Полный текст (12 382 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وقال ﵊: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» فَلْيبعدْ «فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ بِمَا يُلْقِي مِنَ الشُّبُهَاتِ» (٢١)؛ يأتيهِ الإنسانُ يقول: أنا أبَدًا هذا لَنْ يُضِلَّني ولنْ أتأثَّر به، ولكنْ لا يزالُ يُلْقِي فيه مِن الشُّبُهاتِ حتى يتَّبعهُ والعياذُ بالله.
فإذَن البحثُ فيه من وجوهٍ: أولًا: زمنُ خروجهِ لا يُعلَم، لكنه من أشراطِ الساعة، أمَّا مكانُه فمِن المشْرقِ، وأمَّا اتجاهُهُ فإلى المدينةِ، أكبرُ هَمٍّ له أنْ يصِلَ إلى المدينة ولكنَّ الله يحميها منه ولله الحمد، وأمَّا دَعْوته فقدْ ذُكِر أنه أولَ ما يخرجُ يدعو إلى الإسلام ويقول: إنه مسلمٌ، ويُنافِحُ عن الإسلام، ثم بعد ذلك يَدَّعي النُّبُوَّةَ وأنه نبيٌّ، ثم بعد ذلك يَدَّعي أنه إِلَهٌ، أعوذُ بالله، فهذه دَعْواه، نهايتُها بدايةُ فرعون؛ وهي ادِّعاءُ الربوبيَّةِ وأنه الربُّ.
ولكنْ مِن حِكْمة الله أنَّ الله يُعطيه آياتٍ فيها الفِتَنُ العظيمةُ؛ فإنه يأتي إلى القومِ يدْعوهم فيتَّبعونه، فيُصبحونَ وقد نَبَتَتْ أراضيهم وشبعتْ مواشيهم، فتعودُ إليهم أَوْفَرَ ما تكونُ لبنًا وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا؛ يعني أنهم يعيشون برَغَدٍ لأنهم اتَّبعوه، ويأتي القومَ فيدْعوهم فلا يتَّبعونه، فيُصبحونَ مُمْحِلينَ ما في أراضيهم شيءٌ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ لا سِيَّمَا في الأعراب، الأعرابيُّ يفتتنُ بهذا افتتانًا عظيمًا.
ويَمُرُّ بالخربةِ فيقول: أخْرِجِي كُنُوزَكِ. أمْرٌ؛ أخْرِجِي كُنُوزَكِ. فتَخرجُ كُنُوزُها تَتْبَعُهُ كيعاسيبِ النَّحلِ، تَتْبعُهُ مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وغيرِها بدونِ آلاتٍ وبدونِ شيءٍ، فتنةٌ مِن الله ، فالفتنةُ عظيمةٌ جدًّا، هذه معاملتُه لأهلِ الدنيا، اللِّي يتمتَّع بالدنيا أو يَبأس فيها.
стр. 1297
أمَّا المآلُ فإنَّ الله تعالى جعلَ معه جنةً ونارًا بحسبِ رُؤْيا العينِ، لكنْ جَنَّتُهُ نارٌ، ونارُهُ جنَّةٌ، مَنْ أطاعهُ أدخله هذه الجنَّةَ فيما يرى الناسُ ولكنَّها نارٌ مُحرِقةٌ والعياذُ بالله، ومَنْ عصاهُ أدخله النارَ فيما يراه الناسُ ولكنَّها جنَّةٌ وماءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ.
إذَنْ يحتاج الأمرُ إلى تثبيتٍ من الله ، إنْ لم يُثَبِّتِ اللهُ المرءَ هَلَكَ وضَلَّ، فيحتاج إلى أنْ يُثَبِّتَ اللهُ المرْءَ على دِينِهِ ثباتًا قويًّا تامًّا.
يَخرُجُ إليه رجُلٌ من الناسِ شابٌّ فيقول له: أنتَ الدجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ . يقول ذلك، فيدْعوهُ فيأْبَى أنْ يَتَّبعه.
ويَدعو بما وَرَدَ، ثم يُسَلِّمُ عن يمينِه " السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ " وعن يَسارِه كذلك، وإن كان في ثُلَاثِيَّةٍ أو رُباعيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرًا بعدَ التشَهُّدِ الأَوَّلِ وصَلَّى ما بَقِيَ كالثانيةِ بـ (الحمدُ) فقط ثم يَجْلِسُ في تَشَهُّدِه الأخيرِ مُتَوَرِّكًا، والمرأةُ مثلُه
نهايتها بداية فرعون، وهي ادعاء الربوبية وأنه الرب.
ولكن من حكمة الله أن الله يعطيه آيات فيها الفتن العظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه، فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أوفر ما تكون لبنًا، وأَسْبَغه ضروعًا، يعني أنهم يعيشون برَغَد؛ لأنهم اتبعوه.
ويأتي القومَ فيدعوهم فلا يتبعونه، فيصبحون مُمْحِلِين، ما في أراضيهم شيء، وهذه فتنة عظيمة، لا سيما في الأعراب، الأعرابي يفتتن بهذا افتتانًا عظيمًا، ويمر بالخرِبة فيقول: أَخْرِجي كنوزك، أمر، فتخرج كنوزُها تتبعه كيعاسيب النحل، تتبعه، من ذهب وفضة وغيرها، بدون آلات وبدون شيء، فتنة من الله ، فالفتنة عظيمة جدًّا، ثم مع ذلك هذه حاله في معاملته لأهل الدنيا، اللي بيتمتع بالدنيا أو يبأس فيها.
стр. 1298
أما المآل فإن الله تعالى جعل معه جنة ونارًا، بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، من أطاعه أدخله هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار مُحْرِقة -والعياذ بالله-، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب طيب.
إذن يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله ، إن لم يُثَبِّت الله المرء هلك وضل، فيحتاج إلى أن يثبت الله المرء على دينه ثباتًا قويًّا تامًّا.
يخرج إليه رجل من الناس شاب فيقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ ، فيدعوه فيأبى أن يتبعه فيأمر ويُشَقُّ هذا الإنسان نصفين، ويجعل نصفًا هنا ونصفًا هنا ويمشي بينهما، تحقيقًا للتباين؛ تباين جسده بعضه عن بعض، ثم يدعوه: قم يا فلان، فيقوم يتهلَّلُ وجهه، يقوم في الحال، ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله ﷺ . لله دره! ! ما يخاف، ثم يقتله ثانية ويمر بين شقيه، ثم يدعوه فيقوم يَتَهَلَّل ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله ﷺ ، ثم يأتي ليقتله فلا يُسلَّط عليه، يعجزُ عن قتله، ولن يُسلَّط على أحد بعدَه.
فهذا من أعظم النَّاس شهادةً عند الله؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا نتصوَّره نحن في هذا المكان، لا يتصور رهبته إلا مَن باشره، المقام رهيب عظيم، ومع ذلك يُصرِّحُ على الملأ إعذارًا وإنذارًا بأنك أنت الدَّجَّال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله ﷺ .
هذه حاله وما يدعو إليه، ولكن هذه المحنة العظيمة لا تدوم، وهو الوجه الرابع الذي نتكلم عنه.
مقدار لُبْثه في الأرض أربعون يومًا فقط، لكن يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدَّث النبيُّ ﷺ .
стр. 1299
قال الصَّحابةُ ﵃: يا رسولَ الله، هذا اليوم الذي كَسَنَة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (١)، انظروا يا إخواني إلى هذا المثال لتأخذوا منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله ﷺ لرسول الله؟ ما ذهبوا يُحَرِّفون أو يُؤَوِّلُون، أو يقولون: إنَّ اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس تجري في فلكها ولا تتغيَّر، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه ولعِظَمِ المشاق فيه، فهو يطولُ؛ لأنه مُتْعِب، ما قالوا هكذا، كما يقوله بعضُ المُتَحَذْلِقِين.
بماذا صَدَّقوا؟ صَدَّقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهرًا حقيقة، بدون تحريف وبدون تأويل، وهكذا حقيقة المؤمن، ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حَارَ فيها عقلُه، لكن يجب أن تعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون فيما يكون محالًا في العقول، لكن فيما يكون حيرةً في العقول، يعني العقول تتحير؛ لأنها ما تدركه، لكن لا يمكن أن يكون شيئًا محالًا.
فالرسول ﷺ أخبر بأن أول يوم من أيام الدجال كَسَنَة، لو أن هذا الحديث مَرَّ على المتأخِّرين الذين يدَّعون أنهم هم العقلاء لقالوا: إنَّ طوله مجاز عمَّا فيه مِن التَّعبِ والمشاق؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة.
ولكن الصَّحابة ﵃ لصفائهم وقَبولهم سَلَّموا في الحال، وقالوا: إنَّ الذي خَلَقَ الشَّمسَ، وجعلها تجري في أربعة وعشرين ساعة في اليوم والليلة، قادر على أن يجعلها تجري في اليوم كم؟ اثني عشر شهرًا؛ لأن الخالق واحد ، فهو قادر، ولذلك سَلَّموا، وقالوا: كيف نُصلِّي؟ ما سألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن قدرة الله فوق مستواهم، سألوا عن الأمر الشرعي الذي هم مُكَلَّفون به وهو الصَّلاة، وهذا والله حقيقة الانقياد والقَبول، قالوا: كيف نصلي؟ قال: «اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (٢).
стр. 1300
وسبحان الله العظيم! إذا تأملت أن هذا الدِّينَ تامٌّ كامل، لا يمكن أن تكون مسألة يَحتاجُ النَّاسُ إليها إلى يوم القيامة إلا وُجِدَ لها أصلٌ.
كيف أنطقَ اللَّهُ الصَّحابةَ أن يسألوا هذا السؤال؟ ما قالوا: نصبر حتى يأتي ذاك اليوم نشوف، نبحث. أنطقَهم اللَّهُ حتى يكون الدِّين كاملًا ما يَحتاجُ إلى تكميل، وقد احتاج النَّاسُ إلى هذا الآن، الآن المناطق القُطبية يبقى الليل فيها سِتَّة أشهر، والنهار ستة أشهر، نحتاج إلى هذا الحديث ولَّا ما نحتاج؟ نحتاج، شوف كيف أفتى الرسول ﵊ هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المشكلة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، والله لو نتأمَّل كلمة ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لعلمنا أنه ما يوجَد شيء ناقص في الدِّين أبدًا، كامل مِن كلِّ وَجْهٍ، لكن النقص فينا؛ إما قصور في علومنا، ولَّا في أفهامنا، ولَّا إرادات تكون ما هي منضبطة، يكون إنسان وده ينصر قوله فيَعْمَى عن الحقِّ، نسأل الله العافية.
فلو أننا نظرنا بعلم وفَهْمٍ وحُسْنِ نية لوجدنا أن الدِّينَ -ولله الحمدُ- لا يحتاج إلى مُكَمِّل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة إلا وُجِدَ حَلُّها في الكتاب والسُّنَّة، لكن لما كَثُرَ الهوى، وغلب على النَّاسِ، صار بعض الناس يَعْمَى عليه الحقُّ، ويَخْفَى عليه الحق، وتجدهم إذا نزلت الحادثة التي لم تكن معروفة مِن قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفًا، تجدهم يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، إذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة، كل هذا لأنَّ الهوى غلب على النَّاسِ الآن، وإلا لو كان القصد سليمًا والفهم صافيًا والعلم واسعًا لعَرَفْت.
على كل حال أقول: إن الرسول ﷺ أخبر بأنه يبقى أربعين يومًا، فماذا يكون الأمر بعد الأربعين؟
стр. 1301
ينزل المسيحُ عيسى بن مريم، الذي رَفَعَهُ الله إليه، وقد جاء في الأحاديث أنه ينزِلُ عند المنارة البيضاء في دمشق، أو عليها -النسيان مني- ينزل فلا يَحِلُّ لكافرٍ يجد ريحَه إلا مات، وهذه من آيات الله، يموت، يلحق الدَّجَّالَ عند باب اللُّدِّ -اللُّدّ الآن في فلسطين عند اليهود- فيقتله هناك، وحينئذٍ يقضي عليه نهائيًّا، ولا يقبل ﵊ إلا الإسلام، لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويُرِيق الخمر، ولا يقبل إلا الإسلام فقط، لا يُعبَد إلا الله.
وعلى هذا، فالجزية التي شرعها الإسلام جعل الإسلام لها أمدًا تنتهي إليه، متى؟ نزول عيسى، ولا يقال: إن هذا تشريع من عيسى؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بذلك مقرِّرًا له.
فوضع الجزية عند نزول عيسى من سنة الرسول ﵊؛ لأن سنة الرسول ﷺ قوله وفعله وإقراره، وكونه يتحدث عن عيسى بن مريم مقرًّا له، هذا من سنته. وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرع جديد، ولا أحد يأتي بشرع جديد.
ما فيه إلا شرع محمد ﵊ إلى يوم القيامة، هذا ما يتعلق بالدجال، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه.
قال بعض أهل العلم: إن الرسل الذين أَنْذَرُوا قومهم به لم يُنْذِرُوهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فتنته، يعني أنذروهم من الدَّجَاجِلَة.
ولكن هذا القول ضعيف، بل هو نوع من التحريف؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأنه ما من نبي إلا أنذره قومَه، وهذا صريح في أن الناس أنذروا قومهم بعين الرجل هذا، وقد سبق لنا بيان الحكمة من إنذار الرسل به.
ولكن يجب علينا أن نعلم أن جنس هذه الفتنة موجود حتى في غير هذا الرجل، يوجد من بني آدم الآن مَن يضل الناس بحاله وقَالِه، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله بحكمته أعطاه بيانًا وفصاحة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
стр. 1302
فعلى المرء إذا سمع مثل هذه الفتن التي تكون في أهل البدع من أناس يبتدعون في العقيدة، وأناس يبتدعون في السلوك، وغير ذلك، يجب عليه أن يعرض هذه البدع على أي شيء؟ على الكتاب والسنة، وأن يحذر منها، وألَّا يغتر بما تُكْسَى من زخارف القول؛ فإن هذه الزخارف كما قيل فيها:
حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا
حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
فالدجال الْمُعَيَّن لا شك أن فتنته أعظم شيء، لكن هناك دَجَاجِلَة يُدَجِّلُون على الناس ويُمَوِّهُون عليهم، فيجب الحذر منهم، ومعرفة إراداتهم ونواياهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، يعني: بيانه وفصاحته وعظمه يَجُرُّك جَرًّا إلى أن تسمع، لكن ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]، ما فيهم خير، حتى الْخُشُب ما هي قائمة بنفسها ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾، تقوم على الجدار، فهي لا خير فيها، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤].
فهؤلاء الذين يتزَيَّنُون للناس بأساليب القول، سواء في العقيدة، أو في السلوك والمنهج، يجب الحذر منهم، وأن تُعْرَض أقوالهم وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا تقولَنَّ: إن هؤلاء القوم أُعْطُوا فصاحة وبيانًا لينصروا الحق؛ فإن الله تعالى قد يَبْتَلِي، فيعطي الإنسان فصاحة وبيانًا وإن كان على باطل، كما ابتلى الله الناس بالدجال وهو على باطل بلا شك.
بقي علينا بحث صغير: هل الدجال من بني آدم؟
стр. 1303
نعم، هو من بني آدم، وبعض العلماء -لكن أقوال- يقول: إنه شيطان، وبعضهم يقول: إن أباه إنسي وأمه جنية، على كل حال ما ندري، هذه كلها أقوال ما هي صحيحة، فالذي يظهر أن الدجال من بني آدم، وأنه كبني آدم؛ يحتاج إلى الأكل والشرب، وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلًا عاديًّا كما يُقْتَل البشر.
يقول: ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
طالب: موجود الآن يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما وُجِد؛ لأن الرسول ﷺ في آخر حياته خطب الناس وقال: «إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ» (٣)، وهذا خبرٌ، وخبر النبي ﵊ لا يدخله الكذب نهائيًّا، وهو مُتَلَقًّى من الوحي؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم مثل الغيب، فهو غير موجود، لكن الله يبعثه متى شاء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: فيه نظر، حديث الترمذي فيه نظر.
طالب: علاماته يا شيخ؟
الشيخ: هذا ليس وقت السؤال، البحث فقهي، لكن تعرضنا لهذه المسائل؛ لأنه يندر أن توجد في كتب التوحيد إلا كان في المستقبل إن شاء الله.
يقول: (ويدعو بما ورد)، ليت المؤلف قال: ويدعو بما أحب؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر حديث ابن مسعود في التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (٤)، لكن يمكن أن نجيب عن كلام المؤلف فنقول: إنه ينبغي أن يبدأ الإنسان بما ورد؛ لأن الدعاء الوارد خير من الدعاء المصطنَع الذي أنت تقوله، فإذا وُجِدَ دعاء وارد، فالتزامه أولًا، ثم تدعو بما شئت.
ومما ورد في هذا: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَعَلَى شُكْرِكَ، وَعَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٥)، فإن الرسول ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يدعو به دُبُرَ كل صلاة مكتوبة، وفي بعض الألفاظ أمره أن يدعو به في صلاته، فإذا جمعنا بين اللفظين قلنا: في صلاته في دُبُرِها، أي: في آخرها.
стр. 1304
والقول بأن هذا الدعاء في آخر الصلاة أصح من القول بأنه بعد السلام؛ لأن الذي بعد السلام إنما هو الذِّكر، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وأما ما قُيِّدَ بدُبُر الصلاة وهو دعاء فإنه في آخرها.
وسُئِلَ شيخ الإسلام ﵀: كيف يقول: دُبُر الصلاة، فقال: دُبُر الشيء منه، كدُبُر الحيوان، فإن الحيوان له دُبُر، ودُبُره في نفس الجسم، فكذلك دبر الصلاة يكون من الصلاة، وإذا كان الرسول ﷺ أرشدنا إلى أن ندعو بعد التشهد صار الدعاء المقيَّد بالدُّبُر محله قبل السلام آخر الصلاة.
أما دُبُر الصلاة فهو الذِّكْر؛ ولهذا لا يَرِد علينا أن الرسول ﷺ قال: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٦)، ومعلوم أن هذا بعد السلام بالاتفاق؛ لأن هذا مطابق للآية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، والأول الدعاء اللي قلنا يكون في آخر الصلاة قبل السلام مطابق للحديث: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ».
طالب: شيخ، حديث الْجَسَّاسة ( ... )؟
الشيخ: والله في قلبي منه شيء.
طالب: ( ... ) أحد من العلماء؟
الشيخ: إي، فيه من أنكرها، صرح بإنكارها.
طالب: طول مدة الدجال، أقول: تخرج عن العادة.
الشيخ: الله على كل شيء قدير، لكن الحديث اللي ذكرته لكم في الصحيحين: «لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ» (٣).
طالب: قلنا في تفسير العين الطافئة قلنا: ( ... ) الطافئة، وهنا تفسير ممسوح العين، فلا يتوافق مسيح من ممسوح العين وتكون طافئة ( ... ) الدجال، ما تكون ممسوحة.
الشيخ: لا، يمكن أن تكون طافئة، إذا صار المرتفع يسيرًا صار طرف العين غارًا.
طالب: من جهة يعني؟
الشيخ: إي نعم، من جهة.
стр. 1305
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء أخذوا من قول النبي ﷺ في قتل عيسى للمسيح الدجال أنه يقتله بسيفه، قال: هذا فيه دليل على أن آخر الزمان الدبابات والرشاشات الموجودة الآن ستفنى.
الشيخ: والله ما أدري، اللي أعرف في الحديث: يقتله، لكن في يأجوج ومأجوج أنهم يَرْمُون بنشابهم إلى السماء، فترجع إليهم مُخَضَّبَة بالدماء، فيقولون: قتلنا مَن في الأرض وقتلنا مَن في السماء، ولا نستبعد أن هذه تروح، أنا حدَّثَنِي إنسان بأنهم الآن عَثَرُوا على صناعة آلة تبطل كل الكمبيوتر، كل شيء على الكمبيوتر تبطله، حتى الطائرات تسقط على الأرض إذا شغَّلُوا هذا، بس إنه الآن من الأشياء السرية، أنا حدثني واحد في مركز الدراسات أظن ..
طالب: كلية الملك عبد العزيز.
الشيخ: المهم أنه قال: إنه بس من الأمور السرية هذه، إلى الآن لم تخرج، وهذا إذا خرج معناه أبطل كل شيء، والله على كل شيء قدير، لكن إحنا ليت معنا سلاح إيمان، لو معنا سلاح إيمان ما نفعتهم دباباتهم ولا صواريخهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، دَلَّت السنة يا شيخ على أن حفظ أول عشر آيات من سورة الكهف أو آخرها عُصِمَ بها من الدجال، أقول أحسن الله إليكم: لا شك أن النص ( ... ) بنفسه، لكن أقول: ما المناسبة بين العشر آيات .. ؟
الشيخ: الرسول ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ» (٢)، فليقرأ عليه بذلك.
الطالب: يقرأ على الدجال.
الشيخ: يقرأ على الدجال، فيه لفظان: فليقرأ عليه بكذا، وفليقرأ عليه كذا.
الطالب: وَحِفْظُها ما جاء؟
الشيخ: ما أدري والله، لكن حفظها لأجل يقرأ عليه.
الطالب: لكن مناسبتها يا شيخ؟
الشيخ: الله أعلم.
طالب: سمعنا أنه يقول للأرض تنبت، وكيف يَتَنَقَّل يا شيخ؟ هل هو على حمار كما قالوا؟
стр. 1306
الشيخ: الرسول ﷺ سُئِلَ عن سيره الحقيقة، لكن البحث يُنْسِي بعضه بعضًا: كيف سَيْرُه في الأرض؟ قال: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ» (٢)، مثل السحاب اللي شالته الريح، السحاب اللي شالته الريح من أسرع ما يكون.
الطالب: ترى تنبت الأرض يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: يقول لها: أَنْبِتِي، ويقول للسماء: أَمْطِرِي، تمطر، فتنة عظيمة.
طالب: أحسن الله إليك، هل هو أول علامات الساعة الدجال، أو طلوع الشمس من مغربها؟
الشيخ: لا، ما هو أول، طلوع الشمس من مغربها آخر شيء؛ لأنها إذا طلعت من مغربها لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، والإيمان بعد الدجال يكون، عيسى بن مريم واللي معه كلهم مؤمنون.
طالب: بالنسبة للدعاء في آخر الصلاة، هل يمكن أن يطلب شيئًا من أمور الدنيا، ولا خاص بس ..
الشيخ: ويش ودك تطلب؟
الطالب: بيت، سيارة، زوجة.
الشيخ: اطلب، ما فيه مانع.
طالب: بالنسبة ( ... ) المذكور في ( ... ) شيخ، ما ورد أنه يحيي الموتى، يأتي الرجل اللي أبوه وأمه ميتان فيحييهما.
الشيخ: هذه ما رأيتها، لكن قضية الشاب هذا إحياء موتى.
طالب: شيخ، المسيح ما اسمه؟
الشيخ: ذكرنا هذا.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويدعو بما ورد ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول، وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط، ثم يجلس في تَشَهُّدِه الأخير مُتَوَرِّكًا، والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1307
سبق لنا أن الإنسان يَتَعَوَّذ من أربعة أشياء: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
وآخر ما تكلَّمنا عليه المسيح الدجال من عدة وجوه؛ أولًا: في مكانه، وفي هدفه، وفي زمانه، وفي مُكْثِه في الأرض، وفي فتنته وعِظَمِها، وكل هذا أظنه عُلِمَ لكم، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكم مُكْثُه؟
طالب: أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا العادية.
الشيخ: ومن أين يخرج؟
طالب: يخرج من المشرق من خراسان، ومارًّا بأصفهان، ثم يتجه نحو المدينة.
الشيخ: من بين الشام والعراق. هل يمكن أن يدخل المدينة؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن.
الطالب: على كل باب ملائكة يحفظونها.
الشيخ: ومكة؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: ومكة كذلك لا يمكن أن يدخلها. ما هي نوع فتنته، يعني بأي شيء يفتن الناس؟
طالب: بأنه إله.
الشيخ: يدعوهم إلى .. ؟
الطالب: عبادته.
الشيخ: إلى عبادته وتأليهه. وهل يُبَرِّر ذلك تلك الدعوى؟
طالب: نعم.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: ما هي أو اذكر شيئًا منها.
الطالب: الإحياء والإماتة، إنبات الزرع، إنزال المطر، إخراج الكنوز.
الشيخ: والجنة؟
الطالب: إحضار جنة ونار معه.
الشيخ: نعم، هل جنته حق؟
طالب: لا.
الشيخ: وناره؟
الطالب: ليس كذلك.
الشيخ: ليس كذلك، إذن ما جنته؟
الطالب: جنته نار.
الشيخ: إي نعم، وناره؟
الطالب: جنة.
الشيخ: وناره جنة. إحياء الموتى، صورة المسألة؟
طالب: هو أن يأتيه شاب ثم يقول: أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، فيقتله فيشقه نصفين ثم يمر بينه، ثم يعود كما كان، ثم يقول له: أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا بك رسول الله ﷺ ، ثم يكررها، ثم يريد أن يقتله فلا يستطيع أن يقتله، ولا يقتل أحدًا بعده.
стр. 1308
الشيخ: هو أنه يأتيه هذا الرجل الشاب، ويقول: أنت الدجال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله ﷺ ، فيأمر به فيُضْرَب ويُشَجّ ويُوَسَّع ظهره وبطنه ضربًا، ثم يعيد عليه المساءلة ثانية، ثم يقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ ، فيشقه نصفين ويمشي بينهما، وأنا ذكرت لكم في الدرس الماضي أنه يفعل به هذا مرتين، ولكن المرة الأولى ليست قتلًا، إنما هي شج وضرب فقط.
هذا اليوم الذي كسنة كيف يصنع الناس فيه من جهة الصلاة ومن جهة الصيام؟
طالب: سأل الصحابة الرسول ﵊: كيف يكفينا صلاة واحدة؟ قال: «اقْدُرُوا لِلصَّلَاةِ قَدْرَهَا» (٢)، كل فرض يأتي يحسب الزمن العادي اللي كان يُصَلَّى فيُصَلُّون، ثم يُصَلُّون بعده، في هذا اليوم يُصَلُّون عدة صلوات.
الشيخ: يعني يصلون صلاة سنة كاملة، وفي الشهر؟
الطالب: وفي الشهر كذلك، يَقْدِرُونَ له قدره، صلاة شهر كامل، وفي الأسبوع .. ؟
الشيخ: صلاة شهر كامل وفي الأسبوع كذلك. ما نهاية الدجال؟
طالب: ( ... ) ينزل عيسى بن مريم ﵊ فيقتله.
الشيخ: فيقتله، وينتهي أمره.
أعطانا رسول الله ﷺ فيه علامة، وهي أنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة أو طافية، وعلامة أخرى أنه مكتوب بين عينيه (كافر)، وكُتِبَت في الحديث: (ك ف ر) يقرؤها كل مؤمن؛ يقرأ أو ما يقرأ، ويعمى عنها الكافر والمنافق.
لم يُفْصِح المؤلف بحكم هذه الاستعاذة، هل هي واجبة أو لا، ولكن سيأتينا إن شاء الله بيان أنها ليست واجبة؛ لأن المؤلف ﵀ سيذكر فيما بعد الأركان والواجبات، وما عداها فهو سنن، وهو لم يذكر هذه في الواجبات، ولا في الأركان.
وعلى هذا يكون التعَوُّذ بالله من هذه الأربع سنة، وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة.
стр. 1309
وعن الإمام أحمد ﵀ رواية أن التعَوُّذ من هذه الأربع واجب؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، ولأن هذه الأشياء الأربعة أمرها عظيم وشأنها كبير، فكانت جديرة بأن تُفْرَض على المسلمين ليقولوها في صلاتهم، ليستعيذوا بالله منها في صلاتهم؛ لأن خطرها من أعظم الخطر، وإذا نجا الإنسان منها فقد نجا.
فعلى هذا نقول: المسألة فيها قولان لأهل العلم -أي في وجوب التعوذ بالله من هذه الأربع فيه قولان لأهل العلم-:
القول الأول: أن ذلك واجب؛ لأمر النبي ﷺ ، ولشدة خطرها وعظمها.
والقول الثاني: أنها سنة، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
ولا شك أنه لا ينبغي للإنسان أن يُخِلَّ بها، فإن أَخَلَّ بها فإنه على خطر من أمرين؛ الأمر الأول: الإثم، والأمر الثاني: ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعض السلف يأمر بإعادة الصلاة على من لم يَتَعَوَّذ بالله منها.
وسبق لنا أن المؤلف يقول بعد ذلك: (يدعو بما ورد)، فقوله: (بما ورد) (ما) اسم موصول يشمل كل الوارد.
ولكن ليس مراده أن كل دعاء ورد في السنة يُدْعَى به هنا، وإنما مراده أن يدعو بما ورد الدعاء به في هذا المكان، ومنه ما سبق: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَعَلَى شُكْرِكَ، وَعَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٥)، ومنه ما عَلَّمَه النبيُّ ﷺ أبا بكر ﵁ حين قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٧)، ولكن لو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز.
لكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يكون الدعاء واردًا، ولكن هل مراده واردًا باعتبار الجنس، أو باعتبار النوع والعين؟
стр. 1310
فيه احتمال؛ يحتمل أنه يريد بما ورد بعينه، ويحتمل أن يريد بما ورد بجنسه، والذي ورد الدعاء بجنسه في الصلاة هو ما يتعلق بأمر الآخرة، وإذا قلنا بهذا الاحتمال صار معنى كلام المؤلف أن يدعو بدعاء يتعلق بأمور الآخرة، سواء ورد هذا الدعاء بعينه أم لم يَرِد، وإن قلنا بالاحتمال الأول؛ بما ورد بعينه، صار يتقيد بما ورد بعينه في هذا الموضع.
لكن الاحتمال الأول أشمل؛ أن يدعو بما ورد باعتبار الجنس، وهو ما يتعلق بأمور الآخرة، فيدعو بما يتعلق بأمور الآخرة بما شاء.
ولكن هاهنا مسألة؛ وهي أنه ينبغي المحافظة أولًا على الوارد في هذا المكان بعينه، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يدعو بغير ما ورد، سواء قلنا: إن المراد ما ورد بجنسه أو بعينه، فلا يدعو بشيء من أمور الدنيا، مثل أن يقول: اللهم ارزقني بيتًا واسعًا، اللهم ارزقني زوجة جميلة، اللهم ارزقني مالًا كثيرًا، اللهم ارزقني سيارة مريحة، اللهم ارزقني ثوبًا شتويًّا في أيام الشتاء، صيفيًّا في أيام الصيف، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلق بأمور الدنيا.
حتى قال الفقهاء ﵏: لو دعا بشيء مما يتعلق بأمور الدنيا بطلت صلاته، لكن هذا قول ضعيف بلا شك.
والصحيح أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلق بأمور الدنيا، وذلك لأن الدعاء عبادة، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرسول ﷺ يقول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (٨)، ويقول: «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٩)، ويقول في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (٤).
والإنسان لا يجد نفسه مُقْبِلًا تمام الإقبال على الله إلا وهو يصلي، فكيف نقول: لا تسأل الله وأنت تصلي شيئًا تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا.
стр. 1311
وقد جاء في الحديث عن الرسول ﵊: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ» (١٠)، وشِسْع النعل يتعلق بأمور الدنيا.
فالصواب بلا شك أنه يدعو بعد التشهد بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وأجمع ما يُدْعَى به في ذلك: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، فإن هذه جامعة لخير الدنيا والآخرة.
قولنا: إنه يدعو على القول الراجح بما شاء، هل يجوز الدعاء لِمُعَيَّن، بأن يقول: اللهم اجْزِ فلانًا عني خيرًا، أو: اللهم اغفر لفلان؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا دعاء، وإذا كان الرسول ﷺ ثبت عنه أنه دعا على قوم مُعَيَّنِين، ودعا لقوم مُعَيَّنِين؛ فدعا للمستَضْعَفِين في مكة، ودعا على الطغاة في مكة، لكنه نُهِيَ عن الدعاء على الطغاة باللعن، إنما دعا ﷺ لِمُعَيَّن، فيجوز أن تدعو لمعين وأنت في صلاتك، سواء كان أباك أم أمك أم أخاك، أم أي إنسان تحب أن تدعو له.
قال: (ويدعو بما ورد). لكن لو دعا لشخص بصيغة الخطاب فتذكر وهو يصلي، فقال: غفر الله لك يا شيخ الإسلام ابن تيمية. فهل تبطل صلاته؟
الفقهاء يقولون: تبطل؛ لأنه أتى بكاف الخطاب، والخطاب لا يجوز في الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (١١)، ولم يستثنوا إلا النبي ﵊، قالوا: إنك تخاطبه: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، أما غيره لا تَأْتِ له بكاف الخطاب مطلَقًا.
стр. 1312
ولكن هذا القول في النفس منه شيء، وذلك لأنك إذا قلت: غفر الله لك يا فلان، وأنت تصلي، فإنك لا تشعر بأنك تخاطبه أبدًا، ولكن تشعر بأنك مستحضرٌ له غاية الاستحضار حتى كأنه أمامك، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال حين تَفَلَّت عليه الشيطان، قال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ» (١٢)، فخاطَبه.
فبعضهم يقول: إن هذا الحديث قبل تحريم الكلام، وبعضهم يؤوله، ولكن كلا الجوابين فيه نظرٌ.
فالذي يظهر أن خطاب الآدميين أن تخاطبه، مثلًا يمر بك تقول: يا فلان تعال، وين أنت رايح؟ هذا كلام آدميين، تبطل به الصلاة ولَّا ما تبطل؟ تبطل، لكن شخص يستحضر شخصًا مَيِّتًا، ثم يقول: غفر الله لك يا فلان، في كون هذا من الكلام الْمُبْطِل للصلاة نظر. ولكن دَرْءًا للشبهة بدل أن يقول: غفر الله لك، يقول: اللهم اغفر له، وهذا جائز بالاتفاق.
قال المؤلف: (ثم يُسَلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يسار كذلك).
يُسَلِّم بعد التشهد والدعاء، يُسَلِّم عن يمينه وعن يساره، يقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. وهذا خطابٌ: السلام عليكم، لكنه خطابٌ يخرج به من الصلاة، بخلاف الخطاب الذي يكون في أثناء الصلاة فقد سمعتم القول فيه، أما هذا فهو خطاب يخرج به من الصلاة.
على من يُسَلِّم: السلام عليكم؟
طالب: على الخلاف، أنه يسلم على من ( ... ) لا مثل، قال أنه يسلم على من جنبه بالصفوف، وقيل: إنه يسلم على الملائكة، وقيل: إنه يُسَلِّم على ..
الشيخ: يقولون: إذا كان معه جماعة فيسلم عليهم: عليكم، وإذا لم يكن معه جماعة فيُسَلِّم على الملائكة الذين على يمينه وشماله، يقول: السلام عليكم ورحمة الله.
لكن هذا السلام الآن إذا سَلَّم الإنسان مع الجماعة، هل يجب على الجماعة أن يَرُدُّوا عليه؟
стр. 1313
لا، وإن كان قد روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يُسَلِّم عليهم ويُسَلِّم بعضهم على بعض بهذا السلام، لكن الظاهر أن يقال: هذا السلام حاصل من الجميع، فكل واحد يُسَلِّم على الآخر، فاكتُفِيَ بسلام الثاني عن الرد؛ السلام عليكم، الثاني يقول: السلام عليكم.
هذا هو أقرب ما يقال في رد هذا السلام، وإلا فلا شك أن المأمومين يُسَلِّم بعضهم على بعض بهذا، كما قال النبي ﵊ حينما كانوا يرفعون أيديَهم يُومِؤُون بها، قال: «مَا لِي أَرَاكُمْ تُومِؤُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَمِنْ عَلَى شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (١٣).
وهذا يدل على أن هذا السلام يُقْصَد به السلام على من بجانبه، لكنه لما كان كل واحد يُسَلِّم على الثاني اكتُفِيَ بهذا عن الرد.
قال: (السلام عليكم ورحمة الله)، سبق شرحها في التشهد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله.
قال: (وعن يساره كذلك) يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وهاهنا بحثٌ في السلام:
أولًا: لو قال: سلامٌ عليكم، بدون (أل)، هل يجزئ؟
الجواب: نعم، لكن السنة أن يكون بـ (أل)؛ لأن هذا هو الذي جاء به الحديث، فيقول: السلام عليكم.
الثاني: لو جاء بالإفراد، قال: السلام عليك ورحمة الله، فإنه لا يجزئ؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٤)، ولوجود الفرق بين الإفراد وبين الجمع.
ولو قال: السلام عليكم، فقط، فهل يجزئ؟
стр. 1314
فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا يجزئ، ومنهم من قال: يجزئ؛ لأنه قد ورد في حديث رواه النسائي أشرت إليه قبل قليل: «أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (١٥)، بدون ذكر: (ورحمة الله)، وعلى هذا فيكون قوله: (ورحمة الله) سنة، وليس بواجب.
ومنها -من البحث في السلام-: هل يزيد على ذلك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: الأفضل ألَّا يزيد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ألَّا يزيد على قوله: ورحمة الله، لا في التسليمة الأولى، ولا في التسليمة الثانية.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يزيد في التسليمة الأولى: (وبركاته)، دون الثانية، فيقول في الأولى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفي الثانية: السلام عليكم، فقط؛ لحديث أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر: إن إسناده صحيح.
ومنها -أي من البحث في السلام-: لو اقتصر على تسليمة واحدة، فهل يجزئ؟
هذا أيضًا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: يجزئ؛ لحديث عائشة: وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. وهذا لفظ مُطْلَق يصدُق بواحدة.
ومنهم من قال: لا يجزئ؛ وأن (أل) في التسليم للعهد الذهني، أي: بالتسليم بالمعهود، وهو السلام عليكم ورحمة الله، من اليمين، والسلام عليكم ورحمة الله، من اليسار.
واستدلوا لذلك بقوله في الحديث الذي رواه النسائي أشرنا إليه قبل قليل: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَمِنْ عَلَى شِمَالِهِ»، وقالوا: إن ما دون الكفاية لا يكون مُجْزِئًا ولا جائزًا؛ لأنه قال: يكفيك كذا، معناه ما دونه لا يكفي، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وأنه لا بد من التسليمتين، ولا يجوز أن يُخِلَّ بهما.
стр. 1315
واستدلوا أيضًا بمحافظة النبي ﷺ على التسليمتين، وقالوا: إن محافظته عليهما حضرًا وسفرًا، في حضور البوادي، والأعراب، والعالِم، والجاهل، يدل على أنه لا بد منهما، ويُرَشِّح ذلك قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦).
وقال بعض أهل العلم: تجزئ واحدة في النفل دون الفرض؛ لأنه ورد عن النبي ﵊ أنه سَلَّم في الوتر تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، وقالوا: إن النفل قد يُخَفَّف فيه ما لا يُخَفَّف في الفرض، وعلى هذا فتجزئ التسليمة الواحدة في النفل دون الفرض.
فهذه أقوال ثلاثة؛ هل لا بد من التسليمتين في الفرض والنفل، كما هو المشهور من المذهب، أو تجزئ تسليمة واحدة في الفرض والنفل، أو تجزئ تسليمة واحدة في النفل دون الفرض؟
على كل حال الاحتياط من الأقوال الثالثة هو أن يُسَلِّم مرتين؛ لأنه إذا سَلَّمَ مرتين لم يَقُل أحدٌ من أهل العلم: إن صلاتك باطلة، ولو سَلَّم مرةً واحدة لقال له: من أهل العلم من يقول: إن صلاتك باطلة.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ أمر بالاحتياط فيما لم يتضح فيه الدليل، فقال ﵊: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (١٧).
وقال ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١٨)، وأنت إذا أتيت بالتسليمة الثانية فقد أتيت بذكر تتقرب به إلى الله ، وتَسْلَمُ به من أن يقال: إن صلاتك باطلة.
على أن الذين قالوا بوجوب التسليمتين في الفرض والنفل قالوا: إن فعل الرسول ﵊ قضية عين تحتمل النسيان أو غير ذلك، فلا يُقَدَّم هذا الفعل على القول الذي قال: إنما كان يكفي أحدكم أن يقول كذا.
стр. 1316
ولكن هذا الاحتمال فيه نظر؛ لأن الأصل في فعل الرسول ﷺ التشريع وعدم النسيان، ولا سيما أنه سَلَّمَ واحدة تلقاء وجهه على خلاف العادة، مما يدل على أنه أرادها قصدًا، لكن كما قلت: الاحتياط أن يُسَلِّمَ مرتين في الفرض والنفل.
قال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول).
(إن كان في ثلاثية أو رباعية) ثلاثية مثل المغرب، رباعية كالظهر والعصر والعشاء.
(نهض مُكَبِّرًا)، (مُكَبِّرًا) حال من فاعل (نهض)، تدل على أنه يكون التكبير في حال النهوض، وهو كذلك؛ لأن جميع التكبيرات ما عدا تكبيرة الإحرام كلها محلها ما بين الركنين، فيكون مُكَبِّرًا حال النهوض.
قال: (نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول)، والتشهد الأول ينتهي عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يرفع يديه؛ لأنه لم يقل: ويرفع يديه، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه لا يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول؛ لأن مواضع رفع اليدين على المذهب ثلاثة فقط: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
ولكن الصحيح أنه يرفع يديه؛ لأنه صَحَّ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ .
وعلى هذا القول فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول، ولأنه انتقال من نوع إلى نوع آخر في الصلاة، فإن الركعتين الأوليين يُشْرَع فيهما ما لا يُشْرَع في الركعتين الأُخْرَيَيْن، فلما كان هذا انتقال من نوع إلى نوع صار من الحكمة أن يُمَيَّزَ هذا الانتقال بالرفع، كأنه صلاة جديدة، وإن لم تكن جديدة لكنها لتَمَيُّزها عن الركعتين الأوليين صار يرفع.
стр. 1317
ولكن متى يكون الرفع؟ يكون الرفع إذا قام؛ لأن لفظ الحديث: يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، وليس يرفع وهو جالس ثم ينهض؛ لأن هذا الرفع مع التكبير، والتكبير لا يكون إلا بعد النهوض، يعني في حال النهوض، وعليه فيكون التكبير إذا قام؛ لأن لفظ الحديث: يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، يُكَبِّر حين يقوم من الركعتين بعد الجلوس، ومعلوم أن كلمة (حين يقوم) ليس معناها: حين ينهض؛ إذ إن بينهما فرقًا، فمن توهم أنه يرفع وهو جالس، فليُصَحِّح وهمه، بل الرفع يكون إذا انتهى قائمًا.
يقول ﵀: (وصَلَّى ما بقي كالثانية بالحمد فقط)، وصلى ما بقي كالثانية، أيش الثانية؟ أي كالركعة الثانية، يعني: فليس فيه تكبيرة إحرام، ولا استفتاح، ولا تَعَوُّذ، ولا تجديد نية.
طالب: ولا قراءة سورة؟
الشيخ: لا؛ لأنه قال: (كالثانية)، لكن قال: (بالحمد)، هذا اللي أخرج قراءة السورة، قال: (بالحمد فقط).
تمتاز الركعتان هاتان عن الأوليين أنه يقتصر فيهما على الحمد، وأنه يُسِرُّ فيهما بالقراءة، حتى في الصلاة الجهرية يُسِرُّ فيهما بالقراءة، فهما ركعتان من نوع جديد.
وقول المؤلف: (بالحمد فقط)، يعني: لا يزيد، وهذا هو مقتضى حديث أبي قتادة ﵁ الثابت في الصحيحين، أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب فقط، ولكن في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن الركعتين الأُخْرَيَيْن يُقْرَأ فيهما؛ لأنه ذكر أن الرسول ﵊ كان يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن بسورة، ولا يُطَوِّل الأولى على الثانية، ويقرأ في الركعتين الأُخْرَيين بنصف ذلك.
وهذا يدل -أعني حديث أبي سعيد الخدري- على أنه جعل الركعتين الأوليين سواء، والركعتين الأخريين سواء.
стр. 1318
لكن بعض العلماء رَجَّح حديث أبي قتادة؛ لأنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم، ولأن حديث أبي قتادة جزم به الراوي، وأما حديث أبي سعيد فقال: حَزَرْنَا قِيَامَهُ، أي: خَرَصْنَاه وَقَدَّرْناه، وفرقٌ بين من يجزم بالشيء وبين من يَخْرِصه ويُقَدِّرُه.
ولكن الذي يظهر أن إمكان الجمع حاصلٌ، يعني أنه يمكن الجمع بين الحديثين، فيقال: إن الرسول ﷺ أحيانًا يفعل ما يدل عليه حديث أبي سعيد، وأحيانًا يفعل ما يدل عليه حديث أبي قتادة؛ لأن الصلاة -كما تعلمون- ليست واحدة حتى نقول: فيه تعارض، كل يوم يصلي الرسول ﷺ خمس مرات، وإذا أمكن الجمع وجب الرجوع إليه قبل أن نقول بالنسخ، وقبل أن نقول بالترجيح.
قال: (بالحمد فقط، ثم يجلس في تَشَهُّده الأخير مُتَوَرِّكًا)، يجلس متى؟ إذا أتى بما بقي؛ إما ركعة إن كان في ثلاثية، أو ركعتين إذا كان في رباعية، يجلس في تشهده الأخير مُتَوَرِّكًا.
وكيفية التَّوَرُّك: أن يُخْرِج الرجل اليسرى من الجانب الأيمن، ويجلس على مقعدته على الأرض، وتكون الرجل اليمنى منصوبة، الرجل اليمنى منصوبة، والثانية مفروشة، لكنها خارجة من الجانب الأيمن، وهذه إحدى صفات التَّوَرُّك.
الصفة الثانية: أن يفرش القدمين جميعًا، ويخرجهما من الجانب الأيمن.
والصفة الثالثة: أن يفرش اليمنى، ويدخل اليسرى بين الفخذ والساق، بين فخذ اليمنى وساقها.
كل هذه وردت عن النبي ﷺ في صفة التورك، وعلى هذا فنقول: ينبغي أن يفعل الإنسان هذا مرة، وهذا مرة، بناءً على القاعدة التي قَعَّدَها أهل العلم، وهي أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي أن يفعلها مرة هكذا ومرة هكذا؛ للفوائد الثلاث الذي ذكرناها من قبل، نعيدها الآن.
طالب: أولًا: إحياء السنة.
الشيخ: نعم، إحياء السنة، الثاني؟
طالب: تستحضر القلب.
الشيخ: أن هذا أقوى لاستحضاره.
طالب: اتباع السنة.
الشيخ: كيف اتباع؟
стр. 1319
طالب: إحياء السنة واتباعها.
الشيخ: اتباع السنة؛ لأنه يفعل هذا وهذا.
على كل حال فيها فوائد، ولا شك أنها أشد في الاتباع مما إذا اقتصر على شيء واحد، ولكن هاهنا مسألة، وهي أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يفعل هذه العبادات المتنوعة أن يكون على يقين منها، فإن شك رجع إلى ما يتيقنه، أحيانًا ينسى الإنسان، مثلًا: حديث ابن عباس في التشهد، وحديث ابن مسعود، بينهما بعض الاختلاف، أحيانًا ينسى الإنسان ما جاء في حديث ابن عباس، فماذا يصنع؟ هل يخبط في الحديث، ولا يقتصر على اللي هو يعلم؟ يقتصر على الذي يعلم، كما قلنا في قراءات في القرآن الكريم، القراءات التي يُقْرَأ بها في القرآن إذا كنت حافظًا لها مجيدًا لها مُتْقِنًا لها فالأفضل أن تقرأ بهذا مرة، وبهذا مرة، ما لم يكن بحضرة العوام، وأما إذا كنت غير مجيد لها فإنك تقتصر على ما تعلم؛ لئلا تُخَبِّط في القرآن، وهكذا أيضًا العبادات.
قال: (والمرأة مثله)، المرأة مثله في أيش؟ في كل ما تقدم، حتى في رفع اليدين، فترفع يديها، وتجافي عضديها عن جنبيها في الركوع، لكن تضم نفسها في الركوع والسجود، وتسدل رجليها في جانب يمينها.
تختلف المرأة عن الرجل في بعض الأشياء، وما دام عندكم أسئلة نؤجلها إن شاء الله.
طالب: ( ... ) الحديث، وبعدين قالوا فيه ( ... ) وبركاته، ما الراجح؟
الشيخ: إي، زيادة (وبركاته) في التسليمة الأولى فقط.
طالب: الأحسن الواحد يقتصر على السلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ: أما بالنسبة عند العامة فالأفضل أن يقتصر عليها، وفي نفسه لا بأس أنه يتمها.
طالب: طيب لو قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم قال: وبركاته، بينه وبين نفسه.
الشيخ: ما فيه مانع، طيبة.
стр. 1320
طالب: قلنا في دروس سابقة: إنه يُسَنَّ أن يجعل ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ آخر كلامه آخر دعائه؛ لأدلة واردة، لكن يا شيخ فيه دليل ورد عن الرسول ﷺ ، يقول علي: كان يقولها ما بين التشهد والتسليم آخر شيء.
الشيخ: اللي هي ربنا آتنا؟
الطالب: لا، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت.
الشيخ: إي، لكن لا يمنع أن يقول غيرها، كان يقول هذه، ولا يمنع أن يقول ..
الطالب: ( ... ) دليل.
الشيخ: أقول: ما يمنع أن يقول غيرها، أما لو قال: ولم يقل سواها، صح.
طالب: شيخ، قلنا: العلة في قول: السلام عليكم ورحمة الله، إن الكاف هنا للخطاب، وقلنا: إن هذه خروج من الصلاة، ما يكون فيه دليل ( ... )؟
الشيخ: لا، ما فيه دليل؛ لأن حديث عائشة صريح: يختمها بالتسليم.
الطالب: كله ذِكْر.
الشيخ: بالتسليم، التسليم ذِكْر، تجعل الضرطة مثل الذكر؟ ما أحد يقول هذا، إن قالها أحد ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن قال المصلي: سلامٌ عليكم ورحمة الله، فإن ذلك يجزئ.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن نحن قلنا في تفسيرها: إنه كالتفسير الذي قلناه في (السلام عليك أيها النبي)، ومن التفسير في قولنا: السلام عليك أيها النبي، أن السلام اسم الله .
الشيخ: إي، لكن هذا ضعيف، ضَعَّفْنَا هذا القول.
طالب: قال الفقهاء عفا الله عنهم: يبدأ بالسلام مع بدء التفاته.
الشيخ: هذا هو الظاهر، الظاهر أنه يبدأ مع بدء حتى يكون الكاف في (السلام عليكم) في حال انتهاء أو توسط الالتفات.
طالب: ما بيلتفت بعد ما يُسلَّم.
الشيخ: لا، معها، أما بعض الناس يقول: السلامُ عليكم، السلام وهو مستقبل القبلة، هذا استحبه بعض الفقهاء، لكن ما له أصل، بعضهم قال: لا يلتفت إلا حين يأتي بكاف الخطاب، لكن ظاهر السنة خلاف ذلك، أنه يلتفت من حين يبدأ بالسلام.
стр. 1321
طالب: جزاكم الله خيرًا، ما ورد الاستعاذة من فتنة الْمَأْثَم والْمَغْرَم؟
الشيخ: بلى، بس ما فيها أمر.
طالب: شيخ، إذا كان المصلي في نفل، ثم سَلَّم وكان بجواره واحد، هل يجب عليه الرد؟
الشيخ: لا، ما يرد.
طالب: هل لا بد أنه ينوي الخروج من الصلاة حين السلام؟
الشيخ: كيف؟
طالب: يعني يسَلِّم هكذا، أو نقول: لا بد أن تنوي تخرج من الصلاة؟
الشيخ: يعني لو سَلَّم يريد السلام ما هو بالخروج يعني؟
طالب: الفقهاء يقولون: لا بد ينوي بالسلام هذا الخروجَ من الصلاة.
الشيخ: على سبيل السُّنِّيَّة يعني، لكن هذا معروف، ما أحد يُسَلِّم من صلاته إلا يريد هذا.
طالب: هل لا بد أن يلتفت يعني ( ... ) أو يلتفت التفاتًا يسيرًا؟
الشيخ: لا، يلتفت حتى يُرَى بياض خَدِّه، لكن كونه يلتفت بكل بدنه لا، يلتفت برأسه فقط.
طالب: جزاكم الله خيرًا، قلنا: عندما تقول: سلام عليكم، إن هذا يجزئ لكن مخالف للسنة؟
الشيخ: لكن السنة أن يكون بـ (أل).
طالب: إي نعم، وقلنا يا شيخ: السلام عليك، هذا لا يجزئ؛ لأن حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٤)، وحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦)، وأيضًا يا شيخ الصيغة الأولى مخالفة؟
الشيخ: إي، لكن بينهما فرق؟ الثانية: عليك وعليكم، تنقل الكلام من المخاطَبين إلى مخاطب واحد، لكن هذاك في تعريف السلام وتنكيره، وقد ورد هذا وهذا، ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥].
طالب: شيخ، إذا التفت على اليسار، يعني يلتفت على اليمين السلام، ولكن نسي أن يقول: السلام، تذكر أنها وجبت على اليسار، يجزئ؟
الشيخ: يعني بس هو التفت ولا سَلَّم ثم سَلَّم؟
طالب: ثم سَلَّم على شماله.
الشيخ: لا، إذا ذكر يلتفت يمينًا، بسيطة إدارة رأسه.
стр. 1322
طالب: شيخ، قلتم في التشهد يا شيخ: إن التشهد الأول ينتهي عند لفظ الشهادة، وفي حديث عائشة ﵂ وصف صلاة النبي ﷺ ، صلاة الليل، صلى تسع ركعات، وجلس في الثامنة التي ليس فيها سلام، تَشَهَّد وقال وصلى على النبي ﷺ ، كيف نخرج من الإشكال يا شيخ؟
الشيخ: هذا في الوتر، يعني صلى ثماني ركعات، وجلس في الثامنة، فحمد الله وأثنى عليه، ما أدري عن صلاة النبي، لكن هذا في الوتر.
طالب: شيخ ثبت في ..
الشيخ: لا، ما هو ثبت في النفل، ثبوته له أحكام خاصة، ولذلك تُسْرَد فيه الثماني ركعات، بل تسع ركعات، وخمس ركعات، وسبع ركعات، وغيره ما يفعل.
طالب: أقول: بعض الناس يُسَلِّم عن يمينه، ثم يستقبل القبلة يعني قليلا، ثم يُسَلّم عن يساره، يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله، هكذا، ثم يُسَلِّم عن يساره، فهل هذا له أصل؟
الشيخ: لا، ما أعلم له أصلًا، يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما له أصل هذا.
طالب: في قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الصفتين ولا في مرة واحدة.
الشيخ: في الأولى فقط، على اليمين فقط.
***
الطالب: قال رحمه الله تعالى: والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها.
فصل
ويُكْرَه في الصلاة التفاتُه، ورفعُ بصره إلى السماء، وتغميض عينيه، وإقعاؤه، وافتراشه ذراعيه ساجدًا، وعبثُه وتَخَصُّره، وتَرَوُّحُه، وفرقعة أصابعه وتشبيكها، وأن يكون حاقنًا، أو بحضرة طعام يشتهيه، وتكرار الفاتحة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية) إلى آخره، فيه مناقشة هنا.
طالب: من قبل.
стр. 1323
الشيخ: قال المؤلف: (ويدعو بما ورد)، قوله: (بما ورد)، ذكرنا أنه ينبغي أن تُبَدَّل هذه العبارة بماذا؟
طالب: بما أَحَبَّ.
الشيخ: بما أَحَبَّ، لماذا؟
الطالب: لأن النبي ﷺ ورد عنه في الحديث: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ أَوْ مَا شَاءَ» (٤).
الشيخ: حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ»، أو قال: «مَا شَاءَ». ما الذي يُستفاد من هذه الجملة؟ أن الدعاء يكون قبل السلام أو بعد السلام؟
طالب: قبل السلام.
الشيخ: قبل السلام، كذا؟ ما رأيك فيمن اعتادوا أن يَدْعُوا بعد الصلاة، إما في النافلة أو في الفريضة؟ هذه أظن ما تكلمنا عليها؟
طالب: ما ذكرناها.
الشيخ: ما تكلمنا عليها، ما يخالف، نتكلم عليها إن شاء الله.
يقول المؤلف: (يقول عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله)، على مَن يُسَلِّم إذا كان مُنْفَرِدًا؟
طالب: على الملائكة.
الشيخ: على الملائكة، وإذا كان مع الإمام؟
طالب: كذلك، واللي جنبه بعد، يُسَلِّم عليه.
الشيخ: وعلى من عنده من المأمومين، والإمام يُسَلِّم على من معه من المصلين، ولهذا كل منهم يلتفت عن يمينه وشماله.
قال المؤلف: (إذا كان في ثلاثية أو رباعية نهض)، كيف نهوضه؟
طالب: نهض على صدور قدميه.
الشيخ: على صدور قدميه، مُعْتَمِدًا على ركبتيه.
الطالب: إن سهُل.
الشيخ: إن سهل ذلك، فإن لم يسهل؟
طالب: فإنه يعتمد على الأرض؛ للحديث ( ... ) أن النبي ﷺ كان إذا قام في وتر من صلاته يعتمد بيديه على الأرض.
الشيخ: أو مالك بن الحويرث.
الطالب: نعم.
الشيخ: مالك بن الحويرث.
إذن إذا لم يسهل يقوم معتمدًا على يديه بعد أن يجلس قليلًا، كذا؟
طالب: أو وهو جالس.
الشيخ: أو وهو جالس؛ لأنه في التشهد، إي نعم.
ظاهر كلام المؤلف أنه يرفع يديه أو لا يرفع؟
طالب: أنه لا يرفع، وهو المذهب.
стр. 1324
الشيخ: والقول الثاني في المسألة؟
الطالب: أنه يرفع؛ لحديث ابن عمر.
الشيخ: أنه يرفع؛ لحديث ابن عمر، وهو الصحيح.
يقول المؤلف: إنه بعد التشهد الأول يقرأ مع الفاتحة كم سورة؟
طالب: يقرأ الفاتحة فقط.
الشيخ: الفاتحة فقط؟
الطالب: نعم، في الركعة الثالثة يقرأ الفاتحة فقط.
الشيخ: في الثالثة والرابعة الفاتحة فقط. هل ذكرنا نحن في هذا شيئًا؟
الطالب: نعم، ذكرنا حديث أبي سعيد، ورد أن الرسول ﷺ كان يقرأ ..
الشيخ: ورد ما ظاهره أنه كان يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَيْن نصف ما يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن.
وفي حديث أبي قتادة؟
الطالب: كان يقرأ الحمد فقط.
الشيخ: الحمد فقط، هل هذا من باب اختلاف التنوع، أو اختلاف التضاد، وحينئذ نلجأ إلى الترجيح؟
طالب: لا، قلنا يا شيخ: إنه من باب اختلاف التنوع، ويمكن الجمع، فنفعل هذا تارة، نقرأ بالحمد فقط، ونقرأ بسورة قصيرة تارة أخرى.
الشيخ: إي، كذا يا جماعة.
طلبة: نعم.
الشيخ: وفيه قول ثان؟
طالب: والثاني أنه يُرَجِّح حديث أبي قتادة أنه هو الراجح؛ لأنه مُتَيَقِّن، أما حديث أبي سعيد فهو فيه تخمين و ..
الشيخ: يقول: حَزَرْنَا.
الطالب: حزرنا، نعم.
الشيخ: هذا وجه، وجه ثان للترجيح؟
الطالب: وجه ثان للترجيح أن حديث أبي قتادة هو الراجح.
الشيخ: وجه الترجيح هو الراجح؟ هذا الحكم.
الطالب: قال: لأنه نص على قراءة الفاتحة.
الشيخ: سلامك، هذا هو الوجه الأول اللي أنت قلت.
طالب: أنه يا شيخ في الصحيحين حديث أبي قتادة، بينما حديث أبي سعيد في صحيح مسلم فقط.
الشيخ: أحسنت.
طالب: ( ... ) على التقسيم، ربما يكون أولى، فيدل على أن كل قسم ذُكِرَ ما يختص ( ... ).
الشيخ: كيف التقسيم؟
طالب: يعني يقال: إنه كان يفعل في ركعتين كذا وكذا، وفي الركعتين الثانيتين كذا وكذا، فقسم الصلاة، وذكر في كل قسم ما كان يفعله.
стр. 1325
الشيخ: إي، وهذا كيف القسم، حتى حديث أبي سعيد مقسم. حديث أبي سعيد ظاهره أن قراءة الركعتين الأوليين سواء؟
طالب: والأخريين سواء.
الشيخ: سواء، يكون أطولها الركعتين في الظهر الأوليين، ثم الركعتين الأخريين، ثم العصر أقل من الأخريين، ثم الركعتين الأخريين في العصر أقل، فتكون درجات.
يقول المؤلف: إنه يجلس في التشهد الأخير، كيف التورك؟
طالب: له ثلاث صور.
الشيخ: له ثلاث صور.
الطالب: الأولى أنه يخرج رجله اليسرى من تحت ساقه الأيمن وينصب اليمنى.
الشيخ: هذه واحدة، يُخْرِج اليسرى من الجانب الأيمن من تحت الساق وينصب اليمنى.
الطالب: الحالة الثانية أنه يفرش القدمين جميعًا ويجعلهما في جهة اليمين، والصورة الثالثة أن يجعل رجله اليسرى بين فخذه وساقه الأيمن.
الشيخ: واليمنى مفروشة.
الطالب: واليمنى منصوبة.
الشيخ: لا، مفروشة، منصوبة صعب جدًّا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذه أهون. التَّوَرُّك هل هو في كل تشهد يعقبه سلام أم ماذا؟
طالب: لا، التورك في الصلاة الرباعية فقط.
الشيخ: دون الثلاثية.
الطالب: الصلاة الرباعية والثلاثية دون الثنائية، يعني في كل صلاة يعقبها تشهد أول وتشهد ثان.
الشيخ: يعني في كل صلاة فيها تشهدان يكون التشهد الأخير.
الطالب: نعم.
الشيخ: صح.
***
مسألة الدعاء، المؤلف ﵀ يقول: (يدعو بما أَحَبَّ)
وهذا هو الذي دل عليه حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (٤)، وبناءً على ذلك، إذا سألنا سائل: هل أدعو بعد السلام أو قبل السلام؟ قلنا له: ادع قبل السلام؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ ، ولأنك ما دمت في الصلاة فإنك تناجي ربك، وإذا سَلَّمْت انصرفت، وكونك تدعو في الحال التي تناجي فيها ربك خير من كونك تدعو بعد الانصراف.
стр. 1326
وهذا ترجيح نظري، وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم إذا سَلَّمُوا دَعَوْا في الفريضة، أو في النافلة، فهذا لا أصل له، ولم يَرِد عن النبي ﷺ فيما نعلم إلا حين وضع كفارُ قريش سَلَا الناقة عليه وهو ساجد، فإنه لَمَّا سَلَّم رفع يديه يدعو عليهم.
وهذا قد يقال: إنه فعل ذلك لمناسبة، وهي تخويفهم؛ لأنه لو دعا وهو يصلي ما علموا بذلك، فإذا دعا بعد الصلاة ورفع يديه فلا شك أن في هذا تخويفًا لهم، فيكون هذا له مناسبة.
كذلك أيضًا بعض الناس إذا فرغ من صلاة الفريضة دعا، واستدل بقول النبي ﷺ حين سئل: أي الدعاء أسمع؟ يعني: أقرب إجابة، قال ﷺ : «جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» (١٩)، قالوا: والأدبار تكون بعد؛ لقول النبي ﷺ : «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (٢٠)، ومعلومٌ أن هذا لا يقال إلا بعد السلام، فيكون قوله: «أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» أي: بعد السلام.
فنقول: هذا الفهم للحديث غير مُتَعَيِّن، بل يجب أن يُحْمَل على أن المراد بالأدبار آخر الصلوات، بدليل حديث ابن مسعود، حيث أمر النبي ﷺ بالدعاء بعد التشهد، والسنة يُفَسِّر بعضها بعضًا، أما أدبار الصلوات فقد أرشد الله عباده إلى أن يذكروا الله بعدها، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وليس فيه الأمر بالدعاء.
وعلى هذا فنقول: ما ورد مُقَيَّدًا بدُبُر الصلاة، فإن كان ذِكْرًا فهو بعد السلام، وإن كان دعاء فهو قبل السلام، والدعاء أدبارَ الصلوات يكون قبل السلام.
فإن قال قائل: إن دُبُرَ الشيء بعده، كما في الحديث: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، أي: بعد موته؟
стр. 1327
فالجواب: أن الدبر ما كان الشيء مُسْتَدْبِرًا له، وقد يكون منه، وقد لا يكون منه، والذي يُعَيِّن كونه منه أو ليس منه القرائن والسياق، ولهذا يقال: دبر الحيوان، وهو منه، آخره، فكذلك الدبر يُفَسَّر في كل موضع بما تقتضيه الحال والسياق.
بقي علينا أن نقول: المحافظة على الدعاء بعد النافلة كما يفعله عَوَامُّنا، يحافظون محافظةً شديدة على الدعاء بعد النافلة، حتى إن بعضهم يرى أنه إن لم يكن من السنن فهو من الواجبات.
حتى إننا نرى بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو يسلم من النافلة قبل أن يقوم ليصلي الفريضة يرفع يديه هكذا، وتشك هل دعا ولَّا ما دعا، يرفع يديه ثم يمسح وجهه، ثم يمسح بعضها ببعض، ثم يقوم يصلي، يمكن ما دعا، لكن يلازمون على هذا ظنًّا منهم أنه أمر واجب، أو قريب من الوجوب، فهذا لا شك أنه لا أصل له، ولا أحد من أهل العلم قاله.
ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يُنَبِّهُوا الناس، ولكن بالرفق؛ لأن العامة إذا أُنْكِر عليهم شيء اعتادوه نفروا، فإذا أُتُوا بالحكمة واللين هبطوا وقَبِلُوا، ولذلك ما أكثر الذين يسألون: ما حكم رفع اليدين بعد صلاة النافلة؟ ! فيظنون أن الحكم معلَّق برفع اليدين، والحكم ما هو معلَّق برفع اليدين، الحكم معلَّق بالدعاء، سواء رفعت أم لم ترفع.
نقول: ما دمت تريد أن تدعو الله ادع الله قبل أن تُسَلِّم، هذا هو المشروع، هذا هو تعليقنا على قوله: (ويدعو بما ورد).
وسبق لنا أن الدعاء لو قال: بما أحب، لكان أحسن؛ لأجل يشمل الدعاء بالوارد وغيره؛ لأن الإنسان يدعو بما شاء، حتى في أمور الدنيا على القول الراجح فإن له أن يدعو الله تعالى بشيء من أمور الدنيا، ولا حرج عليه.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة مثله)، (مثله) أي: مثل الرجل، المرأة مثل الرجل، ما الدليل؟ الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟
стр. 1328
نعم، الدليل عدم الدليل على التفريق بين المرأة والرجل، وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: ما الدليل على أن المرأة تصلي كما يصلي الرجل؟ نقول: الدليل عدم الدليل، وما الدليل على أنها لا تصلي كصلاة الرجل، والأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرجال أنهم كالنساء في الأحكام.
والمرأةُ مثلُه لكن تَضُمُّ نفسَها وتُسْدِلُ رِجْلَيْهَا في جانِبِ يَمِينِها.
(فصلٌ)
ويُكْرَهُ في الصلاةِ التفاتُه ورَفْعُ بَصَرِه إلى السماءِ وتَغميضُ عَيْنَيْهِ وإقعاؤُه وافتراشُ ذِرَاعَيْهِ ساجدًا
بقي علينا أن نقول: المحافظة على الدعاء بعد النافلة كما يفعله عوامنا؛ يحافظون محافظةً شديدةً على الدعاء بعد النافلة؛ حتى إن بعضهم يرى أنه إن لم يكن من السنن فهو من الواجبات، حتى إننا نرى بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو يُسَلِّم من النافلة قبل أن يقوم ليصلي الفريضة يرفع يديه هكذا وتشك هل دعا ولَّا ما دعا؛ يرفع يديه ثم يمسح وجهه ثم يمسح بعضها في بعض ثم يقوم يصلي، يمكن أنه ما دعا، لكن يلازمون على هذا ظنًّا منهم أنه أمر واجب أو قريب من الوجوب، فهذا لا شك أنه لا أصل له، ولا أحد من أهل العلم قاله؛ ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يُنَبِّهوا الناس ولكن بالرفق؛ لأن العامة إذا أُنكِر عليهم شيئًا اعتادوه نفروا، فإذا أوتوا بالحكمة واللين هبطوا وقَبِلوا.
ولذلك ما أكثر الذين يسألون: ما حكم رفع اليدين بعد صلاة النافلة؟ فيظنون أن الحكم معلق بأيش؟ برفع اليدين، الحكم مو معلق برفع اليدين، الحكم معلق بالدعاء، سواء رُفِعَت أم لم تُرْفَع.
نقول: ما دمت تريد أن تدعوَ الله ادع الله قَبْلَ أن تُسَلِّم، هذا هو المشهور، هذا هو تعليقنا على قوله: (ويدعو بما وَرَد).
стр. 1329
وسبق لنا أن الدعاء لو قال: (بما أحب) لكان أحسن؛ لأجل أن يشمل الدعاء بالوارد وغيره، لأن الإنسان يدعو بما شاء، حتى في أمور الدنيا على القول الراجح فإن له أن يدعو الله تعالى بشيء من أمور الدنيا ولا حرج عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة مثلُه) (مثلُه) أي: مثل الرجل، المرأة مثل الرجل، ما الدليل؟ الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟ !
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، الدليل عدم الدليل على التفريق بين المرأة والرجل.
وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: ما الدليل على أن المرأة تُصَلِّي كما يصلي الرجل؟
نقول: الدليل عدم الدليل، وما الدليل على أنها لا تصلي كصلاة الرجل، ما هو الدليل؟ والأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرجال أنهم كالنساء في الأحكام؛ ولهذا مَن قذف رجلًا أُقيم عليه حَدُّ القذف، أو تَرَتَّب عليه حدُّ القذف كما لو قذف امرأة، مع أن الآية في القذف فيمن؟
طلبة: في النساء.
الشيخ: في النساء؛ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤، ٥]، وقال النبي ﵊ في الموبقات حين عدَّها: «وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (١)، ومن المعلوم أن الرجل مثل المرأة في هذا، ووجه ذلك أن الأصل اشتراك المكلَّفِينَ من رجال ونساء في الأحكام إلا ما قام الدليل عليه، فما قام الدليل على أنه خاصٌّ بالنساء فهو خاص بهن، وما قام الدليل على أنه خاصٌّ بالرجال فهو خاصٌّ بالرجال، فمثلًا الولاياتُ العامة خاصَّة بمَن؟ بالرجال؛ كالإمارة والقضاء وما أشبه ذلك، هذا خاصٌّ بالرجال لا تتولاه النساء أبدًا.
стр. 1330
نعم، ربما تتولى المرأة إمارةً صغيرة محدودة؛ كما لو سافرت مع نساء، وصارت أميرتَهن في السفر، وإن كان هذا أمرًا قد لا يقع، لكن لا بأس به، وكمديرة المدرسة مثلًا، وما أشبه ذلك من ولايات النساء، أما أن تكون ذات ولاية على الرجال فهذا ليس من الدين الإسلامي في شيء.
إذن فالأصل اشتراك النساء والرجال في الأحكام إلا ما قام الدليل عليه، حتى في رفع اليدين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى في رفع اليدين؛ يعني: ترفع يَدَيْها حيث يرفع الرجل، لكن هذا استدراك، والمستدرَك منه قوله: (والمرأة مثله)، استدرك من هذا قوله: (لكن تضُمُّ نفسَها وتسدِل رجلَيْها في جانب يمينها). تضم نفسها في الحال التي يُشْرَع للرجل التجافي، فهي تضم نفسها في حال الركوع يُشرَع للرجل مجافاة العضدين عن الجنبين، وفي حال السجود كذلك، مجافاة العضدين عن الجنبين، ومجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، المرأة لا تجافي.
(تضم نفسها) فإذا سجدت تجعل بطنها على فخذيها، وفخذيها على ساقيها، وإذا ركعت تضم يَدَيْها هكذا على صدرها، ما الدليل؟ ما دمنا نقول: الأصل أن ما ثبت للرجال من أحكام فهو ثابت للنساء إلا بدليل، ما الدليل؟
قالوا: الدليل القواعد العامة في الشريعة الإسلامية، أن المرأة ينبغي لها أن تتستَّر، وضمُّها نفسها أستر لها مما لو جافت، والجواب على هذا من وجهين:
الأول: أن هذه علة لا يمكن أن تقاوم عموم النصوص الدالة على أن المرأة كالرجل في الأحكام؛ لا سيما وقد قال النبي ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»؛ فإن هذا الخطاب عامٌّ للرجال وللنساء، وهذا الذي ذكروا لا يُقاوِم هذه العمومات.
ثانيًا: أن نقول: هذا ينتقض فيما لو صَلَّت وحدها، والغالب والمشروع للمرأة أن تُصَلِّيَ وحدها في بيتها بدون حضرة الرجال، وحينئذ لا حاجة إلى الانضمام، ما دام لا يشهدها الرجال.
стр. 1331
ثالثا: الوجه الثالث نقول: أنتم تقولون: إنها ترفع يديها، وإن كانت المسألة خلافية؛ لأن بعض العلماء يقول: لا ترفع يديها، ورفع اليدين أقرب إلى التكشف من المجافاة، ربما إذا كان عليها ثوب هكذا ورفعته يتبيَّن شيء مستتر بالثوب، ومع ذلك تقولون: إنه يُسَنُّ لها رفع اليدين؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام، فما هو القول الراجح بعد أن عرفنا ضعف هذا القول؟
القول الراجح: أن المرأة تصنع كما يصنع الرجل في كل شيء، فترفع يَدَيْها وتتجافى، وتَمُدُّ الظهر في حال الركوع، وترفعه عن الفخذين، والفخذين عن الساقين في حال السجود.
ثم استثني المؤلف مسألة أخرى فقال: (وتُسْدِل رجليها في جانب يمينها)، والرجل يُسَنُّ له أيش؟ الافتراش، أو التورُّك، أما هي فتسدِل الرجلين في جانب اليمين في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهُّدين، وهذا أيضًا ليس عليه دليل، لا دليل عليه، بل الدليل يدلُّ على أنها تفعل كما يفعل الرجل؛ تفترش في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول، وفي التشهُّد الأخير في صلاة ليس فيها إلا تشهُّد واحد، وتتورَّك في التشهد الأخير في الثلاثية والرباعية.
إذن، لا يستثنى من هذا شيء بالنسبة للمرأة، لكن لا شك أن المرأة تخالف الرجل في بعض الأحكام كمسألة السترة مثلًا، سُتْرَة في الثياب يعني، ومسألة القراءة، أن الرجل يجهر في القراءة في الصلاة الجَهْرِيَّة، وهي لا تجهر، السُّنَّة في حقها أن تُسِرَّ.
انتهى المؤلف من الكلام على صفة الصلاة، ولكن لم يذكر ﵀ ماذا يقول بعد السلام من الصلاة؛ لأن الكتاب هذا مختصر، ولكن ينبغي أن نعرف ماذا يقول الإنسان بعد السلام من الصلاة، يقول إذا سلم: أستغفر الله ثلاث مرات (٢)، أي: أطلب من الله المغفرة.
стр. 1332
وإنما شُرِع للإنسان سؤال المغفرة بعد أداء هذه العبادة العظيمة؛ لأن هذه العبادة العظيمة جديرة بالاعتناء والاهتمام، وكثير من الناس يُفرِّط فيها إما بالمشروعات الظاهرة أو بالمشروعات الباطنة؛ ففي المشروعات الباطنة يُفرِّط تفريطًا كثيرًا، وما أكثر الذين يُصَلُّون بظواهرهم لا ببواطنهم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: في المشروعات الظاهرة أيضًا لا يخلو الإنسان من تقصير أو تجاوز، ربما يُقصِّر في وضع اليدين أو في استواء الرأس مع الظهر في الركوع، أو في التجافي أو في أي شيء، هذا وارد، وربما يكون منه تجاوز في الحركات، كما يُشاهَد من بعضهم، يطالع الساعة وهو يصلي، يطلع القلم ويعصره هل فيه حبر ولّا ما فيه حبر، وكذلك أيضًا يفطن لشيء ناسيه ويطلِّعه ويكتبه براحته؛ لأنه ذكره.
والشيطان يُذَكِّرك ما نسيت إذا كنت في الصلاة، وإذا انتهيت من الصلاة أنساك إياه لحين تيجي الصلاة الثانية ثم يُذَكِّرك؛ ولهذا يُذْكَر أن رجلًا جاء لأبي حنيفة وقال: إنه نسي كذا وكذا، وأن المسألة التي نسيها ما هي هينة؛ وديعة كبيرة أو شيء، المهم، قال له: اذهب فصلِّ، فذهب الرجل وصلى فتذكَّر، تذكَّر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأن الشيطان يقول للإنسان في حال صلاته: «اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا»؛ فأبو حنيفة ﵀ استنبط من هذا الحديث أنَّ الصلاة سبب للتذكُّر.
стр. 1333
المهم أن الاستغفار بعد السلام له مناسبة عظيمة؛ وهي التقصير في الصلاة، ما يخلو أحد من التقصير، فتسأل الله المغفرة؛ ولهذا استُحِبَّ للإنسان أن يَخْتِم عمله بالاستغفار، وأن يختم عمره بالاستغفار؛ أما العمر فقد قال الله تعالى لرسوله ﵊: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] قال ابن عباس ﵄: هذا نعيُ رسول الله ﷺ ، وقال عمر: لا أفهم منها إلا ما فهمت (٣)، وقال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ أَرَانِي آيةً؛ إِذَا رَأَيْتُهَا فِي أُمَّتِي أَنْ أُسَبِّحَهُ وَأَسْتَغْفِرَهُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾» (٤)، جاء ولَّا ما جاء؟ جاء ورآه؛ ولهذا كان يُكْثِر ﵊ أن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٥). ثم يقول بعد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٢) والمناسبة في هذا ظاهرة، كأنك تقول: اللهم أنت السلام، فسلِّم لي صلاتي من الردِّ والرفض؛ لأن الصلاة قد تُقبَل وقد لا تُقْبَل، قد تُلَفُّ ويُضْرَب بها وجهُ صاحبها، والعياذ بالله، وقد تُقبَل، وما أربح الذين يَقبل الله صلاتهم، اللهم اجعلنا منهم.
ثم يقول ما ورد من الذكر، والترتيب بعد ذلك بعد الاستغفار واللهم أنت السلام لا أعلم فيه ترتيبًا في السنة، فإذا قَدَّم شيئًا على شيء فلا حرج، المهم أن يحرص على ما ورد عن النبي ﵊ في هذا الباب، ومنه التسبيح والتحميد والتكبير وقد ورد على عدة أوجه:
стр. 1334
الوجه الأول: أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين ويختم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٦)، فتكون مئة.
الوجه الثاني أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين (٧)، كم تكون الجميع؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة أيضًا.
والوجه الثالث أن يقول: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا (٨)، تكون الجميع ثلاثين.
والوجه الرابع: أن يقول: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً» (٩)، تكون الجميع مئة.
هذا الاختلاف من اختلاف التنوع، وقد مرَّ علينا أنه ينبغي للإنسان في العبادات الواردة على وجوه متنوعة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وذكرنا فوائد ذلك.
وينبغي أيضًا أن يقرأ آية الكرسي (١٠)؛ لأنه رُوِي فيها أحاديث عن الرسول ﵊ وإن كانت ضعيفة، لكن إن كانت الأحاديث صحيحة فقد وقعت محلها، وإن لم تكن صحيحة فهي زيادة حِرْزِ للإنسان؛ لأن مما يحفظ الإنسانَ من الشياطين قراءةُ آية الكرسي، وكذلك (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، ومن أراد بسط هذا فليرجع إلى الكتب المؤلَّفة في ذلك مثل كتاب الأذكار للنووي، وكتاب الوابل الصيب لابن القيم وهو كتاب مفيد؛ لأنه ﵀ ذكر فيه فوائد الذكر، ذكر فيه فوق مئة فائدة لذكر الله .
[مكروهات الصلاة]
стр. 1335
ثم قال: (فصلٌ: ويُكْرَه في الصلاة التفاتُه). (التفات) نائب فاعل؛ يعني: يُكرَه للمصلي أن يلتفت؛ لأن النبي ﷺ سُئِل عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» (١١) اختلاس يعني: سرقة ونهب، يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وقال: «إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ» (١٢)؛ ولأن الالتفات حركة لا مبرِّر لها، والأصل كراهة الحركات في الصلاة؛ ولأن في الالتفات إعراضًا عن الله ؛ فإن الله إذا قام الإنسان يصلي فالله تعالى قِبَلَ وَجْهِهِ؛ ولهذا حَرُم على المصلي أن يَتَنَخَّعَ قِبَل وَجْهِهِ؛ لأنه من سوء الأدب مع الله، ولكن إذا كان لحاجة فلا بأس، فمن الحاجة ما جرى للنبي ﷺ حيثُ أرسلَ عينًا تترقب العدو، فكان النبي ﷺ يُصَلِّي ويلتفت نحو الشِّعب الذي يأتي منه هذا العين، والعين يعني: الجاسوس؛ ولأن النبي ﷺ أمر الإنسان إذا أصابه الوَسواس في صلاته أن يَتْفُل عن يساره ثلاثَ مرَّات ويستعيذَ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا التفاتٌ لحاجة، ومن ذلك لو كانت المرأة عندها صبي وتخشى عليه فصارت تلتفت إليه فإن هذا من الحاجة، فهذا لا بأس به لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان.
ثم اعلم أن الالتفات نوعان؛ التفات حسيٌّ بالبدن، والتفات معنويٌّ بالقلب؛ الالتفات في البدن معروف، وما أكثر الذين يُمكنهم أن يسيطروا على هذا الالتفات، أليس كذلك؟ لأنه يسير، عمل بدني يسير.
следующие страницы →