لا يختلف قوله هنا بعد ركعة في الفرض والنفل ولا بعد ثلاث في الفرض أنه يشفع لاتساع الوقت هنا. بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاة (١)؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، فلذلك اختلف قوله هناك في القطع أو الخروج عن شفع (٢).
وانظر قوله في المسألة (٣): إن كان قريباً رجع إلى صلاته إن كانت فريضة، ويقضي (٤) ما كان فيه، فهو بين أن الصلاة التي السجدتان منها إن كانت نافلة أنه لا يرجع إليها من هذه الفريضة، قربت أو بعدت المدة، لعلو قدر الفريضة واستحقاقها التمام على جبر النافلة، فلا يبطل الأعلى بالأدنى. وهذا ما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى.
وقوله (٥) فيمن نسي الجلوس من الركعتين حتى نهض عن الأرض قائماً واستقل عن الأرض: "فليتمادى (٦) قائماً"، فسر هذا الاستقلال ابنُ المنذر (٧) عنه وابن شعبان بمفارقة الأليتين (٨) الأرض. ونقله الشيوخ ولم يعترضوه وهذا لا يصح على مذهبه ولا يتأتى؛ لأنه لا يرجع قبل القيام على أليتيه للجلوس، وإنما يقوم معتمداً/ [ز ٣٤] كما يقوم من الأولى والثانية (٩)؛
стр. 492
لأنه إنما قام من سجود، ولو رجع هذا من سجوده على أليتيه ثم قام لحينه لكان قد تم جلوسه ولكان مجزئه (١) على من لم يشترط (٢) الطمأنينة، ولم يسجد هذا إلا لترك التشهد لا غير. وإنما يصح معنى استقلاله/ [خ ٦٢] عن الأرض بأعضاء السجود كلها من اليدين والركبتين، وكذا فسره الشيخ أبو محمَّد (٣).
مسألة (٤) من صلى نافلته (٥) ثلاثاً، قال مالك: يضيف إليها ركعة ويسجد قبل السلام. وقال ابن القاسم فيمن صلى نافلته (٦) خمساً سهواً (٧): "لم أسمع من مالك فيها شيئاً، ولا يصلي سادسة، ولكن يرجع فيجلس ويسلم ثم يسجد لسهوه"، كذا رواية الكافة. وفي بعض النسخ: ويسجد، وكذا في كتاب ابن المرابط عن أبي الوليد بن ميقل (٨)، وهذا معه نقص وزيادة. ومقتضى مذهبه قبل (٩) أن يسجد قبل السلام كما قال ابن القاسم بعد (١٠) هذا.
واختلف المفسرون والمتكلمون على الكتاب في هذا؛ فمنهم (١١) من حمله على اختلاف من قوله في سجود السهو لاجتماع الزيادة والنقص على ما له من القولين في "العتبية": أحدهما أن السجود لاجتماعهما قبل (١٢)،
стр. 493
وهو مشهور مذهبه ومعروفه. والآخر أن السجود لذلك بعد (١) كقول أهل العراق (٢)، وهي رواية زياد (٣) عنه أيضاً (٤). وعلى هذا كان التنبيه عليه في كتاب شيخنا أبي محمَّد بن عتاب. وإليه ذهب شيخنا أبو الوليد (٥). وقد نبه عليه ابن أبي زمنين.
وذهب بعضهم (٦) إلى أنه جواب على مذهب من يرى النافلة أربعاً، واحتج لتأويله هذا بقوله في الكتاب متصلاً بجوابه (٧): "لأن النافلة إنما هي أربع في قول بعض أهل العلم"، وقد أشار إليه ابن أبي زمنين أيضاً.
قال القاضي: ولست أرى هذا واضحاً؛ لأنه لا يفتي أحد على مذهب غيره، إنما (٨) يفتى على مذهبه أو على الاحتياط لمراعاة خلاف غيره عند عدم الترجيح أو فوات النازلة، وأما أن يترك مذهبه ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه فما (٩) لا يسوغ. ولو أفتى على قول المخالف في المسألة مجرداً لما ألزمه سجود سهو في الخامسة ولا رجوعاً في
стр. 494
السادسة؛ إذ قد قال الشافعي وغيره: يجوز له التنفل بما شاء من العدد شفعاً ووتراً، وإن كان يستحب له مثنى مثنى. وأما الاحتجاج بعد بقوله: لأن النافلة إنما هي أربع في قول بعض أهل العلم، فإنما هو عندي حجة لتفريقه بين المسألتين في الإتمام والرجوع. فجعله يتم أربعا إذا قام لثالثة، لأن من أهل العلم من يرى أن له ذلك اختياراً وإن كان مالك لا يراه، ولم ير له أن يتم ستاً إذا قام لخامسة؛ إذ لا يقول به من قال بالأربع ولا يستحسنه وان أجاز له فعله إذا وقع. هذا عندي معنى الاحتجاج، لا أنه جعله حجة للسجود.
قال بعضهم: بل الفرق بين المسألتين أن القائم إلى خامسة لم ينقص غير السلام فلم يراعه، وقد جلس في الثانية فمعه زيادة محضة. وفي المصلي الثالثة لم يجلس في الثانية فمعه نقص. وإلى هذا نحا إسماعيل القاضي (١) والقابسي (٢) وابن الكاتب (٣) وابن أبي زمنين.
وغير هذا القائل (٤) راعى السلام ورآه نقصا في المسألة، وإليه ذهب في "المختصر" وهو قول ابن أبي زيد (٥) وابن/ [خ ٦٣] شبلون (٦)، إذ حكم
стр. 495
النافلة عندنا مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين. واستدل بقوله بعد هذا عن مالك (١): "وكان يفرق بين/ [ز ٣٥] النافلة والفريضة؟ قال: نعم". وليس تفريق الفريضة من النافلة في مسألة القائم إلى (٢) الخامسة إلا في نقص السلام؛ لأنه (٣) في الفريضة معه زيادة محضة، ومعه في النافلة زيادة ونقص، وهو السلام من اثنتين. ولو كان النقص كما قال الآخر للجلوس لما افترقت الفريضة من النافلة. كذا كتبناه عن بعض شيوخنا. واعتراضُ من اعترض (٤) على هذا بأنه أيضاً يلزم أن يقال في الفريضة: إنه أسقط السلام من موضعه من الرابعة لا يلزم؛ لأنه ليس يلزم في الفريضة غير سلام واحد، وهو الذي يحلل به بعد ركعة السهو، وزيادة السهو كاللغو. وأما الأربعة في النافلة فيحتاج - على المذهبين - لسلامين، يفصل بين كل ركعتين، وتكبيرةٍ في ابتداء الثانية (٥)، فلما عقد بين (٦) الاثنتين الثالثة، ولم يمكنه الرجوع لإصلاحها لفواته بعقد الثالثة (٧) ولا تعين إبطالها لقول من رأى من العلماء أن النافلة أربع، وأن ما فعله يتعين أن يفعل اختيارا أمره بالتمادي لأربع لئلا يبطل عمله، واحتاط له بذلك لاختلاف العلماء في فعله، ثم رأى له حيطة على مذهبه أن يأتي بجبر ما أسقطه مما كان يلزمه فعله.
وحمل بعضهم جوابه في الكتاب على الوهم، وهو مذهب يحيى بن
стр. 496
عمر (١) فيها. وتابعه على ذلك من المتأخرين أبو محمَّد اللؤلؤي (٢)، وترجح (٣) ابن أبي زمنين بين هذه الوجوه، واحتملت عنده الاختلاف أو مذهب المخالف أو الوهم في اللفظ، قال أبو محمَّد اللوبي (٤): قوله (٥): "ويسلم ثم يسجد" صوابه: "ويسجد ثم يسلم". قال ابن أبي زمنين: (٦) "لا أدري وقع (٧) قوله هذا على غير تحصيل أم هو اختلاف من قوله، قال: وقد يحتمل أيضاً أن يكون إخبارا عن الذين يقولون: إن النافلة أربع" (٨).
قال القاضي: وقد تكلمنا على هذا كله. وكل هذا على الرواية المشهورة من قوله: ثم يسجد، وأما على رواية: ويسجد، فلا يحتاج إلى هذا؛ لأنه إنما أخبر أن عليه سجود السهو، ولم يقل لا قبل ولا بعد، ففسره ابن القاسم بعدُ، على معروف مذهبه أنه قبلُ، وإن كان ذكر السجود بعد السلام، فالواو لا تعطي رتبة عندهم.
وقوله (٩): "لا أعرف في التشهد بسم الله"، واختصره المختصرون: بسم الله الرحمن الرحيم (١٠) .......................................
стр. 497
ليس (١) هذا نص الكتاب (٢) ولا نص الحديث ولا قال به أحد من العلماء. ومعنى: لم يعرفه، أي لم يعرف العمل به، أو ليس هو من تشهد النبي ﵇ المأثور؛ إذ لم ترو التسمية فيه إلا من طريق ضعيف عن جابر، وإلا فقد عرفه في تشهد عبد الله بن عمر بن الخطاب ورواه في "الموطأ" (٣).
وبنص ما في الكتاب قال بعض الشافعية وروي عن علي (٤)، وهو: بسم الله التحيات لله.
وقوله (٥): "لَأن يجلس على الرَّضْف"، بفتح الراء وسكون الضاد (المعجمة) (٦)، وهي الحجارة المحمية بالنار (٧).
وأبو رجاء العُطاردي (٨)، بضم العين وفتح الطاء.
وذكر في الكتاب توسعة في صفة السلام في الرد على الإِمام (٩). وأما السلام الأول فمشهور مذهبنا أن لفظه متعين، وهو/ [خ ٦٤] السلام عليكم. لا يجزئ منه غيره. وهو ظاهر قوله في الكتاب الأول (١٠): "ولا يجزئ من السلام في الصلاة إلا السلام عليكم، ولا من الإحرام إلا الله أكبر"، ففي
стр. 498
ظاهر نصه بلفظه وقرانه (١) مع التكبير دليلان على ما قلناه. وقد نص القاضي/ [ز ٣٦] أبو محمَّد (٢) والشيخ أبو محمَّد (٣) أنه لا يجزئ تنكيره. وخالف ابن شبلون (٤) في ذلك وقال: يجزئ. وتأول من قال بذلك (٥) أن معنى قول مالك: لا يجزئ من السلام إلا السلام عليكم؛ أي لا يجزئ التحلل إلا بالسلام لا بغيره كما قال المخالف.
وأبو إسحاق السَبِيعي (٦)، بفتح السين المهملة وكسر الباء بواحدة وعين مهملة.
وأشْعَث (٧) عن نافع، بثاء مثلثة. وليس يوجد، بالباء بواحدة، في أحد من رواة العلم اسماً ولا كنية إلا في أشعب الطمع (٨).
وثعلبة بن أبي مالك القُرَظي (٩)، بضم القاف، منسوب إلى بني قريظة.
стр. 499
وثابت البُناني (١)، بضم الباء بواحدة وفتح النون وآخره نون أيضاً.
وجَرير بن حازم (٢)، بحاء مهملة، تقدم.
وواصِل الرَقاشي (٣)، بفتح الراء.
وقوله في سلام الإِمام والفذ، ظاهر "المدونة" أن سلامهما في الهيئة سواء، وسلام المأموم بخلاف (٤)؛ لأنه قال في الإِمام (٥): "قبالة وجهه، ويتيامن قليلاً". وقال في الرجل في خاصة نفسه (٦): يسلم "واحدة ويتيامن قليلاً"، ولم يقل: قبالة وجهه، وهو ظاهره. وقال في المأموم (٧): "يسلم عن يمينه ثم يرد على الإِمام". وكذلك وصف سلام مالك خلف الإِمام في "العتبية" (٨) و"المجموعة".
واختلف الشيوخ في معنى ذلك؛ فذهب بعضهم إلى هذا الظاهر، وحكي عن أبي محمَّد بن أبي زيد مثله (٩)، وإن كان الذي له في "رسالته (١٠) خلاف هذا، فإنه قال: وتسلم تسليمة واحدة عن يمينك، تقصد بها قبالة وجهك، وتتيامن برأسك قليلاً، هكذا يفعل الإِمام والفذ، وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلاً. فهو وإن لم يذكر قبالة وجهك (١١)
стр. 500
كما ذكر في الفذ والإمام فضمنه أنها (١) قبالة الوجه؛ لأنه لا يتيامن إلا من الاستقبال. وإلى استواء سلام الثلاثة ذهب أبو عبد الله بن سعدون (٢)، وإلى افتراق المأموم أشار عبد الحق (٣) والباجي (٤) وغيرهما، وهو ظاهر الكتاب، والله أعلم.
قوله (٥) في الذي ظن أن إمامه سلم فقام يقضي ما فاته فسلم عليه الإِمام وهو قائم أو راكع: يرفع رأسه بغير تكبير ويبتدئ القراءة من أولها ثم يتم صلاته. ولم يجعله يرجع إلى الجلوس.
ذهب بعض المتأخرين (٦) أنها كمسألة المسلم من ركعتين وسط صلاته ينتبه (٧) لسهوه، و [هو] (٨) قد قام، وأنه يدخلها من الخلاف في الرجوع إلى الجلوس ما في تلك، وأن جوابه هنا في هذه على قول ابن نافع في تلك، وأنه يلزمه على قول ابن القاسم في تلك أن يرجع إلى الجلوس هنا ليأتي بالنهضة التي تلزمه بعد سلام الإِمام.
стр. 501
وأبى ذلك المحققون (١) من شيوخنا وقالوا: بين المسألتين فرق، وإنما الاختلاف في المسألة الأولى للاختلاف في سلام السهو؛ هل يفصل ويؤثر أم لا على ما تقدم؟ وهذا فلم (٢) يخرج قط من صلاته ولا انفصل عنها، وقد فاته (٣) رجوعه إلى النهضة، إذ لا يرجع إليها إلا بزيادة انحطاط وعمل آخر في الصلاة، كما منع أن يرجع القائم من اثنتين للجلوس لهذه العلة. والذي سلم من اثنتين هو عند بعضهم (٤) في غير صلاة حتى يرجع/ [خ ٦٥] إلى صلاته بإحرامه. وعند من يقول (٥): إن سلامه غير مؤثر ولا يخرجه من صلاته لا يحتاج إلى إحرام ولا جلوس ولا شيء، وقد تقدم الكلام على هذا بأبين وأبسط.
وقوله (٦) في الإِمام إذا استخلف سكراناً أو مجنوناً فصلى بهم فسدت صلاتهم، معناه أنه صلى بالقوم/ [ز ٣٧] شيئاً من الصلاة. وأما نفس تقديمه إذا لم يقتدوا به ولم يعمل عملاً فلا تفسد الصلاة؛ إذ لا يلزم القوم تقديم الإِمام إلا بالتزامهم، وإنما جعل له التقديم لكونه في غير صلاة وهم في شغل من الصلاة عن ذلك، وبدليل قوله (٧): لو تقدم بهم رجل من قبل نفسه فصلى بهم أجزتهم، وكذلك إذا قدموا هم (٨) لأنفسهم، فإذا قدم والتزموا (٩) الإمامة بمقدمه (١٠) كان لهم إماماً وإلا فلا.
стр. 502
ولا فرق في هذا بين السكران وغيره، خلاف ما أشار إليه أبو محمَّد عبد الحق (١) وأبو القاسم بن محرز (٢)، فإنه بنفس التقديم يصير إماما إن كان ممن تصح إمامته. وفي الكلام تناقض؛ لأنه يجب أن تبطل صلاة المأمومين بنفس تقديمه وإن لم يعمل بهم عملاً على هذا. والصواب ما قدمناه فاعتمد عليه، فهو مذهب غيرهما من حذاق شيوخنا، وهو الحق وهو بين من قول سحنون (٣): إذا قدم الإِمام رجلاً فتقدم غيره وصلى بالناس أنه يجزئهم.
وقوله (٤): "وأبعد العوالي من المدينة على ثلاثة أميال"، العوالي: كل ما كان من المدينة من قرى وعمائر إلى جهة نجد. وكأنه هنا يريد معظم عمارتها, وإلا فأبعدها ثمانية أميال (٥).
وقوله (٦) في الأمير إذا صلى الجمعة بقرية لا تلزمهم الجمعة: "فإنما هي له ظهر ويعيدون هم صلاتهم، ولا يجزئهم ما صلوا معه، ويعيد الإِمام أيضاً". قال بعض الشيوخ: ظاهر هذا أنهم يبتدئون الظهر، ولا يبنون على ما صلوا معه كما يعيد هو. وقد روى أبو زيد (٧) عن ابن القاسم أنهم يأتون بركعتين وتجزئهم ظهرا (٨)، وكذا في "كتاب ابن مزين" (٩): ويجزئ الإِمام
стр. 503
والسَّفْر (١). وكذلك روى ابن نافع عن مالك في بعض نسخ "المدونة"، وهذا موافق لرواية ابن نافع في "المدونة" قبل هذا (٢): "تجزئ الإمام". وقد جاء بعد هذا في آخر باب الجمعة (٣) لمالك: "فلا جمعة له، ولا لمن جمع معه، وليعد أهل تلك القرية ومن حضرها معهم (٤) من (٥) ليس بمسافر الظهر أربعاً"، وهذا نص قوله في "الموطأ"، فانظر هل هذا مثل رواية ابن نافع [في] (٦) أنها تجزئ الإِمام؟ إذ لم يذكر الإعادة للسَّفَريين، فقد ذهب بعضهم إلى ذلك، ويكون قوله: لا جمعة له ولا لمن جمع معهم (٧)، معناه أن صلاته وصلاة المسافرين لا تكون جمعة، وتجزئ عن ظهر، وإنما يعيد (٨) الحضريون، ويكون خلاف رواية ابن نافع في غير (٩) الكتاب (١٠) في البناء على الركعتين، أو يكون موافقاً لرواية ابن القاسم ويكون اختصاصه للحضريين بإعادة أربع؛ إذ إنما يعيد غيرهم ركعتين.
قال أبو عمران: ويؤخذ من هذه المسألة [أنه] (١١) من جهر في صلاته عامداً أفسدها، وهي حجة ابن القاسم.
стр. 504
واختلف معنى قوله (١): إذا مر بقرية يجمع فيها أو بمدينة من عمله جمع بهم الجمعة وقولِه في الباب الثاني (٢): "ولا ينبغي له إن وافق الجمعة أن يصليها خلف عامله، ولكن يجمع بأهلها/ [خ ٦٦] ومن كان معهم (٣) من غيرهم"، هل هذا واجب عليه، وقد لزمته الجمعة، أم جائز مستحب له؟ فظاهر "المدونة" و"الموطأ" (٤) أنه ليس بواجب عليه، وأطلق بعض المتأخرين (٥) أنه وجب (٦) عليه ذلك. وعلل ذلك بأن واليها مستوطن فالجمعة واجبة عليه. وإذا كان ذلك وجبت على مستنيبه - وهو الإِمام الحاضر -. ورد غيره (٧) هذا من قوله.
وقوله (٨): "ليس على المسلمين جمعة في سفرهم ولا يوم نَفْرِهم"، بسكون الفاء، وهو اليوم الثاني من أيام منى؛ لأن الناس ينفرون منها متعجلين إلى مكة/ [ز ٣٨] بعد رمي الجمرة. وليس لقول من قال: يوم نفرهم لعدوهم وجه (٩)؛ لأنها حينئذ واجبة؛ وإن (١٠) كانوا بالحضر يصلي (١١) صلاة
стр. 505
خوف إن كان خوف، وإن كانوا مسافرين فلا يختص بسقوطها للسفر العدو (١) من غيره.
والفضل بْنِ دَلْهَم (٢)، بفتح الدال والهاء، هو (٣) الصحيح، وكذا رويناه. ورواية عبد الحق فيه بضم الدال والهاء.
وقوله ﵇ (٤): "آذيت وآنيت" (٥) ممدودي (٦) الهمزتين، قال الله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ (٧)(٨). ومعنى آنيت: أبطيت (٩) وتأخرت.
وأبو عبد الرحمن الحُبُلِي (١٠)، بضم الحاء المهملة وضم الباء بواحدة، رواية أكثر الشيوخ والفقهاء والنحاة (١١)، وأهل الإتقان يقولونه بضم
стр. 506
الحاء وفتح الباء وبسكونها أيضاً. قال سيبويه ذلك وغيره فيه، وأنه منسوب إلى بني الحبلي (١).
وجعفر بن بُرْقان (٢)، بضم الباء بواحدة.
وظَهْرَانَي خطبته (٣)، بفتح الظاء والنون، أي وسطها وأثناؤها، ويقال: ظَهري أيضاً (٤)، وأنكره بعضهم.
وجَمْع (٥)، بفتح الجيم: المزدلفة.
وقوله في إمام الفسطاط يصلي الجمعة بالعسكر، قال: أرى أن يصلوا في الجامع، وأرى الجمعة للمسجد الجامع والإمام قد تركها في موضعه (٦)، كذا لابن وضاح، وهي رواية شيخنا أبي محمَّد بن عتاب والقاضي أبي عبد الله (٧)، وعند غيرهما لابن باز: "أرى ألا يصلوا إلا بالجامع (٨) ". قال أحمد بن خالد: رواية ابن وضاح أحب إلي. قال القاضي: وهذا اختلاف في جواز الصلاة بموضعين في مصر واحد (٩). وليس العسكر ها هنا الجيش، وإنما هو موضع بطرف الفسطاط فيه جامع يصلي فيه الإِمام على نحو ميلين
стр. 507
من جامع الفسطاط الذي بموسطيه (١) المسمى بجامع عمرو (٢). وقد جاء مفسرا عن مالك من رواية ابن وهب وابن أبي أويس (٣) ما ينصر رواية ابن وضاح أنه سئل عمن يصلي بالجامع ويترك الصلاة مع الإِمام في العسكر، وذلك أن ابن وهب قال له: إن بعض من عندنا شك في ذلك، أي أن (٤) موضع الأمر (٥) أوجب، فقال له مالك: صلاتكم جائزة، يعني في الجامع، ولم يبطل صلاة الآخر ولا رجحها، ورجح صلاة أهل الجامع في "المدونة" لكونه أقدم. وعلى ظاهر رواية (غير) (٦) ابن وضاح تأول ابن المنذر قول مالك وأنه لا تجزئ الجمعة إلا لمن جمع في العصر. وظاهر تأويله أنه حمل العسكر على غير ما ذكرناه؛ لأنه قال: فنزل طرف البلد.
وقوله (٧) في الإِمام يؤخر الجمعة قال (٨): يصلي بهم ما لم تغب الشمس وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب. هذا بين في أن النهار كله إلى آخره وقتها، وكذا رواية ابن عتاب، وهو مثل قول مطرف (٩) عنه نصًّا/ [خ ٦٧]. وفي رواية غير ابن عتاب: وإن لم يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب (١٠)، وكذا في أصل ابن المرابط. وهذه الرواية أصح وأشبه برواية ابن القاسم عن مالك. وقيل أيضاً: إن آخر وقتها ما لم يدخل
стр. 508
وقت (١) العصر، وهو قول الأبهري (٢). وذكر ابن عبدوس (٣) أنه قول ابن القاسم في تأخير الإِمام ومجيئه من ذلك بما يستنكر. وقيل: حتى تبقى أربع ركعات للعصر. وهذا القول لابن القاسم أيضاً، وقاله سحنون (٤). وقيل: ما لم تصفر الشمس، وهو قول أصبغ (٥). وقد قيل: إن سحنون أصلح مسألة الكتاب.
وظاهر "المدونة" (٦) وجوب خطبة الجمعة لقوله: "لا تجمع الجمعة إلا الجماعة والإمام بالخطبة (٧) "، وهو مشهور المذهب خلافاً لعبد الملك في قوله (٨): سنة تجزئ الجمعة دونها.
وظاهر الكتاب أيضاً اشتراط الطهارة فيها لقوله (٩): إذا أحدث فيها أنه يستخلف من يتمها ويصلي، ولم يجعله يتمها بغير/ [ز ٣٩] طهارة وكما (١٠)
стр. 509
قال في خطبة العيد (١) والاستسقاء (٢). وقد يعرض (٣) على هذا أنه إنما أمره بالاستخلاف ليخرج للطهارة لئلا تفوته إذا استخلف بعد تمامها، وهذا لا يلزم؛ إذ لا يلزمه لو أحدث بعد تمامها الاستخلاف، بل يتطهر ويصلي بهم، إذ ليس مقدار طهارته مما يوجب إعادة الخطبة له. والبغداديون يقولون (٤): إن الطهارة لها سنة.
وظاهر "المدونة" أنها لا تصح إلا بحضور الجماعة. وإلى هذا ذهب القاضي الباجي لقوله (٥): "ولا تجمع (الجمعة) (٦) إلا بالجماعة والإمامُ يخطب"، قال: "وهذا نص منه"، وهو ظاهر، كذا (٧) على روايته هذه. والذي في كتب شيوخنا وسائر الأصول - وعليه اختصر المختصرون -: إلا بالجماعة والإمام بالخطبة. وقال البغداديون (٨): لم نجد فيها نصا لمتقدم (٩) من المذهب.
والذي يجري على المذهب أنها لا تجزئ. ونازع بعض المتأخرين (١٠) في تأويل الباجي على "المدونة" هذا؛ إذ لا (١١) تقتضي الرواية المشهورة ما
стр. 510
قاله، لكنه على روايته يظهر (١).
وظاهر "المدونة" (٢) اشتراط المسجد لها، وذلك قوله: "لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد الجامع، وهو قول عامة أئمتنا، وإنما اختلفوا؛ هل المسجد فيها شرط في الوجوب والصحة أو في الصحة فقط؟ لأنه متى كانوا جماعة ممن تلزمهم الجمعة لو كان لهم جامع على من اشترطه في الوجوب فلم يكن لهم جامع لكان فرضاً على مثلهم إقامة مسجد لجماعتهم؛ إذ إقامة الجماعة على الجملة (٣) فرض وإن كانت في نفسها سنة على الآحاد، ولكن إحياء السنن الظاهرة كالجماعات والأذان فرض، حتى لو تمالأ على (ترك) (٤) ذلك أهل موضع لجوهدوا، فإذا كان ذلك فرضاً عليهم ففي ضمن هذا وجوب الجمعة عليهم؛ إذ لا يعدمون مكاناً من الأرض يتخذونه مسجداً إلا على من رأى أنها لا تصح إلا فيما بني على هيئة الجوامع، وهو مذهب القاضي الباجي (٥)، وخالفه في ذلك غيره.
وذكر القزويني عن أبي بكر الصالحي - وهو أبو بكر الأبهري - خلاف هذا، وتأول على "المدونة" إذ لم يذكر المسجد في صفة القرية التي تجب على أهلها الجمعة وتصح منهم أنه لا يشترط، وأنكر ذلك الباجي (٦) وزعم أنهما مجهولان لا يوثق بعلمهما وتأويلهما، وقد خفي عليه أن أبا بكر الصالحي هذا هو أبو بكر بن صالح الأبهري، شيخ القزويني وإمام تلك الطبقة المشهور/ [خ ٦٨] تقدمه، وأن القزويني مكانه من الإمامة في مذهبنا والتقدم في أعلام أهل العراق مكانه (٧).
стр. 511
وقد ذكر أبو القاسم بن محرز مسألة لأصحابنا موافقة لما أشار إليه القزويني وتأوله الصالحي، وهي لو اجتمع جماعة أسارى في بلد العدو، بمثلهم تجب الجمعة - وقد خلى (١) العدو بينهم وبين شرائعهم - أنهم يقيمون الجمعة والعيدين، كانوا في سجن أو خلي عنهم، فهذا (٢) لا مسجد لهم ولا وجود له ولا يقدرون على إقامته، وقد ذكر أنهم سواء كانوا في سجن أو غيره (٣)، فالمسجد هنا غير شرط في الوجوب ولا في الصحة. وهذه أبعد من تأويل الصالحي وضد لمذهب القاضي الباجي؛ إذ يشترط أنها لا تقام إلا في الجامع المخصوص لها. وقد قال شيخنا القاضي أبو الوليد (٤): "إنه لا يصح أن يقول أحد في المسجد إنه ليس من شرائط الصحة، إذ لا خلاف في أنه لا يصح أن تقام الجمعة في غير مسجد".
وقوله في الحديث (٥): "إذا قعد الإمام على المنبر/ [ز ٤٠] فاستقبلوه بوجوهكم" (٦)، ذكر القعود هنا على المنبر مجاز، وكذا جاء
стр. 512
بعد في الآثار عن عمر بن عبد العزيز وغيره (١). قال مالك (٢): إنما ذلك إذا قام يخطب.
ذهب أبو عمران إلى أن القعود هنا بمعنى القيام، واحتج بما لا حجة فيه، ولا يعرف القعود بمعنى القيام في لغة ولا عرف. ولأهل الكوفة هذه الآثار (٣) لمنعهم ذلك (٤) منذ (٥) خروج الإِمام، لكن وجهُ الحديث: إذا قعد وأخذ في الخطبة. أو يكون استقباله لأول قعوده مستحب (٦) استعداداً لقيامه وواجب (٧) عنده.
وقوله (٨) في أهل الخصوص: "يجمعون"، معناه أنهم مقيمون، وإنما هي بيوت لم تبن كما بنيت الأمصار ودورها, ولو كانوا أهل عمود (٩) أو
стр. 513
انتقال (١) لما جمعوا كما قال في "المستخرجة" (٢).
وقوله في صلاة الخوف (٣): "وحديث القاسم أن تفعل الأخرى ما فعلت تلك الطائفة الأولى, لأنه إنما اختلف قول مالك"، ومر (٤) في الكلام (٥) على ما ذكره في سلام الإِمام (٦). كذا روايتي، وعند أحمد بن خالد - ولم أروه -: "وحديث القاسم أن تفعل الطائفة الأولى كما فعلت تلك في الأولى" (٧)، ويوهم أنه وهم، وليس بخلاف إلا في اللفظ، ومعناه: أن تصلي هذه الطائفة الآخرة الأولى من ركعتها (٨) وراء الإِمام كما فعلت الأولى سواء.
وقوله في المسألة (٩): وإذا كان الإِمام مسافراً والقوم أهل حضر "لا أرى أن يصلي بهم الإِمام صلاة الخوف, لأنه وحده"، ثم قال (١٠): فإن جهل وصلى (١١)، وذكر المسألة. وذكر بعد هذا (١٢): إذا كان القوم أهل حضر ومسافرون (١٣) فصلى بهم، ولم يقل ها هنا: إن جهل، كما قال في
стр. 514
تلك، ولا قال: يصلي بهم ابتداء. لكن متى كان الإِمام وحده كما قال فقد منع ذلك؛ لأنه يخلط عليهم صلاتهم ويغيرها عن صورتها وهيئتها في الأمن وفي الخوف. قال اللخمي: وكذلك لو كان معه الاثنان (١) والثلاثة (٢)، فأما إذا كانوا جماعة من هؤلاء وجماعة من هؤلاء، فالأولى في أصل المسألة أن تصلي كل طائفة بإمام منها، قال ابن حبيب (٣): اتفقت بذلك الرواية (٤) عن مالك، ولا يؤم مسافر بمقيم ولا مقيم بمسافر في المساجد الجامعة (٥) إلا حيث الأئمة - يعني الأمراء - فإنهم يصلون بصلاته فيتم المقيمون إن كان مسافرا، ويتم معه المسافرون إن كان مقيماً.
وانظر مسألة الخوف ها هنا إذا اجتمعوا، فقد حصل فيها هذا الوجه/ [خ ٦٩] بحضور الإِمام، والمسجد ها هنا غير معتبر إلا أن يكون قريباً من مصاف العدو. ووجه آخر أنه لو (٦) لم يكن الإِمام هنا (٧) الأمير فصلاة الخوف مشروعة لئلا تفترق الأئمة وتتشعب الكلمة وليجتمع على إمام واحد، ولا سيما في ذلك الموطن وحيث يحض على الائتلاف وينهى عن الخلاف والمنازعة وتخشى الفرقة ومغبة شتات الرأي والكلمة، فلو جعلناها بإمامين؛ للمقيمين إمام وللسفر إمام لسقط معنى صلاة الخوف ولم تصح صلاتهما إلا على صلاة الأمن, وتصبر كل طائفة حتى تصلي الأخرى بإمامها صلاة غير خوف، وبهيئة صلاة الأمن من حضر أو سفر، فكان الائتمام ها هنا (٨) .................................................
стр. 515
بالمسافر للطائفتين أولى (١).
وأما ائتمام المسافر بالمقيم فمعروف المذهب المنع منه ابتداء (٢)، وأن صلاة المسافر لا تجزئه (٣)، وهذا على القول: إن فرضه القصر (٤)، وقد أشار بعض المتأخرين (٥) إلى أنه لا يبعد إجزاؤها كالعبد والمرأة/ [ز ٤١] إذا صليا مع الناس الجمعة، وفرضهما في الأصل أربع. وقد رد الأبهري (٦) هذا بأن الخطاب بالجمعة كان يتناول العبد والمرأة لكنهما عذرا لعورة المرأة ومِلك العبد، فإذا انجلى العذر واحتملاه أجزت كسائر ذوي الأعذار. وأما على القول: إن القصر سنة (٧) فيمنع أيضاً ابتداء عند الأكثر. ولم يختلفوا في إجزاء ذلك إذا وقع في المساجد العظام، واختلفوا في غيرها بحسب ترجيح فضل سنة القصر على فضل سنة الجماعة أو ترجيح هذه عليها.
ويزيد بن رُومان (٨)، بضم الراء وتخفيف الميم.
وصالح بن خَوَّات (٩)، بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو وآخره تاء باثنتين فوقها.
стр. 516
ووجاه العدو (١)، بضم الواو وكسرها معاً وآخره هاء، أي مقابله.
والكسوف والخسوف، قيل (٢): هما بمعنى، ويقالا (٣) في الشمس والقمر، وهو ذهاب ضوئهما واسوداد جرمهما. وقيل (٤): لا يقال في القمر إلا بالكاف (٥)، والشمس إلا (٦) بالخاء. وذكر عن عروة بن الزبير مثله (٧)، والقرآن يرد على قائله (٨). وقيل ضد هذا (٩). وقيل (١٠): الكسوف (تغيير (١١) لونهما، والخسوف مغيبهما في السواد، وحكي عن الليث بن سعد (١٢) الخسوف في الكل، والكسوف) (١٣) في البعض. وقد جاءت الكلمتان فيهما (١٤) معاً في صحيح الحديث (١٥). وقال ابن دريد: خسف القمر
стр. 517
وانكسفت الشمس (١). وقال غيره: خسفت الشمس وخسف القمر - بالفتح فيهما - كما جاء في القرآن، وقد جاء خُسف، بالضم على ما لم يسم فاعله. وقال بعضهم (٢): لا يقال انكسفت الشمس أصلاً، إنما يقال كَسفت، فهي كاسفة، وكُسفت، فهي مكسوفة، وكسفها الله (٣). وقد جاءت الأحاديث الصحاح فيهما بجميع هذه الألفاظ، فدل على صحة جميعها لغة ومعنى. وأصل الكسوف التغير (٤)، وأصل الخسوف المغيب، ومنه قولهم: خسفت البئر، وخسف (٥) به الأرض. وعلى هذا يأتي تفريق الليث بين المعنيين.
وعَباد بن تميم المازِني (٦). وعبد الله بن زيد المازني (٧)، كلاهما بالزاي والنون، من بني مازن.
وابن حُجَيرة (٨)، بضم الحاء المهملة وفتح الجيم والراء، مصغر.
وكَثير بن عبد الله المُزَني (٩)، بالثاء المثلثة بعد الكاف، ونسبه بضم
стр. 518
الميم وفتح الزاي وآخره نون.
وجَرير بن عبد الله البَجَلي (١)، بفتح الجيم في اسمه ونسبه.
والجُمَحي (٢) بضم الجيم.
وقوله في الحديث (٣): "رأيناك تكعكعت" (٤)، بفتح الكافين وسكون العينين المهملتين، ومعناه: نكصت ورجعت إلى خلف وجبنت عن الإقدام (٥).
وقوله (٦): "قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير" (٧)، كذا روايتي فيه في "المدونة". وعند بعضهم قال: ويكفرن/ [خ ٧٠]. واختلفت فيه روايات شيوخي في "الموطأ" بالوجهين (٨). وخطأ أكثرهم إثبات الواو (٩) , لأنه يثبت الكفر عليهن بالله وفيهن مسلمات. وظهر لي أن إثباتها هو الصواب، وذلك أن النساء إنما كثرن في النار وكانوا (١٠) أكثر أهلها باجتماع الكفرين فيهن، ................................................................
стр. 519
فساووا (١) الربح فيها الكوافر بالله، وزاد فيهن الكوافر للعشير (٢) والإحسان, وهو بين (٣).
والعشير هنا: الزوج، سمي بذلك لمعاشرته وصحبته (٤) إياها، والعشير المخالط، مأخوذ من العشرة، وهي الصحبة والخلطة.
وقوله (٥) في مدرك جلوس الإِمام في العيدين (٦): "إذا أحرم جلس، فإذا قضى الإِمام صلاته قام فكبر ما بقي عليه من التكبير"، ظاهره أنه يكبر ستاً/ [ز ٤٢] ويعتد بتكبيرة الإحرام. وقد اختلف قول ابن القاسم في ذلك في "المستخرجة" فقال: يكبر سبعاً (٧)، وقال أيضاً: ستاً (٨). وكذلك اختلفت الرواية عنه في "المدونة" في كتاب الحج فقال فيه (٩): إذا فرغ - يعني الإِمام - صلى - يعني المأموم - وكبر سبعاً وخمساً، كذا عند ابن وضاح. وعند غيره (١٠): كبر ستاً وخمساً، وهذا وفاق لما هنا. ولم يجعله لأول دخوله يكبر سبعاً قبل أن يجلس، وقد جعله يكبر سبعاً إذا وجده يقرأ في الأولى، وخمساً إن كان في الثانية، كذا قال ابن القاسم في "العتبية" (١١) وجماعة أصحاب مالك، وكلاهما قضاء لها ......................................
стр. 520
في حين ائتمامه (١) بالإمام, لأن حكم الداخل أن يبادر بعد التحريم إلى صورة حال الإِمام ولا يتأتى (٢) لشيء، ولأن في وقوفه للتكبير مخالفة الإِمام في القول والفعل؛ ومخالفة الفعل ظاهرة، وقد نهى ﵇ عن مخالفة الأئمة (٣). ومخالفته في التكبير إذا وجده يقرأ مخالفة في القول غير ظاهرة فاستخفت، ولمراعاتها ما منع من ذلك ابن وهب (٤) وعبد الملك في كتاب ابن حبيب وقالا: يكبر واحدة.
وانظر قوله (٥): "ويقضي كما صلى الإِمام بالتكبير [أحب إلي] (٦) "، إشارة إلى قول عبد الملك: إنه لا يقضي (٧) التكبير (٨)، واحتسب عليه بتكبيرة دخوله ولم يحتسبها في مدرك الجلوس من الفريضة وجعله يقوم بتكبير؛ لأنه مفتتح هناك للصلاة غير محتسب بشيء مما أدرك، فرأى أن يكون كمبتدئها، وهذا عنده إذا قام بتكبير غير الأول قام مقامه. وفي كتاب الحج (٩) فيمن أدرك ركعة كيف يقضي التكبير؟ قال: على ما فاته، كذا لابن وضاح. ولغيره (١٠): يقضي سبعاً كما فاته. وفي "سماع عيسى" (١١) في المسألة: يكبر خمساً، يعني لتكبير الثانية حين دخوله وراء الإِمام غير تكبيرته للإحرام.
стр. 521
وقوله: "لم يبلغني أن أحداً من أصحاب النبي ﵇ (١) كان يسبح يوم الفطر والأضحى قبل الصلاة ولا بعدها"، معناه: يتنفل سبحة الضحى. ويكون: يسبح بمعنى يتنفل ويصلي، يريد في المصلى، وهو المعروف من مذهبنا. وفي كتاب ابن شعبان (٢) و"مختصر" ابن عبد الحكم لابن وهب (٣) إجازته بعد الصلاة فيها، وهو مذهب أبي حنيفة (٤) والثوري (٥) والأوزاعي (٦) وجماعة غيرهم. والخلاف عندنا في ذلك إذا صليت العيد في المسجد على هذين القولين. والثالث ما في "الكتاب" (٧) فيها جوازه قبل وبعد. وأجاز ذلك ابن إدريس (٨) في المصلى قبل وبعد لغير الإِمام (٩)، قال: وإنما يكره للإمام. وأما بعد الرجوع إلى المنزل فلا أعلم في ذلك مانعاً له، إلا أنه قد حكى ابن حبيب عن قوم أنها سبحة ذلك اليوم يقتصر عليها إلى الزوال، / [خ ٧١] واستحبه ابن حبيب (١٠)، وأن إسحاق (١١) قال: يركع أربعاً إذا رجع إلى منزله.
стр. 522
وقوله (١) في ناسي تكبير العيد: إذا ركع مضى ولم يرجع إلى التكبير، يريد وإن لم يرفع رأسه, لأنها ليست من أركان الصلاة، وقد أخذ في ركن فلا يفسده ويشتغل عنه بغير ركن.
وقوله (٢): "إنا نكون في بعض السواحل فيصلي لنا إمامنا صلاة العيد بخطبة"، إلى آخر المسألة، قال (٣): "لا أرى بذلك بأسا"، كذا كان في الأصل. وأنكر ابن وضاح لفظة "بخطبة"، وأسقطها (٤) وقال: هم أهل رباط يصلون في مساجدهم، وأهل المصر يخطبون وليس يخطب هؤلاء (٥).
والذي يظهر من هذه المسألة أن من لا تلزمه الجمعة له أن يصلي العيد بخطبة وإن لم تلزمه (٦) كما نص عليه في "العتبية" (٧)، وقد قال ذلك في أهل القرى في "المدونة" (٨). وتلك المسألة/ [ز ٤٣] محتملة أن تكون صغار القرى التي لا جمعة فيها، وهو ظاهرها. وعليه حمل المسألة غير واحد (٩)، فإن كان هذا فمذهب الكتاب من هذه أنه تلزم القرية التي فيها جماعة وإن لم تلزمهم الجمعة كما نص عليه في "المجموعة" (١٠) خلاف المسألة الأولى وخلاف ما له في "العتبية" (١١) وما في ................
стр. 523
رواية ابن نافع (١) وغيره عنه، فيخرج من الكتاب القولان.
ويحتمل أنما ذكر القرى هنا وإن كانوا ممن تلزمهم الجمعة لأنه لا أمير لهم، فقال: إن العيد يلزمهم وإن لم يكن لهم أمير كما تلزمهم الجمعة لئلا يظن ظان أنه لا يقيم ذلك إلا الأئمة. ألا تراه [كيف] (٢) قال (٣): يصلون كما يصلي الإِمام ويقوم إمامهم فيخطب بهم، خلاف ما في كتاب ابن شعبان (٤) أن من أمر الناس أنه لا يصلي العيدين أهل القرى الذين ليس عليهم أئمة، فإن صلوا فلا بأس.
ومذهبه في الكتاب أن لكل من شاء (أن) (٥) يصليها صلاها ممن لا تلزمه عنده من النساء والعبيد، وأنه لا يصليها من صلاها منهم جماعة كما نص عليه في النساء (٦) خلاف ما في كتاب ابن حبيب (٧) من لزومها لهؤلاء.
وانظر ما ذكره أبو الحسن اللخمي عنه ونقله من مقالات مالك وأصحابه فيمن تلزمه صلاة العيدين ومن يصليها من غير أهل الأمصار، وأنه خرج من مجموع ذلك ثلاثة أقوال: المنع للجميع، والإباحة للجميع. والإباحة جماعة والمنع أفذاذاً (٨). وهذا الوجه لا يكاد يوجد ولا يتوجه من تلك الأقوال، بل المتوجه ضده. وهو الذي في "المدونة" من الإباحة أفذاذاً والمنع جماعة كما قال في النساء (٩): "ولا يؤمهن أحد". ولا (١٠) أُراه إلا
стр. 524
وهماً وتغييراً من النقلة عنه وقلباً للكلام بدليل قوله (١) - لما حكى رواية ابن شعبان و"المبسوط" (٢) -: "فمنع في هذين القولين أن يتطوعوا بها جماعة" وإن كان المازري (٣) قد حكى عنه نص ما ذكرناه قبل (٤).
وقوله: بِجَمْع، بفتح الجيم، هي المزدلفة، وقد تقدم، وسميت جمعا، قيل: لجمع العشاءين بها، وقد يحتمل أنها سميت بذلك لاجتماع الناس بها ومبيتهم بها (٥).
وقوله (٦): يسبح، أي يتنفل، وقد تقدم معناه.
وأيام التشريق (٧) هي يوم النحر وثلاثة بعده، سميت بذلك بصلاة (٨) التشريق، وهي صلاة العيد لكونها عند شروق الشمس (٩)، وسميت سائر الأيام باسم أولها كما قيل: أيام العيد (١٠). وقد روي عنه ﵇ أنه
стр. 525
قال: "من ذبح قبل التشريق أعاد (١) " (٢). (وقيل: لأنهم كانوا لا يذبحون فيها إلا بعد شروق الشمس، وهو قول ابن القاسم (٣): إن الضحية لا تذبح في اليوم الأول ولا في الثاني حتى تحل الصلاة)، / [خ ٧٢] وخالفه أصبغ في غير اليوم الأول. وقيل (٤): سميت بذلك لأن الناس يشرقون فيها لحوم ضحاياهم، أي ينشرونها لئلا تتغير (٥). وقيل: لأن الناس يبرزون فيها إلى لمشرق (٦) وهو المكان الذي يقيم الناس فيه بمنى تلك الأيام (٧). وكذا يأتي لأصحابنا وغيرهم أنها الأربعة أيام (٨). وقال مالك في "الموطأ" (٩) وغيره: "أيام التشريق هي الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهو الأكثر، ومثله لابن عباس. وذكر البخاري: "كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق" (١٠).
وقوله (١١): "ولم يحد مالك فيه - يعني التكبير - حدًّا، وبلغني عنه أنه يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر". ثم ذكر سحنون بعد هذا عن علي بن
стр. 526
زياد عن مالك (١): الأمر عندنا أن التكبير في ذلك ثلاث (٢) دبر كل صلاة مكتوبة،/ [ز ٤٤] ورواية علي عن مالك هي (٣) مثل رواية ابن القاسم، قال: ولم يحد فيه مالك. قلنا (٤): ونحن نستحبه (٥)، ولو زاد أحد فيه أو نقص لم أر به بأساً" (٦). فبان أن ذكر ثلاث (٧) من قول علي لا عن مالك.
وقوله (٨): أذان المؤذن يوم عرفة إذا خطب الإِمام وفرغ من خطبته قعد على المنبر فأذن المؤذن"، كذا هنا. وقال في الحج الأول (٩): "إنه واسع، إن شاء أذن والإمام يخطب، وان شاء بعد أن يفرغ من خطبته". وفي كتاب ابن حبيب (١٠): إذا جلس بين الخطبتين (١١).
стр. 527
كتاب الجنائز
يقال: الجنازة - بفتح الجيم وكسرها معاً - الميت (١). وقيل (٢): الميت بالفتح، والسرير الذي يحمل عليه بالكسر.
قوله فيما يقال على الميت من الدعاء (٣): "وما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط"، خرج بعض المتأخرين (٤) أن مذهب مالك في الكتاب هنا ألا يخلط مع الدعاء غيره، وأن قوله في حديث أبي هريرة (٥): "هذا أحسن ما سمعت في الدعاء على الجنازة" خلاف، إذ في حديث أبي هريرة حمد الله والصلاة على نبيه.
стр. 528
والأمر عندي خلاف ما تخيله (١)، ألا تراه كيف قال في حديث أبي هريرة: "هذا أحسن ما سمعت في الدعاء"، فإن كان أراد ما ذكر في الحديث من الدعاء للجنازة كما قال - وهو ظاهر لفظه - فليس فيه خلاف لما تقدم، وإن كان أراد ما ذكر في الحديث كله من حمد وثناء وصلاة فقد سمى جميعه دعاء، مع أنه في أول المسألة إنما سأله (٢): "هل وقت لكم مالك فيه دعاء على النبي ﵇ وعلى المؤمنين؟ " (٣)، أي حد في ذلك دعاء وعينه دون غيره، فقال: "ما علمت أنه قال إلا الدعاء"، فنفى (٤) أن يكون وقت شيئاً غير الدعاء، والذي وقت من الدعاء ما استحسنه من حديث أبي هريرة، وغيرُ ذلك من ثناء وغيرِه غيرُ مؤقت، يقول من ذلك ما تيسر عليه كما جاء في حديث أبي هريرة غير مؤقت، وترجح عنده حديث أبي هريرة للاقتداء به. ولفظة التوقيت هنا مجازية.
وقوله (٥): "فقام وسْطَها"، بسكون السين قيدناه عن بعض شيوخنا (٦)، قال أبو علي الجياني: كذا رده علي القاضي أبو بكر بن صاحب الأحباس (٧). وقال ابن دريد (٨): وسْط الدار ووسَطها سواء.
стр. 529
وفَضَالة بن عُبيد (١)، بفتح الفاء وضم العين.
وواثِلة (٢)، بثاء مثلثة. وابن الأسْقَع بالسين.
وجُبَير بن نُفَير (٣)، بضم الجيم وفتح الباء، وضم النون وفتح الفاء.
وقوله (٤): "واغسله بماء وثلج وبرَد"، بفتح الراء. ورواه بعضهم بإسكان الراء، والفتح الصواب. والمراد بهذا المبالغة في الدعاء لمغفرة الذنوب، / [خ ٧٣] لأن ما غسل بالماء الصافي الزلال وكرر غسله بولغ في تنظيفه.
وقوله (٥): "وأدخله داراً خيراً من داره، وخيراً من أهله"، كذا أكثر الروايات. وعند ابن عتاب وفي كتاب أبي عبد الله بن المرابط: أبدله. (وفي كتاب الباجي: له) (٦) مكان أدخله.
وقوله (٧) في حديث أبي هريرة: "اتْبَعْهَا من أهلها"، كذا هو عند ابن عتاب على الأمر، بسكون العين، وكذلك بعده: ثم قل - ونَصَبَ ضميرات المخاطب في الأفعال المذكورة أول الحديث -. في رواية (٨) ابن عيسى/ [ز ٤٥] عن ابن المرابط: أَتْبَعُها، بضم العين على الخبر، ثم أقول - ورفع سائر الضميرات - (٩).
стр. 530
ومعنى أسلافنا (١): آباؤنا الماضون وأفراطنا المتقدمون في الوفاة قبلنا ومن سبقنا من المؤمنين.
وقوله (٢): "اللهم ثبت عند المسألة منطقه"، كذا في أكثر النسخ. وعند ابن عتاب: عبدك في المسألة.
وربيعة بن عبد الله بن الهُدَير (٣)، بضم الهاء وفتح الدال المهملة.
وعَبيدة بن نَسطاس (٤)، كذا وقع في "الأم" بفتح العين وآخره تاء، وهي الرواية عن سحنون، وإنما ذكره البخاري في باب عُبيد (٥) بضم العين وآخره دال. ولم أر أحداً من أصحاب المؤتلف ذكره في باب عُبيدة ولا باب عَبيدة.
وضبطنا في "المدونة" اسم أبيه نَسطاس بفتح النون، ويقال بكسرها وبالسين المهملة.
والحارث بن نَبهان (٦)، بفتح النون، تقدم.
والبَقيع (٧)، بالباء بواحدة: موضع الجنائز بالمدينة، وأصله القطعة من الأرض، وهو كل موضع فيه ضروب من الشجر. وسمي بقيعَ الغرقد لشجرات غرقد كانت فيه (٨)، وهي العوسج.