← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال المؤلف: (ينقضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ) (ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، واسم الموصول للعموم، كلُّ أسماء الموصول للعموم، سواء كانت خاصَّة أم مشتركة، فالخاصة هي التي تدلُّ على المفرد والمثنى والجمع، مثل: (الذي)، و (الذين)، و (اللذان)، والمشتركة هي الصَّالحة للمفرد وغيره، مثل: (مَنْ)، و (ما)، و (ذا)، وما أشبهها، و (أل). فهنا يقول: (ما خرج من سبيل) قلت: إن (ما) للعموم يشمل كلَّ خارج، و (من سبيل) مطلق يتناول القُبُل والدُّبر، وسُمِّي سبيلًا؛ لأنه طريق يخرج منه الخارج، والسبيل هو: القُبُل والدُّبر. وقوله: (ما خرج) إذا قلنا بأنه عام يشمل المعتاد وغير المعتاد، المعتاد مثل أيش؟ كالبول والغائط والرِّيح من الدُّبر، هذه الثلاثة معتادة، قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وفي حديث صفوان بن عَسَّال: «وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ وَنَوْمٍ» (١٠)، وفي حديث أبي هريرة (١١) وعبد الله بن زيد رضي الله: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦). ويشمل أيضًا ما كان طاهرًا أو نجسًا؛ فالطاهر كالمني، والنجس ما عداه من بول ومذي وودي ودم؛ لأن الذي يمكن خروجه من القُبُل مثلًا خمسة أشياء: البول والودي والمذي والمني والدم، دم، إي نعم قد يخرج، وهذا شيء واقع، ما هو شيء مفترض، المهم أنه شامل لهذا كله، كله ينقض الوضوء. الريح من الدبر معتادة، ومن القُبُل غير معتادة؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء؛ فمنهم من قال: إنها تنقض الوضوء، ومنهم من يقول: إنها لا تنقض الوضوء. وهذه الرِّيح تخرج أحيانًا من فُروج النساء، ما أظنُّها تخرج من الذكر، وربما تخرج، لكن يمكن أنها من أندر النادر، إنما الذي يخرج كثيرًا الريح من قُبُل المرأة، فهي تنقض الوضوء، على ما صرح به فقهاؤنا ﵏، ومن العلماء من يقول: إنها لا تنقض؛ لأنها غير معتادة.

стр. 317

هل تنقضُ الحصاة إذا خرجت من القُبُل أو الدُّبُر؟ طلبة: نعم. الشيخ: تنقض، إي نعم، وهذا كثير أيضًا؛ لأنه أحيانًا يُصابُ الإنسان بحصى في الكلى، ثم تنزل حتى تخرج من ذكره بدون بول، فهي أيضًا ناقضة. ولو ابتلع الإنسان خرزة، فخرجت من دبره، تنقض الوضوء ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: تنقض الوضوء؛ لعموم قوله: (ينقض ما خرج من سبيل). هذا الأول، وهذا ثابت بالنص والإجماع، إلا ما لم يكن معتادًا ففيه الخلاف. ثانيًا: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا) (خارج) هذه معطوفة على (ما)؛ يعني: وينقضُ خارجٌ من بقيَّة البَدن، إن كان بولًا أو غائطًا، ( ... ) وهل يمكن هذا؟ نعم يمكن، لا سيما في العصور المتأخِّرة يُجرى للإنسان عملية حتى يبدأ بوله أو غائطه يخرج من جهة أخرى، فإذا خرج بول أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض للوضوء، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. ويستثنى من ذلك ومن الذي قبله أيضًا: مَنْ حَدَثُه دائم فإنه لا ينتقض وضوؤه بخروجه، مثل أن يكون فيه سلسُ بول أو سلس غائط أو سلس ريح فإنه لا ينتقض الوضوء بذلك، ولكن له حال معينة في التطهر تأتي إن شاء الله تعالى. قال المؤلف: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا) ظاهر كلامه: أنه لو خرجت الرِّيح من هذا المكان الذي فُتِحَ بدلًا عن المخرج، ينقض ولَّا ما ينقض؟ طلبة: لا ينقض. الشيخ: نشوف، نحن قلنا قبل قليل: (ينقض ما خرج من سبيل) إنه يشمل الريح خارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا؛ لأنه قيده بقوله: (إن كان بولًا أو غائطًا)، وعلى هذا فلو خرجت الريح من هذا المكان الذي فتح عوضًا عن المخرج فإنها لا تنقض ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو المذهب. والقول الثاني في المسألة: أنها تنقض الوضوء؛ الريح إذا انسد المخرج وانفتح هذا المكان صار له حكمُ الفَرج فيما خرج منه، لا في مسِّه؛ لأن مسه لا ينقض الوضوء، كما سيأتي.

стр. 318

قال المؤلف: (أو كثيرًا نجسًا غيرَهُما) يعني: أو كان كثيرًا نجسًا غير البول والغائط، فقيَّد المؤلف غير البول والغائط بقيدين؛ أن يكون كثيرًا، وأن يكون نجسًا. لماذا لم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؟ أما النجس فلا حاجة للتقييد؛ لأنه نجس؛ البول والغائط، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: ولأن قليله وكثيره سواء؛ كلاهما ينقض الوُضُوء. فقول المؤلف: (أو كثيرًا) أولًا: يجب أن نعرف ما هو الكثير؟ أطلق المؤلف (كثيرًا)، والقاعدة المعروفة: أن ما أتى ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعه؟ طلبة: إلى العرف. الشيخ: إلى العُرف. وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالحِْرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ كل شيء جاء مطلقًا ولم يقيده الشارع فارجع فيه إلى العرف، فنقول: الكثير هنا بحسب العرف، عرف من؟ عُرف النَّاس، إذا قالوا: هذا كثيرٌ صار كثيرًا، وإن قالوا: هذا يسير وبسيط صار بسيطًا. وقيل: إن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه؛ كلُّ إنسان إذا رأى أن هذا كثيرٌ فإنه يكون كثيرًا، وإن رأى أنه قليلٌ فإنه يكون قليلًا. لكن هذا القول فيه شيء من النظر، ما الذي فيه؟ أن من الناس من يكون عنده وسواس؛ النقطة الواحدة القليلة تكون عنده كثيرة، ومن الناس من عنده تهاون؛ لو يخرج منه لتر من الدم قال: هذا يسير بسيط؛ لأن دم البعير إذا ذبحت أكثر منه، فلا يرى شيئًا قليلًا أبدًا. ولكن القول الصحيح: الثاني؛ أن المعتبر العرف، وهو ما عده أوساط النَّاس الذين ليسوا متطرفين لا من هنا ولا من هنا، ما عدوه كثيرًا فهو كثير، وما عدوه قليلًا فهو قليل. ثانيًا: قوله: (نجسًا غيرَهُما) نجس احترازًا من الطَّاهر، إذا خرج من بقية البدن شيء طاهر ولو كَثُرَ فإنه لا ينقض الوضوء، مثل أيش؟ طالب: مثل العرق. الشيخ: كالعَرَق. طالب: واللُّعاب.

стр. 319

الشيخ: اللعاب، وكدمع العين إذا صار يبكي وعيونه كثيرة الماء، ولا عاد الغالب ( ... ) كثير الدمع، لكن يمكن بعض الناس يكون عنده دموع كثيرة ( ... ) يصيح، ويحصل هذا. طالب: ( ... ). الشيخ: المهم، كثير، وأكثر ما يمكن التمثيل به وأوضحه هو العرق؛ لأن بعض الناس شاهدناهم يعرقون عرقًا كثيرًا جدًّا في أيام الصيف؛ يعني: إذا قام من النوم كأنه أكثر من سابح، هذا لا ينتقض وضوؤه، لماذا؟ طالب: لأنه طاهر. الشيخ: لأنه طاهر، والمؤلف قيده بقوله: (نجسًا). (غيرَهُما) أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا: الدَّمُ والقيءُ ودَمُ الجروح وماءُ الجروحِ، وكلُّ ما يمكن أن يخرج وهو ليس بطاهر. ولكن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فالمشهور من المذهب هو ما سمعتم؛ أنه إذا كان كثيرًا إما عُرفًا أو كل إنسان بحسب نفسه نقض الوُضُوء، وإن كان قليلًا لم ينقض. ما هي الحجة في ذلك؟ الحجة في ذلك قالوا: إن النبي ﷺ قَاءَ فتوضَّأ (١٢)، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فلما توضَّأ بعد قيئه، فإن الأُسوة الحسنة أن نفعل كما فعل الرسول ﷺ . وقالوا أيضًا: لأنه فضلات خرجت من البدن، فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذ حكمه من كلِّ وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمه من وجه دون وجه، البول والغائطُ قليلهُ وكثيرُه ينقض الوضوء؛ لأنه خرج مع المخرج، وغير البول والغائط ما ينقض إلا إذا كان كثيرًا، قالوا: فهو أشبه البول والغائط من وجه؛ لكونه فضلة خرجت من البدن، فأشبهته من بعض الوجوه، فتعطى حكمه. وقال بعض أهل العلم، وهو مذهب الشافعي والفقهاء السبعة -فقهاء التابعين السبعة المشهورون- وقد جُمِعُوا في بيتين أنشدتكم إياهما سابقًا. طالب: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ رِوَايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْعِلْمِ خَارِجَهْ

стр. 320

فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ الشيخ: سمعتم إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ رِوَايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْعِلْمِ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ وقد ذكرهم العراقي في ألفيته في المصطلح. الفقهاء السبعة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد: يرون أن الخارج من البدن لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر، إلا البول والغائط. وحجتهم في ذلك: أن الأصل عدم النَّقض، وإذا كان الأصل عدم النَّقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدَّليل. قالوا: وقد ثبتت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، فإذا جئتم بدليل شرعي مقاوم للدليل الذي ثبتت به الطهارة فعلى العين والرأس، ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأننا متعبَّدون بشرع الله، لا بأهوائنا، لا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفع عنهم طهارةً واجبة، أرونا الدليل، وعلى العين والرأس. فإذا كانت الطهارة قد ثبتت بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن أن ترتفع إلا بدليل شرعي، والدليل الذي استدللتم به قد ضعَّفه كثيرٌ من أهل العلم؛ قاء فتوضأ (١٢). ثم نقول: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر، فمجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وعلى هذا فلا يجب. ثم إنه مقابل بحديث -وإن كان أيضًا مضعفًّا- أنَّ النبيَّ ﷺ احتجم، وصلى ولم يتوضَّأ (١٣)، وهذا يدلُّ على أنه ليس للوجوب، وهذا القول هو القول الرَّاجح؛ أنه لا ينقض الخارج من بقية البدن وإن كثر، سواء كان قيئًا أو رعافًا أو جرحًا أو ماء جروح، أو أي شيء آخر.

стр. 321

فخذ الآن هذا الثاني من نواقض الوضوء صار فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح عدم النقض به. قال: (وزوالُ العقلِ) زوال العقل على نوعين: زوال بالكُلِّيَّة، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون، نسأل الله العافية. والثاني: تغطية العقل بسبب يوجب أن يرتفع العقل لمدَّة معيَّنة لسبب معلوم، مثل: النَّوم والإغماء والسكر، وما أشبهها. هذا زوال العقل، لكنه ليس ارتفاعًا بالكلية، فزوال العقل ناقض للوضوء، ولكن هل هو ناقض أو مظنة النقض؟ فيه خلاف، العجيب مذاهب العلماء في النوم كثيرة، ثمانية مذاهب فيه، هل ينقض ولَّا ما ينقض؟ واللي يفصل فيه، واللي ما يفصل! ولكن لننظر. الإنسان إذا زال عقله بالكلية، فإن زوال العقل هذا مظنة قوية أن يُحدِث ولا يشعر، والعلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإنه يثبت مقتضاها بأدنى شبهة أو بأدنى سبب، فحينئذٍ نقول: ما دام العلة في كون النوم ناقضًا أنه مظنة الحدث، فليرتب عليه الحكم بمجرد زوال العقل بنوم أو غيره. وقال بعض العلماء: إن النوم ليس هو نفسه ناقضًا للوضوء، لكنه مظنة، وعلى هذا فإذا ترجح عندك أنك لا تزال على طهرك فأنت؟ طالب: طاهر. الشيخ: طاهر، وإلا فلا، زوال العقل بالجنون وبالإِغماء وبالسكر هو في الحقيقة فَقْدٌ نهائي، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقضٌ، فلو صُرِعَ الرجل -والعياذ بالله- ثم استيقظَ من الصرع وجب عليه؟ طلبة: الوضوء. الشيخ: أن يتوضأ، وكذلك لو سَكِرَ، وكذلك لو أُغمي عليه؛ سقط من شيء وأغمي عليه وجب عليه أن يتوضأ، بخلاف النوم فإنه ليس كهذا؛ ولهذا يفترق عن هذه الأشياء بأن يسيره لا ينقض الوضوء. ( ... ) انسد المخرج وانفتح غيره. طالب: يأخذ غيره حكمه إلا اللمس.

стр. 322

الشيخ: لا، ما له حكمه، لم يثبت له أحكام المعتاد، إلا إذا خرج بول أو غائط لا بأس، هذا شيء واضح، لم يثبت له أحكام المعتاد، هذه ذكرناها، فلو لمس لم ينتقض الوضوء، ولو خرج منه ريح لم ينتقض الوضوء، ولو أن أحدًا جامعه لم يجب الغسل. المهم أنه إذا انسد المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد، فلا نقض بريح منه ولا بمسه، لكن البول والغائط؛ لأنهما بول وغائط من أي مكان خرجا نقضا الوضوء. وقال بعض العلماء: إن كان هذا المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل من أصحابنا. شوفوا الفقه في هذا القول، هو جيد ولَّا لا؟ يقول: إن فتحوا مثلًا، الأطباء فتحوا فتحة بحيث يخرج الطعام من المعدة نفسها، فهذا ليس كالبول والغائط، وإن كان من أسفل؛ يعني: من الأمعاء، فهو في حكم البول والغائط، ويش رأيكم في هذا؟ طالب: جيد. الشيخ: جيد في الواقع، هذا جيد وفقه واضح، بدليل أنه إذا تقيأ الإنسان من المعدة فإنه لا ينقض الوضوء، على القول الراجح، أو ينقضه إن كان كثيرًا، على المشهور من المذهب، وأما المذهب فيقولون: إذا فتح فهو ينقض قليله وكثيره. زوال العقل ( ... ) «الْعَيْنُ وِكَاءُ السِّهْ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» (١٤)، ففيه إذنْ دليل وتعليل. هل يستثنى من ذلك شيء؛ من زوال العقل يستثنى منه شيء؟ طالب: المجنون. الشيخ: المجنون. بسم الله الرحمن الرحيم، زوال العقل ناقض للوضوء كما سمعتم من الدليل والتعليل، وليس هو موضع اتفاق بين أهل العلم، بل هو موضع خلاف بين أهل العلم، ولكن القول الراجح: أنه ناقض للوضوء؛ لحديث صفوان بن عسال؛ ولأن التعليل الذي أشرنا إليه تعليل قوي، لكن هل النوم ناقض أو مظنة النقض؟ اختلف فيه العلماء فيه ثمانية أقوال لأهل العلم:

стр. 323

منهم من يرى أن النَّوم ناقضٌ مطلقًا يسيرُه وقليله، وعلى أيِّ صفة كان النائم؛ يقول: لأن هذا حَدَث، النوم حدث وليس مظنة الحدث، والحدث لا يُفرَّقُ بين قليله وكثيره، كالبول. ومنهم من يقول: إن النَّوم مظنة الحدث، وأنه لا يعفى عن شيء منه إلا ما استبعد فيه الحدث. ومنهم من قال: إن النوم مظنَّة الحَدَث، ولا ينقض منه إلا ما كان مظنة الحدث، فالمذهب أن النوم ليس بحدث، ولكنه مظنَّة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيدًا فيه الحدث؛ ولهذا قال: (إلا يسير نومٍ من قائم وقاعد). فاستثنى المؤلف ﵀ اليسير، واستثنى حالًا معينة من أحوال النائم، خرج باليسيرِ الكثيرُ، وخرج بقوله: (من قائم وقاعد) ما عداهما، فإن النوم ينقضه مطلقًا في حقهم؛ في حق ما عدا هاتين الحالين. ما هو اليسير؟ اليسير يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا قالوا: هذا يسير، فهو يسير، فتارة يكون يسيرًا في زمنه، لكن يغفل غفلة كاملة، يمكن يحلم لكن يسير، بحيث ما خرج منه شيء، أو لو خرج لشمه؛ لأنه استيقظ على طول، وتارة يكون يسيرًا في ذاته وماهيته؛ بمعنى أنه لا يغفل كثيرًا في نومه، مثل مثلًا يسمع اللي يتكلمون، ولو مثلًا يكلمه أحد انتبه بأدنى سرعة، ولو حصل منه حدث لأحس به، هذا اليسير. فالمهم أن اليسير إذا كان من قائم وقاعد فإنه لا يضر، ولكن الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوؤه، وإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه لأحس به، فإن وضوءه باقٍ ولا ينتقض.

стр. 324

وبهذا القول تجتمع الأدلة؛ فإن حديث صفوان بن عسَّال -كما سمعتم- فيه تصريح بأن النوم ناقض، وقد ثبت من حديث أنس أن الصحابة ﵃ كانوا ينتظرون العِشاء على عهد النبي ﵊ حتى تخفِقَ رؤوسهم، ثم يُصلُّون ولا يتوضؤون (١٥)، تخفق يعني: تنزل هكذا، في بعض الألفاظ: يضطجعون (١٦) في رواية لأبي داود، فيحمل ما ورد عن الصحابة، على ما إذا كان الإنسان لو أحدث لأحس، ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان الإنسان إذا أحدث لم يحس. ويؤيد هذا الجمعِ الحديثُ الضعيف الذي أشرنا إليه: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السِّهْ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ»، فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه؛ بحيث لو أحدث ما أحس بنفسه فإنه يكون نومه ناقضًا، وإلا فلا. لو أن أحدًا يصلي وهو ساجدٌ، غفى؛ يعني: أحس بنوم خفيف يسير، هل ينتقضُ وضوؤُه ولَّا لا؟ المذهب: ينتقض وضوؤه؛ لأنه ليس قائمًا ولا قاعدًا. والقول الثاني: لا ينتقض، إلا إذا كان في حال لو أحدث لم يحسَّ بنفسه، فينتقض. المؤلف ﵀ ظاهر كلامه: (من قائم وقاعد) الإطلاق، ولكنهم استثنوا ما إذا كان محتبيًا أو متكئًا، فإنه في هذه الحال ينتقض وضوؤه من نائم وقائم، غير محتبٍ ولا متكئٍ؛ لأنه إذا كان محتبيًا أو متكئًا فإنه غالبًا يستغرق في نومه، وإذا استغرق فإنه قد يُحدِث ولا يحس بنفسه، ولكن الذي رجحناه نسلم من هذه القيود كلها، ونقول: متى كان الإنسان في نوم لو أحدث لم يحس بنفسه فهو ناقض، وإلا فلا، على أي حال كان. طالب: إذا لم يشم منه رائحة جارُه وهو جالس بجانبه، وهو تقام الصلاة ولا يشعر بعض الناس؟ الشيخ: إي نعم، ماذا تقولون في هذا؟ طالب: إلا بنفسه. الشيخ: الظاهر أننا نكلفه بنفسه، مشكلة بيقول جاره: هل حسيت أني أحدثت؟ طالب: إذا كان جاره ( ... ) ويعلم أنه .. الشيخ: ربما أيضًا ( ... ) الشم، مثل غيره من الحواس، إذا ما حط الإنسان باله يمكن ما يحس.

стр. 325

طالب: ممكن يكون ( ... ) إذا أقيمت الصلاة ولم يشعر يا شيخ، كثير من الناس تقام الصلاة ولا يشعر، ولا واحد ( ... ). الشيخ: الظاهر أنه يرجع للحدث نفسه، ما دام الإنسان يعرف نفسه أنه لو أحدث لأحس؛ لأن الصحيح أن النوم ما هو بنفسه حدث .. طالب: إذا تكلم عن الجار وقال: أحدثت ( ... ) قال له: شممت منك رائحة؟ الشيخ: وإن كان الرائحة من غيره ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: يعني هو الأحسن نعتبره ( ... ). *** يقول: (ومسُّ ذكر متَّصل أو قُبُل بظهر كفه أو بطنه) إلى آخره. أولًا: قال المؤلف: (مسُّ ذكر) والمسُّ لا بد أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنه مع الحائل لا يُعَدُّ مسًّا، وهذا أظنه هو الناقض الثالث. طلبة: الرابع. الشيخ: الرابع، نعم، اشترط أيضًا أن يكون متصلًا، احترازًا من؟ طلبة: المنفصل. الشيخ: المنفصل؛ يعني: لو قُطِع ذكرُ إنسان مثلًا، وأخذه شخص ليدفنه مثلًا، سواء قطع بجناية أو قطع بعلاج، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الذكر غير متصل، فإن مسَّه لا ينقض الوضوء. ولا بد أن يكون أصليًّا، احترازًا من؟ طالب: المصنوع. الشيخ: المصنوع، يقول: أصليًّا احترازًا من المصنوع، المصنوع ما يسمى ذكرًا، يسمى صورة ذكر، لكن احترازًا من الخُنثى؛ الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍّ، لأيش؟ لأنه إن تبيَّن أنه أنثى فواضح أنه زائد، وإن أشكل فإنه لا ينتقض الوضوء مع الإشكال. استمع الآن: ذكر، متصل، أصلي، الرابع: أن يكون المس باليد؛ ولهذا قال: (بظهر كفِّه أو بطنه). طالب: (أو قُبُل). الشيخ: عندكم، إي صح (أو قُبُلٍ) يعني: أو مس قُبُل للمرأة، مس القُبُل نفسه ما حوله. طالب: مذكور (أصْلِي) في الكتاب. الشيخ: لا، ما ذكر (أصْلِي)، مذكور عندكم بالأصل؟ طلبة: نعم. الشيخ: هو الظاهر أنه بالشرح. طلبة: أصلي. الشيخ: موجود؟ طلبة: (ذكر متصل أصلي). الشيخ: يمكن في بعض النسخ، المهم لا بد أن يكون أصليًّا، (ذكر متصل أصلي).

стр. 326

(أو قُبُل) يعني: قُبُل امرأة، ونشترط أن يكون أصليًّا؟ طالب: نعم. الشيخ: نشترط؛ ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى. وأيضًا يقول: (بظهر كفِّه أو بطنه) لا بد أن يكون المس بالكفِّ، سواء بظهره أو كفه أو حرفه أيضًا، كذا؟ طالب: نعم. الشيخ: بظهره هذا، وأيش نقول؟ طالب: بظاهر الكف. الشيخ: بظاهر الكف، أو بطنه؛ الراحة وبطون الأصابع، أو حرفه. طالب: أطرافه. الشيخ: أطرافه، فإن المس بهذه الأشياء ينقض الوضوء، وإنما نصَّ المؤلف على ظهر الكفِّ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المسَّ بظهر الكفِّ لا ينقض الوضوء؛ لأن المس عادة والإمساك إنَّما يكون بباطن الكَفِّ. يقول المؤلف: (أو بطنه ولمسهما من خنثى مشكل) (لمسهما) الضمير يعود على الذَّكَر والقُبُل، (من خنثى مشكل) الخنثى هو الذي لا يُعْلَم أذكر هو أم أنثى؟ مع أن فيه آلتي الذكر والأنثى؛ يعني: له ذَكَر وله فرج، ولكنه مُشْكِل، أمره مُشْكِل، كيف مُشْكِل؟ ما ندري يبول منهما جميعًا، وهو إلى الآن لم يتبين هل هو ذكر أو أنثى، لا بلحية ولا بغيرها، فهذا يسمى خنثى مُشْكِل؛ لأنه مُشْكِل علينا أرجل هو أم أنثى؟ لكن الخنثى المشكل لا بد من مسهما جميعًا، لأيش؟ لأنه إن مس واحدًا فهو غير أصلي، ما يدرى هل هو ذكر ولَّا زائد؟ وكذلك الفرج لا يدري هل هو قبل أو زائد؟ الآن انتبه للشروط، كم صارت الشروط؟ ذَكَر، أو قُبُل، متصل، أصلي، بظاهر الكف أو بطنه أو حرفه. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، أربعة شروط، لو مسه بغير الكف ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟ طلبة: لا ينتقض.

стр. 327

الشيخ: ما ينتقض الوضوء؛ لأن الأحاديث الواردة بالمسِّ إنما تكون باليد، وفي بعض الألفاظ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ» (١٧)، بيده، وهذا واضح في أنه بالكف، واليد عند الإِطلاق لا يُراد بها إلا الكف، وأيش الدليل؟ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ما هو الدليل على انتقاض الوضوء بمس الذَّكَر أو القُبُل؟ الدليل فيه الأحاديث منها: حديث بُسْرَة بنت صفوان: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فَلْيَتَوَضَّأْ» (١٨). ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ»، وفي رواية: «إِلَى فَرْجِهِ» (١٩). والتعليل هو: أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُّكُ شهوةٍ عند مسِّ الذَّكر أو القُبُل، فيحصل منه خارج وهو لا يشعر، فما كان مظَّنة الحدث عُلِّق الحكم به، كالنَّوم. هذا الدليل، وهذا التعليل، وهذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، بناء على هذه الأحاديث. وذهب بعض أهل العلم إلى أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقض الوضوء، واستدلوا بحديث طَلْقِ بن علي أنه سأل النبي ﷺ عن الرَّجُل يمسُّ ذَكَرَه في الصَّلاة قال: أعليه الوضوء؟ فقال النبي ﷺ : «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» (٢٠). وقالوا: إن الأصل بقاء الوضوء وعدم النقض، فلا يمكن أن نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل متيقن، أما ما كان فيه احتمال فالأصل أن يبقى الوضوء، «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦)، فإذا كان هذا في سبب الحدث فكذلك في السبب الموجب شرعًا؛ لأن الرسول يتكلم هنا عن السبب الموجب حسًّا، كذلك السبب الموجب شرعًا ما يمكن نلتفت إليه حتى يكون يقينًا معلومًا.

стр. 328

ولهذا من العلماء من رجح حديث طلق بن على وقال: إن مس الذكر أو مس الفرج مطلقًا لا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وأعلوا هذا الحديث -حديث بسرة- بأنه ضعيف، وأن حديث طلق بن على أحسن منه. ومن العلماء من قال: إنه لا ينبغي أن نرجح بين الحديثين؛ لأنه يمكن الجمع، وإذا أمكن الجمع بين الدليلين وجب المصير إليه قبل الترجيح والنسخ، وهذا صحيح ولَّا لا؟ طلبة: صحيح. الشيخ: لأننا إذا جمعنا بين الدَّليلين فقد عملنا بهما جميعًا، لكن إذا رجحنا فقد ألغينا أحدهما، والعمل بهما مع إمكانه أوجب، كيف نجمع؟ قالوا: نجمع؛ إما بأن نحمل حديث بسرة وما شابهه على ما إذا كان لشهوة، وحديث طلق بن علي على ما إذا كان لغير شهوة. قالوا: والتعليل «إِنمَّا هو بَضْعَة منك» يدل على هذا الحمل، فإنك إذا مسَسْتَ ذَكَرَكَ كما تمس سائر أعضائك بدون أي تحرُّكِ، صار كأنما مسست ساقك أو رجلك أو رأسك، أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ؟ طالب: لا ينتقض. الشيخ: فلا ينتقض الوضوء، أما إذا مَسَسْتَه لشهوةٍ فإِنَّه ينتقض؛ لأن العِلَّة -وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك- موجودة، فيقول: إذا مسَّه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، وإِذا مسَّه لغير شهوة لم يجب. قالوا وهم يحاجُّون الحنابلة: ولنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إن مس المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنَّة الحدث. أو يجمع بينهما بوجه آخر فيقال: إن حديث بُسْرة الأمر فيه للاستحباب، وحديث طَلْق الأمر فيه للوجوب، هو سأل عن الواجب؛ أعليه الوضوء؟ كلمة (على) ظاهرة في الوجوب، فبيَّن الرسول ﷺ أنه لا وضوء عليه، وعلَّل بأنه بضعة، وعلى هذا، فإذا كان مسه إياه لغير شهوة فإن الوضوء مستحب، أخذًا بعموم حديث من؟ بسرة، وإذا كان لشهوة فإنه يجب الوضوء، أخذًا بالتعليل؛ «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ».

стр. 329

والمسألة فيها احتمال؛ يعني: احتمال أن يكون هذا القول هو الصواب قوي، وشيخ الإسلام ﵀ يرى أن الوُضُوء من مسِّ الذَّكَر مستحبٌ مطلقًا، ولو بشهوةٍ. وإذا قلنا: إنه مستحب فمعناه أنه مشروع وفيه أجرٌ، وفيه أيضًا احتياط. وأما دعوى من ادعى أنَّ حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ .. طالب: أقول: ظاهر الكف، والقبل ما هو الدليل ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، أما دليلهم في ظاهر الكف فقالوا: عموم «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ» (١٧)، هذا عام، فاليد تشمل داخل الكف وظاهره، وأما القُبُل فقالوا: إن إحدى روايات حديث أبي هريرة: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ» (١٩)، والقُبُل من الفرج. طالب: إذا قلنا: إنها للشهوة ( ... )؟ الشيخ: هم يرون النقض مطلقًا، لشهوة ولغير شهوة. أقول: ادعى قوم أن حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ، ووجهوا دعواهم بأن طلق بن علي قَدِمَ على الرسول ﵊ وهو يبني مسجده أول الهجرة، ولم يَعُدْ إليه بعدُ، وهذه الدعوى غير صحيحة؛ وذلك لأنه لا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذَّر الجمع، وهذا مسلَّم متفق عليه، والجمع هنا ممكن. الوجه الثاني مما يبطل دعوى النسخ: أن في حديث طَلْق عِلَّة لا يمكن أن تزول، وإذا رُبِط الحُكم بعلَّة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته، ما هي العلَّة؟ «إِنَمَّا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»، هل يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بَضْعَة منه؟ طالب: لا. الشيخ: لا، ما يمكن، إذنْ لا يمكن النسخ. وكأن واحدًا يهمس يقول: يمكن؛ يعني: إذا قُطِعَ، وإذا قُطِع فإذا مسه لا يضر، على كل حال، هذان وجهان من أوجه الرد أو إبطال هذه الدعوى.

стр. 330

ثالثًا: أن أهل العلم يقولون: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُّم إسلام الرَّاوي أو تقدم أخذه؛ لجواز أن يكون الرَّاوي حَدَّث به عن غيره؛ بمعنى: إذا روى صحابيَّان حديثين ظاهرهما التَّعارض، وكان أحدُهما متأخِّرًا عن الآخر، فهل نقول: إنَّ الذي تأخَّر إسلامُه يكون حديثه ناسخًا لمن تقدَّم إسلامُه؟ طالب: لا. الشيخ: الجواب: لا؛ لأنه يجوز أن يكون الذي تأخر إسلامه رواه عن غيره من الصَّحابة، أو حدثه النبي ﷺ به بعد ذلك، فلا نسخ بتأخر إسلام الراوي، كما هو معروف عند أهل العلم. وعلى هذا فنعود إلى الجمع، وهو بأحد الوجهين اللذيْن سمعتموهما؛ إما أن يحمل حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلق على الوجوب؛ يعني: هل عليه الوضوء؟ قال: لا، ما عليه، لكن لا يمنع أن يكون مستحبًّا، وإما أن يقال: إن حديث طلق بن علي فيمن مسه مس شهوة، لا فيمن مسه مس أي عضو آخر. طالب: حديث بسرة؟ الشيخ: لا، حديث طلق فيمن مسه لشهوة، لا فيمن مسه كأي عضو آخر؛ لأن التعليل «إِنَمَّا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» يدل على أنك إن مسسته مس أي عضو آخر فهو عضو، وإن مسسته لشهوة انفرد بالحكم. الخلاصة الآن نريد أن نعرف المسألة عمليًّا؛ عمليًّا نرى أنه إذا مس الإنسان ذكره استُحِبَّ له الوضوء مطلقًا، لشهوة أو لغير شهوة، وأنه إذا مسَّه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدًّا، ولكن ليس بظاهر؛ بمعنى أني لا أجزم به، لكن أرى أنه قوي، وأن الاحتياط أن يتوضَّأ. قال المؤلف: (ولَمْسُهُمَا من خُنْثَى مُشْكِلٍ) فالخنثى المشكل مشكل حاله وأمره وحكمه، نسأل الله ألا يقدِّره على بني آدم، الخنثى المشكل يُعطَى أحكام الذكر والأنثى، ويراعى فيه الاحتياط، فإذا مس الإنسان ذَكَرَ خنثى مُشْكل لم ينتقض وضوؤه؛ لأنه؟ طالب: لا يُعرَف. الشيخ: لا يُعرَف، قد لا يكون ذكرًا، هذا قد يكون عضو زائدًا، وإذا مس فرجه لا ينتقض أيضًا؛ لأنه قد يكون أصليًّا؛ الذَّكَر، والفرج زائد.

стр. 331

إذا مسهما جميعًا ينقض؟ طالب: نعم. الشيخ: لماذا؟ لأن أحدهما أصلي قطعًا، حتى لازم يكبس عليهما جميعًا، ولَّا لو مس واحدًا ثم الثاني. الطلبة: كله استوى. الشيخ: كله استوى. قال: (ولمسهما من خنثى مُشْكِل، وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه، أَوْ أُنْثَى قُبُلَه، لِشَهوةٍ فيهما) (وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه) الهاء في (ذكره) يعود على الخنثى، و (أُنْثَى قُبُلَه) (قبله) الضمير يعود على الخنثى، لكن هذا المس قال: (لشهوة فيهما) معناه: إذا مس أحد فرجي الخنثى لشهوة -كما قلنا فيما سبق- إذا مس أحدهما لا ينتقض، وإن مسهما جميعًا انتقض، إذا مس أحدهما لشهوة؛ إن كان الذكر مس الذكر انتقض، وإن مس الفرج لم ينتقض، الأنثى إن كانت مست الفرج انتقض وضوؤها، وإن مست ذكره لشهوة لم ينتقض، قد تقول: إن العكس هو الأولى. ولَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه أو أُنْثُى قُبُلَها لشهوةٍ فيهما، ومَسُّهُ امرأةً بشهوةٍ أو تَمَسُّه بها، ومَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ لا مَسُّ شَعَرٍ وظُفُرٍ وأَمْرَدَ ولا مع حائلٍ ولا ملوسِ بدَنِه ولو وَجَدَ منه شَهوةً، ويَنْقُضُ غُسْلُ مَيِّتٍ، وأَكْلُ اللحمِ خاصَّةً من الْجَزورِ، مس الإنسان ذكر الخنثى أو قُبُلَه لشهوة، قلنا: لغير شهوة ما فيه نقض؛ إذا مس هذا أو هذا، لغير الشهوة لا نقض، لكن إذا كان لشهوة إن مس الذكرُ ذكرَ الخنثى انتقض، وإن مس فرجَه لم ينتقض، وإن مست الأنثى ذكرَه لم ينتقض، وإن مست فرجَه انتقض، استمع لكلام المؤلف: (ولَمْسُ ذكرٍ ذكرَه). طالب: فرجه ولا فرجها؟ الشيخ: لا، فرج الخنثى. الطالب: يعني: شخصين ولَّا شخص واحد؟ الشيخ: لا، شخصين؛ امرأة عندها خنثى، ولنفرض أنه ابنها خنثى، وعلى كل حال ما ودي نفرض أنه ابنها؛ لأنه ما ودنا بالشهوة تكون بين المرأة وابنها، لكن عندها مثلًا ابن عمها خنثى، ومست ذكرَه أو قُبُله لشهوة، نقول: إن مست الذكر لم ينتقض وضوؤها، وإن مست الفرج انتقض وضوؤها، هذا كلام المؤلف، نشوف كلام المؤلف.

стр. 332

قال: (ولَمْسُ ذكرٍ ذكرَه) الهاء مين يعود عليه؟ طلبة: الخنثى. الشيخ: طيب، (أو أنثى قُبُلَه) أي: الخنثى، وقوله: (لشهوة فيهما) أي: في المسألتين؛ في مسألة لمس الذكر ذكره، أو الأنثى قُبُله. طالب: (ذكرَه) عندنا بالفتح. الشيخ: ويش اللي بالفتح؟ طالب: (ذكرَه). الشيخ: صح، (ذكرَه). (أو أنثى قبلَه؛ لشهوة فيهما) في المسألتين. نشوف، الآن كلام المؤلف قد يبدو أن الأمر بالعكس، لكن نقول: لا، الأمر كما قال المؤلف: إذا مس الذكرُ ذكرَه لشهوة، فإن قُدِّر أن الخنثى أنثى فقد مسها لشهوة، صح ولَّا لا؟ وإن قُدِّر أن الأنثى ذكر فقد مس الذكرُ ذكرَه. طالب: ذكرَ غيره؟ الشيخ: يا إخواني، عندنا رجلان؛ هذا واحد خنثى على اليسار، وواحد رجل ذكر صحيح على اليمين، هذا الذكر الصحيح مس ذكر الخنثى لشهوة، نقول: ينتقض وضوؤه؛ وضوء اللامسِ الرجلِ الصحيحِ. طالب: إذا كان الخنثى رجلًا؟ الشيخ: هو مشكلة لا ما يدري عنه، انتبهوا يا إخواني، العلة نقول: لأنك لما مسست هذا الجزء من بدنه لشهوة؛ إن كان أنثى فقد مسستها لشهوة ولَّا لا؟ ومس المرأة لشهوة ينقض الوضوء، كما سيأتي، وإن كان ذكرًا فقد مسست ذكره، ومس الذكر ينقض الوضوء، فالآن انتقض وضوؤك على كل تقدير؛ لأننا إن قدرنا أن الخنثى ذكرًا فقد مسست ذكره، وإن قدرنا أن الخنثى أنثى فقد مسستها لشهوة، واضح يا إخواني؟ طلبة: واضح. طالب: منفصل يا شيخ عنه؟ الشيخ: ما هو منفصل يا أخي، ذكر متصل. الطالب: اللامس بعيدًا عنه؟ الشيخ: بعيد. الطالب: كيف ينتقض وضوؤها؟ الشيخ: ( ... ) لمسه، كأنه يلمس الذكر هذا، سبحان الله! طالب: ( ... ) ذكره الخاص. الشيخ: أنت تظن أن الرجل يلمس ذكره هو؟ طالب: هذا هو الأصل أنه هكذا. الشيخ: لا، (لَمْسُ ذكرٍ ذكرَه) أي: ذكر الخنثى، رجل، أنا مثلت لكم يا جماعة، أوجدوا لي خنثى حتى نحطه قدامنا. طالب: لا، مشكل عليهم يا شيخنا أن الذكر هذا يظنون مس ذكرَه هو لا ذكرَ غيرِه.

стр. 333

الشيخ: لا، ما أظنه، هذا ظنكم؟ طالب: نعم، إذا لمس نفسه. الشيخ: شوف كلام المؤلف: (ومس ذكر متصل) كلام المؤلف في الأول (ومس ذكر متصل) سواء ذكر الإنسان نفسه أو ذكر غيره، واضح؟ طالب: أو ذكر غيره؟ الشيخ: أو ذكر غيره، أنا ظنيت أنكم فاهمين هذا. طالب: لا؛ لأن ذكر غيره يكون منفصلًا عنه؛ عن اللامس .. الشيخ: إي، ولو كان أو ذكر غيره، أنتم فهمتم المسألة هذه؟ طلبة: نعم. الشيخ: إذا مس الرجل ذكر الخنثى، أنا قايلكم: الخنثى هذا مشكل أمره. طالب: زيد وعمرو. الشيخ: زيد وعمرو زينب؛ لأن الخنثى ما ندري هو ذكر ولا أنثى نسميه عمرًا وزينب، استمع الآن، هذا زيدٌ مس هذا الخنثى؛ مس ذكره لشهوة، نقول: الآن انتقض وضوؤك، على كل تقدير؛ لأننا إن قدرنا أنه ذكر فقد مس ذكرَه، إن قدرنا أنه أنثى فقد مسها لشهوة، ومس الرجل المرأة لشهوة ينقض الوضوء. مس أنثى قُبُله لشهوة ينقض الوضوء، هذه امرأة صحيحة، ما هي خنثى، عندها خنثى فمست قُبُل الخنثى لشهوة ينتقض وضوؤها، صح؟ طلبة: نعم. الشيخ: لماذا؟ نقول: هذا الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمستيه لشهوة، ومس المرأةِ الرجلَ لشهوة ينقض الوضوء، وإن كان الخنثى أنثى فقد مسستِ فرجها، ومس الفرج المرأة ينقض الوضوء، اتضح المقام ولَّا لا؟ جئنا للرجل المرة ثانية، هذا الرجل مس فرج الخنثى لشهوة ما ينتقض وضوؤه؟ طالب: نعم. الشيخ: يا جماعة، رجل يمس فرج الخنثى لشهوة ما ينتقض وضوؤه، لماذا؟ إن كان الخنثى ذكرًا فقد مسه لشهوة، ومس الذكر الذكر لشهوة لا ينقض الوضوء، وإن كان أنثى فقد مس فرجها وانتقض وضوؤه، لكن ما عندنا علم الآن، فيه الشك، فيبقى الوضوء على أصله ولا ينتقض الوضوء. نعيدها مرة ثانية، هذا رجل صحيح وخنثى مشكل، الرجل الصحيح مس بيده فرج الخنثى لشهوة؟ طالب: ما ينتقض.

стр. 334

الشيخ: نقول: ما ينتقض وضوؤه، لماذا؟ لأن هذا الخنثى يحتمل أنه ذكر ويحتمل أنه أنثى؛ إن كان أنثى ويش حكم وضوء اللامس؟ ينتقض؛ لأنه فرج، إن كان ذكرًا لا ينتقض، طيب هو مسه لشهوة؟ نقول: نعم، ولو مسه لشهوة؛ لأن مس الرجلِ الرجلَ لشهوة لا ينقض الوضوء، فالاحتمال الآن موجود، ولا نقرب الاحتمال. نرجع مرة ثانية إلى المرأة مع الخنثى؛ هذه امرأة مست ذكرَ الخنثى لشهوة، ما ينتقض الوضوء؟ طلبة: لا ينتقض. الشيخ: يا ناس، مست آلة الجماع لشهوة ما ينتقض وضوؤها، لماذا؟ لأن هذا الخنثى يحتمل أن يكون أنثى ويحتمل أن يكون ذكرًا؛ إن كان ذكرًا فقد مست ذكره وانتقض وضوؤها، وإن كان أنثى فقد مستها لشهوة، ومس المرأةِ المرأةَ لشهوة لا ينقض الوضوء، إذن فلا نقض. فصارت الصور عندنا أربعًا، وإن شئتم نزيد الخامسة: بدون شهوة؛ حتى تتم الصور. أولًا: مسُّ أحدي فرجي الخنثى بدون شهوة، أجيبوا؟ طلبة: لا ينتقض. الشيخ: لا نقض مطلقًا، سواء كان اللامس ذكرًا أم أنثى. مس أحد فرجي الخنثى المشكل لشهوة له أربع صور؛ صورتان ينتقض، وصورتان لا ينتقض، الصورتان التي ينتقض: ١ - إذا مس الذكر ذكره. ٢ - إذا مست الأنثى فرجه. الصورتان التي لا ينتقض: إذا مس الذكر فرجه، وإذا مست الأنثى ذكره، هذه الصورة. أما التعليل فقد علمتموه، التعليل فهمناه. يقول المؤلف ﵀: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا أي الناقض؟ طالب: الخامس. الشيخ: (ما خرج من السبيل، وخارج من بقية البدن، وزوال العقل، ومس الذكر المتصل) الخامس. (مسُّه) الضمير يعود على الإنسان أو الذكر، (مسُّه) أي: الذكر ما هي الخنثى؛ يعني: ومس الرجل أو مس الذكر امرأة بشهوة. (أو تمسه بها) المس هنا ما قيده المؤلف بكونه باليد أو بالكف، فيكون عامًّا ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: يكون عامًّا؛ إذا مسها بيده، أو بمرفقه، أو بذراعه، أو بساقه، أو بفمه بشهوة انتقض وضوؤه، كذا ولَّا لا؟ طالب: نعم.

стр. 335

الشيخ: والباء في قوله: (بشهوة) للمصاحبة؛ يعني: مسًّا مصحوبًا بالشهوة، وبعضهم يعبِّر فيقول: مسه امرأةً لشهوة، باللام، ونجعل اللام في هذا التعبير للتعليل؛ يعني: مسًّا يحمل عليه الشهوة. على كل حال، بشهوة أو لشهوة المعنى واحد، ولكن المؤلف اشترط أن يكون المس بشهوة، ما هو الدليل؟ أولًا: كلمة (امرأة) ليست ككلمة (أنثى)، بل المرأة: البالغة، ولكن البلوغ ليس بشرط، والمراد: المرأة التي تتعلق بها الشهوة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿لَمَسْتُمُ﴾، واللمس والمس معناهما واحد، وعلى هذا فيكون ناقضًا للوضوء. إذا استدللنا بالآية فليس في الآية قيد الشهوة أو لا؟ لامستم النساء بشهوة ولَّا ما فيه؟ ما فيه، فمن أين جاءت؟ قالوا: لأن الشهوة هي مظنة الحدث، فوجب حمل الآية عليه. ولأن النبي ﷺ كان يصلي من الليل، وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تمد رجليها بين يديه، فإذا أراد السجود غمزها، فكفت رجليها (١)، ولو كان مجرد اللمس ناقضًا لانتقض وضوء الرسول ﷺ واستأنف الصلاة، فلما لم يكن ذلك علم أن مجرد المس لا ينقض الوضوء، بمجرد المس فيه مشقة عظيمة؛ إذ قلَّ أن يسلم منه أحد، لا سيما فيما لو كان الإنسان عنده أم كبيرة أو ابنة عمياء أو ما أشبه ذلك، يمسك بيدها؛ ليدلها، وما كان فيه حرج ومشقة فإنه منفي شرعًا، وهذا هو المذهب؛ أنه ينقض مس المرأة إذا كان بشهوة.

стр. 336

فيه رأي آخر يقول: إن مس المرأة ينقض مطلقًا، ولو بغير شهوة، ولو بغير قصد، واستدلوا بعموم الآية، وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ بأنه يحتمل أن الرسول ﷺ يمسها بظفره، والظفر في حكم المنفصل، أو أن هناك حائلًا فليس بصريح، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال، فلا يكون دليلًا على ذلك، فنحن نأخذ بظاهر الآية. ولهذا تجد هؤلاء الذين يأخذون بهذا المذهب في المطاف تجد بعضهم يلبس قفازين وهو رجل، لأيش؟ يقول: أخشى مع الزحام أن تمسني يد امرأة، فإذا مست يدي يد امرأة انتقض الوضوء، وإذا انتقض الوضوء بطل الطواف. ولكن آخرين من أهل العلم قابلوا هؤلاء قالوا: لا نقض مطلقًا، لا ينقض مس المرأة مطلقًا، ولو الفرج بالفرج لا ينقض، ولو بشهوة، كيف؟ ويش حجة هؤلاء؟ قالوا: حجتنا في هذا ما صح عن النبي ﷺ أنه قبَّل امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، حدثت به عائشةُ ابنَ أختها عروة بن الزبير، فقال: ما أظن المرأة إلا أنتِ، فضحكت (٢)، وهذا الحديث صحيح، وله شواهد متعددة. وقالوا أيضًا: إن الأصل عدم النقض، حتى يقوم دليل على النقض دليل صحيح صريح؛ لأن الرجل -وقد ذكرتها من قبل- إذا أتم طهارته بمقتضى الدليل الشرعي فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة إلا بدليل شرعي، وعلى هذا فعندنا الآن دليل إيجابي ودليل؟ طالب: شرعي. الشيخ: لا، سلبي، الدليل الإيجابي: أن الرسول ﷺ كان يقبِّل ولا يتوضأ، والدليل السلبي: عدم الدليل؛ أنه ليس هناك دليل، ومن ادعى النقض فليتفضل. فإن قالوا: نحن ندمغكم بكلام الله : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي قراءة سبعية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فالجواب: أن المراد بالملامسة: الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس ﵄ (٣) ( ... ). ***

стр. 337

امرأة لشهوة فيهما (ومسه امرأة بشهوة، أو تمسه بها) (مسُّه) الضمير يعود على الرجل، (مسه) أي: مس الرجل، (امرأة بشهوة) الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: مسًّا مصحوبًا بشهوة. وقوله: (مسه) أي: الرجل، ظاهر كلامه العموم، وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحر والعبد. وقوله: (امرأة) كلمة (امرأة) تطلق في الغالب على المرأة البالغة، ولكن المراد بها هنا الأنثى مطلقًا، فظاهره أنه يشمل الأنثى، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو عبدة، من محارمه أو من غير محارمه، ما دام لشهوة فإنه ينتقض. ولكن الفقهاء ﵏ قيدوا ذلك بمن بلغ سبعًا، سواء من اللامس أو من الملموس، لا بد أن يبلغ سبعًا؛ يعني: يشترط للرجل إذا مس المرأة بشهوة أن يكون قد بلغ سبع سنين، وللمرأة الملموسة أن تكون قد بلغت سبع سنين. وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن الغالب أن من له سبع سنوات أنه لا يدري عن هذه الأمور شيئًا؛ ولهذا قيده بعض العلماء بمن يَطأ مثلُه، ويُوطأ مثلُها؛ يعني: بمن تشتهى، والذي يطأ مثله -كما مر علينا- من تم له عشر سنوات، والمرأة من تم لها تسع سنوات. وعلى هذا فيكون الحكم معلقًا بمن هو محل للشهوة، وهذا أصح؛ وذلك لأن الحكم إذا علق على وصف فلا بد أن يوجد محل يكون قابلًا لذلك الوصف، أما إذا لم يوجد محل قابل لذلك الوصف، فإن هذا الوصف يكون لاغيًا؛ لأنه لا محل له، وعلى هذا فلا بد من أن يكون اللامس والملموس محلًا للشهوة؛ بحيث يُوطأ مثلها إن كان ملموسًا، ويَطأ مثله إن كان لامسًا. وقول المؤلف: (مسُّه) كلمة (مس) لا تصدق إلا على ما إذا لم يكن حائل، أما مع الحائل فلا مس، وعلى هذا فلو ضمَّ الإنسان امرأته بشهوة لكن ما خرج شيء، فإنه لا ينتقض وضوؤه، لماذا؟ لعدم اللمس، والمؤلف ﵀ يقول: (مسه امرأة) ولم يقيد باليد كما قيد في مس الفرج.

стр. 338

وعليه، فإذا مس المرأة بيده أو رجله أو ذراعه أو أي مكان من البدن، منه أو منها، فإن الوضوء ينتقض إذا كان بشهوة. بعد هذا نقول: ما هو الدليل على أن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء؟ الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، وفي قراءة سبعية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس: هو الجس باليد أو بغيرها؛ أدني ملامسة؛ ولأن مسها لشهوة مظنة الحدث بخروج شيء قد لا يعلم به، وما كان مظنة فإنه يُلحق بالْمَئِنَّة؛ بالعلم، بدليل النوم؛ لما كان مظنة الحدث كان موجبًا للوضوء، فعندنا الآن دليل وتعليل. وبناءً على ذلك نكون قد قيدنا الآية الكريمة؛ لأننا لو أخذنا بظاهرها ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ لكانت شاملة للمس بشهوة أو بغير شهوة، لكنا قيدناها بالذي لشهوة؛ لأنه مظنة الحدث، وهذا فيه خلاف بين الأصوليين؛ هل يُخَص العموم بالعلة أو لا يخص؟ وليس هذا موضع البحث، وهذا ما استدل به من قال: إن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء. والمسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، هذا أحدها، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد. القول الثاني: أن مس المرأة ينقض مطلقًا لشهوة أو لغير شهوة؛ أي امرأة يمسها رجل لشهوة أو لغير شهوة من محارمه أو من غير محارمه فإن وضوءه ينتقض، حتى لو تصافح امرأة انتقض وضوؤك؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ما في الآية قيد، فيجب أن نأخذ بعمومها. القول الثالث: أنه لا ينتقض الوضوء مطلقًا، عكس القول الثاني، واستدلوا لذلك وعللوا أيضًا. أما استدلالهم فقالوا: إن عائشة ﵂ أخبرت أن النبي صلى عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ (٢)، ولو كان اللمس ناقضًا لتوضأ الرسول ﷺ قبل أن يصلي، فقولها: خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، يدل على أنه لم ينتقض وضوؤه. فإن قيل: أفلا يمكن أن يكون هذا التقبيل لغير شهوة؟ طالب: يمكن.

стр. 339

الشيخ: يمكن، لكن بعيد، رجل يقبِّل امرأته يكون تقبيله بغير شهوة! هذا بعيد جدًّا، ثم إن عائشة ﵂ يظهر أنها استدلت بذلك على أن القبلة لا تنقض الوضوء. واستدلوا أيضًا بأن عائشة كانت تنام بين يدي الرسول ﷺ وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد غمزها (١)، قالوا: وهذا دليل على أن المس لا ينقض الوضوء. لكن هذا ليس دليلًا، ولا يصح أن يكون دليلًا، لماذا؟ لأن الشهوة هنا بعيدة جدًّا، نعم هو دليل على من يقولون: إن المس ناقض مطلقًا، هذا صحيح؛ إذا كان الرسول يمس بشرتها عند غمزه إياها بدون حائل. وأما التعليل -وهو تعليل قوي- فقالوا: إن الوضوء حين تمَّ صحَّ بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي ما يجوز أن يرفع إلا بدليل شرعي، وهذا كلام سليم ولَّا غير سليم؟ هذا كلام سليم، لا شك فيه، والأصل عدم النقض. لكن إذا قال قائل: عندنا دليل شرعي؛ الآية الكريمة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هذا دليل شرعي، وعندنا تعليل؛ وهو أن مس المرأة لشهوة مظنة الحدث، فوجب أن ينتقض الوضوء به. إذن لا بد أن نجيب على هذا الدليل، وإلا صار الحق مع من يقول: إن المس ينقض الوضوء؛ إما مطلقًا، أو لشهوة. أجابوا عن هذا قالوا: إن الآية الكريمة يراد بالملامسة فيها: الجماع، ويش الدليل؟ ترى الدليل تفسير ابن عباس ﵄ الذي دعا له النبي ﵊ أن يعلمه الله التأويل (٤)، وقد فسرها بالجماع، وهو أولى من يؤخذ قوله في التفسير، إلا أن يعارضه من هو أرجح منه. ثم إن هناك دليلًا من تقسيم الآية الكريمة، الآية الكريمة فيها تقسيم؛ تقسيم للطهارة: أصلية وبدل، وتقسيم للطهارة: كبرى وصغرى، وتقسيم لأسباب الطهارة: الصغرى والكبرى، فهنا ثلاث جهات، الآية فيها مقسمة ولَّا لا؟ طهارة أصلية وبدل، والثانية: صغرى وكبرى، والثالث: سبب أصغر وسبب أكبر.

стр. 340

ولننظر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] هذا طهارة بالماء أصلية صغرى. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ هذه كبرى أصلية ولَّا بدل؟ أصلية، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل. ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد لكانت الآية الكريمة ذكرَ اللهُ فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مع أنه ذكر طهارتها، وهذا خلاف البلاغة القرآنية. وعليه، فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أي: جامعتم النساء؛ ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة؛ السبب الأكبر والسبب الأصغر، السبب الأصغر في أي كلمة؟ طلبة: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. الشيخ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والأكبر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. في الطهارتين؛ الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، البدل في عضوين فقط، البدل اللي هو طهارة التيمم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيه الطهارة الكبرى والطهارة الصغرى. وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء، وإلا فلا نقض؛ لما علمت من الحديث الذي روته عائشة ﵂ من أن الأصل بقاء الطهارة وعدم النقض، وعلمت الجواب عما استدل به القائلون بالوجوب.

стр. 341

يقول: (ومس حلقة دبر) أيضًا من النواقض، ولا يحتاج أن يُخَص ويذكر؛ لأنه داخل في عموم مس الفرج، غير الذكَرِ؛ يعني: لو قال المؤلف: مس الفرج لاكتفى، لكن لما ذكر مس الذكر احتاج أن يقول: (ومس حلقة دبر). حلقة الدبر إذا مسها الإنسان انتقض وضوؤه؛ لأنه مسُّ فرجٍ، وقد روى الإمام أحمد (٥) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والدبر فرج بلا شك؛ لأنه منفرج على الجوف، ويخرج منه ما يخرج، وعلى هذا فينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر، وهذا فرع مما سبق من قولنا: إن مس الذكر ينقض؟ طلبة: الوضوء. الشيخ: وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء، ولكن يستحب فقط. وقوله: (مس حلقة) لكن لو مس ما هو قريب من الحلقة من الصفحتين -وهما جانبا الدبر- هل ينتقض وضوؤه أم لا؟ لا، ولو مس العجيزة لم ينقض، ولو مس الفخذ لم ينقض، ولو مس الأنثيين لا ينتقض. قال: (لا مس شعر وظفر وأمرد، ولا مع حائل، ولا ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة) انتبه للخمس هذه، (لا مس شعر) يعني: لا ينقض مس الشعر ممن ينقض مسه، مس المرأة تقدم أنه ينقض إذا كان لشهوة، هذا رجل ما مس المرأة، ما مس الجلد، لكن مس شعر امرأته ( ... ) فيه بشهوة شديدة، لكن ما خرج شيء، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟ ما ينتقض ولو كان بشهوة، لماذا؟ قالوا: لأن الشعر في حكم المنفصل، فكما أنه لو مس خمارها لشهوة لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس الشعر؛ لأن الشعر في حكم المنفصل؛ ولذلك ليس فيه حياة، لو أن أحدًا قصه تقول: أح ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: ما تقول: أح، إذن هو منفصل لم تحله الحياة. كذلك لو مس الإنسان ظفر امرأته لشهوة فإن وضوءه لا ينتقض، سواء كان هذا الظفر مما طال أو مما قصر.

стр. 342

وبمناسبة الظفر أحدثكم حديثًا عجيبًا؛ وهو أن موضة خرجت من نساء الآن يرون أن من الجمال والتجميل أن يكون الظفر طويلًا، وهذا قلب للحقيقة وقلب للفطرة، الرسول ﷺ وقت للأمة كم؟ أربعين يومًا، وهؤلاء المساكين الجهال من نساء وأشباههن يقول: طوِّل الظفر؛ لأن هذا جمال، وبعضهن يطول ظفر الخنصر فقط ويقول: هذا جمال، وهذا من وساوس الشيطان؛ أن تكون الفطرة التي يطلبها كل ذي عقل سليم تقبيحًا، وضدها يكون تجميلًا. فيجب علينا نحن معشر طلبة العلم إذا سمعنا بمثل هذه الأمور التي قد تنقل المجتمع كله إلى مثل هذه العادات السيئة أن نبين في المجالس لو ما سئلنا، حتى لو أنك جالس مثلًا تتحدث تقول: هذا من الغرائب. وأظن ذلك سببه -والله أعلم- هذه المناكير التي بلغت في المنكر صيغة منتهى الجموع، أظن هذا هو السبب؛ لأنه إذا كان الظفر طويلًا كان قبوله للمناكير أكثر وأشد، فمن أجل ذلك صاروا يخالفون الفطرة من أجل الحصول على هذه المناكير! طالب: تغريب يا شيخ، هو جاي لنا من الغرب، نفس الشيء ما ينفعون به .. الشيخ: إي نعم، من الشيطان، طيب هذا الظفر لا ينتقض الوضوء بمسه ولو لشهوة؟ طلبة: ولو لشهوة. الشيخ: فإن ضغط على ظفرها على الأنملة العليا على الظفر وما يقابله من أسفل؟ طالب: ينتقض. الشيخ: لشهوة؟ طالب: ما ينتقض. طالب آخر: ينتقض. الشيخ: ينتقض، من الجانب الآخر مسها فيكون منتقضًا وضوؤه، بناءً على أن اللمس ينقض الوضوء. طالب: شيخ في كلمة: (وتمسه بها)؟ الشيخ: إي نعم، صح، خلينا نكمل ها الخمس اللي بأيدينا الآن، قال: (وأمرد).

стр. 343

بقي علينا مما هو في حكم المنفصل شيء ثالث: السِّن؛ لو مس سنها لشهوة لم ينتقض وضوؤه، لأيش؟ قال: لأن السن في حكم المنفصل؛ لأنه ما يحس، ما فيه حياة، قال ابن عقيل ﵀: وإذا قلتم: إن هذه الثلاث ليس فيها حياة فقولوا: إن المس بالعضو الأشل لا ينقض الوضوء أيضًا، وأنتم تقولون بنقضه، العضو الأشل إنسان يده شلاء ما تحس، لو تلمسه بالنار ما حست. طالب: فيها حياة. الشيخ: بس حياة ما تشعر بشيء؛ يعني: هو يمس الحصى، ويمس الحار والبارد، واللين والقاسي، وهو عنده سواء، فيقول: هذا أبلغ، مع أن السن هو ما يحس. طالب: ليس على الإطلاق. الشيخ: ليس على الإطلاق، هو أشد إحساسًا من الشعر؛ لأن الشعر لو تغمسه في ماء يغلي، تحس بيه ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: ولكن السن لو تشرب حار تحس ولَّا لا؟ فهو أقرب إلى الإحساس من الشعر، ومع ذلك قالوا: إنه في حكم المنفصل؛ لأنه ليس فيه إحساس. (وأمرد) من الأمرد؟ الأمرد: هو الشاب الذي طرَّ شاربه؛ يعني: اخضر، ولم تنبت لحيته، هذا هو الأمرد. يقول المؤلف: إن مس الأمرد ولو لشهوة لا ينقض الوضوء، لماذا؟ قال: لأنه ليس محلًّا لذلك؛ ولهذا قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]. فالذكر ما خلق للذكر، فليس محلًا للشهوة، فهو كما لو مس بنت ثلاثة أشهر، واحد فيه بنية صغيرة ذات ثلاثة أشهر في المهد قام يلمسها وقال: إنه مسها لشهوة، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟ طلبة: لا.

стр. 344

الشيخ: ليش؟ ليست محلًّا للشهوة، قال: إذن مس الأمرد ليس محلًّا للشهوة؛ لأن الأمرد نفسه ما خلق لهذا، فمسه ولو لشهوة شديدة لا ينقض الوضوء، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا إذا قلنا بنقض الوضوء بالمس لشهوة؛ لأن من الناس من قَلَب الله فطرته -والعياذ بالله- وحسه وصار يشتهي الذكور كما يشتهي النساء، بل أشد، قوم لوط لما جاؤوا إلى لوط ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، ويش يريدون؟ يريدون ها الشبان اللي جاءت الملائكة بصورة الشبان. فكون العقل السليم والفطرة تأبى أن تتعلق بذكَرٍ هذا صحيح، لكن يوجد من قَلَب الله فطرته وصار يتعلق بالذكور أكثر مما يتعلق بالإناث، نسأل الله العافية والحماية. فالصواب بلا شك: أن مس الأمرد كمس المرأة سواء، حتى إن بعض أهل العلم قال: إن النظر إلى الأمرد حرام، كالنظر إلى المرأة مطلقًا، وقالوا: إنه يجب عليك غض البصر، وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوة بالأمرد ولو لقصد التعليم؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وكم من أناس كانوا قتلى بهذا الأمر، فأصبحوا -والعياذ بالله- فريسة للشيطان والأهواء، وهذه مسألة يجب الحذر منها؛ ولهذا كان القول الراجح الصواب المقطوع به: أن عقوبة اللوطي فاعلًا أو مفعولًا به راضيًا القتل بكل حال إذا كانوا بالغين عاقلين، حتى وإن كانوا غير محصنين، الزنا ما فيه رجم إلا في الإحصان، وأما اللواط -والعياذ بالله- ففيه القتل بكل حال. قال شيخ الإسلام ﵀: إن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، لكن اختلفوا كيف يقتل؟

стр. 345

فأبو بكر ﵁ حرَّقهم بالنار، وعبد الله بن الزبير حرقهم بالنار؛ اللوطية، وكذلك عبد الملك حرَّقهم بالنار (٦)؛ لأن فعلتهم هذه فعلة من أقبح المنكرات؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿فَاحِشَةً﴾ يعني: من الفواحش، نكرة، لكن في اللواط قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] الفاحشة، كأنها بلغت في الفحش غايته وأعلاه، والعياذ بالله. فالصواب بلا شك: أن اللواط موجب للقتل، ويقتله الإمام بما يرى أنه أردع عن هذه الفعلة الخبيثة؛ لأن هذه الفعلة مشكل ما يمكن التحرز منها إطلاقًا، لكن الزنا قد يتحرز منه؛ فإن الرجل إذا وجد معه امرأة قلت: ما هذه المرأة؟ لكن رجل معه رجل، ماذا نقول؟ وهذا كما قالوا أيضًا: إن قتل الغيلة موجب للقتل بكل حال ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن قتل الغيلة لا يمكن التحرز منه، وهذه الفاحشة كذلك. فالحاصل: أن مس الأمرد إذا قلنا بأن مس المرأة بشهوة موجب للوضوء فمس الأمرد كذلك. قال: (ولا مع حائل) يعني: ولا المس مع حائل، لماذا؟ لأن المس حقيقته الملامسة بدون حائل. قال: (ولا ملموسٍ بدنُه) هذا رجل يمس امرأته لشهوة، لكن هي امرأة عجوز كبيرة باردة الشهوة ما تشتهي إطلاقًا، ويمس بشرتها لشهوة ينتقض وضوؤه وهي لا ينتقض وضوؤها؛ لأن ما عندها الشهوة. لكن الغريب قال المؤلف: (ولو وُجِد منه شهوة) لو وُجِد منه شهوة فإنه لا ينتقض ليش؟ قال: لأن هذا لامس وهذا ملموس، فإذن لا ينتقض الوضوء. امرأة مع زوجها وهي شابة وهو شاب ويقبلها لشهوة، وهي كذلك تشتهي متلذذة معه، نقول: هو يتوضأ وهي لا تتوضأ، مع أن العلة واحدة! ولهذا القول الصحيح في هذه المسألة: أن الملموس إذا وجد منه شهوة انتقض وضوؤه، على القول بأن اللامس ينتقض وضوؤه، وهو القياس.

стр. 346

قال الموفق ﵀: كل بشرتين حصل الحدث بمس إحداهما فإن الطهارة تجب على اللامس والملموس، قال: فهذا التقاء الختانين فيه مُجامِع ومُجامَعة؛ الرجل مجامِع، والمرأة مجامَعة، إذا التقى الختانان بدون إنزال منهما يجب الغسل على من؟ عليهما جميعًا؛ المجامِع والمجامَع، إذن اللامس والملموس لشهوة يجب عليهما الوضوء؛ لأن البشرتين التمستا لشهوة، كما لو التقى الختانان. وهذا القول الذي ذهب إليه الموفَّق قول صواب، لكنه أيضًا مبني على القول بأن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء، هذه خمسة ولَّا ستة؟ طالب: ستة مع السن. الشيخ: مع السن ستة؛ مس الشعر، والظفر، والسن، والأمرد، والمس مع حائل، والملموس بدنه، وقد علمتم القول الصواب في بعضها. أما قول المؤلف: (أو تمسه بها) (تمسُّه) أي: المرأة، فاعل ولَّا مفعول؟ طلبة: فاعل. الشيخ: والهاء في قوله: (تمسه) يعود على الرجل؛ يعني: أو تمس المرأةُ الرجلَ لشهوة فينتقض وضوؤها، كيف؟ ويش الدليل، الله ما قال: أو لامستنَّ الرجال، قال ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؟ قالوا: الدليل القياس؛ لأن الطبائع واحدة، فإذا كان المس لشهوة من الرجل ناقضًا فالمس من المرأة للرجل لشهوة يكون كذلك ناقضًا، هذا مقتضى الطبيعة البشرية، فيكون مس المرأة للرجل لشهوة ناقضًا للوضوء، قياسًا على مس الرجل للمرأة لشهوة، والقياس أظنه واضحًا، القياس هذا واضح جلي. ولكن المؤلف يقول: (تمسه بها) فلو أن امرأة مست امرأة لشهوة، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ يمكن، ينتقض وضوؤها ولَّا لا؟ ما ينتقض وضوؤها؛ لأن المؤلف يقول: (أو تمسه) أي: الرجل (بها)، أما لو مست امرأة فلا ينتقض. ما نقول: هذه كمسألة الأمرد؛ لأن المرأة ليست محلًّا لشهوة المرأة الأخرى، كما قالوا في أن الرجل ليس محلًّا لشهوة الرجل، أفلا يجوز أن نقول: إن المرأة إذا مست شابة لشهوة وجب عليها الوضوء؟

стр. 347

نقول: نعم، القياس هكذا؛ القياس يقتضي أن المرأة إذا مست امرأةً شابةً لشهوة انتقض وضوؤها؛ لأن العلة واحدة، وكم من بعض النساء -ما أقول: كم كثير- يوجد بعض النساء تتعلق رغبتها بالشابات، مثلما أن بعض الرجال تتعلق رغبتهم بالشباب، وما دامت العلة معقولة، فإن ما شارك الأصل في العلة وجب أن يعطى حُكْمُهُ أو حُكْمَهُ؟ طلبة: حُكْمُه. الشيخ: حُكْمُه؟ حُكْمَهُ مفعول، وجب أن يعطى حُكْمَهُ، صح، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا﴾ نفْسُكَ؟ طلبة: ﴿إِلَّا نَفْسَكَ﴾. الشيخ: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]؟ طلبة: نعم. الشيخ: إي، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني: لا تكلف أنت إلا نفسك. طالب: يا شيخ، في مسألة مس المرأة ذكرنا ثلاثة أقوال، لم ترجح؟ الشيخ: لا، رجحنا عدم النقض. الطالب: حتى ولو بشهوة؟ الشيخ: ولو بشهوة، ولو مع انتشار. طالب: ( ... ) في المحاضرة ( ... ) المس مظنة الحدث ( ... ) حائل ( ... ) مظنة؟ الشيخ: نعم، فيه مظنة. الطالب: ( ... ). الشيخ: هذا ينتقض عليهم، وأيضًا ينتقض عليهم بحديث أبي هريرة: الرجل يجد الشيء في الصلاة يخيل إليه أنه خرج منه شيء، وهذه الرياح في البطن مظنة الخروج أو لا؟ ومع ذلك قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٧). طالب: كنا رجحنا أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، وفي مرور المرأة بين يدي المصلي تبطل صلاته، ربما تحرك شهوة الرجل لو قبَّلها؟ الشيخ: هو هناك ما هو من جهة .. ، يعني أولًا: التعليل الذي ذكرنا في مرور المرأة بين الرجل وبين سترته تعليل غير مسلَّم به عند بعض أهل العلم؛ لأن بعض العلماء يقول: هذا تعبدي، لكن على القول بذلك؛ لأن العلة في أنها تذهب الخشوع، وهذا مما يستدل به على وجوب الخشوع في الصلاة، هذا السبب ما هو لأجل الحدث، لكن تعلقه بها؛ بدأ يفكر فيها.

стр. 348

طالب: شيخ، تقول: إن المرأة ليست محلًّا للشهوة؛ لذلك إذا اشتهت المرأة مع المرأة فلا ينتقض الوضوء إذا مستها، فكيف يحصل إذن المساحقة وهي شهوة؟ الشيخ: لا، أقول: هذا تعليل .. ، الأصل عدم ذلك؛ يعني: هذا خروج عن الفطرة. الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، هذا تعليل المذهب، ولكني قلت لكم: إن مس الرجل للأمرد ينقض الوضوء، فكذلك مس المرأة للمرأة الأخرى لشهوة ينقض الوضوء، لكن أصل المسألة عندي: أن المس لشهوة إذا لم يخرج شيء لا ينقض الوضوء مطلقًا. طالب: حديث طلق بن علي (٨) وحديث بسرة (٩)؛ حديث طلق يكون في الصلاة مس الذكر، وحديث بسرة عام، وجه الخلاف بين العلماء؛ لأن من المعقول أن الرجل يقف في الصلاة؛ يعني: لابس، وبينه وبين ذكره حائل، ويمتنع أنه يمسه لشهوة؛ لأن العلتين منفيتان في الصلاة، كيف ذلك الخلاف اللي دار بين العلماء؟ الشيخ: هم ما قالوا هكذا؛ لأن قول الرجل: مسست ذكري، معروف في اللغة العربية أن المس لا بد من مباشرة. الطالب: بس هذا سأله في قضية معينة، قال له: في الصلاة؟ الشيخ: كله واحد، مثلًا يخيل إليه أنه يجد شيئًا في الصلاة، نفس الشيء لو كنت في غير الصلاة وحصل معك رياح في بطنك وشككت ما يجب عليك الوضوء. الطالب: بس هذا سأله لقضية معينة، وبسرة سمعت الحديث من قضية ثانية؟ الشيخ: نعم، هذا وجه الجمع، نقول: الجمع بينهما أنه على سبيل الاستحباب فقط، نجمع بينهما بهذا. طالب: أليس مدار الحكم على الشهوة التي تكون مظنة للحدث، المس، هذه العلة ألا تقوي القول بأن المس بشهوة ينقض مطلقًا؟ الشيخ: إي، بس من يقول هذا، يعني ينقض مطلقًا؟ الطالب: لا، المس بشهوة. الشيخ: هذا السبب أنهم عللوا قالوا: لأنه إذا كان لشهوة ربما يخرج شيء وهو لا يشعر. الطالب: كيف نجيب على هذا؟

стр. 349

الشيخ: نجيب بأنه لا نقض إلا إذا خرج الشيء؛ لأن كل الأحكام علقت على الوجود؛ ولهذا في المرأة التي تحتلم قال لها الرسول ﵊: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (١٠)، فلا بد أن يبرز الحدث. طالب: قد يقول قائل: استدلالكم بحديث عائشة، الحديث أعله بعض أهل العلم بالانقطاع، وأن تفسير ابن عباس في الآية أنه وجد من خالفه من الصحابة ( ... ) ابن مسعود، وكذلك تؤيده القراءة ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فكيف نرد على هذا؟ الشيخ: نرد على هذا بأن حديث عائشة صححه بعض أهل العلم، ومن صحح فهو حجة على من ضعف، إلا إذا بُيِّن الجرح، كما هو معروف، هذا بالنسبة للحديث، ثم حديث تفسير ابن عباس وابن مسعود نقول: ظاهر الآية -كما ذكرنا لكم- من جهة التقسيم يدل على أن تفسير ابن عباس أولى بها. الطالب: القراءة؟ الشيخ: أما القراءة فاللمس يطلق على هذا، المس واللمس كله يطلق على الجماع؛ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وما أشبه ذلك، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهذا يكني الله عن الجماع بمثل هذا؛ لأنها جرت العادة بأن ما يستحيى من ذكره صريحًا يكنى عنه. طالب: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ إن قلنا: إنهم قطعًا كفار فكيف يزوجهم بناته، إن قلنا: بالتزويج، وإن قلنا: إنه يعرض عليهم بناته، فمشكلة أيضًا -حاشا للوط أن يفعله- كيف الجواب؟ الشيخ: لا، ما فيه شك أنه يريد أن يزوجهم بناته بمقتضى الشريعة، لكن ما نعرف عادة الشريعة عندهم هل هي توافق شريعتنا في تحريم نكاح الكافر أم لا؟ لأنك تعرف أن تحريم نكاح الكافر ما نزل إلا متأخرًا بعد بدر. الطالب: ظاهرهم هم مجموعة كيف يزوجهم، يزوجهم لاثنين فقط؟ الشيخ: يزوج اللي يمكن تزويجه، وبعض العلماء يقول: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ أنه يشير إلى نساء قومه. ***

стр. 350

(وينقض غَسْل ميت) (غَسْل) بالفتح بمعنى (تَغْسيل)، وأما (غُسل) بالضم فهو المعنى الحاصل بالتغسيل، إذن (ينقض غسل الميت) أي: تغسيل الميت؛ يعني: لو أن أحدًا غسل ميتًا فإن وضوءه ينتقض، وسواء غسَّل كله أو غسَّل بعضه. وقول المؤلف: (غسل الميت) يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، فلو أن رجلًا غسَّل طفلًا صغيرًا انتقض وضوؤه، ولو أنه غسَّل رجلًا بالغًا انتقض وضوؤه ولو كان ابنه؟ طلبة: نعم. الشيخ: ولو كان ابنه. ولو أن امرأة غسَّلت امرأة كبيرة أو صغيرة انتقض وضوؤها، حتى من وراء حائل؟ نعم، حتى من وراء حائل؛ لأن المؤلف يقول: (غسل الميت) ولم يقل: (مس)؛ يعني: لو وضع على يده خرقة وصار يغسل فإنه ينتقض وضوؤه مطلقًا. وهذا الذي مشى عليه المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد؛ يعني: أن الأئمة الثلاثة على خلافه، وحينئذٍ تكون المسألة من مسائل النزاع بين أهل العلم، ولدينا قاعدة أصَّلها الله لنا وهي: أن مسائل النزاع ترد إلى الله ورسوله؛ فما وافق الكتاب والسنة قُبِلَ، وما لا فلا. فلننظر، ما دامت هذه المسألة من مفردات مذهب الإمام أحمد فمقتضاه: أن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك؛ أي: على أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء. ما حجة هذا القول؛ أعني: القول بوجوب الوضوء؟ حجتهم: ما روي عن ابن عمر (١١) وأبي هريرة (١٢) وابن عباس (١٣)، ثلاثتهم أنهم أمروا غاسل الميت بالوضوء، هؤلاء ثلاثة من الصحابة، كم بقي من الصحابة؟ بقي كثير، ثم إن أمرهم غاسل الميت بالوضوء يحتمل أنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، هذا الدليل. الدليل إذن ما روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة بأمر غاسل الميت بالوضوء. التعليل قالوا: لأن غاسل الميت غالبًا قد يمس فرجه، ومس الفرج ناقض للوضوء، وحينئذٍ أوجبنا على من غسَّل ميتًا أن يتوضأ.

стр. 351

أما الذين قالوا بعدم النقض فقالوا: إن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، فنحن وإياكم متفقون على أن هذا الرجل على طهارة، أليس كذلك؟ إذا غسَّل الميت، فنحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو الإجماع على أن تغسيله ينقض الوضوء؛ التمسنا في القرآن ما وجدنا شيئًا، في السنة ما وجدنا شيئًا، في الإجماع ما وجدنا شيئًا. المخالفون أكثر من الموافقين، فيكون على هذا عدم النقض أسعد بالدليل من النقض، ونجيب عن أمر هؤلاء الصحابة الثلاثة بأن الأمر يحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب، وفرض شيء على عباد الله من غير دليل تطمئن إليه النفس أمر صعب؛ لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام، ولأننا إذا فرضنا عليهم الوضوء أبطلنا صلاتهم إذا صلوا بدون وضوء، وإبطال الصلاة يحتاج إلى دليل، كيف نجترئ على أن نقول لهذا الرجل الذي غسَّل الميت وصلى بدون وضوء، كيف نجترئ عليه ونقول: عبادتك فاسدة، يجب عليك أن تعيدها بعد الوضوء؟ صعب، يحتاج إلى دليل بيِّن. ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نواقض الوضوء، فلا نجترئ على قولٍ بأن هذا ناقض، إلا إذا وجدنا شيئًا واضحًا يكون حجة لنا عند الله أن نوجب على عباد الله ما لم يوجبه أو نفسد عبادات عباد الله بدون دليل. وأما التعليل الذي قالوا: إنه ربما يلمس فرج الميت فينتقض وضوؤه بمس الفرج، فنقول: إن هذا القياس غير صحيح. أولًا: أننا لا نسلم أن مس الفرج ناقض للوضوء، هذه واحدة. ثانيًا: سلمنا أنه ناقض للوضوء، فاحتمال أن يكون مس فرجه لا يوجب الوضوء، أليس كذلك؟ كما لو شك هل خرج منه شيء أم لا؟ فقد قال النبي ﵊: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (١٤). ونقول لهم أيضًا: ما تقولون فيما لو غسل حيًّا؛ إنسان مريض يحتاج إلى تغسيل فغسله، هل ينتقض وضوؤه؟ يقولون: لا.

стр. 352

احتمال أن يكون مس فرجه وارد بتغسيل الحي؟ وارد، فالعلة التي ذكرتم إذن انتقضت بتغسيل الحي؛ ولهذا كان الصواب الذي اختاره الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، ما هو الدليل؟ طلبة: عدم الدليل. الشيخ: عدم الدليل، ويش الكلام هذا؟ الدليل عدم الدليل! أنا أقول لك: قدم دليلك تقول: الدليل عدم الدليل، كيف هذا؟ ! نعم، نقول: عدم الدليل على النقض، وعدم وجود المفسد فيما كان قائم الإصلاح دليل، والله أعلم ( ... ). *** (أكل اللحم خاصة من الجزور) كلمة (خاصة) تعود إلى اللحم لا إلى الجزور؛ لأن (الجزور) تغني عن كلمة (خاصة). (أكل اللحم من الجزور) ناقض للوضوء، وهذا أيضًا من مفردات الإمام أحمد، والأئمة الثلاثة على خلاف ذلك. فما هو شرح المؤلف؟ قال: (أكل اللحم) كلمة (أكل اللحم) يعم الني والمطبوخ ولَّا لا؟ لأن كله يسمى أكلًا، ويخرج به عدم الأكل، كما لو مضغه ولم يبلعه، فإنه لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا يقال لمن مضغ الشيء ثم لَفَظَه: أكله. وقوله: (أكل اللحم خاصة) خرج بكلمة (خاصة) ما عدا اللحم، ويش اللي عدا اللحم؟ الشحم والكرش والكبد والكلية والأمعاء، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا لا يسمى لحمًا، بدليل أنك لو قلت لشخص: خذ هذا الدرهم اشترِ به لحمًا لي، ثم جاء لك بكرش لقلت: أنا ما وصيتك على كرش، وصيتك على لحم، فالكرش وشبهها لا يدخل في اسم اللحم؛ لهذا الدليل، وعليه فيكون النقض خاصًّا باللحم الذي هو الهبر، هذا تسمونه أنتم: الهبر عندكم؟ طلبة: نعم.

стр. 353

الشيخ: اتفقت لغات الجزيرة، اللحم يعني: الهبر، وما عدا ذلك فإنه لا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يدخل في اسم اللحم، وأيضًا الأصل بقاء الطهارة، ودخول غير الهبر دخول احتمالي، واليقين لا يزول بالاحتمال، فإذا أكل كرشًا أو أمعاء أو كلية أو كبدًا فإن هذا يحتمل أن يكون داخلًا في الحديث، ويحتمل أن يكون غير داخل، والأصل بقاء الطهارة حتى نتيقن وجود الناقض، وعلى هذا فلا ينقض. وأيضًا فإن النقض بلحم الإبل أمر تعبدي غير معقول المعنى؛ يعني: نحن لا نعقل العلة، وإن كنا نعلم أنه ما من شيء حكم الله به حكمًا كونيًّا أو قدريًّا إلا وله حكمة، لكن لقلة علمنا يفوتنا كثير من الحكم، وما فاتنا حكمته من الأحكام فإننا نسميه اصطلاحًا: تعبديًّا؛ بمعنى أنه علينا أن نتعبد لله به وإن لم نعلم حكمته، وإذا كان أمرًا تعبديًّا فإنه لا يمكن الإلحاق والقياس؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معللًا؛ إذ إن القياس: إلحاق فرعٍ بأصل في حكم لعلة جامعة، وإذا كان لا بد من العلة فالأمور التعبدية غير معقولة المعنى، وحينئذٍ لا نلحق غير الهبر بالهبر، هذا هو حجة القائلين بأن لحم الإبل هو الهبر خاصة. وقوله: (من الجزور) كلمة (من الجزور) تعني: الناقة، خرج به اللحم من غير الجزور حتى وإن شارك الجزور في الحكم، كالبقر مثلًا، البقرة تسمى: بدنة، ومع ذلك فإن لحمها لا ينقض الوضوء. اللحم المحرَّم ينقض الوضوء ولَّا لا؟ يعني: لو اضطر الإنسان إلى أكل الميتة أو إلى أكل الحمار فله أن يأكل ولا ينتقض وضوؤه، فما عدا لحم الإبل لا ينقض الوضوء، سواء كان حلالًا، أو حرامًا أبيح للضرورة، أو حرامًا تجرأ الإنسان عليه من غير ضرورة فإنه لا ينقض الوضوء، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الطهارة حتى يوجد دليل على النقض.

стр. 354

يبقى عندنا ما هو الدليل على أن لحم الإبل ينقض الوضوء؟ الدليل قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي ﷺ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة؛ حديث جابر بن سمرة: سئل النبي ﷺ : أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نَعَمْ»، قال: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ» (١٥). وجه الدلالة على الوجوب من هذا الحديث: أن تعليقه الوضوء بالمشيئة في لحم الغنم دليل على أن لحم الإبل لا مشيئة به ولا خيار فيه، وأن الوضوء منه واجب. وأما حديث البراء ففيه: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» (١٦) بلفظ الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، فعلى هذا يكون عندنا في ذلك حديثان صحيحان، كما صححهما الإمام أحمد، وكلاهما في مسلم، وإذا ثبت عن النبي ﷺ ذلك فإنه يجب علينا التمشي بمقتضاه. إذن هل العلماء الذين خالفوا الإمام أحمد في هذا قد عصوا الله؛ لأنهم تركوا الواجب؟ طلبة: هم مجتهدون. الشيخ: هم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهد مصيبًا؛ قد يجتهد الإنسان ويخطئ، وإذا كان قد بذل وسعه في طلب الحق ولكنه لم يوفق للصواب، فإن له أجرًا على اجتهاده، وعذرًا في خطئه؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلى وسعها. الذين قالوا بعدم النقض يقولون: إنه قد روى أهل السنن من حديث جابر ﵁ قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار (١٧). وكلمة: (مما مست) عام يشمل الإبل وغير الإبل، وهو قد صرح كان آخر الأمرين ترك الوضوء، وإذا كان آخر الأمرين فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخًا للأول، وهذا معلوم. فيه دليل آخر: عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لَا مِمَّا دَخَلَ» (١٨)، وزاد بعض العلماء أو نسبوه أيضًا أثرًا: «وَالْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ لَا مِمَّا خَرَجَ» (١٩)، شوف تقابل.

стр. 355

القاعدة الثانية: لأجل يخرجون الحجامة؛ لأن الحجامة خارجة ما هي داخلة، فيكون: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل؛ لأجل يخرجون لحم الإبل ما ينقض الوضوء، ولكن حديث ابن عباس ضعيف لا يصح مرفوعًا إلى الرسول ﵊، وإن صح موقوفًا عليه فقد خولف. وأما حديث جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فإنه لا يعارض حديث نقض الوضوء بلحم الإبل، فضلًا عن كونه ناسخًا له، كيف لا يعارضه؟ لأن حديث جابر عام، وحديث الإبل خاص، والقاعدة المتفق عليها بين أهل العلم: أن العام يحمل على الخاص، وأنه يخرج منه الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، تخرج من العام، وحينئذٍ هل هناك تعارض حتى نقول بالنسخ؟ لا، ولا يجوز لنا أن ننسخ أو أن نحكم بالنسخ مع إمكان الجمع؛ لأن النسخ مع إمكان الجمع معناه: إبطال أحد الدليلين مع أنه ليس بباطل. إذن ما الغرض من حديث جابر؟ لا بد أن يكون له حكمة؛ يعني: سياقه هو أن الرسول ﷺ كان قد أمر بالوضوء مما مست النار، وصح عنه الأمر بذلك أمر بالوضوء مما مست النار، فقال جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء. وعلى هذا فإذا كان الرسول قد أمر وترك؛ فمن أهل العلم من أصَّل أصلًا -لكنه ليس بأصيل- وقال: إن الرسول ﵊ إذا أمر بشيء وفعله صار الفعل خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله؛ يعني: للوجوب، انتبه لهذه القاعدة، ولكن هذا الأصل غير أصيل؛ لأن سنة الرسول ﷺ قوله وفعله. فإذا عارض قوله فعله؛ فإن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولًا وفعلًا، ولا يجوز أن نحمله على الخصوصية مع إمكان الجمع؛ لأن معنى ذلك إهدار شطر من السنة -وهو السنة الفعلية- بدون حاجة إلى ذلك.
следующие страницы →