← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14211

الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذه الرسالة التي بين أيدينا من مؤلفات الإمام العلامة ابن قيم الجوزية ﵀، وقد كتبها في المحرم سنة ٧٣٣ بتبوك، وأرسلها إلى أصحابه في بلاد الشام، فسمِّيت بـ"الرسالة التبوكية". فسَّر فيها المؤلف قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وذكر أن من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على سفر الهجرة إلى الله ورسوله باليد واللسان والقلب، مساعدة ونصيحة وتعليمًا وإرشادًا. وبيَّن أن زاد هذا السفر العلم الموروث عن النبي ﷺ ، وطريقه بذل الجهد واستفراغ الوسع، ومَركبه صِدقُ اللجأ إلى الله والانقطاع إليه بالكلية وتحقيق الافتقار إليه من كل وجه. ورأس مال الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر والتدبّر في آيات القرآن، بحيث يستولي على الفكر ويشغل القلب، وتصير معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه. ثم استطرد إلى بيان كيفية تدبر القرآن وتفهُّمه والإشراف على عجائبه وكنوزه، ففسَّر الآيات ٢٤ - ٣٠ من سورة الذاريات، واستنبط أسرارها وأثار كنوزها وأفاض في بيانها، ليُجعَل ذلك نموذجًا يُحتذَى في تدبر القرآن.

стр. 2

ثم ذكر المؤلف أن من أراد هذا السفر فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، فإنه يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده، وليحذر من مرافقة الأحياء الذين هم في الناس أموات، فإنهم يقطعون عليه طريقه. وعليه أن يكون واقفًا عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، متدبرًا لما تضمنه من حسن المعاشرة مع الخلق، وأداء حق الله فيهم، والسلامة من شرهم. وفي أثناء الرسالة تحقيقات منثورة في الكلام على الآيات والأحاديث، وبيان حقيقة هذه الهجرة ومقتضياتها وآثارها وانقسام الناس إزاءها، تُشوِّق القارئ إلى الاستفادة منها، وسلوكِ الطريق القويم في سفره إلى الله، الذي هو غاية كل عبد منيب. * طبعات هذه الرسالة: نظرًا إلى أهمية هذه الرسالة وما تضمنته من معان جليلة طُبعت عدة مراتٍ بعناوينَ مختلفة، أولاها بعنوان "الرسالة التبوكية" بمراجعة واهتمام الشيخ عبد الظاهر أبي السمح إمام وخطيب الحرم المكي الشريف، بالمطبعة السلفية بمكة المكرمة سنة ١٣٤٧. وطبعت أيضًا بعنوان: "زاد المهاجر إلى ربّه" وبعنوان: "تحفة الأحباب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ "، وتوالت طبعاتها بالاعتماد على الطبعة الأولى دون الرجوع إلى أصولها الخطية، وكثر فيها التصحيف والتحريف والسقط، حتى أصبح النصُّ غامضًا

стр. 3

في مواضع كثيرة يَقِف القارئ فيها حيران لا يهتدي إلى الصواب. وقد صدرت أخيرا طبعة جديدة لها بتحقيق الشيخ سليم الهلالي عن مكتبة الخراز في جدة ودار ابن حزم في بيروت سنة ١٤١٩، اعتمد في إخراجها على نسخة برلين (الآتي وصفُها) والطبعة الأولى التي سبق ذكرها، واستدرك في هذه الطبعة الفصل الأخير الذي خلت منه الطبعات السابقة، واستفاد بعض التصحيحات من المخطوطة التي رجع إليها، ولكنه جريا على عادة كثير من المشتغلين بكتب التراث وجَّه جُلَّ اهتمامه إلى تخريج الأحاديث والآثار وترجمة الأعلام. ونَقْل كلام المؤلف من كتبه الأخرى في صفحات، حتى خرج الكتاب مع ترجمة المؤلف والتعليقات والفهارس في أكثر من ثلاثمائة صفحة، وهو في المخطوطة المشار إليها ١٣ ورقة فقط. أما النص فلم يتمكن من تحريره وضبطه على وجه الصواب في مواضع كثيرة، ويكفي القارئ أن يقارن بين طبعته وهذه الطبعة في الفصل الأخير وفي بقية الفصول، ليدرك الفرق بين الطبعتين. فإني لا أحب الخوض في ذكر الأخطاء والتحريفات وسرد النماذج منها. * الأصول المعتمدة في هذه الطبعة: توجد من هذه الرسالة عشر نسخ خطية على ما أعلم، وقد تمكنتُ من الحصول على ستّ منها، وفيما يلي وصفها: ١) نسخة مكتبة الدولة في برلين برقم [٢٠٨٩] (الورقة ١٠٠ ب- ١١٣ أ)، كتبت بخط نسخي، وليس عليها تاريخ النسخ واسم الناسخ،

стр. 4

ولعلها من مخطوطات القرن الحادي عشر. وهي نسخة تامة مقابلة على الأصل المنسوخ عنه، والخطأ فيها قليل، والسقط نادر. ٢) نسخة جامعة أم القرى بمكة المكرمة برقم [١٤٨٩/ ٢] (الورقة ١٥ ب -٣٧ أ)، كتبت سنة ١٢٦٩، وهي بخط نسخي جيد، ولكنها كثيرة الأخطاء والتحريفات، وينقصها الفصل الأخير. ٣) نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية [رقم ٢٢ مجموعة الدلم] في عشرين ورقة، كتبت سنة ١٢٨٤، بخط نسخي، وهي توافق النسخة السابقة في التحريف والسقط، وينقصها أيضًا الفصل الأخير. ٤) نسخة المكتبة السعودية بالرياض برقم [٤٥/ ٨٦]، في ٢٢ ورقة، كتبت في القرن الثالث عشر تقديرا، وفي آخرها: "بلغ مقابلةً وتصحيحًا بحسب الطاقة والإمكان على أصلٍ ليس بالقوي". وهي مثل النسختين السابقتين. ٥) نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية برقم [٣١٤٧٤٩] من مجموعة شقراء، في ١٦ ورقة، كتبت في شعبان سنة ١٣٥٦، وناسخها محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الله، وقد نسخها عن نسخة كتبت سنة ١٣١٦. وعنوان هذه النسخة: "رحلة ابن القيم إلى تبوك"، وهي مثل النسخ الثلاث السابقة. ٦) نسخة خطية في مكتبة خاصة، في ٢٤ ورقة، بخط الشيخ إبراهيم بن محمد بن ضويان (صاحب "منار السبيل")، كتبها سنة ١٢٩٤، وقد بعثها إلينا الشيخ سليمان العمير عند إعداد الطبعة

стр. 5

الثانية، فجزاه الله خيرًا. وهذه النسخة توافق الطبعة السلفية غالبًا، ولكنها كثيرة السقط في مواضع عديدة يبلغ مجموعها ثلث الرسالة. وقد استفدت منها في بعض المواضع عند إعداد الطبعة الثانية. وبعد دراسة هذه النسخ ظهر لي أن نسخة برلين أصحّ النسخ وأكملها، والنسخ الأربع المذكورة ترجع إلى أصل واحد، فهي تتفق في التحريف والسقط والاضطراب في أكثر المواضع. * منهج التحقيق: اتخذتُ نسخة برلين أصلا لكونها أقدم النسخ وأصحّها، وهي تنفرد بزيادة الفصل الأخير الذي لم يرد في غيرها، وقابلتها بالنسخ الأخرى، ولم أعدل عن الأصل إلا إذا كان ما فيه خطأ ظاهرا أو قراءة مرجوحةً، واستدركت السقط بوضعِه بين معكوفتين. وقد كنت أحصيتُ جميع الفروق والتحريفات في بداية الأمر، ثم صرفت النظر عنها، فإن أكثرها تحريفات واضحة من النسّاخ، ولذا اكتفيتُ بالإشارة إلى الفروق التي لها وجه في العبارة، وأشرت إلى السقط في الأصل وبقية النسخ ليكون القارئ على بينة. وقد رمزت لنسخة برلين بالأصل، ولنسخة أم القرى بـ (ق)، ولنسخة الدلم بـ (د)، ولنسخة المكتبة السعودية بالرياض بـ (ر)، ولنسخة شقراء بـ (ش). وراجعت أيضًا الطبعة الأولى، فوجدتها كثيرة التحريف

стр. 6

والسقط بعد مقابلتها على النسخ الخطية، ولكنها تختلف عنها في مواضع كثيرة، وفيها بعض الزيادات المهمة على الأصل، واختصارٌ في العبارة وخاصة في الآيات. وقد أشرتُ إليها بـ (ط). ولعل الأصل الذي طبعت عنها هذه الطبعة نسخة دار الكتب المصرية [١٣ م مجاميع] (الورقة ١٣٩ - ١٤٨) كما ورد ذكرها في فهرس الخديوية (٧/ ٥١٩) والفهرس الثاني لدار الكتب (١/ ٣١١). وقد حاولتُ الحصول على هذه النسخة مرارا، فلم أفلح، وقيل لي: إنها لا توجد الآن. بعد مقابلة الأصل بالمخطوطات والمطبوعة حرَّرتُ النصَّ، وقمتُ بضبطه عند الضرورة، ثم علَّقتُ عليه بما يُوثِّقه ويزيل الإشكالَ عنه، ولم أُطِل في هذه التعليقات، فالموضوع في غنى عنها، والقارئ الذي يقرأ النصّ ويفهمه بسهولة ليس بحاجة إلى الشرح. وفي الختام أحمد الله على توفيقه، وأسأله الهدى والسَّداد، إنه نعم المولى ونعم النصير. كتبه محمد عزير شمس

стр. 7

نماذج من النسخ الخطية

стр. 8

أول نسخة (الأصل)

стр. 9

آخر نسخة (الأصل)

стр. 10

أول نسخة (ق)

стр. 11

آخر نسخة (ق)

стр. 12

أول نسخة (د)

стр. 13

آخر نسخة (د)

стр. 14

أول نسخة (ر)

стр. 15

آخر نسخة (ر)

стр. 16

أول نسخة (ش)

стр. 17

أول (نسخة ابن ضويان) آخر (نسخة ابن ضويان)

стр. 18

صفحة العنوان من الطبعة الأولى

стр. 19

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وبه نستعين وعليه نتوكل] (١) قال الشيخ [الإمام العالم العلامة محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيِّم الجوزية] (٢) ﵁ وأرضاه- في كتابه الذي سَيَّرهُ من تبوكَ (٣) ثامن المحرَّمِ سنةَ ثلاث وثلاثينَ وسبع مئة من الهجرة النبوية، بعد إرسالِ المنظومةِ التي أولها (٤): إذا طَلَعَتْ شمسُ النهارِ فإنَّها … . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 20

فصل (١) وبعدَ حمدِ اللهِ (٢) بمَحَامِدِه التي هو لها أهلٌ (٣)، والصلاةِ والسلام (٤) على خاتَم أنبيائِه ورُسله (٥) محمد ﷺ ، فإن الله سُبحانَه يقول في كتابه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ (٦). وقد اشتملتْ هذه الآيةُ على جميعِ مَصالح العبادِ في معاشِهم ومعادِهم، فيما بينَهم في (٧) بعضِهم بعضًا، وفيما بينَهم وبينَ ربهم، فإن كلَّ عبد لا يَنْفَكُّ من (٨) هاتينِ الحالتينِ وهذينِ الواجبينِ: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخَلْقِ. فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرةِ والمعاونةِ والصُّحبةِ، فالواجبُ عليه فيها أن يكون اجتماعُه بهم وصحبتُه لهم تعاونًا على مَرْضاةِ اللهِ وطاعتِه، التي هي غايةُ سعادةِ العبد وفلاحِه، ولا سعادةَ له (٩) إلا بها، وهي

стр. 21

"البِرُّ والتقوى" اللذانِ (١) هما جماع الدين (٢) كله، وإذا أُفرِدَ كلُّ واحد من الاسمينِ دخلَ فيه المسمَّى الآخر (٣)، إما تضمنا وإمّا لزومًا، ودخولُه فيه تضمنا أظهرُ؛ لأن البرَّ جزءُ مسمَّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه (٤) جزءُ مسمَّى البر، وكونُ أحدِهما لا يَدخل في الآخر عند الاقتران لا يَدل على أنه لا يَدخلُ فيه عند الانفراد (٥). ونظيرُ هذا لفظ "الإيمان والإسلام"، "والإيمان والعمل الصالح"، و"الفقير والمسكين"، و"الفسوق والعصيان"، و"المنكر والفاحشة" (٦)، ونظائرُهُ كثيرة. وهذه قاعدة جليلة، مَن أحاطَ بها زالَ (٧) عنه إشكالات كثيرةٌ أَشْكَلَتْ (٨) على طوائفَ كثيرة من الناس. ولنذكرْ من هذا مثالا واحدا يُسْتَدَلُّ به على غيره، وهو "البرُّ والتقوى". فإن حقيقة البرِّ هو الكمالُ المطلوب (٩) من الشيء، والمنافع التي فيه والخيرُ، كما يَدلُّ عليه اشتقاق هذه اللفظةِ وتصاريفُها في الكلام.

стр. 22

ومنه "البُرُّ" بالضم؛ لكثرة منافعِه (١) وخيرِه بالإضافةِ إلى سائرِ الحُبوب. ومنه رجلٌ بارٌ، وبَرٌّ، وكِرَامٌ بَرَرةٌ، والأبرار (٢). فالبرُّ كلمةٌ لجميع أنواعِ الخير والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابلتِه "الإثْم". وفي حديث النَّواس بن سَمْعَان ﵁ أن النبي ﷺ قال [له] (٣): "جئْتَ تَسأل عن البرِّ والإثم" (٤)؛ فالإثم كلمةٌ جامعةٌ للشرِّ (٥) والعيوبَ التي يُذَمُّ العبدُ عليها (٦). فيدخل في مسمى البرِّ الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة، ولا ريبَ أن التّقوى جزءُ هذا المعنى، وأكثر ما يُعبرُ بالبِرِّ عن (٧) بِرِّ القلب، وهو وجود طَعْمِ الإيمان [فيه] (٨) وحَلاوته، وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامتِه وانشراحِه وقوته وفَرحِه بالإيمان، فإن للإيمان

стр. 23

فرحةً وحلاوةً ولَذَاذَةً (١) في القلب، فمن لم يَجِدْها فهو فاقدٌ للإيمان (٢) أو ناقصُه، وهو من القسم الذين (٣) قال الله فيهم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤). فهؤلاء -على أصح القولين- مسلمون غير منافقين، وليسوا بمؤمنين (٥)، إذ لم يدخل الإيمان في قلوبهم؛ فيباشرها حقيقته (٦). وقد جمعَ [الله] (٧) تعالى خصالَ البرِّ في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (٨). فأخبر سبحانه أن البرَّ هو الإيمان به (٩)، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهذه هي أصول الإيمان الخمس (١٠) التي لا قِوامَ للإيمان إلا بها.

стр. 24

وأنه (١) الشرائع الظاهرة: من إقَامِ (٢) الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنفقات الواجبة. وأنه (٣) الأعمال القلبية (٤) التي هي حقائقُه (٥)؛ من الصبر والوفاء بالعهد. فتناولَتْ هذه الخصال جميعَ أقسام الدين: حقائقه وشرائعه، والأعمال المتعلقة بالجوارح وبالقلب (٦)، وأصول الإيمان الخمس. ئم أخبر سبحانه أن هذه (٧) خصالُ التقوى بعينها، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾. وأما التقوى فحقيقتها العملُ بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا (٨) فيفعل ما أمره الله به إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بموعدِه (٩)، ويتركُ ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي، وخوفًا من وعيدِه. كما قال طَلْقُ بن حَبِيب: "إذا وقعتِ الفتنةُ فادفعوها (١٠) بالتقوى"،

стр. 25

قالوا: وما التقوى؟ قال: "أن تعملَ بطاعةِ الله على نور من الله، ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصية اللهِ على نور من الله، تخاف عقاب (١) الله". (٢) وهذه (٣) من أحسنِ ما قيل في حَدِّ التقوى (٤)، فإن كلَّ عمل لابدَّ له من مبدأ وغاية، فلا يكون العملُ طاعةً وقُرْبةً حتى يكون مصدرُه عن الإيمان، فيكون الباعثُ عليه هو الإيمان المحض، لا العادةُ ولا الهوى ولا طلبُ المَحْمَدَةِ والجاهِ وغير ذلك، بل لابدَّ أن يكون مبدؤه محض الإيمان، وغايته ثوابَ الله تعالى، وابتغاءَ مرضاتِه، وهو الاحتساب. و [لهذا] (٥) كثيرا ما يُقْرَنُ بين هذين الأصلين في مثل قول النبي ﷺ : "مَن صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا" و"من قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا" (٦)، ونظائره.

стр. 26

فقوله: "على نورِ من الله" إشارة إلى الأصل الأول، وهو الإيمان الذي هو مصدرُ العملِ، والسببُ الباعث عليه. وقوله: "ترجو ثوابَ الله" إشارة إلى الأصل الثاني، وهو الاحتساب، وهو الغاية التي لأجلها يوقع (١) العملُ، ولها يُقْصَدُ به. ولا ريبَ أن هذا جامعٌ (٢) لجميع أصول الإيمان وفروعه، وأن البرَّ داخل فى هذا المسمى. وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فالفرقُ بينهما فرق بين السَّبَب المقصودِ لغيره والغايةِ المقصودةِ لنفسِها؛ فإن البرَّ مطلوب لذاتِه، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاحَ له بدونه، كما تقدَّم. وأما التقوى فهي الطريق الموصِلةُ (٣) إلى البرِّ، والوسيلةُ إليه، ولفظُها يدلُّ على هذا؛ فإنها فَعْلى من وَقَى يَقِيْ، وكان أصلُها وَقوَى، فقَلَبوا الواو تاء، كما قالوا: تُرَاث من الوراثة، وتُجَاه من الوجه، وتُخَمَة من الوخم (٤)، ونظائرهُ (٥)، فلفظُها دالٌ على أنها من الوقاية، فإن المُتَّقِيَ قد جعلَ (٦) بينه وبين النار وِقاية، فالوقايةُ من

стр. 27

باب دفع الضرر، والبرُّ من باب تحصيلِ النفع (١)، فالتقوى كالحِمْيَةِ (٢)، والبرُّ كالعافية والصحة. وهذا بابٌ شريفٌ يُنتَفَعُ به انتفاعٌ عظيمٌ (٣) في فهم ألفاظ القرآن ودلالتِه، ومعرفةِ حدودِ ما أنزل الله على رسوله؛ فإنه هو العلم النافع، وقد ذمَّ سبحانَه (٤) في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزله (٥) على رسوله. فإن عدمَ العلمِ بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين: إحداهما (٦): أن يدخل في مسمَّى اللفظ ما ليس منه؛ فيُحكَم له بحكم المراد من اللفظ؛ فيُسَوَّى (٧) بين ما فرقَ الله بينهما. والثانية: أن يخرج من مُسَمَّاه (٨) بعضُ أفرادِه الداخلةِ تحتَه؛ فيُسْلَب عنه حكمُه؛ فيفرَّق بين ما جمعَ الله بينهما. والذّكيُّ الفَطِنُ يَتَفَطَّن لأفراد هذه القاعدةِ وأمثلتِها (٩)، فيَرى أن

стр. 28

كثيرًا من الاختلاف أو أكثرهُ إنما نَشَأَ عن (١) هذا الموضع، وتفصيلُ هذا لا يَفِيْ به كتابٌ ضخم. ومن هذا لفظُ "الخمر"؛ فإنه اسم شامل لكل مُسكِر، فلا يجوز إخراجُ بعض المسكراتِ منه، ويُنفَى عنها (٢) حكمه. وكذلك لفظُ "الميسر"، وإخراج بعض أنواع القِمارِ منه. وكذلك لفظُ "النكاح"، وإدخال ما ليس بنكاح في مسمَّاه. وكذلك لفظ "الربا"، وإخراج بعض أنواعه منه، وإدخال ما ليس برِبًا فيه. وكذلك لفظُ "الظلم والعدل"، و"المعروف والمنكر"، ونظائره أكثر من أن تُحصى (٣). والمقصودُ أن المقصودَ من اجتماع الناس وتعاشُرِهم التعاونُ على البر والتقوى؛ فيُعِيْن كلّ واحد صاحبَه على ذلك علما وعملا. فإنَّ العبدَ وحدَه لا يَستقلّ بعلمِ ذلك ولا بالقدْرَةِ عليه، فاقتضتْ حكمةُ الربِّ سبحانَه أن جعل النوعَ الإنساني قائمًا بعضه ببعضٍ (٤)،

стр. 29

معينًا بعضه لبعض. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. والإثم والعدوان في جانب النهي نظيرُ البرِّ (١) والتّقوى في جانب الأمر. والفرق ما بين الإثم والعدوان فوق ما بين محَرَّمِ الجِنْس ومُحَرَّم القَدْر (٢). فالإثم: ما كان حرامًا لجنسه. والعدوان: ما حُرِّمَ الزيادة (٣) في قَدْره، وتعدِّي ما أباحَ الله منه. فالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ونحوها إثم. ونكاح الخامسة، واستيفاءُ المجْنيِّ عليه أكثرَ من حقه، ونحوه عُدْوان. فالعدوان هو تَعَدِّي حدود الله (٤) التي قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾. (٥) وقال في موضع آخر: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٦). فنهى عن تعدّيها في آية، وعن قُرْبانها في آية. وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلةُ

стр. 30

بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارةً تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلةً فيه فيكون لها حكم مقابلِه (١). فبالاعتبار الأول نَهَى عن تعدِّيها، وبالاعتبار الثاني نَهَى (٢) عن قربانها. فصل فهذا حكمُ العبدِ فيما بينه وبين الناس، وهو أن تكون مخالطته لهم تعاونًا على البر والتَّقوى، علمًا وعملًا. وأما حالُه فيما بينَه وبينَ الله تعالى: فهو إيثارُ طاعتِه، وتجنُّب معصيتِه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. فأرشدت الآيةُ إلى ذكرِ واجبِ العبدِ بينَه وبينَ الخلق، وواجبِهِ (٣) بينَه وبينَ الحقّ. ولا يتمُّ الواجب الأول (٤) إلا بعَزلِ نفسِه من الوسطِ، والقيامِ بذلك لمحض النصيحة والإحسانِ ورعايةِ الأمر. ولا يَتِمُّ له أداء الواجب الثاني إلا بعَزْلِ الخلقِ من البَيْنِ، والقيامِ به لله (٥) إخلاصًا ومحبةً وعُبودية.

стр. 31

فينبغي التّفطُّنُ لهذه الدَّقيقة التي كلُّ خللٍ يدخلُ على العبد في أداء هذين الواجبين (١) إنما هو من عدمِ مراعاتِها علمًا وعملًا. وهذا هو (٢) معنى قول الشيخ عبد القادر قدَّسَ الله روحَه: "كنْ مع الحقّ بلا خَلْق، ومع الخلق بلا نَفْس، ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط، ولم يزل أمره فُرطًا" (٣). والمقصود بهذه المقدمة ذِكرُ (٤) ما بعدها. فصل لما فَصَلَتْ عِيْرُ السَّيْر (٥)، واستوطنَ المسافر دارَ الغُربةِ، وحِيْلَ بينه وبينَ مَأْلوفاته وعوائدِه المتعلقة بالوطنِ ولوازمِه، أحدثَ له ذلك نظرًا آخر (٦)؛ فأجالَ فِكْرَه في أهمِّ ما يَقطَعُ به منازلَ سفرِه (٧) إلى الله ويُنفِقُ فيه بقيةَ عمره، فأرشدَه مَن بيدِه الرشد إلى أن أهمَّ شيء يَقصِده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرضُ عينٍ (٨)

стр. 32

على كلِّ أحد في كلِّ وقت، وأنه لا انفكاكَ لأحد من وجوبها، وهي مطلوبُ الله ومراده من العباد، إذ الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المرادُ الكلامَ فيها. والهجرة الثانية هجرةٌ (١) بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة (٢) هنا. وهذه الهجرةُ هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسدِ تابعةٌ لها، وهي هجرة تتضمنُ "من" و"إلى": فيهاجرُ بقلبه من محبة غير الله إلى محبته. ومن عبوديةِ غيره إلى عبوديته. ومن خوفِ غيرِه ورجائِه والتوكلِ عليه إلى خوفِ الله ورجائِه والتوكلِ عليه. ومن دعاء غيرِه وسؤالِه والخضوع له والذُّلِّ له (٣) والاستكانةِ له إلى دُعاءِ ربِّه (٤) وسؤالِه والخضوعِ له والذلِّ والاستكانةِ له (٥). وهذا هو (٦) بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٧). فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.

стр. 33

وتحت "من" و"إلى" في هذا سرٌّ عظيم من أسرار التوحيد؛ فإنّ الفرارَ إليه سبحانَه يتضمنُ إفرادَه بالطلبِ والعبوديةِ، ولوازمها من المحبة والخشية والإنابة والتوكل وسائر منازل العبودية، فهو متضمن لتوحيد الإلهية (١) التي اتفقتْ عليها (٢) دعوةُ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين] (٣). وأما (٤) الفرار منه إليه؛ فهو متضمنٌ لتوحيدِ الربوبية وإثباتِ القَدَر، وأن كلَّ ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفرّ منه العبد، فإنما أوجبتْه مشيئةُ الله وحدَه؛ فإنه ما شاء (٥) اللهُ كان ووجبَ وجودُه بمشيئته، وما لم يَشَأْ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته، فإذا فرَّ العبدُ إلى الله فإنما يَفِرُّ من شيء [إلى شيء] (٦) وُجِدَ بمشيئة الله وقَدَره؛ فهو في الحقيقة فارٌّ من الله إليه. ومن تصوَّرَ هذا حقَّ تَصَوُّرِه فَهِمَ معنى قوله ﷺ : "وأعوذُ بك منكَ" (٧) وقوله: "لا مَلْجَأَ ولا منجَى منك إلا إليك" (٨). فإنه ليس

стр. 34

في الوجود شيءٌ يُفرُّ منه ويُستَعاذ منه ويُلْجَأ (١) منه إلا وهو من الله خلقًا وإبداعًا. فالفارُّ والمستعيذ فارٌّ مما أوجبه (٢) قَدرُ الله ومشيئتُه وخَلْقُه، إلى ما تقتضيه رحمته وبرُّه ولُطْفُه وإحسانه؛ ففي الحقيقة هو هارب من الله (٣) إليه، ومستعيذ بالله منه. وتصوُّر هذين الأمرين يُوجِب للعبد انقطاعَ عَلَقِ (٤) قَلْبِه من غير الله (٥) بالكلِّية خوفا ورجاء ومحبة؛ فإنه إذا عَلِمَ أنَ الذي يفرُّ [منه] (٦) ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله وقدرته وخَلْقه، لمْ يَبْقَ في قلبه خوف من غير خالقه ومُوجده؛ فتضمَّنَ ذلك إفرادَ الله وحدَه بالخوف والحُب والرجاء، ولوَ كان ذلك فراره مما لم يكن بمشيئة الله ولا قدرته لكان ذلك موجبًا لخوفه منه، مثل من (٧) يفرُّ من مخلوق آخرَ أقدرَ منه، فإنه في حال فراره من الأول إلى الآخر خائفا منه حَذِرٌ (٨) أن لا يكون الثاني يعِيذه (٩) منه، بخلاف ما إذا كان الذي

стр. 35

يفرُّ إليه هو الذي قضى وقدر وشاء ما يفرُّ منه؛ فإنه لا يبقى في القلب التفات إلى غيره بوجه (١). فتفطَّنْ لهذا (٢) السرِّ العجيب في قوله: "أعوذ بك [منك] (٣) "، و"لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك"؛ فإن الناس قد ذكروا في هذا (٤) أقوالا، وقلَّ منهم من تَعرض (٥) لهذه النكتة التي هي لُبُّ الكلامِ ومقصوده، وبالله التوفيق. فتأمّلْ كيف عاد الأمن كلُّه إلى الفرار من الله إليه؛ وهو معنى الهجرة إلى الله [تعالى]. ولهذا قال النبي ﷺ : "المهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه" (٦). ولهذا يَقْرِنُ سبحانَه بين الإيمان والهجرة في القرآن (٧) في غير موضع؛ لتلازمهما واقتضاءِ أحدِهما للآخر. والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمنُ هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصلها الحبُّ والبُغض؛ فإن المهاجر من شيء

стр. 36

إلى شيء لابد أن يكون (١) ما يهاجر إليه أحبَّ إليه مما يهاجر (٢) منه؛ فيؤثرُ أحبَّ الأمرين إليه على الآخر، وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوهُ (٣) إلى خلاف ما يحبه الله ويرضاه، وقد بُليَ بهؤلاء الثلاث، فلا تزال تدعوه (٤) إلى غير مرضاة ربه، وداعي الإيمانِ يدعوه إلى مرضاة ربه. فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله، ولا يَنفكَّ في هجرةٍ حتى (٥) الممات. فصل وهذه الهجرة تَقْوى وتَضعُف بحسب قوة داعي (٦) المحبة وضعفِه، فكلما كان داعي [المحبة] (٧) في قلب العبد أقوى كانت هذه الهجرة [أقوى و] (٨) أتمَّ وأكملَ، وإذا ضَعُفَ الداعي ضَعُفَتِ الهجرةُ، حتى إنه (٩) لا يكاد يشعر بها علمًا، ولا يتحرك بها (١٠) إرادة. والذي يقضَى (١١) منه العجب أن المرء يُوَسِّع الكلام، ويُفَرِّع

стр. 37

المسائلَ في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي الهجرة التي انقطعت (١) بالفتح، وهذه هجرة عارضةٌ ربما لا تتعلق به في العمر أصلا. وأما هذه الهجرة التي هي واجبةٌ على مدى الأنفاس [فإنه] (٢) لا يحصِّل [فيها] (٣) علما ولا إرادة، وما ذاك إلا للإعراضِ عما خلق له، والاشتغال [بما لا ينجيه وحدَه] (٤)، وهذه (٥) حال من غَشِيَتْ بصيرتُه، وضعفت معرفتُه بمراتب العلوم والأعمال، والله المستعان، وبه (٦) التوفيق، لا إلهَ غيره، ولا رب سواه. فصل وأما الهجرة إلى الرسول (٧) ﷺ ؛ فمَعلَمٌ (٨) لم يبقَ منه سوى رسمِه (٩)، ومنهج لم تترك منه بُنَيّاتُ الطريقِ سوى اسمِه (١٠)، ومَحَجَّةٌ سَفَتْ عليها السَّوافي فطَمَسَتْ رُسومَها، وأغارت (١١) عليها الأعادي

стр. 38

فَغَوَّرت مناهلها وعيونها، فسالُكها غريب بين العباد، فريد بين كل حيٍّ وناد، بعيد على قرب المكان، وحيد على كثرة الجيران، مستوحش مما [به] يستأنسون، مستأنس مما به يستوحشون، مقيم إذا ظَعَنُوا، ظاعن إذا قَطَنوا (١)، منفرد في طريق طلبه، لا يَقَرُّ قراره حتى يَظْفَرَ بأربِه، فهو الكائنُ معهم بجسده، البائنُ منهم بمقصده، نامت في طلب الهدى أعينهم وما ليلُ مَطِيهِ بنائم (٢)، وقعدوا عن الهجرةِ النبوية وهو في طلبها مُشَمِّرٌ قائم، يعيبونه بمخالفة آرائهم، ويُزْرُونَ عليه إزراء على جهالاتهم وأهوائهم؛ قد رَجَموا فيه الظُّنون، وأَذْكَوْا (٣) عليه العيون، وتَربَّصُوا به ريبَ المنون. ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ (٤). ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (٥). نَحْنُ وإيَّاكُمُ نموتُ ولا (٦) … أفلحَ عند الحسابِ مَن نَدِمَا والمقصود أن هذه الهجرة النبوية شأنها شديد، وطريقها على غير المشتاق وَعِيْرٌ بعيد.

стр. 39

[بعيدٌ على كسلانَ أو ذي مَلالةٍ … وأما على المشتاقِ فهو قريبُ] (١) ولَعمرُ اللهِ ما هي إلا نور يتلألأ، ولكنِ أنت ظَلامُه، وبدر أضاءَ مشارق الأرض ومغاربها، ولكن أنتَ غيْمُه وقَتَامُه، ومنهلٌ عذب صافي، ولكن (٢) أنت كَدَرُه، ومبتدأ له خَبَرٌ عظيمٌ (٣)، ولكن ليس عندك خبره. فاسمع الآنَ شأنَ هذه الهجرة والدلالة عليها، وحاسِبْ نفسَكَ (٤) بينك وبين الله هل أنت من المهاجرين لها أو المهاجرين إليها؟ فحدُّ هذه الهجرة: سفرُ الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، ونازلةٍ من نوازل (٥) القلوب، وحادثةٍ من حوادث الأحكام، إلى معدِن الهُدى ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٦)، فكل مسألةٍ طلعتْ (٧) عليها شمسُ رسالتِه وإلا فاقذِفْ بها في بحار الظلمات (٨)، وكل شاهد

стр. 40

عدَّله هذا المزكِّي الصادق (١) وإلا فعُدَّهُ من أهل الريب والتهمات؛ فهذا هو حدُّ هذه الهجرة. فما للمقيمِ في مدينة طَبْعِه وعوائِده، القاطِن في دار مرباه ومولده (٢)، القائل: إنا على طريقة آبائنا سالكون، وإنا بحبلهم مستمسكون، وإنا على آثارهم مُقتدون، وما لهذه الهجرة؟ قد ألقَى كُلَّه (٣) عليهم، واستند في معرفةِ طريق نجاتِه (٤) وفلاحِه إليهم، معتذرا بأن رأيهم له (٥) خير من رأيه لنفسه، وأن ظنونهم وآراءهم أوثقُ من ظنّه وحَدْسِه. ولو فتَّشتَ عن مصدر هذه الكلمة لوجدتَها صادرة عن الإخلادِ إلى أرض البطالة، متولدةً بين بَعْلِ (٦) الكسل وزوجتِه الملالة. والمقصود أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضَى شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن الهجرة الأولى مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله. وعن هاتين الهجرتين يُسأَلُ كل عبد يومَ القيامة وفي البرزخ،
следующие страницы →