَلاتَك سكَنٌ لهم) . (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) . وهو نوع من التأكيد. الثالث: معنى نعم، أثبته الأكثرون، وخرَّج عليه قوم: (إن هذان لساحِرَان) . *** (أنَّ) بالفتح والتشديد - على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف تأكيد. والأصحّ أنها فرع المكسورة، وأنها موصول حرفِيّ تؤوَّل مع اسمها وخبرها بالمصدر، فإن كان الخبر مشتقاً فالمصدر المؤول به من لفظه، نحو: (لِتَعْلَموا أنَّ اللهَ على كل شيء قَدِير) .، أي قدرته. وإن كان جامداً قدِّر بالكوْن.

стр. 460

وقد استشكل كونها للتأكيد بأنك لو صرحت بالمصدر المنسبك لم يُفد توكيداً. وأجيب بأن التأكيد للمصدر المنحل، وبهذا لم يفرق بينها وبين إن المكسورة، لأن التأكيد في المكسورة للإسناد، وهذه لأحد الطرفين. الث اني: أن تكون لغة في لعل، وخرج عليها: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) - في قراءة الفتح، أي لعلها. *** (أنَّى) اسم مشترك بين الاستفهام والشرط، فأما الاستفهام فترِد فيه بمعنى كيف، نحو: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) . (فأنَّى يؤفَكون) . ومن أين، نحو: (أنّى لكِ هذا) ، أي مِنْ أين. (قُلْتم أفى هذا) ، أي من أين جاءنا. قال في عروس الأفراح: والفرق بين أيْن ومِنْ أين أن أين سؤال عن المكان الذي حلّ فيه الشيء. ومن أين سؤال عن المكان الذي برز منه الشيء، وجعل من هذا المعنى ما قُرِئ شاذاً: (أنَّى صبَبْنَا الماءَ صَبّاً) . وبمعنى متى، وقد ذكرت المعاني الثلاثة في قوله تعالى: (فأتوا حَرْثَكم أنَّى شِئْتم) ، فأخرج ابن جرير ال أو ل من طريق ابن عباس. وأخرج الثاني عن الربيع بن أنس واختاره، وأخرج الثالث عن الضحاك، وأخرج قولاً رابعاً عن ابن عمر وغيره: أنها بمعنى حيث شئتم. واختار أبو حيان وغيره أنها في الآية شرطية، وحذِف جوابها لدلالة ما قبلها عليه، لأنها لو كانت استفهامية لاكتفت بما بعدها كما هو شأن الاستفهامية أن يكتفى بما بعدها وأن يكون كلاماً يحسنُ السكوت عليه أو اسماً أو فعلاً. *** (أو) حرف عطف ترد لمعان: الشك من المتكلم، نحو: (قالوا لَبِثْنَا يوماً أو بَعْضَ يوم) .

стр. 461

والإبهام على السامع، نحو: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) . والتخيير بين المعطوفين بأن يمتنع الجمع بينهما. والإباحة بألا يمتنع الجمع. ومثل الثاني بقوله تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ) الآية. ومثل الأول بقوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) . وقوله: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) . واستشكل بأن الجمع في الآيتين غير ممتنع. وأجاب ابن هشام بأنه ممتنع بالنسبة إلى وقوع كلِّ كفارة أو فِدْية، بل تقع واحدة منهن كفّارة أو فدية. والثاني قربة مستقلة خارجة عن ذلك. قلت: وأوضَح من هذا التمثيل قوله: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا) . على قول مَنْ جعل الخيرة في ذلك إلى الإمام، فإنه يمتنع عليه الجمع بين هذه الأمور، بل يفعل منها واحداً يؤدي اجتهاده إليه. والتفصيل بعد الإجمال، نحو: (وقالوا كونوا هوداً أو نَصَارى تَهْتَدوا) . (قالوا ساحر أو مَجْنون) ، أي قال بعضهم كذا، وقال بعضهم كذا. والإضراب كَـ بَلْ، وخرِّج عليه قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) . (فكان قَابَ قَوْسَيْن أو أدنى) . وقراءة بعضهم: (أوْ كلَّما عاهَدوا عَهْداً) - بسكون الواو. ومطلق الجمع كالواو، نحو: (لعلَّه يتذكّر أو يخشَى) . (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) .

стр. 462

والتقريب، ذكره الحريري وأبو البقاء، وجعل منه: (وما أمْرُ الساعةِ إلا كلَمْح البصر أو هو أقْرَبُ) . ورُدّ بأن التقريب مستفاد من غيرها. ومعنى إلا في الاستثناء، ومعنى إلى، وهاتان ينصب المضارع بعدهما بـ أن مضمرة، وخرج عليه: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) . فقيل: إنه منصوب لا مجزوم بالعطف على "تَمَسُّوهُنَّ"، لئلا يصير المعنى: لا جناح عليكم فما يتعلق بمهور النساء إن طلقتموهنَّ في مدة انتفاء أحدِ هذين الأمرين، مع أنه إذا انتفى الفرض دون المسيس لزم مهر المثل، وإذا انتفى السيس دون الفرض لزم نص@ السقَى. فكيف يصح رَفْعُ الجناح عند انتفاء أحد الأمرين، ولأن المطلقات المفروض لهنَّ قد ذكر ثانياً بقوله: (وإنْ طلقتموهنَّ) . وترك ذِكْر الممسوسات بما تقدم من المفهوم. ولو كان (تفرضوا) مجزوماً لكانت الممسوسات والمفروض لهن مستوياتٍ في الذكر. وإذا قدرت (أو) بمعنى إلا خرجت المفروض لهن عن مشاركة الممسوسات في الذكر، وكذا إذا قدرت بمعنى (إلى) وتكون غاية لنفي الجنَاح لا لنفي المسيس. وأجاب ابن الحاجب عن الأول بمنع كون المعنى مدَة انتفاء أحدهما، بل مدة لم يكن واحد منهما، وذلك ينفيهما جميعا، لأنه نكرة في سياق النفي الصريح. وأجاب بعضهم عن الثاني بأن ذكر المفروض لهن إنما كان لتعيّن النصف لهن لا لبيان أن لهن شيئاً في الجملة. ومما خرج على هذا المعنى قراءة أُبَيّ: (تقاتلونهم أو يسْلِمون) . تنبيهات الأول: لم يذكر المتقدمون لـ (أوْ) هذه المعاني، بل قالوا: هي لأحد الشيئين أو الأشياء.

стр. 463

قال ابن هشام: وهو التحقيق، والمعاني المذكورة مستفادة من القرائن. الثاني: قال أبو البقاء: أو في النهي نقيضة أو في الإباحة، فيجب اجتنابُ الأمرين، كقوله: (ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كَفُورا) ، فلا يجوز فعل أحدهما، فلو جمع بينهما كان فاعلاً للمنهي عنه مرّتين، لأن كل واحد منهما كان منهيّاً عنه لا أحدهما. وقال غيره: (أو) في هذا بمعنى الواو تفيد الْجَمع. وقال الخطيب: الأوْلى أنها على بابها، وإنما جاء التعميم فيها من النهي الذي فيه معنى النفي، والنكرة في سياق النفي تعمُّ، لأن المعنى قبل النهي: تطيع آثماً أو كفورا، أي واحدًا منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتاً، فالمعنى لا تطع واحداً منهما، فالتعميم فيها من جهة النفي، وهي على بابها. الثالث: لكَوْن مبناها على عدم التشريك عاد الضمير إلى مفردها بالإفراد. بخلاف الواو. وأما قوله: (إنْ يكنْ غنيّاً أو فقيراً فاللَهُ أوْلى بهما) . فقيل إنها بمعنى الواو. وقيل المعنى إن يكن الخصمان غنيين أو فقيرين. فائدة أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن فيه (أو) فهو مخيّر، فإذا كان ممن لم يخير فهو الأول فالأول. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن جريج. قال: كل شيء في القرآن فيه (أو) فالتخيير إلا قوله: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا) .، ليس بمخيَّر فيهما. قال الشافعي بهذا أقول. (أوْلَى) في قوله: (أوْلَى لكَ فأولى) . وفي قوله: (فأوْلى لهم) ، قال في الصحاح: قولهم: أوْلى لك، كلمة تهدد ووَعيد، قال الشاعر: " فأوْلَى ثم أوْلى ثم أولى "

стр. 464

قال الأصمعي: معناه قاربه ما يهلكه، أي نزل به. قال الجوهري: ولم يقل أحد فيها أحسن مما قاله الأصمعي. وقال قوم: هو اسم فعل مبني، ومعناه أولى لك شر بعد شر، ولك تبيين. وقيل: هو عَلَم للوعيد غير معروف، ولذا لم ينون، وإن محله رفع على الابتداء ولك الخبر، ووزنه على هذا فَعْلى للإلحاق. وقيل افعل. وقيل معناه الويل لك، وإنه مقلوب منه. والأصل أويل، فأخّر حرف العلة. ومنه قول الخنساء: همَمْت بنفسي بعض الهموم ... فأولى لِنَفْسِيَ أوْلى لها وقيل معناه الذم لكَ أوْلى مِنْ تَرْكه، فحذف المبتدأ لكثرة دوَرانه في الكلام. وقيل المعنى أنتَ أولى وأجدر بهذا العذاب، كأنه يقول: قد وليت الهلاك. أو قد دانيت الهلاك. وأصله من الْولْيِ وهو القرب، ومنه قوله تعالى: (قاتِلُوا الذين يَلونَكمْ من الكفار) ، أي يقربون منكم. وقال النحاس: العرب تقول أوْلى لك، أي كدتَ تهلك، وكأنّ تقديره أولى لك الهلكة. *** (إيْ) بالكسر والسكون - حرف جواب بمعنى نعم، فتكون لتصديق المخبر ولإعلام المستخبر، ولوَعْدِ الطالب. قال النحاة: ولا تقع إلا قبل القسم. قال ابن الحاجب: وإلا بعد الاستفهام، نحو: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي) . *** (أيّ) بالفتح والتشديد - على أوجه: الأول: أن تكون شرطية، نحو: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) . (أيّا ما تدْعُوا فَلَه الأسماءُ الْخسنَى) . الثاني: استفهامية، نحو: (أيّكمْ زَادَتْه هذه إيماناً) .

стр. 465

وإنما يُسأل بها عما يميز أحدَ المتشاركين في أمر يعمهما، نحو: (أيُّ الفريقين خَيْرٌ مَقَاماً) ، أنحن أم أصحاب محمد ﷺ . الثالث: موصولة، نحو: (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) . وهي في الأوجه الثلاثة معربة. وتبنى في الوجه الثالث على الضم إذا حذف عائدها وأضيفت كالآية المذكورة. وأعربها الأخفش في هذه الحالة أيضاً، وخرَّج عليه قراءة بعضهم بالنصب. وأول قراءة الضم على الحكاية، وأوّلها غيره على التعليق للفعل. وأوّلها الزمخشري على أنها خبر مبتدأ محذوف. وتقدير الكلام لننزعنّ بعض كل شيعة، فكأنه قيل مَنْ هذا البعض؟ ، فقيل: هو الذي بالمكر أشدّ، فحذف المبتدآن ثم المكتَنِفَان لـ أي. وزعم ابن الطراوة على أنها في الآية مقطوعة عن الإضافة مبنية، وأيهم أشدّ مبتدأ وخبر. ورُد برسم الضمير متصلاً بأي، وبالإجماع على إعرابها إذا لم تضَفْ. الرابع: أن تكون وصلة إلى نداء ما فيه أل، نحو: يا أيها الناس. يا أيها النبي. *** (إيَّا) زعم الزَّجاج أنه اسم ظاهر. والجمهور أنه ضمير. ثم اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنه كله ضمير هو وما اتصل به. والثاني: أنه وحده ضمير، وما بعده اسم مضاف له يفسّره ما يراد به من تكلُّم أو غيبة أو خطاب، نحو: (فإيّايَ فارْهَبون) . (بل إياه تدْعون) . (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) . والثالث: أنه وَحْده ضمير وما بعده حروف تفسر المراد. والرابع: أنه عماد وما بعده هو الضمير. وقد غلط من زعم أنه مشتق.

стр. 466

وفيه سبع لغات - وقرئ بها: تشديد الياء، وتخفيفها مع الهمزة، وإبدالها هاء مفتوحة ومكسورة. هذه ثمانية يسقط منها فتح الهاء مع التشديد. *** (أيَّان) اسم استفهام، وإنما يُستفهم به مع الزمان المستقبل، كما جزم به ابن مالك وأبو حيان، ولم يذكرا فيه خلافاً. وذكر صاحب إيضاح المعاني مجيئها للماضي. وقال السكاكي: لا تستعمل إلا في مواضع التفخيم وغيره. وقال بالأول من النحاة علي بن عيسى الرّبَعي، وتبعه صاحب البسيط، فقال: إنها تستعمل في الاستفهام عن الشيء المعظّم أمره. وفي الكشاف: قيل إنها مشتقة من أيّ، فَعْلان منه، لأن معناه أي وقت. وأي فعل، من أويت إليه، لأن البعض أوى إلى الكل ومتساند له، وهو بعيد. وقيل أصله أي آن. وقيل أي أوان، حذفت الهمزة من أوان والياء الثانية من أي، وقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء الساكنة فيها. وقرئ بكسر همزتها. *** (أيْنَ) اسم استفهام عن المكان، نحو: (فأين تَذْهَبون) . ويَرد شرطاً عامًّا في الأمكنة. وأيمنا أعَمُّ منها، نحو: (أيْنمَا يوَجِّهْه لا يَأت بخير) .

стр. 467

(حرف الباء - المفردة) (بَطَائِنها) ، أي ظواهرها بالقبطية، قاله الزركشي وابن شَيْذَلة. (بلاء) على ثلاثة معان: نِعْمة، واختبار، ومكروه، ومنه: ابْتَلَى ونبلُوكم. (بارئكم) خالقكم. وإنما خص هنا اسم البارىء لأن فيه توبيخاً للذين عبدوا العِجْل، كأنه يقول: كيف عبدتم غير الذي برأكم. وروي أن من لم يعبد العجل قَتل مَنْ عبده حتى بلغ القتل سبعين ألفاً، فعفا الله عنهم. (باءُوا) انصرفوا بذلك. ولا يقال (باء) إلا بشّرٍ. ويقال باء بكذا إذا أقرَّ به. والضمير في هذه الآية راجع إلى بني إسرائيل، فتارة دعاهم بالملاطفة. وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخفيف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذِكر العقوبات التي عاقبهم بها. فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) . (وإذْ فَرَقْنَا بكم البَحْرَ) . (بعثناكم من بعد موتكم) ، (وظَلّلْنَا عليكمُ الغَمام وأنْزَلْنَا عليكم المنّ والسَّلْوَى) . (وعفونا عنكم) . (فتاب عليكم) . (ويغفر لكم) . (آتيْنَا مُوسى الكتابَ والفُرْقَان لعلكم تَهْتدون) . (فانفجرت منه اثنتا عشرة عَيْنا) . وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء، قولهم: (سمِعْنَا وَعَصيْنا) . (ثم اتخذْتُم العِجْل) . وقولهم: (أرِنَا اللهَ جَهْرة) ، (فبَدّلَ الذين ظلمُوا) ، (لن نصبر على طعام واحد) . (ويحرِّفونه) ، وتوَلّيتُم من بعْد ذلك)

стр. 468

(وَقَسَتْ قلوبُكم) . (وكفْرهم بآيات الله) . (وقتلهم الأنبياء بغير حق) . وذكر من عقوبتهم عشرة أشياء: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) . (يعطوا الجزية) ، (واقتلوا أنفسكم) ، (كونوا قِرَدةً) . (فأرْسلْنَا عليهم رِجْزاً من السماء) . (وأخذتهم الصاعقة) . (حَرَّمْنَا عليهم طَيِّبَاتٍ أحلَّتْ لهم) . وهذا كله جزاءٌ لآبائهم المتقدمين. وخوطب به المعاصرون لمولانا محمد ﷺ . وقد وُبِّخ المعاصرون له توبيخا آخر، وهي عشرة: كتمانهم أمر محمد ﷺ مع معرفتهم به و (يحرِّفُون الكلِمَ) ، ويقولون هذا من عند الله، (وتَقْتلون أنفسكم) و (يخرِجون فريقاً مِنْ دِيَارهم) . وحرصهم على الحياة وعَدَاوتهم لجبريل. وإثباتهم للسحر. وقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، (يَدُ اللهِ مغلولة) . (بديع) : مخترع، وخالق. (بثَّ فيها) : أي فرَّق. (باغ) : طالب. وقوله: (غير باغ ولا عَادٍ) ، أي لا يبغي الميتة، أي لا يطلبها وهو يَجِدُ غيرها، ولا عادٍ في تجاوزه على الشبع، ولهذا لم يُجزِ الشافعي الشبع من الميتة. وقال مالك: بل يشبع ويتزوّد، فإن استغنى عنها طرحها، ولم يرخّص - في رواية عنه - للعاصي بسفره أن يأكل الميتة. والمشهور عنه الترخيص له. (باشِرُوهُنَّ) : المشهور أنه كناية عن الجماع، سمّي بذلك لمسّ البشرة البشرةَ، والبشرة: ظاهر الجلدة. والأدمة: باطنها، وفيها تحريمٌ للمباشرة حين الاعتكاف. (بَسْطة) : أي سعة، من قولك: بسطت الشيء إذا كان مجموعاً ففتحته

стр. 469

ووسّعته، ووصف في آية البقرة، طالوت بزيادته على قومه زيادة علمه بالحروب وقيل بالعلم، وكان أطول رجل يصل إلى منكبيه. قال وهب بن مُنَبه: أوحى اللَّهُ إلى نبيهم إذا دخل عليك رجلٌ فنَشّ الدهن الذي في القَرَن فهو ملكهم. وقال السدّي: أرسل الله إلى نبيهم شمويل وقيل شمعون، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم، فكان ذلك طالوت. وقوله في الأعراف: (وزادَكمْ في الخلق بَصْطَة) ، فمعناه طول قوم عاد كما قدمنا أنَّ طول أحدهم مائة ذراع. وكان الظبي يبيض ويفرخ في عين أحدهم. (بَكَّة) هي مكة، والباء بدل من الميم. وقيل: مكة الحرم كله، وبَكة المسجد وما حوله، وسمِّيَتْ بذلك لاجتماع الناس فيها من كل أفق. وقيل: تَمَككْت العظم: أي اجتذبت ما فيه من المخ. وتمكلك الفَصيل ما في ضَرْع الناقة، فكأنها تجذب لنفسها ما في البلاد من الأقوات ببركة دعاء إبراهيم. وقيل: إنها تمكُّ الذنوب أي تذهبها. وقيل لقلة مائها، لأنها في بطن واد، تمكك الماء من جبالها عند نزول المطر، وتنجذب إليها السيول. وقيل الأصل الباء، ومأخذه من البكّ، لأنها تَبكّ أعناق الجبابرة، أي تكسرهم فيذلّون لها ويخضعون حُفاة عراة. وقيل من التباكّ وهو الازدحام، لازدحام الناس فيها في الطواف. (بيِّنات) يعني أن في مكة آياتٍ كثيرة، منها الحجر الذي هو مقام إبراهيم وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال البِنَاء ارتفع الحجر في الهواء حتى أكمل البناء وغرقت قدم إبراهيم في الحجر كأنها في طين، وذلك الأثر باق في الحجر إلى اليوم. ومنها أن الطير لا تعلوه. ومنها هلاك الفيل وردُّ الجبابرة عنه، ونَبْع زمزم

стр. 470

لهَاجر أمّ إسماعيل بهمز جبريل بعقبه. وحفر عبد المطلب لها بعد دثور مائها. وأن ماءها ينفع لما شرِب له، إلى غير ذلك. وكان أول مَنْ بنى المسجد الحرام آدم ﵇، فجعل طوله خمسة وعشرين ذراعاً وعَرْضه عشرين، وحج إليه من الهند على قدميه سبعين حجة. وقيل إنه دفن فيه. ورُد بأن طوله ستون ذراعاً. فقيل: ما فضل منه فهو خارج عن البيت. وقيل: إنه دوّر بالبيت. وهذا فيه ضعف، ثم بناه إبراهيم ﵇ ثم العمالقة مِنْ بعده، ثم قريش حين كان ﷺ ينقل الحجر على عاتقه: وهو الذي وضع الحجر الأسود بتحكيم قريش عنده، ثم بناه الحجاج بعد أن هَدَم بعضه عبد الله بن الزبير. (بيَّت) ، أي قدم رأيه بالليل، ومنه قوله: (فجاءها بَأسنا بَيَاتا) ، وكذلك بيّتهم العدوّ. (بَهيمة) : كلّ ما كان من الحيوان غير ما يعقل. ويقال: البهيمة ما استبهم من الجواب، أي استغلق. (بَحِيرة) : إذا نتجت الناقة خمسة أبطن فإن كان الخامس ذَكرا نَحَروه. فأكله الرِّجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بَحَروا أذنها، أي شقّوها. وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها. فإذا ماتت حلّت للنساء. ولما سأل قوم عن هذه الأمور التي كانت في الجاهلية: هل تعظم كتعظيم الكعبة والْهَدْي، أخبرهم الله أنه لم يجعل شيئاً لعباده من هذه البدائع التي كانت عندهم، وإنما جعلوا الكفَّار ذلك. (بَغْتَة) ، أي فجأة، وفيه تنبيه على الاستعداد لها والتفكر في أمرها. (بازغاً) : طالعاً. والضمير في الآية يعود على القمر الذي رآه إبراهيم قبل البلوغ والتكليف، وذلك أنْ أمَّه ولدَتْه في غَارٍ خَوْفاً من نمرود، إذ كان يقتل الأطفال، لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صعبي.

стр. 471

ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح، لقوله بعد ذلك: (إني بريءٌ مما تشْرِكون) . ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار، لأن ذلك يقتضي محاجَّة وردًّا على قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم. ويرْشِدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحد منها إلهاً لقيام الدليل على حدوثها، وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغرونها وأفولها وانتقالها هو الواحد المنفرد. فإن قلت: لم احتجَّ بالأفول دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت: الأفول أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب. (بَيْنكم) :، وَصْلكم. ومن قرأه بالرفع أسند الفعل إلى الطرْف، واستعمله استعمال الأسماء، أو يكون البين بمعنى الفرْقَة، أو بمعنى الوصل، لأنه من الأضداد. ومن قرأه بالنصب فالفاعل مصدر الفعل، أو محذوف تقديره تقطّع الاتصال بينكم. (بَصَائر) ، جمع تصِيرة، وهي نور القلب، والبَصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي ﷺ لقوله: (وما أنا عليكم بحَفِيظ) . (بَوَّأكمْ) : أنزلكم، والضمير لقوم صالح، وكانت أرضهم بين الحجاز والشام، وقد دخلها ﷺ وأصحابه، فقال لهم: لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا وأنتم باكون مخافةَ أن يصيبكم مثل الذي أصابهم. (بأساً) : شدة. ويقال أيضاً: بؤس، أي فقر وسوء حال.

стр. 472

(بنَان) : أصابع، واحدتها بنانة. (براءة) : خروج من الشيء ومفارقته. والمراد التبرّي من المشركين. (بوَّأْنا) ، أي أنزلنا. والمراد أن الله أنزل بني إسرائيل منزلاً حسناً، وهو مصر والشام. ويقال جعلناهم مبَوّأ، وهو المنزل الملزوم. (بادي الرأي) : أي أول الرأي من غير نظر ولا تدبر. وبادي منصوب على الظرفية، أصله وقت حدوث أول رأيهم. والعامل فيه اتبعوك على أصح الأقوال. والمعنى اتبعك الأراذِل، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهْلاً منهم، واعتقادا أن الشرف بالمال والجاه، وليس الأمر كما اعتقدوا، بل المؤمنون كانوا أشرفَ منهم على حال فَقْرِهم وخمولهم في الدنيَا، وهذه عادة الله في أتباع الرسل، لا يتبعهم إلا الضعفاء، لأَن المال يُورِث التجبّر على الله ووسله. وقيل: إنهم كانوا حاكَة ونجّامين. واختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم أرذالٌ في أفعالهم، لقول نوح: وما علمي بما كانوا يعملون. ويحتمل أن يكون بادي الرأي بغير همز، أي ظاهر الرأي. أي ظهر لهؤلاء صلاح رأيهم فتهكَّفوا بهم. (بَعْلاً) : ربًّا، بلغة اليمن. وأما قوله في الصافّات: (أتدْعونَ بَعْلاً) ، فهو اسم صنم كان لقوم إلياس. وروى البخاري عن ابن عباس قال: ودّ، وسوَاع، ويغوث، ويعوق. ونَسْرا، وبعلاً، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعْبد، حتى إذا هلك أولئك وتفسخ العلم عبدت. (بَعِير) قال مقاتل: هو كل ما يحمل عليه بالعبرانية. وأخرج البزار عن مجاهد في قوله: (كَيْل بَعير) ، أي كيْل حمار على وجه الجعل.

стр. 473

(بِقَيَّة الله) ، أي ما أبقاه الله لكم من الحلال فلا نحرمه عليكم، فيه مقنع ورضا عن الحرام. (بَعِدَت) ، أي هلكت. والضمير يعود على قوم صالح. (بَخْس) : نقصان، وإنما نهاهم عن البخس لأنهم كانوا ينقصون في الكيل والوَزْنِ، فبعث الله شعيباً لينهاهم عن ذلك. (بثِّي) : أي شدّة حُزْني، وإنما ردّ يعقوب شَكواه إلى الله لتفنيدهم، أي إنما أشكوا إلى الله لا لكم ولا لغيركم. والحزن: أشدُّ الهمِّ. فالمعنى أنه لا يصبر عليه صاحبه حتى يشكوه. (بَصِيرة) : إشارة إلى شريعة الإسلام، أي أدعو الناس إلى عبادة الله وأنا على بصيرة من أمري وحجَّةٍ واضحة. (بشير) المراد به في قصة يوسف يهوذا، لأنه الذي جاء بقميص الدم. فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص التَّرْحَة، فدَعوني أذهب إليه بالفرحة. وهو من البشارة والإعلام بالخير قبل وروده. وقد تكون للشر إذا ذكر معها كقوله: (فبَشِّرْهم بعذابٍ أليم) - تهكماً بهم. ويجوز في الفعل التشديد والتخفيف. ومنه الْمبشِّر والبشير، واستبشر بالشيء إذا فرح به. (بعثناهم) : أحييناهم من قبورهم. ويقال: بعث الرسل إلى قومهم ساروا إليهم. (الباقيات الصالحات) : هي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. هذا قول الجمهور. وقد روي في ذلك عن النبي ﷺ . وقيل الصلوات الخمس، وقيل الأعمال الصالحة على الإطلاق. (بارزة) : ظاهرة لزوال الجبال عنها، فليس فيها ظلٌّ

стр. 474

ولا فَيء، وقد وصفها ﷺ في الحديث كقرصة النَّقْي ليس فيها عَلَم لأحد، ويقال للأرض الظاهرة البَرَاز. (بَغِيًّا) البَغِي: المرأة المجاهرة بالزِّنى، ووَزْن بَغي فَعول. ومنه: (ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتكم عَلَى البِغَاء) . وكان لعبد الله بن أبيّ بن سَلول جاريتان، فكان يأمرهما بالزنى لتكتسبا ويولد لهما، ويضربهما على ذلك، فشكتا للنبي ﷺ ، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل فِعْله. (بَهيج) : حسن، أي يبهج مَنْ يَرَاة ويسرّه. والبهجة السرور أيضاً. (بيت عَتِيق) : المراد بالبيت، المسجد الحرام، وسُمِّي عتيقاً لأنه أقدم ما في الأرض ولم يملك. وقيل إن الله يعتق من دخله من النار إذا توفَّاهم على توحيده وما عليه نبيه ﷺ . وقيل العتيق: الكريم، كقولهم فَرَس عتيق. (بادٍ) : أي قادم عليه. والمعنى أن الناس سواء في المسجد الحرام، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك. (بَرْزَخ) ، أي حاجز. والمراد به مكان المؤمنين في المدة التي بين الموت والقيامة، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. وأما قوله في الفرقان: (وجل بينهما بَرْزَخا) ، أي فاصلاً يفصل ما بينهما من الأرض بحيث لا يختلطان. وقيل هذا البرزخ يعلمه الله ولا يراه البشر. (بَغَى عليهم) : تكبّر وطَغى. والضمير لقارون، وذلك أنه كفَر بموسى للمال الذي أعطاه الله، فدعا عليه فخسف الله به وبداره الأرض لئلا تقول بنو إسرائيل إنما دعا عليه ليرث ماله، لأنه كان ابن عمِّ موسى، وقيل عمه. (بَيْضٌ مَكْنُونٌ) ، شبّه الجواري بالبَيْض بياضا وملاسة

стр. 475

وصفاءَ لون، وهي أحسن منه، وإنما وقع التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي، وهو المكنون، أي المصون تحت القشر الأول. (بَطْشة) أخذه بشدة، والمراد بها في آية الدخان، يوم بَدْر. وقال ابن عباس: هي يوم القيامة. (بَدْر) : قرية قرب المدينة. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كانت بدر لرجل من جهينة يسمى بدراً فسمِّيَتْ به. قال الواقدي: فذكر ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأَنْكرا ذلك. وقالا: فلأي شيء سُمِّيت الصفراء ورابغ. هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع. وأخرج الضحاك قال: بَدْر ماء بين مكة والمدينة. (البيت العمور) ،: بيت في السماء الرابعة حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه، وبهذا عُمْرانه. وقيل البيت المعمور الكعبة، وعمرانها بالحجاج والطائفين، فلا يخلو منهما أبداً إن لم تكن من البشر كانت من الملائكة. والأولُ قول عليٍّ وابن عباس. (بَرَقَ البصر) ، بفتح الراء، معناه لمع وصار له بريق. وقرئ بكسر الراء، ومعناه تحيَّر من الفزع. وقيل معناه شخص، فيتقارب معنى الفتح والكسر. وهذا إخبارٌ عن يوم القيامة. وقيل عن حالة الموت، وهذا خطأ، لأن القمر لا يخْسَف عند موت أحد، ولا يجمع بينه وبين الشمس. (بَاسِرة) : متكرهة، أي تظهر عليها الكراهة، والبسور أشدُّ من العبوس. (برْداً) ، أي نوماً. وليس بصحيح، وإنما هو البرد، يعني أنهم

стр. 476

لا يذوقون فيها برودة تخفف عنهم حرَّ النار. وقيل: لا يذوقون ماءً باردًا. (البلد الأَمين) ، هو مكة باتفاق. والأمين من الأمانة، أو من الأمْن لقوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) . وقوله: (أو لَمْ نمَكن لهم حَرَماً آمِناً) ، أي لا يغَارُ عليه. (بريّة) ، خلق، مأخوذ مِنْ برأ الله الخَلْق، فترك همزها. ومنهم مَنْ يجعلها من البَرَى، وهو التراب لخلق آدم ﵇ من التراب. وتخفيف الهمز أكثر استعمالاً عند العرب. (بَصِيرة) من البصر، يقال أبصرته وبصرت به. والبصائر: البراهين، جمع بَصِيرة وقوله: (بل الإنسان عَلَى نفْسِه بَصيرة) . أي من الإنسان على نفسه عَيْن بصيرة، أي جوارِحه يشهدن عليه بجميع عمله. وقيل معناه الإنسان بصير على نَفسه. والهاء دخلت للمبالغة كما دخلت في عَلاَّمة ونَسَّابة. ونحو ذلك (مُبْلسون) ، جمع مُبْلس، وهو البائس، وقيل الساكت الذي انقطعت حجته، وقيل الحزين النادم. ومنه يبلس، ومنه اشتقَّ إبليس. (بات) معروف، ومصدره بَيَات (بُكمٌ) : خرْس، والضمير راجع للمنافقين، وليس المراد به فَقْد الحواس. وإنما هذه الأوصاف مجاز عبارة عن عدم انتفاعهم بسمعهم وأبصارهم وكلامهم. (برهانكم) : حجَّتكم، وإنما طلب منهم الحجة على وجه التعجيز والرد عليهم. يقال: بَرْهَن على الشيء إذا بيَّنَه بحجةٍ. (فبُهتَ الذي كفر) : أي انقطع وقامت عليه الحجة. والضمير يعود على نمرود.

стр. 477

فإن قيل: انتقل إبراهيم عن الدليل الأول من الإحياء والإماتة إلى الثاني،والانتقال علامة الانقطاع. فالجواب أنه لم ينقطع، ولكنه لما ذكر الدليل الأول وهو الإحياء كان له حقيقة، وهو فعل الله، ومجاز وهو فعل غيره، فتعلق نمرود بالمجاز غلطاً منه أو مغالطة، فحينئذٍ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني، لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافر عدول عنه. (بُروج) : حصون، واحدها بُرْج. وبروج السماء من الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً تقطعها الشمس في سنةٍ. وقيل هي النجوم العظام، لأنها تتبرَّج أي تَظْهر. (بُورًا) : هَلْكى. (بكيًّا) ، جمع باك، ووزنه فعول، فأدغمت الواو في الياء وكسرت الكاف فصارت بكياً. (بُدْن) : جمع بَدَنة، وهي ما جعل في الأضحى للنّذْر والنّحر وأشباه ذلك، فإذا كانت للنحر على كل حال فهي جزور. (بُسَّتِ الْجِبَالُ) ، أي فتِّتَتْ. وقيل سيِّرَتْ حتى صارت كالدقيق والسويق المبسوس، أي المبلول. (بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ، لاصق بعضه ببعض لا يغادِر منه شيء منه شيئا، ولا يبعد أن يكون هذا أصل اللفظة. (بِرّ) ، ومنه، (ولكن البِرّ مَنْ آمن بالله) . فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. (بطانَة) : دخلاً، وبطانة الرجل أهل سِرّه ممن يسكن إليه ويثق بموَدّته. ومعنى الآية، نهي عن استخلاص الكفار وموالاتهم.

стр. 478

وقيل لعمر ﵁ إن هنا رجلاً من النصارى لا أحد أحسن خطًّا منه، أفلا يكتب عنك، فقال: إذاً أتّخِذُ بطانةً من دون المؤمنين. (بِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) : معناه مبادرة لكبرهم، يعني أن الوصي يستغنم أكل مال اليتيم قبل أن يكبر. وموضع أن يكبروا نصب على المفعولية بـ بداراً، أو على المفعول من أجله تقديره مخافة أن يكبروا. (بضاعة) : قطعة من المال يُتَّجَر فيها. (بِضْعَ سنين) : من الثلاثة إلى العشرة. وقيل إلى التسعة. وقيل إلى السبعة. ورُوي أن يوسف ﵇ سُجن خمس سنين أولاً، ثم سُجن بعد قوله ذلك سبع سنين. (بِيَع) : جمعِ بيعة النصارى، وهي كنائسهم. قال الجواليقي في كتاب المعرب: البِيعة والكنيسة جعلهما بعض العلماء فارسيين معربين. والمعنى لولا دفاعُ الله لاستولى الكفار على أهل الملل المتقدمة في أزمانهم. ولاستولى المشركون على هذه الأمة فهَدَموا مواضع عبادتهم. (بِدْعاً) من الرّسل. البديع من الأشياء: ما لم يُرَ مثله، أي ما كنتُ أولَ رسول ولا جئتُ بأمر لم يجئ به أحد قبلي، بل جئتُ بما جاء به قبلي ناس كثيرون، فلأي شيء تنكرون عليَّ. *** (الباء حرف جر) ، له معان: أولاً: الإلصاق، ولم يذكر له سيبويه غيره. وقيل: إنه لا يفارقها، قال في شرح اللب: وهو تعلُق أحد المعنيين بالآخر. ثم قد يكون حقيقة نحو: (وامسحوا برءوسكم) ، أي ألصقوا المسح برءوسكم.

стр. 479

(فامْسَحُوا بوجوهكم وأيديكم منه) ، وقد يكون مَجَازاً، نحو: (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) ، أي بمكان يقربون منه. الثاني: التعدية كالهمزة، نحو: (ذهب الله بِنُورِهم) . (ولو شاء الله لذهب بِسَمْعهم) ، أي أذهبه، كما قال: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) . وذهب المبرد والسهيلي أن بين تعدية الباء والهمزة فَرْقاً، وأنك إذا قلت ذهبت بزيد كنت مصاحباً له في الذهاب، وردّ في الآية. الثالث: الاستعانة، وهي الداخلة على آلة الفعل، كباء البَسْمَلة. الرابع: السببيّة، وهي التي تدخل على سبب الفعل، نحو: (فكلاَّ أخَذْنَا بذَنْبِه) . (ظلمْتُم أنْفُسَكم باتّخَاذِكم العِجْلَ) . ويعبّر عنها أيضاً بالتعليل. الخامس: المصاحبة، كمع، نحو: (اهْبِطْ بسلام) . (جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ) ، (فسبِّح بِحَمْدِ ربك) . السادس: الظرفية، كَـ فِي زَمَاناً ومكاناً، نحو: (نجيناهم بِسَحَر) . (نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) . السابع: الاستعلاء كـ عَلى، نحو: (إنْ تَاْمَنْه بِقِنْطَارٍ) ، أي عليه. الثامن: المجاوزة كعن، نحو: (فَاسْألْ بِهِ خَبِيراً) ، أي عنه، بدليل: يسألون عن أنبائكم. ثم قيل: تختصّ بالسؤال، وقيل لا، نحو: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) ، أي وعن أيمانهم. (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) ، أي عنه. التاسع: التبعيض كمِنْ، نحو (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) ، أي منها.

стр. 480

العاشر: الغاية كـ إلى، نحو: (وقد أحسن بي) ، أي إليَّ. الحادي عشر: المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، نحو: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . وإنما لم نقدِّرها بالسببية كما قالت المعتزلة. لأن المعطي بِعوض قد يُعطي مجاناً. وأما المسبّب فلا يوجد بدون السبب. الثاني عشر: التوكيد، وهي الزائدة، فتزاد في الفاعل وجوباً، نحو: (أسْمِعْ بهم وأَبصر) .. وجوازاً غالباً، نحو: (وكفَى باللهِ شَهيدا) ، فإنَّ الاسم الكريم فاعل. و (شهيداً) نصب على الحال أو التمييز، والباء زائدة، ودخلت لتأكيد الاتصال، لأن الاسم في قوله: (كفى باللَه) - متصل بالفعل اتصالَ الفاعل. قال ابن الشَّجَري: وفعل ذلك إيذانا بأنّ الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في عظْم المنزلة، فضوعف لفظها لتضاعف معناها. وقال الزجاج: دخلت لتضمّن كفي معنى اكتفى. قال ابن هشام: وهو من الحُسْنِ بمكان. وقيل: الفاعل مقدّر. والتقدير كفى الاكتفاء بالله، فخذف المصدر وبقي معموله دالاًّ عليه، ولا تزَاد في فاعل كفى بمعنى وقى، نحو: (فسيكفيكهم الله) . (وكفى الله المؤمنين القتال) . وفي المفعول، نحو: (ولا تلْقوا بأيديكم إلى التّهْلُكة) . (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) . (فَلْيَمْددْ بسببِ إلى السماء) . (ومَنْ يرد فيه بإلْحَادٍ) . وفي المبتدأ، نحو: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) ، أي أيكم. وقيل: هي ظرفية، أي في أي طائفة منكم. وفي اسم ليس في قراءة بعضهم: (وليس البِرَّ بأن تأتوا) ، - بنصب البر.

стр. 481

وفي الخبر النفي، نحو: (وما الله بغافِل) آ. قيل: والموجَب، وخرّج عليه: " جزاء سيئة بمثلها ". وفي التوكيد، وجعل منه: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) . فائدة اختلف في الباء من قوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ، فقيل للإلصاق. وقيل للتبعيض. وقيل زائدة. وقيل للاستعانة، وإن في الكلام حذفاً وقلباً، فإن مسح يتعدَّى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء، فالأصل امسحوا رءوسكم بالماء. *** (بل) : حرف إضراب إذا تلاها جملة. ثم تارة يكون معنى الإضراب الإبطال لما قبلها، نحو: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) . أي هم عباد مكْرَمون. (أم يقولون به جِنَّة بل جاءهم بالحق) . وتارة يكون معناها الانتقال من غرض إلى آخر، نحو: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) . فما قبل (بل) فيه على حاله. وكذا قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) . وذكر ابن مالك في شرح كافيته أنها لا تقع في القرآن إلا على هذا الوجه. ووهّمه ابن هشام. وسبق ابن مالك إلى ذكر ذلك صاحب البسيط، ووافقه ابن الحاجب، فقال في شرح المفصل: إبطال الأول وإثبات الثاني إن كانت في الإثبات من باب الغلط، فلا يقع مثله في القرآن. أما إذا تلاها مفرد فهي حرف عطف ولم يقع في القرآن كذلك. *** (بلى) : حرف أصلي الألف. وقيل: الأصل بل، والألف زائدة. وقيل هي للتأنيث بدليل إمالتها.

стр. 482

ولها موضعان: أحدهما أن تكون ردّاً لِنَفْي يقع قبلها، نحو: (ما كنّا نَعْمَلُ مِنْ سوءٍ بلى) ، أي عملتم السوء. (لا يبعَثُ اللَّهُ مَنْ يموت بلى) ، أي يبعثهم. (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) . (قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) . ثم قال: (بلى) ، أى عليهم سبيل. (وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الجنّةَ إلا مَنْ كان هوداً أو نصارى) ، ثم قال: (بلى) ، أي يدخلها غيرهم. (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) . ثم قال: (بلى) ، أي تمسّهم ويخلدون فيها. الثاني: أن تقع جواباً لاستفهام دخل على نَفْي فتفيد إبطاله. سواء كان الاستفهام حقيقة، نحو: أليس زيد بقائم، فتقول: بلى. أو توبيخاً، نحو: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى) . (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى. أو تقريريّاً، نحو (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) . قال ابن عباس وغيره: لو قالوا: نعم ... كفَروا، ووجهه أن (نعم) تصديق للخبر بنفي أو إيجاب، فكأنهم قالوا: لست ربنا، بخلاف بلى، فإنها لإبطال النفي، فالتقدير أنتَ ربّنا. ونازع في ذلك السهيلي وغيره بأن الاستفهام التقريري خبر موجَب، ولذلك منع سيبويه مَنْ جعل أم متصلة في قوله: (أفلا تبصرون أم أنا خير)) ، لأنها لا تقع بعد الإيجاب. وإذا ثبت أنه إيجاب فنَعَمْ بعد الإيجاب تصديق له. قال ابن هشام: ويُشْكل عليه أن (بلى) لا يُجاب بها عن الإيجاب اتفاقاً. *** (بئس) : لإنشاء الذم لا يتصرف. وقرئ بالهمز وتركه. وقرئ على وزن فيعل وعلى وزن فيعيل، وكلها من معنى البؤس. *** (بين) : قال الراغب: موضوع للخَلَل بين الشيئين ووسطهما.

стр. 483

قال تعالى: (وجعلنا بينهما زَرْعا) ، وذلك أن أخوين من بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخر كافر وَرِثا مالاً فاشترى الكافر بماله جنتَيْن، وأنفق المؤْمِنُ ماله في طاعة الله حتى افتقر، فعيَّره الكافر بفقره فأهلك الله مالَ الكافر. وتارة تستعمل " بين " ظرفاً، وتارة اسماً، فمن الظرف: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) . (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) . (فاحْكمْ بيننا بالحقِّ) . ولا تستعمل إلا فيما له مسافة نحو: بين البلدان، أو له عدد مَّا اثنانِ فصاعدًا، نحو: بين الرجلَيْن، وبين القوم. ولا تضَاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرّر، نحو: (ومِنْ بيْنِنَا وَبَينِكَ) . وقرئَ قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بالنصب على الظرف، وبالرفع على أنه مصدر.

стр. 484

(حرف التّاء المثناة) (تَلَقَّى آدَمُ) ، أي أخذ، وقبل، على قراءة الجماعة. وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذه من اللقاء. (تَوَّاب) : من أسماء الله. والتوَّاب من العبْد: كثير التوبة. (تاب) ، إذا رجع. وتاب الله على العبد: ألهمه التوبة، أو قبل توبتَه. (تَجْزي) : تقضي وتغْنِي. ومنه: (لا تجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئاً) . يقال جزاه فلان دَيْنَه إذا قضاه. وتجازى فلان ديْن فلان: أي تقاضاه. والمتجازي: المتقا ضي. (تَتْلون) : تقرؤون. (تنسون) : تتركون. (تَلبِسون) ،: تخلطون. (تَعْثَوا) : تفسدوا. (تعقلون) العاقل الذي يحبس نفسَه ويردها عن هواها. ومن هذا قولهم: اعتقل لسان فلان، إذا حبس ومنع من الكلام. (تَسْفِكون) تصبّون. (تَظَاهَرون) : تتعاونون. (تقتلون أنفسَكم) في هذا وفيما بعدها جاء مضارعاً مبالغة، لأنه أريد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد ﷺ ، لولا أن الله عَصَمه. وضمير هذه الآية لقرَيظة، لأنهم كانوا حلفاء الأوس، والنَضير حلفاء الخزرج، وكان كلّ فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، وينفيه من موضعه إذا ظفر به.

стр. 485

(تَهْوَى أنفسكم) ، أي تميل. ومنه: (أفرأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهه هَوَاه) ، أي ما تميل إليه نفسه. (تشابهت قلوبُهم) ، الضمير للذين لا يعلمون والذين من قبلهم، وتشابُة قلوبهم في الكفر، وفي طلب ما لا يصح أن يُطْلب. وهو قولهم يكلِّمنا الله. (تصريفِ الريَاحِ) ،: تحويلها من حال إلى حال جنوباً وشمالاً ودَبُّوراً وصَباً وما بينها بصفات مختلفة، فمنها ملقِحَةٌ للشجر، وعقيم وصر، وللنصر وللهلاك، كأنه تعالى يقول: خلقت الخفاش من الريح، وحفظت ملك سليمان فوق الريح، وأهلكت قوم عادٍ بالريح، ولقحت الشجر بالريح، ونحتّ ورَقها بالريح. ونظيره: أخرجت ناقة صالح من الحجر، وأدخلت ولدها في الحجر. وأهلكت قوم لوط بالحجر. ونظيره: خلقت إبليس من النار، وحفظت إبراهيم في النار، وعذّبت الكفار في النار. ونظيره: خلقت آدَم من التراب، وحفظت أصحاب الكهف في التراب. وأهلكت قوم عاد بالتُّراب، كلُّ ذلك إشارة لكم أنه ملك قادر وصابر قاهر. (تَهْلُكة) : هلاك. قال أبو أيوب الأنصاري: المعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد. وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العَيْلة. وقيل: لا تقْنَطوا من الغربة. وقيل: لا تقتحموا الهالك. (تَرَبُّص أربعةِ أشهر) .، أي تمكث. والآية في الإيلاء، إلا أنَّ مالكاً جعل مدة إيلاء العبْد شهرين، خلافاً للشافعي. ويدخل في إطلاق الإيلاء اليمين بكل ما يلزم عنه حكم، خلافاً للشافعي في قصره الإيلاء على الحلف بالله، ووجهُه أنها اليمين الشرعية. ولا يكون مُوليآ عند مالك والشافعي

стр. 486

إلا إذا حلف على مدة أكثر من أربعة أشهر. وعند أبي حنيفة أربعة أشهر فصاعدا. فإذا انقضت الأربعة الأشهر وقع الطلاق دون توقيف. ولفظ الآية يحتمل القولين. (تَختَانونَ أنفسَكم) ، أي تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان. (تَعْضُلُوهُنَّ) : تمنعوهن من التزويج. وأصله من عضلت المرأة إذا نشب ولدُها في بطنها وعند خروجه. (تَيَمَّموا) ، أي تقصدوا الرديء للنفقة. (تَسْأموا) : تملَّوا من الكتابة إذا ترددت وكثرَت، سواء كان الحق صغيراً أوكبيرا. (تَرْتَابوا) : تشكّوا. (توراة) معناه الضياء والنور. (تأويل) : مصير ومَرْجع وعاقبة. يقال فلان تأوَّل الآية، أي نظر إلى ما يؤول معناها إليه. وقد قدمنا الأخبار عن انفراد الله بعلم تأويل المتشابه من القرآن وذَمَّه لمن طلب عِلْمَ ذلك من الناس، وإنما يقولون آمنا به على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته. (تَخْلق من الطِّين) ، أي تقدِّر، يقال لمن قدر شيئاً فأصلحه قد خلقه، فأما الخَلْق الذي هو الإحداث فهو لله وحده. قيل إن عيسى لم يخلق غير الخفاش. (تَقْوى) : مصدر مشتقّ من الوقاية، فالتاء بدل من واو، ومعناه الخوف. والتزام طاعةِ الله، وتَرْك معاصيه، فهو جِمَاع كل خير. (تَهنُوا) : تضعفوا، وفيه تقوية للمؤمنين.

стр. 487

(تَفرَّقوا) ، من الفرقة، وهي القطيعة، فنهى المؤمنين عن التدابُر والتقاطع. إذ كان الأوس والخَزرَج يقتتلان لما رأى اليهود إيقاعَ الشر بينهم. (تَمنَّوْن الموت) ، من التمنِّي. وخُوطب به قوم فاتتهم غزوة بَدْرٍ فتمنَّوْا حضورَ قتال الكفار مع النبي ﷺ ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد، فعلى هذا إنما تمنوا الجهاد، وهو سبب الموت. فإن قلت: قد صح النهي عن تمَنِّي لقاء العدو. فالجواب: إنما نهي عن تمني لقائهم مع العدد القليل، ولذلك قال ﷺ : "وسَلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا للقائهم، وتمنَّوا الشهادة في سبيل الله لنصرَةِ دينه". (تَحُسُّونَهُمْ) ، تقتلونهم قتلاً ذَرِيعاً، يعني في أول الأمر. (تنَازَعْتم) ، يعني وقع التنازع بين الرّماة، فَثبت بعضُهم كما أمِروا، ولم يثبت بعضهم، فعفا الله عنهم بفضله ورحمته. (تَعُولوا) ،: تميلوا. وفي الآية إشارة إلى الاقتصار على الواحدة. والمعنى أن ذلك أقرب إلى أن تَعولوا. وقيل: يكثر عيالكم، وهذا غير معروف في اللغة. (تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) ، تجاوزوا الحدَّ، وترتفعوا عن الحق. وهذا الخطاب للنصارى، لأنهم غلوا في عيسى حتى قالوا ابن الله. (تَسْتَقْسِموا) : تستفعلوا، وهو طلب ما قسم له، وذلك أنهم كانوا يكتبون على الأزلام - وهي السِّهَام - على أحدها: افْعَلْ، وعلى الآخر: لا تَفْعَلْ، والثالث مهمل، فإذا أراد الإنسان أن يفعل أمراً جعلها في خريطة، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج الذي فيه " افعل " فعل، وإن خرج الذي فيه " لا تفعل " تركه، وإن خرج المهمل أعاد الضرب. ومن هذا المعنى أخذ

стр. 488

الفأل في المصحف والقرعة وزَجْر الطير، ونحوها مما لا يجوز فعله. وقد شدَّدَ ابن العربي في النظر في شيء منها حتى جعلها من الكفر والعياذ بالله، مستدلاًّ بالآية: (ذلكم فِسْقٌ) . وإنما حرّمه الله وجعله فِسْقاً لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به، فهو كالكهانة وغيرها لما يُرام به من الاطلاع على الغيوب. (تَنْقِمون منَّا) : أي تُنكرون منّا إلا إيماننَا بالله، وبجميع كتبه ورسله، وذلك أمر لا ينكر ولا يُعاب. ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن الذين يؤمن بهم، فتلا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... إلى آخر الآية. فلما ذكر عيسى قالوا لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به. (تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) : أي تنصرف بإثمي إذا قتلتني، وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قُرْبانك. أو بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي. وإنما تحمَّل القاتل الإثمين لأنه ظالم، فذلك مثل قوله ﷺ : المستبان ما قالاَ فهو على البادي. وقيل بإثمي، أي تحمل عنّي سائر ذنوبي، لأن الظالم تجعل عليه في يوم القيامة ذنوب المظلوم. (تُصغي) : تميل. ومنه: (فقد صَغَت قلوبُكما) . (تَلقَف) ، وتلقَم وتلهم بمعنى تبتلع. ويقال: تلقّفه والتَقَفَهُ، إذا أخذه أخذاً سريعا. وروي أن الثعبان أكَلَ ما صوَّروا من كذبهم، ملء الوادي، من حبالهم وعصيِّهم، ومدَّ موسى يده إليه فصار عصاً كما كان، فعلم السحرة أن ذلك ليس من السحْرِ، وليس في قُدْرة البشر، فآمنوا بالله وبموسى ﵇. (تجلّى) ، أي ظهر وبان، أما تجلّي الرب للجَبَل فإنما كان ذلك لأجل موسى، لأنه سأل رُؤيته، فقال له: لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلّى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد، فإن استقر وأطاق الصبْر لرؤيتي ولهَيْبَتي أمكنَ أنْ ترى

стр. 489

أَنتَ، وإن لم يُطقْ فأحرى ألاَّ ترى أنتَ، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالاً لموسى. وقال قوم: المعنى سأتجلَّى لك على الجبل، وهو ضعيف، يبطله قوله: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) . وروِيَ أن طائرين ذكراً وأنثى كانا في الجبل، فلما سمعا طلبَ موسى الرؤية قال لها الذَّكَر: نَفِرُّ من هذا الجبل، لأنَّا لا نقدر على رؤية الحق. فقالت له: نقرُّ فيه لنفوز بحظ الرؤية، فيكون لنا فَخْر على سائر الطيور. فقال لها الذكر: إذاً فيكون ذلك لك. فلما تجلى الحقُّ للجبل تفتَّتَ حتى صار غبارا، وساخ في الأرض، وأفضَى إلى البحر، ولهذا كان رأي الأنثى فاسداً، لقوله ﷺ : شاوِروهنّ وخالفوهن. (تَأَذَّنَ رَبُّكَ) : أعلم. وتَفَعّل يأتي بمعنى أفعل، كقولهم أوعدني وتوعّدني. (تَغَشَّاها) : علاها بالنكاح. فسبحانَ مَنْ خاطب العرب بلغاتهم، إذ كانوا يتصرّفون بالتسمية لمسمى واحد، كالجماع، فتارة كنى عنه سبحانه بالسر والقُرْب والنكاح. وكانوا يوسعون في التسمية لاختلاف أحواله بأسماء، كتسمية طِفْلِ بني آدم ولدا، ومن الخيل فَلُوًّا وفهْراً، ومن الإبل حواراً وفَصِيلاً، ومن البقر عِجْلاً، ومن الغنم سَخْلة، ومن الأرْنَب خِرْنقا، ومن الغزال خَشْفاً، ومن الكلب جَروا، إلى غير ذلك. ويداً تلوّثَتْ بلحم غَمِرة، وبطين لثِقَة، وبطيب عَبِقة، وبوسخ وَضِرَة، إلى غير ذلك. وكطعنته بالرمح، وضربته بالسيف، ورميته بالسهم، ووكَزْتُه بالعصا وباليد، وَركَلْته بالرِّجل، إلى غير ذلك. ويدل علي اتِّساع اللغة وكثرة فنونها أنهم قد جعلوا بألفاظها شبهاً بمعنى،

стр. 490

فقالوا: خَلاَ، ولِمَا كثرَت حلاوته احْلَوْلَى، وللخشن إذا زادت خشونته اخشَوْشَن. ولثوبٍ خلقٍ إذا زاد رثاثةً اخلَوْلَق. ولحائط مَيْل - بإسكان وسطه ليكون ميله ثابتاً، وحرّكوه فيما يتحرك كشجرة مَيل، وكالنّزَوَان وكالرَمَلان والْغَلَيان ليشبه لفظه معناه. وبدائع اللغة كثيرةٌ، وحكمها وإعجازها في القرآن، ولا يحيط بجميعها إلا نبينا ومولانا محمد ﷺ . (تَصْدِية) : تصْفيق بإحدى يديه على الأخرى، فيخرج بينهما صوتٌ، وكانوا يفعلونها عند البيت إذا صلَّى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم. (تَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) : تجْبنوا وتذهب دولتكم، وهو استعارة. (تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) : تظفر بهم، والضمير عائد على بني قرَيظة، لأنهم نقضوا العهد. (تَفْتِنِّي) ، أي تؤثمني. وقائل هذه المقالة الجَدُّ بن قَيْس، وكان من المنافقين لما دعا رسول الله ﷺ إلى غَزوة تَبوك، فقال: ائذن لي في القعود ولا تفْتِنِّي برؤية بني الأصفر، فإني لا أصبر على النساء. (تزهَق أنفسهم) ، أي تهلك، وهذا إخبار بأنهم يموتون على الكفر. (تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) ، أي تميل عن الحقّ. وهذا الضمير راجع إلى من اتّبعه ﷺ في غزوة العُسْرة لما رأوا من الضّيق والمشقّة، فتاب الله عليهم عما كانوا يفعلون فيه. (تَفِيض مِنَ الدمْعِ) ، أي تبكي وتسيل أعينهم بالدموع حين قال لهم ﷺ : لا أجد ما أحملكم عليه في غزوة تبوك. وفي هذا مدح لبني مُقرن.

стр. 491

وقيل سبعة نَفَر مِنْ بطون شتى، ويكفيك وصفهم بالإحسان ونصْحهم لله ولرسوله. (تَبْلو) : تختبر ما قدمت من الأعمال. وقرئ تتلو - بتاءين، بمعنى تتبع، أو تقرؤه في المصاحف. (تَغْنَ بالأمْس) : تعمر. والغاني: النازل التي يعمرها الناس بالنزول. (تَرْهقهم) : تغشَاهم. والضمير للذين كسبوا السيئات فلا يعصمهم أحد من عذاب الله. ومنه قولهم: غلام مُرَاهِق، أي غشي الاحتلام. (تَبْدِيل) : تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل الشيء بمكان شيء. وقد استدل ابن عمر بهذه الآية على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدِّله. (تَخْرُصون) ،: تحدسون وتحزرون. (تلْفِتَنا) ، أي تصرفنا وتردَّنا عن دين آبائنا. (تَزْدَري أعْيُنكم) ، أي تحتقر. والمراد من قولك زريت على الرجل عبته. والضمير في (لكم) عائد على ضعفاء المؤمنين. (تَتْبِيب) : تخسير، أي كلما دعوتكم إلى هذا ازددتم تكذيباً، فزادت خسارتكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن خبير في قوله: (ولِيُتبِّروا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) . قال: تبره بالنبطية. (تَرْكَنوا) ، أي تركنوا إليهم وتسكنوا إلى كلامهم. ومنه قوله: (لقد كِدْتَ ترْكَنُ إليهم شيئاً قليلاً) . وفي الحديث: يُجَاءُ بالظَّلَمَةِ ومَنْ بَرَى لهم قلماً أو أَلَانَ لهم دواة فيلقون في توابيت مِنْ نارٍ فيلقى بهم في النار. وانظر كيف عطف عدمَ نصرتهم بـ ثمَّ لبُعْد النصر، فإنا لله وإنا إليه راجعون

стр. 492

على عدم نصرتنا لدين الله وشَرَهنا لموالاة الظلمة، وجمعنا لجِيَفهم كالكلب الشره لها، ولم تعلموا أنه كالنفظ في جوف خشبة الجسم، فإذا هبَّتْ عواصفُ المنون التهب وفات التدارك، اللهم إنا عاجزون عن إصلاح أنفسنا، فمُنَّ علينا بهداية تجبر بها حالنا المظلمة، لأنك لا تحب الظالمين، ورحمتك قريب من المحسنين. (تَعْبُرون) ، أي تعرفون تأويل الرؤيا، يقال عبرت الرؤيا - بتخفيف الباء. وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب. (تأويل الأحاديث) : تفسير الرؤيا (تركْتُ مِلّةَ قَوْم) ، أي رغبت عنها. والتركُ على ضربين: أحدهما - مفارقة ما يكون الإنسان عليه. والآخر - ترك الشيء رغبة عنه من غير دخولٍ كان فيه. ويحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلاً لما قبله من قوله: (علمني ربي) . أو يكون استئنافاً. (تَبْتَئِس) : تحزن، وهو من البؤس. (تَفَتأ) : أي لا تفتأ، والمعنى لا تزال. وحذف حرف النفي، لأنه تلبَّس بالإثبات، لأنه لو كان إثباتاً لكان مؤكداً باللام والنون. (تثرِيب) ، أي تعيير وتوبيخ. والمراد عفو جميل. وقوله (اليوم) راجع إلى ما قبله، فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب، أو بالمقدَّر في (عليكم) من معنى الاستقرار. وقيل: إنه يتعلق بـ يغفر، وذلك بعيد، لأنه تحكم على الله. وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: (لا تَثرِيبَ عليكم اليوم) ، ثم دعا إلى الله أن يغفر لهم حقَّه. (تَحَسَّسُوا) - بالمهملة والمعجمة: طلبُ الشيء بالحواس السمع والبصر، أي تعرفوا يوسف وأخيه، وإنما لم يذكر الولد الثالث لأنه بقي هناك اختياراً منه. لأن يوسف وأخاه كانا أحبَّ إليه. (تَيْئَسوا) : تقنطوا. (تَغِيض الأرحام وما تَزْدَاد) ، أي تنقص، وتزداد من

стр. 493

الزيادة، فقيل: إن الإشارة إلى دم الحيض، فإنه يقل ويكثر. وقيل للولد، فالغيض السقط أو الولادة لأقل من تسعة أشهر. والزيادة البقاء أكثر من تسعة أشهر. ويحتمل أن تكون " ما " في قوله ما تحمل وما تغيض وما تزداد موصولة أو مصدرية. (تَهْوِي إليهم) : تقصدهم بجد وإسراع، ولهذه الدعوة حبّب الله حَبَّ البيت إلى الناس، على أنه قال: (من الناس) بالتبعيض. قال بعضهم: لو قال أفئدة الناس لحجَّته فارس والروم. (تَسْرَحون) ، أي حين ترُدُّونها بالغداة إلى الرعي. (وتريحون) ، حين تردُّونها بالعَشِيِّ إلى المنازل، وإنما قدم تريحون لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر، لأنها ترجع وبطونها ملأى وضروعها حافلة. (تَمِيد) ، تتحرك، وهو في موضع مفعول من أجله. والمعنى أنه ألقى الجبال في الأرض لئلا تميد الأرض. وروي أن الله لما خلق الأرض جعلت تَفور، فقالت الملائكة: لا يستقر على ظهرها أحد، فأصبحت وقد أُرسيت بالجبال. (تَخَوُّفٍ) ، فيه وجهان: أحدهما: أنَّ معناه على تنقّص، أي ينتقص أموالهم وأنفسهم شيئاً بعد شيء حتى يهلكوا من غير أن يُهلكلهم جملة واحدة، ولهذا أشار بقوله: (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، لأن الأخذ هكذا أخفّ من غيره. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ أشكل عليه معنى التخوف في الآية حتى قال له رجل من هذَيل: التخوف التنقص في لغتنا. الوجه الثاني: أنه من الخوف، أي يهلك قوماً قَبْلَهم فيتخَوَّفوا همْ ذلك فيأخذهم بعد أن توقَّعوا العذاب وخافوه، وذلك خلاف قوله: وهم لا يشعرون.

стр. 494

(تَقْفُ) ، المعنى: لا تقل ما لم تعم من ذمِّ الناس، وشبه ذلك. واللفظ مشتقّ من قفوته إذا تبعته. (تَبْذِيراً) : تفريقاً. ومنه قولهم: بذرت الأرض، أي فرّقت البذر فيها. أي الحب. والتبذير في النفقة الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. والإخوة في قوله: (إخوان الشياطين) ، للمشاركة والاجتماع في الفعل، كقولك: هذا الثوب أخو هذا، أي يشبهه. ومنه قوله تعالى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) . أي من التي تشبهها وتواخيها. (تَخْرِقَ الْأَرْضَ) : تقطعها وتبلغ آخرها. وقيل معناه: لا تقدر أن تشقَّ في جميعها بالمشي. والمراد بذلك تعليل النهي عن الكبر والخيَلاء. أي إذا كنت أيها الإنسان لا تقدر على خَرْق الأرض ولا على مطاولة الجبال، فكيف تتكبَّر وتختال في مشيك، وإنما الواجب عليك التواضع (تَبِيعاً) ، أي طالباً مطالبا. (تَزَاوَرُ) : أي تميل وتَمُور، ولهذا قيل للكذب لأنه أميل عن الحق. (تقْرضهم) : تخلِّفُهم وتجاوزهم، وهو من القرض بمعنى القطع، ومعنى هذا أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها ولا عند غروبها لئلا يحترقوا بحرِّها، فقيل: إن ذلك كرامة من الله لهم، وخَرْقُ عادة. وقيل: كان باب الكهف شمالياً يستقبل بنات نَعْش، فلذلك لا تصيبهم الشمس. والأول أظهر، لقوله: ذلك مِنْ آياتِ الله. والإشارة إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرق عادة، وإن كان لكون بابهم إلى الشمال فالإشارة إلى أمرهم بالجملة. (تحسبهم) ، أي يظنهم من يراهم أيقاظاً. (تَعْدُ عَيْنَاكَ) ، أي تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا.

стр. 495

قال الزمخشري: عَدَّاه إذا جاوزه، فهذا الفعل يتعدى بنفسه، وإنما تعدى هنا بعن لأنه تضمّن معنى نَبَت عينه عن الرجل إذا احتقره. (تَذْروه الرِّياح) ، أي تفرقه. ومعنى المثل تشبيه الدنيا في سرعة فنائها بالزرع في فنائه بعد خضْرته. (تَخِذْت) : بمعنى اتخذت، أي أخذت طعاما تأكله. (تَنْفَد) ،: تفنى. وفي الآية إخبار عن اتساع علم الله تعالى. والكلمات هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، فمعنى الآية: لو كتِبَ عِلْم اللَهِ بمداد البحر لنفِدَ البحر ولم يَنْفَد علم الله، وكذلك لو جيء ببحر مثله، وذلك أن البحر متَنَاه وعلم الله غير متَناه. (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) ،: أي تزعجهم إلى الكفر والمعاصي. والإشارة إلى الكفر، وفيه تسلية له ﷺ . (تَجْهر) : تعلن. ومنه: (ولا تَجْهَرْ بصلاتك) . وأما قوله تعالى: (وإن تَجْهَرْ بالقول) ، فطابق الشرط جوابه، كأنه يقول: إن جهرت أو أخفيت فإنه يعلم ذلك، لأنه يعلم السر وأخفى. (تذكرة) ، نصب على الاستثناء المنقطع. وأجاز ابن عطية أن يكون بدلاً من موضع (لتشقى) ، إذ هو في موضع مفعول من أجله، ومنع ذلك الزمخشري، لاختلاف الجِنْسَين. ويصح أن ينصب بفعلٍ مضمر تقديره أنزلناه تذكرة. (تنزيلاً) نصب على المصدرية، والعامل فيه مضمر. وأما أنزلنا في لفظ السورة بلفظ المتكلم في قوله: ما أنزلنا، ثم رجع إلى الغيبة في قوله (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ) ... الآية، فذلك هو الالتفات. (تَسْعى) : تعمل. ومنه: (لسعْيها راضية) . (تَزِز وَازِرةٌ وِزْرَ أخرى) .
следующие страницы →