← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أما المشهور عند الحنابلة فإنه لا يجوز حتى للصغير أن يمسه بدون وضوء، وقالوا: إن على وليِّه أن يُلْزِمَه بالوضوء كما يلزمه بالوضوء للصلاة؛ لأن هذا فعلٌ تُشْتَرَط لحِلِّه الطهارة، فلا بد من إلزام وليه به، إلا أنهم استثنوا مس الصغير اللوح إذا لم تقع يده على الحروف، تعرفون اللوح؟ كان بالأول استعمال الألواح للصغار، ألواح من الخشب يكتبون فيها قرآنًا ويقرأه، وإذا انتهى مسحه. لكن بعض العلماء يقول: اللوح غير وارد إطلاقًا؛ لأن الكتابة في اللوح غير ثابتة، ستُمْحَى، فهي بمنزلة ما كُتِبَ للتمرين على القراءة، كما لو كتبت في السبورة مثلًا، واحد يكتب في السبورة قرآنًا لأبنائه يُمَرِّنهم على القراءة. على ظاهر كلام الفقهاء ﵏ إنه ما يجوز أن أَمَسَّ السبورة بغير وضوء، لكن يجوز أكتب القرآن بغير وضوء؟ إي نعم، إذا لم أَمَسَّها يجوز، لكن السبورة ما دام كتبت عليها آية من القرآن ما أمسها بغير وضوء، إلا أن أقول: إنهم استثنوا اللوح، بشرط ألا تقع يده على الحروف، منهم من قال: للمشقة. ومنهم من قال: لأن هذه الكتابة غير المصحف؛ المصحف تُكْتَب الكتابة، ويش هو له؟ للثبوت والاستمرار، أما هذه فلا، ولو كتب قرآنًا معكوسًا وحطيته أمام المرآة ويش يصور؟ قرآن غير معكوس، هل يحرم علَيَّ مس المرآة؟ ما يحرم عليَّ؛ لأنه ما كُتِبَ فيها ( ... ). ذكرنا أظن كتب التفسير أنه يجوز مسُّها؟ طلبة: لا، ما ذكرنا. الشيخ: إي نعم، الآن نذكر كتب التفسير يجوز مسها؛ لأنها تعتبر تفسيرًا، والآيات التي فيها أقل من التفسير الذي فيه، ويُسْتَدَلُّ لذلك بكتابة النبي ﵊ إلى ملوك الكفرة الكتب، وفيها آيات من القرآن، فدلَّ هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر. يبقى النظر إذا تساوى التفسير والقرآن هل يحرُم؟ نقول: القاعدة المعروفة عند أهل العلم أنه إذا اجتمع مُبِيحٌ وحاظرٌ، ولم يتميَّز أحدُهما بِرُجْحَانٍ، فإِنه يُغلَّب جانب الحظر.

стр. 387

وعلى هذا فإذا كان التفسير والقرآن مستويين أُعْطِيَ حكمَ القرآن، فإن كان التفسير أكثر من القرآن ولو بقليل أُعْطِي حكم التفسير، وعلى هذا فتفسير الجلالين هل يحرم مسه إذا لم يكن القرآن في جوفه؟ طالب: نعم يحرم. طلبة: ما يحرم. الشيخ: ما يحرم؛ لأن التفسير أكثر من القرآن. طلبة: القرآن أكثر من التفسير. الشيخ: لا، إذا لم يكن في جوفه القرآن، إن كان القرآن في جوفه وهو على الهامش فمعلوم أن القرآن أكثر، لكن إذا لم يكن، فيه نسخ الآن ما فيها إلا التفسير فقط، فالتفسير أكثر من القرآن، وعلى هذا فيجوز مسه بغير طهارة. طالب: ( ... ). الشيخ: والله، ما أذكر أنا المسألة هذه اللي قلت. طالب: يا شيخ، هل يجوز ( ... ). الشيخ: (مس المصحف والصلاة)، الصلاة أيضا تحرُم على المحدِث بالنَّصِّ والإجماع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ثم علَّلَ ذلك بأن المقصود التطهير لهذه الصلاة. وعلى هذا فالطهارة في الصلاة شرط لصحَّتها وجوازها، ولا يَحِلُّ لأحد أن يصلِّي وهو مُحْدِثٌ، لا حدثًا أصغر ولا حدثًا أكبر. فإِن فعل وصلَّى وهو مُحْدِثٌ، فإِنْ كان مستهزئًا فهو كافر؛ لاستهزائه -والعياذ بالله-، وإنْ كان متهاونًا فقد اختلف العلماء في تكفيره؛ فمذهب أبي حنيفة ﵀ أنه يَكْفُر، ومَذْهَبُ الأئمة الثَّلاثة أنَّه لا يَكْفُر. أبو حنيفة يقول: إنه يكفر؛ لأن مَن صلَّى مُحْدِثًا مع علمه بإيجاب الله له فهذا كالمستهزئ، والاستهزاء معلوم أنه كُفْرٌ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وأما الآخرون فقالوا: إنَّ هذه معصية، ولا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ أنْ يكونَ مُسْتَهزئًا.

стр. 388

ولهذا قلنا: إِنْ تَرَكَه مستهزئًا فهو كافر، لماذا؟ لاستهزائه، وإلَّا فلا، وهذا أقرب؛ لأنَّ الأصل بقاء الإسلام، ولا يمكن أن نخرجه من الإسلام إلا بدليل. فهذا دليل من القرآن على وجوب الطهارة للصلاة، ويلزم منه تحريمها في حال عدم الطهارة. أما من السُّنَّة: فقال النبي ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»، «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ»، و «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، والأحاديث في ذلك مشهورة في معناها وإن اختلفت ألفاظها. وأجمع المسلمون على ذلك، أي: على أنه يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يُصَلِّيَ. فإذن الأدلة ثلاثة: الكتاب والسنة والاجماع، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم. ولكن نرجع مرة أخرى لنعرف ما هي الصلاة؟ الصلاة هي التي بَيَّنها رسول الله ﷺ ، «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، هذه الصلاة كما بَيَّنَها الرسول ﵊. فصلاة الفرائض الخمس صلاة، والجمعة صلاة، صلاة العيدين صلاة، وصلاة الاستسقاء صلاة، وصلاة الكسوف صلاة، وصلاة الجنازة صلاة؛ لأنها مُفْتَتَحة بالتكبير، مُخْتَتَمة بالتَّسليم، ينطبق عليها التعريف الشرعي، فتكون داخلة في ذلك. وذهب بعض أهل العلم أن الصلاة هي التي يكون فيها ركوع وسجود. وذهب آخرون إلى أن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إلَّا الوتر، فهو يصح ولو ركعة فهو صلاة. ولكن القول الأول أصح؛ أن الصلاة هي كل ما يُشْرَع افتتاحه بالتكبير واختتامه بالتسليم، سواء كانت ذات ركوع وسجود أم لا. وبناءً على هذا التعريف ننظر في سجود التلاوة وسجود الشكر، هل يكونان صلاة؟

стр. 389

إن قلنا بأنه يُشْرَع لهما التكبير والتسليم فهما صلاة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة؛ أنهما أي: سجدتا الشكر والتلاوة صلاة، تُفْتَتَح بالتكبير، وتُخْتَتَم بالتسليم، ولهذا يُشْرَع عندهم أن يُكَبِّر إذا سجد، وإذا رفع، ويُسَلِّم، وبِناءً على هذا يحرُم على المحدِث أن يسجد سجدة التلاوة وهو غير طاهر، وأن يسجد سجدة الشكر وهو غير طاهر، عرفتم؟ إذن الخلاف في سجدتَي التلاوة والشكر مَبْنِيٌّ على أيش؟ على أنهما هل هما صلاة أو لا؟ فإن قلنا: إنهما صلاة، وجب لهما الطهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تجب لهما الطهارة. والمتأمِّل للسنة يدرك أنهما ليسَا بصلاة؛ لأن الرسول ﵊ كان يسجد للتلاوة، ولم يُنْقَل عنه أنه كان يُكبِّر إذا سجد ولا إذا رفع، ولا يسلِّم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دون الرفع منه، ودون التسليم. ولأن الرسول ﵊ سجد في سورة النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والمشرك لا يصح منه صلاة، وأقرَّهم النبي ﷺ على ذلك. وهذا الأخير قد يعارِض فيه معارِض فيقول: إن سجود المشركين في ذلك الوقت قد يكون قبل فرض الوضوء؛ لأن فرض الوضوء لم يكن إلا مع فرض الصلاة، والصلاة ما فُرِضَت إلا متأخِّرة، قبل الهجرة إما بسنة أو بثلاث سنوات، فهي متأخِّرة، وما دام الاحتمال قائمًا فالاستدلال به فيه نظر. لكن اللِّي يتأمل سجود الرسول ﵊ للشكر، سجوده عند التلاوة، يظهر أنه لا يُكَبِّر، وعليه فلا تكون سجدة التلاوة وسجدة الشكر من الصلاة، وحينئذ لا يحرُم على مَن كان محدِثًا أن يسجد للتلاوة أو للشكر على غير طهارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 390

وصح ذلك عن عبد الله بن عمر أنه كان يسجد للتلاوة بدون وضوء، ولكن لا ريب أن الأفضل أن يتوضأ، لا سيما وأن القارئ سوف يتلو القرآن، وتلاوة القرآن يُشْرَع لها الوضوء؛ لأنها من ذكر الله، وكل ذكر الله يُشْرَع له الوضوء. أما سجود الشكر فإن اشتراط الطهارة له ضعيف؛ لأن سجود الشكر سببه تجدد النعم، أو اندفاع النقم، يعني أو تجدد اندفاع النقم، وهذا قد يأتي الإنسانَ وهو محدِث. فإذا قلنا: لا تسجد حتى توضأ، فربما يطول الفصل، والحكم المعلَّق بسبب إذا تأخَّر عن سببه سقط، وحينئذ إما أن نقول: اسجد على غير وضوء، أو لا تسجد؛ لأنه يندر أن يجد الإنسان ماءً يتوضأ منه تَوَضُّؤًا سريعًا ثم يسجد. وأما سجدة التلاوة فالذي ينبغي ألَّا يسجد الإنسان إلا وهو على طهارة، كما أنه ينبغي له أن يقرأ على طهارة. الأمر الثالث مما يحرُم على المحدِث: الطواف بالبيت، فالطواف بالبيت سواء كان طواف نُسُك؛ كالطواف في الحج والعمرة، أو طواف تطوُّع مطلَق، كما لو قام الإنسان في سائر الأيام فيطوف، فإنه يحرُم عليه أن يطوف إلا بوضوء. الدليل عدة أمور؛ الأمر الأول: أنه ثَبَت عن النبي ﷺ أنه حين أراد الطواف تَوَضَّأَ ثم طاف. والثاني: أن الرسول ﷺ لما قيل له: إن صفية قد حاضت، وظن أنها لم تَطُف طواف الإفاضة قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ »، والحائض طاهر ولَّا غير طاهر؟ طلبة: غير طاهر. الشيخ: غير طاهر. الثالث: أن النبي ﷺ قال: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ، فَلَا تَتَكَلَّمُوا فِيهِ إِلَّا بِخَيْرِ». وربما استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وجه الاستدلال: أنه إذا وجب تطهير مكان الطائف، فتطهيرُ بدنه من باب أولى.

стр. 391

فهذه أدلة أربعة استدلوا بها على وجوب الطهارة للطواف، وهو قول أكثر أهل العلم؛ على أنه لا يصح الطواف إلا بطهارة، وأنه لو طاف وهو محدِث حدثًا أصغر أو أكبر فإن طوافه لا يصح، مع أنه حرام عليه أيضًا. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطواف لا تُشْتَرَط له الطهارة، ولا يحرُم على المحدِث، وإنما الطهارة فيه أكمل. قالوا في دليلهم على ذلك: إن الأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على تحريم هذا الفعل إلا بهذا الشرط. وهنا لا دليل؛ لأنهم سيناقشونهم في أدلتهم، فلم يقل النبي ﵊ يومًا من الدهر: لا يقبل الله طوافًا بغير طهور، ولم يقل: لا تطوفوا حتى تَطَهَّرُوا، وإذا كان كذلك فإننا لا نُلْزِم الناس بأمر لم يكن لنا فيه دليل بَيِّن على إلزامهم به، لا سيما في الأحوال الحرجة، كما لو انتقض وضوء الطائف في الزحمة الشديدة في أيام الموسِم، ففي هذه الحال إذا قلنا بالوجوب بطل وضوؤه، ولزمه أن يذهب ويتوضأ من جديد، ويعيد الطواف من جديد. وأجاب هؤلاء القائلون بأنه لا تشترط الطهارة للطواف وأنه ليس بحرام، أجابوا عن أدلة القائلين بتحريم الطواف بغير وضوء، قالوا: أما فعل الرسول ﵊ فإنه مجرد فعل، والفعل المجرَّد لا يدل على الوجوب، ونحن معكم في أن الأفضل ألَّا يطوف إلا على طهارة، لكن من قال: إن من طاف لا يصح طوافه؟ نحن نوافقكم على هذا، وأن الأفضل ألَّا تطوف إلا على وضوء.

стр. 392

وأما قول الرسول ﵊ في صفية: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ » فإننا معكم في هذا، وهو أنه يحرُم على الحائض الطواف؛ لأن لكم دليلين صريحين واضحين؛ حديث صفية هذا، وحديث عائشة، قال: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، فنحن معكم في أن الحائض يحرُم عليها الطواف، ولكن الحيض ليس حدَثًا أصغر، بل هو حدَث أكبر، ثم إن الحيض سبب موجِب لمنع الحائض من الْمُكْث في المسجد، والطواف لا شك أنه مُكْث؛ لأن الإنسان سيطوف على الكعبة، فنحن معكم في أن الحائض لا تطوف. لكن من أين نستدل بهذا على أنه لا يجوز للطائف أن يطوف وهو محدِث حدَثًا أصغر؟ وأنتم توافقوننا على أن المحدِث حدَثًا أصغر يجوز له أن يبقى في المسجد بغير وضوء، ولا يجوز للحائض أن تبقى في المسجد بغير وضوء، فهذا هو مناط حكم المنع عندنا؛ أنه المكث في المسجد. وأما الحديث الذي يستدلون به: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ»، فإن هذا لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، كما قاله أهل المعرفة بالحديث، وإنما هو موقوف على ابن عباس ﵄، فهو مما فيه مجال للاجتهاد، وما فيه مجال للاجتهاد فإنه يُرْجَع فيه إلى الكتاب والسنة. ثم إن هذا الحديث منتقِض؛ لأننا إذا أخذنا بلفظه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، فإنه على مقتضى القواعد الأصولية يقتضي أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلَّا .. ؟ طلبة: الكلام. الشيخ: إلا الكلام، تحريم الكلام في الصلاة ثابت، وهنا ليس بثابت، والدليل على أن جميع أحكام الصلاة تثبت له إلا الكلام أن من القواعد المقرَّرة في علم الأصول: أن الاستثناء معيار العموم، يعني: إذا جاء شيء عام ثم استُثْنِيَ منه، معناه أنه كل الأفراد يتضمنها هذا العموم، فالاستثناء معيار العموم.

стр. 393

ولننظر، إذا نظرنا إلى الطواف وجدنا أنه يخالف الصلاة في غالب الأحكام، في أحكام كثيرة غير مسألة الكلام، فهو أولًا يجوز فيه الأكل، ولَّا لا؟ ، يجوز يأكل وهو يطوف؟ لو واحد معه التمر وهو يطوف وأذَّن المغرب وهو صائم يُفْطِر ويأكل التمر ولَّا لا؟ نعم، يفطر ما فيه شيء، لكن لو كان يصلي؟ (باب الغسل) ومُوجِبُه خُروجُ الْمَنِيِّ دَفْقًا بلَذَّةٍ لا بدونِها من غيرِ نائمٍ. وإن انْتَقَلَ ولم يَخْرُجْ اغْتَسَلَ له، فإنْ خَرَجَ بعدَه لم يُعِدْه، وتَغَيُّبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ في فَرْجٍ أَصْلِيٍّ قُبُلًا كان أو دُبُرًا ولو من بَهيمةٍ أو مَيِّتٍ، وإسلامُ كافرٍ، وموتٌ، وحَيْضٌ، ونِفاسٌ، لا وِلادةٌ عاريةٌ عن دَمٍ، ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عليه قِراءةُ القرآنِ. ويَعْبُرُ المسجدَ لحاجةٍ ولا يَلْبَثُ فيه بغيرِ وُضوءٍ. ومَن غَسَّلَ مَيِّتًا أو أَفاقَ من جُنونٍ أو إغماءٍ بلا حُلْمٍ سُنَّ له الغُسْلُ. (الْغُسْلُ الكاملُ) أن يَنْوِيَ ثم يُسَمِّيَ ويَغْسِلَ يديه ثلاثًا وما لَوَّثَه، ويَتَوَضَّأَ كذلك الشرب، كذلك الضحك، يريد يضحك وهو يطوف، فلو فُرض أن حدثت حادثة وهو يطوف وضحك، يبطل طوافه ولَّا ما يبطل؟ طلبة: ما يبطل. الشيخ: لكن لو فعل هذا في الصلاة؟ طلبة: تبطل. الشيخ: تبطل صلاته، إي نعم. طالب: ( ... ). الشيخ: كذلك أيضًا: لا يشترط للطواف التكبير في أوله، ولا التسليم في آخره، ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: ولا قراءة الفاتحة، ولَّا يُشترط؟ يشترط قراءة الفاتحة؟ طلبة: لا. الشيخ: ولا يشرع أيضًا قراءة الفاتحة في الطواف، وكذلك لا يجب فيه استقبال القبلة، بل يجب أن تكون القبلة عن يسار الإنسان، وأشياء كثيرة تخالف الصلاة، وكذلك الحركة .. طالب: السجود. الشيخ: كيف السجود؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، دعنا هذه أفعال الصلاة تختلف بالضرورة.

стр. 394

المهم أنه يخالف الصلاة في أحكام كثيرة، وكلام الرسول ﵊ إذا جاء يجيء مُحكمًا، لا يمكن أن يُنتقض، فلما انتقض بهذه الأمور ووجدنا هذه الاستثناءات عَلِمنا أن هذا لا يصح من قول الرسول ﵊، وهذا أحد الأوجه التي يستدل بها على ضعف الحديث؛ أن يكون المعنى متخلخلًا، لا يمكن أن يصدر من مثل الرسول ﷺ . وقد قدمنا في المصطلح وغيره أيضًا؛ أنه لا ينبغي لنا أن ننظر إلى مجرد ظاهر الإسناد، فنصحِّح الحديث من أجله، نشوف الحديث ومعناه، وهل يطابق الأدلة الشرعية العامة، وهل يمكن أن يصدر من الرسول ﵊ أو لا يمكن. ولكن يبقى النظر؛ هل الأفضل ألا يطوف إلا متطهرًا؟ هذا لا شك بالإجماع الظاهر، ما أظن أحدًا يقول: إن طوافه بوضوء وبغير وضوء سواء، لا شك أنه بالوضوء أفضل؛ لفعل الرسول ﵊؛ ولأن هذا من الذكر. بقي الجواب عن الاستدلال بالآية؛ الاستدلال بالآية أيضًا غير صحيح، ولو أردنا أن نستدل بالآية على ذلك لقلنا: والمعتكف لا يصح اعتكافه إلا بطهارة، والمعتكف يصح أن يعتكف وهو غير متوضئ، ولم يشترط أحد للمعتكف أن يكون على وضوء، صحيح أنهم اشترطوا ألَّا يكون جنبًا، وأنه إذا كان جنبًا يجب أن يتطهر أولًا، ثم يعتكف؛ لأن الجنابة تُنافي المكث في المسجد. يجوز للحائض أن تطوف بالبيت للضرورة وبقينا الحائض تطوف ولَّا ما تطوف؟ ما تطوف، ولكن إذا اضطرت الحائض إلى الطواف؟ طلبة: تطوف. الشيخ: إذا قلنا بأن الطهارة من الحيض شرط فإنها لا تطوف؛ لأنها لو طافت ما صح طوافها؛ لأنه شرط للصحة، وإن قلنا: إنه لا تطوف لتحريم المقام عليها في المسجد الحرام؛ فإنها إذا اضطرت إلى ذلك جاز لها المكث، وإذا جاز المكث جاز الطواف.

стр. 395

ولهذا اختلف العلماء في امرأة حاضت، ولم تطُف طواف الإفاضة، وكانت في قافلة، والقافلة لم ينتظروها، أما لو انتظروها فالأمر واضح؛ لكن إذا لم ينتظروها يجب عليهم ينتظرون ولَّا لا؟ الرسول ﵊ قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ » (١). هم يقولون: إذا انتظرنا زوجة فلان نخشى إذا انتهت من حيضها حاضت زوجة فلان، وإذا انتهت الثانية حاضت الثالثة، والقافلة مائتا امرأة، كل واحدة تقعد سبعة أيام اضرب سبع في مائتين كم تصير؟ طالب: ألف وأربع مئة. الشيخ: كم سنة يقعدون؟ ! فالمهم أن اللزوم لا شك أنه ما يلزم إلا إن ألزمناها ألزمنا وليها فقط؛ أن يبقى أو يذهب بها، ثم يرجع، فهذه القوافل إذا كانت قافلة لا يمكن أن ترجع مثل قافلة في أقصى الهند، في أمريكا، قافلة في بلاد لا يمكنهم أن يرجعوا، فحينئذٍ نقول: إما أن تطوف وينتهي حجها، وإما أن تكون مُحصرة فتتحلل بدم ويتم حجها ولا ما يتم؟ ما يتم؛ لأنها ما طافت، فمعناه إذا كانت الحجة فريضة ما أدت الفريضة الآن، وإما أن نقول: تذهب إلى بلدها، لكنها تبقى لم تحل التحلل الثاني، فلا يحل لزوجها أن يقربها، وإن مات عنها أو طلقها لا يحل لها أن تتزوج؛ لأنها ما زالت في إحرام، وهذا فيه صعوبة ولَّا لا؟ فيه صعوبة، فصار فيه صعوبة من كل الوجوه الثلاثة: إن قلنا: إنها محصرة تتحلل؛ فيه صعوبة؛ لأنها ما أدت الفريضة. إن قلنا: إنها تبقى، فهذا غير ممكن. إن قلنا: تذهب وتبقى على إحرامها؛ فهذا أيضًا معلوم أعظم مشقة. بقي علينا احتمال رابع أن نقول: تطوف للضرورة، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصواب؛ أنها إذا اضطرت إلى السفر فإنها تطوف، لكن يجب عليها أن تتحفظ حتى لا ينزل الدم إلى المسجد فيلوثه، وتطوف، وتتوكل على الله. طالب: القواعد الحسان الآية تحتمل معنيين ( ... )، ماذا يحمل عليه؟

стр. 396

الشيخ: لا، ما يحمل عليها؛ لأنها متناقضات؛ إذا قلنا: المطهرون، المراد بها: المتطهِّر من الحدث، ما نقول بذاك القول، ونلزم بأن يتوضأ، وإذا قلنا: المطهرون الملائكة؛ ما قلنا بهذا القول، ولا نلزمه. طالب: ( ... ). الشيخ: ما يصلح، لا يمكن الجمع؛ لأن القولين متضادان. طالب: الحائض لو توضأت هل تمكث في المسجد كما يمكث الجنب إذا توضأ؟ الشيخ: لا، لا تمكث؛ لأنها الحائض لو توضأت ما ارتفع شيء من حدثها، الحدث باقٍ. طالب: وأنتم تقولون في الحائض إذا لم تتوضأ. الشيخ: كيف؟ طالب: ذكرت عبارة ( ... ) جوابًا عن حديث صفية، قلت: وأنتم تقولون في الحائض إذا لم تتوضأ لا يحل لها المكث في المسجد، مفهوم العبارة يعني أنا فهمتها .. الشيخ: لا، إذا توضأت لا يجوز لها المكث في المسجد بخلاف الجنب. طالب: ( ... ). الشيخ: يجوز أن يصلي وهو على غير وضوء نعم، هم يقولون بذلك، هذا رأيهم، ولكن الصحيح أنها صلاة؛ لأن الرسول سماها صلاة، فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (٢)، وخرج إلى المصلى، فصلى بالناس في النجاشي (٣). طالب: يحرم؟ الشيخ: يحرم نعم، يحرم أن يصلي على الجنازة وهو على غير وضوء. *** [باب الغسل] (باب الغسل) أي: باب ما يوجبه، وباب صفته، فالباب جامع للأمرين: الأشياء الموجِبة للغسل، والثاني: كيفية الغسل؛ أما الأشياء الموجبة للغسل، فقال المؤلف ﵀: (ومُوجِبه) مُوجِب يعني الشيء الذي يُوجِب الغسل، يقال: مُوجِب، وموجَب بالفتح، الموجَب هو الشيء الذي وجب بغيره. والموجِب: هو الشيء الذي يُوجِب غيره؛ مثل ما نقول: مُقتضِي ومُقتضَى، المقتضِي: هو الذي يَقتضي غيره، والمقتضَى: هو الذي اقتضاه غيره؛ وهكذا نقول هنا مُوجَبه ولَّا مُوجِبُه؟ موجِبُه؛ يعني الذي يُوجِب الغسل عدة أشياء:

стр. 397

أولًا: (خروج المني دفقًا بلذة لا بدونها) إلى آخره، هذا من موجبات الغسل، ودليله قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والجنب: هو الذي خرج منه المني دفقًا بلذة. وقال النبي ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (٤)، الماء يعني الغسل؛ فعبَّر بالماء عنه، «مِنَ الْمَاءِ»؛ أي: من المني، فإذا خرج فإنه يوجب الغسل. وظاهر الحديث أنه يجب الغسل سواء خرج على الوصف الذي ذكر المؤلف أم لم يخرج، وهذا هو مذهب الشافعي ﵀: أن خروج المني مطلقًا موجِب للغسل لعموم الحديث حتى ولو بدون شهوة، وبأي سبب خرج، ولكن المؤلف لا يرى هذا الرأي، وهو قول جمهور أهل العلم على أنه يشترط لوجوب الغسل بخروجه أن يكون دفقًا بلذة، لكن المؤلف اشترط شرطين: دفقًا وبِلذَّة. وبعض العلماء قال: بلذَّة، وحذف دفقًا، وقال: إنه لا يمكن إذا خرج بلذة إلا أن يكون دفقًا، فاستغنى عن كلمة (دفقًا) بقوله: (بلذة)، والمؤلف أتى بها لموافقة قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]. فإذا خرج من غير لذة من إنسان يقظان؛ فإنه لا يُوجب الغسل على ما ذهب إليه المؤلف، وهو الصحيح. فإن قلت: ما الجواب عن الحديث: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»؟ قلنا: إن هذا يُحمل على المعهود المعروف؛ الذي هو خروجه بلذة، وهو الذي يُوجب تَحلُّل البدن، وفتور البدن، أما الذي يخرج بدون ذلك، فإنه لا يُوجب تحلله ولا فتوره، ولهذا قالوا: إن لهذا الماء ثلاث علامات: أولًا: أنه يخرج دفقًا. والثاني: باعتبار رائحته؛ فإن رائحته إذا كان يابسًا كرائحة البيض، وإذا كان غير يابس كرائحة العجين واللقاح. والشيء الثالث: فتور البدن بعد خروجه. هذه علاماته، وإذا كانت هذه هي علاماته، فإنه إذا خرج على هذا الوصف صار موجبًا للغسل، وبدونه لا يجب.

стр. 398

قال المؤلف: (لا بدونهما من غير نائم). (بدونهما) الضمير يعود على أيش؟ الدفق واللذة. (من غير نائم)، وهو اليقظان، فإذا خرج هذا الماء من اليقظان بدون لذة، ولا دفق، فإنه لا غسل فيه، لا يجب فيه الغسل، وقد سبق الجواب عن ظاهر الحديث. وعُلِم من قوله: (من غير نائم) أنه لو خرج من نائم وجب الغسل مطلقًا، سواء كان على هذا الوصف أم لم يكن، لماذا؟ لأن النائم قد لا يحس به، وهذا يقع كثيرًا أن الإنسان إذا استيقظ وجد الأثر، وإن لم يشعر باحتلام؛ ولهذا قال العلماء: يجب بكل حال؛ فما هو مستندهم في ذلك؟ مستندهم حديث أم سليم ﵂ حين سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها الغسل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (٥). فأوجب الغسل عليها، لكن بشرط إذا هي رأت الماء، ولم يشترط النبي ﷺ أكثر من ذلك، فدل هذا على وجوب الغسل على من استيقظ، ووجد الماء سواء أحس بخروجه أم لم يحس، وسواء احتلم؛ يعني: رأى أنه احتلم أم لم يرَ؛ لأنه قد ينسى. واعلم أن النائم إذا استيقظ فوجد بللًا فلا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يتيقن أنه مُوجِب للغسل؛ يعني أنه مَنِيّ، وفي هذه الحال يجب أن يغتسل سواء ذكر احتلامًا أم لم يَذْكر. الحال الثانية: أن يتيقن أنه ليس بِمَنِيّ؛ ففي هذه الحال لا يجب الغسل، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه؛ لأن حكمه حكم البول. الحال الثالثة: أن يجهل هل هو مَنِيّ أو غير مَنِيّ؟ فإن وُجِد ما يحال الحكم عليه بكونه منيًّا أو مَذِيًّا أُحيل الحكم عليه، وإن لم يوجد فالأصل الطهارة، وعدم وجوب الغسل؛ يعني فالأصل براءة الذمة من الغسل. إذا وجده بعد الاستيقاظ وأشكل عليه هل هو مَنِيّ أو غيره، فإن وُجِد ما يحال الحكم عليه بكونه منيًّا أو غير مني أُحِيل الحكم عليه، وإن لم يُوجد فهو غير مَنِيّ؛ لأن الأصل عدم وجوب الغسل، كيف الإحالة؟

стр. 399

إن ذكر أنه احتلم في منامه فإننا نجعله منيًّا؛ لأن الرسول لما سئل: إذا رأت ما يرى الرجل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ»، وإن لم يرَ شيئًا في منامه، وقد سبق نومه تفكير في الجماع جعلناه مذيًّا؛ لأن المذي يخرج بعد التفكير في الجماع، وبعد ذلك يخرج بدون إحساس، وإن لم يسبقه، ففيه قولان لأهل العلم: قيل: إنه يجب أن يغتسل احتياطًا، وقيل: لا يجب، فقد تعارض هنا أصلان ( ... ). يدل على أنه إذا رأى احتلامًا فإنه يجب عليه الغسل قول النبي ﵊ في المرأة إذا احتلمت: أعليها الغسل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ». *** ثم قال المؤلف: (وإن انتقل ولم يخرج، اغتسل له)، (انتقل) يعني: إن انتقل الماء؛ يعني: أحس بانتقاله، ولكنه لم يخرج، فإنه يغتسل؛ الدليل: ليس هناك دليل، ولكنّ هناك تعليلًا؛ وهو أن الماء قد باعد مَحَلَّه، فصدق عليه أنه جُنب؛ لأن الجنابة أصلها من البعد، فإن الجنابة الجيم والنون والباء، كلها تدل على التباعد، كما يقال: هذا في جانب، وهذا في جانب، فإذا كان الماء قد انتقل وباعَد مَحَلَّه فقد صدق عليه أنه جُنُب. هذه هي العلة الموجبة للغسل، ولكن يقال: هل يمكن أن ينتقل ولا يخرج؟ نعم، يمكن؛ إما بأن يمسك بآلته حتى لا يخرج، وهذا وإن كان الفقهاء مثَّلوا به فإنه خطير جدًّا، والفقهاء ﵏ يُمثِّلون بالشيء للتصوير بقطع النظر عن حِلِّه أو حرمته، وهذا لا شك أنه ضرر عظيم على الإنسان، ربما إذا انحبس هذا المستعد للخروج في مكان ما؛ صار فيه التهابات قد لا يمكن برؤها، ولكن ربما ينتقل ولا يخرج لسبب آخر؛ بحيث تفتر الشهوة لسبب من الأسباب، ففي هذه الحال قد لا يخرج. هل يجب عليه الغسل أم لا؟ المؤلف يقول: يجب عليه أن يغتسل، وليس هناك نص في هذه المسألة، ولكن هناك تعليل.

стр. 400

والقول الثاني في المسألة: أنه لا غُسل بالانتقال، أنه إذا انتقل المني، وأحس الإنسان بانتقاله، ولكنه لم يخرج فإنه لا غسل عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو القول الصواب الذي يدل عليه حديث أم سليم؛ فإن النبي ﷺ لما سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، أعليها الغسل؟ قال: «نعم»، لكن بشرط «إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (٦)، ولم يقل ﵊: أو أَحَسَّت بانتقاله، ولو كان الغسل واجبًا بالانتقال لبيَّنه النبي ﷺ لدعاء الحاجة إلى بيانه. هذا دليل، دليل آخر: قول النبي ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (٦)، وهنا هل هناك ماء؟ ليس هناك ماء، وقول الرسول ﵊: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» يدل على أنه إذا لم يكن ماء فلا ماء. ثالثًا: الأصل بقاء الطهارة، وعدم موجِب الغسل، وهذ الأصل لا يمكن أن يُعدَل عنه إلا بدليل. فهذه ثلاثة وجوه؛ دليلان وقياس نظر، كلها تدل على أنه إذا انتقل ولم يخرج؛ فإنه لا يجب الغسل. قال المؤلف: (فإن خرج بعده لم يعده)؛ يعني لو اغتسل لهذا الذي انتقل، ثم بعد ذلك مع الحركة خرج فإنه لا يعيد الغسل؛ وذلك لأنه سبب واحد، فلا يُوجِب غُسلين؛ فالرجل هنا قد اغتسل عن الأول فلا يوجب خروجه غسلًا ثانيًا، هذا من وجه، ومن وجه آخر، أنه إذا خرج بعد ذلك فإنه يخرج بدون لذة، ولا يجب الغسل إلا إذا خرج بلذة. نعم، لو طرأ على الإنسان شيء جديد، فخرج مني جديد غير الأول الذي انتقل؛ فإنه يجب عليه الغسل بهذا السبب الثاني. ثم قال ﵀: (وتغييب حشفة أصلية)، هذا هو الْمُوجِب الثاني من مُوجِبات الغُسل. (تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دُبرًا) التغييب معروف؛ تغييب الشيء في الشيء معناه: أن يختفي فيه.

стр. 401

وقوله: (حشفة أصلية) (أصلية) احتراز يحترز بذلك عن حشفة الخنثى الْمُشْكِل؛ فإنها ليست بأصلية؛ وقد مر علينا أن الخنثى الْمُشْكِل هو الذي له آلة ذكر وآلة أنثى، ويتبول منهما جميعًا، فإن هذا يكون مشكلًا، وربما يتضح بعد البلوغ، لكن ما دام على إشكاله فإنه لا يُعتبر فرجه أصليًّا. (في فرج أصلي)، (أصلي) احترازًا من إيه؟ من فرج الخنثى الْمُشْكِل، فإنه لا يُعتبر تغييب الحشفة فيه مُوجبًا للغسل؛ لأن ذلك ليس بفرج. فإذا غيَّب الإنسان حشفته في فرج أصلي وجب عليه الغسل سواء أنزل أم لم يُنزل؛ لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، أخرجه الشيخان، وفي لفظ لمسلم: «وإِنْ لمْ يُنْزِلْ» (٧)، وهذا صريح في وجوب الغسل حتى مع عدم الإنزال. وهذه المسألة تخفى على كثير من الناس، فما أكثر الذين تشكل عليهم، تجده يتزوج وهو صغير ولم يدرس، وكذلك زوجته، ثم يحصل منهما هذا الأمر عدّة مرات، ولا يغتسل لا الرجل ولا المرأة، بناءً على أنه لا يجب الغسل إلا إذا حصل الإنزال، وهذا خطأ؛ ولذلك ينبغي أن نبث هذا العلم بين الناس حتى لا يحصل الجهل، فهذا التغييب مُوجِب للغسل سواء حصل الإنزال أم لم يحصل؛ دليله: حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه آنفًا: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ وإِنْ لمْ يُنْزِلْ». وقول المؤلف: (حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دُبرًا)، مع أن وطء الدبر حرام، لا يحِل بوجه من الوجوه، لا يحل للرجل أن يجامع زوجته في دبرها، وغير الزوجة من باب أوْلى، وهذا هو الذي قلت لكم -قبل قليل-: إن العلماء يذكرون الصور بقطع النظر عن كونها حلالًا أو حرامًا، ويعرف حُكْمها من محل آخر.

стр. 402

قال: (ولو من بهيمة أو ميت) (لو) هذه إشارة خِلاف، فمن أهل العلم من قال: إنه يشترط لوجوب الغسل أن يكون من آدمي حي، وعلى هذا الرأي لو أن رجلًا أولج في فرج امرأة ميتة -مع أنه يحرم- لكن لو فُرض أن هذا وقع، فعليه الغُسل، ولو أنه أوْلج في بهيمة، فعليه الغسل. وقد مر علينا في الحدود أن من فعل ذلك، فليس عليه حد، وبهذا يحصل التناقض بين كلام الفقهاء ﵏، فالقول الثاني في المسألة: أنه إذا حصل ذلك في بهيمة أو ميت، فإنه لا غسل إلا إذا حصل الإنزال، وإلا فلا غُسل؛ ويدل لهذا قول النبي ﵊: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا»، فهل هذا يحصل إذا كانت الموطوءة ميتة؟ يحصل، يجهدها؟ طلبة: ما يحصل. الشيخ: ما يحصل، ما يجهدها؛ ثم إن تلذُّذ الإنسان بالميتة ليس كتلذذه بالحية، أما موضوع البهيمة؛ فالأمر فيها أبعد وأبعد، وهل يعني ذلك أنه يجوز للإنسان أن يجامع البهيمة؟ أبدًا، لكن العلماء يتكلمون عن ما يوجب الغسل بقطع النظر عن حِلِّه أو حُرمته. هل يُشترط أن يكون ذلك بغير حائل، أو ليس بشرط؟ فيه خلاف أيضًا؛ فمنهم من يقول: إنه يُشترط أن يكون ذلك بلا حائل، لأنه مع الحائل لا يصدق عليه أنه مس الخِتانُ الختانَ، الختان خِتان الرجل وختان المرأة؛ فإذا جامعها بحائل لم يصدق عليه أنه مس الختان الختان فلا يجب الغسل. ومنهم من قال بوجوب الغسل؛ لعموم قوله ﷺ : «ثُمَّ جَهَدَهَا»، والْجَهْد يحصل ولو مع الحائل. ومنهم من فصَّل، فقال: إذا كان الحائل رقيقًا بحيث تكمل به اللذة وجب الغسل، وإذا لم يكن رقيقًا فإنه لا يجب الغُسل.

стр. 403

فالأقوال إذن ثلاثة: أنه يجب مطلقًا، ولا يجب مطلقًا، ويجب إن كان يحصل به كمال اللذة وإلا فلا، وهذا -أعني الحائل- قد يستعمله بعض الناس من أجل منع الحمل؛ لأنه قد لا يتمكن من العزل فيذهب إلى استعمال هذا الحائل، ويرى أن هذا أفضل من أن تستعمل المرأة حبوب الحمل؛ لأن حبوب منع الحمل ضارة جدًّا بالمرأة، وأسلم من أن تستعمل ما يسميه النساء باللولب؛ شيء يُزرّ به عنق الرحم حتى لا يصل الماء إليه، فيرى أن هذا أهون، وأيًّا كان السبب في استعماله؛ فالكلام على أنه هل يجب الغسل أو لا يجب؟ إذا نظرنا إلى العِلَّة وجدنا أن أقرب الأقوال الوسط؛ وهو أنه إذا كان رقيقًا بحيث يحصل به كمال اللذة وجب الغسل وإلا فلا، مع أن الأولى والأحوط للإنسان أن يغتسل حتى في هذه الحال، أما إذا لم يلتقِ الختانان؛ فإنه لا غسل إلا بالإنزال. *** قال المؤلف: (وإسلام كافر)، هذا الثالث إسلام الكافر، إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل سواء كان الكافر أصليًّا أو مرتدًّا. الأصلي: الذي كان من أول حياته على غير دين الإسلام، مثل: اليهودي، والنصراني، والبوذي، والملحِد، والمشرك، وما أشبه ذلك. والمرتد: هو الذي كان على الإسلام، ثم ارتد؛ كتارك الصلاة مثلًا، أو إنسان اعتقد بعد أن كان مؤمنًا اعتقد بأن لله شريكًا، أو دعا النبي ﷺ أن يغيثه من الشدة، أو دعا غيره من البشر أن يغيثه من الشدة في أمر لا يمكن فيه الغوث مثل أن يدعو ميتًا يغيثه، فهذا كفر مُخرِج عن الملة، فإذا عاد إلى الإسلام وجب عليه الغسل. الدليل حديث قيس بن عاصم أنه لما أسلم أَمَره النبيُّ ﷺ أن يغتسل بماءٍ وسِدْر (٨)، أمره، والأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن هذا امرؤ طهَّر باطنه من نجس الشرك، فينبغي يعني من الحكمة أن يُطهِّر ظاهره بالغَسْل؛ فيكون هناك تناسب بين تطهير الظاهِر وتطهير الباطن.

стр. 404

فعندنا إذن دليل وتعليل؛ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجب على الكافر إذا أسلم الغُسل، واستدل بأنه لم يَرِد عن النبي ﵊ أمر عام مثل أن يقول: من أسلم فليغتسل، كما قال: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٩)، وما أكثر الصحابة الذين أسلموا في عهد النبي ﷺ ، ولم يُنقل أنهم أُمروا بالغسل، ولو كان هذا واجبًا لكان أمرا مشهورًا؛ لأن الناس يحتاجونه، أليس كذلك؟ فالذين أسلموا في عهد الرسول ﵊ كثير جدًّا، ولو كان الاغتسال هذا واجبًا لكانت ترد النصوص العامة مثل: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، و «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» عام، فيقول الرسول: من أسلم فليغتسل، أو يكون هذا مشهورًا بين المسلمين أنه ما من رجل يسلم إلا اغتسل؛ فهذان قولان متقابلان: القول الأول: أن الغسل واجب. والقول الثاني: أنه ليس بواجب. ولننظر أيهما أقوى، قد نقول: إن القول الأول أقوى وهو وجوب الغسل؛ وذلك لأن أمر النبي ﷺ واحدًا من الأمة بحكمٍ ليس هناك معنى معقول لتخصيصه به يكون أمرًا للأمة جميعًا؛ فمثلًا الرسول ﵊ أوصى أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر (١٠) لو فُرض أنه ما ورد حديث «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» (١١). لو لم يرد هذا الحديث لقلنا: إن أمره لأبي هريرة أمر له ولغيره، فكون الرسول ﵊ يأمر واحدًا أسلم لا يعني أن ذلك لا يجب على غيره.

стр. 405

وأما كونه لم يُنقل عن الصحابة أن كل واحد منهم قد اغتسل بعد إسلامه، فإننا نقول: عدم النقل ليس نقلًا للعدم؛ ما دام عندنا حديث مقتضٍ لوجوب الغسل على من أسلم، فإن عدم نقله في طائفة أخرى من الناس -عدم نقل الغسل- لا يدل على عدم الوجوب؛ لأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، نعم، لو ورد أسلم الناس على عهد النبي ﷺ فكانوا يُسلِمون ولا يأمرهم بالغسل، لو جاء هكذا لكان الأمر واضحًا، ثم إننا نقول: أيهما أحوط أن يغتسل أو ألَّا يغتسل؟ طلبة: الأول. الشيخ: لا شك أن الأحوط أن يغتسل؛ لأنه إذا اغتسل وصلَّى قيل له: إن صلاتك صحيحة بكل حال، وإذا لم يغتسل، ثم صلَّى قيل له: في صلاتك قولان لأهل العلم، والاحتياط أولى. وقال بعض أهل العلم: إن أتى الكافر في كفره بما يوجب الغسل وجب عليه الغسل سواء اغتسل أم لم يغتسل، فإن لم يأتِ بموجِب للغسل لم يجب عليه الغسل. ويش معنى هذا؟ يعني مثلًا لو حصل عليه جنابة في حال كفره ولم يغتسل منها وجب عليه الغسل، وإن لم يحصل عليه جنابة فإنه لا يجب عليه الغسل. وقال آخرون: إنه إذا وجد عليه جنابة في حال كفره فاغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام. وقال آخرون: إن وُجِد عليه جنابة اغتسل أو لم يغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام؛ لأنه غير مُكَلَّف، وغير مأمور بالشرائع. فهذه خمسة أقوال في المسألة، ولكن رأس الخلاف هو قولان: أنه يجب، وأنه لا يجب، والاحتياط الوجوب. (وموت)، يعني من موجِبات الغسل الموت، إذا مات الإنسان وجب عليه الغسل؟ انتبه للعبارة. طلبة: لا، غير صحيحة. الشيخ: غير صحيحة؟ طلبة: نعم. الشيخ: ويش هو السبب؟ ليش؟ طلبة: لأنه ميت. الشيخ: لقول النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» (١٢) كذا؟ إذن إذا مات الإنسان وجب تغسيله؟ طلبة: صحيح.

стр. 406

الشيخ: صح، نعم، إذن الموت مُوجِب للغسل لا على الميت، ولكن على المسلمين، والدليل على ذلك: قول النبي ﷺ في الرجل الذي وَقَصَتْه ناقته وهو واقف بعرفة، قال الرسول ﵊: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (١٣). والأصل في الأمر الوجوب. وفي حديث أم عطية حين ماتت ابنته ﵂ قال لهم النبي ﷺ : «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (١٤). أما الحديث الأول: فالوجوب فيه ظاهر؛ لأنه قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». الحديث الثاني: قد يذهب ذاهب إلى أن المقصود من غسل الميت التنظيف؛ لأن الرسول ﵊ قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، ومثل هذا لا يكون من التعبد؛ لأن التعبد بالطهارة كم حده؟ ثلاث. وأيضًا التعبُّد بالطهارة ما يُوكل إلى رأي الإنسان، فهذا الحديث قد يُنازِع فيه مُنازِع ويقول: أنا أمنع أن يكون دليلًا لوجوب الغسل؛ لأن الرسول ﷺ قال لهن: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، ثم جعل المسألة منوطة بالتنظيف، ولكن نقول: إذا لم تقتنع بهذا الدليل فهناك الدليل الثاني: «يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». وتغسيل الأموات أمر معلوم بالضرورة؛ لأنه مشتهِر اشتهارًا يكاد يكون متواترًا، الموت سواء مات فجأة، أو بمرض، أو بحادِث، وسواء كان صغيرًا أم كبيرًا. هل يشمل ذلك السِّقط؟ طالب: إذا نفخت فيه الروح. الشيخ: فيه تفصيل: السِّقْط يعني العَوار؛ هذا فيه التفصيل، إن نُفخت فيه الروح غُسّل، وكُفّن، وصُلِّي عليه، ودُفن مع الناس، وإن لم تنفخ فيه الروح فلا.

стр. 407

لكن متى تُنفخ الروح؟ إذا تم له أربعة أشهر؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْن أُمِّهِ، يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأَجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ويَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» (١٥). وهذا كلام مَنْ؟ كلام الرسول ﵊، ومثل هذا لا يمكن أن يعلمه الرسول ﵊ بدون الوحي؛ لأنه أمر لا مدخل للاجتهاد فيه إطلاقًا، فيكون هذا دليلًا على أن الحمل إذا تم أربعة أشهر نُفخت فيه الروح، وصار إنسانًا. (وحيض) هذا الموجب الخامس: الحيض؛ يعني إذا حاضت المرأة وجب عليها الغسل، ولكن انقطاعه شرط؛ فالحيض موجِب، وانقطاعه شرط، فلو اغتسلت قبل أن تطهر ما صح اغتسالها؛ لأنه من شرط صحة الاغتسال الطهارة. فالحيض موجب للغسل، والدليل على ذلك حديث فاطمة بنت حُبيش أنها كانت تُستحاض فأمَرها النبيُّ ﷺ أن تجلس عادتها، ثم تغتسل وتُصلِّي (١٦)، أمرها أن تغتسل، والأصل في الأمر الوجوب. ويشير إلى مطلق الفعل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: اغتسلن، وهذا دليل على أن التطهر للحائض أمر معلوم مشهور عند الناس، لكن الآية وحدها لا تدل على الوجوب؛ ولكن حديث فاطمة دليل واضح على أنه يجب على المرأة إذا حاضت الغسل، لكن يشترط له انقطاع الدم، الطهارة.

стр. 408

أما السادس فهو (النفاس) النفاس: هو الدم الخارج بسبب الولادة، ولكنه لا يُحْكم له بالنفاس إلا إذا كان معه طلْق، وكان قبل الولادة بيومين ( ... )، ثلاثة، يعني مُقارِن لها، أما الدم الذي يكون في وسط الحمل، أو يكون في آخر الحمل، ولكن بدون طلق، فهذا ليس بشيء؛ تصلي فيه المرأة وتصوم، ولا يحرم عليها شيء مما يحرم على النفساء، لكن النفاس هو الذي يكون مع الولادة، أو بعدها، أو قبلها بيومين أو ثلاثة بأمارة؛ وهي الطلق. ما هو الدليل على وجوب الغسل بالنفاس؟ الدليل على ذلك أن النفاس نوع من الحيض، ولهذا أطلق النبي ﷺ النفاس على الحيض؛ فقال لعائشة: «لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ » (١٧)، حين حاضت. وقد أجمع العلماء على وجوب الغسل بالنفاس كما يجب بالحيض، وعليه فهذا هو السادس من موجبات الغسل، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- أحكام الحيض والنفاس في باب مستقل؛ لأنها تحتاج إلى تفصيل. *** قال: (لا ولادة عارية عن دم) (لا) هذه نافية ولَّا عاطفة؟ طلبة: نافية. الشيخ: لا، عاطفة، وهي تدل على النفي لا شك، كما قال: (موجبه خروج)، ثم عطف عليه. ثم قال: (وحيض) يعني ومُوجبه حيض. (ونفاس لا ولادة) يعني ليست الولادة العارية عن الدم موجبةً للنفاس؛ يعني لو قُدِّر أن امرأة ولدت، لكن ما خرج منها دم أبدًا فإنه لا غُسْل عليها، ليش؟ طالب: لا مُوجِب للغسل. الشيخ: لأنه ما فيه نفاس؛ لأننا قلنا: النفاس هو الدم، وهنا لا دم، ولكن هل هذا يحصل؟ طالب: قد يحصل. الشيخ: يقولون: إنه قد يحصل، ولكنه نادر جدًّا جدًّا، ومن أجل كونه نادرًا قال بعض العلماء: إن الولادة نفسها هي الموجبة، وأنه حتى لو وجد امرأة ولدت بدون دم فإن عليها الغسل. وعللوا ذلك بأن عدم الدم مع الولادة نادر، والنادر لا حكم له؛ ولأن المرأة سوف يلحقها من الجهد والتعب والمشقة بالولادة العارية عن الدم كما يلحقها بالولادة مع الدم.

стр. 409

طالب: في مجامعة الميتة أو إتيان الميتة، ما يعتبر هذا فرج الميتة يعتبر ختانًا ومس الرجل ذكره في حديث عائشة: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ» (١٨)، ولم يشترط الإجهاد أو غيره. الشيخ: بس هذه مسألة نادرة؛ يعني قد يقال: إن هذا نادر، يعني حتى الرسول لما تكلم بهذا الشيء قد لا يكون خطر على باله هذا الأمر. الطالب: لكن قول الإجهاد هذا يتعارض مع حديث عائشة: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ». الشيخ: أبدًا، يُحمل المطلق على المقيد. الطالب: طيب، وبالنسبة للخنثى المشكِل يعتبر ختانًا بالنسبة لو فرجه إذا كان غير ( ... ) ما يعتبر ختانًا. الشيخ: لا. طالب: طيب إذا مس الرجل ختان الرجل؟ الشيخ: هم يقولون: إن هذا الفرج ما دام ما تيقنّا أنه أنثى فهو بمنزلة أي فتحة في البدن، ما يحصل بها التلذذ إلا إذا حصل الإنزال. طالب: يعني ما يعتبر ختانًا يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما يعتبر ختانًا؛ لأنه ما هو أصل مثل أي فتحة في البدن، لو لقينا فتحة في الإنسان مثلًا في بدنه شيء، فلا يثبت لها حكم الفرج الأصلي. طالب: حديث: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» (١٩)؛ يعني قد يؤخذ منه أنه مجرد التقاء. الشيخ: نعم، «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» لا ينبغي أن تكون مُشْكِلة علينا؛ لأن الختان للرجل محله ما فوق الحشفة؛ الختان: قطع الجلدة المحيطة بالحشفة كلها، والمرأة معروف ختانها، ولا التقاء إلا بتغييب. طالب: ما الذي تُرجِّح يا شيخ فيما لو التقى ختان الحي بالميت أو بالحي ( ... )؟ ما الذي ترجحه؟ الشيخ: أرجِّح أنه لا شيء عليه إلا أن يحصل الإنزال. الطالب: ذكرت عدة أمور في التناقض عند الفقهاء أنهم لم يوجبوا الحد فيمن زنا بميت، وأنهم أوجبوا الغسل، فنحن الآن صار عندنا تناقض. الشيخ: ليش؟ الطالب: لأننا أوجبنا الحد على من زنا بميت، ورجَّحنا عدم ..

стр. 410

الشيخ: هناك رجَّحنا الوجوب لما فيه من الانتهاك؛ انتهاك الحرمة، ولهذا ذكرنا لكم أن الإمام أحمد عنه رواية إنه يحد مرتين حدَّين، فانتهاك العِرض حاصل. الطالب: لم يحصل التقاء ختان هنا بين الحي والميت لو جامع ميتًا يحصل الالتقاء. الشيخ: يحصل التقاء، ما فيه شك يحصل التقاء. طالب: ينطبق عليه الحد. الشيخ: إي، بس الحديث: «ثُمَّ جَهَدَهَا»، هذا ما فيه جهد. طالب: لماذا قلنا: إن الحيض هو مُوجِب للغسل؟ لماذا لم نقل: انقطاع الحيض؟ الشيخ: لا، هذا الانقطاع شرط؛ لأنه مثلما نقول: ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، وتمام الحول شرط للوجوب، فيُفرَّق بين السبب وبين الشرط؛ فالانقطاع نفسه ما هو السبب، السبب الحيض؛ ولهذا تترتب أحكام الحيض بمجرد خروجه يعني مثلًا -كما سيأتينا إن شاء الله- ما يجوز لها مثلًا تقرأ القرآن، أو تلبث في المسجد، أو ما أشبه ذلك، كل الأحكام تترتب بمجرد خروج الحيض. طالب: لو ميت يا شيخ في حادث تقطَّع حتى وجهه ويديه، كيف نُيمّمه؟ الشيخ: لا، هذه مسألة ما هي في الدرس يعني .. الطالب: على قول تغسيل الميت، نحتاج إليه. الشيخ: نقول: إذا تقطع الميت وتعذّر تغسيله؛ فإنه يُيمَّم على قول بعض أهل العلم، ومن العلماء من يقول: لا يُيمم؛ لأن المقصود من تغسيل الميت التنظيف والتطهير، وهذا ليس فيه تيمم؛ ولأن ذلك لم يرد عن النبي ﵊، لكن على قول من يقول: إنه يُيَمَّم، يضرب الحي يديه بالتراب، ويمسح بهما وجه الميت وكفيه. الطالب: إذا لم يبقَ وجهه؟ الشيخ: يسقط، إذا لم يبقَ وجهه يسقط. طالب: إذا جهدها بدون إنزال؟ الشيخ: ما عليه شيء. الطالب: يعني ما عليه الغسل؟ الشيخ: لا، ما عليه إلا إذا حصل الإنزال؛ يعني لا عليه ولا عليها. الطالب: طيب ولا ( ... ) إذا جهدها.

стр. 411

الشيخ: إي، هو معروف أن هذا كناية عن الجماع الذي يحصل به الإجهاد، وإلا مسألة الإجهاد لو نقول: مجرد المشقة كان نقول: لو يجي إنسان بيوبز عليها ويركّها صار إجهادًا. طالب: إذا اغتسل شخص من الجنابة، وبعد الغسل أنزل شيئًا يسيرًا، هل يغتسل أو يكتفي بغسل الفرج؟ الشيخ: لا، ما يغتسل. الطالب: يكتفي بالغسل .. الشيخ: بالغسل الأول، وهذا يغسله، لا بد أن يغسله. طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم. *** قوله: (ومن لزمه الغسل حرم عليه)، (من): اسم شرط جازم، وفعل الشرط: (لزمه)، وجوابه: حرم. وقد مر علينا في أصول الفقه أن أسماء الشرط تفيد العموم؛ فعلى هذا يكون معنى قوله: (ومن لزمه) أي إنسان لزمه الغسل سواء كان ذكرًا أم أنثى، وبماذا يلزم الغسل؟ بواحدة من موجباته الستة؛ وهي: خروج المني دفقًا بلذة، وتغييب حشفة، وإسلام الكافر، والموت، والحيض، والنفاس، إذا وجد واحد من الموجبات لزم الغسل، وإذا لزم الغسل حرم عليه قراءة القرآن، واللبث في المسجد، ولا يحرم عليه الصلاة، ولا الاعتكاف ولا مس المصحف. طلبة: لا، غير صحيح. الشيخ: ما ذكرها المؤلف؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لكن قد ذكره. طالب: من؟ الشيخ: لأنه تقدّم أنه قال: (ويحرُم على المحدِث)، وقلنا هناك: سواء كان حدثًا أكبر أم أصغر؛ إذن الثلاثة السابقة معلومة مما سبق، وهذان اثنان يختصان بمن عليه الجنابة؛ فيجب الغسل. قال المؤلف ﵀: (حرم عليه قراءة القرآن)، فمثلًا لو جامع الرجل زوجته؛ حرم عليه أن يقرأ القرآن، وإذا حاضت المرأة؛ حرم عليها أن تقرأ القرآن، وإذا نفست؛ حرم عليها أن تقرأ القرآن، وإذا أسلم الكافر؛ حرم عليه أن يقرأ القرآن، كل من لزمه الغسل لأجل موجب من موجباتها السابقة؛ يحرم عليه أن يقرأ القرآن حتى يغتسل، أو حتى يتوضأ؟ حتى يغتسل؛ لأنه إذا لم يغتسل، لم يزل الوجوب باقيًا، فننظر أولًا، نبدأ ( ... ) أو نفسر أولًا قراءة القرآن.

стр. 412

(قراءة القرآن) هو أن يقرأ الإنسان شيئًا من القرآن، سواء من مصحف، أو عن ظهْر قلب، والذي يحرُم عليه قراءة آية فصاعدًا إلا إذا كانت الآية طويلة، فإن بعضها كالآية الكاملة، وأطول آية في كتاب الله آية الدَّيْن التي في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ومع هذا لم تستوعب حروف الهجاء، واستوعب حروف الهجاء آيتان سواها أقصر منها: ( ... ). طالب: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]. الشيخ: آخر آية في سورة الفتح. طالب: ( ... ). الشيخ: أقول: الذي يحرم عليه قراءة آية فصاعدًا، أما بعض آية فظاهر المذهب قبل كل شيء، أما بعض آية فإنه لا بأس به. ثم إن المؤلف يقول: (حرم عليه قراءة القرآن). (قراءة القرآن): لا قراءة ذكر وافق القرآن، وقراءة ذكر وافق القرآن لا بأس به إذا قصد الذكر، وليس التلاوة؛ مثل لو قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، يقصد الذكر ما يقصد القرآن لا بأس، ولو قال: (الحمد لله رب العالمين)؛ يقصد الذكر، فلا بأس مع أنها آية من القرآن؛ لكن هو لم يقصد القرآن، ولو قال: قابلت شخصًا، ثم نظر؛ يعني نظر إليَّ، (ثم نظر) هذه آية من القرآن ولا لَّا؟ لكنه ما قصد القراءة؛ فلا بأس. ما هو الدليل على أن الجنب لا يقرأ القرآن؟

стр. 413

الدليل: حديث علي بن أبي طالب ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُعَلِّمُهم القرآن، ولا يَحْجزه عن القرآن إلا الجَنَابَة (٢٠). الجنابة في هذا دليل على أن الجنب لا يقرأ القرآن؛ ولأن النبي ﷺ قال للرجل الذي سلم عليه فلم يرد ﵇، وهو غير متوضئ، قال: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ» (٢١). والقرآن أشرف الذِّكر، وهذا يدل على أن الْجُنب لا يقرأ القرآن؛ ولأن في منعه من القرآن حثًّا له على المبادرة إلى الاغتسال؛ لماذا؟ لأنه إذا علِم أنه ممنوع من قراءة القرآن حتى يغتسل فسوف يبادِر، فيكون في ذلك مصلحة؛ ولأنه قد روي أنَّ الْمَلَكَ يتلقَّف القراءة من فَمِ القارئ (٢٢)، وأنَّ الملائكة لا تدخل بيت فيه جُنُب (٢٣). وعلى هذا فإذا قرأ القرآن؛ فإما أن يحرم الملك من تلقف القرآن، وإما أن يؤذيه بجنابته، وهذا وإن كان فيه شيء من الضعف، لكن يُعلَّل به، وعلى كل حال فقراءة القرآن للجنب محرمة، لا تجوز. بقينا الحائض، الحائض ( ... )، فهل يحرم عليها قراءة القرآن؟ الجواب: نعم، كلام المؤلف يدل على أنه يحرم عليها قراءة القرآن، وعلى هذا جمهور أهل العلم؛ أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ ولكن لها أن تذكر الله بما يوافق القرآن؟ نعم، لها أن تذكر الله بما يوافق القرآن؛ ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه ليس في منع الحائض من قراءة القرآن نصوص صريحة صحيحة، وإذا لم يكن فيها نصوص صريحة صحيحة تمنع؛ فإن الأصل البراءة أو الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع. والله أمر بتلاوة القرآن مطلقًا، فأي حال من الأحوال يُخرج بها الإنسان شخصًا من عباد الله عن قراءة القرآن؛ فإننا نطالبه بالدليل، وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن؛ فإنها مأمورة بقراءته.

стр. 414

فإن قلت: ألا يمكن أن نقيسها على الجنب بجامع أن كلًّا منهما يلزمه الغسل بسبب الخارج؟ الجواب: أن هذا قياس مع الفارق؛ والفارق هو أنَّ الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع ولَّا لا، بماذا؟ طلبة: بالغسل. الشيخ: بالاغتسال، يغتسل ويزول المانع، وهو خير ( ... )، وأما الحائض فليس بإمكانها أن تزيل ذلك المانع، ثم إن الحائض مدتها تطول غالبًا، والجنب لا يمكن أن تطول؛ لأنه مهما كان سوف تأتيه الصلاة، ويُلزم بالاغتسال. والنفساء كذلك، بل من باب أوْلى أن يُرخَّص لها؛ لأن مدتها أطول من مدة الحائض، وما ذهب إليه شيخ الإسلام فهو مذهب قوي؛ لأنه -كما قلت- الأصل عدم المانع، وأن الإنسان مأمور بتلاوة كتاب الله، وقد أثنى الله تعالى على من يتلون كتابه. فإذا قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفيه أحاديث وإن كانت ضعيفة، لماذا لا نجعل المسألة مرتبطة أو مُعلَّقة بالحاجة، فإن احتاجت الحائض إلى قراءة القرآن مثل الأوراد، أو أن تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تكون محتاجة لتعليم أولادها؛ أو لتعليم البنات في المدارس فإننا نبيح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فنأخذ بماذا؟ بالأحوط، ونقول: لها أذكار تذكر الله بذكر غير القرآن، وهي لن تحرم من الذكر، لو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهبًا قويًّا. فلدينا الآن ثلاثة مذاهب: المنع مطلقًا، والإباحة مطلقًا، والتفصيل؛ والإباحة مطلقا أقوى من المنع مطلقًا، ويبقى النظر بين الإباحة المطلقة وبين التفصيل. بقينا إسلام الكافر: لو أن رجلًا أسلم وقال: أريد أن أقرأ الفاتحة قبل أن أغتسل، قلنا له: لا حتى تغتسل؛ لأنك ممن يلزمك الغسل، فما هو الدليل؟ لا دليل سوى القياس، والقياس فيه نظر قوي جدًّا؛ النظر أولًا: أن الجنب قد أجمع العلماء على وجوب الغسل عليه بخلاف الكافر؛ فإن الكافر مختلف في وجوبه عليه كما سبق، ولا يمكن أن يقاس المختلف فيه على المتفق عليه.

стр. 415

فإن قلت: نحن نقيسه عند من يقول بوجوب الغسل على الكافر، أما من يقول بعدم الوجوب؛ فالأمر واضح أنه لا قياس. الجواب: حتى على قول من يقول: إن الغسل واجب عليه، فإن القاعدة في ذلك لا يرى أن وجوبه مُتحتِّم كتحتم الغسل من الجنابة، بل يرى أنه أضعف، وعليه فمنع الكافر من قراءة القرآن حتى يغتسل ضعيف؛ لأنه ما فيه أحاديث، لا صحيحة ولا ضعيفة، وليس فيه إلا هذا القياس الذي قد ( ... ) بل هو فعلًا ( ... ). *** قال المؤلف: (ويعبر المسجد لحاجة، ولا يلبث فيه بغير وضوء) لو قال المؤلف: واللبث في المسجد لكان أوضح، إنما يحرم على من لزمه الغسل اللبث في المسجد، يحرم عليه أن يلبث في المسجد؛ يعني يقيم ولو مدة قصيرة، ما هو الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، يعني: ولا تقربوها جنبًا إلا عابري سبيل. ومعلوم أن قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، ليس المعنى لا تصلوا إلا عابري سبيل؛ لأن عابر السبيل لا يُصلي، بخلاف النهي عن قربان الصلاة؛ يعني في المرور في أماكنها؛ وهي المساجد، فإذا عبر المسجد فلا بأس به، وأما أن يمكث في المسجد فإن ذلك حرام، لا يجوز؛ لأن المساجد بيوت الله ومحل ذكره، وعبادته، ومأوى ملائكته، وإذا كان آكل البصل والأشياء الكريهة ممنوعًا من البقاء في المسجد، فالجنب الذي تحرم عليه الصلاة من باب أولى، لا سيما إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب، فإن الملائكة تتأذى فيمنعها من دخول هذا المسجد.

стр. 416

لكن عبوره المسجد يقول: (ويعبر المسجد لحاجة)، لحاجةٍ إلى العبور، ما هي الحاجة؟ الحاجة متنوعة، قد يريد أن يدخل من باب، ويخرج من باب آخر لئلّا يشاهده أحد، وقد يقصد بذلك أنه أقصر، يوجد بعض المساجد ( ... ) يكون إذا دخل من على باب، وخرج من باب آخر أقصر من أن يذهب ويطوف من وراء المسجد، فيعبره لكونه قصيرًا، قد لا يعبره لحاجة مثل أن ينظر، هل فيه محتاج أو مسكين أو حلقة عِلم حتى يذهب ويغتسل ويرجع؟ المهم أن أنواع الحاجة كثيرة، فيعبر لحاجة. وأفادنا المؤلف بقوله: (لحاجة) أنه لا يجوز له أن يعبر لغير الحاجة. وظاهر الآية الكريمة: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ العموم؛ سواء كان لحاجة أو لغير حاجة؛ إلا أن الإمام أحمد ﵀ كره أن يتخذ المسجد طريقًا إلا لحاجة، ومحل الكراهة، أو الكراهة هذه لها وجه، الوجه أن الرسول ﷺ ذكر أن المساجد إنما بُنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن، وكونها تتخذ طرقًا ( ... )، هذا خلاف ما بنيت له إلا إذا كانت هناك حاجة. قال: (ولا يلبث فيه) لماذا لا يلبث فيه؟ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: (بغير وضوء)، فإن توضأ جاز المكث، الدليل؟

стр. 417

الدليل أن الصحابة ﵃ كانوا إذا توضؤوا من الجنابة مكثوا في المسجد، فكان الواحد منهم ينام في المسجد؛ فإذا احتلم ذهب وتوضأ، ثم عاد فنام، وهذا دليل على أن هذا جائز؛ لأن ما فُعل في عهد الرسول ﵊ ولم يُنكَر، فهو جائز إن كان من الأفعال غير التعبدية، وإن كان من الأفعال التعبدية فهو دليل على أن الإنسان يؤجر عليه، هذا هو الدليل؛ ولأن الوضوء يخفف الجنابة؛ بدليل أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يكون عليه الغسل، أينام وهو جنب؟ فقال النبي ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» (٢٤). هكذا جاء في الحديث الصحيح، فقوله: «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» يدل على أن ذلك يُخفِّف من الجنابة، وهو كذلك من حيث المعنى أيضًا؛ لأن الوضوء أحد الطهورين، وهو لولا الجنابة لكان رافعًا للحدث رفعًا كليًّا فحينئذٍ يكون مخففًا للجنابة. إذن الذي يحرم على من لزمه الغسل كم؟ خمسة أشياء: الصلاة، والطواف، والمكث في المسجد، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد إلا بوضوء، الخمسة كلها تحرم على من لزمه الغسل ( ... ). *** ثم قال: (ومن غسَّل ميتًا أو أفاق من جنون، أو إغماء بلا حُلْم سُنَّ له الغُسْل) في هذا الباب ذكروا ﵏ ما يوجب الغسل، وما يُسنُّ له الغسل؛ فمنه تغسيل الميت؛ إذا غسل الإنسان ميتًا، فإنه يسن له أن يغتسل، ما هو الدليل؟ الدليل: حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢٥). هذا الدليل، ولكن المسألة فيها خلاف؛ فمنهم من قال: إنه يجب عليه أن يغتسل من غسل ميتًا، وجعلوا تغسيل الميت من مُوجبات الغسل، واستدلوا بهذا الحديث؛ قالوا: لأن الرسول ﵊ قال: «فَلْيَغْتَسِلْ»، والأصل في الأمر الوجوب. وقال آخرون عكس هذا، قالوا: من غسَّل ميتًا فلا يُسنّ له الغسل، ولا يجب عليه.

стр. 418

الدليل؛ قالوا: لأن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﵊، كما قال الإمام أحمد: لا يثبت في هذا الباب شيء، وإذا لم يصح؛ فإن دعوى مشروعية فعل من الأفعال تحتاج إلى دليل، والأصل عدم الدليل. لكنه قد صح عن أبي هريرة أنه أمر غاسل الميت بالغسل، وهذا ينبني على القول بحجية قول الصحابي. والقول الثالث في المسألة -القول الوسط الذي مشى عليه المؤلف-: أن من غسَّل ميتًا سُنّ له الغسل، ولم يجب عليه، وحجة هؤلاء أنهم قالوا: إن هذا الحديث فيه الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن لما كان هذا الحديث فيه شيء من الضعف لم ينتهض للإلزام. أقول: لما لم يكن هذا الحديث صحيحًا أو حسنًا ( ... ) صار غير قائم بإلزام الناس به، وهذه القاعدة مرت علينا فيما سبق؛ أن النهي إذا كان بحديث ضعيف لا يكون للتحريم، والأمر لا يكون للوجوب؛ لأن الإلزام بالمنع أو بالفعل يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة لإلزام العباد بأمر من الأمور. وهذا القول الذي مشى عليه المؤلف هو قول وسط، فإن قلت: ما أكثر الذين يُغسِّلون الموتى ولم يأمرهم النبي ﵊ بالغسل، الرجل الذي وَقَصَتْهُ ناقته قال: «غَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ولم يأمرهم بالاغتسال (٦)، وأم عطيَّة، ومَنْ كان يغسل النِّساء غسَّلن بنت الرسول ﵊، وأمرهن بغسلها (٦)، ولم يأمرهن بالاغتسال؟ الجواب: نعم، هذا صحيح؛ فالأحاديث الصحيحة ما فيها أمر بالاغتسال؛ ولكن الجواب على ذلك أن يقال: عدم الأمر ليس أمرًا بالعدم فلو عندنا قول الأصل أن هذا القول قائمًا ( ... ) إذا صح، وأيضًا: نحن لا نقول ( ... )؛ فعدم الأمر إذا وجد أمر آخر عدم الأمر في موضعه يدل على عدم الوجوب، لا يدل على نفي المشروعية مطلقًا؛ فالأقرب ما نص عليه المؤلف أن الإنسان إذا غسل ميتًا سُنَّ له الغسل، فإن غسل حيًّا كما لو غسلت المرأة طفلها. طلبة: لا يُسن الغسل. الشيخ: لا يُسن الغسل؟ طلبة: لا.

стр. 419

الشيخ: لماذا؟ طلبة: لأنه ( ... )، لا دليل. الشيخ: لأنه لا دليل، وهذا مما أوجب لأبي حنيفة وأصحابه ﵏ أن يقولوا: لا يُسن الغسل من غسل الميت، أو لأننا متفقون على أن المؤمن طاهر حيًّا وميتًا، فإذا كان تغسيل الحي لا يُسنّ له الغسل، فتغسيل الميت من باب أوْلى، وهم لا يرون صحة الحديث؛ لأن ضعف صحة الحديث ( ... ). يغتسل القول بالوجوب عنده ظاهر؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، وأما من ضعفه فإنه لا يلتفت إليه، ويأخذ بأمر أبي هريرة نفسه محتجًّا بقول الصحابي. قال: (أو أفاق من جنون، أو إغماء بلا حُلْم) الجنون معروف، وهو زوال العقل، نسأل الله العافية، ومنه الصرع؛ فإن الصرع نوع من الجنون. أما الإغماء؛ فالإغماء بمعنى التغطية، ومنه الغَيْم الذي يغطي السماء، فالإغماء تغطية العقل، وليس زوال العقل، والإغماء له أسباب متعددة منها: شدة المرض كما جرى ذلك للنبي ﷺ ؛ فإن النبي ﷺ في مرضه أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟ ». قالوا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فأمر بماء في مخضب -شيء مثل الصحن- فاغتسل ﵊؛ فقام لينوء فأُغمي عليه مرة ثانية، فلما أفاق قال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟ ». قالوا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، فدعا مرة ثانية بالمخضب فيه الماء فاغتسل، ثم قام لينوء فأغمي عليه (٢٦)؛ فهذا دليل على أن الإغماء يُغتسل له، وليس ذلك بواجب لأن فعل النبي ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، كما سبق لنا ذلك مرارًا، ولكن هل نقول: إن ذلك مشروع تعبدًا، أو نقول: إن ذلك مشروع لتنشيط البدن وتقويته؟

стр. 420

فيه احتمال أن يكون الرسول ﵊ فعل ذلك تعبدًا، ويحتمل أن يكون فعله لتنشيط الجسم من هذا الإغماء؛ لأن الجسم إذا أغمي عليه سيلحقه فتور، ولكن الفقهاء ﵏ يرون أن ذلك على سبيل التعبد، ولهذا قالوا: إنه يسن أن يغتسل، أما بالنسبة للجنون، فإنهم قاسوه على الإغماء، وقالوا: إذا شُرع الاغتسال للإغماء، فللجنون من باب أولى؛ لأن الجنون أشد من الإغماء. إذن صار الذي ذكر المؤلف من الأغسال المسنونة ثلاثة: الغُسل لتغسيل الميت، الغُسل للجنون، الغُسل للإغماء. قال المؤلف: (بلا حُلْم)، أي: بلا إنزال، فإن أنزل في حال الإغماء، فإنه يجب عليه الغسل كالنائم إذا احتلم في منامه؛ فإنه يجب عليه الغسل. ثم قال: (والغسل الكامل أن ينوي، والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرةً) إلى آخره. الغسل له صفتان: صفة كمال، وصفة إجزاء، كما أن الوضوء أيضًا له صفتان: صفة كمال، وصفة إجزاء، كذلك الصلاة لها صفة كمال، وصفة إجزاء، وكذلك الحج، فما هو الضابط؟ ما اشتمل على ما يجب فقط فهو صفة إجزاء، وما اشتمل على الواجب والكمال، فهو صفة كمال، هذا الضابط. الغسل الكامل: (أن ينوي)، (أن) هذه وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ. (أن ينوي) والنية لغةً: القصد، وأما في الاصطلاح: فهي العزم الجازِم على فعل الشيء، هذه النية في الاصطلاح أن تعزِم على فعل الشيء، سواء كان ذلك الشيء عبادة، أم معاملة، أم غير ذلك أم عادة، المهم العَزْم على فعل الشيء يُسمَّى نِيَّة، وأين محلها؟ محلها القلب، ولا تعلق لها باللسان، ولا يشرع للإنسان أن يتكلم بما نوى عند فعل العبادة لماذا؟ لو قال قائل: لماذا لا نقول إنه يُشرع أن يتكلم بما نوى عند فعل العبادة ليطابق القلب اللسان؟ فالجواب: أن نقول: إن ذلك خلاف السنة. فلو قال قائل: الرسول ﵊ ما نهى عن ذلك؟

стр. 421

قلنا: ولكنه قال: «مَنْ أحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٢٧). وعندنا قاعدة سبقت الإشارة إليها؛ السنة - السنة الفعلية والسنة التركية أن كل شيء وُجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله، كان ذلك دليلًا على أنه ليس بسنة، ومعلوم أن الرسول ﵊ ينوي العبادات، كلما أراد أن يفعل عبادة نواها، فهل كان يتكلم بما نوى؟ لا؛ إذن فترك الشيء عند وجود سببه يكون هو السنة، وفعله خلاف السنة؛ ولهذا لا يُسن النطق بالنية لا سرًّا ولا جهرًا؛ خلافًا لقول فقهائنا ﵏: إنه يسن النطق بالنية سرًّا، ولقول بعضهم -من أهل العلم-: إنه يسن النطق بالنية جهرًا، كل هذا لا أصل له، بل الدليل على خلافه. النية ويش مرتبتها في الغسل وفي غيره من العبادات؟ أنها شرط للصحة؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢٨). والنية نيتان: نية العمل، ونية المعمول له. أما نية العمل، فيتكلم عليها الفقهاء ﵏؛ لأن هذه النية هي المصححة للفعل، وأما نية المعمول له، فيتكلم عليها أهل التوحيد، وأرباب السلوك، مثال ذلك: أنا عندما أريد أن أغتسل نويت الغسل ما هذه، نية أيش؟ طلبة: العمل. الشيخ: نية العمل، لكن نويته تقربًا إلى الله وطاعة له، هذه نية المعمول له؛ أي: قصد وجهه ، وهذه الأخيرة هي التي نغفل عنها كثيرًا، كثير منا عندما يفعل العبادة، هل يستشعر عند ذلك أنه يفعلها طاعة لله وتقربًا؟ طلبة: الغالب أنه لا.

стр. 422

الشيخ: الغالب لا، الغالب أننا نفعلها على أننا ملزمون بفعلها، فننويها لتصحيح فعلها، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا الله يقول في القرآن في كثير من الآيات عندما يذكر العمل: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢]، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠]، ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢]، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨]. وما أشبه ذلك، فالحاصل أن النية إذن تنقسم؟ طالب: نية العمل، ونية المعمول .. الشيخ: ونية المعمول هذا هو العمل، نية العمل ونية المعمول له، أنت الآن تعمل لله، فتنوي بذلك التقرب إلى الله وطاعته بهذه العبادة. *** قال: (ثم يسمي) بعد النية يسمي؛ التسمية على المذهب واجبة كما تجب في الوضوء، وليس فيها نص، ولكنهم قالوا: إذا وجبت في الوضوء؛ ففي الغسل من باب أولى؛ لأن الغسل طهارة أكبر؛ فتجب فيها التسمية، والصحيح -كما سبق- أن التسمية ليست واجبة لا في الوضوء ولا في الغسل. (ويغسل يديه ثلاثًا) وهذا سُنَّة، يغسل اليدين ثلاثًا، واليدان هما الكفان؛ لأن اليد إذا أطلقت فهي الكف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والذي يُقطع من السارق الكَفّ فقط. ولما أراد الله ما فوق الكف قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فقيده، وعليه فلا فرق في المعنى بين النسختين وهما يغسل يديه أو كفيه.

стр. 423

قال: (وما لوَّثَه)، يعني: ويغسل ما لوَّثه من أثر الجنابة، وفي حديث ميمونة أن الرسول ﵊ عند غسله ما لوَّثه ضرب بيده الأرض، أو الحائط مرتين، أو ثلاثًا؛ لكمال التنقية، والذي يظهر لي من حديث ميمونة أن الماء كان قليلًا، ولهذا لم يغسل النبي ﵊ رجليه في الوضوء -في حديث ميمونة- وإنما غسله بعد ذلك في مكان آخر (٢٩)، فاحتاج ﵊ أن يضرب الأرض أو الحائط بيديه مرتين أو ثلاثًا ليكون أسرع في إزالة ما لوثه. قال: (ويتوضأ) وضوءه للصلاة. وكلام المؤلف يدل على أنه يتوضأ وضوءًا كاملًا؛ يشتمل على المضمضة، والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين، وهو هكذا في حديث عائشة ﵂ (٣٠)، يتوضأ وضوءًا كاملًا. قال (ويحثي على رأسه ثلاثًا ترويه)، (يحثي على رأسه) يعني يحثي الماء على رأسه ثلاثًا. ويُحْثِيَ على رأسِه ثلاثًا تَرْوِيهِ ويَعُمَّ بدَنَه غُسْلًا ثلاثًا ويَدْلُكُه ويَتَيَامَنُ ويَغسِلُ قَدَمْيِه مكانًا آخَرَ، و (الْمُجْزِئُ) أن يَنْوِيَ ويُسَمِّيَ ويَعُمَّ بَدَنَه بالغُسْلِ مَرَّةً، ويَتوضأَ بِمُدٍّ، ويَغتسِلَ بصَاعٍ، فإنْ أَسْبَغَ بأَقَلَّ أو نَوَى بغُسْلِه الْحَدَثَيْنِ أَجْزَأَ، وَيُسَنُّ لِجُنُبٍ غَسْلُ فَرْجِه، والوُضوءُ، لأَكْلٍ ونَوْمٍ ومُعاودةِ وَطْءٍ. (باب التيمم) وهو بَدَلُ طَهارةِ الماءِ، إذا دَخَلَ وقتُ فريضةٍ أو أُبِيحَتْ نافلةٌ وعُدِمَ الماءُ أو زادَ على ثَمَنِه كثيرًا (ترويه) (يحثي على رأسه) يعني: يحثي الماء، (على رأسه ثلاثًا ترويه) قوله: (ثلاثًا) ظاهره أنه على جميع الرأس يحثو الماء على جميع الرأس، منين نأخذ أن هذا هو الظاهر؟ طلبة: من إطلاقه. الشيخ: لأنه قال: (رأسه ثلاثًا).

стр. 424

وقوله: (ترويه) أي: تصل إلى أصوله بحيث لا يكون الماء قليلًا، بل لا بد أن يصل إلى أصول الشعر، وظاهر حديث عائشة ﵂: أن الرسول ﵊ غسل رأسه حتى إذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات (١)، فظاهره أنه أولًا يصب عليه الماء ويخلله، ثم بعد ذلك يفيض عليه ثلاث مرات، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن قولها: ثلاث مرات، لا يعم جميع الرأس، لكن مرة للجانب الأيمن، ومرة للجانب الأيسر، ومرة لوسط الرأس، كما يدل على ذلك صنيعه ﷺ حينما أتي بالحلاب، فأخذ منه ماء فغسل به جانب الرأس الأيمن، ثم الأيسر، ثم الرأس وسطه (٢). وقال المؤلف: (ويعم بدنه) بعدما يغسل رأسه، (ويعم بدنه غسلًا ثلاثًا). أما قوله: (يعم بدنه) فدليله حديث عائشة وميمونة: ثم أفاض الماء على سائر جسده (١). وأما قوله: (ثلاثًا) فإنهم فعلوا ذلك قياسًا على الوضوء، وأنه يشرع فيه التثليث، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم؛ هل يثلث في غسل البدن أو لا؟ فالمشهور من المذهب -كما ترون- واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أنه لا تثليث في غسل البدن؛ لأن ذلك لم يصح عن النبي ﷺ ، وإذا لم يصح فإنه لا يشرع. قال المؤلف: (ويدلكه) كيف يدلكه؟ يعني: يمر يده عليها كذا دلكًا، وإنما شرع الدلك لأجل تيقن وصول الماء إلى جميع البدن؛ لأنك لو صببته بدون دلك ربما يتفرق في البدن من أجل ما فيه من الدهونة ولا يشمل البدن، فَسُنَّ الدلك. (ويتيامن) ويش معنى يتيامن؟ يعني: يبدأ بالجانب الأيمن، أما في الوضوء فظاهر، وكذلك في الغسل؛ في غسل البدن، وكذلك في غسل الرأس يبدأ باليمين؛ لقول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله (٣)، فيغسل الأيمن قبل الأيسر. قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر) يعني: عندما ينتهي من الغسل يغسل القدمين في مكان آخر غير المكان الأول.

стр. 425

وهل هذا سنة مطلقة أو سنة عند الحاجة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه سنة مطلقة، ولو كان المحل نظيفًا كما يوجد الآن في حماماتنا. ولكن الذي يظهر لي أنه يغسل رجليه في مكان آخر عند الحاجة إلى ذلك، كما لو كانت الأرض طينًا، فهو إذا لم يغسل رجليه في مكان آخر تلوثت بالطين، ويدل لهذا أن النبي ﷺ لم يغسل رجليه في حديث عائشة بعد الغسل، ورواية: أنه غسل رجليه (٤) ضعيفة، والصواب: أنه غسل رجليه في حديث ميمونة، فالظاهر أن غسل الرجلين في مكان آخر إنما يشرع متى؟ طلبة: عند الحاجة. الشيخ: عند الحاجة إليه فقط ( ... ) قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر). طالب: (مكانًا) هذا؟ الشيخ: (مكانًا) ظرف مكان. طالب: ( ... ) الظرف ( ... ) هنا. الشيخ: في مكان. طالب: من الفعل؟ الشيخ: لا. الطالب: من لفظ الفعل؟ الشيخ: لا، ما هو بشرط. يقول: (والمجزئ: أن ينوي) إلى آخره، (المجزئ) يعني: الذي تبرأ به الذمة، والإجزاء معناه: سقوط الطلب بالفعل، هذا الإجزاء، فإذا قيل: أجزأت صلاته؛ أي: سقط طلبه بها؛ لفعله إياها، وكذلك نقول في بقية العبادات: إن الإجزاء هو سقوط الطلب بالفعل؛ يعني: إذا فعلت الشيء وسقط به الطلب، قيل: أجزأ، فإن لم يسقط به الطلب، قيل: لم يجزئ. فلو أن أحدًا صلى وهو محدث ناسيًا ثم ذكر بعد الصلاة، هل أجزأته صلاته؟ لا، لماذا؟ لأنه الآن مطالب بها، ففعله لم يسقط به الطلب، فلا تكون مجزئة، واضح؟ ولو أن رجلًا وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة ففرق بينها بدون عذر، هل تجزئه ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: لماذا؟ طالب: لأن الطلب ( ... ). الشيخ: لأن الطلب لم يسقط بصومه هذا؛ إذ إن الطلب أن يصوم متتابعًا، فالإجزاء إذن تعريفه: سقوط الطلب بالفعل؛ أي: بفعل الشيء، فإذا فعل الإنسان الشيء وسقط به الطلب قيل: إنه مجزئ، وإذا سقط الطلب برأت الذمة، وصار الإنسان غير مطالبًا به عند الله .
следующие страницы →