(نَصِيب ممَّا اكْتَسَبُوا) :
يعني من الأجر والحسنات.
وقيل من الميراث.
ويردّه لفظ الاكتساب.
وسببها أنَّ النساء قلن: ليْتَنا استَوَيْنَا مع الرجال في الميراث وشاركناهم في
الغَزْو، فنزلت نَهْياً عن ذلك، لأن في تمنيهن ردّا على حكم الشريعة، فيدخل في النهي تمني مخالفة الأحكام الشرعية كلها.
(نُشُوزا) ، بالزاي، له معنيان: شر بين الرجل والمرأة
وارتفاع، ومنه: (انْشُزوا) ، أي قوموا من المكان.
قال تعالى: (وإن امرأةٌ خافَتْ من بَعْلِها نُشوزاً أو إعراضا ... ) .
الآية يفهم منها أنَّ الإعراض أخفّ من النشوز.
وقوله: (واللاتي تخَافون نُشُوزهنَّ) ، أي معصيتهن وتَعَاليهنّ عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج.
(نُصْليهم ناراً كلما نَضِجَتْ جلودُهم بَدّلْنَاهم جُلوداً غَيْرَها) .
أي نشويهم.
والضمير عائد على الذين كفروا.
وقيل: تُبدَّل لهم جلود بعد جلود أخرى دون نفوسهم، هي المعذبة.
وقيل تبديل الجلود تغيير صفاتها بالنار.
وقيل الجلود السرابيل، وهو بعيد.
(نُصُب) - بضم الصاد، مفرده نصاب: حجارة كان أهل الجاهلية يعظّمونها ويذبحون عليها.
وليست بالأصنام، لأن الأصنام مصوّرة، والنصب غير مصورة.
وهي الأنصاب.
والنصب - بفتح الصاد: العناء والتعب.
وقول أيوب: (مَسَّني الشيطان بِنُصْبٍ وعذاب) ، أي ببلاء وشر.
(نُرَدُّ على أعقابنا) ، أي نرجع من الهدَى إلى الضلال.
وأصلُه الرجوعُ على العَقِب في المشي، ثم استُعير في المعاني.
وهذه الجملة معطوفة على (أنَدْعُو) ، والهمزة فيه للإنكار والتوبيخ.
وقيل لكل - مَنْ لم يظفر بما يريد.
стр. 947
(نُنَخيكَ بِبَدَنِك) ، أي نبعدك عما جرى لقومك من
الوصول إلى قَعْر البحر.
وقيل: نُلقيك على نَجْوَة من الأرض، أي على موضع مرتفع.
والباء في (بِبَدَنِك) للمصاحبة، والمراد به الجسد دون الروح.
وقيل: بدرعك، وكان الدرع من ذهب، يُعرف بها.
والمحذوف في موضع الحال.
(نُغَادِر) :
نترك، يقال: غادرني كذا، وأغدرته إذا خلَّفته.
ومنه سمي الغدير، لأنه ما تخلِّفه السيول.
(نُكْراً) ، أي منكراً، وهو أبلغ من قوله: (إمْرًا) .
ويجوز ضم الكاف وإسكانها.
(نُفِخَ في الصُّور) ، وهو القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل
يوم القيامة، كما جاء في الحديث: إنه على صورة جناح النحل، وينفخ فيه
إسرافيل نفختين: إحداها للصعق، والأخرى للقيام من القبور.
(نُزُلا) :
ما ييسَّر للضيف والقادم عند نزوله.
والمعنى أن لهم جهنم بدل النزل، كما أن الجنة نزل في قوله: (كانت لهم جنّات الفِرْدَوْس (نُزُلا) .
ويحتمل أن يكون النزل من النزول.
(نُنَبئُكم بالأخْسَرِين أعْمالاً) :
الآية في كفار العرب لقوله: (كفروا بآيات ربهم ولقائه) .
وقيل في الرهبان يتعبدون ويظنّون أنَّ عبادتهم
تنفعهم، وهي لا تُقبل منهم.
(نهى) : عقول، واحدتها نُهْية.
(نُعِيدكُم) ، أي بالدفن.
(نُخْرِجكم) ، أي بالبعث.
(نُحَرِّقَنَّه) ، أي بالنار، أو نبرده بالمبارد، على من قرأه بفتح النون وضم الراء.
стр. 948
وقد حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى، لأن
الذهب لا يَفْنَى بالإحراق بالنار.
والصحيح أنَّ المقصود بإحراقه بالنار إفساد صوررته، فيصحّ حَمْل قراءة
الجماعة عليْه.
(نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) .
استعارة لانقلابهم برجوعهم عن الاعتراف بالحق إلى الباطل، يقال نكس فلان: إذا سقط من مكان وارتفعت رِجلاه، ونكس المريض إذا خرج من مرض ثم عاد إلى مثله.
والضمير يعود على قوم إبراهيم لمّا وجدوا الفأس معلّقاً في عُنق كبيرِ
أصنامهم فسألوه، فقال: (فَعله كَبِيرهم هذا) .
(نُشوراً) ، أي الحياة بعد الموت.
ومنه: (وإليه النّشور) .
(نمَكِّنْ لهم حرَماً آمِناً) :
هذا ردّ على قريش من اعتذارهم في تخطّف الناس لهم إنْ آمنوا.
والمعنى أنَّ الحرم لا تتعرض له العرب بقتالٍ، ولا يمكَن اللهُ أحداً من إهلاك أهله، فقد كانت العرب تغير بعضها على بعض، وأهل مكة آمنون من ذلك.
(نعَمِّركم ما يتَذَكَّر فيه مَنْ تذكَّر وجاءكم النذِير) :
هذا من قولِ الله لأهل النار القائلين: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) .
وهو قول أهل الطبقة الخامسة، لأنه صح أن أهل " الأولى " يقولون: يا
حنّان يا منّان، وهم العصاة من هذه الأمة، "
والثانية " تقول: (رَبَّنَا غلبت علينا شِقْوَتنا وكنّا قوماً ضَالّين) .
والثالثة " تنادي: (ربنا أخْرِجنا منها فإن عدْنَا فإنا ظالمون) .
والرابعة " تنادي: (رَبَّنَا أخِّرْنَا إلى أجل قريب نجِبْ دعوتك) .
والسادسة " تقول: ادعُ لنا ربَّك يخفّفْ عنا يوماً من العذاب) .
والسابعة تنادي: (يا مالك ليقض علينا ربُّك) .
فيجاوب كلّ أحدٍ بما يليق به، فهؤلاء قال لهم: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) .
وهو نبيُّنا ومولانا محمد ﷺ .
وقيل: الشيب، لأنه نذير بالموت.
والأوّل أظهر.
стр. 949
وقد اطلع بعضهم يوماً في المرآة، فرأى الشيب في لحيته، فاعتزل أهلَه ومالَه
حتى لحق بالله.
وقد اختلف في حد التعمير، كم هو، وقد قدم ن ا أنه سبعون سنة للحديث.
وقيل البلوغ.
والأول أرجح.
(نحَاس) : دخان.
وقيل هو الصُّفْر يُذَاب ويصبّ على رؤوس أهْلِ الوقف.
وقرئ نحاس - بالرفع عطف على (شُوَاظ) .
وبالخفض عطف على نار.
(ن) :
حرف من حروف الهجاء.
وحكى الكرْمَاني في العجائب أن معناه اصنع ما شئت.
وقيل: إنه من حرف الرحمن، فإن حروف الرحمن في
الم وحم ون وقيل: إن (ن) هنا يراد به الحوت.
وزعموا أنه الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع.
وهذا لا يصحّ، على أن النون بمعنى الحوت معروف في
اللغة، ومنه (ذو النّون) .
وقيل: إن (ن) هنا يراد به الدواة.
وهذا غير معروف في اللغة، ويبطل قول مَنْ قال إنه الحوت أو الدواة بأنه إن كان كذلك لكان مُعْرباً بالرفع أو النصب أو الخفض، ولكان في آخره تنوين، فكونه موقوفاً دليلٌ على أنه حرف هجاء، نحو: (الم) ، وغيره من حروف الهجاء الموقوفة.
(نقِر في النَّاقور) :
يعني النفخ في الصُّور.
ويحتمل أن يريد النفخةَ الأولى، أو الثانية.
(نسِفَتْ) : ذهب بها كلها بسرعة.
(النفوسُ زُوِّجَت) :
فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن التزويج بمعنى التنويع، لأن الأزواج هي الأنواع، فالمعنى جعل الكافر مع الكافر، والمؤمن مع المؤمن.
والآخر زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم مع الْحُور العين.
والثالث زوجت الأرواح والأجساد، أي رُدَّت إليها بعد البعث.
والأول هو الراجح، لأنه مرويّ عن رسول الله ﷺ وعن عمر بن الخطاب وابن عباس.
стр. 950
(نِحْلَةً) :
أي عطية منكم لهن، أو عطية من الله.
وقيل معنى نحلة شِرْعة وديَانة، وانتصابه على المصدر من معنى آتوهنَّ، أو على الحال من ضمير المخاطبين.
والمراد بهذا أنَّ المهور هبةٌ من الله تعالى للنساء والنفقة عليهن، وسببه - على
ما قيل - أن حواء لما أصاب آدم التعب في الحرث أخذت قبضةً من الزرع
وزرعته، فنبت شعيرا، فلما رأت تغيّر أفعالها وظهور نكالها اغتمت، فقال:
اغتممتِ لأجلنا ساعة لأرفع قدرك بأن أكلف الرجال هَمَّ النفقة عليكِ وكل
بناتك، وأمتحنهنّ بالمهر والنفقة عليكن، فمن اغتمت لأجله ساعة أنجاها من الغمّ دهراً طويلاً، فكيف من أغتم من خوف قطيعته سبعين سنة أو أكثر، كيف لا ينجيه منها.
(نَسْياً مَنْسِيّا) ، بفتح النون وكسرها: هو الشيء الحقير الذي
إذا الْقِي لم يلْتَفَتْ إليه.
(النُّون) :
على أوجه: اسم، وهي ضمير النسوة، نحو: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ) .
وحرف، وهي نوعان:
نون التوكيد، وهي خفيفة وثقيلة، نحو: (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا) .
و (لنسفَعاً) .
(وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) .
ولم تقع الخفيفة في القرآن إلا في هذين الموضعين، وثالث في قراءة شاذة، وهي: "فإذا جاء وَعْدُ الآخرة لِنَسوءاً وجوهَكم".
ورابع في قراءة الحسن: "ألْقِياً في جهنم"، وذكره ابن جني في المحتسب.
ونون الوقاية، وتلحق ياء المتكلم المنصوبة بفعل: (فاعبدني) .
(ليحزنني) . أو حرف، نحو: (يا ليتني كنت معهم) .
(إنني أنا الله) .
والمجرورة بلدن، نحو: (من لدنِّي عُذْرا) .
أوْ مِن أوْ عَنْ، نحو: (ما أغنى عني) .
(وألقيت عليك محبةً مني) .
(التَّنوين) :
نون تثبت لفظاً لا خطا.
وأقسامه كثيرة.
стр. 951
تنوين التمكين، وهو اللاّحق للأسماء العربة، نحو: (هدًى ورحمةً) .
(وإلى عاد أخاهم هوداً) .
(إنا أرسلنا نوحاً) .
وتنوين التنكير، وهو اللاحق لأسماء الأفعال، فَرْقاً بين معرفتها ونكرتها.
نحو التنوين اللاحق لـ (أُفٍّ) في قراءة مَنْ نَوَّنَه، و (هيهاتٍ) في قراءة مَنْ نوَّنها.
وتنوين المقابلة، وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم، نحو: مسلماتٍ مؤمناتٍ
قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ.
وتنوين العِوَض، إما عن حرف آخر، نحو: فاعل المعتل، نحو: (والفجر
وليال) .
(ومن فوقهم غَوَاش) .
أو عن اسم مضاف إليه في كلّ وبعض وأي، نحو:
(كلَّّ في فلك) .
(فضلنا بعضهم على بعض) ، (أيّا مَّا تدْعوا) .
أو عن الجملة المضاف إليها إذ، نحو: (وأنتم حينئذٍ تَنْطرون) ، أي حين إذ
بلغت الروح الحلقوم.
وإذا على ما تقدم عن شيخنا، ومَنْ نَحَا نحوه: (وإنكم إذاً لمن الْمقَرَّبين) ، أي إذا غلبتم.
وتنوين الفواصل الذي يسمى في غير القرآن الترنُّم، بدلاً من حرف
الإطلاق، ويكون في الاسم والفعل والحرف.
وخرَّجَ عليه الزمخشري وغيره:
(قواريراً) .
(والليل إذا يَسْر) .
(كلا سيكفرون) ، بتنوين الثلاثة.
***
(نَعَمْ) :
حرف جواب، فتكون تصديقا للْمخْبر، ووَعْدا للطالب، وإعلاما
للمستخبر.
وإبدال عينها حاءً وكسرها وإتباع النون لها في الكسر لغاتٌ قرئ
بها.
***
(نِعْمَ) :
فعل لإنشاء المدح لا يتصرف.
стр. 952
(حَرف الصاد المهمَلة)
(صالح ﵇ :
قال وهب: هو ابن عبيد بن هاير بن ثمود بن حاير بن سام بن نوح، بُعِثَ إلى قومه حين راهق الحلم، وكان رجلاً أحمر إلى
البياض، سبط الشعر، فلبث فيهم أربعين سنة.
وقال نوف البكَالي: صالح من العرب لما أهلك الله عاداً عمرت ثموداً بعدها.
فبعث الله صالحاً غلاماً شابًّا، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكَبر، ولم يكن بين
نوح وإبراهيم نبيء إلا هود وصالح، أخرجه في المستدرك.
وقال ابن حجر وغيره: القرآن يدلُّ على أنَّ ثموداً كان بعد عاد، كما كان
عاد بعد قوم نوح.
وقال الثعلبي - ونقله عنه النووي في تهذيبه ومن خطه نقلت: هو صالح بن
عبيد بن آسف بن ماشح بن عبيد بن هاذر بن ثمود بن عاد بن عوض بن آدم
ابن سام بن نوح، بعثه الله إلى قومه وكانوا عَرَباً منازئهم بين الحجاز والشام.
فأقام فيهم عشرين سنة، وأقام بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
(صلاة) :
تأتي على أوجه:
الصلوات الخمس: (يقيمون الصلاة) .
وصلاة العصر: (تحبسونهما من بعد الصلاة) .
وصلاة الجمعة: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) .
والجنازة: (ولا تصَلّ على أحدٍ منهم) .
والدعاء: (وصلّ عليهم) .
والدين: (أصَلاَتكَ تَأمرك) .
والقراء ة: (ولا تَجْهَر بصلاَتك) .
والرحمة والاستغفار: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) .
стр. 953
ومواضع الصلاة: (وصلوات ومساجد) .
قال الجواليقي: هي بالعبرانية كنائس اليهود، وأصلها صَلُوتا.
(صَيِّبٍ) : المطر.
وأصله صَيْوب، ووزنه فيعل، وهو مشتق من قولك: صاب يَصوب.
وقوله: (أو كصيب من السماء) ، فهو عطف على (الذي استوقد) .
والتقدير أو كصاحب صّيب.
وأو للتنويع، لأن هذا مثَل آخر ضربه الله للمنافقين.
وفي قوله: من السماء - إشارة إلى قوته وشدة انْصِبَابه.
قال ابن مسعود: إن رجلين من المنافقين هربا إلى المشركين، فأصابهما هذا
المطر، وأيْقَنا بالهلاك، فعزما على الإيمان، ورجعا إلى النبي ﷺ ، وحَسنَ إسلامهما، فضرب اللَّهُ ما نزل بهما مثلاً للمنافقين.
وقيل المعنى: تشبيه المنافقين في حيرتهم في الدين وفي خَوْفهم على أنفسهم بمن
أصابه مطَر فيه ظلمات ورَعْد وبَرْق، فضلَّ عن الطريق، وخاف الهلاك.
وهذا التشبيه على الجملة.
وقيل: إن التشبيه على التفصيل، فالمطر مثل القرآن أو الإسلام، والظلمات
مَثَلٌ لما فيه من البراهين الواضحة.
فإن قيل: لم قال: رعد وبرق بالإفراد، ولم يجمعهما كما جمع ظلمات؟
فالجواب أنَّ الرعد والبرق مصدران، والمصدر لا يجمع.
ويحتمل أن يكونا اسمين، وترك جعهما لأنهما في الأصل مَصْدران.
(صَوَاعق) :
جمع صاعقة، وهي كلّ عذابِ مهلك.
ومنه (يَجْعَلون أصابعهم في آذانهم من الصَّوَاعق) ، أي من أجل الصواَعق.
قال ابن مسعود: كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآنَ في مجلسه ﷺ ، فهو على هذا حقيقة في المنافقين، والصواعق على هذا ما يكرهونه من القرآن، والموت هو ما يتحقق فَوْته، فهما مجازان.
وقيل: إنه راجع إلى أصحاب المطر المشبَّه بهم، فهو حقيقة فيهم.
стр. 954
والصواعق على هذا حقيقة، وهي التي تكون مع المطر من شدة الرعد ونزول قطعة نار، والموت أيضاً حقيقة.
وقيل: إنه راجع إلى المنافقين على وَجْه التشبيه لهم في خوفهم، بمن جعل
أصابعَه في آذانه من شدة الخوف من المطر والرعد.
فإن قيل: لم قال أصابعهم ولم يقل أناملهم، والأنامل هي التي تجعل في
الأذن؟
فالجواب أن ذكر الأصابع أبْلغ، لأنها أعظم من الأنامل، ولذلك جمعها مع
أن الذي يجعل في الأذن السبابة خاصة.
(صابئين) : خارجين من دِين إلى دين.
يقال: صَبَأ فلان إذا خرج من دِينه إلى دِين آخر، وصبأت النجوم خرجت من مطالعها، وصبأ نَابه: خرج.
قال قتادة: الأديان ستة، واحد للرحمن، وخمسة للشيطان.
الصابئون يعبدون الملائكة، ويُصَلّون إلى القبلة، ويقرأون الزّبور.
والمجوس يعبدون الشمس والقمر.
والذين أشركوا يعبدون الأوثان.
واليهود والنصارى معلوم دينهما.
(صَفْراء) :
من الصفرة المعروفة، ومنه: (جِمَالات صفْر) .
وقيل سودا. وهو بعيد.
والظاهر صفراء كلها.
وقيل: القَرْن والظّلْف فقط، وهو بعيد.
(الصَّفا والْمَرْوَة) :
جبلان صغيران بمكلة السعْيُ بينهما
واجبٌ عند مالك والشافعي ﵄.
فإن قلت: لم جيء في الآية بلفظ يقتضي الإباحة، وهو قوله: (فلا جُنَاحَ
عليه أن يطَّوَّفَ بهما) ؟
والجواب أن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهما، لأنه كان في الجاهلية
стр. 955
صنم، يقال له إسَاف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيما للصنمين، فرفع الله ما وقع في نفوسهم من ذلك.
فإن قلت: مِنْ أين يؤخذ وجوبُ السعي؟
فالجواب أنه واجب بالسنة، لقول عائشة: أوجب رسول الله ﷺ السعيَ بين الصفا والمروة، وليْس لأحد تَرْكه.
وقيل: إن الوجوبَ يُؤخذ من قوله: (شَعَائِر الله) .
وهذا ضعيف، لأن شعائر الله منها واجبة، ومنها مندوبة.
وقد أخذ بعضهم من الآية نَدْبَ السعي بينهما.
(الصَّلاَة الوُسْطى) ، على القول بأنها الظهر أو الجمعة، لأنها في وسط النهَار، أو لفَضْلها، من الوسط وهي الخيار.
وسُمّيت وُسْطى لتوسّطها في عدد الركعات على القول بأنها المغرب، لأنها بين الركعتين والأربع، ولتوسّط وقْتِها على القول بأنها الصبح لأنها متوسطة بين الليل والنهار.
وإنما أجرى ذكرها بعد دخولها في الصلوات وأخفاها للاعتناء بها.
وبالجملة ما مِنْ صلاة إلا وقيل فيها وسطى.
(صَفْوان) :
حجركبير أملس.
وهو اسمٌ واحد معناه جمع، واحدتها صفوانة.
(صَلْدا) : أملس.
وهذا تمثيل للذي يمنُّ ويُؤْذي بالذي يُنفقه رياء، وهو غير مؤمن، كحجر عليه تراب فيظنّه مَنْ يراه أرضاً مُنْبِتة طيبة، فإذا نزل عليها المطر انكشف التراب، فبقي الْحَجَرُ لا منفعةَ فيه، فكِذلك المرَائي يظنّ أن له أجراً، فإذا كان يوم القيامة انكشف سِرُّه ولم تنفعه نفقته.
(صَدُقَاتِهنَّ) :
أي مهورهنّ، يُؤْمر الزوج بإعطائها ذلك، واحدتها صَدُقة -
стр. 956
(صَعِيدا) :
وجه الأرض عند مالك، كان تراباً أو رملاً أو حجارة، فأجاز التيمم بذلك كله.
وعند الشافعي التراب لا غير.
واختلف في التيمم بالذهب والملح، وبالآجر والجص المطبوخ، وبالجدار وبالنبات الذي على وجه الأرض، وذلك كله على الاختلاف في معنى الصعيد.
(صَيْد) :
كلّ ما كان ممتنعأ ولم يكن له مالك، وكان حلالا أصْله، فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال فهو صَيْد.
(صدَف عَنْها) ، أي أعرض عن آيات الله.
(صَغَار) : أشد الضر، وهو الذل.
(صَديد) : قيح ودم.
(صَوْم) ، أصله في اللغة الإمساك مطلقاً، ثم استُعْمل في
الشرع في الإمساك عن الطعام والشراب.
وقد جاء بمعنى الصّمْت في قول مريم: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) .
وقيل تعني الصيام، لأن مِنْ شَرْطِهِ في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام مع المتهمين لها، ولأنّ عيسى تكلَّم عنها وأخبرها بأنها نذَرَت الصمْتَ، ولا يجوزُ في شريعتنا نذْر الصمت.
وانظر ما أثمر الصمت لها من تبرئتها على لسان ولدها بقوله: (إني عبد الله)
ألهمه الله بذلك، لأنه علم أن بعض الكفَّار سيقولون ما ليس لهم به علم، كما قال: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) .
وقال: (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) ، فهذه حجَّتُه عليهم إلى يوم القيامة بقول الله:
(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ... إلى قوله: (أن اعبدوا اللَهَ رَبّي وربكم) ، وقد قلت في الأولى: (إني عبد الله) .
وقد كان امتحان عيسى متصلاً بمحنة أمِّه، كما كان امتحان يوسف متصلاً
بامتحان أبيه، لأن الله تعالى قال: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) .
فقيل لها: يا مريم، إن كنت صادقةً في دَعْواك فاصْبِري على
المحنة، فنفخ جبريل في جَيْبِها، فقالت: (إني أعوذُ بالرحمن منك) .
стр. 957
قال تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) .
أي قبل أن ترفع الواسطة بيني وبين حبيبي، فقيل لها في سِرّ: إنه دَعْواك، حيث قلتِ: إنه من عند الله.
كذلك امتحن يوسف بمحنة أبيه يعقوب، فكان في الأمر ما كان، لأنه قال:
(لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) ، إذ عاقبه (١) ، فلما قيل له: بلغت المحنة غايتها قال: (إنما أشْكو بَثِّي وحزْني إلى الله) ، أي دعواك حين قلت: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) .
كذلك النبي ﷺ لما سمع قولَ الكفار في رَبّه ضاق صَدْره، فأنزل الله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) .
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) .
ولو قالوا ما قالوا من الجنون والسحر، فأنا أجبْتُ شانئك عنك بقولي: (هَمّاز مَشَّاء بنَميم) ، أي شانئك هو الأَبْتر.
كذلك قصة مريم في قولها: (إني نذرْت للرحْمَن صوما) ، قالوا: هذا أنكر
وأعظم، فإن من عرف ربَّه كَلَّ لسانه، فأشارت إليه، فأجاب الله عنها على
لسان ولدها.
كذلك المؤمن أمره اللَّهُ تعالى بالسكون، وترك الخصومة عمن ظلمه حتى
يتولّى الجوابَ الملأ الوهَّاب، قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) .
وفي الحديث: إذا أراد الله أن يرفع درجةَ عبدٍ قيَّض اللَّهُ له مَنْ يظلمه.
وحكي أن وزيراً ظلم بعْضَ الرعية في أخذ جِنَان له طلب بَيْعه منه، فأبى، فقال له: إنِّي آخذه منك.
فقال له: أشكوك إلى الملك.
فقال له: إن بيني وبينه صرفةً، قال: أشكوك إلى ربك.
فلما لقيه بعد مدة قال له: ما قال لكَ الذي شكوْتَ له، قال: قال لي: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) الآية.
فارتعدت فرائص الوزير، ونزل من سرْجه، فقبَّل يده، وطلب منه العفو.
هذا شأن مَنْ عرفه ووله في عظمته وتفكره في كلامه، بخلاف ما نحن عليه
стр. 958
من ظلم أنفسنا.
ما أرى بصائرنا إلا عميَتْ عن مشاهدة مشاهدِ القوم إذا
أشخصت لنا ال صفا ت منهم شخصاً هرب، كأننا ضِدّان لا نجتمع.
اللهم أَقلْ عثراتنا، وارحم ضراعتنا، ولا تؤاخدنا بأفعالنا، لأنا علمنا أنك
عفوٌّ تحبُّ العفو، فاعْف عنا بجاهِ سيدنا ومولانا ومنقذنا من الهول العظيم صلى اللَه عليه وعلى آله أفضل صلاة وأزكى تسليم.
(صَفًّا) :
ذكر فيه أبو عبيدة وجهين:
الصف الذي يصلّى فيه، كما قال بعضهم: ما استطعت أن آتي الصف اليوم.
وصفوف الناس كما قال: (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) .
وأما قوله تعالى: (إن الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صَفًّا) ، فقد قدمنا أنه ليس المراد به نفس التصافّ، وإنما المقصود به
الثبوت والجدّ في القتال، خلافاً لمن قال: إن قتال الرجالة أفضل مِنْ قتال
الفرسان، لأن التراصّ فيه يمكن أكثر مما يمكن للفرسان.
قال ابن عطية: وهذا ضعيف، خَفي على قائله مقصد الآية.
(صَفًّا صَفًّا) : مستوى من الأرض أملس لا نبات فيه.
(صَوَافَّ) : معناه قائمات قد صفَفْنَ أيديهن وأرجلهن، وهو
منصوب على الحال من الضمير المجرور، ووزنُه فواعل، وواحده صافة.
وقرئ صوافي، أي خوالص لا يشركون في نحرها أو في التسمية على نحرها.
(صَوَامع) :
منازل الرهبان، جمع صَوْمَعة - بفتح الميم - وهي موضع العبادة، وكانت للصابئين.
وسمي بها في الإسلام موضع الأذان.
والمعنى لولا دفاع الله لاستولى الكفَّار عليها.
فإن قلت: قد استولى الكفَّار عليها فهدَمُوها وخرَّبوا المساجد؟
فالجواب أن ذلك بذنوب أهلها، وما اجترحوا فيها من المعاصي، لأن الله
وعد بنصر مَنْ ينصرُ دِينه في مواضع من كتابه: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) .
(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) .
стр. 959
(صَرْفاً ولا نَصْراً) .، أي حيلة ولا نصرة.
يعني أنهم لا يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم عذاب الله.
والصرفُ والمنعُ والحيلولة بمعنى واحد.
ومنه قوله تعالى: (وحِيْلَ بينَهم وبيْنَ ما يشْتَهُون) ، ويحتمل على
هذا أن يكون الخطابُ للمشركين أو المعبودين.
والصرف على هذين الوجهين صرف العذابِ عنهم.
أو يكون الخطاب للمسلمين، والصرف على هذا ردّ التكذيب.
(صَرْح) ، أي قصر.
وقيل صَحْن الدار، وإنما صنع سليمانُ هذا الصَّرْح لأنَّ الجن كرهوا تزوّج سليمان لبلقيس، فقالوا له: إن عقلها مخبول، وإن رِجْلها كحافر الحمار، فاختبر عقلها بتنكير العرش، فوجدها عاقلةً، لأنها قالت: (كأنه هو) ، ولم تَقُل نعم، لأنها تغيَّر عليها أمره، ولم تقل لا، لأنها كانت
ترى بَعْضَ علاماته.
ثم أمر بأن يتخذوا قَصْراً من زجاج، ويحفروا حولَه نهراً، ويجعلوا فيه السمك والضفادع، وأمر بأن يتَّخِذوا على الماء قنطرة من زجاج، ففعلوا ما أمروا، ثم أمرها أنْ تدخل الصرح، فعزمت على الدخول، فرأت
الزجاج على الماء، فحسبته لُجَّة وكشفت عن ساقَيْها، فرأى سليمان أنها ليس فيها شيء من العيوب والْمَنْقصة، وأسلمت فتزوّجها سليمان، وكان يأتيها في كل شهر مرة.
(صيَاصِيهم) : حصونهم.
وصَيَاصِي البقَر قرونها، لأنها تمنع بها وتدفع عن أنفسها، وصيصاء الديك: شَوْكاته، ونزلت الآية في يهود بني قُريظة، وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله ﷺ فَنَقَضُوا عَهْده، وصاروا مع
قريش، فلما انصرفت قريش عن المدينة حصرهم رسولُ الله ﷺ حتى نزلوا على حكم سَعْد بن معاذ، فحكم بأن يُقْتَل رجالهم، وتسْبَى نساؤهم، وذَرَاريهم.
(صَرِيخ) : هو المغيث والْمنقذ، من الغرق.
(صديق) : مَنْ صدقك محبته، وآثرك على نفسه، وهو
أقلّ من القليل.
وفي قوله تعالى: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) .
إشارةٌ إلى كثرة الشفعاء في العادة وقلَّة الأصدقاء.
стр. 960
(صَافَّات) :
اختلف فيها، فقيل هي الملائكة التي تصفّ في
السماء صفوفاً لعبادة الله.
وقيل: هي مَنْ يصف مِنْ بني آدم في الصلاة والجهاد
والأول أرجح، لقوله عن الملائكة: (وإنا لنحن الصافّون) .
وأما قوله: (والطير صافَّات) فمعناه أنهن يصففن
أَجْنِحتهنّ في الهواء.
(صافِنَات) :
جمع صافن، وهو الفرس الذي يرفع إحدى
يدَيْه أو رِجْليه، ويقف على طرف الآخر.
وقيل: الصافن هو الذي يسوّي يديه.
والصفَن علامة على فراهة الفرس والجياد السريعة الجَرْي.
واختلف الناس في قصص هذه الآية.
فقال الجمهور: إنَّ سليمانَ ﵇ عرضت عليه خَيْلٌ كان وَرثها عن أبيه.
وقيل: أخرجتها له الشياطين من البَحْر، وكانت ذوات أجنحة، وكانت ألف فرس، وقيل أكثر، فتشاغل بالنظر إليها
حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشيِّ، وقيل العصر، فأسف لذلك، وقال: ردّوا عليَّ الخيل، فطفق يضرب أعناقَهها وعراقيبها بالسيف حتى عَقَرها (١) لمّا كانت سبباً لفَوت الصلاة، ولم يترك منها إلا اليسير، فأبدله الله أسرعَ منها وهي الريح.
فإن قلت: تفويتُ الصلاة ذَنْبٌ لا يفعله سليمان، وعقْر الخيل لغير فائدة لا
يجوز، فكيف يفعله سليمان، وأي ذنْب للخيل في تفويت الصلاة؟
فالجواب: إنما عقرها لمجاعةٍ كانت بالناس، فتقرَّب بها إلى الله في إطعامهم
لها، لا سما على قول: إنه لم تَفتْه صلاة، ولا عقر الخيل، بل كان يصلّي
فعرضت عليه الخيل، فأشار إليهم فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها، فلما فرغ من الصلاة قال: ردّوها عليَّ فطفق يمسح عليها بيده كرامةً ومحبةً.
وقيل المسح عليها إنما كان وَسْماً في سُوقها وأعناقها، للحبس في سبيل الله.
وقد حكي أنَّ عبد الله بن المبارك فاتَتْه تكبيرة الإحرام مع الإمام بسبب بيْع
باعَهُ، فربح فيه ألْفَ دينار، فتصدَّق بها عسى أن يكون كفَّارةً لتلك التكبيرة.
стр. 961
فاقْتَدِ أيها المسكين بتأسُّفك على ما فاتك من أوقاتك في المخالفة، ولا
يشغلك شاغلٌ عن الطاعة بجهد الاستطاعة، فإن سليمان أنعم الله عليه بأنواع
النعم، ولم يعاتبه باشتغاله لقوله: (هذا مِنْ فَضْل رَبِّي) .
ويوسف أعطاه الله الْمُلك ولم يُعاتبه على اشتغاله به، لأنه قال: (هذا من فضل الله علينا) .
وقال في شأن النبي ﷺ : (وكان فضل الله عليك عظيما) .
ولم يأذَن له في نظرة واحدة إلى الدنيا غيرةً منه عليه، فقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، فأظهر أن
فضله عليه في المنع أفضل منه في العطاء، وكذلك قال لأمّته: (قلْ بِفَضْلِ الله
وبرحمته فبذلك فلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مما يَجْمَعون) .
وروي أن وجوهَ هذه الأمة تُحْشَر يوم القيامة كالكوكب الدرِّيِّ، فتقول
الملائكة: ما عملكم في الدنيا، فيقولون: كُنَّا إذا سمعنا الأذان قُمْنا إلى الطهارة لا يشغلنا غيرها، ثم تحشر طائفة وجوههم كالأقمار فيقولون بعد السؤال: كُنَّا نتوضأ قبل الوقت.
ثم تُحشر طائفة وجوههم كالأقمار فيقولون بعد السؤال: كنا
نسمع الأذان في المسجد.
وروي أن السلف كانوا يعزُّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتَتْهم التكبيرة الأولى
ويعزُّون سبعاً إذا فاتتهم الجماعة.
وحكي أنه كان شدّاد بن حكيم البلخي الحاكم يمرُّ يوماً بمسجد من مساجد
البلخي ومؤذّنه يؤذّن وبحذاء هذا المسجد حانوت رجل معدل، فلما فرغ المؤذّن من الأذان اشتغل ذلك المعدِّل بجمع المتاع الذي بين يديه، ثم خرج إلى الصلاة، فلما كان في الغد جاء المعدّل وشهد على رجل بحق، فرد شهادته وقال: إنك مستَخِفّ بأمر الصلاة حيث استقبلت أولاً إلى رفع الأمتعة التي بين يديك بعد الأذان، ثم خرجت إلى الصلاة.
ذكره في الإحياء.
(صَرْصر) : أحد رياح العقوبة، وثانيها العقيم، وثالثها القاصف، كما قال تعالى: (فيرسل عليكم قَاصِفا) ، وهذه الرياح تهبّ في البحر دون البر برحمةِ الله، إلاَ مَنْ أراد الله هلاكه بها.
ورياح الرحمة ثلاث: منشرات، كقوله تعالى: (والنَّاشِرات نَشْراً) .
стр. 962
والمبشرة، كقوله: (مبَشرات) .
والثالث الذاريات.
فهذه رياح الرحمة تهبُّ على كل شيء في الدنيا.
وقيل ثلاث رياح تهب من الجنة.
الجنوب، والشمال، والصبا. ومنها خلق الله الفرس، وبها نصر الله نبيَّه، قال ﷺ :
"نصرت بالصبا، وأهلكت عادٌ بالدّبور"
وريح الصبا ريح مباركة تهبُّ من قِبَل الكعبة وقْتَ الأسحار، وتحملُ الأنين والاستغفار إلى الملك الجبار، وهي الريح التي أوصلت ريحَ يوسف إلى يعقوب حيث قال: (إني لأجِد ريح يوسف) ، ولهذا قال أبو علي الدقاق: والريح رسول العشاق.
(صَفْحا) : مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال.
ومعناه على هذا: أنمسك عنكم الذكرَ عَفْواً عنكم وغفراناً لذنوبكم، أو مصدر من المعنى، أو مفعول من أجله، تقول: صفحت عنه إذا أعرضْت عنه، كأنه قال: أنتركُ تَذْكيرا إعراضاً عنكم.
(صَرَّةٍ) .
من صَرّ القلم وغيره إذا عوّت.
وقيل معناه في جماعة النساء، يعني أن امرأة إبراهيم صاحت بقولها: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) ، فاستغربت من ولادة العجوز، ولذلك: (صَكَّتْ وجْهَها) ، أي غَطَّتْه حياءً من المبشرين لها، أو تعجُّباً من وِلادتها.
(صَلْصال) : قد قدمنا أنه الطين اليابس الذي يُصَلْصِل.
أي يصوت وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار.
ويقال الصلصال الْمُنْتِن، مأخوذ من صلّ اللحم وأصلّ: إذا أنتن، فكأنه أراد صلالاً، فقلبت أحد اللامين، وفيه إشارة إلى ما كان في تربة آدم من الطين الحر، وذلك أنَّ الله خلقه من طيّب، وخبيث، ومختلف اللون، مرة ذكر في خلقه هذا ومرة هذا.
(صَغَتْ قلوبكما) ، أي مالت عن الصواب.
وقرأ ابن مسعود بالزاي.
والمعنى: إن تَتُوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة.
وهذا الخطاب لعائشة وحفصة مما جرى من تسببهما في تحريم رسول الله الجارية أو العَسَل الذي تقدم ذكرهما.
стр. 963
(صَرِيم) : ليل، يعني أنهم حلفوا أنْ يقطعوا غَلَّة جَنَّتِهم عند
الصباح، فأصبحت كالليل، لأنها اسودَّتْ لِمَا أصابها.
وقيل: أصبحت كالنهار، لأنها ابيضَّت كالحَصِيد.
ويقال صريم لليل والنهار.
وقيل الصريم: الرماد الأسود، بلغة بعض العرب.
وقيل: أصبحت مصرومة، أي مقطوعة.
(صارِمين) ، أي حاصدين لثمرها.
(صَعَداً) : شاقا، يقال تصعَّدني الأمر: أي شقّ عليَّ، ومنه
قول عمر ﵁: ما تصعَّدني شيء ما تصعَّدَتْني خطبة النكاح.
ومنه: (سارْهِقه صَعودا) ، أي عقبةً شاقّة، يعني أن الوليد بن المغيرة يكلّف أن يصعد جبلا في النار من صَخْرة ملساء، فإذا صعد أعلاها لم يزل أن يتنفّس وجُذِب إلى أسفلها، ثم يكلف مثل ذلك.
(صَوَابا) : إصابة المراد.
ويقال في - المثل: أصاب الصواب.
ومنه: رُخاءً حيث أصاب.
وقد يعبَّر بالصواب عن الحق، فيقال: هذا صواب، أي حق، فكلّ مصيب فحِقّ وبالعكس.
(صاخَّة) : من أسماء القيامة، وهي مشتقّة من قولك: صخّ
الآذان إذا أصمها بشدة إِصْخاخها، فكأنه إشارة إلى النفخ في الصور، أو إلى
شدة الصوت حتى يَصخّ مَنْ يسمعه لصعوبته.
وقيل: هي من قولك أصاخ للحديث إذا استمعه والأول هو الموافق للاشتقاق.
(صَدَقة) :
تنطلق على الزكاة الواجبة، وعلى التطوّع: (إن الْمصَّدقين والْمصدِّقَات) - بالتشديد، أي المتصدقين والمتصدقات.
وأما قوله تعالى: (إنكَ لن الْمصَدِّقين) - بالتخفيف - فهو من التصديق.
(صَدّ) :
له معنيان: بالتعدي بمعنى منع غيره من شيء، ومصدره صَدًّا، ومضارعه بالضم.
وغيره بمعنى أعرض، ومصدره صدودا.
стр. 964
(صار) : له معنيان: من الانتقال، ومنه: (تَصِير الأمور) ، والمصير.
وبمعنى ضَمّ، ومضارعه يصور، ومنه (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) .
(صَمَد) : هو الذي يُلْجأ إليه في الحوائج، ليس فوقه أحد.
وقيل: إنه الذي لا يأكل ولا يشرب لفوله: (وهو يُطْعِمُ ولا يُطعَم) .
وقيل: إنه الذي لا جَوْفَ له.
والأول هو المراد.
ورجَّحه ابن عطية، فإن الله هو موجد الوجودات
وبه قوامها، فهي مفتقرة إليه، إذ لا تقومُ بأنفسها وحيثما ورد في القرآن فنفى الولد عنه، كقوله في مريم: (قالوا اتخذ الرحمن ولداً) ، ثم أعقبه
بقوله: (إنْ كلّ مَنْ في السماوات والأرض إلاَّ آتِي الرحمنَ عَبداً) .
وقوله: (بَدِيع السماوات والأرض أنَّى يكون له ولد) .
(قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بَلْ له ما في السماوات والأرض) ، وكذلك في الإخلاص ذكره مع قوله: (لم يَلِد) ، ليكون برهاناً على نفْيِ الولد.
(صُرْهُنَّ) : بالنبطية فشققهن.
وأخرج ابن المنذر عن وهب بن وهب قال: ما في اللغة شيء إلا منها في القرآن شيء، قال: وما فيه من الرومية، قال: (فَصُرْهُنَّ) ، يعي قطعهنّ بكسر الصاد.
والضمير راجع إلى الطيور الذي أَمر الخليل بذبحها وتقطيع أجزائها، وهي الديك والطاوس والحمام والغراب، لما سأل الله رؤية إحياء الموتى.
فإن قلت: كيف يشكّ الخليل في إحياء الموتى، فيطلب رؤيته؟
فالجواب أنه لم يشكّ، وإنما طلب معاينة الكيفية لمّا رأى دابّة قد أكلتها
السباع والحيتان، فسأل عن الكيفية، وصورة الإحياء، لا عن وقوعه، وذلك لا يقدح في رسالته، وهو معصوم.
واشتكى بعض الفقراء لشيخه تهمّمه في الرزق، فقال له: خذْ كفًّا من تراب
ومُرْه يرجع ذهباً، فقال: ومَنْ إمامي في هذا، قال: الخليل حين قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) .
стр. 965
قال: (أولم تُؤْمن) ، فالذي يقدر على رجوع التراب ذهباً في
يديك يقدر على رزقك حيثما كنْت.
والحكمةُ في هذا أن النفس لا تطمئن إلا بالمعاينة، وليس الخبر كالعيان.
(صُوَاعَ الملِك) :
أي مكياله، وهو السقاية، وكان يشرب
بها يوسف، ويكال بها الطعام، وكان من فضة.
وقيل من ذهب.
وقصد بجعله في رَحْلِ أخيه الاحتيالَ في أخْذه، إذ كان شرْع يعقوب أنَّ مَنْ سرق استعبده المسروق منه.
والسرّ فيه أن بنيامين لما تعرَّف إليه يوسف، وتحقَّق عنده بالمعرفة، لم يتنكر بأن نُودي عليه بالسرقة.
ولما رضي في معرفته بالبلاء كان ثمرته أن آواه إلى نفسه، كأَنّ مولاك يقول لك: لا تبال يا مؤمن ببلائي، فإن الجنة مَثْواك.
وورد في الحديث: "إن الله يطهّر المؤمن في الدنيا بأنواع البلاء، فإنْ بقِيتْ
عليه بقيةٌ طهَّرَه بشدة الموت، حتى يَلْقَى الله وليس عليه ذنب".
وقرأ يحيى بن يعمر: "صواغ الملك" - بغين معجمة: يذهب إلى أنه كان
مصوغأا، فسماه بالمصدر.
(صَخْرة) :
قيل أراد لقمان الصخرة التي عليها الأرض.
وهذا ضعيف، وإنما معنى الكلام أن مِثْقَالَ خَرْدَلة من الأعمال أو من الأشياء
لو كانت في أخفى موضع كجوف صخرة، فإن الله يأتي بها يوم القيامة.
وكذلك لو كانت في السماوات أو في الأرض.
وأما قول موسى: (أرأيتَ إذ أوَيْنَا إلى الصَّخرة) فإن المراد بها التي نام عندها.
ومعنى (أرأيت) ، أي أخبرني.
فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام، وإن كلّ واحد من أرأيت، وإذ
أوينا، فإني نسيتُ الحوت - لا متعلّق له؟
والجواب أنه لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من
стр. 966
نسيانه، فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، فكأنه قال: أرأيت ما دَهَاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، فحذف بعض الكلام.
(صَدَفَيْن) ، بضم الصاد وفتحها، بمعنى الجبلين.
(صُنْعَ الله) : مصدر العاملُ فيه محذوف.
وقيل هو منصوب على الإغراء، أي انظروا صُنْعَ الله، وهو فعله في مرور الجبال وهي جامدة.
(صحُفاً مطهَّرة) ، يعني القرآن في صحفه.
وأما قوله تعالى: (صحفاً مُنَشَّرة) - فقد قدمنا أنهم طلبوا مِنْ رسول الله ﷺ أن يعطي كلّ واحد منهم صحيفةً يأمره فيها بالإيمان.
وقوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى) ، فالمراد به أن هذا الكتاب ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين، كما ثبت هذا الكتاب.
قلت: من أمثلة ما نزل على بعض الأنبياء سورة الأعلى.
قال ﷺ : كلّها في صحف موسى وإبراهيم.
ولما نزلت: (والنجم إذا هوى) فبلغ: (وإبراهيم الذي وفَّى) ، قال: (وَفَّى ألا تَزر وازِرة وِزْرَ أخرى) إلى قوله (هذا نذير من النّذر الأولى) .
وأخرج الحاكم من طريق ابن القاسم، عن أبي أمامة، قال: أنزل الله على
إبراهيم مما أنزل على محمد: (التائِبُون العَابدون) ، إلى قوله: (وبشِّر المؤمنين) .
و (قد أفلح المؤمنون) ، إلى قوله: (هم فيها خالدون) .
و (إن المسلمين والمسلمات) ، الآية.
والتي في المعارج: (والذين هم على صلاتهم دائمون) ، إلى قوله: (قَائمون) ، فلم يَفِ بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم -.
وأخرج البخاري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي ﷺ موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيها النبي إنَّا أرسلناك شاهداً ومبَشّراً ونَذيراً وحِرزاً للأميين" - الحديث.
стр. 967
وأخرج ابن الضّرَيس وغيره عن كعب قال: فتحت التوراةُ بـ (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) .
وختمت بـ (الحمد للَه الذي لم يتخذ ولداً) ، إلى قوله: (وكبِّرْه تكبيرا) .
وأخرج عنه من وَجْهٍ آخر، قال: أول ما نزل في التوراة عشر آيات من سورة الأنعام: (قل تعالوا أتْل ما حَرَّم ربكم عليكم) الخ.
قال بعضهم: هذه الآيات العشر التي كتبها اللَّهُ لموسى في التوراة أول ما كتب، وهي توحيد الله، والنهي عن الشرك، واليمين الكاذبة، والقتل، والعقوق، والزنى، والسرقة، والزور، ومدّ العين إلى ما في يَدِ الغير، والأمر بتعظيم السَّبْت.
وأخرج الحاكم عن أبي مَيْسرة أنَّ هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية:
أول سورة الجمعة: (يسبِّح لله ما في السماوات وما في الأرض) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي، قال: البرهان الذي أُرِي
يوسف ثلاث آيات من كتاب الله: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) .
وقوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) .
وقوله تعالى: (أفمَنْ هوَ قائم على كلِّ نَفْس بما كسبت) .
زاد غيره آية أخرى: (ولا تَقْرَبوا الزنا) .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: (لولا أنْ رأى برهَانَ
ربه) - قال: رأى آيةً من كتاب الله نهَتْهُ، مثّلت له في جدار
الحائط، فهذا ما وقفت عليه مما أنزل على غير نبينا ﷺ (١) .
واختلف في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
والصحيح أنَّ سليمان تلفظ بها، لحديث الدارقُطْني من حديث برَيْدَة أن النبي ﷺ قال: لأعلِّمنّك آيةً لم تنزل على نبي
بعد سليمان غيري: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
ومن أمئلة ما خص به الفاتحة، وآية الكرسي، وخاتمة البقرة.
стр. 968
وروى مسلم عن ابن عباس: أتى النبي ﷺ ملك، فقال: أبشر بنورين، قد أوتيتهما لم يُؤْتهما نبيء قبلك: فاتحة الكتاب.
وخواتيم سورة البقرة.
وأخرج أبو عبيدة في فضائله، عن كعب، قال: إنَّ محمداً ﷺ أعطي أربع آيات لم يُعطهن موسى، وإن موسى أعطي آية لم يعطها محمد ﷺ ، وهي: اللهم
لا تولج الشيطان في قلوبنا، وخلِّصنا من أجل أنَّ لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحرم والأرض والسماء، الدهر الداهر، أبداً أبداً، آمين آمين.
وأما الأربع التي لم يعطهن موسى فهي: خواتيم البقرة.
(لله ما في السماوات وما في الأرض) ، وآية الكرسي.
(صِرَاط) :
هو في اللغة الطريق، ثم استُعمل في القرآن، بمعنى الطريقهّ الدينية، وأصله السين ثم ينقلب صاداً لحرف الإطباق بعدها.
وفيه ثلاث لغات: بالصاد، والسين، وبين الصاد والزاي.
وحيثما ورد في القرآن فمعناه الطريق الموصّل إلى الصراط الحسيّ المنصوب على مَتْنِ جهنم، ليَمُرَّ المؤمنون عليه، أرقّ من الشعر، وأحدّ من السّيف، وفي حافتيه كلاليب معلَّقة مأمورة بأخْذِ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج، ومكردس في نار جهنم، ويمرون عليه بحسب اتّباعهم لهذا الصراط المعنوي، فأولهُم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وكأشد الرجال حتى يجيء الرجل ولا يستطيع السير إلا زَحْفا.
وقد صح أنَّ له عقبات سبع لا يجاوزها إلا مَنْ قطع عَقَبات الدنيا.
وأنكره أكثَر المعتزلة، لعدم إمكان العبور عليه.
ويسهِّله الله على المؤمن كأنه واد واسع.
(صِبْغَة الله) : يعني دين الله، وهو استعارةٌ من صبغ
الثوب وغيره، ونَصْبه على الإغراء، أو على المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملّة إبراهيم.
(صِرّ) .: بَرْدٌ شديد، أصاب حَرْثَ الذين ظلموا أنفسهم، وهم الكفار، فلم ينتفعوا به، وكذلك لا ينتفعون في الآخرة بأعمالهم.
стр. 969
(صدّيقةٌ) : بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق.
ووصفُ مريم بهذه الصفة دون النبوءة يدفع قول مَنْ قال إنها نبيئة.
(صِنْوَان وغَيْر صِنْوان) : هي النخلات الكثيرة، ويكون
أصلها واحداً.
وغير الصِّنْوَان التفرق، ووَاحِد الصِّنْوان صِنْو.
(صِبْغ) : الصبغ والصباغ ما يصْبَغُ به، أي يغمس فيه
الخبز ويُؤكَل به.
(صِهْراً) :
النسب والصهر يعمّان كلَّ قُربى، فالنسب أن
يجتمع إنسان مع آخر في أَب وأم قَرب ذلك أو بعد.
والصهر: هو الاختلاط بالتناكح.
وقيل: أراد بالنسب المذكور، أي ذوي نسب ينتسب إليهم، وأراد بالصهر
الإناث، أي ذوات الصهر يصاهر بهن، فهو كقوله: (فجعل منه الزَّوْجَين
الذّكَر والأنثى) .
стр. 970
(حرف الضاد المعجمة)
(ضرب) :
له أربعة معان: من الضرب باليد وشِبْهه.
ومن ضرب الأمثال.
ومن السفر، ومنه: (ضربتم في الأرض) .
ومن الإلزام، ومنه: (ضُرِبت عليهم الذِّلّة) ، أي ألزموها.
(وضَرَبْنَا على آذانهم
) ، ألقينا عليهم النوم.
و (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ) ، أي نمسك عنكم التذكير.
(ضرَّ) ، بفتح الضاد وضمها بمعنى، وكذلك الضير - بالياء، ومنه: (لا
يَضرّكم كيْدهم) .
والضراء: ما يصيبه من المرض وسوء الحال.
(ضَيْق) ، وضَيّق مثل ميت وميت، ويجوز أن يكون
الضيق والضيق مصدر.
وفي قوله تعالى: (وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) .
تسْلية له ﷺ ، أي لا يضيق صَدْرك بمكرهم، وهو منسوخ بآية السيف.
فإن قلت: أيّ فرق بين هذه الآية في حذف النون منها، وبين إثباتها في آية
النمل؟
والجواب: إنما حذفها في النمل موافقة لما قبلها، وهو قوله: (ولم يك من
المشركين) .
وأيضاً فقد قدمنا أنه سُلِّي بها عن قتل عمّه حمزة، فبالغ في الحذف.
ليكون ذلك مبالغة في التسلّي.
وجاء في النمل على القياس، ولأن الحزن هناك دون الحزْن هنا.
وهذه الكلمة كثر ورودها في القرآن، فحذف النون منها تخفيفاً من غير
стр. 971
قياس، بل تشبيها بحروف العلة، وأتى ذلك في بضْعَة عشر موضعاً: سبعة منها (يك) با لياء، وموضعان (نَكُ) بالنون، وموضع آخر (أكُ) بالهمزة.
والله أعلم.
(ضَنْكا) ، أي ضيقة.
والمعنى أن الله تعالى ضيَّق عليه المعيشة، وهكذا حال مَنْ أنعم الله بوجوده مِنْ سبع ورَزَقه من سبع، فكفر بأنعمِ الله، وأعرض عنها، وصرف همَّتَه لغير ربّه أن يضيق عليه في الدنيا، ويحشر أعمى في العقبى، قال: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) .
فإن قلت: أما خلقنا مِنْ سبع، فقد فهمناها من الآية الكريمة، وأما رزقنا
من سبع فلم نفهم معناها؟
والجواب أن الله خلقنا في سبعة أحوال من سبعة أشياء، وأرواحنا من سبعة
أشياء، وخلق لنا سبعة أركان ظاهرة، وسبعة أركان باطنة، ثم رزقنا من سبعة أشياء، ثم وعدنا بسبع مقامات.
أما الأحوال السبعة فقال تعالى: (ولقد خَلَقْنَا الإنسانَ من سلاَلةٍ من طيِن) .
وأما الأرواح فمن النار، والنور، والريح، والطيب، والعلم، والأنس، والبقاء، ثم جمعه في قلبك فحينئذ تتحرك في بطن أمك، فحرارة الروح من النار، وضياؤه من النور، وطهارته من الطيب، ونفسه من الريح، وذهنه من العلم، وألفته من الأنس، وحياته من البقاء.
ثم رزقك من دَم الحيض إلى حال الخروج، ثم اللبن إلى الفطام، ثم بعد ذلك
خمسة أشياء: الماء مِنَ السماء، والنبات من الأرض، واللبن من الثدي، والثمار من الشجر، واللحم من الأنعام.
ثم خلقك من سبعة أشياء: من العظم، والعَصَب، والعروق، واللحم، والجلد، والظفر، والشعر.
وأعطاك سبعة أركان باطنة: القلب، والكبد، والطحال، والمرارة، والرئة، والدماغ، والمخ.
стр. 972
وأعطاك سبعة أركان ظاهرة: اليدين، والرجلين، والعينين، والأذن.
والأنف، واللسان، والفرج.
ثم رزقك من سبعة أشياء، فقال تعالى: (إن صبَبْنَا الماءَ صَبًّا) .
فهذا معنى الحديث: خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع.
ثم وعدك بسبع مقامات: الموت، والقبر، والبعث، والميزان، والمحاسبة.
والصراط، والدَّارَيْن، فريق في الجنة وفريق في السعير.
فمن عرف هذا كيف يلتفت لسواه سبحانه، أو يطلب غيره، هذا في المعيشة
الضيقة في الدنيا والآخرة، هلا تشبَّه بالملائكة الكرام في السبع سموات: منهم مَنْ عَبَدَ اللهَ على الحياء والملازمة، ومنهم على الخوف والخشية، ومنهم على حسْن الظن، ومنهم على الخدمة والحرمة، ومنهم على المودّة والمحبة، ومنهم على الشوق والصفاء، ومنهم على القرب والمؤانسة.
ونحن لا مِنْ هؤلاء ولا مِن هؤلاء، بل من الذين قال الله فيهم: (إنْ همْ إلاَّ كالأنعام بَلْ همْ أضَلُّ) .
ورحم الله القائل: خلقك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته، ليعلمك
جلالةَ قَدْرك بين مخلوقاته، وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكنوناته.
وجميع العالم مبني على سبعة أشياء: ضياء، ونور، وظلام، ولطافة، وكثافة، ودقة، ورقة، فجعل الضوء نصيب الشمس، والنور نصيب القمر، قال تعالى: (هو الذي جعل الشمْسَ ضياء والقَمر نورا) .
وجعل الضوءَ نصيب وجهك.
والنور نصيب بصرك، والظلام نصيب الشياطين، وجعله لشعرك.
واللطافة نصيب الطيور، وهو نصيب قلبك.
والكثافة نصيب الجبال، وهو نصيب عظمك.
والدقة نصيب الماء، وهو نصيب ريقك.
والرقة نصيب الهواء، وهو نصيب رُوحك.
ثم جعل في قلبك الضوءَ مثل المعرفة، والنور مثل اليقين.
والظلام مثل السيئة، واللطافة مثل الرجاء، والكثافة مثل الخوف، والرقة مثل المحبة، والدقة مثل الشوق، فمن أراد أن تكون عيشته هنيئة، وحياته طيبة فليشْعِلْ في قلبه المعرفة بزَنْد الجهد، وحجر التضرع، وحراقة إطفاء الشهوة،
стр. 973
وكبريت الانتباه، ومسرجة الصدق، وفتيلة الشكر، ودهن التوكل، حتى توقد نور المعرفة في قلبه، كالذي يريد أن يوقد ناراً يحتاج إلى سبعة أشياء: زند، وحجر، وحراقة، وكبريت، ومسرجة، وفتيلة، ودهن، ثم يعلق السراج بثلاث سلاسل في ثلاث غرا، وحينئذ يعلّق في سقف البيت.
وهكذا صاحب سراج المعرفة لا بد له من سلسلة الخوف معلَّقة بعرْوَة
العدل، وسلسلة من الرجاء في عروة الفضل، وسلسلة من المحبة في عروة
الكرامة، وحينئذ يعضد بالعرش، ولا تقدر رياح الأعضاء السبعة ومعاصيهن أن تُطْفِئ هذا السراج، فهؤلاء المجوس أوقدوا ناراً ليعبدوها فلم يقدر أحد على إطفائها، فكيف يقدر أحد على إطفاء نور المحبة.
والله تعالى يقول: (يريدون أنْ يطفِئُوا نورَ اللهِ بأفواههم ويأبَى اللَّهُ إلا أنْ يتِمَّ نوره ولو كرِهَ الكافرون) .
(ضَلَلْنَا في الأرض) :
أي صِرْنا تراباً، وهذا استبعاد من الكفار للبعث.
وقرئ صَلَلْنا، أي أنتنا وتغيَّرْنَا، من قولهم: صَلّ اللحم وصنّ
وأصن: تغيّر.
(ضَرِيع) :
فيه أربعة أقوال:
أحدها: أنه شوك، يقال له الشِّبْرِق، وهو سم قاتل.
وهذا أرجح الأقوال، لأن أرباب اللغة ذكروه، ولأن النبي ﷺ قال الضريع: شوك في النار.
الثاني: أنه الزّقّوم، لقوله: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) .
الثالث: أنه نباتٌ أخضر منْتن ينبت في البحر. وهذا ضعيف.
الرابع: أنه وادٍ في جهنم.
وهذا أضعف، لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام، إنما هو شراب، ولله دَرُّ مَنْ قال: الضريع طعام أهل النار، فإنه عَمَّ وسَلِم من عهدة التعيين.
واشتقاقه عند بعضهم من المضارعة بمعنى المشابهة، لأنه
يشبه الطعام الطيب، وليس هو به.
وقيل: هو بمعنى مضْرع البدن أي مضعف.
стр. 974
وقيل: العرب لا تعرف هذا اللفظ.
(ضحى) :
أول النهار.
والفعل منه أضحى.
وأما ضَحِي، بكسر الحاء، يَضْحَى في المضارع، فمعناه برز للشمس وأصابه
حرّها.
ومنه: (لا تَظْمَأ فيها ولا تضْحَى) .
(ضِعْف، وضُعْف) : لغتان.
وضاعف الشيء كثّره، وجرى فيه التشديد.
وضِعف الشيء، بكسر الضاد: مثلاه.
وقيل مثله.
والضعف أيضاً العذاب.
(ضلَّ) ، بضاد، من الضلال.
ومنه: (وأضَلّهم السامِرِيّ) .
وبالظاء المشالة، من الإقامة.
وأصله ظللت فحذفت إحدى اللامين.
ومنه: (ظلْتَ عليه عاكفا) - وأصله أقام بالنهار، ثم استعمل في الدؤوب على الشيء ليلاً ونهاراً.
(ضِغْثا) : مِلْء كفّ من الحشيش والشجر.
قال الضحاك: كالشجر الرطب.
قال ابن عباس: قبض أيوب قبضةً من سنبل، فوَسِعَتْ كفّه
مائةَ سنبلة، وذلك أنه حلف ليضربنَّ امرأتَه مائة جلدة لما باعت ذؤابتها، فأمره الله بأخْذ حُزمة مما قام على ساق، لأن لها حق الخدمة.
وأنت يا محمديّ إذا خدمْتَه وقُمْتَ بحقه، ولن تقدر على ذلك، لا يجمع
عليك عقوبتين، فتورد النار، لإبرار قسمه في قوله تعالى: (وإنْ مِنْكُمْ إلا
وَارِدها) .
وينجّيك منها لحرمة إيمانك، قال تعالى: (ثم ننَجِّي الذين اتقَوْا) .
(وسئجَتبُها الأتقى) .
(ضِدّا) ، يكون للواحد والجمع، ومعناه أن الكفَّار يكفرون
بعبادة المعبودين، ويكون لهم خلاف ما أمّلُوه منهم فيصير العزّ الذي أمّلوه ذلّة.
وقيل معناه العون.
(ضِيْزَى) :
أصلها فُعلى بضم الفاء، ولكنها كسرت للياء التي بعدها.
يقال ضازَه حقه إذا نقصه.
стр. 975
(حَرف العَيْن المهمَلة)
(عاذ) : بالله يعوذ، أي استجار بالله ولجأ إليه، ليدفع عنه ما يخاف.
ويقال: استعاذ يستعيذ.
ومنه: (معاذ الله) .
(عالمَين) : جمع عالم، وهو عند المتكلمين كلّ موجود سوى الله تعالى.
وقيل العالمين الإنس والجن والملائكة لجمعه جَمْعَ العقلاء.
وقيل الإنسان خاصة، لقوله تعالى: (أتأتون الذّكْرَانَ من العالَمين) .
والأول هو الصحيح، لقوله تعالى: (وما أرْسَلْنَاكَ إلاَّ رحمة للعالمين) .
لأنَّ رحمته ﷺ عمَّت جميع الموجودات.
وقد قال لجبريل يوماً: ما نالك من رحمتي، قال له: لولا وجودك لم أذكر بقوله: (ذِي قُوّةٍ عند ذي العَرْش مَكين) .
(عَمه) : تحيَّر.
ومنه: (ويمدهم في طغيانهم يعْمَهون) .
أي يتحيرون في ضلالهم.
(عاكفين) : مقيمين للعبادة ملازِمين حيث وقع، ومنه قوله: (طَهِّرَا بيتي
للطائفين والعاكفين) .
فإن قلت: قد ورد في آية الحج [٢٦] ، مكان العاكفين القائمين، فهل هما
بمعنى واحد؟
والجواب المراد بالقائمين ذوو الإقامة والملازمة على صفةٍ مخصوصة، وإذا
أريد بالقائمين هذا فهو والعكوف مما يصح أن يعبَّر بأحدهما عن الآخر، مع أن لفظ العكوف أخص بالمقصود، فيكون خصوص آية الحج بقوله: والقائمين،
стр. 976
لتقدم ذكر العكوف في قوله قبل الآية: (سواء العاكِف فيه والبادِ) ، فلما تقدم ذكْر العكوف متصلاً بالآية وقع الاكتفاء بذلك، وعدل عن
التكرار الذي من شأن العرب العدول عنه إلا حيث يراد تعظيم أو تهويل، نحو قوله: (الحاقّة ما الحاقّة) ، وشبه ذلك.
ولما لم يقع ذكر العكوف قبل آية البقرة ولا بعدها وهو مرادٌ لكونه أخص بالمقصود لم يكن بدٌّ من الإفصاح، وكان قد قيل
في آية الحج: والقائمين، وأغنى ذكرهم متقدماً عن الإتيان به حالاً منبّهة.
وأغنى قوله في البقرة: (والعاكفين) عن قوله: (والقائمين) ، لأن العكوف الملازمة، وهو المراد بالقيام، فورد كلٌّ على ما يجب ويناسب.
ويراد بالركَّع السجود - المصلون.
ومن قال: إن المراد بقوله: والقائمون المصلون فوَجْهه أنَّ ذِكر
العكوف قد حصل فيما تقدم، فاكتفي به، ولم يكن وقع قبل آية البقرة ولا
بعدها، فلم يكن بدٌّ من ذكره.
وعَبّر عن المصلين بالركع السجود.
وتحصّل أنه المقصود بالآيتين، ووردتا على ما يلائم. واللَه أعلم.
(عدل) : مِثْل، كقوله: (أو عَدْل ذلك صِياماً) .
وفدية، كقوله: (ولا يُؤخذ منها عَدْل) .
وكذا قوله: (وإن تعدل كلَّ عَدْل لا يُؤْخَذ منها) .
والعدل من أسماء الله تعالى، لأن أفعاله كلها عدل، فقيل العدل هو الحق، فكل عدل حق، وما ليس بعدل فليس بحق.
فإن قلت: ما وَجْه تقديم العدل في آيةٍ وتأخيره في أخرى؟
والجواب أن في تقديم الشفاعة قَطعاً لطمَعِ مَنْ زَعم أن آباءهم تشفع لهم، وأنَّ الأصنام شفعاؤهم عند الله.
وأخَّرها في الأخرى، لأن التقدير في الآيتين لا ئقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة، لأن النفع بعد القبول.
وقدَّمَ العدل في الأخرى ليكون لفظ القبول مقدماً فيها.
(عفونا) :
له ثلاثة معان: الصفح عن الذنب، والإسقاط من غير كلفة، ومنه: (ماذا ينْفِقون قل العَفْو) .
стр. 977
وقراءة الجماعة بالنصب بإضمار فعل، مشاكلة للسؤال، على أن يكون: (ماذا ينفقون) مركباً مفعولاً بـ (ينفقون) .
وقرأ أبو عمرو بالرفع بالابتداء مشاكلة للسؤال
على أن يكون ما مبتدأ وذا خبره.
(عفا) :
له أربعة معان: عفا عن الذنب، أي صفح عنه.
وعفا أسقط حقّه، ومنه: (إلا أن يعْفون أو يَعفو الذي بيده عقْدة النكاح) .
وعفا القوم: كثروا، ومنه: (حتى عَفَوْا) .
وعفا المنزل درس.
(عنَت) : زنا.
ومنه: (لمنْ خَشِي العنَتَ منكم) .
وأما قوله تعالى: (لأعْنتكم) ، فمعناه لضيَّق عليكم
بالمنع من مخالطتهم.
ابن عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم لأموال اليتامى.
(عَوَان) : متوسطة بين ما ذكر، ولذلك قال " ذلك "، مع
أن الإشارة إلى شيئين.
(عَهدْنا إلى إبراهيم) :
العهد له معان: بمعنى اليقين:
(وأوْفوا بعَهْدِ الله) ، ألا ترى قوله: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) .
ويقال عليَّ عهد الله، أي اليمين باللهِ.
وبمعنى الأمان، قال تعالى: (فأتِمُّوا إليهم عَهدهمْ إلى مدّتهم) .
وبمعنى الوحي: (إنّ اللَهَ عَهد إلينا) .
وبمعنى الوعد: (قل أتَّخذْتم عند الله عَهْداً) .
وبمعنى الميثاق: (لا ينال عَهْدي الظالمين) ، أي ما وعدناكَ به لا ينال الظالمين من ذريتك.
والوعد من الله ميثاق.
وبمعنى المحافظة، ومنه الحديث: حسن العَهد من الإيمان.
وبمعنى الزمان، يقال: كان ذلك على عهد النبي ﷺ ، وعلى عهد إبراهيم وموسى وعيسى.
وبمعنى الوصية كهذه الآية، وكقوله: (ولقد عَهدْنا إلى آدم من قَبْل) ، أي وصيناه ألا يأكل من الشجرة، فنَسِيَ العهد الذي عهدناه، وأكل منها، فآدئم دخل الجنَّة بعهده، وخرج.
стр. 978
وأنت يا محمديّ تدخل الجنة بعهْدِي، فلا تخرج.
والسرّ فيه أنَّ آدم لم يكن له ركوع ولا سجود، ولا جهاد ولا تضرعّ، ولكنه لم يعتقد الزلّة كما قال تعالى: (ولم نَجد له عَزْما) (١) .
وإبليس اعتقد الزلَّةَ بعد عبادته ولم يعتذر، فلم تخلّصه حسناته، كالكافر يعتقد الزلاّت الكثيرة، ولا يعتذر.
وأنت تعتذر فكيف لا أقبل عذْرك، وقد كلفتك بأوامر كثيرة، ونهيتُك
عن نواهي عديدة، وأبوك آدم لم يكن له إلا أمرٌ واحد وهو البعْدُ من الشجرة، وقد قبلت عذْرَه، فإن اعتذرتَ إليَّ ألحقتك بأبيك في السكنى معه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) .
(عابدون) : مخلصون.
وقيل أذلاّء، من قولهم: طريق معبّد، أي مذلّل قد أثّر الناس فيه.
(عزَموا الطَّلاق) ، أي طلّقوا أو آلوا، فيطَلّق عليهم الحاكم.
والضمير يعود على المؤْلِين، وطلاقهم بائنٌ عند الشافعي وأبي حنيفة.
رَجْعِيّ عند مالك.
(عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) :
في هذه
النفقة والكسوة قولان:
أحدهما: أنها أجرة رضاع الولد أوْجَبها الله للأمّ على الوالد، وهو قول
الزمخشري وابن العربي.
الثاني: أنها نفقة الزوجات على الإطلاق، وعلى ذلك حملها ابن فورك.
(عرَّضتم به منْ خِطْبَة النِّساء) :
إباحة للتعريض بخطبة المرأة المعتدَّة.
ويقتضي ذلك النهي عن التصريح.
(عَلَى الْموسعِ قدَرُه وعلى المقْتِر قدَرُه) : بإسكان الدال
وفتحها، وهما بمعنى.
وعلّق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: (حقا) .
وتعلّق مالك في الندب بقوله: (على المحسنين) ، لأن الحسن تطوّع بما لا يلزم.
стр. 979
والحاصل أنه يمتّع كلّ أحد على قدر ما عنده، والموسع: الغنيّ.
والمقتر: الضيّق الحال.
(على نساء العالمين) :
هذا التفضيلُ لمريم ما عدا خديجة وفاطمة ﵄، أو يكون على نساء زمانها.
وقيل: هذا الاصطفاء مخصوص بأنْ وُهب لها عيسى من غير أبٍ، فيكون (على نساء العالمين) عامًّا.
وقيل: إنها كانت نبيئة لتكيم الملائكة لها، قال بعض العلماء: إن عائشة أفضل من مريم، لأنَّ براءة مَريم كانت على لسان عيسى، وبراءة عائشة كانت بقول الله تعالى.
فالربّ الذي تولىّ براءتك وتطهيرك بقوله تعالى: (ولكن يريدُ ليطهِّركم) .
(التائبون العابدون الحامدون) .
وسمّاكم يا أمَّة محمد بالهداية والخير، والعدل والأمانة، أفتراه يطردهم بعد أن دعاهم إلى نفسه، وهو لا يُريد قبولهم.
وقد سمعناه يقول للتائبين: (وإني لغفّار لمَنْ تاب) إذا مشوا إليه برجْل الندامة على قدم الاعتذار، وللعابدين إذا مشوا برجل النّشاط على قدم الجهد والاجتهاد على قدم الدرجات، (ومَنْ يأته مؤمناً قد عمل الصالحات) .
وللزاهدين إذا مشوا برجل القناعة على قدم التوكّل مع مراد الله، (تلْك الدارُ الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علُوّاً في الأرْضِ ولا فَساداً) ، وللمحبين إذا مشوا برجل الرضا على قدم المودّة مع مُراد الذكر، (ألا بذكرْ الله تطْمئنُّ القلوب) ، وللمشتاقين إذا مشوا برِجْل المحبة على قدم الإنابة، مع مراد القربة: (وجوة يومئذٍ ناضرة) .
فإن قلت: ما الحكمة في تَبْرِيح العارفين؟
فالجواب لأنهم تعهدوا على الكفار بتبليغ الرسالة إليهم.
ومن كان شاهداً له يخدمه ويزكّيه ليكون شاهداً له على الحقيقة، قال تعالى: (يا أيُّها الذين آمَنُوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصادقين) .
(عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) :
أي تقرن السماوات والأرض بعضُها إلى بعض، كما تُبْسط الثياب، فذلك عرض الجنة،
стр. 980
ولا يعلم طولها إلا الله، لأنَّ الله قال لها: امتدّي فامتدت، ثم قال لها: امتدي فامتدت، ثم قال لها: امتدي فامتدت، قالت: إلى أيْنَ يا رب، قال: إلى منتهى رحمتي، فقالت: لا منتهى لرحمتك.
فقال لها: ولا منتهى لك.
وقيل: ليس العَرْض هنا خلافَ الطول، وإنما المعنى سعتها كسعة السماوات
والأرض.
فإن قلت: إذا كان عرضها هذا، فما معنى ما ورد أنها في السماء، وقيل في
الأرض، وقيل بالوَقْف حيث لا يعلمه إلا الله؟
والجواب أن الذي يجب اعتقادُه ويفهم من القرآن والحديث أنَّ الجنة في عالم
الجبروت، وأن العرش سَقْفها، كما صحّ في الحديث: "سلوا الله الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة".
والآية الكريمة: (قلنا اهْبِطُوا) ، تدلّ على أنها فوق السماوات.
وقد قدمنا أنَّ العوالم أربعة: الملك، وهو الدنيا وما فيها.
والملكوت وهو السماوات وما فيها.
والجبروت وهو اللَّوْح والكرسي والقلَم.
والجنة وفوقها العرش الذي تأوي إليه أرواحُ الشهداء.
وعالم العزّة لا يَعْلَم ما فيه إلا الله ورسوله الذي زج فيه ﷺ وشاهد فيه من العجائب ما أخبر الله به في قوله: (لقد رَأى مِنْ آياتِ رَبّه الكبْرَى) .، وخلف جبريل عند سِدْرَةِ المنتهى، وقال: يا محمد، لا
أقدر على مجاوزة هذا المكان، (وما مِنَّا إلا له مَقام معلوم) .
وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان، من طريق عبيد، عن مجاهد، عن ابن
عمر - مرفوعاً: "أن جهنم محيطةٌ بالدنيا، وأن الجنة من ورائها، فلذلك كان الصراط على جهنم طريقاً إلى الجنة".
فإن قلت: يفهم من هذا الحديث أنَّ جهنم تحت الأرض؟
والجواب أنا نقول فيها بالوقف، إذ لا يعلم محلَّها إلا الله، ولم يثبت عندي
حديثٌ أعْتَمده في ذلك غير ما رواه ابن عبد البر وضعّفه، عن عبد اللَه بن عمر - مرفوعاً: "لا يركب البحر إلاَّ غازٍ أو حَاجّ أو معتمر، فإنَّ تحت البحر ناراً".
стр. 981
وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن وهب بن منبه: "إذا قامت القيامةُ أمر بالمغلق
فيكشف عن سقَر وهو غطاؤها، فيخرج منه نار، فإذا وصلت إلى البحر المطبق على شَفِير جهنّم - وهو بحر البحور - نشفته أسرعَ من طرفة عَين، وهو حاجز بين جهنم والأرضين، فإذا نشفت الأرضين السبع فتدعها جمرة واحدة.
وقيل هي في وجه الأرض، لما رُوِي عن وَهْب أيضاً قال: أشرف ذو القرنين
على جبل قاف، فرأى تحته جبلا صغيرا إلى أنْ قال: يا قاف، أخبرني عن عظمة الله، فقال: إن شأنَ ربنا لعظيم، وإن ورائي أرضاً مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج، يحطّم بعضها بعضاً، ولولا هي لاحترقت من حرّ نار جهنم.
وروى الحارث بن أبي أسامة في مسنده، عن عبد الله بن سلام، قال: الجنة في السماء، والنار في الأرض.
وروى أن اليهود قالوا لعمر: (جنة عَرْضُها السماوات والأرض) ، فأين النار؟
قال عمر: أفرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل، فقالوا: إنها لمثلها في التوراة.
قالوا: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض.
فإن قلت: قد صحّ أنها لا منتَهى لها، وأن العرش سقفها، والعرش له حدّ
ومقدار، فما معناه.
والجواب أنَّ العرش لها كالخيمة، فلا يلزم أن يكون العرش محتوياً على
جميعها، وهذا مشاهد.
وقد صح أنها تَبْقَى بلا ساكن حتى يخلق الله لها مَن يسكنها.
فتفكرْ أيّها العبد عَبْد مَنْ أنت، ومَنْ أنْتَ حتى أهَّلكَ لخدمته وعرَّفك به
حتى طلبته، وما قيمة أعمالك في جَنْب مَنْ عبده، فاحمد الله على أن أهَّلك
لخطابه، وجعلك من أحبابه، وإياك ومعصيته، فإنها تورثك بُعْده.
أما علمت أنّه على قَدْر معرفتك به هنا تكون رؤيتك له هناك، وبمعرفتك له يتولّد منه
стр. 982
التعبُ، لكنها توصلك إلى رؤيته التي يزول عنك بها النَّصَب والكَرْب، ولما علم سبحانه أنَّ الدنيا دار مِحَن ومعايش، جعل لهم هذه المعرفة التي يتوصَّلُون بها إلى رؤية ذاته، وعلى قَدْر طول الغربة يكون سرور الأوْبة، ولو رأيناه بغير تعب لما وجدنا لها لذّةً، ألا ترى آدَم لم يعرف قدرها حتى خرج منها، والمسوقُ بالتعب ألذّ من المسوق بلا تعب، فالمعرفة ميدان الخدمة، والرؤية ميدان الراحة، والمعرفة تكون مع بُعْد عن المراد، والرؤية مع قرب النفس إلى المراد، والمعرفة مع الخوف والخطر، والرؤية مع الرضا والكرامة.
والمعرفةُ أول الكرامة، والرؤية تتمتها، والمعرفة في جوار الشيطان، والرؤية في جوار الرحمن، والمعرفة البراءة عن الخلق، والرؤية الوصول إلى الحق.
والمعرفة للواصفين، والرؤية للواصلين.
والمعرفة في الجنس، والرؤية في الأنس.
وأهل المعرفة يشتاقون إلى موضع الواصلين، والواصلون لا يشتاقون إلى موضع العارفين، فكلُّ من رأى فقد عرف، وليس من عرف قد رأى.
فإن قلت: لم خصّت هذه الآية بما تمهَّد فيها من قصد المبالغة والتعظيم من
قوله: (سارِعوا إلى مغفرة) ، دون آية الحديد؟
والجواب لبنائها على الحضّ على الجهاد وعظيم فَضْلِه، وذكر قصة بَدْر واحُد من لدن قوله: (وإذْ غَدَوْتَ من أهلك تبَوِّئُ المؤمنين) .
إلى ما بعد الآية المتكلم فيها، ولما لم يكن في آية الحديد شيء من ذلك
ناسب كلاما ورد فيها. واللَه أعلم.
(عَزَمْتَ) ، أي صححت رأيك فيما مضى من الأمر.
والمخاطب بذلك نبينا ومولانا محمد ﷺ .
(عَاشِرُوهُنَّ) ، أي صاحبوهن بالمعروف، وأمر الله في هذه
الآية الرجالَ بالصفح عنهن وممازحتهنّ وخدمتهن بما أمكن، وله عليها أعظم
من ذلك، لقول الله العظيم: (ولِلرِّجَالِ عليهنَّ دَرَجةٌ والله عَزِيرٌ حكيم)
стр. 983
(عَضل) المرأة، أي منعها من الزواج، ومنه: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) .
(وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) .
قال ابن عباس: هي في أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من
التزوّج بعده، إلا أنَّ قوله: (مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) على هذا معناها ما آتاها الرجلُ الذي مات.
وقال ابن عباس أيضاً: هي في الأزواج الذين يمسكون المرأة َ ويسيئون
عِشْرَتها حتى تفْتدي بصداقها، وهو ظاهر اللفظ في قوله: (مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) .
ويقَوِّيه قوله: (وعَاشِرُوهنَّ بالمعروف) ، فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج، وقد يكون في غيرهم، وقيل هي للأولياء.
(عَاقر) :
له معنيان: المرأة العقيم.
واسم فاعل من عقر الحيوان.
(عَزّرْتموهم) :
نصرتموهم، وأعنتموهم.
(عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) :
اعتداء، استدل المالكية بهذا على سدِّ الذرائع، يعني لا تسبّوا آلهتهم، فيكون ذلك سبباً لأن يسبّوا الله.
(عند الله) : يعني الآيات بيد الله لا بيدي.
(عَتَوْا) : تكبّروا وتجبّروا، وهم الذين لا يقبلون الموعظة.
(عَدَل) يعدل عدلاً: ضد جار، وعدل عن الحق عدولاً، وعدلت فلانا
بفلان سوَّيْت بينهما، ومنه: (ثم الذين كفَروا بربهم يَعْدِلُون) .
ودخَلَتْ (ثم) لتدلَّ على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق
السماوات والأرض والظلمات والنور.
وكذلك قوله: (ثم أنْتم تَمْتَرون) ، استبعاد لأن يمتروا فيه بعد وضوح آياته، وبعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، وفي ضمن ذلك تعجيب من فِعْلهم، وتوبيخ لهم.
(والذين كفروا) هنا عامّ في كل مشرك، وقد يختصّ بالمجوس بدليل ذِكْر الظلمات والنور، أو بعَبَدة الأصنام، لأنهم المجاورون للنبي ﷺ ، وعليهم يقع الرد في أكثر القرآن.
стр. 984
(عَرَض الدُّنيا) .: عتاب لمن رغب في فداء الأسارى، فإذا
عاقب أحبَّ خَلْقِه على هذا الشيء التافه فما بالك بمن هو منغمس في الحرام، مرتكب للآثام، قد غلب عليه سكر الدام، لا يرْعَوِي عن قبيح، ولا يَزْدَجر عن لوم.
هذا وقد أحل الله لهم الأكل من الغنائم مع احتياجهم إليها.
(عَيْلة) : فَقْرًا، وذلك أن المشركين كانوا يجلبون الأطعمة
إلى مكة، فخاف بعضهم قلَّةَ القوت بها إذا منع المشركون منها، فوعدهم الله بأن يغنيهم من فَضْله، فأسلمت العربُ كلها، وتمادى جلْبُ الطعام إلى مكة، ثم فتح المسلمون سائرَ الأمصار.
(عَنْ يَدٍ) : عن قهر وذل فيدفعها بيده لا يبعثها مع أحد، ولا يمطل بها، كقولك: يدًا بيد.
وقيل عن استسلام وانقياد، كقولك: ألْقى فلان يَدَه.
وقيل عن إنعام منكم عليهم بذلك، لأنَّ أخْذ الجزية منهم وتَرْك أنفسهم عليهم مِن بَذْل المعروف.
(عزيز) : اسم الله تعالى: معناه الغالب، ومنه: (عزَّني في الخطاب) ، أي غلبني.
والغلبة ترجع إلى القدرة والقوة، ومنه: (فعزَّزْنا بثالثٍ) ، أي قوّينا.
وقيل العزيز العديم المثل.
وأما قوله تعالى: (عزيز عليه مَا عنِتُّم) .
فعزيز صفةٌ للرسول، وما عنتّم فاعل بعزيز، وما مصدرية.
أو (ما عنتّم) مبتدأ و (عزيز) خبر مقدّم.
والجملة في موضع الصفة.
والمعنى أنه يشقّ عليه ﷺ عَنتكم وما يضركم في دينكم ودنياكم، يقال عزة يَعزه عزا إذا غلبه.
ومنه قولهم: منْ عزَّ بزَّ، أي من غلب سلب.
(عَدْن) : هي أعظم مدن الجنة.
وقيل هو اسم علم على الإقامة.
(عاصم) : مانع، ومنه قوله تعالى: (لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ الله إلاَّ مَنْ رَحِم) .
وتحتمل الآية أربعة أوجه:
стр. 985
أحدها: أن يكون (عاصم) اسم فاعل، و (مَنْ رحم) كذلك بمعنى الراحم.
فالمعنى لا عاصم إلا الراحم، وهو الله تعالى.
والثاني: أن يكون (عاصم) بمعنى العصمة، أي معصوم، و (مَنْ رحم) بمعنى
مفعول، أَي منْ ﵀.
فالمعنى لا معصوم إلا مَنْ ﵀، فالاستثناء على هذين الوجهين متصل.
والثالث: أنْ يكون (عاصم) فاعل، و (مَنْ رحم) بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن مَنْ ﵀ فهو المعصوم.
والراجى: عكسه، والاستثناء على هذين منقطع.
(عذابٌ يُخْزِيه) :
هو الغرق، والعذاب المقيم عذاب النار.
(عَمَلٌ غَيْر صالح) :
فيه ثلاثة تأويلات على قراءة الجمهور:
أحدها: أنْ يكونَ الضمير في (إنّه) سؤال نوح نجاة ابنه.
والثْاني: أن يكون الضمير لابْنِ نوح، وحذِفَ مضاف من الكلام، تقديره:
إنه ذو عمل غير صالح.
والثالث: أن يكون الضمير لابن نوح، وما مصدر وُصف به مبالغة.
كقولك: رجل صوم.
وقرأ الكسائي عمل - بفعل ماض، غَيْرَ صالح - بالنصب.
والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال، لأن الله تعالى لما أراد أن يعذبه قطع
نسبَه عنه، ووصفه بعدم الصلاحية.
وأنتَ يا محمديّ أضافك إلى نفسه، بقوله: يا عبادي، وإلهكم، أفَتراه يعذِّبك بعد هذه الإضافة.
ولذلك قيل الإشارات ستة: إشارة إلى المتقين بقوله: (وسارِعوا إلى مَغْفِرةٍ
مِنْ رَبِّكم) .
وإشارة العابدين: (فاسْعَوْا إلى ذكر الله) .
وإشارة العاصِين: (يا عبادِي الذين أسرفوا على أنفسهم) .
وإشارة الهاربين إلى حِصْنه: (فَفِرُّوا إلى الله) .