← Акыда

Акыда · id 14275

اشتقاق أسماء الله

أبو القاسم الزجاجي

Полный текст (277 стр.). Показаны 246–277 · переход к 251.

стр. 246

تعقيب هذا الباب إن شاء الله تعالى باب ذكر امتناع بعض وكل في حال الإفراد من أن ينعتا أو ينعت بهما وذكر علة استحالة استعمال البعض والكل معرفين بالألف واللام إلا مجازًا قال سيبويه: «هذا باب ما ينتصب خبره لأنه معرفة وهي لا توصف ولا تكون وصفًا» وذلك قولك: «مررت بكل قائمًا» و «ببعض قائمًا» و «ببعض جالسًا» ولا يجوز لك أن تقول: «مررت بكل الصالحين»، ولا «ببعض الصالحين» قبح ذلك حين حذفوا ما أضافوا إليه لأنه مخالف لما يضاف شاذ منه فلم يجر في الوصف مجراه. كما أنهم حين قالوا: «يا ألله» فخالفوا ما فيه الألف واللام لم يصلوا ألفه وصار معرفة لأنه مضاف إلى معرفة كأنك قلت: «مررت بكلهم» و «ببعضهم» ولكن حذفت ذلك المضاف إليه كما جاز: «لاه أبوك». اعلم أن سيبويه قد أتى في هذا الفصل على جمع ما فيه وعلله ولكنه كلام مجمل وأنا أشرحه ليبين لك مغزاه إن شاء الله: أما قوله: ينتصب خبره لأنه معرفة فكما تنتصب أخبار المعارف في قولك: «مررت بزيد جالسصا» و «هذا محمد راكبًا» فقد بان لك في قوله: «بكل قائمًا» و «ببعض جالسًا» أن «كلا» و «بعضًا» عنده معرفتان لانتصاب خبرهما كما ينتصب خبر محمد وزيد.

стр. 247

ثم قال: «ولا يجوز لك أن تقول: «بكل الصالحين» ولا «ببعض الصالحين» فمثل لك نعتهما لو جاز أن ينعتا بما فيه الألف واللام لأنهما معرفتان، فلو نعتا لنعتا بما فيه الألف واللام أو ما جرى مجراه. ثم قال: قبح ذلك حين حذفوا ما أضافوا إليه لأن أصله عنده أن يقال: مررت بكلهم أو ببعضهم فيستعملان مضافين لأنه لا يعقل معناهما إلا بما يضافان إليه لأن كلا وبعضًا متعلقان بغيرهما مما يضافان إليه. قال: لأنه مخالف لما يضاف إليه يعني أن المضاف لا يفصل من المضاف إليه لأنه تبطل فائدة الإضافة إلا على أحد الوجهين، إما بالاستغناء عن فائدة الإضافة كقولك: «هذا غلام زيد» ثم تقول: «هذا غلام» إذا لم ترد إضافته ولا تعريفه أو يكون مضاف يتعلق بالمضاف إليه ويقل إفراده منه فيفصل، ويدل في حال إفراده على ما كان يدل عليه مضافًا كقولك: «جئت قبلك وبعدك» و «أول الناس» تقول: «جئت قبل وبعد وأول» فتفصله من المضاف إليه وتبينه لعلم المخاطب فيكون في حال إفراده دالاً على ما كان يدل عليه [مضافًا] لعلم المخاطب وعلى ذلك فصلته، ولذلك بنيته لتعريفه، فإن نكرته أعربته فقلت: «جئت قبلاً وبعدًا»، وكما قرئ ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ على البناء، وقرأ بعضهم «من قبل ومن بعد» على التنكير». قال سيبويه: فخالفت «كل» و «بعض» المضاف لأنهما لم يجئا مضافين على استحقاقهما وحين فصلا من الإضافة بنيا كما يبنى «قبل» و «بعد» و «أول»، وما أشبه ذلك إذا أريد به التعريف فقد أريد بكل وببعض التعريف ومعنى الإضافة فلم يبنيا فهذا شذوذهما ومخالفتهما للمضاف، ولم ينكرا حين لم يضافا فيكون تنوينهما دليلاً على تنكيرهما، والدليل على تعريفهما نصب العرب خبرهما، فهذه العلة المانعة لكل وبعض

стр. 248

من أن ينعتا كما قال سيبويه، لأنهما بلفظ الإفراد منوي بهما الإضافة، فقولك: «مررت بكل، وبعض» بمنزلة مررت بكلهم وبعضهم إذا صارا بأنفسهم معرفة وصارت المعرفة التي لحقت في المضمر المتصل بهما نكرة، ولم يجز أن ينعت بهما لأنهما بمنزلة المضمر، والمضمر لا ينعت به الظاهر، وهذه العلة أيضًا هي المانعة من إدخال الألف واللام عليهما فيقال «الكل»، و «البعض» لأنهما بمنزلة المضمر، والمضمر لا يعرف بالألف واللام لا يقال «الأنت» و «الأنا» و «الهو» وما أشبه ذلك. وعلة أخرى إنهما بمنزلة المضاف إلى المضمر فكل بمنزلة كلهم، وبعض بمنزلة بعضهم، فكما لا يقال: «الكلهم» و «البعضهم» كذلك لا يقال «الكل» و «البعض» يمنع ذلك القياس وأنه لم [يجئ] في شيء من كلام العرب البتة. فإدخال الألف واللام عليهما خطأ قياسًا كما ترى، وسماعًا إلا مجازًا واتساعًا وصرفًا لهما عن هذا المعنى. قال أبو عثمان المازني: سألت أبا الحسن الأخفش عن إدخال الألف واللام في «كل» و «بعض» أيجوز أن أقول: جاءني الكل؟ عندي البعض؟ إذا كنت اذهب إلى قوم قد عرفهم من أخاطبه؟ فقال: «أراه جائزًا ولا أعرفه من كلام العرب لأن العرب لم تدخل الألف واللام هاهنا» فقد دلك الأخفش هنا، وروايته على أن العرب لم تستعمل هذا بالألف واللام. وأما إجازته إياه على ضعفه فإنما هو رأي رآه وليس بجائز للعلتين اللتين ذكرناهما وهما أنهما بمنزلة المضمر لا يدخله الألف واللام [أو] بمنزلة المضاف إلى المضمر ولا تدخله الألف واللام إلا بأن يخرجا عن ذلك التقدير ويجعلا اسمين وضعا على قوم قد عرفهم المخاطب غير مفصولين من الإضافة ولا مقدر ذلك فيهما فيكون ذلك جائزًا وعلى هذا الوجه وقعت المسامحة في استعمالها في كلام المتأخرين، فكثيرًا ما ترى استعمالها بالألف واللام في كلام أهل العلم، ووجهه على ما ذكرت لك. فإن قال قائل فقد ذكرت معنى قول سيبويه وشرحته في امتناع «كل» و «بعض»

стр. 249

من إدخال الألف واللام عليهما ولم يذكر سيبويه ولا أنت العلة التي من أجلها لم تبن «كل» و «بعض» في حال الإفراد وهما في معنى المضاف معرفتان، وسبيلهما أن يبنيا كما بني «قبل» و «بعد»؟ فالجواب في ذلك أن سيبويه قد أجاب عن هذا بعينه في قوله: «أنهما مخالفتان لما يضاف شاذان»، وتشبيهه إياهما بقولهم: «يا ألله» في قطعهم ألفه وإدخال حرف النداء عليه، فقد صرح سيبويه إنهما اسمان شاذان استعملا في الإفراد استعمالاً لا يستعمل عليه نظراؤهما. وإذا خرج الشيء إلى طريق الشذوذ في الرواية سلم العرب وسقط الاعتراض فيه. وبقيت الروايات الصحيحة والرجوع إليها. فلم يترك سيبويه شيئًا يتعلق بهذين الاسمين - أعني كلاً وبعضًا - إلا قد أتى عليه في كلامه ذلك مع قتله واختصاره. وشبههما مع ذلك بقول العرب: «لاه أبوك» وهم يريدون: «لله أبوك» فحذفوا الألف واللامين، وليس هذا بجائز في غير هذا فتدبر ما ذكرت لك في هذا الفصل من كلام سيبويه وشرحه فإنك تراه مستوعبًا لجميع ما يسأل عنه في هذا الباب بجوابه وعلله. باب الفرق بين الاسم والنعت لفظًا ومعنى قد ذكرنا في الباب الأول مذهب من يفرق بين النعت والوصف، ومذهب من يجمع بينهما، فأما النعت فقد يكون اسمًا مشتقًا من فعل، واسمًا غير مشتق، وفعلاً وجملة، والاسم يكون على ضربين: مشتقًا وغير مشتق. ولا بد للنعت من أن يتضمن معنى فعل أو نسب أو خلقة أو صنعة كما ذكرت لك. فالأسماء تنقسم أولاً قسمين: معرفة ونكرة نحو: رجل، وفرس، وزيد، وعمرو وهذا أول انقسام الأسماء ثم تتنوع بعد ذلك فتصير ستين نوعًا يجمعها كلها التنكير والتعريف. والتنكير أول والتعريف بعد، فالمنكور الاسم الشائع في جنسه، والمعروف: المخصوص من النكرات ما هو إلى المعارف أقرب. كما أن من المعارف ما

стр. 250

هو أكثر عمومًا. فأبعد النكرات من المعارف «شيء» وأقربها إلى المعارف رجل وفرس، وأقرب من هذا إليها ما قرن بنعت ففارق الإشاعة في أشباهه فإذا نزلت من فوق إلى أسفل قربت من التعريف، وإذا صعدت من أسفل إلى الفوق بعدت من التعريف. والمعارف خمسة أجناس أعرفها المضمرات وهي أعرف المعارف من الظاهرات وهي تنقسم قسمين: المشاهد والغائب، والمشاهد ينقسم قسمين: أحدهما المخبر عن نفسه، والآخر المخاطب، فالمخبر عن نفسه أعرف من المخاطب لأنه لا يشارك في اسمه البتة، ومن ثم استوى فيه المذكر والمؤنث إذا قلت: أنا، وفعلت وما أشبه ذلك. وذلك أنه لا يلتبس، فلما لم يلتبس استوى فيه المذكر والمؤنث ولم يحتج إلى فصل. والمخاطب دونه في التعريف وذلك أنه يجوز أن يكون بحضرتك اثنان أو أكثر فيتوهم كل واحد منهما أو منهم أنك خاطبته دون الآخر، فمن ثم فصلت بين خطاب المذكر والمؤنث في قولك: أنت وأنت، وقمت وقمت، واكرمتك واكرمتك فصار المخاطب دون المخبر في التعريف. والغائب دونهما في مرتبة التعريف، وهو أعرف من الاسم العلم ألا ترى أنك تقول: «جاءني زيد» فيجوز أن يعرف المخاطب اثنين أو ثلاثة اسم كل واحد منهم زيد، فتحتاج إلى الوصف للفرق فتقول: «جاءني زيد الطويل أو القصير أو الاشقر أو الآدم أو الكاتب أو الفقيه» فتنعته وتصفه بما يفصله من غيره. وإذا قلت: ضربته أو كلمته لم تحتج إلى نعت لأنه لا يلتبس وذلك أن هذا كلام لا يجري إلا بعقب مذكور قد عرفه المخاطب بحلاه وأوصافه. فاستغنى عن النعت لذلك ولو لم يكن المخاطب عرفه كمعرفتك لم تضمره وكنت تظهره وتتبعه أوصافه وحلاه حتى تتقرر له معرفته، فلذلك صار الغائب المضمر أعرف من الظاهر. ثم يتلوه في التعريف الاسم العلم، وذلك أنه ثابت على المسمى مظهرًا كان المسمى أو مبهمًا فلذلك صار أعرف من المبهم لأن المبهم يشار به إلى كل ما بحضرتك

стр. 251

نحو: هذا، وهذه أو إلى كل ما تراخى عنك نحو: ذاك، وتلك. والاسم العلم مخصوص نحو زيد، ومحمد، وجعفر. ثم المضاف إلى المعارف بعد هذا يتعرف بالإضافة إلى المعروف، واختصاصك إياه بذلك. وقد ذكرنا أنواع الأسماء الستين في شرح كتاب الجمل مفسرة بما أغنى عن إعادته هاهنا والزيادة في هذا الكتاب. فالأسماء على ما قد بان ووضح تكون نكرات ومعارف، ومشتقة وغير مشتقة. هذا أصلها وتنفرد بالتنوين والإضافة وإدخال الألف واللام عليها والنعت والتصغير والنداء والنسبة والجمع لأن الأفعال في الحقيقة لا تلحقها في ذاتها تثنية ولا جمع ولا يحلق شيء من هذه الأشياء فعلاً ولا حرف معنى، وبهذا فرق بين الأسماء وأغبارها. فأما الأسماء المنعوت بها فهي تنقسم عشرة أقسام: تكون أسماء مبنية على الأفعال نحو: قائم وراكب ومركوب وضارب ومضروب ومقتول وما أشبه ذلك من الأسماء الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعالها. فهذه الأسماء تكون نعوتًا في حال وأخبارًا في حال، وأحوالاً في حال، وأبدالاً وعطوفًا عطف الباين في حال. وتجري مجرى الأسماء المحضة التي لم تشتق في حال فتكون فاعلة ومفعولة، ويدخل عليها سائر عوامل الأسماء. فكونها نعوتًا: «جاءني زيد العاقل»، و «مررت بأخيك الكاتب»، و «قصدت أبا بكر الكاتب» وما أشبه ذلك. فهي في هذه المواضع وما أشبهها نعوت وأوصاف أوضحت عن المنعوت وفصلت بينه وبين مجانسه لأن سبيل المتكلم أن يبدأ بالاسم الأعرف الأشهر عند مخاطبه، فإن عرفه اكتفى به وإلا أتبعه من النعوت ما يزيد إيضاحًا ومعرفة. والذي والتي وثنيتهما وجمعهما تجري في النعوت على المعارف مجرى ما فيه الألف واللام سواء، لما يقع في صلاتها من الفوائد. وكذلك إذا قدم ذكر النكرة فإنما تتبعه النعت لتخلصه ممن شركه في بنيته وتقربه من المعروف بضروب من التخصيص كقولك: «مررت برجل عاقل» فصلت بالعقل بينه وبين من ليس بعاقل فصار فيه ضرب من التخصيص فلذلك صار قولك «مررت برجل عاقل» أخص من قولك «مررت برجل» وكذلك سائر النكرات إذا وصفت فإنما يفعل ذلك بها إبانة لها من غيرها. فإن كان المنعوت مستغنيًا عن النعت لشهرته لم يحتج إلى النعت إلا مدحًا أو ذمًا، وسنفرد لهذا بابًا إن شاء الله

стр. 252

تعالى. وكذلك إذا قلت: «جاءني الذي أكرمك»، و «قصدت الذي أبوه زيد» وما أشبه ذلك فقد نابت الذي عن منعوت مقدر قبلها على ذلك وقعت في كلامهم، وإن ذكرته قبلها لفظًا جاز أيضًا. وأما كونها أخبارًا فقولك: «زيد عاقل» فقد خبرت عنه بالعقل ولم تنعته به، والفرق بين النعت والخبر أن النعت يجيء موضحًا للمنعوت بما قد استقر عند المخاطب أنه فيه ولا يكتفي به دون الخبر، وتكون فائدة الخبر بعد ذكر النعت متوقعة، وبها يستغني الكلام ألا ترى أنك إذا قلت: «جاءني زيد الكاتب» فإنما تنعته بالكاتب عند من قد عرفه بذلك لتخرجه بذلك عن الإشاعة. وإذا قلت: «زيد كاتب» فإنما تخبر بهذا من لم يعلم أن زيدًا كاتب لتفيده ذلك، فهذا فرق بين النعت والخبر وأبين من هذا أنك إذا قلت: «زيد الكاتب» لمن قد عرفه بذلك وجعلت الكاتب نعتًا لزيد فالكلام ناقص بعد لم يفده شيئًا، فسبيلك أن تقول: «زيد الكاتب» لتفيده ما لم يكن عنده وإن جعلت الكاتب خبرًا لا نعتًا تم الكلام به. ومثل ذلك: «أن زيدًا الكاتب منطلق» إذا جعلت «الكاتب» نعتًا نصبته كما ترى، وجعلت «المنطلق» خبرًا، وإن جعلت «الكاتب» خبرًا استغنيت عن «المنطلق» فقلت: «إن زيدًا الكاتب» فجعلته خبرًا ورفعته ولذلك قال بعضهم وقد سمع مؤذنًا يقول: «أشهد أن محمدًا رسول الله» بالنصب فقال له: ويحك فعل ماذا؟ لأنه لم يأت بالخبر. وكذلك مجرى هذه الأسماء في باب كان والظن في كونها نعوتًا في حال وأخبارًا في حال. قال سيبويه: إذا كان الاسم لا يعرف إلا بنعته فهو والنعت بمنزلة اسم واحد معروف. قال الفراء: إذا كان الاسم مستغنيًا عن النعت فالنعت تكرير ولا ضمير فيه. وإذا كان غير مستغن ففيه ضميره. وأما كونها أحوالاً فقولك: «جاءني زيد اركبًا»، و «انطلق عبد الله مسرعًا»، والبدل قولك: «زيد ذاهب مسرع» تجعل «مسرعًا» بدلاً من «ذاهب»، وإن جعلته حالاً فنصبته جاز. وأما كونها أسماء محضة فقولك: «رأيت راكبًا» و «مررت بقائم» و «جاءني راكب» وما أشبه ذلك. ولها أحكام

стр. 253

في إجرائها مجرى الفعل في عمله وامتناعها من ذلك في بعض الأحوال ليس هذا موضع ذكره. وتكون النعوت أسماء مأخوذة من الأفعال على غير طريقة الفاعلين والمفعولين نحو: معطار، ومذكار، وصبور، وشكور، وغدور، وجديد، ودهين. وما أشبه ذلك من الأسماء المشتقة الخارجة عن طريق أسماء الفاعلين والمفعولين في أوضاع النحو ألا ترى أن «معطارًا» ليس باسم الفاعل من «تعطر» ولا من «عطر»، ولا هو باسم المفعول، وكذلك مذكار، وصبور، وشكور، وغدور ليس على: اذكر ولا صبر، ولا شكر، ولا غدر لأن اسم الفاعل من ذلك: مذكر، وصابر، وشاكر، وغادر ومجرى هذه الأسماء في النعوت موضحة لما تجري عليه مجرى ما تقدم. وتفارقها في امتناعها من أعلام التأنيث، وفي أحكامها في التثنية والجمع، وعملها عمل تلك الأسماء. ويكون ضرب من هذه الأسماء للمبالغة، وفي عملها خلاف نحو: ضراب، وضروب، وضريب وقد مضى ذكرها في أول الكتاب. والضرب الرابع منها ما لم يكن مستعملاً فعله نحو: قيسي، وتميمي، ومضري، وهاشمي، وأنصاري، وبدري وما أشبه ذلك من النسب ليس يكاد ينطق بفعل كل واحد منها. والخامس: أسماء ينعت بها دالة على الخلق والطبائع نحو: الطويل، والقصير، والحسن، والقبيح، والعاقل، والشجاع، والجبان وما أشبه ذلك. والسادس: أسماء الأعداد قد ينعت بها نحو قولك: «عندي إبل مائة» و «رأيت إبلاً مائة»، قال الشاعر وهو الأعشى: لئن كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء بسلم والضرب السابع: ما كان جنسًا مضافًا إليه وربما نعت به كقولك: «هذا خاتم حديد»، و «ثوب خز»، و «باب ساج». هذا وجه الكلام يضاف إلى جنسه ليوضحه، وقد يجريه بعض العرب على أوله موضحًا له فيقول: «هذا باب حديد»، و «خاتم فضة»، و «سرج خز». ومنهم من ينصبه على التمييز فيقول: «هذا خاتم حديدًا»، و «جبة خزا»، يذهب إلى المقدار، ويقول في ضرب من هذا الباب: «مررت بسرج خز

стр. 254

صفته» بالخفض إذا لم تكن صفته الخز بعينه وإنما أردت التشبيه، فكأنك قلت: «كالخز صفته» وإن كانت صفته من الخز قلت: «مررت بسرج خز صفته» بالرفع، وكذلك «مررت بدار ساج [بابها، وساج بابها]» وكذلك «مررت برجل عسل شرابه، وعسل شرابه» وعلى هذا فقس. والضرب الثامن: ما كان منقولاً من النعوت إلى غير صاحبه في الحقيقة، وإنما ينقل إلى ما كان من سببه ومتعلقًا به نحو قولك: «مررت برجل قائم أبوه» فتصف الرجل بقيام أبيه لأنه من سببه، وكذلك: «مررت برجل راكبة جاريته» و «منطلقة أمته» و «كريمة أمه» وما أشبه ذلك، ومنه «مررت برجل حسن الوجه» فالحسن للوجه ثم نقلته إلى الرجل لأنه لشيء من سببه. فجميع هذا الباب إذا أضفته جرى تذكيره وتأنيثه على الأول فإن لم تضفه ورفعت الثاني به جرى تذكيره وتأنيثه على الثاني كقولك: «مررت بامرأة قائم زوجها» فتذكر قائمًا لأنك رفعت الزوج ولا ذكر فيه من المرأة فتدبر هذا فعليه مجرى هذا الباب. ولو قلت: «مررت بامرأة خصي الزوج» لم يجز لأن النساء لا يوصفن بالخصاء. وقد حصل النعت لها بخفضك الزوج، فلو قلت: «مررت بامرأة خصي زوجها» فرفعت الزوج جاز عند بعضهم لأنه لا ذكر في الخصي من المرأة وإن كان قد جرى عليها لفظًا. وأجود من ذلك أن تقول: «خصي زوجها» فتخلصه له لأنه لا يكون منها. ولو قلت: «مررت بامرأة أمرد زوجها» جاز فإن قلت: «مرداء الزوج» لم يجز لأنه لا يقال: «امرأة مرداء» كما لا يقال «خصي» وقد أجازه الأخفش فيما حكي عنه، وقال: قد حكي عن العرب: شجرة مرداء إذا تحات ورقها. والتاسع: ما كان صناعة ينعت بها نحو: بقال، وعطار، وصواف، وبيطار، ونحاس وما أشبه ذلك. والعاشر: ما كان من نعوت الأنثى على جهة النسب فتجيء بلفظ التذكير

стр. 255

نحو: «امرأة طالق، وحائض، ومرضع، وعاشق، وناكح، ومطفل» وما أشبه ذلك. فهذه وجوه لأسماء المنعوت بها وما يخرج شيء منها عن بعض هذه الوجوه، وأما كون الأفعال نعوتًا فإن الأفعال كلها نكرات فلا ينعت بها إلا النكرات، وإن اتبعت المعارف في مواقع النعوت كانت أحوالاً لها، وكذلك جميع ما ينعت به إذا كان نعتًا للنكرات كان حالاً مع المعارف، تقول من ذلك: «مررت برجل يكرم زيدًا» فالفعل وصف للرجل والمعنى: «مررت برجل مكرم زيدًا»، وكذلك: «جاءني غلام يركض» والمعنى راكض، ولا يكون الفعل نعتًا للاسم إلا إذا كان تقديره تقدير اسم يقع ذلك الموقع. وإنما جاز في الأفعال المستقبلة ذلك لأنها مضارعة للأسماء الفاعلين. وتقول: «جاءني زيد يركض» أي راكضًا تقديره بالحال كما ترى، و «مررت بعبد الله يأكل» أي مررت به آكلاً، قال الله جل وعز: ﴿من لدنك وليا يرثني﴾ ويرثني: قرئ بالجزم على الجواب، وبالرفع على النعت كأنه قال: وليًا وارثًا. وكذلك قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي: مستكثرًا. وتستكثر بالجزم على الجواب. وقد ينعت بالماضي كقولك: «مررت برجل ضرب أخاك»، و «جاءني رجل خاطب محمدًا» وهذا مستعار والأول أجود. وأما الجمل التي تكون صفات فمنها الأفعال التي ذكرناها لأنه لا يكون فعل إلا بفاعل فهي وفاعلوها جملة قد نعت بها، ومنها قولك: «مررت برجل ماله كثير» وضع هذه الجملة خفض نعت للرجل، وكذلك ما أشبههه. وللنعوت خصائص تنفرد بها من الأسماء التي ليست بنعوت من جموع وأبنية ليس هذا موضع ذكرها.

стр. 256

باب القول في صفات الله التي تقدم ذكرها وكيف مجراها عليه ﵎ اعلم أن الصفات في كلام العرب على ضربين إذا كان الاسم عند من يخاطبه ملتبسًا بغيره ممن يشركه في بنيته فهو حينئذ محتاج إلى الوصف، ووصفه إيضاح له وتبيين. وإذا كان الاسم معروفًا عند من تخاطبه إما بتقديم معرفته به وتحصيله إياه أو بشهرته، كان مستغنيًا عن النعت، وكانت نعوته ثناءً عليه، ومدحًا أو ذمًا فصفات الله كلها ثناء عليه ومدح له مدح بها نفسه، ونبه العباد عليها وتعبدهم بوصفه بها لأنه ليس كمثله شيء ولا يحتاج إلى الصفات إيضاحًا كما يحتاج غيره، وبيانًا له من غيره لأنه ليس كمثله شيء وإنما يمدح بصفاته ويثني بها عليه، ولذلك قد بان بما وصفنا من شرح أسمائه أنها كلها صفات له وثناء عليه وليس منها اسم موضوع للفصل بمنزلة الأسماء الأعلام التي قدمنا ذكرها، والمضمرات والمبهمات والمضافات لأنه عن ذلك مستغن. وإذا كان الاسم مستغنيًا عن النعت في كلام العرب كان لك في نعته وجهان: إن شئت أتبعته الاسم في الإعراب لفظًا، وإن أريد به المدح والثناء أو الذم كقولك: «جاءني إخوتك الكرام العقلاء الظرفاء»، و «مررت بأصحابك الكرام الأدباء العقلاء»، وكذلك ما أشبه ذلك وإن شئت قطعته منه ونصبته بإضمار فعل كقولك: «مررت بإخوتك الكرام العقلاء الظرفاء». وإن شئت أتبعت بعضًا وقطعت بعضًا. وكذلك في الذم كقولك: «جاءني زيد الفاسق الخبيث» وإن شئت قطعته فرفعته في المدح والذم بإضمار المبتدأ. كل ذلك جائز مستعمل كثير في كلامهم. أنشد سيبويه: وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلا نميرًا أطاعت أمر غاويها الظاعنون ولما يظعنوا أحدًا ... والقائلين لمن دار نحليها

стр. 257

وأنشد: لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الازر وقال الأخطل: نفسي فداء أمير المؤمنين إذا ... أبدى النواجذ يوم باسل ذكر الخائض الغمر والميمون طائره ... خليفة الله يستسقى به المطر وقال عروة: سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور وقرأ بعضهم: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ بالنصب على ما ذكرت لك.

стр. 258

والشواهد في هذا كثيرة مشهورة في كتب النحو يستغنى بشهرتها عن ذكرها هاهنا. فصفات الله كما ذكرنا ثناء عليه ومدح له، فإن اتبعتها الاسم في إعرابه جاز وإن قطعتها منه فنصبتها بإضمار فعل على تقدير «أذكر» أو «أعني» جاز. وإن رفعت بإضمار المبتدأ كان ذلك كله جائزًا على مذهب العرب. فأما في القرآن فلا يكون إعرابها إلا ما جاء عن الأئمة لأنه ليس كل ما كان في اللغة جائزًا جاز أن يقرأ به لأن القراءة سنة تتبع ولا تبتدع. باب القول في نسبة الاشتقاق والرد على من أنكره اعلم أن للناس في الاشتقاق ثلاثة أقوال: فأما الخليل وسيبويه وأبو عمرو بن العلاء وأبو الخطاب وعيسى بن عمر والأصمعي وأبو زيد وأبو عبيدة والجرمي وقطرب والمازني والمبرد والزجاج وسائر من لم نسمه من البصريين من أهل اللغة فإنهم يقولون: بعض الكلام مشتق وبعضه غير مشتق، وبعضه غير مشتق، لأنه محال أن يكون كله مشتقًا إذا كان لا بد للمشتق من أصل ينتهي إليه غير مشتق لأنه لو كان كل مشتق له أصل آخر اشتق منه إلى ما لا نهاية لوجب من ذلك وجود ما لا يتناهى موقوفًا عند آخره بوجود الكلمة التي يقال إنها مشتقة وهذا محال. وجميع ما ذكرنا من أهل اللغة قد تكلم في الاشتقاق أما في كتاب له مفرد بالاشتقاق أو في عرض كلامه في اللغات والتصاريف والأبنية والجموع وما ينصرف وما لا ينصرف والمقصور والممدود والمهموز وسائر ذلك مما لا بد لهم فيه من المقايسة وذكر

стр. 259

الأصول والزوائد والملحق وغير الملحق وما أشبه ذلك. وزعمت طائفة من متأخري أهل اللغة أن الكلام كله مشتق، وليس هؤلاء من الأولين ولا يقوم بأعيانهم مشهورين ولا في ذلك كتاب مصنف، ولا هو قول إمام متقدم وإنما قول المتعسفين من متأخري أهل اللغة. وفساده بين واضح كما ذكرنا. وقد زعم جماعة أن أبا إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج كان يعتضد هذا المذهب ويقول: الكلام كله مشتق ويشنعون بذلك عليه ويضعون عليه حكايات باطلة ومعاذ الله من ذلك. وكلامه في ذلك واضح بين في كتابه الكبير في الاشتقاق، وذلك أنه يبتدئ بالباب في مسألة ويجعلها أصلاً ويرد إشكالها إليها ويلحق نظائرها بها. فلو كان عنده أن الكلام كله مشتق ما جاز أن يعقد له أصلاً يرد إليه غيره إذا كان ذلك الأصل أيضًا عنده مشتقًا. وإنما قال ذلك القول على الزجاج من زعمه لأنه قصد أشياء كثيرة هي عند غيره غير مشتقة فاعتقد أنها مشتقة من غيرها وتكلم فيها وأراهم كيف وجه اشتقاقها بالمقاييس التي يوافقونه عليها. فأما أن يكون عنده الكلام كله مشتق فمحال ولم يقوله. وزعم بعضهم أن سيبويه كان ممن يرى أن الكلام كله مشتق وتعلق بكلام له في كتابه في قوله إن مثل النجم والسماك والدبران وابن الصعق وما أشبه ذلك صفات لأسماء غلبت عليها لأسباب حدثت [و] اشتق لها منها هذه الأسماء ثم نقلت فإن ورد علينا ما نعرفه ولا يعرف اشتقاقه فإنما ذلك لأنه قد ذهب من كان يعرف معانيها أو لأن الأول الواضع كان عنده من العلم بذلك ما لم يصل إلينا، فقالت هذه الطائفة: الكلام كله مشتق وإن ورد علينا ما لا نعرف اشتقاقه فالسبب فيه

стр. 260

ما قال سيبويه وادعوا عليه أنه كان يقصد مذهبهم بهذا الكلام الذي قدمنا ذكره عنه. وهذا لا يدل على أن سيبويه كان يعتقد ما ذهبوا إليه لأنه إنما تكلم عن جنس من الأسماء مشتقة بان له اشتقاقها ووضح وتكلم عليه ثم قال: فقد وضح بما ذكرنا أن هذا الجنس من الأسماء إنما وقع في كلامهم معرفًا بالألف واللام نعتًا مشتقًا وإنه إن ورد من هذا الجنس ما لا يعرف اشتقاقه فللعلة التي ذكرها ولا يوجب أن يحكم عليه أنه كان يعتقد أن الكلام كله مشتق. ونظير هذا من مذهبه قوله: كل اسم في أوله همزة وهو بها على أربعة أحرف فإنه يحكم على الهمزة بالزيادة نحو: أحمر وأصفر وأخضر. قال: وإنما حكمنا عليها بالزيادة إلا أن يجيء أمر يوضح أنها أصلية من اشتقاق أو تصريف لكثرة ما وجدناها زائدة أولاً. ولم يمنعه هذا من أن يوجد اسم في أوله همزة أصلية وهو على أربعة أحرف نحو: أفكل، وأيدع، وأرطى في أحد القولين بدليل قام له على ذلك من اشتقاق وغيره. وكذلك يقول في الميم إذا كانت أولاً فيما عدته بها أربعة أحرف نحو: مضرب ومدخل وما أشبه ذلك، يحكم عليها أبدًا بالزيادة حتى يقوم دليل على أنها أصلية كما بان له ذلك في «مهدد» و «مأجج» وما أشبه ذلك. وذهب قوم من أهل النظر إلى أن الكلام كله أصل وليس منه شيء اشتق من غيره. وليس أحد من أهل اللغة الأعلام المشهورين يقول بذلك، ولا من النحويين الأئمة فيما انتهى إلينا من مذاهبهم، ورويناه من كتبهم، والحكايات عنهم، وفيما شاهدنا من يخبر عنهم ينكر أن يكون في كلام العرب اشتقاق ما وإن بعضه يرد إلى أصول منه تفرعت، وبعضه غير مشتق ولا مأخوذ من غيره، وإنما يدفع الاشتقاق قوم من أهل الجدل كما ذكرت لك ولم يذهبوا في ردهم ذلك مذاهب أهل اللغة، ولا قال القائلون بالاشتقاق من جهة الرادين لذلك، ولا زعموا ما ادعوه عليهم ولا مذهبهم فيه المذهب الذي أفسدوا منه صحة الاشتقاق، وذلك أن الرادين

стр. 261

للاشتقاق استدلوا على بطلانه بأن قالوا: إن العرب تتكلم بطباعها ولم تعرف الاشتقاق ولا الإعراب، ولو كان العربي يشتق الكلام ويتعمل الإعراب مستدلاً ومستنبطًا لاحتاج إلى موقف على ذلك، واحتاج الذي قبله إلى آخر إلى ما لا نهاية، وهذا محال فكل واحد منهم إنما يتكلم بطبعه لولا ذلك ما كان حجة يلزم قبول قوله، فهذه حجة من دفع الاشتقاق وأنكره. والقول في ذلك أنا لا نقول: إن العرب قالت لبعض الكلام هذا مشتق من هذا، وهذا غير مشتق لبعضه كما إنها لم تقل: إن بعض الكلام مستحق للرفع لعلة ما فنحن نرفعه لذلك، وبعضه مستحق للخفض وبعضه للنصب وبعضه للجزم، ولا عرفت هذه الألقاب، ولا ما يجر مما يرفع، ولا سائر تلك الوجوه. ولو قيل لبعض الأعراب الأقحاح: ما حرف الخفض؟ وكم الحروف الناصبة للأفعال والجازمة لها؟ ما دري ماذا يقال له، ولا عن أي شيء يسأل. ولو سئل عن حكمة لتكلم بها مصيبًا فيها جهة إعرابها غير مخطئ. وكذلك أيضًا لو قيل له: أتقول إن بعض كلامكم مشتق وبعضه غير مشتق؟ لما درى عن أي شيء يسأل. وقد قيل لبعضهم: كيف يقولون: «إنا من المجرمون منتقمين»؟ وغير له الإعراب فقال: كما قلت: «إنا من المجرمين منتقمون». فتكلم بالصواب ولم يقع له أن الملقن له تكلم بالصواب. وسمع آخر رجلاً يقول: «على فلان لعنة الله» بالنصب. فقال: ويحه أما يكفيه واحدة؟ ظن أن القائل ثنى اللعنة فقال: «عليه لعنتا الله» واللفظ بذلك يستوي لهذاب ألفين في وصل الكلام، فهذا غير مدفوع ولا معترض عليه. ولكنا نقول: إن المتكلمين بهذه اللغة - أعني لغة العرب - على ثلاثة أصناف فصنف منهم يتكلمونها غير عارفين بأوضاعها وأسبابها وحكمتها سوى النطق بها عادة فقط، وآخرون أضافوا إلى النطق بها ومشاركة الأولين في اعتياد النطق بها ضربًا من العلم بها والفحص والكشف عنها، وحفظ غرائبها وشاذها. والدليل على صحة ما قلنا

стр. 262

إنهم لو كانوا كلهم شرعًا واحدًا في باب النطق، ولم يكن هناك من ضم إلى نطقه علمًا، لكانوا كلهم متساوين في المعرفة بها لأن ما يدرك طبعًا لا يقع فيه تفاضل، في هذه اللغة بضرب لا يعم الجميع ويختص بعضهم بما هو غير عام في جميعها من الآخر، وأن الكلمة من الغريب قد ترد على من لا يعرفها منهم، وقد ترد على من يعرفها. وقد كان منهم من يرجع إليه ويسأل عنه، فلولا أن عند المرجوع إليه في ذلك علمًا من جهة الحفظ والاستنباط لتساووا كلهم فيه. وكذلك أيضًا نجد منهم من يقول الشعر ويرجز ويسجع، وليس ذلك في جميعهم. وقد علمنا أن من قال منهم ذلك فإنما قاله طبعًا وعادة لا تكلفًا إلا إنه لم يشركه في ذلك الجميع فقد بان لنا أنهم يتفاضلون في هذه اللغة بضرب لا يعم الجميع ويختص بعضهم بما هو غير عام في جميعها. وصنف ثالث ممن تكلم بهذه اللغة تعليمًا وأخذًا واتباعًا للأولين طلبوا مقاييسها لأنهم لم يمكنهم ضبطها وحصرها حفظًا، ولا كان ذلك متيسرًا أن يؤخذ كل لفظ عنهم سماعًا فبعضها عرفوه بالاعتياد والعرف والنشوء عليه صغارًا وكبارًا حتى صاروا فيه كالمطبوعين المعتادين لأنهم لم يتكلموا بغير هذا اللسان قط. وبعض عرفوه بالاستدلال والمقاييس من رفع الفاعل ونصب المفعول والخفض بالحروف الخافضة والجزم بالجازمة وما أشبه ذلك مما أدرك من كلامها استنباطًا وتعلمًا لأنه لم يسمع أحد من العرب اسم كل فاعل ومفعول، ولا بناء كل مصدر وجمع وإنما سمع بعضًا وقاس بعضًا فأصاب، ولم يخرج عن أوضاعهم، وشهد بصحة ذلك موافقته لما جاء في أشعارهم وأراجيزهم وأسجاعهم، وما جاء في القرآن العربي المبين. وهذه الطائفة هم علماء هذه اللغة الذي عنوا بحفظها وجمعها ونقلها وتتبعها والفحص عن أسرارها فصاروا أئمة في هذا العلم قدوة يحتج بقولهم فيها كما يحتج بقول الأولين المطبوعين، وواجب الرجوع إليهم فيها، كما أن لكل علم علماء وأعلامًا ينتهي إليهم فيه ويقبل عنهم، فكذلك هؤلاء لما تدبروا هذه اللغة وعرفوا حقائقها وما خصها الله به من الفضلية على كل لغة ميزوا بين بعض الكلام وبعض، فقالوا: إن منه أصولاً أسماء للأشخاص والأعيان الأول واقعة أولاً للفصل بين بعضها وبعض نحو: رجل، وفرس، وثوب، وعين، وقدر، وما أشبه ذلك. ومنها أسماء وضعت أعلامًا اتفاقًا يدل كل اسم منها على شخص بعينه نحو: زيد وجعفر وبكر وما أشبه ذلك. ولم يجب أن تقع فيها مشاركة، فلما طال الزمان وقعت المشاركة اتساعًا، ووقع الفصل بالنعوت.

стр. 263

ومنها أسماء مبهمة ومضمرة وفصلوا سائر أنواع الأسماء. ومنها أسماء مشتقة مأخوذة من الأفعال نحو أسماء الفاعلين والمفعولين مثل: ضارب، ومضروب، وراكب، ومركوب، ومتضرب، ومستضرب، ومتضارب وما أشبه ذلك مما يدل على أنه مأخوذ من فعل مشتق وبني عليه. ومنها الجموع والتثنية التي استدلوا على كونها ثواني للآحاد بما في دليل العقول على ذلك. ومنها أسماء رأوا فيها حروفًا تسقط في حال وتثبت في حال أخرى فعلموا أن لها أصلاً لا زائد فيه منه أخذت. ثم نظروا في الأسماء الأعلام فعلموا أنها ثواني بعض النكرات فرأوا أكثرها من الأسماء قد سبقتها في التنكير فنقلت إلى التعريف فدلت عقولهم على أن التنكير قبل التعريف فتكلموا فيه في اشتقاق ما عرفوه من تلك الأسماء. ومنها أسماء تحدث في أوان لأسباب موجبة فرأوا لها أسماء مشتقة من معان قد تقدمتها، وهذا في الشريعة والدين والقرآن موجود. منها: الدين فإن العرب لم تكن تعرفه قبل الإسلام أنه على ما أتت به الشريعة، وقد كانت تعرف للدين وجوهًا منها: أنها تعرف أن الدين الطاعة، والدين الجزاء، والدين العبادة، والدين الملك فعلموا إن الدين [الذي] يطالبون باعتقاده والعمل به هو الانقياد لأمر الله لأنه أحد تلك الأوجه التي قد عرفوها فعقلوا ما خوطبوا به وإن كان فيه فضل معنى عرفوه بعد ذلك بأن وافقوا عليه. وكذلك الصلاة إنما كانت تعرفها [العرب] الدعاء فقط ثم قيل لهم: سموا هذا النوع من الفعل صلاة. وليس لأحد أن يزعم أن العرب كانت تفعل الصلاة على ما تدين به اليوم، فلما وقفت على ذلك سميت صلاة. فهذا اسم موضوع لمعنى أوجبه على أصل من أصولهم قد تقدمه فليس باسم لم يزالوا به عارفين، فهذا تأويل الاشتقاق.

стр. 264

وكذلك الزكاة إنما كانت تعرفه العرب التكثير للشيء فتقول: زكا الشيء: إذا كثر وزاد ثم تعبدوا بأن قيل لهم سموا ما يرصد من أموالكم طاعة لله زكاة لأنكم إذا فعلتم ذلك زاد الله في أموالكم وبارك فيها وكثرها، فسميت زكاة لما يكون بعقبها من الزيادة والنماء في المال. فهذا هو معنى الاشتقاق من أن يوضع شيء مستأنفًا على أصل سابق له. وكيف يكون في الاشتقاق شيء أوضح من هذا. وكذلك الصيام: كانت العرب تعرف كل ممسك عن فعل ما صائمًا ثم قيل لهم سموا الإمساك عن المأكول والمشروب نهارًا صيامًا وخصوه به لأنهم قد عرفوا أن الصيام إمساك ما. وصار هذا الاختصاص الثاني موضوعًا على الأول. ولو تعبدوا بالإمساك عن ذلك ليلاً لكان أيضًا يقال له صيام لأنه إمساك. ولذلك صارت الزكاة والصلاة وما أشبه ذلك مخصوصة بما وصفت له مطلقة، فإذا نقلت منه قرنت بغيره. وكذلك الكفر كانت العرب تعرفه تغطية الشيء وستره فقيل لهم: سموا من خالف أمر الله ونبيه ولم يؤمن بهذه الشريعة خاصة كافرًا، فعقلوا ما خوطبوا به من معنى الكفر لأن الكفر إذا كان عندهم الستر فمعقول إنه مراد به أن الكافر ساتر نعم الله عليه أو ما عرفه من توحيد. وكذلك المشرك والفاسق والمجرم والظالم والمؤمن والمسلم كل هذه أسماء مشتقة في الإسلام موضوعة على أصول متقدمة لها قد عرفها من خوطب بها. وكذلك القرآن ليس لأحد أن يزعم أن العرب كانت تعرفه اسمًا لهذا الكتاب، بل كانت تعرف معنى القرء الذي منه أخذ القرآن فقيل لهم: هذا هو القرآن فعرفوه.

стр. 265

فقرآن: اسم لهذا الكتاب خاصة موضوع على معنى قد عرفه العرب من لفظة كانت تستعملها قبله. فقد بان أنها لفظة مشتقة من أصل متقدم. وكذلك الوضوء للصلاة أصله النظافة، والتيمم أصله التعمد، والتغوط أصله إتيان الغائط: وهو المكان الغامض المطمئن من الأرض. والحش أصله البستان، والكنيف أصله الساتر ومثل هذا كثير جدًا نظر فيه وفي أمثاله العلماء باللغة فعرفوا أصوله واشتقاقه وتكلموا عليه لا أن العرب كانت تتعمد في كلامهم تعلم الإعراب وتصريف الاشتقاق وإنما نقول: إن العرب كانت تتكلم بهذا الكلام طبعًا على جهة العادة الجارية مجرى الطبع لأن المطبوع على الشيء لا يمكنه الانتقال عنه، ولكن قد يقال لبعض العادات طبع لأنها تجري مجراه في أكثر أحوالها. ألا ترى أن العربي القح لو نزل بعض بلاد العجم وأقام فيه سنتين لتعلم من كلامهم وتكلم به افتراه انتقل طبعه؟ بل تغيرت عادته. ألا ترى أبا مهدية - وكان أعرابيًا يأخذ منه أبو عمرو بن العلاء وأمثاله بالبصرة - لما سمع كلام العجم [قال] يقولون لي شنبذ ولست مشنبذًا ... طوال الليالي ما أقام ثبير ولا قائلاً زوذًا لا عجل صاحبي ... وبستان في صدري علي كبير فقد تكلم بكلام العجم كما تراه حاكيًا له. وقد جاءت ألفاظ من كلام العجم في أشعار الفصحاء من العرب نحو الأعشى والعجاج ورؤبة وغيرهم. ولهذه العلة فسدت لغات من خالط من الأعراب أهل الحضر لأنهم سمعوا كلام غيرهم فاختلط عليهم كلامهم. ولو كانوا مخلوقين على النطق

стр. 266

بكلامهم خلقة لما أمكنهم الانتقال عنه، ولكن في طبع الإنسان النطق وأن يتكلم بكلام ما فهو يتكلم بكلام من نشأ بينهم ويعتاده حتى يصير كالمنطبع عليه. فإن انتقل إلى قوم آخرين كان جائزًا أن يتكلم بكلامهم كما ترى الواحد منا يتكلم بألسنة كثيرة، وهذا بين واضح. ولا بد لمن نظر في العربية من معرفة الاشتقاق والقول به ضرورة في ما ينصرف وما لا ينصرف، وفي التصاريف والجموع والمصادر، مثال ذلك: أن يقال لمنكر الاشتقاق القائل بالعربية والمدعي العلم بها، والملتزم مذاهب العلماء بها في ذلك أن يقول: إن واو مضروب وميمه وألف ضارب زوائد أم أصول؟ فإن قال هي أصول ولا زوائد في هذين الاسمين خالف جميع النحويين وأهل اللغة، وخرج إلى طريقة من لا يكلم لأنه غير سالك مذاهب القوم، ولكنا نقوده ضرورة إلى أن يقر بزيادتها فنقول له: فما وزن مضرون وضارب عندك إن كانت حروفهما كلها أصولاً فمثله بما يكون أصلاً؟ ولن يجد سبيلاً إلى تمثيل ذلك لأنه ليس في كلام العرب اسم على وزن ضارب ومضروب وحروفه أصول كلها فيمكنه إلحاقها به. وإن قال: أقول إن واو مضروب وميمه زائدتان وألف ضارب زائدة. قيل له: أفتقول إن الزائد قبل الأصلي أو الأصلي قبل الزائد؟ ولا سبيل له إلى إدعاء سبق الزائد للأصلي، فيلزمه أن يقول: الأصلي سابق للزائد. فقد بان أن ضاربًا ومضروبًا مشتقان من شيء سابق لهما لا زائدة فيه، وهو الذي اشتقا منه. ونسأله مثل ذلك في ظريف وعجوز ومستضرب ومتضارب وضراب ومضراب وكريم وما أشبه ذلك من الصفات المشتقة من الأفعال. ونقول له أيضًا في مثل: حسان، وتبان، وشيطان، ودهقان أتصرفه أم لا؟ فإن قال: ما أصرف هذه الأسماء كلها. قيل له: خالفت العرب والنحويين أجمعين لأنهم قد أجمعوا على أن هذه الأسماء إن أخذت من الحس، والتب، والتشيط، والدهق كانت غير مصروفة في المعرفة لزيادة الألف والنون فيها، وإن أخذت من التبن، والحسن، والشيطنة، والدهقنة كانت مصروفة في النكرة والمعرفة لأن النون فيها أصلية.

стр. 267

وإن قال: لا أصرفها. قيل له: فقد فعلت بها العرب والعلماء خلاف ذلك. وأعدنا عليه الكلام. وهذا إجماع العرب على ما سمع منهم ونقل عنهم، ولا خلاف فيه بين العلماء أجمعين. وإنما يسأل عن هذه المسائل من كان من أهل العربية واعتقد أحد المذهبين وتكلم عليه. وكذلك نسأله عن مثل ذلك في عريان، وسكران، وسلمان، وعلياء، وخرباء، وحمراء، وبيضاء، وخضراء، ورمان، ومران وما أشبه ذلك. ونقول له: كيف تعمل فيها أتصرف كلها؟ فيكون مخالفًا للعرب أجمعين أو يترك صرفها كلها فيكون أيضًا مخالفًا. فإن تكلم في أصولها وبين ما ينصرف منها على كل حال وما ينصرف في حال دون حال، وما لا ينصرف على حال لم يمكنه ذلك إلا بالاشتقاق وردها إلى أصولها وتصريفها ليبين له ذلك. وكذلك نسأله عن جمع سلطان، وسرحان، وسكران، ومصران، وعثمان وما أشبه ذلك. وهل يجمع بينها أو يفرق؟ فإن جمع بينها خالف العرب أجمعين والنحويين كلهم. وإن فرق بينها طولب بعلة فرقان، ولن يجد السبيل إلى ذلك إلا بالاشتقاق. فإن قال: أرجع في ذلك إلى المسموع من العرب لم يمكنه ذلك لأنه ليس كل هذا النوع من الجموع وما جرى مجراها مسموعًا من العرب منقولاً كلمة كلمة حتى لا يغادر منه شيء، وإنما سمع بعضه فقيس الباقي عليه. فإن ادعى رواية ذلك حرفًا حرفًا وكلمة كلمة طولب بالكتاب الذي يوجد فيه ذلك، وبالناقل له والراوي، ولن يجد إلى ذلك سبيلاً لأنه أكثر من أن يؤتي عليه حرفًا وكلمة كلمة، وما ادعى هذا أحد قط. ونسأله أيضًا عن وزن درية وسرية والنبي وما أشبه ذلك. فإن تكلم فيه قال بالاشتقاق لأن لكل واحد من هذه الأسماء وجوهًا وضروبًا يمكن رده إليها وليس يمكنه القطع على بعضها دون بعض إلا باشتقاق يليق به، وإن لم يتكلم في شيء من ذلك سقط كلامه لأنا إنما نخاطب على الاشتقاق والتصاريف وعللها على صحة الاشتقاق أنه قد عرف بعض العرب الاشتقاق وعقله وجاء [في] أشعارهم.

стр. 268

من ذلك قول حسان بن ثابت الأنصاري في النبي ﷺ : وشق له من اسمه ليعزه ... فذو العرش محمود وهذا محمد نبي أتانا بعد يأس وفترة ... من الرسل والأوثان في الأرض تعبد فأرسله فينا سراجًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الحسام المهند فأخبرنا أن الفضائل والتقى ... وما طاب من شيء إلى الله يصعد وأنذرنا نارًا وبشر جنة ... وعلمنا الإسلام فالله نحمد فأنت إله الخلق ربي وخالقي ... بذلك ما عمرت في الناس أشهد تعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلاهًا أنت أعلى وأمجد لك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدي وإياك نعبد لأن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد فقال حسان: شق له من اسمه محمدًا: فاخبر أن اسمًا مشتق من آخر وصرح به، وأنشده النبي ﷺ وهو أفصح العرب والصحابة فلم ينكره النبي ﵇، ولا قال له أحد: ما معنى الاشتقاق فإنا لا نعرفه ولا نفعله؟ بل تقلوه بالقبول فدل ذلك على أن من العرب من كان يعرف الاشتقاق، كما أن فيهم من عرف الأقواء والإبطاء والسناد في الشعر ومنهم من لم يكن يعرفه. وذلك معروف فيها في خبر الذبياني وبشر بن أبي خازم وما كان منهما في إنكار الإقواء حتى وقفا عليه. وقد قال بعضهم: وسميت غياظًا ولست بغائظ ... عدوًا ولكن الصديق تغيظ

стр. 269

فأخبر أن غياظًا وغائظًا من الغيظ. وقد قال بعضهم: «إنما سميت هانئًا لتهنأ». وقد نقل هذا المعنى في الاشتقاق المحدثون من الشعراء وإن كانوا ليس بحجة إلا أن فعلهم لذلك دليل على أنهم اتبعوا ما وجدوا للعرب فيه مسلكًا، كما أنهم سلكوا في أوزان الشعر ورسومه مذاهبهم حتى ولدوا من ذلك المطابقة في الشعر وهي في أشعار المتقدمين قليلة إلا أنهم لما وجدوا لها رسمًا متقدمًا تبعوه. وقد كان من العرب من إذا ضرب امرأته المخاض خرج على وجهه فإذا استقبله شيء سمى ولده به فلذلك تسموا بالنمر والأسد والكلب وما أشبه ذلك. وقد كانوا أيضًا يسمون أولادهم بالأسماء البشعة ومماليكهم بالأسماء الحسنة، ويقولون: أسماء أولادنا لأعدائنا وأسماء مماليكنا لنا. وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد في كتابه الكبير في الاشتقاق من هذه الأسماء ما يكثر تعداده ويدل جميع هذا على أنها قد كانت تسمى في بعض الأحوال بأسماء سابقة [لها] أصول تنقلها وتسمى بها. ومن ذلك في الإسلام تسمية أبي بكر بالصديق وعمر بالفاروق. ولا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا غير مشتق لأن أبا الصديق سمي بذلك لكثرة تصديقه النبي ﷺ . و «فعيل» من أبنية المبالغة، وكذلك عمر سمي بالفاروق لأنه فرق الله بإسلامه بين الكفر والإسلام وكان الإسلام قبل إسلامه ضعيفًا والمسلمون يعبدون الله سرًا، فقال عمر: لا يعبد الله سرًا. وجاهر المشركين بذلك. فهذا معنى الاشتقاق في القرآن والشريعة والدين والآثار، وهو المذهب الذي نحاه أهل العربية وقاسوا عليه، كما طلبوا مقاييس النحو والعروض والقوافي وغير ذلك من علوم العرب.

стр. 270

وأما إنكار نفطويه للاشتقاق [فقد] مضى من القول في ذلك عليه وعلى غيره ما فيه كفاية، ولكنا نقول لنفطويه خاصة إنه قد ناقض وقال بالاشتقاق هو نفسه ضرورة. فإن كان قال برد الاشتقاق ثم رجع عنه فذاك، وغلا فقد ناقض وكفى بمناقضته دليلاً على بطلان ما ذهب إليه من ذلك، وذلك أنه في كتابه «في أمثال القرآن» تكلم في الاشتقاق ورد كثيرًا من الكلام إلى أصل واحد فقال في قوله: ﴿لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا﴾ قال الفراء: البرد: النوم، وحكى: منع البرد البرد، يعني: «منع البرد النوم». ثم قال نفطويه: والبرد عند العرب: الراحة، فالمعنى: لا يذوقون فيها راحة ولا شرابًا، والنوم: الراحة، أفلا تراه كيف رد النوم إلى معنى الراحة وجعلها الأصل؟ فهذا هو الاشتقاق. وقال نفطويه في هذا الكتاب أيضًا - أعني كتاب الأمثال - في قوله : ﴿لن يجدوا من دونه موئلا﴾ أي: ملجأ يقال: «وأل الرجل يئل» أي: لجأ. وبها سمي الرجل وائلاً. قال القطامي: من صالحوه رأي في عيشه دعة ... ولا ترى من أرادوا ضره يئل أي: ينجو. فما تكون مناقضة أعجب من هذا ألا تراه كيف قال: وبهذا سمي الرجل وائلاً. فكيف يضم إلى هذا نفي الاشتقاق؟ وقال في هذا الكتاب أيضًا في قوله : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي: من ضيق. وروى أن عمر بن الخطاب ﵀ قرأ عنده قارئ: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجا﴾ فقال: ايتوني باعرابي بدوي، فأتي بغلام قال له: ما الحرج فيكم؟ فقال: الشجر الملتف لا تصل إليه الشمس. فقال عمر: كذلك قلب الكافر ضيق لا يصل إليه شيء من الخير. فأي شيء في الاشتقاق يكون أبين من هذا؟ وتشبه عمر قلب

стр. 271

الكافر بالحرج وجعله ذلك هو الأصل. فهذا اشتقاق في القرآن عن عمر رضوان الله تعالى عليه في حكاية نفطويه عنه. ولو أن ذلك الغلام الأعرابي سمع صفة القلب ضيقًا حرجًا لفهمه للأصل المتقدم عندئذ لم يستنكره، ولا احتاج إلى السؤال إلى معناه كما احتاج إليه عمر ﵁. ويجوز أن يكون عمر عالمًا بذلك فأراد زيادة بيان علمه، ويجوز أن يكون غير عالم به فقد قال للنبي ﷺ في أشياء من اللغة لم يعرفها ففسرها له. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما علمت معنى فاطر السموات حتى اختصم أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا والله فطرتها. وقال نفطويه أيضًا في قوله : ﴿فإن للذين ظلموا ذنوبًا مثل ذنوب أصحابهم﴾ أي: لهم نصيب من الحياة كما كان لمن قبلهم فلا يستعجلون. فإن لهم أمدًا وغاية ينتهون إليها. قال نفطويه: والذنوب: النصيب عند العرب، ولذلك قيل للدلو ذنوب لأن فيها حظًا من الماء ونصيبًا، وهذا هو الاشتقاق كما ترى. وقال أيضًا في قوله : ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ قال: الكيد: الحيلة والاجتهاد وبهذا قيل للحرب كيد لأن فيها الحيلة والاجتهاد. ويقال: «تركته يجود بنفسه ويكيد بنفسه». وهذا اشتقاق متعسف فيه أيضًا وما أظن كثيرًا من أصحاب الاشتقاق يتعسفون فيه هذا التعسف. فكيف يكون القائل بهذا القول منكرًا للاشتقاق؟ وهذا كتاب له في القرآن كبير مشهور، وهو الموضع الذي سبيل الكلام فيه أن يكون بالحقائق، وبما يعتقد صحته دينًا ومذهبًا وسماعًا، فقد تكلم فيه من أوله إلى آخره بالاشتقاق في المواضع التي ساغ له فيها الاشتقاق.

стр. 272

وقال أيضًا في قوله : ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾ الخطف: الأخذ في استلاب وسرعة، ومنه ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾ وأنشد لزهير: يركض عند الذنابي وهي جاهدة ... يكاد يخطفها طورًا وتهتلك فجعل الأخذ باستلاب في الخطف أصلاً، وجعل خطف البرق مردودًا إليه كما ترى. وقال أيضًا في قوله : ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحورًا﴾ تأويله: قد غلب عليه السحر. وقال ابن الأعرابي: يقال أرض مسحورة: إذا أفسدها المطر فكأنه قيل: رجل مفسد بالسحر، وقيل: مسحور: له سحر. وهي الرئة أي هي مخلوقة كخلقكم. وقال الفراء: المسحر: المعلل، وأنشد: فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر يعني: الذين يعللون بالطعام والشراب. كما قال امرؤ القيس: أرانا موضعين لأمر حتم ... ونسحر بالطعام وبالشراب وهذا كله اشتقاق كما ترى. وقال في قوله : ﴿نسوق الماء إلى الأرض الجرز﴾ قال: الأرض الجرز: التي لا تنبت شيئًا، ومنه سيف جراز: يأتي على كل شيء ورجل جرز: كثير

стр. 273

الأكل يأتي على كل شيء، فجعل كما ترى الأصل الأرض الجرز ورد عليها ما سواها من لفظها ومعناها، وهو قول الاشتقاق. وقال في قوله : ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ أي: افرق بين الحق والباطل. ومن ذلك قوله : ﴿يومئذ يصدعون﴾ أي: يفترقون. وقال جرير: أعاذل مالي لا أرى الحي ودعوا ... وبانوا على نياتهم وتصدعوا ألا تراه جعل الأصل قوله: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ أي افرق، ثم رد عليه قوله: ﴿يومئذ يصدعون﴾ بقوله: ومن ذلك قوله: ﴿يومئذ يصدعون﴾. وقال في قوله : ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ قال: الأسفار: الكتب واحدها سفر، سمي بذلك لأنه يسفر عما في نفس كاتبه أي: يكشفه ويبينه، ومن ذلك قيل: «سفرت المكان»: أي كشفته بالتنظيف له. وبهذا سمي المسافر لأنه يفارق المسكن والبيت ويظهر للبادية والطروق. ويقال للرسول بين القوم سفير وسافر لأنه يظهر ويكشف لبعضهم عن بعض. فهذا هو الاشتقاق، ورد بعض الكلام إلى بعض. وهذا الكتاب - أعني كتاب الأمثال لنفطويه في القرآن - مشهور معروف، وفيه هذا الذي ذكرته لك، وأكثره على هذا، ولولا كراهة الإطالة لبينت كل ما فيه من هذا النوع، ولكن من نظر فيه وقف على ما ينبه عليه. وأما ما روي عنه من قوله برد الاشتقاق فيما يصح مع هذا إلا أن يكون قد رجع عنه أو ناقض كما ترى. ومن دفع الاشتقاق فقد خرج عن مذاهب أهل اللغة في الجموع، والمصادر، وما ينصرف وما لا ينصرف، والتصريف، وأزال عن نفسه مرونة النعت في تحصيل هذه الأشياء ومعرفة حقائقها المحتاج فيها إلى الاشتقاق.

стр. 274

باب القول في اشتقاق النبي ﷺ ومذاهب العلماء في ذلك اعلم أن للعلماء في اشتقاق النبي قولين، أما سيبويه في حكايته عن الخليل فيذهب إلى أنه مهموز الأصل من أنبأ عن الله: أي أخبر عنه، والنبأ: الخبر وهو مذهب أكثر أهل اللغة، فتركت العرب همزه لا على طريق التخفيف لكن على طريق الإبدال. والفرق بين التخفيف والإبدال أن ما ترك همزه تخفيفًا قد يهمز تارة ويخفف أخرى، ويكون بقياس لازم لا يجوز تعديه، وما ترك همزه على طريقة الإبدال فهمزه غير جائز إلا في لغة من لا يرى البدل فيه ويهمز على كل حال. فترك همز النبي في هذا المذهب الذي هو على طريق الإبدال عند سيبويه ومن ذهب مذهبه كترك همز البرية والخابية ويرى وترى وما أشبه ذلك. قال سيبويه: وقوم من العرب يقولون: سلت أسأل كما يقولون: هبت أ÷اب، وليس في لغة هؤلاء همز كما قال عبد الرحمن بن حسان: فأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداج ولولاهم لكنت كحوت بحر ... هوى في مظلم الغمرات داج وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهر واج

стр. 275

يريد: واجئًا فقل الهمزة ياء. فالنبي في مذهب هؤلاء فعيل بمعنى فاعل، ولامه همزة أبدلت ياء وأدغمت فيها الياء التي قبلها فقيل. نبي كما ترى. والقول الآخر مذهب جماعة من أهل اللغة وهو رأي أبي عمرو بن العلاء. قالوا: ليس بمهموز الأصل وإنما هو من النباوة وهي الرفعة فكأنه قيل: نبا ينبو أي: ارتفع على الخلق وعلا عليهم، ولامه واو قلبت ياء لوقوعها بعد ياء ساكنة، وأدغمت الأولى في الثانية فقيل نبي كما ترى. وهمزه على هذا المذهب خطأ غير جائز، وعلى المذهب الأول جائز همزه وترك همزه لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم يكن مهموزًا في الأصل فهمزه لحن إلا ما كانت فيه علة موجبة لذلك، نحو انضمام الواو ضمة لازمة، ونحو وقوع الياء والواو بعد ألف زائدة نحو قائم وبائع وما أشبه ذلك، وليس في نبي إذا كان من النباوة شيء يوجب همزه كما لا يجوز همز تقي، وصفي، وشقي وما أشبه ذلك. وقال هؤلاء: والدليل على صحة مذهبنا ما روي عن النبي ﷺ أن رجلاً قال له: «يا نبيء الله» فهمزه فقال له ﵇: «لست نبيء الله ولكني نبي الله» فقال القائلون بالمذهب الأول هذا حديث مرسل رواه حمزة عن حمدان.

стр. 276

والثابت عنه أن العباس بن مرداس أنشده: يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالحق كل هدى السبيل هداكا فأنشده النبي ﷺ مهموزًا فلم ينكره. وهذا جمع نبئ بالهمز لأن الهمزة تجري مجرى الحروف الصحاح، وما كان على فعيل صحيح اللازم من النعوت جمع على «فعلاء» نحو ظريف وظرفاء، وكريم وكرماء، وعظيم وعظماء فكذلك يقال: نبيء ونبآه إذا همز لأنه يجري مجرى الصحيح. وما كان معتل اللازم جمع على «أفعلاء» نحو: تقي وأتقياء، وشقي وأشقياء، وغني وأغنياء. قالوا: فلو أراد العباس جمع نبي بغير همز لقال أنبياء. قالوا: ومما يدل على أن أصله الهمز قراءة أهل المدينة النبئ بالهمز ولا يجوز اجتماعهم على هذه القراءة إلا وهي صحيحة المعنى في الأصل. والقول الصحيح -والله أعلم- قول الأولين وهو أن يكون النبي مهموز الأصل ترك همزه للعلة التي ذكروها وللأثر الذي رووه عن العباس وقراءة أهل المدينة. ولما قلنا من أنه لو لم يكن مهموزًا في الأصل كان همزه لحنًا، وإذا كان مهموزًا فترك همزه ليس لحن. وقد حكى سيبويه أن من العرب من يهمز النبئ والبريئة على الأصل.

стр. 277

فكل هذا دليل على أنه مهموز في الأصل ترك همزه على طريق البدل. فإن قال قائل: فقد ذكرت أن المهموز يجمع على نبآء وقد ترى جمعه في كلام العرب على أنبياء أكثر من جمعه على النبآء. قيل له: كذلك يجب أن يكون كما أنه في كلامهم غير مهموز أكثر منه مهموزًا، وإن كان أصله الهمز فلما ترك همزه جرى مجرى ذوات الواو والياء فجمع على «أفعلاء». ومنهم من يهمز «أفعلاء» أيضًا فيقول أنبئاء، فهذا دليل على صحة ما ذكرنا. وأما البرية فيجوز أن يكون كما قال سيبويه من برأ الله الخلق أي: خلقهم، فترك همزها، ويجوز أن تكون من البرى وهو التراب كأنهم لما خلقوا من التراب قيل لهم: البرية البرى إلا أن سيبويه قد ذكر أن من العرب من يهمزها، وهمز هؤلاء يدل على أن أصلها الهمز كما قلنا في النبي. فهذا مذهب العلماء في ذلك، والله أعلم وأحكم. وهذا آخر القول في اشتقاق أسماء الله وصفاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كثيرًا. والحمد لله على إتمامه. في الأصل المنقول منه ما لفظه من مسح بعض ألفاظه يقول علي بن الحسن بن علي الربعي: قرأ علي هذا الكتاب من أوله إلى آخره وقرأته أنا على شيخنا أبي بكر أحمد ابن محمد الغساني، ويعرف بابن شرام -رحمه الله تعالى- وقرأه أبو بكر على أبي القاسم الزجاجي وهو مصنفه. وكتبت بيدي في شعبان سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وسلم. وأيضًا كتب: بلغت القراءة على الشيخ أبي بكر علي بن الخضر بن المؤدب، وأحمد بن محمد الفياضي. وصح.