إلى أن قال:
دُمْ يا وليَّ العَهْدِ في شَرَفِ العُلا ... في ظِلِّ مَنْ رَفَعَ الإِلهُ مَقامَهُ
دامَتْ مآثِرُكُمْ وَخَلَّدَ مُلْكَكُمْ ... رَبُّ الوَرَى وأمَنَهُ وأدامَهُ
أمَّا نَحْنُ فإنَّنا على يقينٍ من أنَّ استعمالَ أنواعِ المُحَسِّناتِ المعنوية واللغوية في هذه القصيدة، ونَحْتِ معنىً بقولِ:
فَسَرى نَسِيمُ العَدْلِ في أَنحائِهِ ... كالرَّوحِ دَبَّ مُشابِكًا أجرامَهُ
ليس من السَّهْلِ على قائلٍ قولُهُ، وأين ذلك من مستوى زَيْدٍ المستفيدِ من نسبتها إليه!!، واللهُ وحدهُ المُطلع على الحقيقة في ذلك.
стр. 37
ومَجلسٌ في بيت سماحة الشَّيخ عبد اللَّه الزَّاحم
أخبرني العلامة الشَّيخ محمَّد عبد الله بن محمَّد بن آدُّه الجكني ثم من بني رمضان ﵀ أن رئيس القضاء الشرعي بالمدينة المنورة: سماحة الشَّيخ عبد الله الزَّاحم -عليه رحمةُ الله- أوصاهُ في الستِّينيَّات من التاريخ الهجري أنْ يُعْلِمَهُ بأيِّ قادمٍ من علماءِ القطر الشنقيطي يقدم لهذه البلاد المقدسة، وقال: إن جلالة الملك عبد العزيز -عليه رحمةُ الله- أوصاهُ بهذا كذلك؛ فلقا قَدِمَ الشَّيخُ محمَّد الأمين في ١٣٦٨ هـ قال أخبرتهُ أنهُ قَدِمَ في هذا الموسم علّامَةٌ لا مثيلَ له.
فقال له الزَّاحمُ: أخْبِرْهُ أنكم مدعُوُّونَ لتناولِ الطعامِ بمنزلنا وقت كذا.
قال: فأجابَ الشَّيخُ محمَّد الأمين الدعوة، وفي ذلك المجلس سأل سماحتُهُ شيخَنا قائلًا: ما تسمعون عَنَّا؟
فقالَ: منهم المثْنى عليكم، ومنهم القادح.
قال الشَّيخُ عبد اللَّه الزَّاحم: حقيقةُ أمرِنا أننا في الفروع الفقهية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ما لم يخالفهُ الدَّليل، وفي
стр. 38
العقائدِ نثبت للَّه تعالى من الصِّفاتِ ما أثبتَ لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له نبيُّهُ ﷺ في سُنَّته الصحيحة إثباتًا يليقُ بجلاله، إثباتًا على غرار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ ولا نتعلَّقُ بمخلوقٍ، ولا نعتقد فيه إفادةً بنفعٍ أو رفع ضرّ.
وأخبرني أخي الشَّيخ محمَّد الأمين بن الحسين: أن الشَّيخ محمَّد عبد الله أخبره أن الشَّيخ الأمين قال للزاحم: "أما أنا فإني مثلكم فيما ذكرتُم في المعتقد". أو ما يؤدي هذا المعنى.
قال: وبعد مدَّة غير طويلة أُمِرَ الشَّيخ محمَّد الأمين -عليه رحمةُ اللَّه تعالى- بإلقاء دروس في تفسير كتاب اللَّه العزيز في المسجد النبوي الشريف على مؤسِّسهِ أفضلُ الصلاة وأزكى التسليم.
ولقد أخبَرَني -عليه رحمةُ اللَّه-: أنَّه قام بتفسير كتاب الله من فاتحته إلى ﴿مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ثلاثَ مراتٍ، والحمد لله.
وكانت حلقة الشَّيخ محمَّد الأمين في المسجد النبوي تكاد تكون الوحيدة به؛ ذلك أنَّ أكثر المدرِّسين بالمسجد إذا جلس الشَّيخُ في حلقته التحقوا بها للاستفادة، وكان الشَّيخ قد ذكَرَ في بعض هذه الدُّروس أنَّ والدَيْ رسول الله ﷺ من أهل الفترة، وذَكَرَ ما يقوله أهل العلم في أهل الفترة.
стр. 39
وحَدَّثني -عليه رحمةُ اللَّه- أنَّه استدعاه سماحة الشَّيخ عبد اللَّه الزَّاحم إلى منزله، فلما حَضَرَ رَحَّبَ به وأوسعَ له في المجلس إلى جَنْبه، وكان مجلسُهُ ذلك الوقت ليس به إلّا المنتسبون للعلم، وكان بينَ أيديهم كتابٌ فيه مرجع.
قال الشَّيخ محمَّد الأمين: فلما انتهى التَّسليم ناولني الشَّيخ عبد اللَّه الزّاحم الكتاب، فإذا هو شرح النووي على صحيح مسلم والمرجع فيه عند حديث: "إنَّ أبي وأباك في النار".
فقلتُ: هذا الحديث كُنْتُ أعرفه!
قال سماحة الشَّيخ عبد اللَّه الزَّاحم: إنَّكَ قبلَ أيامِ قلتَ في الدرس كذا، لِما قرَّر من أنهما أهل فترة.
قال شيخنا: قلتُ: نعم، قلتُ ما قلتُ اعتمادًا على نصٍّ من كتاب الله قطعيِّ المتن وقطعيِّ الدلالة، وما كُنْتُ لأرُدَّ نصًّا قطعيَّ المتنِ قطعيَّ الدلالة بنصٍّ ظَنيِّ المتن وظني الدلالة عند التَّرجيح بينهما؛ فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة عند مسلم: "استأذنت ربي أنْ أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي"، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن فلا يردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
стр. 40
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ أي: ولا مُثيبين.
وهذا النصُّ قطعيُّ الدلالة لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: "إنَّ أبي وأباك في النَّار؛ فإنه ظنيُّ الدلالة؛ يحتمل أنَّه يعني بقوله: "إنَّ أبي" عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ اللهِ العزيز في موضعين:
أحدهما: قطعيُّ المتن قطعيُّ الدلالة، وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وإسماعيل عمُّهُ قطعًا؛ فهو يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم.
والموضع الثَّاني: قطعيُّ المتن لكنَّه ظنيّ الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام: ٨٦]؛ فهو نصٌّ قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أنَّه أبٌ لِلُوط، وهو عمُّه على ما وردت به الأخبار، إلا أنَّ هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك:
стр. 41
﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.
وإذًا فإنَّه يحتمل أنَّه ﷺ لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إنَّ أباكَ في النَّار، وولَّى والحزن بادٍ عليه، فقال ﵊: "ردُّوه عليَّ"، فلما رجع قال له: "إن أبي وأباك في النَّار".
يحتمل أنَّه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمِّي العَمَّ أبًا لاسيما إذا انضمَّ إلى العُمومةِ التربيةُ، والعطفُ، والدفاعُ عنه.
ثم قال: والتَّحقيق في أبوي رسول اللَّه ﷺ أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يُدركوا النذارة قبلهم، ولم تدركهم الرّسالة التي من بعدهم، فإذا كان ذلك كذلك، فإنَّ والد النبي ﷺ التحقيقُ أنَّه مات والنبي -بأبي وأمي هو- حَملٌ في بطن أمه، وأمّه ﷺ ماتت وهو ابن ستة أعوام بلا خلاف، وإذًا فإنهما من أهل الفترة.
فقال أحد الحضور: العربُ كانوا على دين إسماعيل فعندهم نِذارةٌ أدركوها.
стр. 42
فقال له الشَّيخ الأمين: هل أنت على بصيرةٍ مما تقول؟ فقال: نعم.
فقال له الشَّيخ محمَّد الأمين: أين أنت من قوله تعالى في سورة يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦]، وما هنا نافيةٌ على التحقيق بدليل الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾؛ أي: لعلة عدم إنذارهم.
وأين أنت من قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [القصص: ٤٦].
وأين أنت من قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ الآية [سبأ: ٤٤].
وأين أنت من قوله تعالى في سورة السَّجدة: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [السجدة: ٣].
قال شيخنا: إن التَّحقيق في أهل الفترة، والبَلَه، وأولاد المشركين الذين ماتوا صغارًا أنَّهم تُشبُّ لهم نارٌ يوم القيامة في عرصات المحشر فيؤمرون باقتحامها، والله تعالى يعلم مَنْ خَلَقَهُ منهم للجنة فيقتحمونها فتكون عليهم بردًا ويذهب بهم ذات اليمين،
стр. 43
ويعلم من خَلَقَهُ منهم للنَّارِ فيمتنعون من دخولها فيذهب بهم ذات الشمال، ذكر ذلك ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الآية [الإسراء: ١٥].
وقال: إنّه جاءت بذلك أحاديث؛ منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوَّى بالصحيح والحسن؛ وإذا كانت أحاديث الباب متعاضدة على هذا النَّمَط أفادت الحجة عند الناظر فيها.
فقال أحد الحضور: هذا تكليفٌ والآخرةُ دارُ جزاء فهي يوم الدِّين.
فقال له شيخنا: هل أنت على بصيرةٍ من قولك هذا؟ قال: نعم.
قال الشيخ محمَّد الأمين: قال تعالى في سورة القلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية [القلم: ٤٢]، أيُّ يوم هذا يا معشر الحضور؟ وهَلْ كان هذا تكليفًا في عرصات القيامة بنصِّ كتاب الله؟
وأيضًا، قد ثبت في الصحيح أَنَّ المؤمن يسجد لله يوم القيامة، وأنَّ المنافق لا يستطيع السجود، وتكون ظهور المنافقين مثل صياصي البقر، أليس هذا بتكليفٍ في عرصات القيامة؟
قال أحد الحضور: أليس بالإمكان حمل الخاصِّ على العام؟ لأنَّ
стр. 44
الخاص يقضي على العام عند الجمهور؛ فقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] دليل عام، والأحاديث الواردة في أشخاص معينين دليلٌ خاص، فما أخرجه دليلٌ خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه بقي على عمومه داخلًا فيه.
قال شيخنا: إنَّ هذا التخصيص لو قلنا به لأبطل ذلك حكمة العام؛ لأنَّ الله تعالى تمدَّحَ بكمال الإنصاف، وأنه لا يعذب أحدًا حتَّى يقطع حجة المعذَّب بإنذار الرسل له في دار الدنيا، فلو عَذَّبَ أحدًا من غير إنذار لاختلَّتْ تلك الحكمة التي تمدَّحَ اللَّه بها، ولثبتتْ لذلك المعذَّب الحجةُ على الله التي أرسلَ الرسلَ لقطعها كما بيَّنَهُ تعالى في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآية [النساء: ١٦٥].
وهذه الحجّة التي أرسل الرسل لقطعها بينها في آخر سورة طه بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقال تعالى في سورة القصص: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].
стр. 45
فيتعيَّن بكلِّ هذه الحُجج عذرُ أهل الفترة (١) بفترتهم في الدنيا، وأنهم مُمْتَحنون يوم القيامة، ولا يعلم مَنْ يقتحم منهم النَّارَ مِمَّن يمتنع إلا الله الَّذي خلقهم، والعلم عند الله تعالى هو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم إنَّ الشَيخَ عبد الله الزاحم قد نَصَحَ بعض الحضور لهذه الجلسة قائلًا: إنَّ من نصيحتي لك أنْ لا تتكلم في مجلس فيه هذا الرجل الَّذي تَسَلَّح بآياتِ كتاب الله، ينظر إليها كأنَّها بين عينيه، فلا يؤمَن على أَحَدٍ عارضه أن يرميه بآيةٍ تخرجه من المِلَّة، نسأل الله السَّلامة والعافية.
وهذه النَّصيحة سوف تظهر في فحوى كلامِ سماحته في المجلس بمنزلهِ بعد هذا بثلاثة أيامٍ أو نحوها.
وحدَّثني شيخي عليه رحمةُ الله: أنَّه بعد هذا المجلس بنحو ثلاثةِ أيامِ دعا سماحة الشَّيخ عبد الله بن زاحم النَّاسَ دعوةً عامَّةً على شرف الشيخ محمَّد الأمين الشَّنقيطي، حَضَرَها كثيرٌ من المنتسبين للعلم، وكانوا يتكلَّمون ويبحثون بحثًا عامًّا كلٌّ فيما يحلو له، وكان من عادة شيخنا عَدَمُ الكلام في المجلس إلا إذا سُئِلَ عن
стр. 46
شيء، أو إذا سمع غلطًا لا يحسن السُّكوتُ عليه.
فبينما الحضور في ذلك البحث العام إذ قال أحدهم: إنَّ التاريخ محفوظٌ من عهد آدم إلى يومنا هذا.
فاعترضه الشَّيخ -عليه رحمةُ الله- قائلًا: لا تقل هذا فالتّاريخ غيرُ محفوظ!.
فأجابه قائلًا: هذا ابن كثير في البداية والنهاية أتى به مبينا وقائع كلّ سنة؛ فهو محفوظ!.
فقال شيخنا عليه رحمة الله: يا أخي إن اللهَ تعالى يقولُ لنبيِّه ﷺ في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ الآية [النساء: ١٦٤].
فأجاب البَّاحث قائلًا: يمكن أنْ يكون قَصَّهم عليه في نوع آخر من الوحي غير التنزيل.
فقال شيخنا: أحسنتَ في جوابك عن هذه، ولكنْ ما هو جوابك عن ما جاء في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، أَفَعَلِمَهُم ابنُ كثير حتَّى يكتب عنهم؟!
стр. 47
وعندها صاح سماحَةُ الشَّيخ عبد الله الزَّاحِم قائلًا: هذا الموقف الذي كُنْتُ أخشاهُ عليك، أَجِب: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾! أَفَعَلِمَهُم ابنُ كثير؟! نصحتُك لكنَّكَ لم تقبل نصيحتي.
رحمَ اللَّهُ جميعَهم، وعمهم بشآبيبِ رحمته، إنَّه سميعٌ مجيب.
стр. 48
ومَجلسٌ في إدارة المعاهد والكليَّات بالرِّياض
لقد استدعى المسؤولون الشَّيخين: شيخَنا الشيخ محمَّد الأمين الشنقيطي، والشَّيخ عبد الرحمن الإفريقي رحمة اللَّه على الجميع، استُدْعيا للتَّدريس بالمعاهد والكليات، وأُنزلا بدار الضيافة، واستقبلهما المسؤولون بحفاوةٍ وتكريم.
وحدَّثني شيخي: أَنَّ يومًا من الأيام حضرتْ جماعةٌ من الأساتذة المصريين للسَّلام عليهما، ودارَ بحثٌ في المنطق بين هؤلاء وفضيلة الشَّيخ محمَّد الأمين يسألونه عن الفصل بالنسبة للإنسان؛ فكان يقول:
إذا قلنا: "الإنسان حيوان"، شاركه في هذا التعريف كلُّ حيوان.
وإذا قلنا: هو حيوان منتصبُ القامة يمشي على قدمين عاري الجسد، كان بإمكان صاحب سفسطة أَنْ يأخذَ دجاجًا، وينتف ريشَهُ حتَّى يكون عاري الجسد، ويقول: هذا منتصبُ القامة يمشي على قدمين، وإذا قلنا: هو الحيوان الضاحك، شاركه القرد في ذلك، لكن إذا قلنا: هو الحيوان الناطق، اختصَّ
стр. 49
الإنسانُ بهذا الوصف، فهو الفصل بالنّسبة إليه.
كلُّ ذلك البحث والشَّيخ عبد الرحمن ينتظر على مائدة الإفطار! فقال لشيخنا: "أليس يا شيخ بإمكاننا أنْ نقول: الإنسان حيوان يأكل"، فضحك الجميع والتحقوا به ﵀ ما ألطفَ نكتته هذه!!
ولقد أقبل المسؤولون على فضيلة الشيخ محمَّد الأمين بغاية التَّقدير والاحترام، وكان هناك مصريٌّ حَضَري أزهري من أصحاب الشهادات المبروزة، وكان قبل قدوم الشيخ يُعتبر كأنه كبيرُ المدرسين ولما رأى حفاوة المشايخ بفضيلة الشَّيخ دونه لعل ذلك أخذ بخاطره -ولا أظن إلا خيرًا-، فصار يتحين الفرص له.
أخبرني شيخي عليه رحمةُ اللَّه، قال: عندما كنتُ خارجًا من فصلٍ كنتُ فيه في درس تفسير، ودخلتُ غرفة استراحة المدرِّسين، وكان الشيخان: سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ وأخوه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، كانا موجودَينْ في غرفة استراحة المدرسين، الأول مفتي الدَّيار السعودية، والثاني المدير العام للمعاهد والكليات، فعندما دخلتُ غرفة الاستراحة، إذا ذلك المصري يقول: يا شنقيطي سمعتك تُقرِّر في الدَّرس أنَّ النَارَ أبدية، وعذابها لا ينقطع؟ قلتُ: نعم.
стр. 50
فقال: كيف تسمح لنفسك يا شنقيطي! أنْ تعلِّم أولاد المسلمين أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والمجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب يُقرِّران أنها تخبو وينبت في قعرها الجرجير؟؟
قال الشَّيخ: وكنتُ آنذاك حديثَ عَهْدِ بالصَّحراءِ أغضبُ إذا استُغضِبتُ، فقلتُ له: يا مصري! مَنْ أخبرك أن الرَّسولَ الذي أُرسِلَ إلي، ووَجَبَ علي الإيمان بما جاء به اسمه محمَّد بن عبد الوهاب؟ إن الرسول الذي أُرسلَ إلي ووجبَ علي الإيمان بما جاء به اسمه محمَّد بن عبد الله ﷺ ، وُلِدَ بمكة ولم يولد بحريملا، ودُفِنَ بالمدينة ولم يدفن بالدِّرعية، وجاء بكتابٍ اسمه القرآن، والقرآن أحمله بين جَنْبَي، وهو الذي يجب علي الإيمانُ بما جاءَ به؛ ولمَّا تَأمَّلتُ آياته وجدتها مطبقةَ على أنَّ النارَ أبدية، وأنَّ عذابها لا ينقطع، عَلَّمتُ ذلك لأولاد المسلمين لَمّا ائتمنني وليُّ أمر المسلمين على تعليمهم، أسمعتَ يا مصري؟؟
قال: فقال سماحة الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم: "سَم؟! " وهي بلهجة أهل نجد من مدلولها "ما تقول"؟
قال الشَّيخ الأمين: فقلتُ لهُ: ذاكَ إنسان يَعي ما يقول!!. قال:
стр. 51
وكان (١) رجلًا عاقلًا، وقد علم أني مُحْتَدٌّ.
فقال سماحته: أطالَ اللهُ عمرك، منك نستفيد -يعني أَفِدنا-.
قال الشَّيخ الأمين: إني قلتُ ما قلت بعد أنْ اطَّلعتُ على ما استدل به ابن القيِّم تقريرًا لمذهب شيخه.
لقد استدلَّ بآية النَّبأ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٣ - ٢٥]، وبآية هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ الآية [هود: ١٠٧].
واستدل بأربعة أحاديث ثلاثة منها في غاية الضَّعف، ولا يمكن الاحتجاج بها، والرَّابع حديث طاووس عن عبد الله: "يأتي على النار زمانٌ تخفق أبوابها، وينبت في قعرها الجرجير"، وهو حسن السند صالح للاحتجاج به.
واستدل ببيتِ شعرٍ هو قول الشاعر:
لَمُخلفُ إيعادي ومنجزُ مَوعدي ... . . . . . . . .
стр. 52
قال: لا مانع من أنْ يكون ما يجمل عند العرب كله موجودٌ في القرآن، والعرب يجمل عندهم إخلاف الوعيد وإنجاز الوعد، فلا مانع إذًا من إخلافه وعيده لأهل النَّار بالخلود.
قال: وذكر ابن القيم سفسطةً للدَّهريين هي قولهم: إن الله أعدل من أنْ يعصيه العبد حقبًا من الزمن فيعاقبه بالعذاب الأبدي، قالوا: إن الإنصاف أَنْ يعذبه قدر المدَّة التي عصاه فيها.
وأنا أُجِلُّ ابنَ القَيم عن أنْ يكون ذكر هذه السفسطة للاحتجاج بها، وإنما ذكرها استطرادًا، فقال سماحته: أفدنا أطال اللَّهُ في عمرك.
قال شيخنا: فقلتُ له: إنِّي أصبحتُ وإياكَ على طرفي نقيض، أنتم تمثلونَ طائفة من المسلمين تقول بفناء النارِ وانقطاعِ عذابها، وأنا أمثلُ طائفة أخرى منهم تقول النَّار أبدية وعذابها لا ينقطع، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
فقد أصبحنا يا سماحة الشَّيخ بمثابة المتناظرين، ولابد للمتناظرين من حَكَمٍ يُحَكِّمانِهِ بينهما يرجعان إليه لئلا يَتَّسِعَ الخلاف.
стр. 53
قال سماحته: فماذا ترى أنْ نُحَكِّمَ بيننا؟
قال شيخنا: أرى أنْ نُحَكِّمَ بيننا كتابَ الله تلاوةً لا تأويلًا، معناه أنَّه لا يقبل من أحدنا الاستدلال إلا بآيةٍ يشهد له منطوقها بدلالة المطابقة.
قال سماحة الشَّيخ مُحَمَّد: فقد حَكَّمْنا بيننا كتابَ الله تلاوةً لا تأويلًا.
فقال الشَّيخ الأمين: إذا شاء سماحتكم بحَثْنا هذه المسألة بالدَّليل الجَدَلي المعروف بالسَّبر والتقسيم، والذي أتى به صاحب مراقي السعود -المسلك الرابع من مسالك العلة- حيث يقول:
والسَّبرُ والتَّقسيمُ قِسْمٌ رابعُ ... أَنْ يحصُرَ الأوصافَ فيهِ جامِعُ
ويبطلَ الذي لها لا يصلحُ ... فما بقي تعيينهُ مُتَّضحُ
ومعنى البيتين: أنْ يجمع المتناظران أو المتناظرون الأوصاف التي يحتمل أنْ تكون مسألة النزاع متصفة بها، فإنْ اتَّفقا أو اتَّفقوا أنَّ أوصاف المسألة محصورةٌ فيما جمعوا، شرعوا في سبرها، أي: في اختبارها، أي: بعرضها واحدة بعد واحدة على المحكم، فما ردّ منها المحْكَم وجب رده، وما بقي يتعيَّن الأخذ به.
стр. 54
فقال سماحة الشَّيخ محمد: وافقنا على بحث المسألة بالسَّبر والتقسيم.
قال شيخنا: قَيدوا ما تتفقون عليه من احتمالات للمسألة لتتمكنوا من عرضها على المحْكَم واحدة بعد الأخرى؛ فمثلًا:
يحتمل: أن النار تخبو.
ويحتمل: أنَّها تأكل من أُلقي فيها حتى لا يبقى من أهلِها شيء.
ويحتمل: أنَّهم يخرجون منها فرارًا منها.
ويحتمل: أنَّهم يموتون فيها، والميِّت لا يحسُّ ولا يتألم.
ويحتمل: أنهم يتعوَّدون حَرَّها فلا يبق يؤلمهم.
ويحتمل: أنه لا يقع شيء من ذلك كله، وأنها أبدية وعذابها لا ينقطع.
ولما اتفق الحضور على أنّه لا يوجد احتمالٌ بعد هذه الاحتمالات الستة المقيدة، ابتَدؤوا بعرض الاحتمالات على المحكم.
قالوا: يحتمل أنها تخبو، فإذا المحْكَم يقول: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ الآية [الإسراء: ٩٧]. ومعلوم أن "كلما" أداة من
стр. 55
أدوات التكرار بلا خلاف، فلو قلت لغلامك: كُلَّما جاءك زيدٌ أعطه كذا من مالي، فإذا مَنَعَه مرة ظَلَمَه بلا خلاف.
وقالوا: يحتمل أنَّها تأكلهم حتى لم يبق منهم شيء، فإذا المحْكَم يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية [النساء: ٥٦]؛ فلم يبق لهذا الاحتمال نصيبٌ بموجب هذه الآية.
وقالوا: يحتمل أنَّهم يخرجون منها هاربين، فإذا المحكَم يقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية [السجدة: ٢٠]؛ ويقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ الآية [الحجر: ٤٨]، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضًا نصيبٌ من الاعتبار.
وقالوا: يحتمل أنَّهم يموتون فيها والميت لا يحس ولا يتألم، فإذا المحْكَم يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ الآية [طه: ٧٤]، ويقول: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٧]، فلم يبق إذا لهذا الاحتمال نصيبٌ من الاعتبار.
وقالوا: يحتمل أنَّهم يتعوَّدون حَرَّها فلم يبق يؤلمهم لتعؤُدِهِم عليه، فإذا المحْكَم يقول: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ الآية [النبأ: ٣٠] ويقول: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]،
стр. 56
والغرام: الملازم، ومنه جاء تسمية الغريم، ويقول المحْكَم: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٧]، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضًا نصيبٌ من الاعتبار.
قال شيخنا: فلم يبق إلّا الاحتمال السادس، وهو أنَّها أبديَّةٌ وعذابها لا ينقطع، وقد جاء ذلك مبينًا في كتاب الله العزيز في خمسين موضعًا منه.
فسَرَدَها لهم مرتبةَ بحسب ترتيب مصحفِ عثمانَ ﵁، وكأنها جاءت مسرودةً في صفحة واحدة.
وعند ذلك قال سماحة الشَّيخ محمَد بن إبراهيم مفتي الدِّيار السعودية، قال: آمَنَّا بالله وصدَّقنا بما جاءَ في كتاب الله.
فقال شيخنا عليه رحمة الله: وعلينا أنْ نجيب عن أدلة ابن القَيِّم، وإلا تركنا المسلمين في حيرة، ولنجيبن عليها بالكتاب تلاوةً لا تأويلًا، فنقول:
أما آية النبأ، فلا دليل فيها لِمَا يريد الاستدلال بها عليه؛ إذْ غاية ما تفيده آية النبأ هذه، هو: أن أهل النار يمكثون أحقابًا من الزمن في نوع من العذاب هو الحميم والغَسَّاق، ثم ينتقلون منه إلى آخر بدليل
стр. 57
قوله تعالى في "ص": ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨]؛ ومعلومٌ أن عذاب أهل النار أنواع، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
وأما استدلاله ببيت الشعر فإن ما قاله يمكن اعتباره لولا أننا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه: إن وعيده لأهل النار لا يُخلَف، قال في "ق": ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩]، وقال أيضًا في نفس السورة: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآية [ق: ١٤].
وأما سفسطةُ الدَّهريين التي ذكرها استطرادًا، فقد تولى الله تعالى الجواب عنها في محكم تنزيله، وهو الذي يعلم المعدوم لو وجد كيف يكون، وقد عَلِمَ في سابق علمه أَنَّ الخُبث قد تأصَّل في أرومة هؤلاء الخبثاء بحيث إنَّهم لو عذبوا القدر من الزمن الذي عصوا الله فيه، ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨].
стр. 58
فيبقى لدينا من أدلّة ابن القيِّم آيةُ هود، وهي قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وحديث أبي داود وهو قوله ﷺ : "يأتي على النار زمان تخفق أبوابها وينبت في قعرها الجرجير"، أو كما قال ﷺ ؛ فإنَّهما دليلان صالحان للاحتجاج بهما، فيجب علينا البحث والتنقيب عن وجه يمكن به الجمع بين الأدلة؛ لأنَّ إعمال الدَّليلين أولى من طرح أحدهما كما هو مقرَّر في فنِّ الأصول، قال في مراقي السُّعود:
والجَمْعُ واجبٌ متى ما أَمكنا ... إلا فَلِلأَخيرِ نَسْخٌ بيِّنا
إن عندنا أدلةَ على أنَّ النَّار أبديةٌ ولا ينقطع عذابها، وهذه الآية التي من سورة هود وهذا الحديث الحسن دليلان يفيدان أنَّ النَارَ تفنى، فما العمل؟
والجواب: أنَّنا نرى إمكان الجمع بين هذه الأدلة، بحمل آية هود وحديث أبي داود على الدَّرك من النَّار المخصَّص لتطهير عصاة المسلمين؛ فإنَّه يخرج منه آخر مَنْ بقلبه مثقالُ ذرةٍ من إيمان، ويخبو وتخفق أبوابه وينبت في قعره الجرجير، أما دركات النَّار المعدة سجنًا وعذابًا للكفار فهي أبدية وعذابها لا ينقطع.
стр. 59
وهنا تنسجم الأدلة الشَّرعية في بوتقة واحدة لا تعارض بينها، ولا يكذب بعضها بعضًا، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فقال سماحة المفتي الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشَّيخ: "يا عبد اللطيف -يعني أخاه المدير العام للمعاهد والكليَّات- الرجوعُ إلى الحقِّ أولى من التمادي في الباطل، من الآن قَرِّرُوا أنَّ النَّارَ أبدية، وأنَّ عذابَها لا ينقطع، وأن تلك الأدلة المراد بها الدَّرك من النَّار المخصَّص لتَطْهير عصاة المسلمين" وبالله تعالى التوفيق.
تنبيهٌ:
وحيث إن سماحة المرحوم -بإذن الله- العلَّامة الشَّيخ محمَّد ابن إبراهيم آل عبد اللطيف آل الشيخ هو المرجع الأول للعلم ورعايته، وإنَّه اقتنع بعد هذا المجلس بخلود عذاب أهل النَّار المشركين بالله، وأمَرَ بتقرير ذلك في البرامج التعليمية، فما كان يدور بخَلَدي أنَّه بقي مَنْ يتشبَّث بهذا القول؛ لأنَّ المثل يقول: "لا عطر بعد عروس".
وقد لفت نظري بحثٌ بيدِ طالب في هذا الموضوع، فتاقت نفسي إلى إيراد هذه الآيات التي ذكر الشيخ أنَّها في خمسين موضعًا، وقد
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ الآية [٦].
ومن "سورة الهمزة":
٤٩ - وقوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ الآيات. [٦ - ٩].
قلت: واللَّه حسبي ونعم الوكيل: لعل المحل الموفي عددَ خمسين؛ هو الآية الأخيرة من سورة الفرقان -تجاوزت محلَّها خطأً- وهي قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ الآية [٧٧].
هذا؛ وظنِّي حَسَنٌ بطالب العلم المنصف غير المتعصِّب، والذي لا يطلب إلّا الحق، أنَّه بعدما يقف على هذا الوحي المتكرِّر النزول بمكة والمدينة، ويقف على أن الجمع بين الأدلة -التي استجلبها كلُّ طرف- ممكنٌ بحمل أدلة الفناء على الدرك المخصَّص لتطهير عصاة المؤمنين دون دركات النار المعدَّة سجنًا وعذابًا للمشركين؛ فإنَّ ظنِّي حَسَنٌ بأنَّه سوف يقتنع، والتَّوفيق بيد اللَّه يعطيه من شاء فضلًا ويمنعه من شاء عدلًا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 71
ومجلس مع الشّيخ عبد الله السَّعدوان
وفي السنة الدراسية من عام ١٣٧٥ هـ، لم يصحب الشَّيخُ محمَّد الأمين أهله معه إلى الرياض، بل بقيتْ بعيدةً عنه بالمدينة المنورة لأمرٍ اقتضى ذلك، واستأجر الشَيخُ منزلًا عظيمًا للسكنى وسكن معه جماعةٌ من الطلبة بلغوا -إنْ لم تخني ذاكرتي- ستة عشر رجلًا، وكانوا كلهم طلبةَ علمٍ إمّا بمعهد أم قيس وإما بمعهد إمام الدعوة بدخنة.
كانوا إذا رجعوا من الدِّراسة متكاسلين، دَفَعَ إليهم الشَّيخ فلوسًا يشترون بها الطعام من المطابخ العمومية، فتأثَّرت صحة الشَّيخ لذلك، وكان -عليه رحمةُ الله- يطالبهم بأنْ يجعلوا الخدمة كلَّ يوم على اثنين لخدمة الجماعة وهو يكفيهم جميع المصاريف، لكنّه لم يجد آذانًا صاغية لتغلُّب الكسل على هؤلاء.
وعندها قرَّرت في نفسي خدمة شيخي، فعرضتُ ذلك عليه وقلت له: تلميذك لِمَا تعوَّدهُ من الأسفار صار عنده إلمامٌ بالخدمة نوعًا ما؛ لذلك فإني أستطيع أنْ أؤمن لكم ما يكفيكم واثنين أو ثلاثةٍ معكُم،
стр. 72
وهناك جعلتُ نفسي خادمًا لشيخي في كلِّ شيء يتعلق بحاجته وخدمة زوَّاره من تقديم القهوة والشاي إذا لزم شيءٌ من ذلك.
وذات يومِ قَدِمَ على فضيلته الشيخُ عبدُ الله السّعدون ﵀ -وهو أحد أفراد حاشية جلالة الملك سعود بن عبد العزيز ﵀ - يزوره؛ وعندما كنتُ أصبُّ القهوة العربية له سمعته يقول للشَّيخ: إن طويل العمر يبلِّغك السلام، ويرجو منكم المسامحة في تقصيره معكم، ولكن ذلك لم يكن إلا لكثرة الشواغل وعدم مَنْ يقوم -مِنَ الصحبة له- بتذكيره إذا لزم، وقال كلامًا نحوًا من هذا؛ ثم قال: وهو الآن يريد منكم أنْ تبلِّغوه حاجتكم وحاجة إخوانكم الذين معكم وإخوانكم بالمدينة.
فردَّ شيخنا قائلا: جزاهُ اللَّه خيرا، بلِّغهُ أنّه لا تنقصنا حاجةٌ وللَّه الحمد.
فقال الشَّيخ عبد اللَّه -والظاهر من الحال سقوطُ مُؤنةِ التَّحفُّظ بينه وبين الشَّيخ الأمين- قال له: يا أخي مَلِكُ الجزيرة العربية يدعوك لتبلِّغهُ حاجتك، فتقول له: لا حاجة لي!؟
إنْ كان هذا تورُعًا منك فإنَّك لن تكون أورع من ابن عمر، وهو قد قبل هدية المختار بن أبي عُبيد.
стр. 73
ولمَّا ألحَّ السعدون في الموضوع أجابه شيخُنا رافعًا صوتَهُ وبنبرة المُحتَدِّ قائلًا: يا أخي عبد الله لا تفكِّر في أني أرفعُ حاجتي إلى مَلِكٍ غيرِ مطَّلعٍ عليها هو بنفسه.
ثمَّ إنَّ السعدون انصرف بعدما تركَ ربطةً من النُّقود لا أعلم قدرها إلا أنَّ رباطها مختومٌ بالرَّصاص.
ولَمّا انصرف السّعدون قلتُ له: لو أنّك يا فضيلة الشَّيخ طلبتهُ مساحاتٍ من أرض المدينة يجعل فيها إخوانُك منازلَهُم المتواضعة.
قال: إنِّي أخافُ العاقبة السَّيئة، إني لو فعلت لَيُلَبينَّ المَلِكُ طَلَبي.
وأَوَّلُ مَنْ يعلم بذلك أهلُ قرابتي فيبادرون النُّزول فيها قبل النَاس، فتنقلب المِنْحةُ مصيبةً لِما سوف يقوم به أولئك المسبوقون من رفع برقياتِ الشكاية، ومعلومٌ أنَّ المِنْحة بالغةً ما بلغتْ لن تَسَعَ هؤلاء المساكين، فيتغيَّر وضعهم من فقراء جَديرين بالعطفِ عليهم إلى مشاغبين مرغوب عنهم.
ولقد صَدَقَ؛ فقد كان فكرُهُ ذلك حَزًا في مَفْصِل، إن الله قد حبَّبَ الشَّغَب إلى بعض النَّاس، والمثلُ يقول: "اتقِ شَرَّ مَنْ أَحْسَنْتَ إليه".
حدثني شيخي قال: بينا أنا في أحَدِ الفصول أثناء دَرسٍ إذ ناولني
стр. 74
ساعي البريد برقية من أحد إخوتي عزيزٍ علي يقول فيها: "لقد تقرَّرَ تسفيري أنا ومَنْ أعول، ولقد خرجتُ في كفالةِ أحدِ الإخوان على أن يحضرني للسفر يوم الأربعاء المقبل"؛ أي: بعد أسبوع واحد.
ولما انتهت الحصَّة وجدتُ سماحة المفتي الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم في غرفة استراحة المدَرِّسين فأخبرتُه بالبرقية وما تفيده؛ فما الذي تراه يا سماحة الشَّيخ؟
فقال: هذه أمورٌ لا نتدخل فيها بتاتًا.
فقلتُ له: ابعثوا إذًا مَنْ يقطعُ لي تذكرةَ سفرِ إلى جدَّة، ويحجز لي مقعدًا في أوَّل طائرةٍ إليها.
فقال سماحتُهُ: أثناء السنة الدراسيَّة! ومَنْ لجدوَلِك؟
فقلتَ: أمرٌ عجيبٌ منك هذا يا سماحة الشَّيخ محمَّد، أُخبرك أنَّ وَلَدي في السجن يُرادُ تسفيرُهُ وتُفيدني بعدم اهتمامك بذلك، وتريدُ مني أن أجلسَ أُعلِّمُ لك أولادك؟!
قال سماحتُهُ: وماذا تريدُ بجدَّة؟
قال: قلتُ: لا أكتمُك بأني أريد أنْ آتي ذلك الكافر "قنصل فرنسا" أدفعُ له رشوة، وأريد منه أن يتوسَّطَ لدى هذه الحكومة
стр. 75
المسلمة لتتركَ هؤلاء المسلمين يصلُّون ركعتين بأحد الحرمين من غير إزعاج.
قال شيخنا: وعند ذلك قال سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم: يعلم اللَّهُ أنَّه ما سَبَقَ أنْ تدخلنا في موضوع كهذا، ولكنَّ فضيلتكم ليس عندنا مثل الناس؛ وعندي اقتراحٌ على فضيلتكم أنْ تكتب إلى الإمام كتابًا توضح فيه وَضْعَ هؤلاء الإخوان وترجو منه بموجَبِهِ أنْ ينظر إليهم بعين الرَّحمة؛ قال: وأنا رسولُكَ إليه، أضعُهُ بيده بإذن الله، وعسى أنْ يكون الخير.
قال شيخنا عليه رحمةُ اللَّه: فكتبتُ إلى جلالة الملك عبد العزيز كتابًا مضمونُهُ أنَّ هؤلاء إنَّما أتوا من استعمار غاشم همُّهُ القضاء على تقاليد الشعوب الدينية وعلى لُغاتها، وحيث إنَّه لَم يسبق لأحد من هؤلاء التَّدخُّلُ في سياسة، ولم يسبق لأحدهم إصابةُ حَدٍّ من حدود اللَّه، فإني أسترحمُ لهم عطفَ جلالتكم الكريم بأمركم بعدم تسفير أحدٍ منهم.
قال: فذهب سماحتُهُ بالخطاب وسلَّمَهُ لجلالة الملك وكلَّمه مشافهةً في الموضوع، فاستدعى جلالتُهُ أحدَ أفراد مكتبه، وقال: "اذهبْ إلى القائمة بهذا المعروض ثم ائتني حالًا بالجواب"؛ وقد كتب عليه: "هل يوجد شنقيطيٌ متدخلٌ في سياسة، أو أصاب