ـ[الشرح الصوتي لزاد المستقنع]ـ
المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)
عدد الأجزاء: ٢
стр. 2
كتاب الطهارة
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ حَمْدًا لا يَنْفَدُ، أَفْضَلَ ما يَنبغِي أن يُحْمَدَ، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على أَفْضَلِ الْمُصْطَفَيْنَ مُحَمَّدٍ، وعلى آلِهِ وأصحابِه ومَن تَعَبَّدَ.
أمَّا بعدُ، فهذا مُخْتَصَرٌ في الفِقهِ من مُقْنِعِ الإمامِ الْمُوَفَّقِ أبي مُحَمَّدٍ، على قولٍ واحدٍ، وهو الراجِحُ في مَذهَبِ أحمدَ، ورُبَّمَا حَذَفْتُ منه مَسائلَ نادرةَ الوُقوعِ وزِدْتُ ما على مِثْلِه يُعْتَمَدُ، إذ الْهِمَمُ قد قَصُرَتْ، والأسبابُ الْمُثَبِّطَةُ عن نَيْلِ الْمُرَادِ قد كَثُرَتْ، ومع صِغَرِ حَجْمِه حَوَى ما يُغْنِي عن التطويلِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكيلُ.
(كتابُ الطهارةِ)
وهي ارتفاعُ الْحَدَثِ وما في معناه وزوالُ الْخَبَثِ.
المياهُ ثلاثةٌ: طَهورٌ لا يَرْفَعُ الحدَثَ ولا يُزِيلُ النَّجَسَ الطارئَ , غيرُه، وهو الباقي علي خِلْقَتِه، فإن تَغَيَّرَ بغيرِ مُمَازِجٍ كقِطَعِ كافورٍ أو دُهْنٍ
[مقدمة المؤلف]
قال رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)
البسملة تقدم الكلام عليها مبسوطًا، وقلنا: إن الجار والمجرور في (باسم الله) متعلق بمحذوف فعليٍّ مؤخر مناسب للمقام، فعندما تريد أن تقرأ تقول؛ التقدير: باسم الله أقرأ، عندما تريد أن تتوضأ: باسم الله أتوضأ، تذبح: باسم الله أذبح، وإنما قدَّرناه فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، وقدَّرناه مؤخَّرًا لفائدتين:
الفائدة الأولى: التبرك في البداءة باسم الله .
والثاني: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.
وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أدل على المراد، فلو قلنا مثلًا عندما نريد أن نقرأ كتابًا: باسم الله أبتدئ، ما يدرى بماذا تبتدئ؟ لكن: باسم الله أقرأ، يكون أدل على المراد الذي ابتدئ به.
стр. 3
وأما لفظ (الله) فهو علم على الباري جل وعلا، وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء، حتى إنه في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢]، ما نقول: إن (الله) صفة، بل نقول: هي عطف بيان؛ لأن هذا الاسم تتبعه بقية الأسماء، فهو موصوف بها دائمًا
وأما (الرحمن) فهو أيضًا من الأسماء المختصة بالله ، ما يطلق على غيره، و (الرحمن) معناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
وأما قوله: (الرحيم) فإنه قد يطلق على غير الله، والمراد به: ذو الرحمة الواصلة، الأول: ذو الرحمة الواسعة، والثاني: ذو الرحمة الواصلة، فإذا جمع مع الرحمن صار المراد بالرحيم: الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
وابتدأ المؤلف كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله ؛ فإنه مبدوءٌ بالبسملة، واتباعًا لحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (١)، واقتداء بالرسول ﵊؛ فإنه يبدأ كتبه بالبسملة.
قال المؤلف: (الحمد لله) هذه جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر.
فالحمد، ويش معنى الحمد؟ حمدت الله؛ يعني: ذكرته بأوصاف الكمال، فالحمد وصف المحمود بالكمال، سواء كان ذلك كمالًا في العظمة، أو كمالًا في الإحسان والنعمة، فالله تعالى محمود على أوصافه كلها.
واللام في قوله: (لله) قال أهل العلم: إنها للاختصاص والاستحقاق.
стр. 4
فالمستحق للحمد المطلق من هو؟ الله، هو المحمود على كل حال، له الحمد المطلق؛ ولهذا كان النبي ﵊ إذا أصابته السَّراء قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإن أصابته الضراء قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢).
فالذي له الحمد المطلق هو الله ، لا يستحقه أحد سواه، أما غيره فيحمد على أشياء خاصة معينة، ما هو على كل حال.
وأيضًا هي للاختصاص؛ يعني أن الذي يختص بالحمد المطلق الكامل هو الله، فهو المستحق له، المختصُّ به.
(حمدًا لا ينفد) (حمدًا) مصدر، والعامل فيه المصدر قبله، فهو مصدر معمول لمصدر، وقد سبق لنا: أن المصدر المحلى بـ (أل) يعمل مطلقًا، (حمدًا) هذه مصدر مؤكد لعامله، من أين عرفنا أنه مؤكد؟ لأنه إذا جاء المصدر بلفظ الفعل أو معناه فهو مؤكد، مثل ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
لكنه مع ذلك كلمة (حمدًا) مع كونه مؤكدًا وُصِفَ بقوله: (لا ينفد)، فيكون أيضًا بصفته مبينًا لنوع الحمد، وأنه حمد لا ينفد، بل هو دائم، والرب مستحق للحمد الذي لا ينفد؛ لأن كمالاته لا تنفد، فكذلك الحمد -الذي هو وصفه بالكمالات- لا ينفد.
وليس المعنى: لا ينفد مني قولًا، لا؛ لأنه ينفد منه قولًا، كيف ذلك؟ يموت، أو يتشاغل بغيره، لكن المعنى: أن الله مستحقٌ للحمد الذي لا ينفد، باعتبار ذلك منسوبًا إلى الله فهو لا ينفد.
(أفضل ما ينبغي أن يحمد) أفضل ما ينبغي صفة لـ (حمدًا)، فيكون وَصَفَ الحمدَ ﵀ بوصفين:
الاستمرارية في قوله: (لا ينفد).
وكمال النوعية في قوله: (أفضل ما ينبغي أن يحمد) أي: ما يستحق أن يحمد؛ يعني: أفضل حمد يستحق أن يحمده، وعلى هذا فتكون (ما) نكرة موصوفة؛ يعني: أفضل حمد ينبغي أن يُحمدَه ، فوصف الحمد هنا بالاستمرارية وبكمال النوعية.
стр. 5
ولما أثنى على الله بما ينبغي أن يثنى عليه، ثنَّى بالصلاة والسلام على أفضل الخلق فقال: (وصلى الله وسلَّم) (صلى الله) ما معنى: صلى الله على محمد؟ كلنا نقرأ (صلى الله على محمد) في صلاتنا، لكن ما معناها؟
قال بعض أهل العلم: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء.
ولكن هذا ليس بصواب، والصواب ما قاله أبو العالية: إنَّ الصَّلاة من الله ثناؤه على المُصَلَّى عليه في الملأ الأعلى (٣)، عند الملائكة المقربين، وهذا أخص من الرحمة المطلقة.
وعلى هذا، فـ (صلى الله على محمد) أي: أثنى عليه، وهذه الجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى؛ لأنه ليس المراد: أني أخبر بأن الله صلَّى، ولكنني أدعو الله أن يصلي، فهي خبرية لفظًا، إنشائية معنًى، بمعنى الدعاء، وعلى هذا فيصح أن أقول: فلانٌ ﵀ أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يعني: أسأل الله أن يرحمه.
وقوله: (وسلم) هذه أيضًا جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى؛ أي: تدعو الله تعالى بأن يسلم على محمد ﷺ ؛ أي: يلقي ﵇، والسلام هو: الانتفاء من الآفات والنقائص، فإذا ضم السلام إلى الصلاة حصل به المطلوب، وزال به المرهوب، فبالسلام يزول المرهوب وتنتفي النقائص، وبالصلاة يحصل المطلوب وتثبت الكمالات.
وقوله (على أفضل المصطفَين) أفضل المصطفَيْنَ أو المصطفَيْنِ؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: بالفتح.
الطلبة: مصطفينَ.
الشيخ: كيف مثنى يكون مفتوح النون؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: كيف يكون جمعًا وهو مفتوح ما قبل الياء، والجمع (المسلمِين) مكسور ما قبل الياء؟
الطلبة: ( ... ).
стр. 6
الشيخ: الجواب: لأن ما قبل الياء محذوف، والفاء هذه ما كانت الياء تباشرها، فأصلها (المصطفَيَيْنِ) أصلها: المصطفى، هذا المفرد، المثنى: المصطفيان، الجمع: المصطفيون، فإذا نصبت أبدل الواو ياءً، فيكون (المصطفَيِينَ)، هذا أصلها، لكن حصل فيها إعلال بحذف الياء، فصارت (المصطفَيْن)، و (المصطفَين) أصلها (المصتَفين) بالتاء، من الصفوة، وهي خلاصة الشيء، ومنهم المصطفين من الخلق؛ البشر لا شك أن المصطفى منهم الأنبياء، ثم الرسل، ثم أولو العزم.
الخلاصة أو خلاصة الخلاصة أو خلاصة خلاصة الخلاصة هم أولو العزم، وهم مذكورون في القرآن الكريم في موضعين؛ في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وفي سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣].
هذه خمسة هم أولو العزم، فمحمد ﷺ هو أفضلهم، ويدل لذلك أنه خاتمهم، ويدل لذلك أيضًا أنه إمامهم ليلة المعراج، ولا يقدم إلا الأفضل، ويدل لذلك أنه صاحب الشفاعة يوم القيامة الشفاعة العظمى، فهذه ثلاثة أشياء تدل، وهناك أشياء أخرى، لكن هذه ذكرناها كأمثلة نماذج، خاتم النبيين هذا في عالم الحس، إمامهم في المعراج في عالم الغيب، كونه هو الشافع يوم القيامة في عالم الغيب، لكنه في عالم الآخرة.
стр. 7
وقوله: (محمد) ويش إعراب محمد؟ هذه عطف بيان؛ لأن أفضل المصطفين ما يعرف من هو، فإذا قيل: (محمد) صار عطف بيان يبين من هذا الأفضل؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي ﵊، وهو كما قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (٤)، فكان ﵊ خيارًا من خيار.
قال: (وعلى آله وأصحابه ومن تعبَّد) ثلاثة هؤلاء، نحن نقول في التحيات: اللهم صل على محمد وعلى آل، بس، لكن هنا المؤلف يقول: (آله وأصحابه ومن تعبَّد) فاعلم أنه إذا ذكر (الآل) وحده، فالمراد: كل أتباعه على دينه، ويدخل فيهم بالأولوية أتباعه على دينه من قرابته، أو لا؟ لأنهم آل من وجهين؛ من جهة الاتباع، ومن جهة القرابة، وأما إذا ذكر معه غيره فإنه بحسب السياق، فهنا ذكر (آل) و (أصحاب) و (من تعبَّد).
(آله) نفسرها هنا بأنهم المؤمنون من قرابته، مثل: علي بن أبي طالب، فاطمة، عبد الله بن عباس، حمزة، العباس، وما أشبه ذلك.
(وأصحابه) هم جمع (صحب)، و (صحب) اسم جمع (صاحب)، فأصحابه: كل من اجتمع به مؤمنًا به ومات على ذلك، ها دول أصحابه، كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو لم يره؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، ولو لم يره، ولو لم تطل الصحبة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ولو لم تطل الصحبة، وهذا من خصائصه: أن كل من اجتمع به مؤمنًا به فهو من أصحابه، وإن لم يره، وإن لم يجتمع به، أما غيره من الناس ما يكون صاحبًا له إلا من لازمه مدة يستحق أن ينطبق عليه وصفُ صاحب.
وقوله: (ومن تعبَّد) كلمة (من) اسم موصول، ومعناها، أيش معناها؟ الذي تعبَّد، فهي للعموم.
وقوله: (تعبَّد) لمن؟ لله ؛ أي: تذلل له بالطاعة، والعبادة مبنية على أمرين هما: الحب، والتعظيم.
стр. 8
فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته، أو لا؟ لأنك تعظمه فتخافه، تحبه فتطلبه.
فالعبادة مبنية على هذين الأساسين: الحب، والتعظيم، وأما شرط قبولها فهما: الإخلاص، والمتابعة.
كلمة (من تعبَّد) عامة في كل من تعبد لله من هذه الأمة ومن غيرها، أو بس من هذه الأمة؟ من هذه الأمة ومن غيرها؛ ولهذا قال النبي ﵊ في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٥)، حتى الملائكة، حتى الجن، حتى أتباع الأنبياء السابقين يدخلون في هذا، فهي من أعم ما يكون؛ كلمة (ومن تعبَّد).
لكن هل يدخل فيها الأصحاب -أصحاب النبي ﷺ وآله المؤمنون؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: يدخلون؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: هذا مبني على خلاف بين العلماء؛ هل إذا عطفنا العام على الخاص يكون الخاص داخلًا في العام أو خارجًا منه بالتخصيص؟ في هذا قولان لأهل العلم؛ فمنهم من يقول: إنه داخل فيه -يعني: العموم- يشمله، ومنهم من قال: إن ذكره بخاصته يدل على أنه غير مراد.
وهذا الخلاف قد يترتب عليه بعض المسائل الحكمية، لكن من قال: إنه يدخل في العموم قال: إنه يكون الخاص مذكورًا كم مرة؟ مرتين؛ مرة بالخصوص، ومرة بالعموم.
طالب: قلنا: وأصحابه كل من اجتمع به، وقلنا: ولو لم يجتمع به ولو مرة؟
الشيخ: لا، قلنا: وإن لم يره، ما قلنا: وإن لم يجتمع به، قلنا: إن اجتمع به ولم يره هل يكون صحابيًّا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
ثم قال المؤلف: (أما بعد: فهذا مختصر في الفقه) (أما بعد) هذه كلمة يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد يؤتى بـ (أما بعد).
стр. 9
وأما قول بعضهم: كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، فهذا غير صحيح؛ لأنه دائمًا الأساليب تتنقل؛ ينتقل العلماء من أسلوب إلى آخر، ولا يأتون بـ (أما بعد)، ولكن نقول: يؤتى بها عند الدخول في صلب الموضوع الذي من أجله قدمت الخطبة مثلًا.
(أما بعد) أما إعرابها، فإعرابها من أعجب ما يكون؛ قلنا لكم: إن إعرابها هو أن نقول: (أما) نائبة عن شرط وفعل شرط، والتقدير: مهما يكن من شيء بعد ذلك فهذا مختصر، فيكون هنا (أما) بمعنى: مهما يكن من شيء، و (بعد) ظرف متعلق بـ (يكن) المحذوفة مع شرطها، مبني على الضم في محل نصب؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، وهذه الظروف - (بعد) وأخواتها- إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه بنيت على الضم، كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
(أما بعد: فهذا مختصر في الفقه) (مختصر) مفتعل، فهو اسم مفعول.
والمختصر قال العلماء: ما قلَّ لفظه وكثُر معناه؛ أي: أن لفظه قليل، لكن معناه كثير.
وقوله: (في الفقه) الفقه لغةً: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهذا النفي صحيح؛ يعني: ما نفقه تسبيحهم؟ نعم.
﴿قَالُوا يا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] يعني: ما نفهم، هذا النفي صحيح؟ يظهر أنه ليس بصحيح، ولكنه جحد.
إذن الفقه في اللغة: الفهم.
стр. 10
وفي الشرع بس ( ... ) قال: أحسن نقول: في الاصطلاح، إن قلنا: في الشرع فنقول: إن الفقه: معرفة أحكام الله العقدية والعملية، هذا شرعًا؛ لأن الفقه في الشرع ما هو خاص بأفعال المكلفين أو بالأحكام العملية، بل يشمل حتى الأحكام العقدية؛ العقيدة، حتى إن أهل العلم يقولون: إن علم العقيدة هو الفقه الأكبر والأشرف، وهذا حق؛ لأنك لا تتعبد للمعبود إلا بعد معرفة توحيده بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإلا كيف تتعبد لمجهول؟ ! هذا غير ممكن؛ ولذلك الأساس الأول هو التوحيد، وحقًّا أن يسمى بالفقه الأكبر.
لكن مراد المؤلف هنا في الفقه: الفقه الاصطلاحي، ما هو الفقه الاصطلاحي؟ يقول العلماء: إنه معرفة الأحكام العملية بأدلتها التفصيلية.
قولنا: (معرفة) أو نقول: علم الأحكام، أيهما أحسن؟
طالب: معرفة.
الشيخ: معرفة، السبب؟
طالب: لأننا قلنا: المعرفة يدخل فيها الظن والعلم.
الشيخ: نعم، والفقه إما علم، وإما ظن، ما كل مسائل الفقه علمية، قطعًا فيها كثير من المسائل ظنية، وهذا كثير في المسائل الاجتهادية ما وصل فيها الإنسان إلى درجة اليقين، لكن لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ولهذا نعبِّر بـ (معرفة) ولا نعبر بـ (علم)؛ لكي يتناول أيش؟ العلم، ويش بعد؟ والظن؛ لأن مسائل الفقه علمية، أيش بعد؟ وظنية.
الفقه: معرفة الأحكام العملية، (العملية) احترازًا من الأحكام العقدية، فهذا لا يدخل في الاصطلاح، وإن كان يدخل في الشرع.
وقولنا: (بأدلتها التفصيلية) احترازًا من أيش؟ من أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه ما تعرف الفقه بأدلته التفصيلية، ولكن تعرف قواعد عامة، وربما تأتي بالمسألة التفصيلية للتمثيل فقط.
وعلم من قولنا: (معرفة الأحكام العملية بأدلتها) أن المقلد ليس فقيهًا؛ لأيش؟ ما عرفها بأدلتها، غاية ما هنالك أنه يقلدها كما في الكتاب فقط، فالمقلد ليس فقيهًا، وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن المقلد ليس من العلماء.
стр. 11
وبهذا نعرف أهمية معرفة الدليل، وأن طالب العلم يجب عليه أن يتلقى المسائل بدلائلها، حتى يكون جامعًا بين العلم الحقيقي، وهذا هو الذي ينجيه عند الله ؛ لأن الله سيقول له يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص: ٦٥] ( ... ) ماذا أجبتم المؤلف الفلاني والمؤلف الفلاني؟ ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾.
إذن فلا بد أن نعرف ماذا قالت الرسل، ولكن التقليد عند الضرورة جائز؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وإلى أين نذهب إذا كنا لا نستطيع أن نعرف الحق بدليله؟ فلا بد لنا أن نسأل؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن التقليد بمنزلة أكل الميتة، متى يجوز؟ للضرورة، ومع عدم الضرورة لا يجوز، إذا كان الإنسان يستطيع أن يعرف الحكم بدليله ما يحتاج يقلد.
إذن الفقه صار له ثلاثة تعريفات: لغوي، وشرعي، واصطلاحي، اللغوي ويش معناه؟
الطلبة: الفهم.
الشيخ: الفهم. إذن الفقه له ثلاثة اصطلاحات: لغة، وشرع، واصطلاح؛ ففي اللغة: الفهم، وفي الشرع: معرفة الأحكام الشرعية العقدية والعملية، وأما الاصطلاح فهو: معرفة الأحكام العملية بأدلتها التفصيلية.
يقول: (مختصر في الفقه من مقنع) (من مقنع) جار ومجرور، صفة لـ (مختصر)، (من مقنع الإمام الموفق أبي محمد) (مقنع) اسم الكتاب اسمه المقنع.
وقوله: (الإمام الموفق) هذا من باب التساهل بعض الشيء؛ لأن الموفق ليس كالإمام أحمد، أو الشافعي، أو أبي حنيفة، أو مالك، لكنه إمام مقيد؛ يعني: له من ينصر أقواله ويأخذ بها، فيكون إمامًا بهذا الاعتبار، أما الإمامة التي كالإمام أحمد بن حنبل وما أشبهه فإنه لم يصل إلى هذه الدرجة.
стр. 12
وقد كثر في الوقت الأخير إطلاق الإمام عند الناس؛ إمام، إمام، إمام، حتى إنه يمكن من أدنى أهل العلم يسمونه إمامًا، وهذا أمر لو كان لا يتعدى اللفظ لكان هينًا، لكنه يتعدى إلى المعنى؛ إذ إنني إذا رأيت هذا يوصف بالإمام تكون أقواله عندي قدوة مع أنه لا يستحق.
وهذا كقولهم الآن في كل من قتل ظلمًا: إنه شهيد، وهذا حرام، لا يجوز أن يشهد لكل شخص بعينه؛ ولهذا بوب البخاري ﵀ على هذه المسألة بقوله: (باب لا يقول: فلان شهيد)، وعمر بن الخطاب ﵁ نهى عن ذلك (٦).
قد يكون الشهيد ربما أنه مُوقِر بعيره من الغلول وأنت تقول: شهيد، والشهادة محلها القلب، كما قال النبي ﵊: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ» (٧)، أو «بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ» (٨).
ولو أننا سوغنا لأنفسنا هذا لسوغنا لهذا الرجل الذي مات على الإيمان أن نقول: نشهد أنه في الجنة؛ لأنه مؤمن، وكل مؤمن فهو في الجنة، وهذا ما يجوز.
فالمهم أن بعض الناس الآن ما يحسبون مثل هذه الأمور، لا يحسبون لها حسابها، ولا يعلمون أو يغفلون عن أنه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وأنه سيحاسب على كل لفظة، نعم تقول: من قتل مظلومًا فهو شهيد، صح، من قتل بهدم أو غرق فهو شهيد، من قتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد، أما أن تشهد على شخص بعينه فكلَّا.
(الإمام الموفق) (الموفق) هذه اسم مفعول، يراد به اتصافه بهذه الصفة ولَّا هو اسم أو لقب؟ نقول: نعم، هو لقب لهذا الرجل العالم ﵀.
(والمقنع) كتاب متوسط يذكر فيه القولين، والروايتين، والوجهين في مذهب الإمام أحمد، ولكن بدون ذكر الأدلة أو التعليل، اللهم إلا نادرًا.
стр. 13
وله كتاب فوقه اسمه الكافي يذكر القولين، أو الروايتين، أو الوجهين في مذهب الإمام أحمد، أو الاحتمالين أيضًا، ولكنه يذكر الأدلة والتعليل، إلا أنه ما يخرج عن مذهب الإمام أحمد.
وله كتاب فوق ذلك وهو المغني، فقه مقارن؛ يذكر القولين، والروايتين عن الإمام أحمد وعن غيره من أهل العلم من السلف والخلف.
وله كتاب مختصر اسمه العمدة في الفقه، مختصر على قول واحد، لكنه ﵀ يذكر الأدلة مع الأحكام، ويجمع بين الأمرين.
ولهذا قيل فيه:
كَفَى النَّاسَ بِالْكَافِي وَأَقْنَعَ طَالِبًا
بِمُقَنِعِ فِقْهٍ عَنْ كِتَابٍ مُطَوَّلِ
وَأَغْنَى بِمُغْنِي الْفِقْهِ مَنْ كَانَ بَاحِثًا
وَعُمْدَتُهُ مَنْ يَعْتَمِدْهَا يُحَصِّلِ
أربعة كتب لهذا الرجل ﵀.
(أبي محمد) ويش اسمه؟ اسمه عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، هو عندي يقول: توفي سنة ٦٢٠ ﵀، كم يكون له؟ أسقط ٦٢٠ من ١٤٠٦، سبع مئة سنة وست وثمانين، الآن نحن ندرِّس أولاد علمه أو لا؟ هذا المختصر بالنسبة للفقه كالولد، والمقنع كالأم، فنحن ندرِّس الآن في الحقيقة ولد ابنه أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ( ... ) كما قلت لكم سابقًا: على قولين، ومعنى (على قولين) أنه أكثر من قول؛ لأنه قد يأتي في المسألة بثلاثة أقوال أو أكثر.
وقوله: (على قول واحد) يعني: ما يأتي بأكثر من قول؛ وذلك من أجل الاختصار وعدم تشتيت ذهن الطالب؛ لأن الطالب المبتدئ إذا أتيت له بأقوال شتته، وصار ما يمسك شيئًا، فالأحسن للطالب المبتدئ ألَّا يطالب إلا قولًا واحدًا حتى يرسخ في ذهنه، ثم بعد ذلك يمرَّن على معرفة القولين وعلى بيان الراجح من المرجوح.
قال: (وهو الراجح في مذهب أحمد) الراجح؛ يعني: من القولين، وقد لا يكون في المسألة إلا قول واحد، وحينئذٍ يكون هذا الكتاب المختصر موافقًا للكتاب المختصر منه الأصل.
وقوله: (الراجح في مذهب أحمد).
стр. 14
المذْهَب في اللغة: اسم لمكان الذهاب، أو زمانه، أو هو الذهاب نفسه؛ يعني: أنه يصلح أن يكون مصدرًا نونيًّا، أو اسم مكان، أو اسم زمان.
لكنه في الاصطلاح: مذهب الشخص؛ ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به، هذا المذهب، فإذا قيل مذهب أحمد، مذهب الشافعي، مذهب مالك، فمعناه؟ ما قاله بدليل ومات عليه، فلو تغير رأيه، فأي القولين مذهبه؟ القول الأخير هو مذهبه.
وقوله: (ما قاله المجتهد) خرج به ما قاله المقلد؛ لأن المقلد لا مذهب له، وليس عنده علم، المقلد قال ابن عبد البر: إنه بإجماع العلماء ليس من العلماء؛ ولهذا قال ابن القيم في النونية:
الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الْهُدَى بِدَلِيلِهِ
مَا ذَاكَ وَالتَّقْلِيدُ يَسْتَوِيَانِ
صدق، هل يستوي من يعرف الهدى بدليله من شخص لا يعرفه؟ لا يستويان، بل قال بعض الشعراء:
لَا فَرْقَ بَيْنَ مُقَلِّدٍ وَبَهِيمَةٍ
تَنْقَادُ بَيْنَ دَعَاثِرٍ وَجَنَادِلِ
ولكن مع ذلك التقليدُ يجوز للضرورة بنص القرآن، من لا يستطع أن يصل إلى العلم بنفسه ففرضه التقليد، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأحيانًا تلمُّ بالإنسان مسألة ما يتمكن من مراجعة الأصول حتى يعرف الدليل فيها، فحينئذٍ ليس له إلا أن يقلد؛ للضرورة، أما إذا كان يستطيع بنفسه أن يعرف الحق بدليله فهذا هو الواجب عليه.
يقول: (مذهب الإمام أحمد) أحمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة، إمام أهل الحديث، إمام أهل الفقه ﵀؛ فهو إمام أهل السنة في العقائد والتوحيد، وقد جرى عليه من المحن في ذات الله ما نرجو له به رفعة الدرجات وتكفير السيئات.
стр. 15
وقد علم أنه لم يصمد أمام المأمون وأعوانه من المحرِّفين لكلام الله إلا هو ونفر قليل يعدون بالأصابع، لكن هو ﵀ أشدهم، وهو رحمه الله تعالى أوثق من غيره عند العامة؛ ولهذا كان الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد في خلق القرآن؟ إلا أنه ﵀ صمم على أن يقول: إن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق، حتى إنهم يضربونه بالسياط فيغشى عليه، ويجرونه بالبغال في الأسواق؛ لأنه قال كلمة الحق، يريدون منه أن يقول كلمة الباطل، لكنه صمم؛ ولهذا ماذا أثابه الله عليه؟ أثابه أن جعله إمامًا، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، يوقنون أن العاقبة للمتقين وللصابرين لا سيما على أمر يتعلق بالدين؛ ولذلك كان إمام أهل السنة بلا منازع.
هذا الإمام ﵀ مع كونه إمامًا في الحديث كما يعرفه من يقرأ المسند، كان أيضًا إمامًا في التوحيد وفي العقيدة، وكان إمامًا في الفقه أيضًا، وشوف -سبحان الله العظيم- كيف جعل الله له هؤلاء الأتباع الذين خدموا كلامه أعظم خدمة بعد خدمة كلام الله ورسوله، ومع ذلك ما ألف إلا كتبًا يسيرة، لكن كلماته تكتب وتحفظ، حتى صار منها مذهب مستقل.
واعلم أن قول العلماء: مذهب فلان، يراد به أمران: المذهب الشخصي، والمذهب الاصطلاحي.
والغالب عند المتأخرين إذا قالوا: هذا مذهب أحمد، أو مذهب الشافعي، أو ما أشبه ذلك، الغالب أنه المذهب الاصطلاحي، حتى إن الإمام نفسه قد يقول بخلاف ما يسمى بمذهبه، ولكنهم يجعلون مذهبه ما اصطلحوا عليه.
فهنا (في مذهب أحمد) مرادها: المذهب الاصطلاحي، لا المذهب الشخصي.
(وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع) (وربما حذفت منه) من أين؟ من المقنع.
стр. 16
(مسائل) جمع (مسألة)، والمسألة: ما يستدل له في العلم؛ يعني: ما يبرهن عنه في العلم والدين ويطلب له الدليل يسمى: مسألة؛ ولهذا قالوا: إن العلم مسائل ودلائل، والدلائل سمعية وعقلية؛ فإن كانت بنص من كتاب أو سنة أو إجماع فهي سمعية، وإن كانت بقياس فهي عقلية.
فإذن العلم كله حتى أصول الدين العقائد مسائل ودلائل؛ أحكام ودلائل تثبت هذه المسائل، الدلائل قلنا: إنها سمعية وعقلية، فالسمعية: الكتاب والسنة والإجماع، والعقلية: القياس وما يقتضيه النظر.
(مسائل نادرة الوقوع) يعني: قليلة الوقوع؛ لأن المسائل النادرة ما ينبغي أن الإنسان أن يشغل نفسه بها، مثل من يشغلون أنفسهم بمسائل الألغاز، كثير من الناس يكون له شغف بالمسائل النادرة جدًّا اللي يمكن ما تقع، كمسائل الألغاز علشان كما قالت العامة: خالف ترتاح، لكن المسائل النادرة ما لها داعٍ تكتب، المسائل النادرة إذا وقعت يسهِّل الله حلها، لكن كثيرة الوقوع هي المهمة.
ولهذا قال المؤلف: (وزدت ما على مثله يُعتمَد) (زدت ما) (ما) هذه اسم موصول بمعنى (الذي)، صلتها قوله: (يعتمد)، و (على مثله) متعلق بـ (يُعتمَد)، يعني: زدت ما يعتمد على مثله، لكن قدمه للتجانس؛ تجانس السجع.
(وزدت ما على مثله يعتمد) يعني: زدت من المسائل أشياء مهمة يعتمد عليها.
إذن فهذا الكتاب صنيعه بالنسبة للمقنع اشتمل على ثلاثة أمور:
أولًا: الاقتصار على قول واحد ( ... ).
ثانيًا: حذف المسائل النادرة.
ثالثًا: (٩)
زيادة ما يعتمد على مثله من المسائل الهامة.
стр. 17
وهذا من خير ما ( ... ) عبارة الوجيز وإذا هي نفس كلام المؤلف، صاحب الوجيز متقدم على هذا؛ فإما أن يكون هذا من باب الاتفاق؛ لأنه أحيانًا تكون عبارة هذا الرجل المتأخر كعبارة المتقدم من غير أن يطلع عليها، لكن اتفاقا، وقد يكون أن المؤلف يستعين بكتاب الوجيز، لكن الظاهر لي -والله أعلم- أنه من باب الاتفاق؛ لأن المؤلف ليس هينًا، عالم من أجلاء العلماء، وإذا أردت أن تعرف مقدار علمه فانظر إلى كتابه الإقناع، كتاب الإقناع تجد أن الرجل مع كونه واسع الاطِّلاع في المذهب، له أيضًا اختيارات وترجيحات، وكثيرًا ما يميل إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: والله نسيت من مؤلفه الآن ما يحضرني، لكنه ذكره صاحب الإنصاف.
قال المؤلف ﵀: (إذ الهمم قد قصرت) (إذ) حرف تعليل، و (الهمم) مبتدأ، والجملة (قد قصرت) خبره.
(الهمم) جمع (همة)، وهي: الإرادة الجازمة، وقد يراد بالهمة ما دون الإرادة الجازمة، وهي شاملة لهذا وهذا.
همم الناس منذ زمن المؤلف ﵀ في القرن الثامن أو التاسع قد قصرت، والآن أقصر وأقصر، أو الله أعلم.
وقوله: (إذ الهمم قد قصرت) هذه الجملة تعليل لقوله: (مختصر)، و (حذفت) يعني: اختصرته، وحذفت هذا؛ لأن الهمم قد قصرت، الهمم قصرت في زمنه.
أيضًا مع قصور الهمم هناك صوارف، فليس هناك مقتضي، المقتضي ضعف، ويش المقتضي؟ الهمة ضعفت، وهناك أيضًا صوارف؛ ولهذا قال: (والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت) فإذا ضَعُفَ أو قصر الباعث وقوي الصارف يتم الشيء ولَّا لا؟ ما يتم الشيء.
وقوله: (الأسباب) جمع (سبب)، وهو في اللغة: ما يتوصل به إلى المطلوب، وهو المراد هنا، المراد به السبب اللغوي ما هو الاصطلاحي.
стр. 18
(المثبطة) المفترة للهمم، (قد كثُرت) وهذا في زمنه كثيرة، وفي زماننا أكثر وأكثر وأكثر، ونحن وبعضكم أيضًا أدرك زمن ليس ببعيد أن الأسباب المثبطة عن العلم قليلة، ( ... ) الأسباب المثبطة عن العلم والإقبال كثيرة داخلية في نفس بيت الإنسان، وفي نفس بلده، وفي نفس حكومته، وخارجية أيضًا، فهي كحجر ألقيته في الماء، الدائرة تكون صغيرة، ثم تتسع وتكون دوائر، الآن في الحقيقة الأسباب المثبطة قد أحاطت بالإنسان من قرب ومن بعد.
ولكن مع ذلك ما دام الإنسان يشعر بأنه في جهاد، وأنه كلما قوي الصارف ودافعه الإنسان، ينال بذلك أجرين؛ أجر العمل، وأجر دفع المقاوم؛ ولهذا أخبر النبي ﵊: أن أيام الصَّبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصَّحابة (١٠)؛ لأن هناك أسبابًا مثبطة كثيرة وصارفة.
فأنت إذا استعنت بالله ، وقاومت هذه الصوارف والأسباب المانعة أعانك الله ، وجعل لك قوة تدفع بها وتندفع، لكن إذا أعرضت فهذه هي المصيبة.
والذنوب من أكبر العوارض؛ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ما هو بكل الذنوب، وهذا دليل على أن تولي الإنسان عن الذكر هذا أسبابه الذنوب، فمع الاستغفار والتوبة إلى الله وصدق النية مع الله ييسر الله لك الأمر.
стр. 19
رأيت بعض العلماء استنبط من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦] أنه ينبغي للإنسان إذا نزلت به حادثة، سواء إفتاء أو حكم قضاء أن يكثر من الاستغفار؛ لأن الله قال: ﴿لِتَحْكُمَ﴾، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ﴾، وهذا ليس ببعيد؛ لأن الذنوب تمنع من رؤية الحق؛ ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، نسأل الله أن يغفر لنا ولكم.
قال: (ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل) ويش هو الحجم؟ حجم الشيء يعني: جسمه وملمسه، وما أشبه ذلك، (مع صغر حجمه حوى) (حوى) أي: جمع، (ما يغني عن التطويل)؛ لأنه جامع الكتاب، وهو أجمع من كتاب الشيخ مرعي ﵀ وهو دليل الطالب، ودليل الطالب في الترتيب أحسن من هذا؛ لأنه يذكر الشروط والأركان والواجبات، لكنه بالنسبة للمسائل هذا أكثر بكثير؛ يعني ذاك يمكن ثلثين هذا في المسائل، إنما ذاك صحيح مفصل ومبين؛ ولهذا كان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ قد حفظ متن الدليل وتفقه به، لكنه مع ذلك كان يشير على طلابه بهذا، ولا يدرسنا إلا هذا الكتاب؛ لأنه يقول: إنه أجمع، وشرح الشيخ منصور ﵀ البهوتي عليه أحسن من شروح دليل الطالب.
قال: (ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا، ونعم الوكيل) قوله: (لا حول ولا قوة) هذه نافية للجنس، ولا أدري هل تذكرون أن في إعرابها أوجهًا؟ من يعلمنا بها؟
( ... ) (حول) و (قوة) ثلاثة أوجه: البناء على الفتح، والنصب، والرفع، ولكن ابن مالك () يقول:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا لَا تَنْصِبَا
стр. 20
ولكن الأول يجوز فيه وجهان فقط، النصب ليس بصحيح، ما هو جائز، إما البناء على الفتح، وإلَّا الرفع، أما الثاني فيجوز فيه ثلاثة أوجه، لكن إن رفعت فلا تنصب.
وجه ذلك؟ أما الأول إذا بنيناه على الفتح فمعناه أننا أعملنا (لا)، كم يجوز في الثاني؟ يجوز البناء على الفتح على الإعمال، والنصب عطفًا على محل اسم (لا)، والرفع على الإلغاء، أو عطفًا على محل (لا) واسمها.
أما إذا رفعنا (لا حولٌ) إحنا رفعناها على أنها مبتدأ، وجعلناها ملغاة. والثاني يجوز فيها وجهان: الإعمال؛ لمباشرة (لا) لها، والإلغاء.
هذا إعرابها، لكن ما معناها؟ (لا حول ولا قوة إلا بالله) ويش معناها؟
الحول معناها: التحول وتغيير الأمر، التحول من شيء إلى شيء، فهي حول بمعنى تحول، والقوة معروفة: صفة يستطيع بها القوي أن يفعل بدون ضعف.
وقوله: (إلا بالله) الباء هنا للإعانة، فحينئذٍ يكون الحول والقوة بالنسبة لنا ليس لنا حول ولا قوة إلا بإعانة الله ، بدونه لا نستطيع.
يمكن أن يجوز وجه -لكنه ضعيف- أن نجعل الباء بمعنى (في)؛ يعني: ما أحد له حول وقوة سوى الله، يكون المعنى الحول المطلق والقوة المطلقة لا تكون إلا في الله ، لكن الأول أصح؛ وذلك لأن هذه الكلمة كلمة استعانة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله كلمة استعانة، يقولها الإنسان حينما يستعين الله ، وحينئذٍ يكون المعنى الثاني، المعنى: لا حول لي أنا؛ يعني: ما أستطيع التحول من شيء إلى شيء، ولا قوة لي على ذلك إلا بمن؟ إلا بالله .
إذن كأن المؤلف ﵀ استعان بهذه الجملة الله أن ييسر له الأمر، وهذا يدل على أن هذه الخطبة قبل تأليف الكتاب، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لكنه يُشْكِل على هذا: أن المؤلف قال في أول الكلام: (أما بعد: فهذا مختصر) (هذا) والإشارة حسية تكون إلى شيء موجود، كيف يقول: هذا مختصر، ثم نقول: إن هذا الخطبة سابقة على التأليف؟
стр. 21
يقول العلماء: إن الإشارة هنا إلى ما قام في ذهنه وتصوره من هذا الكتاب الذي يريد تأليفه، فالإشارة ليست إلى شيء محسوس معلوم بين يديه، ولكنها إلى شيء متصور متخيل في الذهن.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: بعض المؤلفين يؤلف أولًا، ثم يشوف مضمون الكتاب وأبوابه، وما أشبه ذلك، ثم يجيب الخطبة.
قال: (وهو حسبنا، ونعم الوكيل) (وهو) أي: الله ، (حسب) بمعنى (كافٍ)، كل من توكل على الله فإن الله حسبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه، ومن لا يتوكل على الله فليس الله حسبه؛ لأنه -كما تقدم لنا مرارًا- الجملة الشرطية تقتضي بمنطوقها حصول الجواب بحصول الشرط، وتقتضي بمفهومها تخلُّف الجواب بتخلُّف الشرط، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن لا يتوكل على الله فليس حسبه، يُوكَل إلى نفسه، وإذا وُكِل إلى نفسه فهو قد وُكِلَ إلى ضعف.
وقوله: (ونعم الوكيل) (الوكيل) هنا فاعل، ويقول النحويون: إن (نِعْمَ) تحتاج إلى فاعل ومخصوص، أين المخصوص؟ محذوف أو مستتر، إن قلنا: محذوف، صار التقدير: ونعم الوكيل الله، وتكون جملة مستقلة عما قبلها، وإن قلنا: إنه مستتر يعود على قوله: (إلا بالله) وهو أي: الله حسبنا ونِعْمَ هو، صح أيضًا، يجوز هذا وهذا.
стр. 22
وقوله: (الوكيل) كما سبق لنا في التوحيد: الوكيل هو الذي فوض إليه الأمر، ولا شك أن الله تعالى قد فوَّض العباد إليه جميع أمورهم ولَّا لا؟ ولكنها ليس تفويضنا الأمور إلى الله كتفويضنا الأمور إلى وكيلنا في الدنيا، تفويضنا الأمور إلى وكيلنا في الدنيا على أننا نحن الذي بيدنا الأمر، نملك عزله، ونرى أنه في منزلة دون منزلتنا من حيث التصرف؛ لأنه ما يتصرف إلا حسب ما وكل فيه، لكن تفويضنا أمرنا إلى الله تفويض افتقار وحاجة، وأنه هو الذي منه الإعداد والإمداد، كما أنه هو الذي منه الإيجاد، فنحن ما أوجدنا أنفسنا، ولا نُعِد أنفسنا لما يطلب منا، ولا نمدها أيضًا بما يقوينا على ذلك، كل هذا إلى الله ، فتفويض الإنسان لمثله في بيع وشراء وتأجير، وما أشبه ذلك، ليس كتفويض الإنسان أمره إلى ربه، شو الفرق؟
تفويض الإنسان أمره إلى ربه تفويض افتقار وحاجة واعتماد على الله ، أما تفويض الإنسان مثله في العقود والمعاملات فهذا ليس كذلك، بل هو تفويض من يرى أن الأمر بيده، لو شاء عزله، والوكيل لا يتصرف إلا حسب ما وكله موكِّلُّه، ما يتصرف في أكثر من ذلك.
وقوله: (وهو حسبنا، ونعم الوكيل) هل لها نظير في القرآن؟ ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
إذن قالوا ذلك تفويضًا إلى الله ليحصل لهم المطلوب ويندفع عنهم المرهوب؛ لأنهم يريدون أن يدفعوا هؤلاء الذين جمعوا لهم، فصارت الكلمة هذه يراد بها أمران؛ حصول المطلوب، ودفع المكروه.
قال ابن عباس: قالها إبراهيمُ ﵊ حين أُلقيَ في النَّار (١١)، دفعًا للمكروه، وطلبًا للمحبوب وهو النجاة؛ ولهذا كان الجواب فورًا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
стр. 23
هذه الخطبة فيها -كما عرفتم- تضمنت أشياء كثيرة من التوحيد ومن صفات الله ، وهي من بركة التأليف إذا صدر بمثل هذه المعاني العظيمة.
[مدخل]
ثم قال المؤلف ﵀: (كتاب الطهارة).
(كتاب) (فِعَال) بمعنى (مكتوب)؛ يعني: هذا مكتوب في الطهارة، فالإضافة على تقدير (اللام)، أو (من)، أو (في)، ويحسن أن تكون على تقدير (اللام)؛ أي: فهذا كتاب لبحث أحكام الطهارة، أو على تقدير (من)؛ هذا كتاب من الطهارة، لكن هذا أضعف.
الطهارة في اللغة: النظافة، طَهُر الثوب من الأذى والقذر؛ يعني: تنظف.
وفي الشرع: تطلق على معنيين؛ أحدهما: أصل، والثاني فرع.
أما الأصل فهي طهارة القلب من الشرك في عبادة الله، والغِل والبغضاء لعباد الله المؤمنين، هذه طهارة القلب، وهي أهم من طهارة البدن، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بل لا يمكن تكون طهارة البدن مع وجود نجس الشرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال النبي ﵊: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (١٢)، وقال: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (١٣)؛ يعني: إلا مؤمن.
فالحاصل أن الطهارة في اللغة: النظافة، وفي الشرع: تطلق على معنيين؛ أحدهما أصل؛ وهو طهارة القلب من الإشراك في عبادة الله، وطهارته من الغل والحقد والبغضاء لعباد الله، هذه طهارة معنوية.
أما الطهارة الحسية الفقهية التي يتكلم عليها الفقهاء، فعرَّفها المؤلف بقوله: (وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث).
(ارتفاع الحدث) يعني: زوال الوصف المانع من الصلاة ونحوها، هذا معنى (ارتفاع الحدث)، الحدث: وصف يقوم بالشخص يمنعه منين؟ من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
ما هو الحدث شيء معروف؛ يعني: عين تكون على البدن، لا وصف يتصف به الإنسان يمنعه من أين؟ من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
стр. 24
فمعنى (ارتفاع الحدث): ارتفاع هذا الوصف؛ يعني: زوال هذا الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها، هذا ارتفاع الحدث.
مثال ذلك: رجل بال واستنجى، ثم توضأ، كان بعد بوله يستطيع يصلي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لما توضأ يستطيع؛ لأنه ارتفع الحدث زال الوصف المانع من الصلاة ونحوها.
وقول المؤلف: (ارتفاع الحدث) (ارتفاع) فسرتها بمعنى (الزوال)، الحدث: الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
وقال المؤلف: (وما في معناه) الضمير هنا يعود على (الحدث) ولَّا يعود على (ارتفاع)؟ يعود على الارتفاع لا على الحدث؛ يعني: وما في معنى ارتفاع الحدث؛ يعني: ما يكون فيه ارتفاع حدث، لكن فيه معنى ارتفاع الحدث.
مثل: غسل اليدين ساعة القيام من نوم الليل، هذا واجب، يسمى طهارة، هل هو حدث؟ لا؛ لأنه ما يرتفع الحدث، لو غسلت يديك ما جاز تصلي، لكنه في معنى ارتفاع الحدث.
رجل جدد الوضوء؛ يعني: توضأ وهو على وضوئه، ثَمَّ طهارة ولَّا لا؟ ثَمَّ طهارة، هل في ذلك ارتفاع حدث؟
طلبة: لا.
الشيخ: لكنه في معنى ارتفاع الحدث.
صاحب سلس بول توضأ علشان البول، اللي بيصلي توضأ من البول، هل البول زال ولَّا ما زال؟
طلبة: ما زال.
الشيخ: ما زال، إذن يكون هذا الوضوء حصل به ارتفاع الحدث ولَّا معنى ارتفاع الحدث؟
الطلبة: معنى.
الشيخ: يكون معنى ارتفاع الحدث؛ لأن الحدث ما زال، فصار قوله: (وما في معناه) أي: في معنى ارتفاع الحدث؛ وهو كل طهارة لا يحصل بها رفع للحدث، أو لا تكون عن حدث.
انتبه لقوله: (وزوال الخبث)، ولم يقل: وإزالة الخبث، فزوال الخبث طهارة، سواء زال بنفسه أو زال بمزيل آخر، فيعتبر ذلك طهارة.
والخبث هو النجاسة، والنجاسة: كل عين يحرم تناولها، لا لضررها، ولا لاستقذارها، ولا لحرمتها، هكذا حددوه بأنها: كل عين يحرم تناولها، لا لضررها، ولا لاستقذارها، ولا لحرمتها.
стр. 25
فقولنا: (حرم تناولها) خرج به أيش؟ المباح، فكل مباح تناوله فهو طاهر.
وقولنا: (لا لضررها) خرج به السُّم وشبهه، فإنه حرام، لكن لماذا؟ لضرره.
(ولا لاستقذارها) خرج به المخاط وشبهه.
(ولا لحرمتها) خرج به الصيد في حال الإحرام، والصيد في داخل الحرم؛ داخل الأميال، فإنه يحرم تناوله، لكن لحرمته.
وعلى كل حال النجاسة ستأتينا -إن شاء الله في بابها وبيانها، والأصل في الأشياء الطهارة، كما سيأتي أيضًا.
وقال المؤلف: (وزوال الخبث) قلت: إنه أعم من قوله: وإزالة الخبث؛ لأن الخبث قد يزول بنفسه، فمثلًا: إذا فرضنا أن أرضًا نجست بالبول، ثم جاء المطر فطهرها، تطهر ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهل مني إزالة؟ ولكن الخبث زال.
ولو كان عندي ماء نجس بالتغير؛ تغير رائحته، ثم زالت الرائحة بنفسها، تطهر ولَّا لا؟
طلبة: تطهر.
الشيخ: تطهر.
ولو كان عند الإنسان خمر ثم تخلل بنفسه صار طاهرًا، وإن كان الصواب أن الخمر طاهر ولو كان على صفته خمرًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إذن هذا تعريف الطهارة اصطلاحًا، وهي: ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث.
وبدأ المؤلف بالطهارة لسببين:
السبب الأول: أن الطهارة تخلية من الأذى، ويقولون: إن التخلية قبل التحلية؛ يعني: طهِّر الشيء مما يشوبه من النقائص، ثم أكمله بالكمالات؛ تحلية.
ثانيًا: أن الطهارة مفتاح الصلاة، والصلاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولذلك بدأ الفقهاء ﵏ بدؤوا بكتاب الطهارة؛ لأنها مفتاح الصلاة.
على كل حال، الطهارة تحتاج إلى شيء يتطهر به؛ يرفع به الحدث ويزال به النجس، وهو الماء؛ ولهذا بدأ المؤلف به فقال:
[المياه]
(المياه ثلاثة) يعني: أنواعها ثلاثة، و (المياه) جمع (ماء)، (ثلاثة) أنواعها ثلاثة:
стр. 26
الأول: (طَهُور) بفتح الطاء على وزن (فَعُول)، و (فَعُول) اسم لما يتوصل به إلى ذلك الشيء، فالطَّهور بالفتح: اسم لما يتوصل به إلى الطهارة، والوَضوء بالفتح: اسم للماء الذي يُتوضأ به، والسَّحور بالفتح: اسم للطعام الذي يتسحر به.
أما (طُهور) بالضم: طُهور، ووُضوء ( ... ) بضم الطاء، فهو الفعل؛ يعني: التطهر، ووُضوء بالضم: الفعل اللي هو التوضؤ، سُحور بالضم: الفعل الذي هو التسحر.
قال المؤلف: (لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس غيره) ينبغي أن نعرف الطَّهور قبل أن نعرف حكمه.
الطَّهور: هو الماء الباقي على خلقته حقيقةً أو حكمًا، هذا الطَّهور؛ تعريفه، مثلًا: أخرجت الماء من البئر على طبيعته ساخنًا ما تغير؛ نظيف، أيش يكون هذا؟ هذا طَهور.
نزل المطر من السماء، فأخذته على طبيعته، هذا أيضًا طَهور؛ لأنه باقٍ على خِلقته، نقول: الباقي على خلقته حقيقةً أو حكمًا، المثالان اللذان ذكرنا حقيقة.
أو حكمًا؛ كالماء المتغير بغير ممازج، أو المتغير بما يشق صون الماء عنه، هذا طَهور، لكن ما بقى على خلقته، إي نعم.
وكذلك الماء المسخَّن؛ الماء المسخن ما هو على خلقته؛ سُخِّن، ومع ذلك فهو طَهور؛ لأنه باقٍ على خلقته حكمًا.
يقول: (لا يرفع الحدث غيره) غير الماء؛ البنزين ما يرفع الحدث؟ ما يرفع الحدث، والجاز ما يرفع الحدث، والعصير، كل شيء سوى الماء لا يرفع الحدث، لو يتوضأ إنسان بلبنٍ أو عصير أو جاز أو بنزين ما ارتفع الحدث، ويش الدليل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فأمر بالعدول إلى التيمم إذا لم نجد الماء؛ يعني: وإن وجدنا غيره من المائعات والسوائل.
стр. 27
قوله: (لا يرفع الحدث غيره) التراب في التيمم يرفع الحدث ولَّا لا؟ المذهب لا، والصواب أنه يرفع الحدث؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ومعنى التطهير: أن الحدث ارتفع؛ ولقول النبي ﵊: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١٤).
فإذن التراب مطهِّر، ومعنى ذلك أنه رافع للحدث، وهذا هو الصواب؛ أنه يرفع الحدث، لكنه إذا وجد الماء أو زال السبب الذي من أجله تيمم؛ كالجرح برئ، فإنه يجب عليه أن يتوضأ، أو أن يغتسل إن كان قد تيمم عن جنابة.
وقوله: (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) يعني: لا يزيل النجس إلا الماء، الدليل قول النبي ﵊ في دم الحيض يصيب الثوب: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» (١٥)، الشاهد في قوله: «بِالْمَاءِ»، فهذا الدليل على تعين الماء لإزالة النجاسة.
ولقول النبي ﷺ في الأعرابي الذي بال في المسجد: «هَرِيقُوا عَلَى بُوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» (١٦)، ولأنه لما بال الصبيُّ على حِجْره دعا بماء فأتْبَعَهُ إِيَّاه (١٧).
فدل هذا على أنه لا يزيل النجس إلا الماء، لو أزلنا النجاسة بغير الماء؛ أزلناها بالبنزين أو بسبرتو أو بمطهر آخر، تطهر ولَّا ما تطهر؟ ما تطهر على كلام المؤلف.
لا يزيل النجس إلا الماء، كما لا يرفع الحدث إلا الماء، ولكن هذه المسألة أيضًا فيها نظر.
والصواب: أنه إذا زالت النجاسة بأي مزيل كان طهرت؛ لأن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، ما هي وصف كالحدث لا يزال إلا بما جاء به الشرع، هذه عين متى زالت زال حكمها.
стр. 28
والدليل على ذلك: أن الفقهاء أنفسهم ﵏ يقولون: إذا زال تغير الماء النجس بنفسه صار طهورًا لو ما أضفنا إليه شيء.
ويقولون: إذا تخللت الخمرة -وهم يرون أن الخمرة نجسة- صارت طاهرة، وهذا ما استعمل فيه الماء، فالصواب: أن النجس يزال بكل مزيل، ويطهر بكل مزيل، وسيأتي -إن شاء الله أيضًا- تمام البحث فيه في باب الطهارة.
وقول المؤلف: (النجس الطارئ) انتبه (الطارئ) معناه: أن المحل قبل طروء هذه النجاسة كان طاهرًا؛ مثل أن تقع النجاسة على الثوب، أو على البساط، أو على الكتاب، أو ما أشبه ذلك، هي وقعت على محل طاهر، فهي طارئة تزال.
أما النجاسة العينية التي هي نجسة؛ عينها نجسة، فهذه لا تطهر أبدًا، لا يطهرها لا ماء ولا غير الماء.
الكلب مثلًا؛ لو أنك غسلت الكلب سبع مرات إحداها بتراب يصير طاهرًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: غسلته سبع مرات يا إخوان؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، نفس الكلب.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يكون طاهرًا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه عينه نجسة.
الشيخ: لأن عينه نجسة، هل ذهبت عينه لما صبينا عليه الماء وجبنا التراب؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا لو نجاسة الكلب وقعت على شيء طاهر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الكلب نفسه ما يمكن يطهر أبدًا؛ لأن نجاسته عينية؛ عينه نجسة.
روثة الحمار نجسة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: فجاء إنسان وصب عليها ماء إلى أن أغرقه ويبس الماء ويقول: الروثة طاهرة، كيف؟
الطلبة: لأنها عينها نجسة.
стр. 29
الشيخ: لأنها عينها نجسة، ما يمكن تطهر، النجس ما يمكن تطهر عينه، إلا أنه سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في باب إزالة النجاسة عن بعض أهل العلم: أنه إذا استحالت النجاسة طهرت، كما لو أوقد بالروث فصار رمادًا، فإنه يكون طاهرًا، وكما لو سقط كلب في مملحة وصار ملحًا، فإنه يكون طاهرًا؛ لأنه استحال؛ تحوَّل إلى شيء آخر، فيكون طاهرًا، راحت العين الأولى كلها، هذا الكلب اللي كان بالأول لحم وعصب، وعظام، ومخ، ودم، ويش صار الآن؟ صار ملحًا، الهيئة هي هي، لكن الآن هذا الملح قضى على العين الأولى.
وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- المذهب في المسألة، وحكم النجاسة إذا استحالت هل تطهر أم لا؟ والخلاف في هذا مشهور.
المهم أننا نمشي على كلام المؤلف هنا فنقول: (الطارئ) احتراز منين؟
طالب: من النجس العين.
الشيخ: (من النجس عينًا) اللي عينه نجسة هذا ما يطهر عينه؛ لأن عينه باقية، يقولون: إن النجاسة الطارئة تسمى: نجاسة حكمية، وأما النجاسة غير الطارئة فتسمى: نجاسة عينية.
قال: (وهو الباقي على خلقته) هذا تعريفه، وتقدم.
ثم قال: (فإن تغير بغير ممازج، كقطع كافور، أو دهن، أو بملح مائي، أو سخن بنجس كُرِهَ) إن تغير الماء بشيء لا يمازجه، مثل قطع الكافور؛ الكافور نوع من الطيب يكون قطعًا، ويكون ناعمًا دقيقًا غير قطع، هذه القطع إذا وضعت بالماء تغير رائحته وطعمه، لكنها لا تمازجه؛ يعني: ما تختلط فيه وتموع، فإذا تغير بهذا فهو طهور، لكنه مكروه.
كيف يكون طهورًا وقد تغير؟
قالوا: لأن هذا التغير ليس عن ممازجة، ولكن عن مجاورة، فالماء هنا ما تغير؛ لأن هذه القطع مازجته، ولكن لأنها جاورته، فالتغير هنا بالمجاورة لا بالممازجة، فيكون طهورًا.
لماذا يكون مكروهًا؟
стр. 30
يقولون: لأن بعض أهل العلم قال: إنه يكون طاهرًا غير مطهِّر، فيرى أن هذا التغير يسلبه الطهورية، انتبه، فصار التعليل الآن بماذا؟ التعليل بالخلاف؛ يعني: لو سألك سائل: أنت الآن تقول: إنه إذا تغير بغير ممازج فإنه يكره؛ يعني: هو يكون طهورًا ولَّا طاهرًا؟ يكون طهورًا يطهر؛ يزيل النجاسات ويرفع الأحداث، إذا كان طهورًا لماذا كرهته؟
قال: لأن العلماء اختلفوا فيه؛ فذهب بعضهم إلى أنه في هذه الحال يكون طاهرًا غير مطهِّر، فمن أجل هذا الخلاف قلنا: إنه يكره، فعللوا بالخلاف.
ولكن الصواب: أن التعليل بالخلاف عليلٌ ولا يستقيم، ومعنى (عليل) يعني: مريض بالخلاف، التعليل بالخلاف لا يصح؛ لأننا لو قلنا بذلك لكرهنا مسائل كثيرة في أبواب العلم؛ لأن الخلاف في مسائل العلم كثير ولَّا قليل؟ كثير جدًّا، ولو قلنا: كلما وجدنا خلافًا في مسألة قلنا: إنها مكروهة، لكان كثير من مسائل العلم تكون مكروهة؛ لوجود الخلاف فيها، وهذا لا يستقيم.
إذن فالتعليل بالخلاف ليس علة شرعية، ولا تقبل، ولا نقول: خروجًا من الخلاف؛ لأن الخروج من الخلاف هو معنى التعليل بالخلاف، بل نقول: إذا كان لهذا الخلاف حظ من النظر وكانت الأدلة تحتمله، فنحن نكرهه؛ لا لأن فيه خلافًا، ولكن لأن الأدلة تحتمله، فيكون تركه من باب «دَعْ مَا يَرِيبُك إِلَى مَا لَا يَريبُكَ» (١٨).
أما إذا كان خلافًا لا حظَّ له من النظر، فلا يمكن أن نعلل به المسائل، ونأخذ منه حكمًا.
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرَا
إِلَّا خِلَافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ
ما كل خلاف يعتبر، والحاصل هذه قاعدة مفيدة من قواعد الأصول: أن التعليل بالخلاف عليلٌ لا يقبل، لماذا؟ لأن الأدلة ما تثبت إلا بدليل، من قال لنا: إن مراعاة الخلاف دليل شرعي تثبت به الأحكام، ويقال: هذا مكروه، أو غير مكروه، من قال ذلك؟
стр. 31
ثم لو قلنا به للزم أن نكره كثيرًا من مسائل العلم؛ لأن الخلاف في مسائل العلم كثير، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن ماذا نقول إذا جاءت مسألة خلافية؟ نقول: إذا كان هذا الخلاف تحتمله الأدلة ومرجوحيته ليست تلك المرجوحية البالغة، فيمكن هنا أن نقول بأن الأولى ترك هذا الشيء، أو ربما نتجاسر ونقول: إنه يكره، لا لأن فلانًا قال به وخالف، ولكن لأن الأدلة تحتمل هذا القول، فيكون الأخذ بها من باب «دَعْ مَا يَرِيبُك إِلَى مَا لَا يَريبُكَ»، هذه واحدة.
(أو دهن) تغير بغير ممازج كدهن، ويش يعني دهن؟ تعرفون الدهن؟ وضع إنسان دهنه في مائه وتغير الماء بها، فإنه لا يسلبه الطهورية، يبقى طاهرًا؛ لماذا؟ لأن الدهن لا يمازج الماء؛ تجده طافيًا على أعلاه، ما يمكن يمازجه، فتغيره به تغير مجاورة وليس تغير ممازجة، فلأجل ذلك لا يسلبه الطهورية.
طالب: ولو كان ساخنًا يا شيخ؟
الشيخ: ولو كان الماء ساخنًا، ولو مع الدهن.
بِمِلْحٍ مائيٍّ أو سُخِّنَ بنَجِسٍ كُرِهَ، وإن تَغَيَّرَ بِمُكْثِه أو بما يَشُقُّ صَوْنُ الماءِ عنه من نَابتٍ فيه ووَرَقِ شجَرٍ أو بِمُجاوَرَةِ مَيْتَةٍ أو سُخِّنَ بالشمْسِ أو بطاهِرٍ لم يُكْرَهْ، وإن استُعْمِلَ في طَهارةٍ مُستَحَبَّةٍ كتَجديدِ وُضوءٍ وغُسلِ جُمُعةٍ وغَسلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ كُرِهَ، وإن بَلَغَ قُلَّتَيْن وهو الكثيرُ - وهما خَمْسُمائةِ رَطْلٍ عِرَاقِيٍّ تقريبًا - فخالَطَتْهُ نجاسةٌ غيرُ بَوْلِ آدَمِيٍّ أو عَذِرَتِه المائعةِ فلم تُغَيِّرْهُ أو خالَطَه البَوْلُ أو العَذِرةُ ويَشُقُّ نَزْحُه كمصانِعِ طريقِ مَكَّةَ فطَهورٌ. ولا يَرْفَعُ حَدَثَ رجُلٍ طَهورٌ يَسيرٌ خَلَتْ به امرأةٌ لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدَثٍ. وإن تَغَيَّرَ طَعْمُه أو لونُه أو ريحُه بطَبْخٍ أو ساقِطٍ فيه أو رُفِعَ بقَلِيلِه حَدَثٌ أو غُمِسَ فيه يدُ قائمٍ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوُضوءٍ،
لماذا يُكْرَه؟ خروجًا من الخلاف.
стр. 32
وقد عَلِمْتَ ما في هذا التعليل من عِلَّة.
يبقى: لماذا لا تسلبه الطَّهُورية؟
يقول: لأنَّ هذا الملح المائيَّ أصْله الماء؛ لأننا نقول: ملحٌ مائيٌّ.
وعُلِم من قول المؤلف: (مائيٍّ) أنَّه لو تغيَّر بملح معدني يُستخرَج من الأرض؛ يعني فيه أملاح معدنية؛ مثل معدن الذهب والفضة والحديد وما أشبهها، فإنه يسلبه الطَّهوريةَ على المذهب ويكون طاهرًا غيرَ مُطهِّرٍ، ولكن سيأتي -إن شاء الله- الكلامُ على الطاهر المطهِّر.
يقول: (أو سُخِّن بنجسٍ كُرِه). إِذا سُخِّنَ الماءُ بنجسٍ وتغيَّر فإنه؟
طالب: يُكْره.
الشيخ: قوله: (أو سُخِّن بنجسٍ) هذه معطوفة على (إنْ تغيَّر بغير ممازِج)، (أو سُخِّن بنجسٍ) وإنْ لم يتغيَّر، فإنه يُكرَه إذا سُخِّن بنجس.
ويش مثال سُخِّن بنجس؟
إنسان جَمَع روث حمير وسخَّن به الماء، فإنه يُكرَه؛ هذا الماءُ يُكرَه، أمَّا إذا كان مكشوفًا فإنَّ وجْه الكراهة في ذلك ظاهر، ليش؟ لأن الدُّخان يدخل فيه ويؤثِّر.
وأمَّا إذا كان مغطًّى فإنه يُكره ولو كان محكمَ الغطاء؛ لأنه يقول: لا يَسْلم غالبًا من صعود أجزاءٍ لطيفةٍ إليه، يمكن فيه شيء مثل السلس دخل على ها الماء هذا، فعلى هذا يكون مكروهًا.
ولكن الصَّواب أنه لا يُكره إذا سُخِّن بنجسٍ إذا كان مُحْكمًا ما يدخل عليه الدخان، فإنْ دخل عليه الدخان فغيَّره فإنه ينبني على القول بأن الاستحالة تجعل النجسَ طاهرًا، إِن قلنا به ما ضَرَّ حتى لو دخل الدخان
(أو سخن بنجس كره) هذه علته غير العلة الأولى العلة أيش؟
طالب: التسخين.
الشيخ: لأنه لا يَسْلم من صعود أجزاءٍ لطيفةٍ إليه، والمحْكَم نادر، فلا حُكْمَ له.
وتعليلٌ آخر: لأنَّ هذا الماء سخن بشيءٍ نجسٍ.
***
قال المؤلف: (وإنْ تغيَّر بِمُكثِهِ، أو بما يَشُقُّ صَوْنُ الماءِ عنه من نابتٍ فيه وورقِ شَجَرٍ، أو بمجاورة ميتةٍ، أو سُخِّن بالشمس أو بطاهرٍ، لم يُكْره).
هذه عدة مسائل:
стр. 33
إذا (تغيَّرَ بِمُكْثه) أي: بطول إقامته، فإنه لا يضرُّ.
ويش لون يتغير بِمُكثه؛ بطول إقامته؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يسمونها عندنا هنا (الصاري)، ( ... ) عاد عندكم مثله في لغة القصيم ولّا لا؟
طالب: الصاري؛ يبغي البيار، يبغي البير.
الشيخ: ( ... ) بطول مُكثه هو ما يضرُّ؛ لأنه ما تغيَّر بشيءٍ حادثٍ فيه، تغيَّر بنفسه، فهذا لا يضرُّ ولا يُكرَه.
كذلك إذا تغير: (بِمُكْثه أو بما يَشُقُّ صَوْن الماء عنه من نابتٍ فيه وورقِ شَجَرٍ).
(بما يَشُقُّ صَوْن الماء عنه من نابتٍ فيه) مثل هذا الغدير نَبَتَ فيه عُشْبٌ، يُمْكن هذا ولّا لا؟ يُمْكن، أو نَبَتَ فيه طُحْلبٌ، تعرفون الطُّحْلب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ( ... ) على الماء.
(أو ورق شجر) كان حوله أشجار فتتساقط أوراقها في هذا الماء فتغيَّر بها، فإنَّه يكون طَهُورًا غير مكروه.
طالب: إذا له رائحة؟
الشيخ: ولو له رائحة.
الطالب: بدون طعم؟
الشيخ: لو له رائحة بدون طعم بل ولو له طعم.
طالب: ولونه؟
الشيخ: ولونه؛ يعني لو تغيَّر لونُه وطعمُه وريحُه بهذه الأوراق ..
طالب: ( ... ) هذا يتغير لونه؟
( ... )
الشيخ: لماذا؟ يقولون: لمشقَّة التحرُّز منه. هل واحد يمنع الأشجار أن تطير بها الرياح حتى توقعها في هذا المكان؟ ما يقدر أحد. أو هل يقدر أحدٌ أن يمنع أن يتغيَّر هذا الماء بسبب طول مُكْثه؟ ما يمكن. ولو أننا قلنا للنَّاس: يكون الماء طاهرًا غيرَ مطهِّر؛ لكُنَّا شققْنا عليهم، فلهذا نقول: إذا تغيَّر الماء طعمُه ولونُه وريحُه بما يشُقُّ صَوْن الماء عنه فهو طَهُور غير مكروه.
طيب، لو تغيَّر بطينٍ؛ واحد مشى في الغدير برجليه، قام يخبِّط إلى أن صار الماء متغيِّرًا جدًّا بالطين، ملوثًا، يكون طَهُورًا غير مكروه؛ لأنه تغيَّر بِمُكثه.
стр. 34
كذلك أيضًا تغير (بمجاورة ميتةٍ)؛ هذا غدير صار عنده ميتاتٌ كثيرةٌ؛ عشرين شاة ماتت من كُلِّ الجوانب، وصار له رائحةٌ كريهةٌ جدًّا بسبب الجِيَفِ، تغيَّر، يقول المؤلف: إنه طَهُورٌ غير مكروه.
طالب: بس لما اتغير من الريحة.
الشيخ: بس فيه الريحة فقط.
الطالب: ما دخلت فيه.
الشيخ: إذا أخذته بيدك شممتَه تقول: رائحته خبيثة، يقول المؤلف: إن هذا يكون طهورًا، لماذا؟
طالب: لَمْ يتغير ( ... ).
الشيخ: ( ... ) عنْ مجاورة لا عنْ ممازجة، الغريب أن بعض أهل العلم حكى إجماع أهل العلم على ذلك؛ أنه لا ينجُس بتغيُّره بمجاورة ميتةٍ، وربما يُستدَلُّ عليه ببعض ألفاظ الحديث: «إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» (١) على القول بأن هذا الحديث صحيح.
فإن كلمة «تَحْدُثُ فِيهِ»، هذا ما حدثتْ فيه، إنما هي مجاوِرة له، لكن لا شكَّ أن الأَوْلى التنزُّه عنه إذا أمكن، فإذا وجدتَ ماءً لم يتغيَّر فهو أحسن وأبعد عن أنْ تتلوَّث بماءٍ رائحته خبيثةٌ نجسةٌ، وربما يكون فيه من النَّاحية الطبِّيَّة ضررٌ؛ أن تكون هذه الروائح تحمل ميكروبات تَحُلُّ في هذا الماء.
طالب: ما الفرق ( ... ).
الشيخ: سخن بالشمس ما ( ... )؛ واحد مثلًا في الشتاء وضَعَ الماء في الشمس ليسخن فاغتسل به فلا حَرَج.
(أو بطاهرٍ) مثل أيش؟
طالب: الحطب.
الشيخ: حطب، غاز، كهرباء، فإنه لا يُكرَه.
***
( ... ) (إن استُعْمِلَ في طهارة مستحبَّة) الضَّمير في قوله: (إن استُعْمِلَ) يعود على الماء الطَّهور، (استُعْمِلَ في طهارة مستحبة).
стр. 35
والاستعمال: أن يَمُرَّ الماءُ على العضو ويتساقط منه، وليس الماء المستعمَل هو الذي يُغتَرف منه، الماء المستعمَل هو الذي يتساقط بعد الغَسْل فيه؛ غسلتَ وجهَك، هذا الماء اللي يخرج من الوجه هو الماء المستعمَل، غسلتَ يديك هذا الماء الذي يتساقط من اليدين هو الماء المستعمَل، وأمَّا الماء المأخوذ منه فهذا ليس بمستعمَل، وقد يغلط بعض الطلبة ويظن أن الماء المستعمَل هو الماء المغترَف منه، وليس كذلك، بل الماء المستعمَل هو الذي يتساقط من الأعضاء بعد استعماله.
(استُعْمِلَ في طهارةٍ مُسْتَحبَّةٍ كتجديد وُضُوءٍ)
تجديد الوضوء سُنَّة، إذا صلَّى الإنسان بوضوئه الأول صلاةً ثم دخل وقتُ الصلاة الأُخرى فإنه يُسَنُّ أن يُجدِّد الوُضُوء وإن كان على طهارة، استعمله في تجديد الوضوء، فهل يكون طاهرًا أو طَهُورًا؟
الجواب: يكون طَهُورًا، لكنه يُكرَه، يكون طَهورًا لأنه لم يَرِد عليه ما ينقله عن الطَّهورية، ويكون مكروهًا للخلاف في سلبه الطَّهورية؛ لأن بعض العلماء يقول: إنه إذا استُعْمِل في طهارةٍ ولو مستحبَّة صار طاهرًا غير مطهِّر، فمِن أجْل هذا الخلاف صار مكروها.
وقد سبق لنا قبل هذه الليلة أن التعليل بالخلاف عليلٌ، وأن الصواب أن يُقال في الخلاف: إنْ كانت الأدلة محتمِلةً فالأَوْلى الاحتياط. لماذا؟ لاحتمال الأدلة، فهو من باب: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٢)، وإن كان الدليل واضحًا فلا عبرة بالخلاف ولا يغيَّر من أجْله الحكمُ؛ لأن الأدلة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس، أمَّا مسألة الخلاف فليس من الأدلة الشرعية.
طالب: بالنسبة ( ... ) يعني ( ... ).
стр. 36
الشيخ: (كتجديد وضوءٍ وغُسْل جمعة)، غُسل الجمعة طهارة مستحَبَّة، وهذا رأي جمهور أهل العلم، وسيأتينا إن شاء الله تعالى أنَّ غُسل الجمعة على القول الراجح واجبٌ، لكن على المشهور من المذهب وقول جمهور أهل العلم أن غُسلَ الجمعة غُسلٌ مستحَبٌّ، فإذا استُعمِل الماء في غُسل الجمعة فإنه يكون طَهُورًا لكنه مكروه.
وما هو المستعمَل في الغُسل؟ هو الذي يتساقط من الجسم بعد الاغتسال وليس الماء الذي يُغترَف منه.
(وغَسْلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ)، الغَسْلةُ الثانيةُ ليستْ بواجبة، ويش الدليل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والغَسل يصدق بواحدةٍ ولَّا لا؟ يصدق بواحدة، ولأنَّ النبيَّ ﷺ ثبت عنه أنه توضَّأ مرَّةً مرَّةً (٣)، إذَنْ فالثانية والثالثة تكون طهارةً مستحبَّةً، فما استُعمِل في الغَسْلةِ الثانيةِ والثالثةِ فإنه يكون طَهُورًا لكنه مكروه، والعِلَّةُ: الخلاف في سلبه الطَّهورية.
والصواب في هذه المسائل كلِّها يا إخواني أنه لا يُكرَه؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعيٌّ، والحكم الشرعيُّ يفتقر إلى دليلٍ، وكيف نقول لعباد الله: إنه يُكرَه لكم أن تستعملوا هذا الماء، وليس عندنا دليلٌ من الشَّرع؟ ! هذا صعب.
ولذلك يجب أن نَعرِف أن منْع العباد مما لم يدلَّ الشرعُ على منْعِهِ كالتَّرخيصِ لهم فيما دَلَّ الشَّرعُ على منْعِهِ؛ لأن الله جعلهما سواءً؛ ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، بلْ قد يقول قائلٌ: إن تحريم الحلال أشدُّ من تحليل الحرام؛ لأن الأصلَ الحِلُّ، والله يحبُّ التيسير لعباده.
***
ثم قال المؤلف: (وإنْ بَلَغَ قُلَّتينِ وهو الكثيرُ).
(بَلَغَ) الضمير يعود على ماذا؟ على الماء الطَّهور.
стр. 37
(قُلَّتينِ): تثنية قُلَّة، والقُلَّة أشبه ما لها ما يُسَمَّى عندنا بـ (الزير)، تعرفون الزير اللي يُحطُّ فيه الماء؟ إلا أنها أكبر منه، القُلَّة هذه مشهورة عند العرب؛ قِلالُ هَجَر معروفةٌ مشهورةٌ.
إذا بلغ قُلَّتين (وهو الكثير) (الكثير) بحسب الاصطلاح، فإذا سمعتَ الفقهاءَ يقولون: الماء الكثير. فالمراد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما بَلَغ القُلَّتينِ؛ (ما بَلَغ)، ما هو (ما فوقَ)، ما بَلَغَ القُلَّتينِ، وإذا سمعتَهم يقولون: يسيرٌ. فهو ما دون القُلَّتينِ.
(وإنْ بَلَغَ قُلَّتينِ) (وهو الكثير) الجملة هذه جملة معترضة بين فعل الشرط وجواب الشرط.
(وهو الكثير، وهما خمسُ مئةِ رطْلٍ عراقيٍّ تقريبًا) (خَمسُ مئةِ رطْلٍ عراقيٍّ) مئة الرطل العراقي على وزن قِربة ماء تقريبًا، وعلى هذا فيكون كَمْ قربة؟ خمسَ قِرَبٍ تقريبًا، إذا بَلَغَ الماءُ ذلك -وأفادنا المؤلِّف بقوله: (تقريبًا) أن المسألة ليست على سبيل التَّحديد- فلا يضرُّ النَّقصُ اليسير.
(فخالطَتْه نجاسةٌ)
(خالطتْه) يعني: امتزجتْ به.
(نجاسةٌ) وتقدَّم لنا ما هي النَّجاسة؛ كلُّ عينٍ حَرُمَ تناولها لا لِحُرمتها، ولا لاستقذارها، ولا لضررٍ بها في بَدَنٍ أو عقْلٍ. هذا تعريف بعضِ الفقهاء، وهي في الحقيقة محدودةٌ ومعدودةٌ كما سيأتينا في باب إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى.
(نجاسةٌ غَيرَ بولِ) ويجوز (غَيرُ) على أنها صفةٌ لـ (نجاسة) (بولِ آدميٍّ أو عَذِرته المائعةِ فلمْ تغيِّرهُ). احذف (غَيرَ بولِ آدميٍّ أو عَذِرته) حتى نتكلَّم عليها كلامًا مستقلًّا.
(فخالطتْه نجاسةٌ ... فلمْ تغيِّره فطهورٌ) إذا بَلَغ الماءُ قُلَّتينِ فخالطته نجاسةٌ فلم تغيِّره فهو طَهورٌ.
стр. 38
وقوله: (فلم تغيِّره)، ويش المراد بـ (تغيِّره)؟ طعمه أو لونه أو ريحه؛ مثال ذلك: هذا إنسانٌ عنده ( ... ) فيها ماءٌ يبلغ القُلَّتينِ، فسقط فيها روث حمارٍ، ولكن الماء ما تغيَّر لا طعمه ولا لونه ولا ريحه، فما حُكْم هذا الماء؟ طَهُورٌ؛ الدليل قول النبي ﵊: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٤) مع قوله: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (٥)، فعلى هذا نقول: إن الماء طَهورٌ لا ينجِّسه شيءٌ إذا بَلَغَ القُلَّتينِ، فإنه إذا لَمْ تغيِّره النجاسة فإنه يكون طَهورًا، لو كنتَ ترى النجاسةَ فيه ما دام أنه ما تغيَّر فإنه يكون طَهورًا يجوز أن تتوضأ به، وأن تغتسل به، وأن تغسل به ثوبَك من النجاسة، وأن تشرب منه، كلُّ هذا جائزٌ لأنه طَهورٌ.
بقينا في قوله: (بولِ الآدميِّ وعَذِرَته المائعة).
(بولِ الآدميِّ وعَذِرَته المائعة) لا تعتبر القُلَّتينِ، اعتبرْ مشقةَ النزح؛ إن كان يشقُّ نزْحُه ولم يغيِّره البول والعَذِرة فهو طَهورٌ، وإن كان لا يشقُّ ولو زاد على القلَّتينِ فهو نجسٌ، فجميع النجاسات حتى نجاسة الكلب يُراعَى فيها أيش؟ القُلَّتانِ، أمَّا بول الآدمي وعَذِرته المائعة فإن المعتبر مشقَّةُ النَّزْحِ، فاجعلْ مشقَّةَ النَّزح بالنسبة للبول والعَذِرة بمنزلة القُلَّتينِ؛ فهذا مثلًا: عندنا غديرٌ بالَ فيه شخصٌ نقطةً مثل عينِ الجرادة -تعرفون عينَ الجرادة؟ صغيرة، يُضرَب بها الْمَثَل في الصِّغَر- مثل عينِ الجرادة، وهذا الماء أربعُ قِلالٍ، ولَمْ يتغيَّر الماء إطلاقًا، ماذا يكون هذا الماء، لكنه لا يشقُّ نَزْحه؛ لو جاء رجلٌ نَزَحَةُ بدون أن يشقَّ عليه؟ يكون نجسًا.
طيب، ما تغيَّر، ولو العبرة بمشقَّة النَّزح فإنْ كان يشقُّ نزحه قلنا: طهورٌ.
стр. 39
ما هو الدليل على الفرق بين بول الآدميِّ وغيرِه من النجاسات مع أنكم تقولون لو بال كلبٌ في هذا الماء الذي يبلغ القُلَّتينِ ولم يتغيَّر، لو بال الكلب يكون طَهورًا؟
بال كلبٌ في هذا الماء الذي يبلغ أربع قِلالٍ ولا يشقُّ نزْحُه، بال به كلبٌ ولم يتغيَّر؟
الطلبة: طَهورٌ.
الشيخ: طَهورٌ.
حَصَلتْ عليه نقطةٌ من بول آدميٍّ كعَينِ الجرادة ولم يتغيَّر؟
الطلبة: نجسٌ.
الشيخ: نجسٌ.
كيف نجعل بول الآدميِّ أشدَّ ممن بول الكلب؟ ويش الدليل على هذا؟ نحتاج إلى دليل.
يقول: الدليل أن الرسول ﵊ قال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» أو «مِنْهُ» (٦)، فنهى عن البول ثم الاغتسال، وهذا عامٌّ؛ ولكنه عُفِيَ عمَّا يشقُّ نزْحُه من أجْل المشقَّة، هذا هو دليلهم على هذه المسألة.
فيقال: النبي ﵊ ما قال: إنه ينجس، بل نهى أن يبول ثم يغتسل، لا لأنه نجسٌ، ولكن لأنه ليس من المعقول أن رَجُلًا يجعل هذا مَبالًا له ثم يرجع ويغتسل منه، هذا كقوله ﵊: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا فِي اللَّيْلِ» (٧) هذا تناقضٌ، هذا هو الحكمة في النهي عن البول ثم الاغتسال، وليس المعنى أنه يكون نجسًا، والنبي ﵊ ما تعرَّض للنجاسة، النجاسة لها بابٌ وهذا له بابٌ آخَر.
ولِهذا: الصوابُ في هذه المسألة ما عليه المتأخرون من أصحاب الإمام أحمد؛ وهو أنه لا فَرْق بين بول الآدميِّ وعَذِرته المائعة وبين غيرهما، الكلُّ سواءٌ، إذا بَلَغ الماءُ قُلَّتينِ لم ينجس إلا بالتغيُّر، وما دون القُلَّتينِ ينجس بمجرد الملاقاة.
стр. 40
واختار شيخ الإسلام ﵀ وجماعةٌ من أهل العلم أنه لا ينجس الماء إلا بالتغيُّر مطْلقًا سواء بَلَغ قُلَّتينِ أم لم يبلغْ. لكن ما دون القُلَّتينِ يجب على الإنسان أن يتحرَّز إذا وقعتْ فيه النجاسة؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ ما دونهما يتغيَّر، فليكُنْ متحرِّزًا، وأمَّا أن نقول بالنجاسة وإنْ لم يتغيَّر فهذا ليس بصحيح، وما قاله الشيخ هو الصحيح للأثر والنظر:
أمَّا الأثر فلأنَّ النبي ﵊ يقول: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٤)، فهو الذي يطهِّر الأشياءَ، فإذا كان هو الذي يطهِّرها لا تنجِّسه الأشياءُ، ولكن يُستثنى من ذلك ما تغيَّر بالنَّجاسة فإنه نجسٌ بالإجماع، وعليه تدلُّ إشاراتُ الكتاب -يعني القرآن- وأحاديثُ في السُّنة وإنْ كانت ضعيفةً.