Полный текст (12 382 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
الوجه الأول: أن القضاء الكوني لا بد من وقوعه، وأما القضاء الشرعي فقد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع.
والثاني: أن القضاء الشرعي لا يكون إلا فيما أحب، سواء أحب فعله أو أحب تركه، وأما القضاء الكوني فيكون فيما أحب وفيما لم يحب.
قال: (إنك تقضي ولا يقضى عليك)، نعم الله تعالى يقضي بما أراد، ولا يُقضى عليه، لا أحد يقضي على الله ويحكم عليه، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أبدًا لا حق ولا غير حق؛ لأنها جمادات، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠].
فإن قال قائل: (ولا يقضى عليك) أليس الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، ولكن كتابته على نفسه الرحمة ليست قضاء عليه، بل هو الذي قضى بها على نفسه، إذن: فهو قاضٍ، هو القاضي ليس العباد هم الذين قضوا بها على الله، ولهذا قال ابن القيم ﵀:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ
هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيم الشَّانِ
كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ
إِنْ كَانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ
стр. 1647
(إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت)، (إنه لا يذل من واليت) أي ولاية خاصة، (ولا يعز من عاديت) أي: لا يغلب من عاديته، هذا هو الوقع؛ لأن من والاه الله فهو منصور، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]، وأما من عاداه الله فهو ذليل؛ لأن الله إذا نصر أولياءه فعلى من؟ على أعدائه.
إذن فالعز للأولياء، والذل للأعداء.
فإن قال قائل: هل هذا على عمومه؛ لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت؟
نقول: ليس على عمومه، فإن الذل قد يعرض لبعض المؤمنين، والعز قد يعرض لبعض المشركين، ولكنه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدائمة المستمرة، فالذي وقع في أُحُد للنبي ﷺ وأصحابه لا شك أن فيه اعتزاز المشركين، ولهذا افتخروا به، فقالوا: يوم بيوم بدر، والحرب سجال (١١)، افتخروا، ولا شك أنه أصاب النبي ﷺ وأصحابه من الجراح والضعف ما لم يسبق من قبل، ولكن هذا شيء عارض ليس عزًّا دائمًا مطردًا للمشركين، وليس ذلًّا للمؤمنين على وجه الدوام والاستمرار، وإنما هو عارض، ومع هذا ففيه مصالح عظيمة كثيرة ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران، واستوعب الكلام عليها ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في فقه هذه الغزوة، ذكر فوائد عظيمة من هذا الأمر الذي حصل للنبي ﷺ وأصحابه.
стр. 1648
إذن، فلنا أن نقول: نعم، هذا ليس على عمومه، ويُخص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على عمومه، لا يخصص منه شيء، لكنه عام أريد به الخصوص؛ يعني: أن المراد: لا يذل ذلًّا دائمًا، ولا يعز عزًّا دائمًا، وعلى هذا فلا يحتاج أن نقول: إنه عام دخله التخصيص، بل نقول: إنه من الأصل، لم يقصد به العموم، وإنما قصد به العز المعين والذل المعين، فالذل على سبيل الإطلاق هذا منفي عن أولياء الله، والعز لأعداء الله على سبيل الإطلاق هذا أيضًا منفي.
(تباركت ربنا وتعاليت) في هذا إشكال، (تباركت ربَّنا) كيف قال: (ربَّنا)، والمعروف أن الفاعل مرفوع؟
طالب: هذا منادى ( ... )، والـ (يا) محذوفة؛ يعني: يا ربنا.
الشيخ: إي، وأين الفاعل؟ (تباركت) اعتبارًا.
الطالب: والجملة منادى كلها.
الشيخ: إي، لكن فاعل تبارك.
الطالب: التاء.
الشيخ: التاء.
(تباركت ربَّنا) التقدير: تباركت يا ربنا، ومعنى التبارك في الله : أنه منزل البركة، وأن بذكره يحصل البركة، وباسمه يحصل البركة، ولذلك نجد أن الرجل لو قال على الذبيحة: باسم الله صارت حلالًا، ولو لم يقل: باسم الله صارت حرامًا، ولو قال: باسم الله على وضوئه صار صحيحًا، ولو لم يقل: باسم الله صار غير صحيح عند كثير من أهل العلم.
وإن كان الصحيح أنه لا يشترط ولا تجب التسمية في الوضوء، لكن على القول بأنها واجبة إذا تركها عمدًا لم يصح وضوؤه.
وقوله: (ربنا)، أي: يا ربنا، وحذفت ياء النداء لسببين: لكثرة الاستعمال، وللتبرك بالبداءة باسم الله .
стр. 1649
وقوله: (ربنا) اسم من أسماء الله، يأتي مضافًا أحيانًا كما هنا، وكما في: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٦] ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، ويأتي غير مضاف محلى بـ (ال)؛ مثل قوله ﷺ : «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (١٢)، وقوله ﷺ : «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (١٣).
وقوله: (تعاليت) من التعالي، وهو العلو، وزيدت التاء للمبالغة في علوه، (تعاليت) ولم يقل: علوت، فزيدت التاء والألف من أجل المبالغة في العلو.
وعلو الله ينقسم إلى قسمين: علو الذات، وعلو المعنى.
فأما علو الذات فمعناه: أن الله فوق كل شيء، وأما علو المعنى فمعناه: أن الله تعالى موصوف بكل صفات عليا.
أما الأول: فقد أنكره حلولية الجهمية الذين قالوا: إن الله في كل مكان، كل مكان فالله فيه، وأنكره أيضًا المغالون في التعطيل، حيث قالوا: إن الله ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وين؟
طلبة: عدم.
الشيخ: عدم، ولهذا أنكر محمود بن سبكتكين ﵀ على من وصف الله بهذه الصفة، وقال: هذا هو العدم. وصدق، هذا هو العدم.
فأنكر ذلك طائفتان؛ طائفة غلوا في الإثبات، وطائفة غلوا في النفي، طائفة قالوا: ما يمكن نقول الله في جهة إطلاقًا، وطائفة قالوا: بل نقول في كل مكان.
أما أهل السنة والجماعة، فقالوا: إن الله فوق كل شيء بذاته.
واستدلوا لذلك بأدلة خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أدلة، كل ما يمكن من أجناس الأدلة فهي موجودة في ثبوت علو الله.
الكتاب مملوء بذلك، تارة بلفظ العلو مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وتارة بلفظ الفوقية مثل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
стр. 1650
وتارة بذكر عروج الأشياء إليه وصعودها إليه مثل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وتارة بنزول الأشياء منه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥].
وأما السنة: فكذلك اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار.
أما القول: فكان رسول الله ﷺ يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» (١٤).
وأما الفعل: فإنه لما خطب الناس يوم عرفة، فقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ »، قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ» (١٥)، يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس، وهذا إثبات للعلو بالفعل.
وأما إقراره: فإقراره للجارية حين سألها: «أَيْنَ اللَّهُ؟ » قالت: في السماء (١٦)، جارية مملوكة ما تعرف، ما درست، قال: «أَيْنَ اللَّهُ؟ » قالت: في السماء.
وأما الإجماع: فإن السلف مجمعون على ذلك، الصحابة والتابعون والأئمة، كلهم مجمعون على هذا، ما طريق إجماعهم؟ أنهم لم يرد عنهم صرف للكلام عن ظاهره فيما ذكر من أدلة العلو، وقد مر علينا أن هذا طريق جيد، وهو أنه إذا قال لك قائل: من الذي يقول: إنهم أجمعوا؟ من قال: إن أبا بكر ذكر أن الله في العلو في ذاته؟ من قال: إن عمر قال هذا؟ من قال: إن عثمان قال هذا؟ من قال: علي قال هذا؟ ويش نقول؟ لَمَّا لم يرد عنهم ما يخالف النصوص عُلِم أنهم أثبتوها على ظاهرها.
العقل: فلأننا نقول: إن العلو صفة كمال، وهو من تمام السلطان، من تمام سلطان الله يكون فوق كل شيء، ولهذا نجد في الدنيا الملوك يوضع لهم منصة يجلسون عليها.
إذن، العقل دل على أن الله تعالى فوق كل شيء؛ لأن العلو صفة كمال، وضده صفة نقص، والله منزه عن النقص.
стр. 1651
الفطرة: حدث ولا حرج، العجوز التي لا تعرف القرآن قراءة تامة، ولا تعرف السنة، ولا راجعت فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا غيره من كتب السلف، تعرف أن الله في السماء، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: كل المسلمين إذا دعوا الله يرفعون أيديهم إلى أين؟ إلى السماء، ما فيه واحد من الناس يقول: اللهم اغفر لي، ويحط أيديه إلى الأرض أبدًا كل الناس يرفعون أيديهم إلى السماء.
ولهذا احتج بهذه الفطرة الضرورية، احتج الهمذاني على أبي المعالي الجويني، كان أبو المعالي الجويني يقول: كان الله ولم يكن شيء غيره، وهو الآن على ما كان عليه، يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش.
فقال له أبو العلاء الهمذاني ﵀: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش -لأن استواء الله على العرش دليله سمعي، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما أثبتناه- فما تقول في هذه الضرورة؛ ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو؟ صح؟ كل واحد يقول: يا الله، وين يروح قلبه؟ ( ... ) قلبه إلى السماء، فجعل يضرب على رأسه يقول: حيرني، حيرني. ما لقي جوابا على هذا؛ لأن هذا دليل فطري.
حتى إن الحيوان مفطور على ذلك؛ كما يروى في قصة سليمان ﵊ حين خرج يستسقي، فلما خرج وإذا بنملة مستلقية على ظهرها؛ رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (١٧)، وسقوا بدعوة هذه النملة.
هذه النملة ما الذي أعلمها أن الله في السماء؟ درست؟ ما درست، لكن فطرتها التي فطر الله عليها الخلق دلتها على أن الله في السماء.
والعجب أنه مع ظهور هذه الأدلة قد أعمى الله عنها بصائر قوم؛ فأنكروا علو الله، وقالوا: لا يمكن أي إنسان يقول: إن الله بذاته فوق، فهو كافر، ليش؟ قال: لأنه حدد الله.
стр. 1652
والذي يقول: إن الله فوق، هل هو محدد لله؟ أبدًا؛ إحنا نقول: لا، فوق، ولم يحط به شيء، الذي يحدد الله ويعدد الله هو الذي يقول: إن الله في كل مكان، إن كنت في المسجد فالله في المسجد، في السوق الله في السوق، طيب أنا في مسجد الجامع الله معي وواحد في مسجد الضليعة الله هناك كم صار؟ اثنين، وهلم جرا.
أو يتجزأ بعضه هنا وبعضه هناك، فهذا هو القول المنكر، أما قوم يقولون: إن الله في السماء لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فهذا غاية التنزيه.
أما علو الصفة فدليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]؛ يعني: الوصف الأكمل، هذا دليل سمعي، أما العقلي؛ فلأن العقل يهتدي إلى أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات.
قال: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناء عليك) هذا من التداوي من الشيء بضده.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، (أعوذ برضاك) هذا من باب التوسل برضا الله، أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استجرت من الشيء بضده، جعلت الرضا وسيلة، تتخلص به من السخط.
ثانيًا: (وبعفوك) والحديث: «وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» (١٨).
المعافاة هي أن الله تعالى يعافيك من كل بَلِيّة، في الدين أو في الدنيا، ما ضد المعافاة؟ ضد المعافاة العقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، وإذا استعذت بمعافاة الله من عقوبته، فإنك تستعيذ من ذنوبك حتى يعفو الله عنك، إما بمجرد فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التوبة.
وقال: (وأعوذ بك منك) أعوذ بك منك! نعم، لا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله، إذ لا أحد يعيذك من الله «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (١٩)، فلا أحد يعيذك من الله.
стр. 1653
إذن بمن تستعيذ من الله؟ تستعيذ من الله بالله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، ومعلوم أن الله تعالى قد يريد بك سوءًا، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأن الإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه لا مرجع له إلا ربه .
ثم قال: (لا نحصي ثناء عليك) يعني: لا ندركه، ولا نبلغه، ولا نصل إليه.
والثناء هو: تكرار الوصف بالكمال، ودليل ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (٢٠)، فلا يمكن أن تحصي الثناء على الله أبدًا، ولو تبقى أبد الآبدين ما أحصيت ثناء على الله، وذلك؛ لأن أفعال الله غير محصورة، وكل فعل من أفعاله فهو كمال، وأقواله غير محصورة، وكل قول من أقواله فهو كمال، وما يدافع عن عباده أيضًا غير محصور فالثناء على الله به لا يمكن؛ يعني: لا يمكن أن يصل الإنسان مهما بلغ من الثناء على الله غاية ما يجب لله من الثناء.
وغاية الإنسان أن يعترف بالنقص والتقصير، فيقول: (لا أُحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك) يعني: أنت يا ربنا كما أثنيت على نفسك، أما نحن فلا نستطيع أن نحصي الثناء عليك، وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم.
ثم قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) يعني: يختم الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة؛ كما يروى ذلك في حديث فيه مقال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك (٢١).
وظاهر كلام المؤلف: الاقتصار على هذا الدعاء، ولكن لو أن الإنسان زاد فلا بأس؛ لأن المقام مقام دعاء، وكان أبو هريرة ﵁ يقنت بلعن الكافرين، فيقول: اللهم العن الكفرة (٢٢)، وهذا ليس في هذا الدعاء، مما يدل على أن الأمر في ذلك واسع.
стр. 1654
وأيضًا لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يدعو بهذا الدعاء؛ فله أن يدعو بما شاء مما يحضره.
ثم قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) الصلاة على النبي ﷺ ؛ يعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى؛ يعني: أن الله تعالى يبين صفاته الكاملة عند الملائكة.
(وعلى آله) آله من هم: آله أتباعه على دينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ يعني: أتباعه على دينه، ما لم يذكر الأتباع.
فإن قيل: وعلى آله وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من أهل بيته، وقد قال الشاعر مبينًا أن المراد بالآل الأتباع:
آلُ النَّبِيِّ هُمُ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ
مِنَ الْأَعَاجِمِ وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إِلَّا قَرَابَتَهُ
صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ
وهذا الإيراد ليس بوارد، لماذا؟ لأن الذين يقولون: إن المراد بآله قرابته، يقيدون ذلك بالمؤمنين منهم، وأما غير المؤمنين فليسوا من آله.
قال: (ويمسح وجهه بيديه) ظاهر كلام المؤلف: أنه سنة، يسن المسح باليد بعد الدعاء سواء في القنوت أو في غيره.
ودليل ذلك: حديث أخرجه أبو داود وغيره عن عمر ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رفع يديه لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه (٢٣)، لكن هذا الحديث ضعيف، والشواهد له ضعيفة؛ ولهذا رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، وقال: إنه لا يمسح الداعي وجهه بيديه؛ لأن المسح باليدين عبادة تحتاج إلى دليل صحيح، يكون حجة للإنسان عند الله إذا عمل به، أما حديث ضعيف فإنه لا تثبت به حجة، لكن ابن حجر في بلوغ المرام قال: إن مجموع الأحاديث الشاهدة لهذا يقضي بأنه حديث حسن.
стр. 1655
فمن حسَّنه كان العمل بذلك سنة عنده، ومن لم يحسِّنه بل بقي ضعيفًا عنده كان العمل بذلك بدعة؛ ولهذا كانت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة: قول بأنه سنة، وقول بأنه بدعة، وقول بأنه ليس سنة ولا بدعة؛ يعني: أنه مباح، إنْ فعل لم نبدعه، وإن ترك لم ننقص عمله.
والأقرب أنه ليس بسنة؛ لأن الأحاديث الواردة في هذا ضعيفة، ولا يمكن أن نثبت سنة بحديث ضعيف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: شيخ كيف يكون الإنسان ( ... ) من الله، هذا ليس فيه سوء أدب؟
الشيخ: لا، يفرون من الله من سوء قضائه إلى الله؛ يعني -مثلًا- لو قضى الله عليك بسوء إلى من تفر؟ إلى الله، قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، ففروا إلى الله من أين؟ منه، الآن مثلًا -ولله المثل الأعلى- لو أن شخصًا أراد أن يبطش بشخص، ثم جاء يركض يتخمخم، ويتوسل إليه، ويش صار؟ فر منه إليه، وهذا معروف حتى عند الصغار، إذا أراد أبوه جاء يركل، يخمخم، ويقول: دخيلك، دخيلك. يعني: أستعيذ بك منك، هذا هو المعنى.
طالب: شيخ، القائلون يا شيخ بالإباحة المطلقة ( ... ) وجه قولهم يا شيخ؟
الشيخ: وجه قولهم ﵏: كأنه لما تعارضت عندهم الأدلة بالصحة أو الضعف، قالوا: لا نأمره ولا ننهاه.
الطالب: يعتبر يا شيخ ليس عليه دليل، دليل ضعيف.
الشيخ: لا هم يقولون: فيه احتمال أنه صحيح، أنه حسن يعني، ولأجل هذا الاحتمال لا نكرهه.
طالب: شيخ، قول النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» (١٨)، هل بها يا شيخ التوسل بصفات الله ؟
الشيخ: بلى، التوسل بصفات الله جائز.
الطالب: ذكرنا يا شيخ أنه لا يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز دعاء صفات الله، دعاء الصفة هو الذي لا يجوز، أما التوسل بها فهو جائز.
طالب: شيخ، الزيادة بالأدعية المسجوعة؟
стр. 1656
الشيخ: الزيادة بالأدعية المسجوعة؛ إن كانت هذه الأدعية ليس لها معنى أو ربما يكون معناها مشكلا، مثل: أنخنا مطايانا ببابك فلا تبعدنا عن جنابك فإن أبعدتنا فلا حول ولا قوة إلا بك، فهذا لا شك أنه أقل أحواله الكراهة.
وإذا كان سجعًا لي فيه شيء ليس بمحذور، فإن أطال على الناس حتى شق عليهم فهو منهي عنه؛ لأن النبي ﷺ غضب على معاذ بن جبل حين أطال على الناس (٢٤)، إلا أن يكون عدد الناس محصورًا، وقالوا: يا فلان أطل من الدعاء لنا. فإذا كان العدد محصورًا مثل أن كان أهل المزرعة في مسجد محصورون، وقالوا لإمامهم: أطل بنا في الدعاء. فهذا لا بأس.
طالب: شيخ جزاك الله خيرا، سمعت واحدا في رمضان يدعو في الوتر يقول: سبحان من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون، صحيح هذا؟
الشيخ: هذا؛ لأنه أشعري.
طالب: ويش معنى: ولا تخالطه الظنون؟
الشيخ: لا، ويش معنى لا تراه العيون؟ والرسول ﵊ يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (٢٥).
طلبة: يقصد في الدنيا.
الشيخ: ما قال في الدنيا.
طالب: لكن لو قصد في الدنيا كان صحيحًا؟
الشيخ: وحتى أيضًا لو قصد في الدنيا مشكل؛ لأن الرسول اختلف العلماء: هل رأى ربه أم لا؟
أما الثاني: ولا تخالطه الظنون، فالمعنى: أن الإنسان لا يدرك الله تعالى بظنه أو وهمه، هذا معناه، وعلى كلٍّ هذا من السجع المذموم الذي يحمل معنى منكرًا من وجه ومعنى مبهمًا من وجه آخر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ( ... ) عند البخاري عن ابن عباس، أنه قال: نُهينا أن نسجع في الدعاء (٢٦).
الشيخ: هذا مراده السجع الذي يختلف به المعنى أو السجع المتكلف، وأما السجع الذي لا يتكلف فالرسول سجع بالدعاء: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» (٢٧)، سجع، نوع من السجع، وله أمثلة كثيرة.
стр. 1657
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، دعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» (١٨) ما ورد يا شيخ أنه قاله في السجود؟
الشيخ: إيه المشكلة، قاله في السجود، ولا مانع أن يقول في السجود، وفي دعاء الاستفتاح أيضًا، ورد أدعية في الاستفتاح تقال في السجود.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، جملة ( ... ).
طالب آخر: (كما أثنيت على نفسك) موقعها مما قبلها في المعنى؟
الشيخ: الظاهر أنها كالتعليل لما قبلها، لما قال: (لا نحصي ثناء عليك) لأنك (كما أثنيت على نفسك).
الطالب: يعني الله أحسنَ صفات الثناء على نفسه؟
الشيخ: معلوم، الله يحسن كل شيء.
طالب: شيخ بالنسبة للدعاء في السجود، كون الواحد يدعي في السجود، هل يجوز أن يختم بالصلاة على النبي ﷺ ؟
الشيخ: ويش تقولون في سؤاله؟ يقول: هل يختم إذا دعا في السجود بالصلاة على النبي ﷺ ؟ الجواب: لا؛ لأن الصلاة لها ختام بالصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، نصلي على النبي ﷺ .
الطالب: يكون الحديث للعموم، كون الواحد يدعو وما صلى على الرسول ﷺ يكون معلقًا بين السماء ..
الشيخ: إي نعم؛ لأن الصلاة عبادة واحدة آخرها تبع لأولها.
طالب: شيخ، سمع من بعض الأئمة يدعون في رمضان: اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا.
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ الأحسن أن يقال: اللهم كِد لنا ولا تكد علينا، ويجوز أن تقول: اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا؛ لأن الله قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، كدنا له، وقال في الكافرين: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦] ما هو أكيد لهم، أكيد عليهم.
الطالب: لكن في المقابل يا شيخ ( ... ).
الشيخ: لا ما فيها شيء، لكن لو إن كان هذا واردا في الحديث فلا بأس، وإن كان ما ورد فهو بمعنى: أكيد؛ كِد لنا ولا تكد علينا.
стр. 1658
طالب: زيادة قول النبي ﷺ ( ... ) الحسن يعلمه الدعاء ( ... ) يعني من دعائه.
الشيخ: هو حديث الحسن ما يدل على انحسار الدعاء بهذا؛ لأنه طلب قال: علمني دعاء أدعو به في قنوت الوتر (١)، ما قال: أجعله قنوتَ الوتر، فدل على أن هناك دعاء آخر غير هذا الدعاء المعلم.
طالب: فيه زيادة ( ... ).
الشيخ: ما أدري عنها.
طالب: ( ... ) يدعون بأبيات شعرية ويؤمن بها المصلون.
الشيخ: من؟
الطالب: الخطباء الجدد، والمصلون يؤمِّنون خلفهم، فما رأيكم؟
الشيخ: يؤمنون خلفه، الرسول دعا بشعر:
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فإذا دعا الخطيب وأمن المستمعون فلا بأس.
***
( ... ) والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(يمسح وجهه بيديه) يعني: بعد أن ينتهي من القنوت من الدعاء يمسح وجهه بيديه؛ لأنه جاءت في هذا أحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دعا لا يرد يديه حتى يمسح بهما وجهه (٢٨)، ولكن هذه الأحاديث قال شيخ الإسلام ﵀: إنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وذكر ابن حجر في بلوغ المرام أن مجموعها يقضي بأن الحديث حسن يعني: حسنًا لغيره لا حسنًا لذاته.
والأقرب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما كان الرسول ﷺ يدعو ويرفع يديه ولا يمسح بهما وجهه، ومثل هذه السنة التي ترد كثيرًا؛ وتتوافر الدواعي على نقلها إذا لم تكن معلومة في مثل هذه المؤلفات المعتبرة كالصحيحين وغيرهما، فإنها تدل على أنه لا أصل لها.
وعلى هذا؛ فالأفضل ألا يمسح، ولكن لا ننكر على من مسح اعتمادًا على تحسين الأحاديث الواردة في ذلك؛ لأن هذا مما يختلف فيه الناس.
يقول المؤلف ﵀: (ويمسح وجهه بيديه، ويكره قنوته في غير الوتر) (يكره قنوته) أي: قنوت المصلي (في غير الوتر).
стр. 1659
ويريد بـ (قنوته): قنوته بهذا الدعاء: (اللهم اهدني فيمن هديت) إلى آخره فإنه يكره (في غير الوتر) فيشمل القنوت في الفرائض، ويشمل القنوت في الرواتب، ويشمل القنوت في النوافل الأخرى، فكلها لا يقنت فيها مهما كان الأمر، وذلك لأن القنوت دعاء خاص في مكان خاص في عبادة خاصة، وهذه الخصوصيات الثلاث تحتاج إلى دليل؛ يعني: أنها لا تدخل في عموم استحباب الدعاء مثلًا.
يعني لو قال قائل: أليس القنوت دعاء فليكن مستحبًّا؟
نقول: هو دعاء خاص في مكان خاص في عبادة خاصة، ومثل هذا يحتاج إلى دليل، فإن الشيء الذي يستحب على سبيل الإطلاق لا يمكن أن نجعله مستحبًّا على سبيل التخصيص والتقييد إلا بدليل؛ ولهذا لو قال لنا قائل: سأفعل في ليلة مولد الرسول ﷺ صلوات على الرسول ﷺ واردة جاءت بها السنة، أصليها؟
قلنا: لا تفعل؛ لأنك قيدت العام بزمن خاص، وهذا يحتاج إلى دليل، فليس كل ما شرع على سبيل العموم يمكن أن نجعله مشروعًا على سبيل الخصوص.
فما هو الذي قلنا في القنوت يا أخ؟
طالب: نقول: لا نثبت القنوت إلا ما يثبت بالدليل، وما كان خارجًا عن ذلك فيحتاج إلى دليل.
الشيخ: طيب، علّل؟
الطالب: لأن هذه عبادة، والعبادة لا نثبتها إلا بدليل.
الشيخ: ذكرنا ثلاثة أوجه، قلها لنا؟
الوساوس في قلوب الإنسان عند الصلاة وعند طلب العلم حتى يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، قل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: عام، لو كان دعاء عامًّا قلنا: بعد التشهد قل ما شئت، أيضًا في مكان خاص، وهو ما بعد الركوع أو ما قبله، والثالث في عبادة خاصة، فيحتاج إثباته إلى دليل.
стр. 1660
ومن ثم قلنا: إن دعاء ختم القرآن في الصلاة لا شك أنه غير مشروع؛ لأنه حتى وإن ورد عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو (٢٩)، فهذا خارج الصلاة، وفرق بين ما يكون خارج الصلاة وداخلها، فلهذا يمكن أن نقول: إن هذا الدعاء عند ختم القرآن في الصلاة لا أصل له، ولا ينبغي فعله، حتى يقوم دليل من الشرع على أن هذا مشروع في الصلاة.
القنوت في غير الوتر أطلق المؤلف أنه يكره، مع أن بعض الصحابة ﵃ أثبتوا أنه بدعة، وإذا كان بدعة فأقل أحواله الكراهة، وكأن المؤلف ﵀ لم يرفعه إلى حد التحريم لوجود خلاف بين العلماء فيه.
قال المؤلف: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض)، بالمسلمين، أما إن نزلت بالكفار نازلة فذلك مما يشكر الله عليه، وليس مما يدعى برفعه، لكن إذا نزلت بالمسلمين نازلة.
والنازلة: هي الشديدة من شدائد الدهر، إذا نزل بهم شدة من شدائد الدهر بالمسلمين، يقول المؤلف: (غير الطاعون).
الطاعون: وباء معروف فتاك معدٍ، إذا نزل بأرض فإنه لا يجوز الذهاب إليها، وإذا وقع في أرض فإنه لا يجوز الخروج منها فرارًا منه؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ وَقَعَ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ» (٣٠).
وهذا الطاعون -نسأل الله العافية- إذا نزل أهلك أمما كثيرة، كما في طاعون عمواس الذي وقع في الشام في عهد عمر ﵁ حتى قيل: إنه يموت في اليوم الواحد نحو ألف نفر، مع أن العدد في ذلك الوقت ليسوا بمثل هذا العدد الحاضر.
هذا النوع من الوباء إذا نزل بالمسلمين فقد اختلف العلماء ﵏ هل يدعى برفعه أو لا؟
стр. 1661
فقال بعض العلماء: إنه يدعى برفعه؛ لأنه نازلة من نوازل الدهر، وأي شيء أعظم من أن يفني هذا الوباء أمة محمد ﷺ ، ولا ملجأ للناس إلا الله ، فيدعون الله ويسألونه رفعه.
ومنهم من قال: لا، لا يدعى. وعلل ذلك: بأنه شهادة، فإن الرسول ﷺ أخبر بأن المطعون شهيد (٣١)، قالوا: ولا ينبغي أن نقنت من أجل رفع شيء يكون سببًا لنا في الشهادة، بل نسلم الأمر إلى الله، وإذا شاء الله واقتضت حكمته أن يرفعه رفعه، وإلا يبقى، ومن فني بهذا المرض فإنه يفنى على الشهادة كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
فصار للعلماء قولان: هل يقنت لرفع الطاعون أو لا يقنت؟ فمنهم من قال: إنه يقنت؛ لأنه نازلة عظيمة تؤدي إلى فناء المسلمين، ومنهم من قال: إنه لا يقنت له؛ أي لرفعه؛ لأنه شهادة.
قال: (فيقنت الإمام في الفرائض)، (فيقنت) نقرؤها بالرفع ولا بالنصب؟
طالب: بالنصب.
الشيخ: لا، بالرفع استئنافًا؛ يعني: إلا أن تنزل فحينئذٍ يقنت الإمام؛ لأنك لو قلت: إنها معطوفة (تنزل)، وقلت: إلا أن تنزلَ فيقنتَ ما بينت الحكم هل يقنت أم لا؟
المهم: إذا نزل بالمسلمين نازلة قال: (فيقنت الإمام في الفرائض)، يقنت، ولم يبين المؤلف حكم هذا القنوت، لكنه استثناه من الكراهة، (يكره قنوته في غير الوتر إلا أن تنزل فيقنت) فحينئذٍ يستثنى من الكراهة، وإذا استثني من الكراهة وثبت فعله في الصلاة فإنه يكون مستحبًّا؛ لأنه إذا ثبت فعله في الصلاة بموجب الاستثناء لزم أن يكون من أذكار الصلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا.
وعلى هذا؛ فقول المؤلف: (فيقنت الإمام) يعني: استحبابًا، وقد أجمع العلماء: على أن هذا القنوت ليس بواجب؛ يعني: لو تركه الناس لم يأثموا لكن الأفضل أن يقنت الإمام.
стр. 1662
وقول المؤلف: (الإمام) من يعني بالإمام؟ إذا أطلق الفقهاء (الإمام) فالمراد به: القائد الأعلى في الدولة؛ يعني: الذي له السلطة العليا هو الإمام، فيكون القانت الإمام وحده، أما بقية الناس فلا يقنتون؛ يعني: لا يقنت إلا المسجد الذي يصلي فيه الإمام فقط، فيقنت الإمام، لماذا؟ قالوا: لأن الرسول ﷺ قنت عند النوازل ولم يأمر أحدًا بالقنوت، ولم يقنت أحد من المساجد في عهده ﷺ ؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامة، والذي له الولاية العامة على المسلمين هو الإمام، فيختص الحكم به، ولا يشرع لغيره، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني في المسألة: أنه يقنت كل إمام فتقنت المساجد، يقنت بها أئمتها.
والقول الثالث ( ... ).
والأخير: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واستدل بعموم قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٢)، وهذا العموم يشمل ما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته على سبيل الاستمرار، وما يفعله في صلاته على سبيل الحوادث النازلة، فيكون القنوت عند النوازل مشروعًا لكل أحد.
ولكن، على كل حال، الذي أرى في هذه المسألة: أن يُقتصر على أمر ولي الأمر، فإن أمر بالقنوت قنتنا، وإن سكت سكتنا، ولنا -ولله الحمد- مكان آخر في الصلاة ندعو به، أو ندعو فيه، وهو السجود، وفي التشهد، وهذا فيه خير وبركة، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ.
стр. 1663
وقول المؤلف: (يقنت الإمام في الفرائض) ليس المراد أن يدعو بدعاء القنوت الذي علمه الرسول ﷺ الحسن، بل يقنت بدعاء مناسب للنازلة التي نزلت، ولهذا كان الرسول ﷺ يدعو في هذا القنوت بما يناسب النازلة، ليس يدعو فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت كما يفعله بعض العامة، هذا لم يرد عن الرسول ﵊ أبدًا -لا في حديث صحيح ولا ضعيف- أنه كان يقول: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ في الفرائض، إنما يدعو بالدعاء المناسب لتلك النازلة، فمرة دعا ﷺ لقوم من المستضعفين أن ينجيهم الله حتى قدموا (٣٣).
وقد روي أنه دعا لهم من النصف من شهر رمضان إلى صبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صبيحة يوم العيد (٣٤)، فيكون قنوته لهم خمسة عشر يومًا.
وقنت على قوم دعا عليهم؛ على رعل وذكوان وعصية شهرًا كاملًا، فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك (٣٥)، ودعا على قوم معينين دعا عليهم باللعن: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَالْعَنْ فُلَانًا»، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فأمسك (٣٦)، فصار دعاء النبي ﷺ بالقنوت دعاء مناسبًا، وعلى قدر الحاجة، لم يستمر.
يقول: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض) قال في الشرح: فيقنت الإمام الأعظم استحبابًا، الإمام الأعظم قلت لكم إنه من له السلطة العليا في البلد.
إذا قنت يقول: (في الفرائض) (ال) دخلت على جمع فتفيد العموم؛ يعني: في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كل الصلوات، هكذا صحّ عن النبي ﷺ أنه قنت في جميع الصلوات.
стр. 1664
واستثنى بعض العلماء الجمعة، وقال: إنه لا يُقنت فيها؛ لأن الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ أنه قنت في الصلوات الخمس؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم تذكر الجمعة، والجمعة صلاة مستقلة لا تدخل في مسمى الظهر عند الإطلاق؛ ولهذا لا تجمع العصر إليها فيما لو كان الإنسان مسافرًا وصلى الجمعة، وهو يريد أن يمشي، وأراد أن يجمع العصر إلى الجمعة، نقول: لا يجوز هذا؛ لأنها صلاة من جنس آخر مستقلة.
وعلل بعضهم أيضًا ذلك: بأن الإمام يدعو في خطبة الجمعة يدعو دعاء عامًّا يؤمّن الناس عليه في خطبة الجمعة، فيدعو لرفع النازلة في خطبة الجمعة، ويكتفى بهذا الدعاء عن القنوت في صلاة الجمعة.
ويرى بعض أهل العلم أنه لا وجه للاستثناء، وإنما لم ينص عليها في الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ ؛ لأنها يوم واحد في الأسبوع فلهذا تركت، ويدل لهذا أن الرسول ﷺ إذا علّم عن الصلاة المفروضة لا يذكر إلا الصلوات الخمس؛ لأنها هي الراتبة الموجودة التي ترد على الإنسان في كل يوم، بخلاف الجمعة.
فالظاهر أنه يقنت حتى في صلاة الجمعة.
وإذا قلنا بالقنوت في الصلوات الخمس، فإن كان في الجهرية فمن المعلوم أنه يجهر به، وإن كان في السرية فإنه يجهر به أيضًا؛ كما ثبتت به السنة أنه كان يقنت ويؤمن الناس وراءه (٣٧)، ولا يمكن أن يؤمنوا عليه إلا إذا كان يجهر، وعلى هذا؛ فيسن أن يجهر ولو في الصلاة السرية.
القنوت هل يكون قبل الركوع أو بعد الركوع؟
أكثر الأحاديث، والذي عليه أكثر أهل العلم، أن القنوت بعد الركوع، وإن قنت قبل الركوع فلا حرج؛ يعني: كمل القراءة ثم دعا ثم ركع، فلا حرج، فهو الآن يخير بين أن يركع إذا كمل القراءة، ثم إذا رفع وقال: ربنا ولك الحمد، قنت، كما هو أكثر الروايات، وعليه أكثر أهل العلم، أو إذا أتم القراءة دعا ثم كبر وركع، كل هذا جاءت به السنة ولا حرج فيه.
стр. 1665
قال: (فيقنت الإمام في الفرائض، والتراويح عشرون ركعة) (التراويح) مبتدأ، و (عشرون ركعة) خبر المبتدأ، والتراويح: سنة مؤكدة؛ لأنها من قيام رمضان، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣٨)، حكمها؟
طالب: أنها سنة مؤكدة.
الشيخ: الدليل؟
طالب: لأنها من قيام رمضان، وقال ﷺ في قيام رمضان: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الشيخ: نعم، وسميت تراويح؛ لأن من عادتهم أنهم إذا صلوا أربع ركعات جلسوا قليلًا ليستريحوا؛ بناء على حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (٣٩)، ووجه ذلك أنها قالت: (يصلي أربعًا ثم)، و (ثم) تدل على الترتيب بمهلة، وأنه هناك فاصل بين الأربع الأولى والأربع الثانية والثلاث الأخيرة، وهذه الأربع يسلم من كل ركعتين، كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث عائشة؛ أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين (٤٠).
خلافًا لمن توهم من بعض طلبة العلم أن الأربع تجمع الأولى، والأربع الثانية تجمع، فإن ذلك وهم، سببه عدم تتبع طرق الحديث من وجه، وعدم النظر إلى الحديث العام؛ حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ سئل عن صلاة الليل فقال: «هِيَ مَثْنَى مَثْنَى» (٩).
وعلى هذا؛ فكل حديث مطلق في عدد الركعات في الليل يجب أن يحمل على هذا الحديث المقيد، وهو أنها مثنى مثنى.
أما ما صُرِّح فيه بعدم ذلك كالوتر بخمس أو سبع أو تسع، فهذا يكون مخصصًا لعموم هذا الحديث.
إذن لماذا قالت عائشة: يصلي أربعًا، ثم يصلي أربعًا؟
стр. 1666
نقول: لأنه جمع الأربع الأولى في آن واحد، فصلى ركعتين، ثم وصلهما فورًا بالركعتين الأخريين، ثم جلس وأمهل، ثم استأنف وصلى ركعتين، ثم أتبعهما بركعتين، ثم جلس فأمهل، ثم صلى ثلاثًا.
أخذ السلف من هذا أن يصلوا أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلوا أربعًا، ثم يستريحوا، ثم يصلوا ثلاثًا إذا قاموا بإحدى عشرة ركعة.
والمؤلف يقول ﵀: (التراويح عشرون ركعة) إذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوتر تكون؟
طالب: واحدا وعشرين.
الشيخ: لا، تكون ثلاثًا وعشرين، فيصلي التراويح عشرين ركعة، ثم يصلي الوتر ثلاث ركعات، ويكون الجميع ثلاثًا وعشرين ركعة، هذا قيام رمضان.
فما هو الدليل؟ الدليل يقول: لما روى أبو بكر عبد العزيز في الشافي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة (٤١)، ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ ، والذي صح عنه، من أعلم الناس به في الليل عائشة أم المؤمنين ﵂، أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة فقد سئلت: كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على ( ... ) ركعة (٤٢). وهذا نص صريح من عائشة، وهي من أعلم الناس به فيما يفعله ليلًا، تقول: إنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة.
فإن قال قائل: قد ذكر عن عمر أنه كان أمر أُبَيّ بن كعب أن يصلي بالناس بثلاث وعشرين ركعة (٤٣)؟
قلنا: هذا أيضًا ليس بصحيح، وإنما روى يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر في رمضان ثلاثًا وعشرين ركعة (٤٤)، انتبهوا، يزيد بن رومان لم يدرك عهد عمر، فيكون في الحديث انقطاع.
стр. 1667
ثم الحديث ليس فيه نص أن عمر اطلع على ذلك، وما فعل في عهد عمر فإنه لا يكون حجة بخلاف ما فعل في عهد الرسول ولم ينكره، فإنه يكون حجة؛ لأن الرسول ﷺ إن كان علمه فقد أقره، وإن لم يكن علمه فقد أقره الوحي، لكن في عهد عمر ما فيه الوحي، فلم ينسب إلى عمر من إقراره حتى يكون صريحًا بنسبته إلى عمر.
ولكن روى مالك في الموطأ بإسناد من أصح الأسانيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر تميمًا الداري وأبي بن كعب أن يقوما في الناس بإحدى عشرة ركعة (٤٥)، وهذا نص صريح، أمر من عمر ﵁، وهو اللائق به ﵁؛ لأنه من أشد الناس تمسكًا بالسنة، وإذا كان الرسول ﷺ لم يزد على إحدى عشرة ركعة، فإننا نعتقد بأن عمر بن الخطاب ﵁ سوف يتمسك بهذا العدد.
وعلى هذا؛ فيكون الصحيح في هذه المسألة: أن السنة في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يصلي عشرًا شفعًا، وواحدة وترًا، والوتر كما قال ابن القيم: هو الواحدة، ليس الركعات التي قبله من صلاة الليل، والوتر هو الواحدة، وإن أوتر بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس؛ لأن هذا أيضًا صح من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعة (٤٦).
فهذا هو السنة، ومع ذلك: لو أن أحدًا من الناس صلى بثلاث وعشرين، أو بأكثر من ذلك، فإنه لا ينكر عليه؛ ولكن لو طالب أهل المسجد بألَّا يتجاوز عدد السنة كانوا أحق منه بالموافقة؛ لأن الدليل معهم، إنما لو سكتوا ورضوا؛ فهو لو صلى بهم تسعًا وتسعين ركعة ما فيه مانع.
ولا فرق في هذا العدد حتى على المذهب بين أول الشهر وآخره، لا فرق ..
والتراويحُ عشرون رَكعةً تُفعلُ في جماعةٍ مع الوِترِ بعدَ العشاءِ في رَمضانَ ويُوتِرُ الْمُتَهَجِّدُ بعدَه فإن تَبِعَ إمامَه شَفَعَه بركعةٍ، ويُكْرَهُ التنَفُّلُ بينَهما لا التعقيبُ في جماعةٍ.
стр. 1668
ثم (السنَنُ الراتبةُ) ركعتان قبلَ الظهْرِ وركعتانِ بعدَها وركعتان بعدَ المغرِبِ ورَكعتانِ بعدَ العشاءِ وركعتانِ قبلَ الفجْرِ وهما آكَدُها، ومَن فاتَه شيءٌ منها سُنَّ له قضاؤُه.
و(صلاةُ الليلِ) أفْضَلُ من صَلاةِ النهارِ وأَفْضَلُها ثُلُثُ الليلِ بعدَ نِصفِه،
أن السنة في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يصلي عشرًا شفعًا، وواحدة وترًا، والوتر -كما قال ابن القيم- هو الواحدة ليس الركعات اللي قبله، الركعات التي قبله من صلاة الليل، والوتر هو الواحدة، وإن أوتر بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس، لأن هذا أيضًا صح من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعة (١).
فهذا هو السنة، ومع ذلك لو أن أحدًا من الناس صلى بثلاث وعشرين، أو بأكثر من ذلك فإنه لا يُنْكَر عليه؛ ولكن لو طالب أهل المسجد بألا يتجاوز عدد السُّنة كانوا أحق منه بالموافقة؛ لأن الدليل معهم، إنما لو سكتوا ورضوا فهو لو صلى بهم تسعًا وتسعين ركعة ما فيه مانع.
ولا فرق في هذا العدد حتى على المذهب بين أول الشهر وآخره، وعلى هذا فيكون القيام في العشر كالقيام في أول الشهر.
فإذا قلنا: إن الأفضل إحدى عشرة في العشرين الأولى قلنا: إن الأفضل إحدى عشرة في العشر الأخيرة ولا فرق؛ لأن عائشة تقول ﵂: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره (٢)، ولم تستثن العشر الأواخر، لكن تختص العشر الأواخر بالإطالة فإن الرسول ﷺ كان يقوم فيها الليل كله (٣)، وعلى هذا فيطيل.
стр. 1669
لكن لو اختار أهل المسجد أن يُقَصِّر بهم القراءة والركوع والسجود، ويكثر من عدد الركعات، وقالوا له: إن هذا أرفق بنا لأنه لو بقي يقرأ جزءا في كل ركعة ويطيل الركوع والسجود ربما يشق عليهم؛ فإذا طلبوا أن يُقَصِّر القراءة والركوع والسجود ويزيد في العدد فلا حرج عليه إذا وافقهم؛ لعموم قول النبي ﷺ : «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٤) وعموم قوله ﵊: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» (٥) وما دام الأمر غير محظور علينا فإن تيسيرنا على من ولانا الله عليه أولى وأحسن، والإمام ولي المسجد مولًّى على المأمومين، ولهذا يقال: إمام، فهو إمام، والإمام أيضًا يأمرهم ويقول: سووا اعتدلوا سوُّوا الصفوف، تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، فهو في الحقيقة ولي أمر بالنسبة للمأمومين.
فإذا طلب المُوَلَّى عليهم أن يَرْفُق بهم بكثرة العدد مع تخفيف الركوع والسجود والقراءة فليس في هذا بأس.
وهنا نقول: لا ينبغي لنا أن نتطرف لا يمينًا ولا شمالًا؛ لأن بعض الناس يتطرف من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة، وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ، وهذا لا شك أنه خطأ، وكيف يكون آثما عاصيًا، وقد سئل النبي ﵊ كيف صلاة الليل؟ فقال: «مَثْنَى مَثْنَى» (٦)؟ ولم يحدد بعدد.
ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأن مَنْ لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى، وهو ليس من خَدَمِ الرسول حتى نقول: يعلم داخل بيته، فإذا كان النبي ﵊ بَيَّن له كيفية الصلاة دون أن يُحَدِّد له بعدد علم أن الأمر في هذا واسع، وأن للإنسان أن يصلي مئة ركعة ويوتر بواحدة، مَنْ يمنعه من هذا؟ !
стр. 1670
وأما قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٧)، فهذا ليس على عمومه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أن يوتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع، لا يوجبون هذا ولو أخذنا بالعموم لقلنا: يجب أن توتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع سردًا، وإنما المراد: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» في الكيفية، أما في العدد فلا.
فالإنسان على كل حال؛ نحن نقول: إن الإنسان ينبغي له ألا يشدد على الناس بمجرد وَهْمٍ توهَّمه، حتى إننا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا مَنْ يبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة، ويخرجون من المسجد، شوف كيف يعني الوهم، يخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول ﷺ : «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨) وربما يجلسون إذا صلوا عشر ركعات يجلسون فتتقطع الصفوف بجلوسهم، يجلسون والناس صفوف عن اليمين وعن اليسار وربما يتحدثون أحيانًا فإذا جاء الوتر قاموا فأوتروا، كل هذا من الخطأ، نحن لا نشك في أنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهد يكون مُصيبًا.
الطرف الثاني عكس هؤلاء أنكروا على مَنْ اقتصر على إحدى عشرة ركعة، أنكروا إنكارًا عظيمًا، وقالوا: خرجت عن الإجماع، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] كيف تخرج عن الإجماع من أين جئت لنا بهذا؟ كل الناس قبلك لا يعرفون إلا ثلاثًا وعشرين ركعة، ثم يشددون في التنفير والنكير، وهذا أيضًا خطأ ما هو صحيح.
стр. 1671
ولكن لو فرضنا أننا في بلد لا يعرفون إلا ثلاثًا وعشرين ركعة، فليس من الحكمة أن نجابههم، فنصلي إحدى عشرة ركعة من أول ليلة، وإنما نصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، ثم نتحدث إليهم بما جاءت به السنة، وأن الأفضل إحدى عشرة، ثم نقول لهم: ما ترون؟ هل ترون أن نقتصر على هذا العدد مع الطمأنينة وإطالة الركوع والسجود نوعًا ما؛ لنتمكن من الدعاء، ونكثر من الذكر، أو ترون أن نبقى على حالنا؟ حينئذٍ سوف يوافقون أو يخالفون أو يختلفون، أليس كذلك؟ ما تخلو الحال من واحد من ثلاثة أمور.
فإذا رأى الأكثر على أننا لا نوافق، خلينا على ما كان عليه آباؤنا، ويش يعمل؟ يبقى على ما هو عليه؛ لأن الأمر واسع، وما دام الأمر فيه التأليف فهو خير، لكن لا ييأس؛ يعيد الكرة مرة ثانية، ما يضر، فإن أَبَوا وأصرُّوا على الثلاث والعشرين يستعمل معهم ما يراه من الحكمة في إقناعهم.
ومع هذا لو أنهم أَبَوا إلا ثلاثًا وعشرين فليتوكل على الله، وليعطهم هذا، لكن ليحذر مما يصنعه بعض الأئمة من السرعة العظيمة في الركوع والسجود، حتى إن الواحد لا يتمكن وهو شاب من متابعة الإمام وهو شاب، كيف عاد بكبير السن أو المريض أو ما أشبه ذلك اللي ما يستطيع؟ !
وقد حدثني مَنْ أثق به أنه دخل مسجدًا في ليلة من ليالي رمضان ودخل مع الإمام في صلاة التراويح وعجز عن إدراك المتابعة وهو نشيط وشاب، يقول: كأني أصلي معه على الجمر، فلما نمت في الليل وجدت كأني دخلت على هذا المسجد، وإذا أهله يرقصون؛ لأن هكذا هذا هو الرقص.
فالقصد من هذا أن بعض الأئمة -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يتلاعبون في التراويح، يصرون على العدد وهو سنة، بل وهو خلاف السنة، السنة إحدى عشر، ولكنهم يقصرون في الواجب؛ في السرعة العظيمة، والعلماء يقولون ﵏: يُكْرَه للإمام أن يُسْرِع سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسَنُّ.
стр. 1672
ويَحْرُم أن يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يجب؛ لأنه مؤتمن، والأمين يجب أن يراعي حال المؤتمن عليه فيسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يجب، هذا لا يجوز.
لو أن أحدًا صلى مع هذا الإمام الذي يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يجب، يعجز أن يدركه في الطمأنينة، فهل له أن يخرج وينفرد؛ يعني: ينفصل عن الإمام؟
الجواب: نعم، بل يجب عليه أن ينفصل عن الإمام، سواء في التراويح أو في الفريضة، أيضًا أحيانًا في الفريضة تجي تجد واحدًا يصلي بالناس قد فاتتك الصلاة وتدخل معهم وإذا هو يسرع إسراعًا تعجز أنت أن تدرك معه الواجب، ففي هذه الحال نقول: انفصل، انْوِ الانفراد وأتم لوحدك؛ لأنه لا يمكن الآن أن تجمع بين المتابعة وبين القيام بالركن وهو الطمأنينة فلا بد من أحد الأمرين، وإذا كان النبي ﷺ أقرَّ الرجل على الانفراد من أجل تطويل الإمام، فالإقرار على الانفراد من أجل القيام بالركن من باب أولى.
***
طالب: ( ... ).
الشيخ: النوازل طارئة ما هي بدائمة؛ ولهذا سجود الشكر يُشْرَع -كما سيأتينا إن شاء الله- عند تجدِّد النعم، ما هو عند كل نعمة وإلَّا لبقي الإنسان دائمًا في السجود، وهذه أيضًا بقي الإنسان دائمًا في قنوته.
طالب: ( ... ) الذين قالوا: ( ... ) لا يقال لهؤلاء: إن النبي ﷺ كان الإمام الأعلى من الناحية الدينية ومن الناحية ( ... )؛ لأنه كان يحج بهم ويصلي بهم ( ... ) الأمور الدنيوية.
الشيخ: والتشريعية.
طالب: والتشريعية بالنسبة للطاعات.
الشيخ: تبعًا للرسول؛ ولهذا قنت أبو بكر ﵁ في الردة، في قتال مسيلمة قنت ﵁.
طالب: بعد الخلفاء الراشدين أصبحنا ( ... ) الفقهاء مثلًا الإمام مالك ( ... ).
الشيخ: هذا قول الفقهاء فيه خلفاء ( ... ).
هل يمسح بيديه إذا انتهى من دعاء القنوت؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟
طالب: يمسح.
الشيخ: يمسح، الراجح لا يمسح.
стр. 1673
ما هو دليل مَنْ قال: يمسح، ومَنْ قال: لا يمسح؟
طالب: دليل مَنْ قال: يمسح ما روي عن عمر أنه كان لا يُنْزِل يده حتى يمسحها.
الشيخ: نعم.
طالب: أما دليل مَنْ قال: إنه لا يمسح فهو تَتَبُّعٌ لأحوال نبي الله ﷺ بعد القنوت أنه كان لا يمسح.
الشيخ: لا بعد الدعاء.
طالب: بعد الدعاء أنه كان لا يمسح.
الشيخ: طيب.
وما جوابهم ( ... )؟
طالب: جوابهم أنه روي عن عمر، ولكن ..
الشيخ: ولكنه ضعيف لا تقوم به حجة.
حكم القنوت في غير الوتر؟
طالب: حكم القنوت في غير الوتر يُكْرَه أن يقنت الإمام في غير الوتر.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه قول له مكان مُعَيَّن وله وقت مُعَيَّن وصلاة معينة.
الشيخ: يعني: لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ، وما لم يرد فهو بدعة، استثنى المؤلف ﵀، ماذا استثنى؟
طالب: إذا نزلت بالناس نازلة، واستثنى ( ... ) الطاعون ( ... ).
الشيخ: الدليل على القنوت عند النازلة؟
طالب: النبي ﷺ قنت في النوازل دعا على أقوام.
الشيخ: نعم دعا لأقوام ودعا على أقوام، أحسنت.
ذكرنا أنه دعا للمستضعفين مدة معينة؟
طالب: خمسة عشر يومًا.
الشيخ: خمسة عشر يومًا، ابتداؤها نصف ذي القعدة وانتهاؤها؟
طالب: من خمسة عشر رمضان إلى يوم العيد.
الشيخ: إي نعم، في النصف الأخير من رمضان، وقنت على قوم؟
طالب: مدة شهر حتى نزل قول الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
الشيخ: لا، اللي شهر غير هذا.
طالب: على ذكوان.
الشيخ: شهرًا، ثم تركه لأنهم أسلموا، والآخرون الذين دعا عليهم أيضًا.
طالب: مدة ولا ..
الشيخ: مدة ما نعلم عنها.
طالب: حتى نزل قول الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
الشيخ: أحسنت، تمام.
لمن يشرع القنوت عند النوازل؟
طالب: الإمام الأعظم على قول ..
الشيخ: المؤلف.
طالب: المؤلف، ورجحتم في الدرس أنه ( ... ).
стр. 1674
الشيخ: إي، لكن على كلام المؤلف للإمام الأعظم؛ لأن هذا شيء يتعلق بعموم المسلمين فصار الحكم فيه مختصًّا بإمامهم فقط.
قال المؤلف ﵀: (التراويح عشرون ركعة) فلماذا سميت تراويح؟
طالب: سميت تراويح؛ لأنهم كانوا يصلون أربعًا ثم يستريحون، ثم يصلون أربعًا ثم يستريحون، ثم يصلون ثلاثًا ( ... ).
الشيخ: استندوا إلى حديث عائشة، تمام أحسنت.
قول المؤلف: إنها عشرون ركعة، نحن رجحنا خلاف كلام المؤلف.
طالب: رجحنا أنها تكون إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: أو؟
طالب: أقل.
الشيخ: لا.
طالب: أو لا يحددها.
طالب آخر: ثلاثة عشرة ركعة.
الشيخ: أو ثلاثة عشرة ركعة، صحيح.
استدل المؤلف بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة (٩)، فما جوابك عن هذا؟
طالب: هذا الحديث لم يصح عن النبي ﷺ .
الشيخ: لم يصح عن النبي ﷺ فلا يعتمد عليه.
استدلوا أيضًا بما روي عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر بن الخطاب في رمضان ثلاثًا وعشرين ركعة (١٠).
طالب: أنَّ يزيدَ لم يُدرِك عمر، فالحديث منقطع.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: وأن عمر لم يثبت حقيقة أنه صلى.
الشيخ: يعني: أنه نسبه إلى عهده دون أمره، ثالثًا؟
طالب: روي عن عمر ..
الشيخ: أنه مُعارَض بما صحَّ عن عمر.
طالب: أو صلى في عهد أبي بكر.
الشيخ: لا، ما هو أن يصلى.
طالب: أنه أمر ابنَ عباس.
الشيخ: أمر ابن عباس، أيهما الفضل ولا عبد الله؟ !
طالب: أمر أُبَيًّا.
الشيخ: أُبَيّ بن عباس؟ !
طالب: لا، أُبَيّ بن كعب يا شيخ.
الشيخ: أبي بن كعب، والثاني؟
طالب: هو الذي أمره عمر.
الشيخ: إي هو عمر، اثنين؟
طالب: عمر بن الخطاب.
الشيخ: عمر بن الخطاب أمر رجلين.
طالب: أمر أُبَيَّ بن كعب.
الشيخ: أبي بن كعب، والثاني؟
طالب: وهذا هو الذي دل على ..
الشيخ: إي، والرجل الثاني عشان نكمل الدليل؟
طالب: ما أعرف.
الشيخ: إي، الثاني؟
طالب: تميم الداري.
стр. 1675
الشيخ: نعم، الثاني تميم الداري؛ أن يقوما الناس بإحدى.
طالب: عشرة ركعة، وهذا ( ... ) الحديث الصحيح.
الشيخ: أحسنت تمام، إذن صار الحديث الأول حديث يزيد بن رومان ضعيف من ثلاثة أوجه؛ الانقطاع أنه منسوب إلى عهد عمر، وما نُسِبَ إلى عهد أحد من الخلفاء فليس بحجة، وأما ما نُسِبَ إلى عهد الرسول فهو حجة؛ لأن الوحي ينزل، الثالث أنه معارض بأيش؟
طالب: بما صح.
الشيخ: بما صحَّ عن عمر أنه أمر تميمًا الداري وأبيَّ بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وذكرنا أن هذا هو اللائق بعمر، لماذا؟
طالب: لأن عمر من أحرص الناس على اتباع سنة النبي ﷺ .
الشيخ: نعم، كان وقَّافًا عند الحق؛ حتى إن المرأة تعارضه أحيانًا وهو يخطب الناس فيرجع لقولها، أحسنت.
***
يقول: (عشرون ركعة)، المؤلف هل أفصح بحكم التراويح أو لا؟
طالب: أفصح.
الشيخ: وين؟
طلبة: في الأول.
الشيخ: في أول الباب؛ حيث قال: (آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح) إذن فالتراويح سنة.
وهنا نسأل: هل هي من سنن عمر أو من سنن النبي ﷺ ؟
ادَّعى بعض الناس أنها من سُنَنِ عمر؛ واستدل لذلك بأن عمر بن الخطاب أمر أبيَّ بن كعب وتميمًا الداريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (١١)، وخرج ذات ليلة والناس يصلون، فقال: نعمت البدعة هذه، (١٢) هذا يدل على أنها لم يسبق لها مشروعية، وعلى هذا؛ فتكون من سنن عمر لا من سنن النبي ﷺ .
وحينئذ لنا أن نعارض فنقول: إنها ليست بسنة؛ لأن سببها وُجِدَ في عهد الرسول علية الصلاة والسلام ولم يفعله، والقاعدة: أن ما وُجِدَ سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فإنه ليس بسنة؛ لأنه كيف يتركه الرسول والسبب موجود؟ والسبب هنا ما هو؟ رمضان، موجود في عهد الرسول ﷺ ، فلما لم يفعله لم تكن سنة، وعلى هذا؛ فإذا صليت الفريضة في رمضان، فاذهب إلى بيتك وصلِّ، ولا تصلِّ مع الناس.
стр. 1676
ولكن هذا قول ضعيف، غفل قائله عما ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي ﷺ قام بأصحابه ثلاثَ ليال، وفي الثالثة أو في الرابعة تخلَّف لم يصلِّ، وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» (١٣) فثبتت التراويح بماذا؟ بسنة النبي ﷺ ، وذكر النبي ﷺ المانع من الاستمرار فيها -لا من مشروعيتها- خوف أن تفرض، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرسول ﷺ ؛ لأنه لما مات ﷺ انقطع الوحي فأُمِنَ من فرضيتها، فلما زالت العلة وجب زوال المعلول؛ لما زالت العلة وهو خوف الفريضة بنزول الوحي ثبت زوال المعلول، وحينئذٍ تعود إلى السُّنِّيَّة.
ويبقى النظر لماذا لم يفعل هذا أبو بكر؛ لم يُعِد إقامتها جماعة؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن مدة أبي بكر ﵁ كانت سنتين وأشهرًا، وكان مشغولًا بتجهيز الجيوش لقتال المرتدين وغيرهم، فكان الناس منهم يصلي وحده، ومنهم من يصلي مع الرجلين، ومنهم من يصلي مع الثلاثة، أحزابًا، لما كان عمر خرج ذات ليلة فوجدهم يصلون أوزاعًا فلم يعجبه هذا التفرق، وأمر تميمًا الداريَّ وأبيَّ بن كعب أن يقوما للناس يجمعون الناس جميعًا، ويصليا بالناس إحدى عشرة ركعة، وبهذا عرفنا أن فعل عمر ما هو إلا إعادة لأمر كان مشروعًا إعادة وتجديد.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول عمر: نعمت البدعة، وهذا يدل على أنها مبتدعة؟
стр. 1677
فالجواب: أن هذه البدعة نِسْبِيَّة، فهي بدعة باعتبار ما سبقها، لا باعتبار أصل المشروعية؛ لأنها بقيت في آخر حياة الرسول ﷺ وفي عهد أبي بكر لم تقم، فلما استؤنفت إقامتها، صارت كأنها ابتداء من جديد، إذن هي بدعة بالنسبة لما سبق؛ حيث تُرِكَت في آخر حياة النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر ﵁، ولا يمكن لعمر بن الخطاب أن يثني على بدعة شرعية أبدًا، وقد قال النبي ﵊: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (١٤).
والعجب أن بعض أهل البدع أخذ من قول عمر: نِعْمَت البدعة (١٥) أخذ بابًا ليس له مفاتيح، بل أخذ بابًا ليس عليه بابٌ، فجاء وصار يبتدع ما شاء ويقول: نعمت البدعة هذه، ولا شك أن هذا من الأخذ بالمتشابه، حتى لو فرض أن عمر ﵁ ابتدع وحاشاه من ذلك فإن له سُنَّة متبعة «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ» (١٦) ليس مثلك أنت تأتي بالقرن الرابع عشر وتقول: بأبتدع ونعمت البدعة، أو في القرن الثامن أو السابع أو الثالث، عمر له سُنَّة مُتَّبَعَة، مع أننا لا نعلم أن عمر ابتدع شريعة، إنما ابتدع سياسات لم تكن في عهد الرسول ﷺ سياسات يرى أن فيها مصلحة.
مثل: إلزامه بالطلاق الثلاث أن يكون ثلاثًا، ومثل: منعه من بيع أمهات الأولاد، مع أنهن يبعن في عهد الرسول ﵊، ومثل: زيادة العقوبة في شرب الخمر من نحو أربعين إلى ثمانين.
هذه ( ... ) لكن سياسات يرى أنها تحقق المصلحة، لكن هل زاد عمر في الصلوات جعلها ستًّا؟ لا، أو جعل ركعات الظهر خمسًا؟ لا إي نعم.
طالب: قول عمر: نعمت البدعة، بعضهم أخذ منه تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة قبيحة.
الشيخ: إي نعم، قلت: هذه صارت بابًا عظيمًا، صارت بابًا ليس له حجاب.
طالب: يقيس على مثل فعل عمر قوله: نعمت البدعة أن ما شابهها يُسَمَّى بدعة حسنة.
стр. 1678
الشيخ: لا أبدًا بَيَنَّا لك أنها بدعة نسبية، ما هي بدعة أصلية بدعة بالنسبة لتركها في المدة السابقة.
طالب: بالنسبة للقاعدة التي ذكرنا فيها أنه إذا وجد سبب شيء في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فإنه ليس بِسُنَّة، قال بعض أهل العلم: الخطوط لإقامة الصفوف في الصلاة قالوا: إنه وُجِدَ سببُها وهو إقامة الصفوف ولم يفعله الرسول.
الشيخ: لا، نقول: هذا مردود من وجهين؛ الأول أنه ليس موجودًا في عهد الرسول ﵊؛ لأن الموجود في عهده أن الأرض تفرش بالحصباء، والحصباء ما يمكن يكون فيها خطوط، فإذا قال: يمكن يجعل فيها خيوط، الخيوط نقول: سبب لعثرة الناس فيها ولا تستقيم، يكون فيها أذية، هذا واحد.
الوجه الثاني أن هذه ليست غاية، هذه وسيلة لإقامة الصفوف، ونحن نعلم -والعلم عند الله أن هذا لا يغير شيئًا، هذا يحصل به المقصود الشرعي وهو تسوية الصف.
طالب: كيف يدخل الطلاق في السياسة؟
الشيخ: إي نعم، يدخل الطلاق في السياسة؛ لأجل منع الناس من الطلاق المحرَّم؛ لأن جَمْعَ الثلاث بكلمة واحدة حرام، والإنسان إذا علم أنه سيُمْنَع من مراجعة زوجته سيتوقف؛ ولهذا صرَّح قال: أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم. (١٧)
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: والتراويح عشرون ركعةً تُفْعَل في جماعة مع الوتر بعد العشاء في رمضان، ويوتِر المتهجِّد بعده فإن تَبِعَ إمامه شَفَعه بركعة، ويُكْرَه التنفل بينها لا التعقيب في جماعة، ثم السنن الراتبة ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان بعد الفجر وهما آكدها، ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من السنن المؤكدة صلاة التراويح، فما هو الدليل على مشروعيتها؟
стр. 1679
طالب: قوله ﷺ : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١٨)، صلاة التراويح وقيام الليل.
الشيخ: قوله: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، لكن هذا لا يعني أن نصلي جماعة.
طالب: كان عادته ﷺ أنه كان ( ... ).
الشيخ: كيف هذا؟ ويش اللي ثبت عنه؟
طالب: التراويح ( ... ).
الشيخ: لأن التراويح جماعة تحتاج إلى دليل خاص.
طالب: قال النبي ﷺ : «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨).
الشيخ: ما يكفي هذا.
طالب: أولًا: فِعلُه ﷺ فعلها ثلاث أو أربع ليال، ثم عملُ عمر سنة متبعة، وإجماع الصحابة على فعله.
الشيخ: إذن فِعل الرسول ﷺ وفِعل عمر وإقرار الصحابة على ذلك يعني: الكثير منهم أقر، فعل النبي ﵊ كيف كان؟
طالب: أنه صلى جماعة الليلة الأولى والثانية والثالثة وترك الرابعة، ثم عندما تركها سأله الصحابة قال: مخافة أن تُفْرَضَ عليكم أو خشيت أن تفرض عليكم ..
الشيخ: وتركها بعد في الثالثة أو الرابعة وقال: خشيت أن تُفْرَض عليكم، وهذه العلة زالت بعد وفاته، فإذا زالت العلة زال المعلول وأكَّدَ ذلك سنة عمر ﵁.
ما هو الدليل على أنها عشرون ركعة كما قال المؤلف؟
طالب: الدليل حديث عبد الله بن عباس أنه ..
الشيخ: حديث عبد الله بن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي في رمضان (١٩) كم؟
طالب: عشرون ركعة.
الشيخ: عشرون ولَّا عشرين؟ أنت ما درست معنا في النحو. ويش تقولون يا أهل الآجرومية؟
طلبة: عشرين.
الشيخ: عشرين، إي نعم؛ لأن الملحق بجمع المذكر السالم يُنْصَب بالياء، فيه دليل غير هذا؟
طالب: أنه قيل عن عمر ﵁: إنه أمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يصليا بالناس عشرين ركعة.
стр. 1680
الشيخ: وهذه من كيسك.
طالب: يزيد بن رومان.
الشيخ: يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. فيه رأي آخر؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
طالب: أنها إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: أنها إحدى عشرة ركعة، ما دليل هذا؟
طالب: فعل عمر ﵁.
الشيخ: لا.
طالب: حديث عائشة ﵂ حينما سئلت عن قيام النبي ﷺ في رمضان قالت: ما صلى رسول الله ﷺ .
الشيخ: ما كان.
طالب: ما كان يصلي رسول الله ..
الشيخ: يزيد.
طالب: يزيد عن إحدى عشرة ركعة في رمضان وغير رمضان.
الشيخ: إي، سمعتم الدليل حديث عائشة أنها سُئِلَت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان قالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (٢٠).
فيه دليل آخر؟
طالب: الدليل الآخر ما روى الإمام مالك رحمه الله تعالى بإسناد صحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة (٢١).
الشيخ: أحسنت تمام، إذن الصحيح أنها إحدى عشرة ركعة.
بقي علينا الشق الثاني من المناظرة أو المقارنة؛ لأنا ذكرنا أن الإنسان إذا أراد أن يناظر غيره أو يقارن بين قولين فلا بد من إثبات الدليل والرد على دليل خصمه، فبماذا نرد على حديث ابن عباس أنه كان يقوم عشرين ركعة، حديث ابن عباس المرفوع.
طالب: نرد عليه بأن الحديث ضعيف.
الشيخ: أحسنت، يُرَدُّ عليه بأن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا يُعْمَل به فضلًا عن أنه يعارض حديث من؟ عائشة، وهي أعلم الناس بصلاة الرسول في الليل، إذن هو ضعيف سندًا وشاذ متنًا لمخالفته لحديث عائشة، بماذا نجيب عن أثر يزيد بن رومان؟
طالب: أولًا نقول: إن يزيد بن رومان لم يدرك عمر.
الشيخ: لم يدرك زمنه فيكون.
طالب: فيكون منقطعًا.
الشيخ: نعم، هذا واحد.
طالب: أيضًا أنه لم ينسب إلى عمر أنه قاله.
стр. 1681
الشيخ: لم ينسبه إلى عمر، وإنما نسبه إلى زمان عمر، وزمان عمر ليس بحجة أو لا يُنْسَب إليه ما يفعل في زمانه إلا إذا علم به، تمام.
ثم قال المؤلف ﵀: (تُفْعَل في جماعة مع الوتر بعد العشاء في رمضان) شوف القيود (تفعل في جماعة) فإن صلاها الإنسان منفردًا في بيته لم يدرك السنة، السنة أن تكون في جماعة.
والدليل ما سمعتم من فعل الرسول ﷺ ، وأمر عمر ﵁، وموافقة أكثر الصحابة على ذلك.
الثاني قال: (مع الوتر) يعني: أنهم يوترون معها.
ودليل ذلك: أن الرسول ﷺ صلى بالصحابة في ليلة ثلاثًا وعشرين، وخمسًا وعشرين، وسبعًا وعشرين، في الليلة الأولى نحو ثلث الليل، الثانية نصف الليل، والثالثة إلى قريب الفجر، ولما قالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨) وهذا يدل على أنه يوتر، فينبغي أن يكون الوتر مع التراويح جماعة.
الثالث قال: (بعد العشاء) فلو صلَّوا التراويح بين المغرب والعشاء لم يدركوا السُّنة، لا بد أن تكون بعد العشاء، وكذلك أيضًا ينبغي أن تكون بعد العشاء وسُنَّتِها، فإذا صلَّوا العشاء صلَّوا السنة، ثم صلَّوا التراويح، ثم الوتر.
وقوله: (في رمضان) لأن في غير رمضان بدعة، لو أراد الناس أن يجتمعوا على قيام الليل في المساجد جماعة في غير رمضان لكان هذا من البدع، لكنها سُنَّة في رمضان.
ولا بأس أن يصلي الإنسان جماعة في غير رمضان في بيته أحيانًا؛ لفعل الرسول ﷺ ؛ فقد صلَّى بابن عباس وابن مسعود وحذيفة بن اليمان جماعة في بيته، لكن لم يتخذ ذلك سُنَّةً راتبة يكون دائمًا يصليها جماعة، ولم يكن أيضًا يفعلها في المسجد.
القيود الآن أن تكون في جماعة بعد العشاء في رمضان، الوتر تبع لها.
قال المؤلف: (ويوتر المتهجد بعده).
стр. 1682
فإذا قال قائل: أنتم الآن صححتم أنها إحدى عشرة، فما رأيكم لو صلينا خلف إمام يصليها ثلاثًا وعشرين، هل إذا قام إلى التسليمة السادسة نجلس وندعه، أو الأفضل أن نُكْمِل معه؟
نقول: الأفضل أن نكمل معه، ودليل ذلك من وجهين:
الوجه الأول قول النبي ﷺ في قيام رمضان: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (٨) ومن جلس ينتظر حتى يصليَ الإمام إلى الوتر ثم أوتر معه، فإنه لم يصلِّ مع الإمام حتى ينصرف؛ لماذا؟ لأنه ترك جزءًا كبيرًا من صلاته.
الوجه الثاني عموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٢٢) وهذا يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادة على إحدى عشرة منهيٌّ عنها أو لا؟ أبدًا، ليس منهيًّا عنها، وحينئذٍ نتابع الإمام.
أما لو كانت الزيادة منهيًّا عنها مثل أن يصلي الإنسان صلاة الظهر خمسًا فإننا لا نتابعه.
стр. 1683
إذن نقول: الأفضل لمن صلى خلف إمام يصلي ثلاثًا وعشرين أو أكثر الأفضل أن يصلي معه جميع ما يصلي، والدليل هذان الحديثان اللذان أشرت إليهما، ثم إنه ينبغي أن نعلم أيها الإخوة أن اتفاق الأمة مقصود قصدًا أوليًّا بالنسبة للشريعة الإسلامية؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، والتنازع بين الأمة أمر مرفوض، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال النبي ﷺ : «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُم» (٢٣)، يقوله في تساوي الناس في الصف.
ولما صلى عثمان ﵁ في مِنى في الحج صلى الرباعية أربعًا ولم يُقْصِر (٢٤) بعد أن مضى من خلافته ثماني سنوات، وأنكر الناس عليه، وقالوا: قصر النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك، لكنه ﵁ تأوَّل، فكان الصحابة الذين ينكرون عليه يصلُّون خلفه أربعًا وهم ينكرون عليه، مع أن هذه زيادة متصلة في الصلاة مُنْكَرَةٌ عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها.
فما بالك بزيادة منفصلة، لا تُؤَثِّر لو تعمدها الإنسان، ما أثرت على بطلان الصلاة، ونحن نقول: إننا متمسكون بالسنة ومتَّبِعون لآثار الصحابة ثم نخالف في هذه المسألة.
стр. 1684
إني أقول: إن كل إنسان يقول: إنه متبع للسنة ومتبع لهدي السلف؛ فإنه لا يسعه أن يدع الإمام إذا صلى ثلاثًا وعشرين ويقول: أنا سأتبع السُّنَّة إحدى عشرة؛ لأنك مأمور بمتابعة إمامك مَنْهِيٌّ عن المخالفة، ولست منهيًّا عن الزيادة عن إحدى عشرة.
فالمهم أنه يجب على طلبة العلم خاصة، وعلى الناس عامة أن يحرصوا على الاتفاق مهما أمكن؛ لأنه مُنْيَة أهل الفسق وأهل الإلحاد، منيتهم أن يختلف أصحاب الخير؛ لأنه لا يوجد سلاح أشدُّ فتكًا من الاختلاف أبدًا، لما قال موسى للسحرة: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] اللي حصل أنهم تنازعوا أمرهم بينهم، لما تنازعوا خلاص فشلوا وذهبت ريحهم.
فهذا الخلاف الذي نجده من بعض الإخوة الحريصين على اتباع السنة في هذه المسألة وفي غيرها أيضًا، أنا أرى أنه خلاف السنة، وخلاف ما تقصده الشريعة من تَوَحُّد الكلمة واجتماع الكلمة، لأن هذا أمر سائغ ولله الحمد، ليس أمرًا محرمًا ولا منكرًا، أمر يسوغ فيه الاجتهاد، فكوننا نُوَلِّد الخلاف ونشحن القلوب من العداوة والبغضاء والهزء بهؤلاء الذين يخالفوننا في الرأي مع أنه سائغ لا شك أنه خلاف السنة، فالواجب على الإنسان أن يحرص على اجتماع الكلمة مهما أمكن.
طالب: المتابعة في الختمة يا شيخ.
الشيخ: حتى المتابعة في الختمة لا بأس أيضًا؛ لأن الختمة نص الإمام أحمد ﵀ وغيره من أهل العلم: على أنها سُنَّة، على أنه يستحب أن يَخْتِمَ بعد انتهاء القرآن قبل الركوع، وهي وإن كانت من ناحية السُّنَّة ليس لها دليل لكن ما دام أئمة المسلمين قالوا بها ولها مساغ أو اجتهاد، وليكن مخطئًا: لكن ما دام ليس فيه حرام؛ فلماذا نخرج أو نُسَفِّه أو نخطئ أو نبدِّع مَنْ فعل؟ أنت لا تفعلها إذا كان الأمر إليك، ولكن إذا كان إمامك يفعلها فلا مانع.
стр. 1685
انظروا إلى الأئمة الذين يعرفون مقدار الاتفاق، كان الإمام أحمد ﵀ يرى أن القنوت في صلاة الفجر بدعة، ويقول: إذا كنتَ خلف إمام يقنت فتابعه على قنوته، وأَمِّن على دعائه، أكثر من هذا! كل ذلك من أجل اتحاد الكلمة، واتفاق القلوب، وعدم الكراهة بعضنا لبعض.
يقول المؤلف: (ويوتر المتهَجِّد بعده) أي: بعد تهجده، يعني: إذا كان الإنسان يحب أن يتهجد بعد التراويح، والتراويح تفعل متى؟ بعد العشاء في أول الليل، وهذا رجل يحب أن يتهجد في آخر الليل، فهل يوتر مع الإمام أو يوتر بعده؟
يقول المؤلف: (يوتر بعده)؛ يعني ولا يوتر مع الإمام؛ لأنه لو أوتر مع الإمام خالف أمر النبي ﷺ في قوله: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (٢٥) لكن لا يوتر مع الإمام، ويوتر بعد تهجده، إذن إذا قام الإمام ليوتر ينصرف هو ولا يوتر معه، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
وقال بعض العلماء: بل يوتر مع الإمام ولا يتهجَّد بعده؛ لأن الصحابة لما طلبوا من النبي ﷺ أن يُنْفِلَهم بقيةَ ليلتهم قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨)، وفي هذا إشارة إلى أن الأولى الاقتصار على الصلاة مع الإمام؛ لأنه لم يرشدهم إلى أن يَدَعُوا الوتر مع الإمام ويصلوا في آخر الليل؛ فدلَّ هذا على أنه يَحْصُل له قيام الليل كأنه قامه فعلًا، فيكتب له أجر العمل مع راحته، وهذه نعمة.
هناك أيضًا طريق أخرى وهو قوله: (فإن تبع إمامه شفعه بركعة) إن تبع إمامه شفعه؛ أي: شفع وتر إمامه بركعة من أجل أن يكون آخر صلاته وترًا.
إذن يتابع الإمام، فإذا سَلَّم الإمام من الوتر قام فأتى بركعة وسلَّم، فيكون صلى ركعتين، أي: لم يوتر، فإذا تهجد في آخر الليل أوتر بعد التهجد، فيحصل له في هذا العمل متابعة الإمام حتى ينصرف، ويحصل معه أيضًا أن يجعل آخر صلاته بالليل وترًا، وهذا عمل طيب.
следующие страницы →