قال الفقير إلى عفو ربه: السنة الصحيحة وعمل السلف يدل على صحة صلاة من أدرك الإمام وهو راكع وركع معه قبل الدخول في الصف:
١ - فقد روى البخاري (١) عن أبي بكرة: "أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعد".
٢ - وروى عبد الرزاق (٢)، عن ابن جريج: أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: "إذا أدركت الإمام راكعًا، فركعت قبل أن يرفع فقد أدركت، وإن رفع قبل أن تركع فقد فاتتك".
٣ - وروى ابن المنذر (٣): حدثنا يحيى بن محمد: ثنا مسدد: حدثني بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن علي بن الأقمر، قال أبو الأحوص؛ يحدّث عن ابن مسعود؛ قال: "من أدرك الركوع؛ فقد أدرك الركعة".
٤ - وروى مالك (٤)، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: "دخل زيد بن ثابت المسجد، فوجد الناس ركوعًا فركع ثم دب حتى وصل الصف".
٥ - وروى ابن أبي شيبة (٥)، قال: نا أبو الأحوص، عن منصور، عن زيد بن وهب، قال: "خرجت مع عبد الله من داره إلى المسجد، فلمّا توسطنا المسجد ركع الإمام، فكبر عبد الله ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف، حتى رفع القوم رؤوسهم، قال: فلما قضى الإمام الصلاة، قمت أنا -وأنا أرى لم أدرك- فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك قد أدركت".
стр. 177
٦ - وروى البيهقي (١)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرني أبو الحسين -عبيد الله بن محمد البلخي التاجر ببغداد-: ثنا محمد بن إسماعيل السلمي: ثنا سعيد بن الحكم بن أبي صريم: أخبرني عبد الله بن وهب: أخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول للناس: "إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعًا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السُّنة". قال عطاء: وقد رأيته هو يفعل ذلك".
فإن قيل: قد روى ابن أبي شيبة (٢) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: "إذا ركعت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف"؟
قيل: الجواب عليه من وجوه:
الأول: محمد بن عجلان المدني، قال الحافظ: "صدوق إلا أنَّه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة".
الثاني: الاضطراب في متنه، فقد رواه ابن أبي شيبة (٣) من طريق: ابن عجلان بلفظ: "لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف"، ورواه أيضًا (٤) من طريق ابن عجلان بلفظ: "فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف". والفرق بين اللفظين واضح.
الثالث: أنه قد خالفه ابن إسحاق، فقد أخرج البخاري في كتاب "القراءة" (٥) من طريق ابن إسحاق: أخبرني الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: "لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن تركع".
стр. 178
الرابع: أنَّ أبا هريرة ﵁ لم يعلم بهذه السنة، يدل على ذلك ويوضحه ما رواه علي بن حجر السعدي (١)، قال حدثنا حميد عن القاسم بن ربيعة، عن أبي بكرة: "أنه كان يخرج من بيته فيجد الناس قد ركعوا، فيركع معهم، ثم يدرج راكعًا حتى يدخل في الصف ثم يعتد بها".
فهذا صريح في أنه فهم من قول النبي ﷺ : "ولا تعد"، ليس الركوع دون الصف، وإنما هو الاستعجال وإحداث الجلبة.
١٦٣ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وقد أمكن الجمع، بحمل معنى القضاء على التمام؛ لانه أحد معانيه".
قال الفقير إلى عفو ربه: القضاء يأتي بمعنى الإتمام كما في قوله ﵎: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٣).
وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).
١٦٤ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وإذ ذاك يقول: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"، وقال: "إنما أنْسَى -أو أنسَّى- لأَسُن".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال العراقي: "ذكره مالك في "الموطأ" بلاغًا بغير إسناد، وقال ابن عبد البر: "لا يوجد في "الموطأ" إلا مرسلًا لا إسناد له"، وكذا قال حمزة الكناني إنه لم يرد من غير طريق مالك، وقال أبو طاهر الأنماطي: "وقد طال بحثي عنه وسؤالي عنه للأئمة والحفاظ فلم أظفر
стр. 179
به ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به، قال: "وادعى بعض طلبة الحديث أنه وقع له مسندًا" (١).
١٦٥ - قال الْمُصنِّف (٢):
"وأما التشهد: فلحديث عمران بن حصين: "أنَّ النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم"، أخرجه أبو داود، والترمذي -وحسنه-، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين".
قال الفقير إلى عفو ربه: بل هو حديث شاذ، وذلك لمخالفة أشعث بن عبد الملك لغيره من الحفاظ، عن ابن سيرين ليس فيه ذكر التشهد.
قال البيهقي: "تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة، ووهيب، وابن علية، والثقفي، وهشيم، وحماد بن زيد ويزيد بن زريع، وغيرهم، عن خالد الحذاء، لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث، عن محمد عنه، ورواه أيوب عن محمد، قال: أخبرت عن عمران، فذكر؛ السلام دون التشهد، وفي رواية هشيم ذكر التشهد قبل السجدتين، وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه" (٣).
وقال الحافظ: "فقد رواه أبو داود والترمذي، وابن حبان، والحاكم، من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﷺ صلّى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم"، قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين، وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، انتهى، وهو من رواية الأكابر،
стр. 180
عن الأصاغر، وضعفه البيهقي، وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحقاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ، عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد.
وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضًا في هذه القصة "قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا" وقد تقدم في "باب: تشبيك الأصابع" من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، قال: "نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم"، وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذة، ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت" (١).
أما ما ذكر من قول ابن مسعود: "يتشهد فيهما"، رواه ابن أبي شيبة (٢). حدثنا عباد بن العوام عن حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله، به، فمنقطع.
قال أبو حاتم: "لم يلق أحدًا من الصحابة إلا عائشة، ولم يسمع منها وأدرك أنسًا، ولم يسمع منه" (٣).
١٦٦ - قال الْمصَنِّف (٤):
ولحديث: "لكل سهو سجدتان".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الألباني ﵀: "أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن ثوبان، قال البيهقي في "المعرفة": انفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بقوي". وقال الذهبي: "قال الأثرم: "هذا منسوخ". وقال ابن عبد الهادي -كابن الجوزي- بعد ما عزياه لأحمد:
стр. 181
"إسماعيل بن عيّاش مقدوح فيه، فلا حجة فيه"، وقال ابن حجر: "في سنده اختلاف". كذا في الفيض، ثم قالط: "فرمز المؤلف لحسنه غير حسن" (١).
١٦٧ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وغاية ما هناك: أن المسنون هو المندوب المؤكد، وصدق اسم السهو على ترك المندوب، كصدقة على ترك المسنون، فيندرج تحت حديث: "لكل سهو سجدتان" وتحقق هذه الزيادة، والنقص حاصل لكل واحد منهما، فمدعي التفرقة بينهما مطالب بالدليل".
قال الفقير إلى عفو ربه: بل المطالب بالدليل هو الذي يرى مشروعية سجود السهو لترك المسنون، فإنّ الأصل في العبادات النقل، ولا قياس فيها، بإجماع أهل التحقيق.
١٦٨ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"وعند الشافعية: في أية حالة ذكر أنها خامسة، قعد وألغى الزائد، وراعى ترتيب الصلاة مما قبل الزائد، ثم سجد للسهو، وفي معنى الركعة عنده الركوع والسجود".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا الموافق لهديه ﷺ .
١٦٩ - قال الْمصَنِّف (٤):
"وقوله ﷺ : "إذا قام الإمام من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو".
стр. 182
قال الفقير إلى عفو ربه: رواه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، والدارقطني (٣)، وأحمد (٤)، والبيهقي (٥).
قال الحافظ: "ومداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف جدًّا" (٦)، كذا قال، ثم إن محقق العصر استدرك على الحافظ فقال: "وقد وجدت لجابر الجعفي متابعين، لم أر من نبه عليهما ممن خرج الحديث من المتأخرين، بل أعلوه جميعًا به ... ولذلك رأيت لزامًا علي ذكرهما حتى لا يظن ظان أن الحديث ضعيف لرواية جابر له:
الأول: قيس بن الرّبيع عن المغيرة بن شبيل عن قيس ....
والآخر: إبراهيم بن طهمان عن المغيرة بن شبيل به نحوه ..... أخرجه عنهما الطّحاوي (١/ ٣٥٥) " (٧).
وقد وافق الشيخَ ناصرًا شيخُنا عبدُ الله الدويش -رحم الله الجميع-.
وفي الحديث فائدة: وهي أنه لا يوجد في السنة ما يسمى بسجود السهو "عن التحري" فهذه اللفظة وردت في حديث ابن مسعود حين صلى النبي ﷺ العصر خمسًا فقال ﷺ : "وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم ثم يسلم ثم يسجد". ومعناه: فإن تبين له أنه زاد ركعة فما فوقهما كما حدث للنبي ﷺ فإنه يتم صلاته ويسجد للسهو بعد السلام، ويدل على ذلك أمران:
الأول: حديث المغيرة حيث قال: "إذا قام الإمام من الركعتين، فإن
стр. 183
ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوى قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو ... ولا سهو عليه".
ففي الحديت زيادة: وهي نهوضه ثم عوده، ومع ذلك قال ﷺ : "ولا سهو عليه".
الثاني: أن هذا الفهم للفظة: "التحري" في حديث ابن مسعود، لم يعرف عن أحد من الصّحابة.
فيكون سجود السّهو الوارد في السنة على أنحاء ثلاثة:
١ - إما أن يكون عن زيادة.
٢ - أو يكون عن نقص.
٣ - أو شك.
١٧٠ - قال الْمصَنِّف (١):
"وقال أحمد: يطرح الشك، إما بأخذ الأقل، وإما بالتحري، فإن اختار الأول سجد قبل السلام، وإن اختار الثاني سجد بعده".
قال الفقير إلى عفو ربه: وبيان هذا على ما تقدم في النكتة السابقة.
١٧١ - قال الْمصَنِّف (٢):
"وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا قضاء على العامد غير المعذور، بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة، وإليه ذهب شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية".
قال الفقير إلى عفو ربه: انظر النكتة (١٠٢) في المواقيت.
стр. 184
١٧٢ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وأقول: حكمه ما في الأحاديث الصحيحة: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويحجوا البيت، ويصوموا رمضان، فمن فعل ذلك؛ فقد عصم دمه وماله إلّا بحقه"، ومن لم يفعل فلا عصمة لدمه وماله؛ بل نحن مأمورون بقتاله، كما أمر رسول الله ﷺ , والمقاتلة تستلزم القتل، ثم التوبة مقبولة، فتارك الصلاة إن تاب وأناب؛ وجب علينا أن نُخَلّي سبيله: ﴿نْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، فمن علمنا أنه ترك صلاة من الصلوات الخمس؛ وجب علينا أن نُؤْذِنَهُ بالتوبة، فإن فعل فذاك، وإن لم يفعل قتلناه؛ حُكْمَ الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ ".
قال الفقير إلى عفو ربه: والأظهر أنه إن امتنع وقتل فإنه يموت كافرًا.
* * *
١٠ - باب صلاة الجمعة
١٧٣ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"قال في المسوى: "اتفقت الأمة على فرضية الجمعة، وأكثرهم على أنها من فروض الأعيان، واتفقوا على أنه لا جمعة في العوالي، وأنه يشترط لها الجماعة، وأن الوالي إن حضر فهو الإمام، ثم اختلفوا في الوالي، وشرط الموضع، والجماعة.
قال الشّافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلًا أحرارًا مقيمين؛ تجب
стр. 185
عليهم الجمعة، ولا تنعقد إلا بأربعين رجلًا كذلك، والوالي ليس بشرط.
وقال أبو حنيفة: لا جمع إلا في مصر جامع أو في فنائه، وتنعقد بأربعة، والوالي شرط.
وقال مالك: إذا كان جماعةٌ في قرية، بيوتها متصلة وفيها سوق ومسجد يُجَمع فيه؛ وجبت عليهم الجمعة.
وفي "مختصر ابن الحاجب": لا تجزئ الأربعة ونحوها، ولا بدّ من قوم تتقرى بهم القرية، ولا يشترط السلطان على الأصح.
قال في "العالمكيرية": القروي إذا دخل المصر، ونوى أن يخرج في يومه ذلك قبل دخول الوقت، أو بعد دخوله؛ لا جمعة عليه انتهى".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال شيخ الإسلامِ: "كل قوم كانوا مستوطنين، ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا، تقام فيه الجمعة، إذا كان مبنيًّا بما جرت به عادتهم: من مدر، أو خشب، أو قصب، أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء، والإمام أحمد علّل سقوطها عن البادية لأنّهم ينتقلون" (١).
وما قرره ﵀ هو الذي أفتى به الصحابة ﵃ والتابعون:
١ - فقد روى عبد الرزاق (٢) عن الثوري، عن زبيد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن على، قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع".
стр. 186
٢ - وروى ابن أبي شيبة (١) عن عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن حذيفة، قال: "ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمع على أهل الأمصار مثل المدائن".
٣ - وروى أيضًا (٢)، عن وكيع، عن جعفر بن برقان، قال: "كتب عمر بن عبد العزيز، إلى عدي بن عدي: أيّما أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون، فأمر عليهم أميرًا يجمع بهم".
٤ - وروى عبد الرزاق (٣) عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أنه أمر أهل قبا، وأهل ذي الحليفة، وأهل القرى الصغار حوله أن لا تجمعوا وأن تشهدوا الجمعة بالمدينة".
١٧٤ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة، وإن تركا الخطبة فهي سُنةٌ فقط".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا خلاف ما جرى عليه عمل السلف وما أجمع عليه التابعون من أصحاب صحابة رسول الله ﷺ :
١ - فقد روى ابن أبي شيبة (٥): حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد: "أن أميرًا بالبحرين اشتكى، فأمر رجلًا فصلى بالناس فلم يخطب فصلى أربعًا، قال محمد: فأصاب السنة".
٢ - وروى أيضًا (٦): حدثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: "إذا لم يخطب الإمام صلى أربعًا".
стр. 187
٣ - وروى أيضًا (١): حدثنا عبد الأعلى عن يونس، عن الحسن قال: "الإمام إذا لم يخطب صلى أربعًا".
٤ - وروى أيضًا (٢): حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعت ابن طاوس يذكر ذلك عن أبي قال: "من خطب فليصل ركعتين، ومن لم يخطب فليصل أربعًا".
٥ - وروى أيضًا (٣): حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، قال: "كان يصلي أربعًا".
٦ - وروى أيضًا (٤): حدثنا وكيع عن سفيان عن الزبير بن عدي عن الضحاك قال: "يصلي أربعًا".
٧ - وروى أيضًا (٥): حدثنا عبد الأعلى عن برد، عن مكحول: "أنه انطلق حاجًّا فقدم تبوك في يوم الجمعة، فصلى إمامهم ركعتين ولم يخطب، فقال مكحول: قاتل الله هذا الذي نقص صلاة القوم ولم يخطب، وإنما قصرت صلاة الجمعة من أجل الخطبة".
٨ - وروى عبد الرزاق (٦) عن ابن جريج عن عطاء: "أنه كره لإمام قرية غير جامعة أن يخطب ثم يصلي أربعًا، قال: كان عطاء إذا لم يخطب الإمام يوم الجمعة صلى أربعًا".
٩ - وروى البيهقي (٧): حدثنا أبو حازم الحافظ: أنبأ أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أنبأ أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن الضبي: ثنا القاسم وهو ابن عبد الله بن مهدي أبو الطاهر بمصر: ثنا عمي -يعني:
стр. 188
محمد بن مهدي-: ثنا يزيد -يعني ابن يونس بن يزيد الأيلي-، عن أبيه يونس، عن الزهري، قال: "بلغنا أن أول ما جمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ فجمع بالمسلمين مصعب بن عمير، قال: وبلغنا أنه لا جمعة إلَّا بخطبة فمن لم يخطب صلى أربعًا".
١٧٥ - قال الْمُصَنف (١):
"ولولا حديث طارق بن شهاب -المذكور قريبًا- من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إقامتها في زمنه ﷺ في غير جماعة: لكان فعلها فرادى مجزئًا كغيرها من الصلوات.
وأما ما يروى من: "أربعة إلى الولاة ... ": فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة، ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة، حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله، وإنما هو من كلام الحسن البصري.
ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله -تعالى- عليهم في الأسبوع، وجَعَلَها شعارًا من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجمعة؛ من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة: قضى من ذلك العجب.
فقائل يقول: الخطبة كركعتين، وإن من فاتته لم تصح جمعته؛ وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله ﷺ من طرق متعددة يقوي بعضها بعضًا، ويشدّ بعضها من عضد بعض، أن: "من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة؛ فليضف إليها أُخرى، وقد تمت صلاته"، ولا يبلغه غير هذا الحديث من الأدلة.
وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاث مع الإمام!
وقائل يقول: بأربعة!
وقائل يقول: بسبعة!
стр. 189
وقائل يقول: بتسعة!
وقائل يقول: باثني عشر!
وقائل يقول: بعشرين!
وقائل يقول: بثلاثين!
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين!
وقائل يقول: بخمسين!
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين!
وقائل يقول: فيما بين ذلك!
وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد!
وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع!
وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف!
وآخر قال: أن يكون فيه جامع وحمّام!
وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا!
وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم، فإن لم يوجد، أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه؛ لم تجب الجمعة ولم تشرع.
ونحو هذه الأقوال، التي ليس عليها آثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله -تعالى- ولا في سنة رسول الله ﷺ حرف واحد يدل على ما ادَّعَوْه من كون هذه الأمور المذكورة شروطًا لصحة الجمعة أنْ فرضًا من فرائضها، أو ركنًا من أركانها".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال حافظ عصره الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏: "هو حديث ساقط لا يحتج به لأنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن وهو ضعيف، قال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به ثم لو صح فليس حجة، ويقال:
стр. 190
اشتراط الأربعين العقلاء الحاضرين الذكور الأحرار تحكم بالرأي بلا دليل وإسقاط للجمعة عمن دون الأربعين، وقد ثبت وجوب الجمعة بعموم الآية والأحاديث والإجماع على كل أحد فمن أراد إخراج أحد عن وجوبها فعليه الدليل، واتفق المسلمون على اشتراط الجماعة لها.
واختلفوا في العدد المشترط لها، وذكر الأقوال، ثم قال: "ونص أحمد على أنها تنعقد بثلاثة، اثنان يستمعان وواحد يخطب، اختاره شيخ الإسلام"، وقال الشيخ سليمان: "وهذا القول أقوى وهو كما قال شرعًا ولغة وعرفًا لقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ وهذا صيغة جمع، أقل الجمع ثلاثة، وفي الحديث: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم" فأمرهم بالإمامة وهو عام في إمامة الصلوات كلها الجمعة والجماعة، ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة، ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح" (١).
١٧٦ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"إلا في مشروعيّة الخطبتين قبلَها: لأن رسول الله ﷺ سن في الجمعة خطبتين يجلس بينهما، وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا وخطب فيها.
إنّما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر: فهذا لا يناسب ما تقرر في الأصول، ولا يوافق تصرفات الفحول، وسائر أهل المذهب المنقول، وأمّا الأمر بالسعي إلى ذكر الله: فغايته أن السعي واجب، وإذا كان هذا الأمر مجملًا فبيانه واجب، فما كان متضمنًا لبيان نفس السعي إلى الذكر: يكون واجبًا، فأين وجوب الخطبة؟
فإن قيل: إنّه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى؛ فيقال:
стр. 191
ليس السعي لمجرد الخطبة، بل وإليها وإلى الصلاة، ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة فلا تتم هذه الأولوية".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الألباني ﵀: "قلت: في هذا الكلام شيء من التناقض، والبعد عن الصواب لا بد من بيانة فأقول: ذكر في أول البحث: "أن الله أمر بالسعي إلى ذكر الله والخطبة هي من ذكر الله"، إذا لم تكن هي المرادة بالذكر.
قلت: فإذا كان كذلك، فقد ثبت الأمر بها في كتاب الله، فأغنى ذلك عن وروده في السنّة، وثبوت الأمر بالسعي إليها يتضمن الأمر بها من باب أولى؛ لأن السعي وسيلة إليها فإذا وجبت الوسيلة، وجب المتوسل إليه بالأحرى.
وهذا الدليل مما استدل به المصنف نفسه على وجوب صلاة العيدين، فقد صح أن النَّبي ﷺ أمر بالخروج إلى صلاة العيد، فقال المؤلف (): "والأمر بالخروج يستلزم الأمر بالصلاة لمن لا عذر له بفحوى الخطاب، لأن الخروج وسيلة إليها، ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه".
قلت: فلماذا لا يقال مثل هذا في الأمر بالسعي على ما بينا؛ وكأن المؤلف ﵀ تنبه لهذا المعنى الذي أوردنا في كتابه "الروضة" ولذلك أورد هو على نفسه سؤالًا يشعر بذلك فقال (): "فإن قيل: إنه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى، فيقال: ليس السّعي لمجرد الخطبة، بل إليها وإلى الصلاة، ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة، فلا تتم هذه الأولوية".
قلت: وهذا مع كونه مخالفًا لما مال إليه في أول المسألة من أن الخطبة هي المرادة بذكر الله، فإنه لا ينفي أنها مرادة به، ولو بدرجة دون درجة الصلاة، وعليه فالأمر بالسعي إلى الذكر لا يزال شاملًا للخطبة، وإذا كان الأمر كذلك فيرد ما ذكره أنه إذا وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى، ويضعف الجواب الذي ذكره -إن شاء الله تعالى- على أن هناك طريقة أخرى لإثبات وجوب الخطبة: وهي استحضار أن فعل النبي ﷺ لا
стр. 192
سيما الذي استمر عليه إذا كان صدر بيانًا لأمر قرآني أو نبوي، فهو دليل على وجوب هذا الفعل، وهذا النوع من الاستدلال مقرر في علم الأصول معروف عند العلماء الفحول، ومنهم المؤلف نفسه -رحمه الله تعالى-، فقد استدل بهذا الدليل ذاته على وجوب مسألة أُخرى تتعلق ببعض صفات الخطبة لا الخطبة نفسها! فقال بعد أن ذكر أنّ النبي ﷺ كان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام ... إلخ ما يأتي في آخر المسألة التالية (٥٧):
"وظاهر محافظته على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك، لأن فعله ﷺ بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي".
قلت: أفلا يدل هذا الدليل بعينه على وجوب الخطبة نفسها؟ بلى، بل هو به أولى وأحرى، كما لا يخفى على أولي النهي" (١).
١٧٧ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وهذا النزاع في نفس الوجوب، وأما في كون الخطبة شرطًا للصلاة؛ فعدم وجود دليل يدل عليه لا يخفى على عارف؛ فإن شأن الشرطية أن يؤثر عدمها في عدم المشروط، فهل من دليل يدل على أن عدم الخطبة يؤثر في عدم الصلاة؟ ".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذه أحد أكبر عيوب مذهب أهل الظّاهر، فإنّهم أرادوا نبذ التقليد فوقعوا في أمر أعظم منه: وهو إهدار أقوال الصحابة وفهمهم لهذا الدين الذين تلقوه من نبيهم ﷺ .
ولذلك تجد أئمة الإسلام الذين عنوا بتحقيق العلم كابن المنذر، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، وأمثالهم، قد وفقوا لما لم يوفق له أهل الرأي وأهل الطاهر، والله المستعان.
стр. 193
١٧٨ - قال المصنف (١):
"وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من القرآن: فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتّفقا مثل ذلك في خطبته ﷺ لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم".
قال الفقير إلى عفو ربه: دلت السنة الصحيحة على بطلان الخطبة التي ليس فيها حمد وثناء على الله وتشهد، وذلك فيما رواه الإمام أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب" -من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الخطبة التي ليس فيها شهادة- وفي رواية: تشهد- كاليد الجذماء".
ومن المقطوع به في خطبه ﷺ أنه كان يسبق الشهادة بالحمد والثناء على الله، ولذا أوجب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "حمد الله والثناء عليه والشهادتين والموعظة في الخطبة" (٥).
ودليل الموعظة ما رواه مسلم (٦) من حديث جابر بن سمرة قال: "كان للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس" وفيه دليل أيضًا: أنهما خطبتان يفصل بينهما بجلوس.
١٧٩ - قال الْمصَنِّف (٧):
"ووقتها وقت الطهر: لكونها بدلًا عنه، وقد ورد ما يدلّ على أنها تجزئ قبل الزوال كما في حديث أنس: أنه كان ﷺ يصلي الجمعة، ثم يرجعون إلى القائلة يقيلون، وهو في "الصحيح".
стр. 194
ومثله من حديث سهل بن سعد في "الصحيحين".
وثبت في "الصحيح" من حديث جابر: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيُريحونها حين تزول الشمس.
وهذا فيه التصريح بأنهم صفوها قبل زوال الشمس، وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وهو الحق".
قال الفقير إلى عفو ربه: وبه جاءت الآثار الثابتة عن الصحابة:
١ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره" رواه ابن أبي شيبة (١) وإسناده صحيح.
٢ - عن عبد الله بن سلمة قال: "صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: "خشيت عليكم الحر" رواه ابن أبي شيبة (٢) بإسناد صحيح.
٣ - عن سعيد بن سويد قال: "صلى بنا معاوية الجمعة ضحى" رواه ابن أبي شيبة (٣) بإسناد حسن.
٤ - عن بلال العبسي: "أن عمار بن ياسر صلى بالناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزل"، ابن أبي شيبة (٤) بإسناد صحيح.
١٨٠ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة: أنَّ الكلام منهي عنه حال
стр. 195
الخطبة نهيًا عامًّا، وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام في صلاة التحية، من قراءة وتسبيح وتشهد ودعاء، والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر صحيحة، فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية، وإن أراد القيام بهذه السنة المؤكدة".
قال الفقير إلى عفو ربه: بل هو لازم له، لا خيار له في ذلك لحديث سليك الغطفاني.
١٨١ - قال الْمُصَنِّف (١):
"قال في "المسوى شرح الموطأ": "الأصح أن هذه الساعات ساعات لطيفة بعد الزوال، لا الساعات التي يدور عليها حساب الليل والنهار".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذا خلاف الظاهر من الحديث.
١٨٢ - قال الْمصَنِّف (٢):
"ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها: لحديث: "من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته".
فهذا -وإن كان فيه مقال- غايته الإعلال بالإرسال، فقد ثبت رفعه من طريق جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، فإنه روي عنه من ثلاث عشرة طريقًا، ومن ثلاث طرق، عن ابن عمر، وبعضها يؤيد بعضًا، فهي لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره.
وقد أخرجه الحاكم من ثلاث طرق عن أبي هريرة، وقال فيها: "على شرط الشيخين" (٣).
قال الفقير إلى عفو ربه: وبه أفتى عدد من الصحابة:
стр. 196
١ - فقد روى عبد الرزاق (١)، عن معمر عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة، صلَّى إليها أخرى، وإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا".
٢ - وروى ابن أَبي شيبة (٢)، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن أَنس، قال: "إن أَدركهم جلوسًا صلى أَربعًا".
٣ - وروى عبد الرزاق (٣)، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: "من أدرك الركعة فقد أدرك الجمعة، ومن لم يدرك الركعة فليصل أربعًا".
١٨٣ - قال الْمصنف (٤):
"فالعجب من أن يؤثر على هذا كله قول عمر بن الخطاب".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة (٥) من طريق هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثت عن عمر بن الخطاب أنه قال: "إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين، فإن لم يدرك الخطبة فليصل أربعًا".
ورواه من طريق آخر (٦) فقال: حدثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن عمر بن الخطاب، قال: "كانت الجمعة أربعًا، فجعلت ركعتين من أجل الخطبة، فمن فاتته الخطبة فليصل أربعًا"، رواه أيضًا من هذا الطريق عبد الرزاق (٧).
стр. 197
وكلا الطريقين منقطع لا يثبت عن عمر ﵁، فالعجب من حَمْل المصنف على عمر ﵁ ومن يعظمون أقوال الصحابة -رضوان الله عليهم-، فهو ﵀ جانب الصواب من وجهين:
الأول: وقوعه في التقليد المذموم حيث قلد غيره في نسبة هذا القول إلى عمر ﵁، وأنت كما ترى؛ فإنه لم يصح عنه.
الثاني: أن الشوكاني -شيخَه- أخطأ في مسائل عديدة ولم نر شدّته عليه، كما هو حاله مع صحابة رسول الله ﷺ والله يغفر له.
١٨٤ - قال الْمصَنِّف (١):
"وهي في يوم العيد رخصة: لحديث زيد بن أرقم، أن النبي ﷺ صلى العيد في يوم جمعة، ثم رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يجمع فليجمع"؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم، وصححه علي بن المديني.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة؛ وإنا مجمعون"؛ وقد أُعل بالإرسال، وفي إسناده أيضًا بقية بن الوليد.
وفي الباب أحاديث عن ابن عباس، وابن الزبير وغيرهما.
وظاهر أحاديث الترخيص يشمل من صلى العيد ومن لم يصل".
قال الفقير إلى عفو ربه: لكن لا بدّ من صلاة الظهر إن لم يصل الجمعة عملًا بالأصل.
стр. 198
١٨٥ - قال الْمصَنف (١):
"وأما قوله ﷺ : "ونحن مجمعون": فغاية ما فيه أنّه أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة، وأخْذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه، وحق من تقوم بهم الجمعة؛ وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته -كما تقدم- ولم ينكر عليه الصحابة ذلك".
قال الفقير إلى عفو ربه: تبين من قوله ﵀: "ولم ينكر عليه الصحابة ذلك أن هذا المنهج في تقرير المسائل والأحكام لا غنى للعالم المحقق عنه، خلافًا لما تقدم عن المصنف ﵀ قبل أسطر!!
* * *
١١ - باب: صلاة العيدين
١٨٦ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"ووقتها بعد ارتفاع الشمس قد رمح إلى الزوال: لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء في كتاب "الأضاحي" من حديث جندب قال: "كان النبي ﷺ يصلي بنا يوم الفطر، والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح"".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الحافظ: "وفي كتاب "الأضاحي" للحسن بن أحمد البنا من طريق: وكيع، عن المعلى بن هلال، عن الأسود بن قيس، عن جندب" (٣).
قال الحافظ في ترجمة المعلى بن هلال: "اتفق النقاد على تكذيبه" (٤).
* * *
стр. 199
١٢ - باب: صلاة الخوف
١٨٧ - قال الْمصَنِّف (١):
"وقد روى أن عليًّا ﵁ صلاها ليلة الهرير".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الحافظ: "قال البيهقي: ويذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه: "أن عليًّا صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير"، وقال الشافعي: "وحفظ عن علي أنّه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، كما روى صالح بن خوات عن النبي ﷺ " (٢).
والهرير: "هي حرب جرت بينه وبين الخوارج، وكان بعضهم يهرّ على بعض؛ فسميت بذلك، وقيل: هي ليلة صِفِّين بين علي، ومعاوية ﵄ (٣) ".
١٨٨ - قال الْمصَنِّف (٤):
"واختلفت الرواية في حكاية فعله كما اختلفت الأقوال؛ والظَّاهر أن الكل جائز، وإن صلى لكلّ طائفة ثلاث ركعات فيكون له ست ركعات، وللقوم ثلاث ركعات، فهو: صواب، قياسًا على فعله في غيرها، وقد تقرر صحة إمامة المتنقل بالمفترض -كما سبق".
قال الفقير إلى عفو ربه: لكن يشكل على هذا: ما أخرجه مالك (٥)، عن نافع: "أنّ عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف؟ قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينه
стр. 200
وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة، استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلموا، ويتقدم الذين لم يصلوا، فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلون معه ركعة ركعة، بعد أن ينصرف الإمام فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلوا ركعتين، فإن كان هو خوفًا أشدّ من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها"، قال مالك: قال نافع: "لا أرى عبد الله بن عمر حدّثه إلا عن رسول الله".
* * *
١٣ - باب صلاة السفر
١٨٩ - قال الْمُصنِّف (١):
"أقول: الحق وجوب القصر".
قال الفقير إلى عفو ربه: ظاهر عمل الصحابة ﵃ وصلاتهم خلف عثمان ﵁ في عرفة أربعًا يدل على أنهم لم يفهموا من رسول الله ﷺ الوجوب؛ وإنما الاستحباب المؤكد.
قال ابن مسعود -لما قيل له في إتمام عثمان-: "يا ليت حظي منهما ركعتان متقبلتان؛ الخلاف شر" (٢).
فلو كان عثمان فعل أمرًا منكرًا لما أقره عليه الصحابة، قد قال - تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣)، وإنما كانوا أشد الناس كراهة لمخالفة سنّة النّبي ﷺ .
стр. 201
١٩٠ - قال الْمُصنِّف (١):
"وأما ما يروى عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم"، فلم يثبت كما صرّح به جماعة من الحفاظ".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن القيم ﵀: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "هو كذب على رسول الله ﷺ " (٢).
وقال الهيثمي: "رواه البزار، وفيه المغيرة بن زياد، واختلف في الاحتجاج به" (٣).
قال الذهبي: "قال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكمُ: ليس بالمتين عندهم، وقال أحمد: ضعيف الحديث، له مناكير" (٤).
وقال الحافظ: "رواه الدارقطني ورواته ثقات، إلا أنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها" (٥).
١٩١ - قال الْمُصَنف (٦):
"وكذلك ما روي عنها: أنها فعلت ذلك ولم ينكر عليها رسول الله ﷺ ، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة بما تسقط به حجيته".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلّي بخلاف صلاة رسول الله ﷺ وسائر أصحابه، وهي تشاهدهم يقصرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب كيف؟! وهي القائلة: "فُرضت الصلاة ركعتين
стр. 202
ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر"؛ فكيف يُظَن أنها تزيد على ما فرض الله وتُخالف رسول الله ﷺ وأصحابه؟! " (١).
١٩٢ - قال الْمصَنِّف (٢):
"فالحاصل: أن الواجب الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعًا أو لغة أو عرفًا لأهل الشرع، فما كان ضربًا في الأرض يصدق عليه أنه سفر، وجب فيه القصر".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال شيخ الإسلام: "وتحديد السفر بالمسافة لا أصل له؛ في شرع، ولا لغة، ولا عُرف، ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقًا بشيء لا يعرفونه، والاعتبار بما هو سفر، فمن سافر ما يسمى سفرًا قصر وإلا فلا، وأدنى ما يُسمى سفرًا في كلام الشارع البريد، وكان يأتي قباء راكبًا وفي رواية أخرى ماشيًا، ويأتي إليه أصحابه، ولم يقصر هو ولا هم، ويأتون إلى الجمعة من نحو ميل وفرسخ، والنداء يسمع من نحو فرسخ، واختار جواز القصر للحشاش والحطاب، ونحوهما فيما يطلق عليه اسم السفر" (٣).
وقال أيضًا: "الّذين جعلوا المسافة الواحدة حدًّا يشترك فيه جميع الناس؛ مخالفون كلام رسول الله ﷺ ، فالرجل يخرج من القرية إلى صحراء الحطب؛ يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة، فيكون مسافرًا، وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه؛ فإنه لا يكون في ذلك مسافرًا؛ فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني، فالمسافة قريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا، فالسفر يكون بالعمل الذي يسمى سفرًا لأجله، والعمل لا يكون إلا في
стр. 203
زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر، سمي مسافرًا، وإن لم تكن المسافة بعيدة" (١).
١٩٣ - قال الْمُصَنِّف:
"وأما ما رواه سعيد بن منصور: "أنه كان ﷺ إذا سافر فرسخًا يقصر الصلاة"" (٢).
قال الفقير إلى عفو ربه: في إسناده أبو هارون العبدي، واسمه: عمارة بن جوين؛ قال الذهبي: "كذبه حماد بن زيد، وقال شعبة: لئن أقدم فتضرب عنقي أحب إليَّ من أن أحدث عن أبي هارون، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ضعيف؛ لا يصدق في حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: متلون خارجي وشيعي؛ فيعتبر بما روى عنه الثوري، وقال ابن حبان: كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه" (٣) وهذا الحديث من "مسند" أبي سعيد الخدري.
١٩٤ - قال الْمصَنِّف (٤):
"وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها: وجهه ما عرَّفناك من أن المقيم لا يعامل معاملة المسافر؛ إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع، ويجب الاقتصار عليه، وقد ثبت عنه مع التردد ما قدّمنا ذكره.
وأما مع عدم التردد، بل العزم على إقامة أيام معينة: فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه ﷺ مع عزمه على الإقامة في أيام الحج؛ فإنه ثبت في "الصحيحين": أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج
стр. 204
إلى منى، فلما أقام النبي ﷺ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازمًا على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج: كان ذلك دليلًا على أنّ العازم على إقامة مدة معينة؛ يقصر إلى تمام أربعة أيام، ثم يتم، وليس ذلك لأجل كون النبي ﷺ لو أقام زيادة على الأربع لأتم؛ فإنا لا نعلم ذلك ولكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة مدة معينة لا يقصر إلا بإذن، كما ان المتردد كذلك، ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك، ولا ثبت عن الشارع غيره.
فال الشافعي: لو نوى إقامة أربعة أيام بموضع؛ انقطع سفره بوصوله.
قال في "المنهاج": ولا يُحْسَبُ منها يومًا دخوله وخروجه على الصحيح.
وقال أبو حنيفة: لا يزال على حكم السفر، حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية خمسة عشر يومًا.
وقول أكثر أهل العلم: إنه يقصر أبدًا ما لم يُجمع إقامة.
واختلف أصحاب الشافعي في حكاية مذهبه.
وحكاية البغوي: أنه إذا لم يجمع الإقامة، فزاد مُكثه على أربعة أيام وهو عازم على الخروج أتم؛ إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقْصُر.
وقد قصر رسول الله ﷺ عام الفتح بحرب هُوازِن تسعة عشر أو ثمانية عشر يومًا.
وله قول آخر موافق للجمهور.
قال الماتن: "واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب؛ هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان، وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابًا شديدًا، وتباينت فيها الأنظار تباينًا زائدًا".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذه المسألة كالمسألة السابقة؛ في أنه لم يرد من الشارع تحديد لمدة الإقامة التي تخرج عن حد السفر.
стр. 205
فالصحابة أقوالهم فيها مختلفة، فالعجب من المصنف ﵀: كيف فطن لهذا في تلك، ولم يفطن في هذه!
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فالباب عنده واحد في كلا المسألتين.
وملخص القول في هذه المسألة: أن المسافر لا يخلو من أحوال:
الأولى: أن يكون سائرًا في الطريق؛ فهذا يقصر بالاتفاق.
الثانية: أن يصل إلى المدينة؛ وهو لا يجمع الإقامة التي تخرجه عن حد السفر، كحال النبي ﷺ فهذا يقصر من غير تحديد.
الثالثة: أن يصل إلى بلد غير بلده، ويعزم على البقاء فترة تخرجه عن حدّ السفر -عرفًا- فهذا يتم ولا يقصر، والله أعلم.
١٤ - باب: صلاة الكسوفين
١٩٥ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وهي صلاة الآيات وهي سنَّة.
قال الماتن في "شرحه": أي: لعدم ورود ما يفيد الوجوب، ومجرد الفعل لا يفيد زيادة على كون المفعول مسنونًا، انتهى.
وزاد في "السيل الجرار": "اعلم أنه قد اجتمع هاهنا في صلاة الكُسوف الفعل والقول، ومن ذلك قوله ﷺ : "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آياتِ اللهِ، وإنهما لا يكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذلك؛ فافزعوا إلى المساجد"، وفي رواية: "فصلوا وادعوا"، والظاهر الوجوب؛ فإن صح ما قيل من وقوع الإجماع على عدم الوجوب؛ كان صارفًا وإلا فلا "انتهى".
стр. 206
قال الفقير إلى عفو ربه:
والأظهر: هو القول بالوجوب، لقوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك "فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة". متفق عليه (١).
وفي رواية لمسلم (٢): "فصلوا وادعوا الله، حتى يكشف ما بكم".
ولما كسفت الشمس خرج رسول الله ﷺ : مسرعًا فزعًا يجرّ رداءَه، وأخبر أنّ كسوفها سبب لنزول عذاب للناس، وأمر بما يزيل الخوف، فأمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق.
وثبت في "الصحيح" (٣): "أنّ النبي ﷺ بعث مناديًا ينادي: "الصلاة جامعة".
وروى ابن أبي شيبة (٤)، قال: حدثنا وكيع: ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله، قال: "رأيت ابن عمر يهرول إلى المسجد في كسوف الشّمس، ومعه نعلاه".
١٩٦ - قال الْمصَنِّف (٥):
"يقرأ بين كل ركوعين وورد في كل كل ركعة ركوع: فقط في "صحيح مسلم" من حديث سموة".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الألباني ﵀: "ليس لسمرة حديث في مسلم، وكأَن الشوكاني سها فتبعه عليه المؤلف، فإن هذا الخطأ وقع في "الدراري المضية" للشوكاني (٦)، وكأَنه أراد أن يقول: ابن سمرة -وهو عبد الرحمن-، فسها وقال: "سمرة".
стр. 207
وحديث عبد الرحمن هذا في "مسلم" (١) بلفظ: "فقرأ سورتين، وركع ركعتين"، وهذا اللّفظ ليس صريحًا فيما ذكره المؤلف، فقد تأوّله البيهقي وغيره بأن مراده بذلك في كل ركعة (٢)
وبعد كتابة ما تقدم، رأيت الشوكاني قد وقع في هذا الخطأ في كتابه، "نيل الأوطار" (٣) -أيضًا-، وصرح فيه (٤) بأن في الحديث الجملة التي نقلتها عن مسلم آنفًا" (٥).
١٩٧ - قال الْمُصَنِّف (٦):
"وقد أورد على هذه الروايات المنسوبة إلى فعله ﷺ إشكال هو: أنّه لم يصلها ﷺ غير مرة واحدة فكيف تشعبت الروايات إلى هذه الصفات؟ وقد أُجيب عن ذلك بأجوبة ذكرها الماتن ﵀".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال شيخ الإسلام: قد ورد في صلاة الكسوف أنواع؛ ولكن الذي استفاض عن أهل العلم بسنة النبي ﷺ ؛ ما رواه البخاري ومسلم من غير وجه -وهو الّذي استحبه أكثر أهل العلم- كمالك، والشافعي، وأحمد-: "أنه صلى بهم ركعتين، في كل ركعة ركوعان"، وقال البخاري وغيره من أهل العلم بالحديث: لا مساغ لحمل هذه الأحاديث -يعني: "في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع أو خمس- على بيان الجواز إلا إذا تعددت الواقعة، وهي لم تتعدد، لأن مرجعها كلها إلى صلاته ﷺ في كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، وحينئذٍ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط؛ لأنّها أصح وأشهر" (٧).
стр. 208
وقال أيضًا: "ما زاد عن ركوعين في ركعة غلط، وإنما صلى ﷺ مرة واحدة" (١).
١٩٨ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"والقيام بهذه السُّنّة جماعة أفضل، وليست الجماعة شرطًا فيها؛ لما في الأحاديث الصحيحة بلفظ: "فصلوا"، ولما في حديث قَبيصة الهلالي يرفعه: أنه ﷺ قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدت صلاة صليتموها من المكتوبة"؛ أخرجه أحمد، والنسائي".
قال الفقير إلى عفو ربه: نقل ﵀ قبل ورقتين عن "الحجة البالغة" قوله: "قد صح عن النبي ﷺ أنه صلاها جماعة، وأمر أن ينادي بها: "أن الصّلاة جامعة" وجهر بالقراءة"؛ فتنتبه.
* * *
١٥ - باب: صلاة الاستسقاء
١٩٩ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"وروى سعيد بن منصور في "سننه": "أن عمر استسقى، فلم يزد على الاستغفار".
قال الفقير إلى عفو ربه: لم أجده.
٢٠٠ - قال الْمُصنف (٤):
"وقد روي عنه ﷺ أنه خطب قبل الصلاة وخطب بعدها - فالكل سنة".
стр. 209
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الحافظ: "يمكن الجمع بين الروايات في ذلك: أنه ﷺ بدء بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبّر بعضهم عن الدعاء بالخطبة؛ فلذلك وقع الاختلاف" (١).
والأظهر: أنها خطبة واحدة؛ لما رواه أهل السنن -وصححه الترمذي- عن ابن عباس، قال: "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد؛ لم يخطب خطبتكم هذه".
* * *
стр. 210
الجنائز
١ - أحكام المحتضر
٢٠١ - قال الْمصَنِّف (١):
"وتوجيهه: إلى القبلة لحديث عبيد بن عمير عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال -وقد سأَله رجل عن الكبائر؟ - فقال: "هُن تِسع: الشرك، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام: قبلتكم أحياءً وأمواتًا"؛ أخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهو حديث حسن.
٢٠٢ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها؛ لقوله ﷺ : "قبلتكم أحياءَ وأمواتًا"، وفيه نظر؛ لأن المراد بقوله: "أحياءً" عند الصلاة، وبقوله: "أمواتًا" في اللّحد، والمحتضر حيٌّ غير
стр. 211
مصل، فلا يتناوله الحديث، وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي، وعدم اختصاصه بحال الصلاة! وهذا خلاف الإجماع".
قال الفقير إلى عفو ربه: روى ابن أبي شيبة (١): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "كانوا يستحبون أنه يوجه الميت إلى القِبلة إذا حضر".
وقال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن أشعث، عن الحسن، قال: "كان يُحَبُّ أن يستقبل بالميت القبلة إذا كان في الموت".
وقال: حدثنا عمرو بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: "كان يستحب أن يوجه الميت عند نزعه إلى القبلة؛ قال: نعم".
٢٠٣ - قال الْمصَنِّف (٢):
"والأولى الاستدلال بما رواه الحاكم والبيهقي، عن أبي قتادة: أن البراء بن معزوز أوصى أن يوجَّه إلى القبلة إذا احتضر، فقال رسول الله ﷺ : "أصاب الفطرة".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وهو حديث ضعيف؛ ففي إسناده نعيم بن حماد، وهو ضعيف، وأما قول الحاكم (٣): "هذا حديث صحيح؛ فقد احتج البخاري بنعيم بن حماد"؛ فقول غير صحيح، وإنما أخرج البخاري له مقرونًا بغيره؛ كما قال الذهبي (٤).
وقد أخرج هذا الحديث -أيضًا- ابن سعد (٥) وفيه الواقدي، وهو متروك.
стр. 212
٢٠٤ - قال الْمُصَنِّف (١):
"ومن ذلك فعل البتول ﵂ ".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، في إسناده ابن إسحاق، وعلي بن عاصم، وقد سبق جرحهما.
وقد رواه نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد، ورواه الحكم بن أسلم، عن إبراهيم أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن فاطمة اغتسلت؛ هكذا ذكره مرسلًا، ونوح والحكم كلاهما مجروح، وابن عقيل ضعيف وحديثه مرسل، والتخليط فيه من بعض الرواة، وكيف يكون صحيحًا والغسل إنّما شرع لحدث الموت وكيف يقع قبله؟ وحاشى علي وفاطمة أن يخفى عليهما مثل هذا" (٢).
قال ابن عبد الهادي: "هذا الحديث منكر جدًّا؛ أنكره الإمام أحمد وغيره، وإن كان قد رواه في "مسنده" عن أبي النضر، عن إبراهيم بن سعد، قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله أنكر حديث إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق أن فاطمة غسلت نفسها وكفّنتها" (٣).
٢٠٥ - قال الْمصَنِّف (٤):
"وقراءة يس عليه: لحديث: "اقرأوا على موتاكم ﴿يس (١)﴾ "؛ أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان -وصححه- من حديث معقل بن يسار مرفوعًا؛ وقد أعل".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الحافظ: "وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر بن العربي عن
стр. 213
الدارقطني أنه قال: "هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث" (١).
وقال: "هذا حديث غريب" (٢).
وقال النووي: "إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يضغفه أبو داود" (٣).
٢٠٦ - قال الْمُصَنف (٤):
"والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته: لما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه ﷺ يعوده، فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وأعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" (٥) ".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهو ضعيف؛ لجهالة عروة -ويقال: عزرة بن سعيد-؛ كما قال ابن حجر في "التقريب".
٢٠٧ - قال الْمُصَنف (٦):
"وأخرج أحمد والترمذي من حديث علي مرفوعًا بلفظ: "ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفأ".
قال الفقير إلى عفو ربه: في إسناده سعيد بن عبد الله الجهني، وثقه العجلي وابن حبَّان، وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول" ولم يعرف بجرح؛ لذا قال الترمذي: "حديث غريب"، ولم أجد أحدًا من الأئفة المتقدّمين غير الترمذي نص على تضعيف الحديث.
стр. 214
٢٠٨ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وعن ابن عباس، عن أبي داود،، وابن ماجه قال: "أمر النبي ﷺ بقتلى أُحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم؛ وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة، وفيه أيضًا عطاء بن السَّائب؛ وفيه مقال" (٢).
قال الفقير إلى عفو ربه: ففي إسناده عطاء بن السائب؛ قال الحافظ: "صدوق اختلط" (٣).
وعلي بن عاصم بن صهيب الواسطي؛ قال الحافظ: "صدوق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع" (٤).
٢٠٩ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"ولا بأس بالزيادة مع التمكن من غير مغالاة: لما وقع منه ﷺ في كفن ابنته فإنه كان يناول النساء ثوبًا ثوبًا؛ وهو عند الباب، فناولهن الحَقْو، ثم الدرع، ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر؛ أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وهو لا يصح.
٢١٠ - قال الْمُصَنِّف (٦):
"وأخرج أبو داود من حديث علي: "لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سريعًا".
стр. 215
قال الفقير إلى عفو ربه: إسناده ضعيف، فيه عمرو بن هشام -أبو مالك الجنبي-، قال الحافظ: "لين الحديث؛ أفرط فيه ابن حبان".
٢١١ - قال الْمصَنِّف (١):
"والحاصل: أنه لا ريب في مشروعية الكفن للميت، ولا شكّ في عدم وجوب زيادة على الواحد ولم يثبت عنه ﷺ كون الكفن على صفة من الصفات، أو عدد من الأعداد؛ إلا ما كان منه ﷺ في تكفين ابنته أم كلثوم.
وهذا الحديث- "لا تُغالوا في الكفن" -وإن كان فيه مقال- لكنه لا يَخْرُجُ به عن حد الاعتبار.
فغاية ما يقال: إنّه يستحب أن يكون كفن المرأة على هذه الصفة".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الألباني ﵀: "فيه: أن الاستحباب حكم شرعي، وهو لا يثبت بمثل هذا الحديث الضعيف؛ فتأمّل؛ لا سيما وهو بظاهره أقرب إلى المغالاة منه إلى العدل" (٢).
٢١٢ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ورحم الله أبا بكر الصّديق حيث قال: "إنّ الحي أحق بالجديد". لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: "إن هذا خلق".
قال الفقير إلى عفو ربه:
قال الألباني: "أخرجه البيهقي (٤)، عن عائشة: "لما اشتد مرض أبي بكر بكيت ... فأفاق .... ثم قال: أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: