← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14211

الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.

стр. 71

العذابَ (١) بما أضلُّونا وصدُّونا عن طاعة رُسُلِك. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ من الاتباع والمتبوعين بحسب ضلاله وكفره. ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ لا تعلم كل طائفة بما في أختها من العذاب المضاعف. ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾؛ فإنكم جئتم بعدنا فأرسلت فيكم الرسل، وبينوا لكم الحق، وحذَّروكم من ضلالنا، ونَهَوْكم عن اتباعنا وتقليدنا؛ فأبيتم إلا اتباعَنا وتقليدَنا، وتَرْكَ الحق الذي أتتكم به الرسل، فأيُّ فضلٍ كان لكم علينا، وقد ضللتم كما ضللنا، وتركتم الحق كما تركناه؛ فضللتم أنتم بنا كما ضللنا نحن بقوم آخرين، فأي فضل لكم علينا؟ (٢) ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾. فللهِ ما أشفاها من موعظة، وما أبلغَها من نصيحةٍ، لو صادفَتْ من القلوب حياةً، فإن هذه الآيات (٣) وأمثالها مما تُذكِّر (٤) قلوبَ السائرين إلى الله، وأما أهل البَطالَة الثكلة (٥) فليس عندهم من ذلك خبر (٦).

стр. 72

فصل فهذا حكم الأتباع والمتبوعين المشتركين في الضلالة، وأما الأتباع المخالفون لمتبوعيهم، العادلون عن طريقتهم، الذين يزعمون أنهم تبع لهم (١)، وليسوا متَّبعين لطريقتهم، فهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ (٢). فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى (٣)، وأتباعُهم ادّعوا أنهم على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم (٤)، يزعمون أنّهم يحبونهم، وأن محبّتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم لهم (٥)، فيتبرءون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم. وهذه حال كل من اتَّخذ من دون الله ورسوله وَلِيْجَةً وأولياء، يُوالِي لهم ويُعادِي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حَسَراتٍ عليه مع كثرتها وشدة تَعَبِه

стр. 73

فيها ونَصَبِه، إذ لم يُجَرِّد موالاته ومعاداته، ومحبته وبُغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛ فأبطلَ الله ذلك العمل كلَّه، وقَطَعَ تلك الأسباب، وهي: الوُصَلُ والموالاة التي كانت بينهم في الدنيا لغيره كما قال: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ (١)؛ فينقطع يوم القيامة كل سببٍ ووُصْلَةٍ ووسيلة ومودَّة [وموالاة] (٢) كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وبين ربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته وحده، ولوازمها من الحُبِّ والبُغْض، والعطاء والمنع، والموالاة والمعاداة، والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسوله وترك أقوال غيره لقوله (٣)، وترك كل (٤) ما خالف ما جاء به، والإعراض عنه، وعدم الاعتداد (٥) به، وتجريد متابعته تجريدًا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلًا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلًا عن تقديم قول غيره عليه. فهذا السبب هو (٦) الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخِيَتُه التي يجول ما يجول (٧)، ثم إليها مَرْجِعُه.

стр. 74

نَقِّل فُؤادَك حيثُ شئتَ من الهَوَى … ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأَوَّلِ كم مَنزلٍ في الأرضِ يَأْلَفُه الفتَى … وحَنِيْنُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ (١) وهذه النسبة هي (٢) التي تنفع العبد، فلا ينفعُه غيرُها في الدُّوْرِ الثلاثة؛ أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ فلا قِوَامَ له ولا عيشَ ولا نعيمَ ولا فلاحَ إلا بهذه النسبة، وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله، ولقد أحسن القائلُ حيث قال (٣): إذا تَقَطَّعَ حَبْلُ الوَصْلِ بينَهُمُ … فللمحبينَ حَبْلٌ غيرُ مُنقطعِ وإن تَصَدَّع شَمْلُ الوَصْلِ بينَهُمُ … فللمحبينَ شَمْلٌ غير مُنْصَدِعِ (٤) والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسبابَ والعُلَقَ والوُصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين ربِّه فقط، وهو سبب العبودية

стр. 75

المحضة التي لا وجودَ لها ولا تَحَقُّقَ (١) إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عُرِفَتْ إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (٢). فهذه الأعمال (٣) التي كانت في الدنيا على غيرِ سُنّةِ رُسُلِه وطريقتِهم ولغيرِ وجهِه، يجعلها الله هباءً منثورًا، لا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلًا؛ وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة أن يَرى سَعْيَه كلَّه ضائعًا لم ينتفع منه بشيء، وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سَعِدَ أهلُ السَّعي النافع بسعيهم. فصل فهذا حكم الأتباع (٤) الأشقياء، فأما الأتباع (٥) السُّعَدَاء فنوعان: أتباعٌ لهم حكمُ الاستقلال، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦).

стр. 76

فهؤلاء هم السُّعداء الذين ثبت لهم ﵃، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل من تبعهم بإحسان، وهذا يَعُمُّ كل من اتبعهم بإحسان (١) إلى يوم القيامة، ولا يختصُّ ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط، وإنما خُصَّ التابعون (٢) بمن رأى (٣) الصحابة تخصيصًا عُرفيًا؛ ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقًا لذلك القرن فقط، وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان، وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه (٤). وقيَّد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية [بإحسانٍ، ليست مُطلقة فتَحصُل بمجرد النسبة والاتباع في شيء والمخالفة في غيره، ولكن تبعية] (٥) مصاحبةٌ للإحسان؛ فإن الباء هنا (٦) للمصاحبة. والإحسان في المتابعة شرطٌ في حصولِ ﵃ وجنّاتِه. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (٧).

стр. 77

فالأولون هم الذين أدركوا رسول الله ﷺ وصحبوه. والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم كل من بَعْدَهم على منهاجهم إلى يوم القيامة، فيكون التَّأخُّر وعَدَمُ اللَّحاق بهم في الزمان. وفي الآية قول آخر: إن المعنى لم يلحقوا بهم (١) في الفَضْل والمرتبة (٢)، بل هم دونهم فيكون عدم اللحاق في الرتبة. والقولان كالمتلازمَيْنِ؛ فإنَّ مَن بعدَهم لا يلحقون بهم لا في الفضل ولا في الزمان، فهؤلاء الصنفان هم السُّعَداء. وأما من لم يَقْبَلْ هُدى اللهِ الذي بُعث به رسوله، ولم يَرْفَعْ به رأسًا، فهو من الصنف الثالث، وهم ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ (٣). وقد ذكر النبي ﷺ أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما بعثه اللهُ به [من الهدى] (٤) في قوله ﷺ : "مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثلِ غيثٍ أصابَ أرضًا؛ فكانت منها طائفةٌ طبِّبةٌ قَبِلَتِ الماءَ؛ فأنبتتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكثير، وكانَ (٥) منها أَجادِبُ أَمسكَتِ الماءَ؛ فسَقَى الناسُ وزَرَعُوا، وأصابَ طائفة أخرى إنما هي قِيْعَانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً، فذلك مَثَلُ من فَقُهَ في دين الله،

стр. 78

ونَفَعَه (١) ما بعثني الله به، ومَثلُ من لم يَرْفَعْ بذلك رأسًا، ولم يَقبلْ هُدى الله الذي أُرسِلْتُ به" (٢). فشَبَّه ﷺ العِلْمَ الذي جاء به بالغيث؛ لأن كلًّا منهما سببُ الحياة، فالغيث سببُ حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب. وشَبَّه القلوبَ القابلةَ للعلم بالأرض القابلة للغيث؛ كما شبّه سبحانه القلوب (٣) بالأودية في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (٤). وكما أن الأرضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث: إحداها: أرضٌ زكيَّةٌ قابلةٌ للشُّرب (٥) والنبات؛ فإذا أصابها الغيثُ ارتَوَتْ منه، ثمّ أنبتتْ (٦) من كل زوجٍ بهيجٍ. فهذا (٧) مثل القلب الزَّكي الذَّكي؛ فهو يقبل العلم بذكائه، ويُثْمِرُ فيه وجوهَ الحكم ودين الحق بزكائه؛ فهو قابلٌ للعلم، مُثْمِرٌ لموجبِه وفقهِه وأسرارِ معادنِه.

стр. 79

والثانية: أرضٌ صلبة قابلة لثبوت الماء (١) فيها وحفظه، فهذه ينتفع الناس بورودها (٢) والسَّقْي منها والازدراع. وهذا (٣) مَثَلُ القلب الحافظ للعلم، الذي يحفظه كما سمعه، ولا تَصَرُّفَ له فيه ولا استنباطَ (٤)، بل له الحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذين (٥) قال فيهم (٦) النبي ﷺ : "فَرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وَرُبَّ حامل فقه غيرُ فقيه" (٧). فالأول مثل (٨) الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات؛ فهو يكسب بماله ما شاء. والثاني مثل الغني الذي لا خِبرةَ له بوجوه الربح والكسب (٩)، ولكنه حافظٌ لمالِه، لا يُحسِنُ التصرفَ والتقلُّبَ فيه.

стр. 80

والأرض الثالثة أرض قاعٌ؛ وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يُمسك ماءً، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تَنْتَفِعْ بشيء منه. فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا (١) الفقه والدراية فيه (٢)، وإنما هو بمنزلة الأرض البَوَارِ التي لا تُنْبِتُ ولا تَحفظ الماءَ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له، ولا يُحسِنُ يُمسِكُ مالًا. فالأول عالمٌ مُعَلّمٌ، داعٍ إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرُّسُل. والثاني حافظٌ مُؤَدٍّ لما سَمِعَه، فهذا يَحْمِلُ إلى غيره (٣) ما يَتَّجرُ به المحمولُ إليه ويستثمر. والثالث لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هُدى الله، ولا رَفَعَ (٤) به رأسًا. فاستوعب (٥) هذا الحديثُ أقسامَ الخَلْقِ في الدعوة النبوية ومنازلهم، منها قسمان سعيدان، وقسمٌ شقي (٦).

стр. 81

فصل وأما النوع الثاني من الأتباع السُّعَداء (١): فهم أتباع المؤمنين من ذريّتهم، الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا، وإنما هم مع آبائهم تَبَعٌ لهم. قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ (٢). أخبر سبحانه أنه ألحق الذُّرية بآبائهم في الجنة، كما أَتْبَعَهم إياهم في الإيمان، ولما كان الذُّرية لا عَمَلَ لهم يستحقون به تلك الدرجات قال تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، والضمير عائد إلى الذين آمنوا؛ أي: وما نَقَصْنَاهم شيئًا من عملهم، بل رفعنا ذريّتهم إلى درجاتهم، مع توفيتهم أجورَ أعمالهم؛ فليست منزلتُهم منزلةَ من لم يكن له عمل، بل وفَّيناهم أجورَهم، وألحقنا بهم ذرياتهم (٣) فوق ما يستحقونه (٤) من أعمالهم. ثم لما كان هذا الإلحاق في الثواب والدرجات فضلًا من الله، فرُبما وقع في الوهم أن إلحاقَ الذريةِ أيضًا حاصلٌ بهم (٥) في حكم

стр. 82

العدل، فإذا (١) اكتسبوا سيئاتٍ أوجبت عقوبة، كان كل عامل رهينًا بكسبه لا يتعلق بغيره منه (٢) شيء. فالإلحاق المذكور إنما هو في الفضل والثواب لا في العدل والعقاب، وهذا ونحوه (٣) من أسرار القرآن وكنوزه، التي يختص (٤) الله بفهمها من شاء. فقد تضمنتْ هذه الآياتُ أقسامَ الخلائقِ كلهم سعدائهم وأشقيائهم: السعداء المتبوعين (٥) والأتباع، والأشقياء المتبوعين (٦) والأتباع. فعلى العاقل الناصح لنفسه أن ينظر من أيِّ الأقسامِ هو، ولا يغترَّ بالعادة ويُخْلِدَ إلى البطالة. فإن كان من قسم سعيد انتقل منه (٧) إلى ما فوقَه، وبذلَ جهده، والله ولي التوفيق والنجاح. وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد في زمن الإمكان، قبلَ أن يقول: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ (٨).

стр. 83

فصل والمقصود بهذا أن من أعظم التعاون على البرِّ والتّقوى التعاون على سفر الهجرة إلى الله ورسوله (١)، باليد واللسان والقلب، مساعدةً، ونصيحةً (٢)، وتعليمًا، وإرشادًا، ومودةً. ومن كان هكذا مع عباد الله كان الله (٣) بكل (٤) خير إليه أسرع، وأقبلَ اللهُ إليه بقلوب عباده، وفتحَ على قلبه أبوابَ العلم، ويسَّره لليسرى. ومن كان بالضد فبالضدِّ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (٥). فإن قلت: فقد (٦) أشرت إلى سفرٍ عظيم وأمر جسيمٍ، فما زادُ هذا السَّفرِ وما طريقُه وما مَركبُه؟ قلت: زَادُه العلمُ الموروث عن (٧) خاتم الأنبياء ﷺ ، ولا زاد له سواه؛ فمن لم يحصل (٨) هذا الزاد فلا يخرج من بيته، وليقعد مع الخالفين. فرفقاء التخلُّف (٩) البطَّالون أكثر من أن يُحْصَوا، فله

стр. 84

أسوةٌ بهم، ولن ينفعه هذا التأسي يوم الحسرة شيئًا كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ (١). فقطعَ اللهُ سبحانه انتفاعَهم بتأسِّي بعضهم بعضًا (٢) في العذاب؛ فإن مصائب الدنيا إذا عمّت صارت مَسْلاةً، وتأسَّى بعضُ المُصَابِين ببعض؛ كما قالت الخنساء (٣): فلولا (٤) كثرةُ الباكينَ حَولي … على إخوانِهم لقَتَلْتُ نَفسي وما يَبكُون مثلَ أخي ولكن … أُسَلِّي النَّفسَ عنهم بالتأسِّي فهذا الروح الحاصل من التأسي معدومٌ بين المشتركين في العذاب يومَ القيامة. وأما طريقُه: فهو بذل الجهد، واستفراغ الوسع، فلن (٥) يُنَالَ بالمُنَى، ولا (٦) يُدْرَك بالهُوَيْنا (٧)، وإنما كما قيل:

стр. 85

فَخُضْ غَمَراتِ الموتِ وَاسْمُ إلى العُلَا … لكي تُدرِكَ العِزَّ الرفيعَ الدعائمِ فلا خيرَ في نفسٍ تَخافُ من الرَّدَى … ولا هِمَّةٍ تَصْبُو إلى لَومِ لائمِ ولا سبيلَ إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين: أحدهما: أن لا يَصْبُو في الحق إلى لَومةِ (١) لائم؛ فإن اللوم يُدرِكُ الفارسَ؛ فيَصْرَعُه عن فرسِه، ويَجعلُه طَرِيْحًا (٢) في الأرض. والثاني: أن تَهُونَ عليه نفسُه في الله؛ فيقدم حينئذٍ ولا يخاف الأهوال، فمتى خافتِ النَّفسُ تأخرتْ وأحجمتْ، وأخلدتْ إلى الأرض. ولا يَتِمُّ له هذان الأمران إلا بالصبر؛ فمن صبر قليلًا صارت تلك الأهوال ريحًا رَخَاءً في حقه تَحمِلُه بنفسها إلى مطلوبه، فبينما هو يخاف منها، إذْ صارتْ أعظمَ أعوانِه وخَدَمِه، وهذا أمر لا يعرفه إلا من دخل فيه. وأما مَركَبُه: فصِدْقُ اللَّجَأ إلى الله، والانقطاع إليه بكلِّيته، وتحقيق الافتقار إليه من كل (٣) وجه، والضراعة إليه، وصدق

стр. 86

التوكل عليه، والاستعانة به، والانطراح بين يديه كالإناءِ (١) المَثْلُوم المكسور الفارغ الذي لا شيءَ فيه، يتطلعُ إلى قَيِّمِه ووَلِيِّه أن يَجْبُره (٢)، ويَلُمَّ شَعَثَه، ويُمِدَّه من فضلِه ويستره، فهذا الذي يُرجَى له أن يتولى الله هدايتَه، وأن يَكشِفَ له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة، ومنازلها. فصل ورأس مال (٣) الأمر وعموده في ذلك إنما هو: دوامُ التفكر وتدبر آيات القرآن (٤)، بحيث (٥) يستولي على الفكر، ويَشْغَل القلبَ، فإذا صارتْ معاني القرآنِ مكانَ الخواطرِ من قلبه وهي الغالبةُ عليه، بحيث يَصير إليها مَفْزَعُه ومَلْجَؤُه، تَمَكَّنَ حينئذٍ الإيمانُ من قلبه (٦)، وجلس على كرسيه، وصار له التصرفُ، وصار هو الآمر (٧) المطاع أمره؛ فحينئذٍ يستقيم له سَيْرُه، ويتضح له الطريق، وتراه ساكنًا وهو يُبارِي الريحَ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٨).

стр. 87

فصل فإن قلت: إنك قد أشرتَ إلى مقام عظيم فافتَحْ لي بابَه، واكشفْ لي حِجابَه، وكيف تَدَبُّرُ القرآن وتفهُّمُه (١) والإشرافُ على عجائبِه وكنوزِه؟ وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا، فهل في البَيْنِ غيرُ ما ذكروه؟ قلت: سأضرب لك أمثالًا تحتذي عليها، وتجعلها إمامًا لك في هذا المقصد. قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ (٢). فعهدي بك إذا قرأت هذه الآيات (٣)، وتطلَّعتَ إلى معناها وتدبرتَها؛ فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة أضيافٍ (٤) يأكلون، وبَشَّروه بغلام عليم، وأن امرأته عَجِبتْ من ذلك؛ فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك، ولم يجاوز (٥) تدبرك غير ذلك.

стр. 88

فاسمع الآن بعضَ ما في هذه الآيات من الأسرار (١). وكم قد تضمنتْ من أنواع (٢) الثناء على إبراهيم؟ وكيف جمعتْ آدابَ (٣) الضيافة وحقوقَها؟ وكيف يُراعَى الضيفُ (٤)؟ وما تضمنتْ من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة. وكيف تضمنتْ عَلَمًا عظيمًا من أعلام النبوة (٥)؟ وكيف تضمنتْ جميعَ صفاتِ الكمال، التي مَرَدُّها (٦) إلى العلم والحكمة؟ وكيف أشارتْ إلى دليل إمكان المعاد بألطف (٧) إشارة وأوضحها، ثم أفصحتْ بوقوعه؟ وكيف تضمنت الإخبارَ عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذِّبة؟

стр. 89

وتضمنتْ ذكرَ الإسلامِ والإيمانِ والفرقَ بينهما. وتضمنتْ بقاء آيات الرب الدالة على توحيدِه، وصِدْقِ رسله، وعلى اليوم الآخر. وتضمنتْ أنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوفٌ من عذاب الآخرة، وهم المؤمنون بها، وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها، فلا ينتفع بتلك الآيات. فاسمع الآن بعض تفاصيل (١) هذه الجملة: قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ افتتحَ الله سبحانَه القصةَ بصيغة موضوعة للاستفهام، وليس المراد به (٢) حقيقته من الاستفهام (٣). ولهذا قال بعض الناس (٤): إن "هل" في مثل هذا الموضع بمعنى "قد" التي تقتضي التحقيق. ولكن في ورود الكلام في مثل هذا الاستفهام سر لطيف، ومعنى بديع، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر مخاطَبَه (٥) بأمر عجيب ينبغى الاعتناءُ به، وإحضارُ الذهن له، صَدَّرَ له الكلامَ بأداةٍ تُنَبِّهُ (٦) سمعَه وذهنَه للخبر، فتارةً يُصدِّره بـ"ألا"، وتارةً يُصدِّره بـ"هل"، [فيقولُ: هل علمتَ ما كان من كيتَ وكيتَ؟ إما مُذكّرًا به، وإما

стр. 90

واعظًا له مخوِّفًا] (١)، وإما منبِّهًا على عظمةِ ما يُخْبَر به، وإما مقرِّرًا له. فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ (٢)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ (٣)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ (٤)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (٥) متضمن لتعظيم هذه القصص، والتنبيه على تدبرها، ومعرفة ما تضمنته. وفيه (٦) أمر آخر، وهو التنبيهُ على أن إتيان هذا إليك عَلَمٌ من أعلام النُّبوة؛ فإنه من الغيب الذي لا تعلمه أنت ولا قومك، فهل أتاك من غير إعلامنا وإرسالنا وتعريفنا أم لم يأتك إلا مِنْ قِبَلِنَا؟ فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام، وتأمل عِظَمَ موقعه في (٧) جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا. وقوله: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ متضمن لثنائه على خليله إبراهيم؛ فإن في ﴿المكرمين﴾ قولين (٨):

стр. 91

أحدهما: إكرام إبراهيم لهم؛ ففيه مدحٌ له (١) بإكرام الضيف. والثاني: أنهم مكرمون عند الله؛ كقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ (٢)، وهو متضمن أيضًا لتعظيم خليله ومدحه؛ إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافًا له. فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم. وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ متضمنٌ لمدحٍ (٣) آخر لإبراهيم حيث ردَّ عليهم أحسنَ مما حَيَّوه به؛ فإن تحيتهم باسم منصوبٍ متضمن لجملةٍ فعليَّةٍ، تقديره: سلَّمنا عليك سلامًا، وتحيةُ إبراهيم لهم باسمٍ مرفوعٍ متضمن لجملةٍ اسميَّةٍ، تقديره: سلامٌ ثابتٌ أو دائم أو مستقرٌّ عليكم. ولا ريبَ أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم، والفعلية تقتضي التجدد والحدوث؛ فكانت تحية إبراهيم أكملَ وأحسنَ (٤). ثم قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾، وفي هذا من حُسْنِ مخاطبة الضيف والتذمُّم منه (٥) وجهان من المدح:

стр. 92

أحدهما: أنه حذف المبتدأ، والتقدير أنتم منكرون، فتذمَّم منهم، ولم يُواجهْهم بهذا الخطاب لما فيه من بعض الاستيحاش، بل قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾، ولا ريب أن حذف المبتدأ في هذا من محاسن الخطاب (١)، وكان النبي ﷺ لا يُواجِهُ أحدًا بما يكرهُه، بل يقول: "ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا، ويفعلون كذا" (٢). والثاني: قوله ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾؛ فحذف فاعل الإنكار، وهو الذي كان أنكرهم؛ كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ (٣)، ولا ريب أن قوله: ﴿مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ ألطفُ من أن يقول: أنكرتُكم. وقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ متضمنٌ وجوهًا من المدح، وآداب الضيافة، وإكرام الضيف: منها: قوله ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾، والروغانُ: الذهاب في سرعة (٤) واختفاءٍ، وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف، والاختفاءُ ترك

стр. 93

تخجيله وألا يُعرِّضَه (١) للحياء، وهذا بخلاف من يتثاقل، يَتباردُ على ضيفِه، ثم يبرز بمرأًى منه، ويَحُلُّ صُرَّةَ النفقة، ويَزِنُ ما يأخذ، ويتناول الإناء بمرأى منه، ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه، فلفظةُ "راغ" تنفي هذين الأمرين. وفي قوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ مدحٌ آخر، لما فيه من الإشعار بأن كرامة الضيف مُعَدَّةٌ حاصلةٌ عند أهله، وأنه لا يحتاج أن يَستقرِضَ من جيرانه، ولا يذهب إلى غير أهله، إذْ نُزُلُ (٢) الضيفِ حاصل عندهم. وقوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ يتضمن ثلاثة أنواع من المدح: أحدها: خدمة ضيفه بنفسه، فإنه لم يرسل به، وإنما جاء به بنفسه (٣). الثاني: أنه جاءهم بحيوان تام لم يأتهم ببعضه؛ ليتخيّروا من أطايب لحمه ما شاءوا. الثالث: أنه سمين ليس بمهزولٍ، وهذا من نفائس الأموال، ولدُ البقرة السمين، فإنهم يُعْجَبون به، فمن كرمه هان عليه ذَبْحُه وإحضارهُ.

стр. 94

وقوله: ﴿إليهم﴾ متضمنٌ لمدحٍ وأدبٍ آخر (١)، وهو إحضار الطعام إلى بين أيدي (٢) الضيف، بخلاف من يُهيِّئُ الطعامَ في موضع، ثم يُقِيم ضيفَه؛ فيُورِدُه عليه. وقوله: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ فيه مدحٌ وأدب آخر (٣)؛ فإنه عرض عليهم الأكل بقوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، وهذه صيغة عرضٍ مؤذنة بالتلطف، بخلاف من يقول: ضعوا أيديكم في الطعام، كلوا، تقدموا، ونحو ذلك. وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾؛ لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفًا أن يكون منهم (٤) شر؛ فإن الضيف إذا أكل من طعام ربِّ المنزل اطمأنَّ إليه وأنس به، فلما علموا منه ذلك ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾، وهذا الغلام إسحاق لا إسماعيل؛ لأن امرأته عَجبَتْ من ذلك، وقالت: عجوزٌ عقيمٌ لا يُولَد لمثلي، فأنى [لي] (٥) بالولد؟ وأما إسماعيل فإنه من سُرِّيته هاجرَ، وكان بكْرَه وأولَ ولدِه، وقد بين سبحانه في سورة هود (٦) في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ في هذه

стр. 95

القصةِ نفسِها. وقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾؛ فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها؛ إذ بادرتْ إلى النُّدبةِ وصَكِّ (١) الوجهِ عند هذا الإخبار. وقوله: ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال، واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ، فلم تقل: أنا عجوز عقيم، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة، لم تذكر غيره، وأما في سورة هود فذكرتِ السببَ المانعَ منها ومن إبراهيم، وصرَّحتْ بالتعجب (٢). وقوله: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ متضمن لإثبات صفة القول [له] (٣). وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ متضمنٌ لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدرُ الخلق والأمر، فجميعُ ما خلقه سبحانه صادرٌ عن علمه وحكمته، وكذلك أمُره وشرعُه مصدرُه عن علمه وحكمته. والعلم والحكمة متضمنان لجميع الكمال، فالعلم يتضمن

стр. 96

الحياة ولوازم كمالها من القومية، [والقدرة] (١)، والبقاء، والسمع، والبصر، وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التَّام. والحكمة تتضمنُ كمالَ الإرادة، من (٢) العدل، والرحمة، والإحسان، والجود، والبر، ووَضْع الأشياء مواضعَها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال الرسل، وإثبات الثواب والعقاب. كلُّ هذا يُعلَم (٣) من اسمه "الحكيم"، كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلقَ عبثًا أو سُدىً أو باطلًا. فنفسُ (٤) حكمته تتضمن الشرعِ والقَدَر، والثواب والعقاب، ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يُعلم بالعقل، وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته. ومن تأمل طريقة القرآن وجدها على ذلك، وأنَّ الله سبحانه يَضْرِب لهم الأمثال المعقولة التي تَدلُّ على إمكان المعاد تارةً ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المقدور (٥)، وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه. ومن تأمل أدلّة المعاد في القرآن وجدها كذلك مُغنِيةً -بحمد

стр. 97

الله ومِنَّتِه على عبادِه- عن غيرها، كافية شافية مُوصِلةً إلى المطلوب بسرعة، متضمّنة للجواب عن الشُّبَه العارضة لكثير من الناس. وإن ساعدَ التوفيقُ من الله كتبتُ في ذلك سفرًا كبيرًا، لما رأيتُ في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء، والهدى، وسرعة الإيصال (١)، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلجُ له الصدرُ؛ ويُشْرِقُ (٢) معه اليقينُ، بخلاف غيره من الأدلة، فإنها على العكس من ذلك، وليس هذا موضع التفصيل (٣). والمقصود أن مصدر الأشياء خلقًا وأمرًا (٤) على علم الرب وحكمته. واختصت هذه القصة [بذكر] (٥) هذين الاسمين لاقتضائها لهما (٦)؛ لتعجُّبِ النفوس من تولد مولودٍ بين أبوين لا يُولَد لمثلهما عادة، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد، وكون الحكمة اقتضت جريانَ هذه الولادة على [غير] (٧) العادة المعروفة؛ فذكر في الآية

стр. 98

اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته، وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلالٍ بموجب الحكمة. ثمَّ ذكر سبحانه قصةَ الملائكة في إرسالهم لإهلاك (١) قوم لوط، وإرسال الحجارة المسَوَّمَة عليهم، وفي هذا ما يتضمن تصديقَ رسله وإهلاكَ المكذِّبين لهم، والدلالة على المعاد والثواب والعقاب؛ لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله وصحةِ (٢) ما أخبروا به عن ربهم. ثمَّ قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)، ففرَّقَ بين الإِسلام والإيمان هنا لسرٍّ اقتضاه الكلام؛ فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة، فهو إخراج نجاةٍ من العذاب، ولا ريب أن هذا مختصٌّ بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرًا وباطنًا. وقوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ لما كان الموجودون (٤) من المخرجين أوقع اسم الإِسلام عليهم؛ لأنَّ امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت، وهي مسلمةٌ في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين. وقد أخبر الله سبحانه عن خيانة امرأة لوط،

стр. 99

وخيانتُها أنّها كانت تدلُّ قومَها (١) على أضيافِه وقَلْبُها معهم، وليست خيانةَ فاحشةٍ، فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا، وليست من المؤمنين الناجين. ومن وَضَع دلالاتِ (٢) القرآن وألفاظه مواضعها، تبينَ له من أسرارِه وحِكَمِه ما يَهُزُّ (٣) العقول، ويعلم معه تنزُّلَه (٤) من حكيم حميد. وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور، وهو أن الإِسلام أعمُّ من الإيمان، فكيف استثنَى (٥) الأعمَّ من الأخصِّ، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس؟ وتبينَ أن المسلمين مُستثنَيْنَ (٦) مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منهم (٧)، بل هم المُخرَجون الناجون (٨). وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ (٩)،

стр. 100

فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فَعَلَها في هذا العالم وأبقى آثارَها دالَّةً عليه وعلى صدقِ رسله، إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد، ويخشى عذاب الله؛ كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ (٢). فإن من لا يؤمن بالآخرة غايتُه أن يقول: هؤلاء قومٌ أصابَهم الدهرُ كما أصابَ غيرَهم، ولا زال الدهرُ فيه الشقاءُ (٣) والسعادة، وأما من آمن بالآخرة وأشفقَ منها، فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ. والمقصود بهذا إنما هو التثميل والتنبيه (٤) على تفاوتِ الأفهام في معرفة القرآن، واستنباطِ أسراره، وإثارِة (٥) كنوزه، واعتبِرْ بهذا غيرَه، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء. فصل والمقصود أن القلب لما تحوَّل لهذا السفر طلبَ رفيقًا يَأْنَسُ به في السفر، فلم يجد (٦) إلا معارضًا مناقضًا، أو لائمًا بالتأنيب

стр. 101

مُصرِّحًا ومعرِّضًا (١)، أو فارغًا عن هذه الحركة مُعرِضًا، وليتَ الكلَّ كانوا (٢) هكذا، فلقد أحسنَ إليك من خَلَّاكَ وطريقَكَ ولم يَطْرَحْ شَرَّهُ عليك؛ كما قال القائل: إنَّا لفي زَمَنٍ تَرْكُ القبيحِ به … من أكثر الناسِ إحسانٌ وإجمالُ (٣) وإذا كان هذا المعروف من الناس، فالمطلوب في هذا الزمان المعاونةُ على هذا السفر بالإعراضِ، وتركِ اللائمةِ والاعتراضِ، إلا ما عسى أن يقع نادرًا فيكون غنيمةً باردةً لا قيمةَ لها. وينبغي (٤) أن لا يتوقفَ العبدُ في سَيْرِه على هذه الغنيمة، بل يَسِيرُ ولو وحيدًا غريبًا، فانفرادُ العبدِ في طريق طلبِه دليلٌ على صدقِ المحبة. ومن نظرَ في هذه الكلماتِ التي تضمنتْها هذه الوُرَيْقةُ (٥)، عَلِمَ أنها من أهمِّ ما يحصلُ به التعاونُ على البرِّ والتقوى، وسفر الهجرة إلى الله ورسوله، وهذا (٦) الذي قصدَ مُسَطِّرُها (٧) بكتابتها، وجَعَلَها

стр. 102

هديتَه المعجَّلَة السابقةَ إلى أصحابِه ورفقائِه في طلب العلم. وأُشهِدُ الله -وكفى بالله شهيدًا- لو تُوافِيه من أحدٍ (١) منهم لقَابلَها بالقبول، ولَبادَرَ إلى تفهُّمِها وتدبُّرِها (٢)، وعَدَّها من أفضل ما أهدى صاحبٌ إلى صاحبِه، فإن غير هذا من مَاجَرَيَانَاتِ الرَّكْبِ الخبريَّة، -وإن تطلعت [النفوسُ] (٣) إليها- ففائدتها قليلة، وهي في غاية الرَّخص لكثرة جَالِبيها، وإنما الهديةُ النافعةُ كلمةٌ من الحكمة (٤) يُهدِيها الرجلُ إلى أخيه المسلم. ومن أراد هذا السفرَ فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، فإنَّه يَبلُغ بمرافقتِهم إلى مقصدِه، وليحذرْ من مرافقة الأحياء الذين في الناس أموات، فإنهم يَقطَعون [عليه] (٥) طريقَه، فليس لهذا السالكِ أنفعُ من تلك المرافقة، وأوفقُ له من هذه المفارقة، فقد قال بعضُ مَن سَلَفَ (٦): "شتَّانَ بين أقوامٍ موتى تَحْيا القلوبُ بذكرِهم، وبين أقوامٍ أحياءٍ تموتُ القلوب بمخالطتِهم". فما على العبدِ أضرُّ من عُشَرائِه (٧) وأبناءِ جنسه، فإن نظره (٨)

стр. 103

قاصر، وهِمَّتُه واقفةٌ عند التشبهِ بهم ومباهاتهم والسلوكِ أيَّةً (١) سَلَكوا، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لأحبَّ أن يَدخُل (٢) معهم. فمتى تَرقَّتِ (٣) هِمَّتُه من (٤) صحبتهم إلى صُحْبةِ مَن أشباحُهم مفقودةٌ، ومحاسنُهم وآثارُهم الجميلةُ في العالم مشهودةٌ (٥)، استحدثَ بذلك همةً أخرى وعملًا آخر، وصارَ بين الناس غريبًا، وإن كان فيهم [مشهورًا و] (٦) نسيبًا، ولكنه غريب محبوبٌ يَرَى ما الناسُ فيه، وهم (٧) لا يرون ما هو فيه، يُقِيْمُ لهم المعاذيرَ ما استطاعَ، وينصحُهم (٨) بجهده وطاقته، سائرًا فيهم بعينين: عين ناظرة إلى الأمر والنهي؛ بها يأمرهم وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي إليهم (٩) الحقوق، ويستوفيها عليهم. وعين ناظرة إلى القضاء والقدر، بها يَرْحَمُهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، ويلتمسُ لهم وجوهَ المعاذيرِ فيما لا (١٠) يُخِلُّ بأمرٍ

стр. 104

ولا يعود بنقضِ شرعٍ، قد وَسِعَتْهم بَسطتُه ورحمته ولينُه ومعذرتُه، واقفًا عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (١)، متدبرًا لما تضمنتْه هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق، وأداء حقِّ اللهِ فيهم، والسلامة من شرهم. فلو أخذ الناسُ كلُّهم بهذه الآية لكفَتْهم وشَفَتْهم؛ فإن العفو ما عَفَا من أخلاقهم، وسَمَحَتْ به طبائعهم، ووَسِعَهم (٢) بذلُه من أموالهم وأخلاقهم؛ فهذا ما منهم إليه. وأما ما يكون منه إليهم؛ فأمرهم بالمعروف، وهو ما تَشهدُ به العقولُ وتَعرِفُ حُسْنَه، وهو ما أمر الله به. وأما ما يَتَّقِيْ به أَذَى جاهِلهم؛ فالإعراضُ عنهم (٣)، وتركُ الانتقامِ لنفسه والانتصارِ لها. فأيُّ كمالٍ للعبدِ وراءَ هذا؟ وأي معاشرة وسياسة للعالَمِ أحسنُ من هذه المعاشرة والسياسة؟ ولو فكَّر الرَّجلُ في كل شرٍّ يَلحقُه من العالم -أعني الشرَّ الحقيقيَّ الذي لا يُوجِبُ له الرِّفعةَ والزُّلفَى من الله- وَجَدَ سببَه الإخلالَ بهذه الثلاثِ أو ببعضِها (٤)، وإلا فمع القيام بها، فكل ما

стр. 105

يَحْصُلُ له من الناس فهو خيرٌ له وإن كان (١) شرًّا في الظاهر، فإنَّه متولِّدٌ (٢) من القيامِ (٣) بالأمر [بالمعروف] (٤)، ولا يتولَّدُ منه إلا خيرٌ وإن وَرَدَ في حالةِ شرٍّ وأذًى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٥)، وقال تعالى لنبيه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٦). وقد تضمنتْ هذه الكلماتُ مراعاةَ حقِّ اللهِ وحقِّ الخَلْقِ؛ فإنهم إمّا أنْ يُسِيْئُوا في حقِّ اللهِ أو في حقِّ رسولِه؛ فإن أساءوا في حقِّك فقابِلْ ذلك بعَفْوِكَ عنهم، وإن أساءوا في حقِّي فاسألني أغفِرْ لهم وأَسْتَجْلِبْ قلوبَهم، وأَسْتَخْرِجْ ما عندَهم من الرأي بمشاورتهم، فإن ذلك أحرى في استجلاب طاعتِهم وبِذْلِهم (٧) النصيحةَ، فإذا عَزَمْتَ على أمرٍ (٨) فلا استشارةَ بعد ذلك، بل توكَّلْ على اللهِ (٩)، وامْضِ لما عَزَمْتَ عليه من أمرِك (١٠)؛ فإن الله يُحِبُّ المتوكلين.

стр. 106

فهذا وأمثاله [من الأخلاق] (١) التي أَدَّبَ اللهُ بها رسولَه، وقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٢). قالت عائشة ﵂: "كانَ خُلُقُه القرآنَ" (٣). وهذه لا تَتِمُّ (٤) إلا بثلاثةِ أشياءَ: أحدها: أن يكون العُودُ طيبًا، فأما إذا (٥) كانت الطبيعةُ جافيةً غليظةً يابسةً عَسُرَ عليها مزاولةُ ذلك علمًا وإرادةً وعملًا، بخلاف الطبيعة المنقادةِ اللَّينةِ السَّلِسَةِ القِيَادِ، فإنها مستعدَّةٌ إنما تُرِيدُ الحرثَ والبذرَ. الثاني: أن تكون النفس قويةً غالبةً قاهرةً لدَوَاعِي البطالةِ والغَيِّ والهوى، فإن هذه أعداءُ الكمالِ، فإن لم تَقْوَ النفسُ على قَهْرِها وإلا لم تَزَلْ مغلوبةً مقهورةً. الثالث: علمٌ شافٍ بحقائق الأشياء، وتنزيلُها (٦) منازِلَها، يميزُ به بين الشَّحْمِ والوَرَمِ، والزجاجة والجوهرة.

стр. 107

فإذا اجتمعتْ فيه هذه الخصالُ الثلاثة (١)، وسَاعَدَهُ التوفيقُ فهو من القسم الذين (٢) سَبقَتْ لهم من ربهم الحُسْنَى، وتَمَّتْ لهم العناية. وهؤلاء هم القسم الأوّل المذكورون في قول النبي ﷺ : "مَثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلم" الحديث، وقد تقدم. فصل ثمَّ ذكر الشيخ ﵁ وأرضاه- أخبارَ الرَّكْبِ وأشياءَ، إلى أن قال: هذا، وأول الأمر وآخره: إنما هو معاملةُ الله وحده، والانقطاعُ إليه بكُلِّيَّةِ القلب، ودوامُ الافتقارِ إليه، فلو وَفَّى العبدُ هذا المقامَ حقَّه لرأى العجبَ العجيبَ من فضلِ ربّه وبرّه ولطفه ودفاعه عنه، والإقبالِ بقلوب عبادِه إليه، وإسكانِ الرّحمة والمحبةِ له في قلوبهم، ولكن نقول: رَبَّنا غَلَبَ علينا لُؤْمُنا، وجهلُنا وظلمُنا وإساءتُنا من أدلِّ شيءٍ منه، فها نحن مُقِرُّون بالتفريط والتقصير، ومَن ادّعى منّا عندك وَجاهةً فليس إلَّا ذليلٌ حقيرٌ، فإن تَكِلْنا إلى أنفسِنا تَكِلْنا إلى ضَيْعَةٍ وعجز وذنب وخطيئة؛ فوا حسرتاه ووا أسفاه على رضاك! ولو غضب كل أحدٍ سواك، وعلى إيثار طاعتِك ومحبتِك على ما سواهما، وعلى صدق المعاملة معك. فليتَكَ تَحْلُو والحياةُ مَرِيرةٌ … وليتَكَ تَرضَى والأَنامُ غِضَابُ

стр. 108

وليتَ الذي بيني وبينَك عامرٌ … وبيني وبين العالمين خَرابُ إذا صَحَّ منكَ الوُدُّ فالكلُّ هَيِّنٌ … وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ (١) وقد كان يُغنِيْ من كثير من هذا التطويل ثلاثُ كلماتٍ كان يكتب بها بعضُ السلف إلى بعض، فلو نَقَشَها العبدُ في لوح قلبه يقرؤها على عدد الأنفاس لكان ذلك بعض ما يستحقه، وهي: "مَن أصلحَ سَرِيرتَه أصلحَ أللهُ علانيتَه، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلحَ اللهُ ما بينَه وبينَ الناس، ومَن عَمِلَ لآخرتِه كفاه الله مَؤُوْنةَ دنياه". وهذه الكلمات برهانُها وجودُها، ولِمِّيَّتُها إنِّيَّتُها، والتوفيق بيد الله، ولا إلهَ غيرُه ولا ربَّ سِواه. ثمَّ قال ﵁ وأرضاه-: وليعذُرِ الأصحابُ في هذه الكلمات؛ فإنها والله نَفْثَةُ مصدورٍ، وتنفُّسُ مَحْرورٍ. أُقلِّبُ طَرْفِيْ لا أرى مَنْ أُحِبُّه … وفي الحَيِّ ممن لا أُحِبُّ كثيرُ فهو نفسُ مَن قد أكلَ بعضُه بعضًا، فهو المبتدأ والخبر، ومنه الغناء ومنه الطرب. مَا في الخِيامِ أخو وَجْدٍ يُطارحه … حديثَ ليلَى ولا صَبٌّ يُجارِيْه فأَحَبَّ مُحِبُّكم مطارحةَ من بَعُدَتْ عنده ديارُه، وشَطَّ عنه مَزارُه؛ فهو كما قيل:

стр. 109

يا ثاويًا بين الجَوانحِ والحَشَا … [مِنّي] وإنْ بَعُدَتْ عَلَيَّ دِيَارُه عطْفًا على قلبٍ يُحِبُّكَ هَائمٍ … إن لم تَصِلْه تَقَطَّعَتْ أَعْشَارُه وارْحَمْ كَئيبًا فيكَ يَقْضِيْ نَحْبَهُ … أَسَفًا عليكَ ومَا انْقَضَتْ أَوْطَارُه لا يَستفِيْقُ من الغَرامِ وكلَّما … نَحَّوْكَ عنهُ تَهتَّكَتْ أَسْتَارُه (١) وكلُّ ذي شَجْوٍ يَصرِفُ هذا وأمثالَه إلى شَجْوِه، وهذا مما يَستَرْوحُ إليه المكروبُ بعضَ الاسترواح، وهيهات هيهات إن القلب لن يَقَرَّ له قرارٌ حتى يُوضَعَ في موضعِه، ويَستقرَّ في مُستقرِّه الذي لا مَقَرَّ له سِواه، كما قيل: إذا ما وَضَعْتَ القلبَ في غيرِ موضعٍ … بغير إناءٍ فهو قَلْبٌ مُضَيَّعُ وتحت هذا البيتِ معنًى شريفٌ جدًّا؛ قد شرحتُه في كراسةٍ مفردةٍ (٢)، والله أعلم. هذا آخر ما ذكره الشيخ ﵁ وأرضاه في هذا الباب. والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تمّت