← Акыда

Акыда · id 14275

اشتقاق أسماء الله

أبو القاسم الزجاجي

Полный текст (277 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

العلم علومًا وهذا كلام مولد. والمصادر لا تجمع إلا قليلاً فالمجموع منها شاذ خارج عن القياس. فقالت العرب العقول والاشغال والحلوم فجمعوا، ولم يجمعوا العلم علومًا. والقول عندي فيما قال أبو عمر عن السماع والقياس، كما قال - وهو الصحيح -: ولكن وجه جمع العلم علومًا في القياس هو أنه يذهب به إلى المعلوم لا إلى الفعل نفسه. وكان ابن كيسان يقول في أماليه وكتبه: العلوم والاشغال إذا اختلفت أنواعها جمعت، فأما أن يكون سمع أو قاس. ويقال في جمع عليم: علماء، كما يقال في حليم: حلماء، وفقيه: فقهاء، وظريف: ظرفاء لأن ما كان على فعيل نعتًا غير مضاعف ولا معتل اللام فأكثر ما يجمع على «فعلاء» و «فعال»، ففعلاء ما ذكرنا، وفعال نحو: كبير وكبار وكبراء. قال الله : ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا﴾ «ونحو لئيم ولئام [ولؤماء] وكريم وكرام وكرماء، وصبيح وصباح، وجميل وجمال، لم يستعمل في شيء هذا أفعلاء» يقال: ظريف وظرفاء وظراف، وأكثر ما يستعمل ظراف في المؤنث على ما حكى الجرمي، وقد يستعمل في المذكر. وحكى الجرمي: «رجال ظروف» وهذا شاذ وقد كسر منه شيء في المونث على فعائل قالوا: امرأة صبيحة، ونسوة صبائح، وظريفة وظرائف، وصحيحة وصحائح. وما كان منه مضاعفًا كسر على «فعال» و «أفعلاء». قالوا: شديد، وشداد، وأشداء. قال الله : ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون﴾. وقالوا: «شحيح، وأشحاء؛ وشحاح، وأشحة». وقال: أشحة عليكم. وقالوا: لبيب، وألباء فلم يجاوزوا ذلك. وما كان معتلاً كسر على «أفعلاء» ولم يجاوز ذلك كقولك: غني، وأغنياء، وشقي، وأشقياء.

стр. 37

قال سيبويه: وليس يمتنع شيء من هذا إذا كان للآدميين المذكرين من أن يجمع بالواو والنون، ولا من الألف والتاء إذا كان لمؤنث نحو قولك: عليمون، وحليمون، ولبيون. وفي المؤنث حليمات، وعليمات. وما كان على «فعيل» اسمًا كسر في أقل العدد على «أفعلة» والكثير على «فعل» و «فعلان»، وربما انفرد به أحدهم، وربما اجتمعتا فيه قالوا: رغيف وأرغفة، ورغف، ورغفان. وكثيب، وثلاثة أكثبة، والكثير كثب، وكثبان. وقالوا: عسيب وعسبان، وعسب. وعصيب وعصب، وعصبان. ولم يجمع على أقل العدد. وقالوا: صليب، وصلب وصلبان، وقضيب، وقضب، وقضبان. وحكى الجرمي عن الأصمعي قضبان بكسر القاف. وقالوا: فصيل، وفصلان. وحكى سيبويه أن بعضهم يقول «فصلان» بكسر الفاء وهو شاذ. وقالوا: ظليم، وظلمان بالكسر لا غير. وقالوا: قري، وثلاثة أقرية، والكثير قريان وهي مدافع الماء إلى الروضة. وقالوا: سري، وثلاثة أسرية، والكثير سريان وهو النهر. وأخبرنا الزجاج قراءة عليه قال: أخبرني المبرد عن المازني عن الجرمي قال: حدثني نوح بن قيس الطاحي - من طاحية - بإسناد لا أحفظه عن ابن عباس قال في قول الله : ﴿قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: هو جدول. أما سمعت قول الشاعر: سلم ترى الدالي منه أزورا ... إذا يعج في السري هرهرا السلم: الدلو.

стр. 38

وقالوا في المضاعف: سرير، وأسرة، وسرر. وحزيز، وأحزة والكثير حزان بكسر أوله، وهو ما غلظ من الأرض. وحكى سيبويه: حزان بضم الحاء، وقال الجرمي: سألت الأصمعي عنه فلم يعرفه. فهذا قياس جمع عليم وما كان في وزنه اسمًا ونعتًا. وأما جمع عالم جمع السلامة فغير ممتنع فيه في الآدميين عالمون للمذكرين. وعالمات للمؤنث. وأما جمعه جمع التكسير فإن فاعلاً يكسر على أوجه، قالوا: ضارب، وضرب، وضراب. وصائم، وصوم، وصوام. وشاهد، وشهد، وشهاد. وقال الجرمي: قالوا شاهد، وشهد. كما قالوا: تاجر، وتجر. وراكب، وركب ثم جمعوا الشهد فقالوا: الأشهاد. وقال الله : ﴿ويوم يقوم الأشهاد﴾. وقالوا: ناصر، ونصر، ثم جمعوا النصر فقالوا أنصار، وطائر، وطير، وأطيار كذلك. وقد جمع على «فعلان»، قالوا: راع، ورعيان. وراكب، وركبان وصاحب وصحبان، وصحابة. وقد جمع على «فعلاء» وهو قليل شاذ، قالوا: شاعر وشعراء. وقد جمع على «فعلة» ما كان معتل اللام خاصة، وقالوا: قاض وقضاة، وغاز، وغزاة، ورام، ورماة، وداع، ودعاة، وهذا جمع اختص به المعتل. فإن كان مؤنثًا جمع على «فواعل» نحو: ضاربة، وضوارب، وقاتلة وقواتل، وقد قيل في المذكر فارس، وفوارس، وهالك في الهوالك. في كسر عالم على أحد هذه الوجوه لقيل: علام، وعلم أو سائر ذلك من الوجوه التي ذكرنا، ولكنه لم يجمع جمع

стр. 39

التكسير فيما أعلمه، فلا نقدم عليه إلا بأن تثبت به رواية صحيحة، ولا يجمع غلا جمع السلامة كما استعملته العرب. فأما علماء فليس بجمع عالم إنما هو جمع عليم كقولك: ظريف، وظرفاء، وقد يجوز أن يتأول متأول فيقول: علماء جمع عالم على مذهب شاعر وشعراء، والوجه الأول أطرد وأقيس. وإذا كان فاعل اسمًا فأكثر ما يكسر على «فواعل» وقد جمع بعضه على «فعلان» قالوا: كاهل وكواهل وهو موصل العنق بالظهر، وقالوا: غارب وغوارب، وحاجر وحجران، وهو مكان يستنقع فيه الماء، وفالق وفوالق وفلقان. والفالق ما بين الجبلين والمطمئن بين الربوتين. وقد جاء بعضه على «فعلان» بكسر الأول، قالوا: حائط وحيطان، وغائط وغيطان، وهو الوادي الأفيح الواسع المطمئن. قال الجرمي: وأخبرني أبو عبيدة أن بعض العرب يقول: «هذا باز» كما يقول «هذا قاض ورام»، ويقول في جمعه «بزاة» كما يقول «قضاة» و «رماة». ومنهم من يقول: «هذا باز» فيعرب الزاي ويقول: جمعه «بيزان» كما قالوا تاج وتيجان وساج وسيجان وهو الطيلسان. والعلام بمنزلة عليم في المبالغة في الوصف بالعلم إلا أن علامًا يتعدى إلى مفعول بإجماع البصريين، وعليم فيه من الاختلاف ما أخبرتك به. ويقال أيضًا: رجل علامة فتزاد الهاء للتوكيد في المبالغة كما قيل: نسابة. فأما العلام بضم العين وتشديد اللام فالحناء الذي يختضب به. وقال الخليل: والعلام: الباشق الذي يصاد به.

стр. 40

والعلم بفتح العين واللام: شق في وسط الشفة العليا، يقال منه: علم الرجل يعلم علمًا فهو أعلم، وامرأة علماء، وينشد بيت عنترة: وحليل غانية تركت مجدلاً ... تمكو فريصته كشدق الأعلم يصف رجلاً طعنه فشبه سعة طعنته بسعة شدق بعير أعلم. وكل الجمال علم لأنها مشقوقة المشافر من فوق. فأما من قال: الأعلم هاهنا رجل فمخطئ لأن العلم إنماي كون في الشفة، وشدق الأعلم والصحيح سواء. ويقال: «أعلمت الرجل»: شققت شفته العليا، وإذا كان الرجل مشقوق الشفة السفلى فهو أفلح. والعلم: الجبل، ومنه قول الله : ﴿وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام﴾. شبه السفن بالجبال. والعلم: ما ينصب في الطريق ليهدي به والعلم علم الثوب. وهو رقمه، والعلم: الراية التي إليها مجمع الجند، وقد قرئ: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ بالفتح فيما حكاه الخليل قال: يعني خروج عيسى ﵇ أنه علامة للساعة. والعليم: البحر. وقال بعضهم: العليم: البئر الكثيرة الماء. واختلف العلماء في العالمين فقال بعضهم: هم كل ذي روح يعقل نحو الإنس،

стр. 41

والجن، والملائكة، والشياطين. وقيل أهل كل عصر عالم ذلك العصر، والعالمون جمعه وقيل: هو واقع على جميع المخلوقات. وقال الزجاج: العالمون [جمع للآدميين] المذكرين فلذلك غلب عليه فجمع بالواو والنون والياء والنون. وقالوا في قوله ﴿وفضلناهم على العالمين﴾ أراد عالمي عصرهم. وقيل: العالمون: كل ذي روح ممن يعقل وما لا يعقل. ويقال: علمت الشيء أعلمه علمًا، وأعلمته غيري إعلامًا، وعلمت غيري تعليمًا، وتعلمت تعلمًا. ويقول بعض العرب تعلم: بمعنى «اعلم» في الأمر. قال الشاعر: تعلم أن بعد الغي رشدًا ... وأن لتالك الغمر انقشاعًا وقال آخر: تعلم أن خير الناس طرًا ... قتيل بين أحجار الكلاب وحكى سيبويه: إن من العرب من يكسر أوائل الفعل المستقبل فيما كان على فعل يفعل طلبًا لكسرة «فعل» إلا الياء فيقول: «أنت تعلم»، «وأنا أعلم»، «ونحن نعلم»، وكذلك يقول: أخال، وتخال، وما أشبه ذلك. وينشد:

стр. 42

عمدًا فعلت ذاك بيد أني ... أخال إن هلكت لم تزني وكذلك ينشد أيضًا: فلبثت بعدهم بعيش ناصب ... وأخال أني لاحق مستتبع ولا يكسرون الياء، لا تقول: «هو يعلم»، «ويخال» استثقالاً للكسرة في الياء فلا يكسر هذه الياء من يؤخذ بلغته. الحكيم الحكيم: الذي أفعاله محكمة متقنة، لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ومنه قيل: «بناء محكم» أي قد أتقن وأحكم، فالله حكيم كما وصف نفسه بذلك، لإتقان أفعاله واتساقها وانتظامها وتعلق بعضها ببعض. فالحكيم على هذا التأويل فعيل بمعنى مفعل كما جاء عليم بمعنى عالم في قوله: ﴿عليم بذات الصدور﴾ وقد يكون حكيم بمعنى عليم لأن الفاعل للأشياء المتقنة المحكمة لا يجوز أن يكون جاهلاً بها. فيكون «حكيم» على هذا بتأويل المبالغة في الوصف بالعلم والحكمة، وقد قال الله : ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾، فقال ابن عباس وغيره: الحكمة: القرآن، سماه حكمة لأنه علم فكأنه قال: ومن يؤت القرآن فقد أوتي علمًا كثيرًا. وقد قال الله في موضع آخر: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾. قالوا: يعني: الملك والعلم. وقال بعض أهل اللغة: إنما سمي القرآن حكمة لامتناعه عن المعارضة كأنه ممتنع من أن يؤتي بمثله أو يعارض. كما قال : ﴿قل لئن اجتمعت الإنس

стр. 43

والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾. قال: وكذلك الحكيم من الناس إنما سمي حكيمًا لأنه يمتنع من فعل القبائح ويمنع نفسه منها وإن كان [كذلك هو] عالم، لأنه ليس كل من كان منا عالمًا يمتنع من فعل القبائح. والحكيم لا يسمى حكيمًا حتى يكون عالمًا محكم الأفعال ممتنعًا من القبائح ومجانسة الجهال، وملابسة القبيح والظلم. واشتقاق ذلك كله من حكمة اللجام وهي الحديدة التي تمنع الفرس وترده إلى مقصد الراكب، وكذلك حكم الحاكم على المحكوم عليه إنما هو أن يلزمه أمرًا واجبًا عليه، ويمنعه الخروج عنه ومخالفته، وكذلك الحاكم بين الناس إنما هو الفاصل بينهم بعلمه والملزم لهم ما لا يمكنهم مخالفته، ولا يدعهم أن يخرجوا عنه، ومنه قيل «أحكمت مرة هذا الحبل» أي شددته حتى يمتنع عن القطع والانتشار. وقال ابن الأعرابي: تقول: حكم فلان عن الشيء إذا رجع عنه وحكمته عنه أي: منعته فرجع، وأنشد: أبني حنيفة احكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضببا وكذلك سائر ما يتشعب من هذا إنما أصله هذا ثم يتسع ويستعمل في مقاربه ومجانسه، وكذلك أكثر كلام العرب إنما له أصل منه تشعبه ثم يستعمل في أشياء كثيرة مقاربة له ومجانسة، ولذلك قال أبو العباس المبرد: «كلام العرب إذا تقاربت ألفاظه

стр. 44

فبعضه آخذ برقاب بعض». وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في قوله : ﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾. قال: الكتاب: القرآن، والحكيم: المحكم المبين الموضح. قال: والعرب قد تضع فعيلاً في معنى مفعل فقد جاء [في] آية أخرى ﴿هذا ما لدي عتيد﴾ أي معد. قال: وقد يكون فعيل بمعنى مفعل أيضًا كما قال الشاعر: ................ إني ... غدائتذ ولم اشعر خليف أي: مخلف وعدهم. وقد يجوز ما قال أبو عبيدة، ويجوز أن يكون الأصل «آيات الكتاب الحكيم» أي المتقن المحكم الممتنع من المعارضة والاختلال والاختلاف والفساد. فقد بان لك أن حكيما يكون في الكلام على ثلاثة أوجه:- يكون بمعنى مفعل بتأويل الفاعل، ومفعل بتأويل المعفول وقد يكون للمبالغة في الوصف بمنزلة كريم وعليم لا يراد به التعدي إلا وصف الذات بالحكمة كما شرحت لك فيما مضى. وينشد: فنحكم بالقوافي من أردنا ... ونضرب حين تختلط الدماء أي نمنعه من مشاعرتنا ومفاخرتنا بالقوافي ونفحمه. التواب التواب فعال من تاب يتوب أي يقبل توبة عباده كما قال : ﴿وهو الذي

стр. 45

يقبل التوبة عن عباده﴾، وقال: ﴿غافر الذنب وقابل التوب﴾. فالله تعالى يقبل توبة عباده. و «فعال» من أبنية المبالغة مثل ضراب للكثير الضرب، وقتال للكثير القتل كما قال الشاعر: أخا الحرب لباسًا إليها جلالها ... وليس بولاج الخوالف أعقلا فجاء تواب على أبنية المبالغة لقبوله توبة عباده وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة، وواحدًا بعد واحد على طول الزمان وقبوله ممن يشاء أن يقبل منه، فلذلك جاء على أبنية المبالغة، فالعبد يتوب إلى الله ويقلع عن ذنوبه والله يتوب عليه أي يقبل توبته، فالعبد تائب والله تواب. فإن قال قائل أفيجوز أن يقال: الله تائب على عباده أي يقبل توبتهم كما قيل له تواب؟ قيل له: ليس لنا أن نطلق على الله من الصفات إلا ما أطلقه جماعة المسلمين وجاء في الكتاب وإن كان في اللغة محتملاً. وقد قال الله : ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾. وقال في موضع آخر ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ فقد جاء الفعل منه على فعل يفعل

стр. 46

وما نطق منه بفعل يفعل فاسم الفاعل منه قياسًا فاعل، كقولك: ضرب زيد يضرب فهو ضارب، وذهب يذهب فهو ذاهب، فكذلك يقال قياسًا تاب زيد يتوب فهو تائب. فإن كانت الأمة تطلق ذلك على الله فقياسه في اللغة مستقيم. وإن لم تطلق ذلك على الله فلا يجوز الإقدام عليه وإن كان في اللغة جائزًا. على أنه إنما قيل لله : تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده ولكثرة من يتوب إليه وتردد هذا الفعل وتكراره وقبوله منهم ليدل على هذا المعنى فلا يجاوز هذا. وقد جاء في صفاته ما لا ينطق باسم الفعل كقولك: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾. وقوله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾. ولم يقل الله متبارك كما قيل: تعالى فهو متعال، والوزن والتقدير في العربية واحد. وقد جاء في صفاته ما نطق باسم الفاعل كقولك: الله المؤمن المهيمن، ولا تقول آمن الله ولا هيمن وإنما نسعى في صفاته إلى ما اطلقته الأمة وجاء في التنزيل، ونمسك عما سوى ذلك. وقد زعم بعضهم أن التواب إنما هو من آب يؤوب: إذا رجع إلى الشيء مرة بعد أخرى كأنه إذا قيل: فلان تواب فإنما يراد به رجاع إلى أمر الله دفعة بعد أخرى، أو رجاع عن ذنوبه. وكذلك قيل في قوله ﴿إنه أواب﴾ أي رجاع تواب فكأن توابًا فعال من آب يؤوب فأبدلت من الهمزة تاء لما أريد به فضل معنى على الرجوع إذا لم يرد به رجوع فقط وأريد به الرجوع إلى أمر الله أو الرجوع عن الذنوب والمعاصي. ليفرق بين المعنيين بإبدال الهمزة تاء، وهو مذهب حسن في التأويل، إلا إن إبدال التاء من

стр. 47

الهمزة لا يكاد يوجد في كلامهم، فجائز أن [يكون] هذا حرفًا نادرًا جاء في كلامهم لا نظير له، لأنه قد تشذ في كلامهم الكلمة فتنفرد فلا يكون لها نظير. فأما إبدال الحروف بعضها من بعض فغير منكر في كلامهم كقولهم: هرقت الماء وأرقته، ومدحت الرجل ومدهته، ووشاح وأشاح وما أشبه ذلك. البصير البصير في اللغة على أضرب، البصير: العليم بالشيء الخبير به كقولهم: فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، وما أشبه ذلك مما لا تمانع بين أهل اللغة استعماله. كما قال الشاعر: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب وكما قال جرير: وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى وأما ليله فبصير يقال: هو بالنهار لا يأتي المكارم كأنه عم عنها، ولم يرد بها العمى في الحقيقة وكيف يكون ذلك وقد وصفه بالعور ثم قال: وأما ليله فبصير أي هو بصير بالفواحش والريب عالم بملابستها وإتيانها. فالله بصير أي عالم بالأشياء خبير بها كأنه بمنزلة عليم في التقدير والمعنى.

стр. 48

فإن قال قائل: فإذا كان بصير بمعنى عليم فما وجه وصفه بهما إذا كانا بمعنى واحد وإلا اقتصر على أحد اللفظين دون الآخر إذ كان المعنى واحدًا؟ قيل له: إن البصير ليس بمعنى عليم فقط وله أوجه أحدها عليم، وإنما ذكرنا وجوهه المحتملة له. فجائز أن يكون بصير بمعنى عليم، وإنما ذكرنا وجوهه المحتملة له. فجائز أن يكون بصير بمعنى عليم وجائز أن يكون بغير [هذا المعنى] على ما سنشرحه. وإذا كان بمعنى عليم فليس بمنكر أن يوصف بصفتين مختلفتي اللفظ لمعنى واحد وذلك موجود في كلام العرب من اختلاف اللفظتين لمعنى واحد وذلك أن كلام العرب كله منقسم على ثلاثة أقسام: منه ما اختلف لفظه لاختلاف معناه كقولهم: رجل وفرس وثوب وغلام وما أشبه ذلك. وهو جمهوره ومعظمه، ومنه ما اتفق لفظه واختلف معناه كقولهم: رجل ضرب: خفيف الجسم، والضرب: الصنف من الأشياء، والضرب مصدر ضربت في الأرض ضربًا، وضربت الرجل ضربًا، كقولهم: البعل لزوج المرأة، والبعل: الصنم، والبعل: ما شرب من النخل بعروقه واستغنى عن السقي، والبعل: من كان ثقلاً على أهله إلى نظائر لهذا كثيرة جدًا مشهورة معروفة عند أهل اللغة، وضرب منه اختلف لفظه واتفق معناه كقولهم للسيف: السيف والعضب والحسام، والقاضب والقاطع، والباتر إلى أوصاف له كثيرة بمعنى القطع بألفاظ مختلفة، إلى نظائر لهذا يكثر تعدادها. فكذلك يكون البصير والعليم بمعنى واحد بلفظتين مختلفتين إذا أريد بالبصير معنى العليم. والوجه الثاني من وجوه البصير أن يكون من نعوت المبالغة في أن المبصرات لا تخفى عليه، وليس بمتعد إلى مفعول كما لا يتعدى عليم وقدير، وما أشبه ذلك في أحد وجهيهما إذا أريد بهما وصف الذات بالعلم والقدرة كما ذكرت لك في ظريف وشريف وما أشبه ذلك. فإذا قصد به هذا الوجه لم يتعلق بمفعول بل يكون من طريق مدح الذات، وقد مضى شرح هذا.

стр. 49

والوجه الثالث من وجوه بصير أن يكون بمعنى مبصر فيكون ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون معناه: هو مبصر للأشياء المبصرات مدرك لها كما قال الله : ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾. فإدراك المرئيات وإبصارها سواء فيتعلق من هذا الوجه بالمبصر المدرك كما يقال: زيد ضريب لعمرو أي: يضرب عمرًا، أو قد ضربه، وزيد كفيل ببكر أي: قد كفل به أو يكفل به. وقد ذكرت لك أن سيبويه يجيز تعدي فعيل إلى المفعول بغير حرف الخفض إذا أريد به مذهب التعدي وغيره لا يجيز أن يتعدى إلا بحرف خفض كما ترى، وقد مضى شرح هذا. والوجه الثاني: أن يكون تأويله أن الله بصير للأشياء أي جاعل الأشياء المبصرة ذوات أبصار أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة لذلك والقوة. فيقال: الله بصير لعباده أي جاعل عباده مبصرين للأشياء مدركين لها. فهذه ثلاثة أوجه للبصير سائغة في اللغة جائز وصف الله بها. والبصيرة في غير هذا المعنى الطريقة من الدم وقيل: هو مقدار يسير منه وجمعها بصائر. كماي قال: طريقة وطرائق، وسفينة وسفائن. قال الشاعر: راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي يعيب قومًا أخذوا دية قتيل لهم وامتنع هو من أخذها. والعتد: الفرس الكريم المعد للركوب. والوأي: المجتمع الخلي من الخيل وهو الشديد من الإبل وغيرها. قال ابن الإعرابي: البصيرة هاهنا ثقل الدم على أكتافهم حين أخذوا الدية ولم يأخذها هو.

стр. 50

والبصيرة أيضًا: بصيرة الرجل في دينه واستبصاره. يقال من ذلك: بصرت بالشيء أي: علمت به فأنا به بصير، وذو بصيرة كما تقول: ظرف فلان فهو ظريف، وشرف فهو شريف. وقال أبو عبيدة في قول الله : ﴿بصرت بما لم يبصروا به﴾ أي [علمت] ما لم يعلموا، وبصرت: فعلت من البصيرة أي صرت عالمًا بصيرًا، قال: وليس هو من النظر والإبصار، فقال: ولها مواضع أخر، يقال: بصرت به بمعنى أبصرته. هذا قول أبي عبيدة. وقال الأصمعي: يقال بصرت به وأبصرته بمعنى وأنشد لعلباء بن أرقم بن عوف بن الأسعد يذكر كبش النعمان الذي ذبحه: بصرت به يومًا وقد كاد صحبتي ... من الجوع ألا يبلغوا الحي م الوحم يريد أبصرت ونظرت إليه، وأراد بقوله: م الوحم: من الوحم وهي لغة، والوحم هاهنا: شدة شهوة اللحم وهو مستعار، وأصله أن تشتهي المرأة على حملها شيئًا فيقال: وحمت وتوحم وحمًا ثم يستعار في كل ما تشتد الشهوة إليه، ولذلك قال العجاج: أزمان ليلى عام ليلى وحمى

стр. 51

أي شهوتي. ويقال أيضًا: أبصر فلان بالشيء إذا علمه بصيرة وبصرًا أيضًا في معناها، كما يقال: فلان ذو بصر بالشعر أو النحو أو الفقه وما أشبه ذلك. ونظيره في تقدير العربية شرف فلان شرفًا فهو شريف. ويقال من الإبصار بمعنى رؤية الشيء: أبصرت الشيء أبصره، فأنا مبصره وهو مبصر، وبصرت به كما ذكرت لك. ويقال: بصرت غيري أبصره تبصيرًا أي صيرته ذا بصيرة به وعلم كما قال : ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾. والبصر أيضًا الجارحة المبصر بها وسميت بالمصدر مجازًا لأن البصر في الحقيقة مصدر فتقديره الجارحة ذات البصر أي ذات الإبصار، أو العضو ذو الإبصار والبصر ثم اتسع في ذلك فوضع المضاف إليه موضع المضاف. وفيه وجه آخر أن يكون أريد بالمصدر المبصر والمبصر به لأن المصادر قد تقع مواقع أسماء الفاعلين والمفعولين، كقولهم: رجل عدل أي عادل، وصوم أي صائم، ورضي أي مرضي، وكذلك يراد بالبصر المبصر أو المبصر به. فأما قولهم للأعمى: ضرير فبعض أهل اللغة يذهب إلى أن الضرير اسم للعمى فقيل له ضرير كما قيل أعمى. ويروى أن أبا الشيص الشاعر عمي بعد أن أسن فقالت له امرأة يا أبا الشيص عميت بعدي فقال: «لعنها الله عيرتني بالضر ودعتني باللقب». وذهب بعضهم إلى أن الضرير إنما أريد به مقابلة البصري في الوزن وإنما أريد به أنه قد أصيب في بصره بضر وسوء فقيل له ضرير بتأويل مضرور، والضرير: جانب الوادي.

стр. 52

قال الشاعر: وما خليج من المروت ذو حدب ... يرمي الضرير بخش الطلح والضال والضرير أيضًا اسم من أسماء النفس ولها عشرون اسمًا على ما أخبرنا به أو عبد الله نفطويه، واليزيد عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قال: تقول العرب: هي النفس، والحوباء، والحوب، والقتال، والخلد، والضرير، والعربة، والساق، والوهل، والوهط، والوهم، والوهم، والنكيشة، والنسيس، والروع، والوغم، والكذوب، والنقيمة والنقيبة، والعريكة بمعنى واحد. والبصرة: أن يضم أديم على أديم ثم تخاط حاشيتاهما، حكى ذلك ابن السكيت. قال: والبصر بكسر الباء: الحجارة الرخوة. قال: ويقال لها بصرة بالهاء وفتح الباء، وأنشد في فتح الباء وزيادة الهاء:

стр. 53

تداعين باسم الشيب في متثلم ... جوابنه من بصرة وسلام يصف إبلاً وردت حوضًا فشربت منه. والشيب بكسر الشين: حكاية أصوات مشافرها عند شربها، وأنشد في حذف الهاء وكسر الباء: إن كنت جلمود بصر لا أويسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع وبذلك سميت البصرة. ويقال في النسب إليها بصري بفتح الباء على اللفظ، وهو قليل في كلامهم. والذي يذهب إليه سيبويه وجمهور أهل اللغة أن يقال: بصري بكسر الباء. قالوا: كذلك يقول فصحاء العرب. قال سيبويه: هو من النسب المسموع خارجًا عن القياس فيحكى كما سمع. قيل في النسب إلى الري رازي، وإلى مرو مروزي وما أشبه ذلك. قال غيره لما نسب إليها وجب حذف الهاء، فإذا حذفت الهاء وجب كسر الباء والرجوع إلى اللغة الأخرى.

стр. 54

الواسع الواسع: الغني، يقال: فلا يعطي من سعة أي: من غنى وجدة. قال الخليل بن أحمد: الوسع: جدة الرجل وقدرة ذات يده، يقال: أنفق على قدر وسعك. والسعة مصدر من قولك: وسع يسع سعة، تقول: إنه لذو سعة في عيشه. وقال المازني: أصل قولهم: يسع بكسر السين في المستقبل فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة كما سقطت في يعد ويزن ثم فتحت السين لمكان حرف الحلق وهو العين كما تفتح في مستقبل صنع يصنع وذهب يذهب. وكل فعل كان لام الفعل منه أو عينه أحد حروف الحلق وهي ستة: الحاء، والخاء، والعين، والغين، والهاء، والهمزة، فأكثر ما يجيء مستقبله مفتوحًا لمكان حرف الحلق؛ وربما جاء في القياس مضمومًا ومكسورًا، فالمكسور نحو منح يمنح، والمضمون نحو فرغ يفرغ وقيل: يفرغ. يقال: أوسع الرجل إذا كان ذا سعة في المال، وفرس وساع ندب: سريع واسع الشحوة. فالله غني عن خلقه وهم فقراء إليه. فقيل له: يا واسع بذلك المعنى.

стр. 55

فإن قال قائل: فإذا كان معنى الواسع عندك والغني سواء فما الوجه في تكرارهما؟ قلنا له: قد مضى القول في هذا شرح قولنا عليم وبصير، وما جاء في كلام العرب من اختلاف الألفاظ واتفاق المعاني اتساعًا وتبسيطًا في الكلام، فبني لمعنى واحد من صفاته لفظتان ليكون ذلك أبلغ في المدح وأكمل في الوصف. ومع ذلك فالواسع قد يتضمن من المعنى ما لا يتضمنه الغني، ويتصرف فيما لا يتصرف في الغني كقولنا: يا واسع الفضل، يا واسع الرحمة، وكقوله ﴿ربنا وسعت كل شيء حرمة وعلما﴾ أي عمت رحمتك كل شيء وأحاط علمك بكل شيء. البديع البديع: المبتدع الأشياء ابتداءً من غير أصل ولا أول، والبديء في المعنى مثل البديع ثم قد يستعمل البديع والبديء في معنى العجيب كما قال عبيد: إن يك حول منها أهلها ... فلا بديء ولا عجيب وقالوا في قوله : ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل﴾ أي: ما كنت بدءًا منهم ولا أول. ويقال: أبدعت يا رجل أي أتيت بعجب وأمر لم يسبق إليه أحد. ومنه قيل: البدعة في الدين كأنها ابتداء مذهب وشيء لم يكن قبل. فالله مبدع الأشياء ومبتدعها وخالقها ابتداء من غير شيء ولا على مثال .

стр. 56

ويقال من غير هذا: أبدع بالرجل إذا كلت راحلته وعطبت وبقي منقطعًا به. وحدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الرازي عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا أبو اليقظان عمار بن محمد بن الأعمش عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أن رجلاً أتاه فقال: يا رسول الله، إني أبدع بي فاحملني.

стр. 57

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يقال للرجل إذا كلت راحلته أو عطبت وبقي منقطعًا به قد أبدع به، وقال الكسائي مثل ذلك وزاد فيه. ويقال: أبدعت الركاب إذا كلت أو عطبت. السميع السميع على ثلاثة أوجه: يكون السميع من وصف الذات بأن المسموعات لا تخفي عليه كما قلنا في البصير والعليم والقدير في أحد وجوهها. فيكون من مدح الذات غير متعلق بالمسموع، ويخالف في هذا الوجه السامع لأن السامع لا بد متعلق بمسموع موجود فلا سامع إلا لمسموع موجود في الحال. وقد يكون السميع موصوفًا بهذا الوصف ولا مسموع وإنما يراد به أن المسموعات إذا وجدت لا تخفى عليه فيكون من وصف الذات كما ذكرت لك في عليم وقدير وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: أن يكون السميع بمعنى مسمع أي: يسمع غيره فيتعلق بمفعول كما يكون عليم بمعنى معلم وأليم بمعنى مؤلم ووجيع بمعنى موجع، يقال: ضرب وجيع أي موجع. قال عمرو بن معد يكرب يتشوق اخته ريحانة، وكان أسرها الصمة أبو دريد بن الصمة فقال: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع

стр. 58

يريد بالسميع هاهنا: المسمع، وقد يكون سميع بمعنى سامع فيتعلق بالمفعول، كما قلنا إنه قد يكون عليم بمعنى عالم وقدير بمعنى قادر وكذلك فعيل وفعول وفعال ومفعال وفعل، هذه الأوجه كلها قد تكون بمعنى فاعل فيقال: ضروب بمعنى ضارب وكذلك ضريب وضراب ومضراب وضرب، كل هذه الأوجه تجري مجرى فاعل إلا أن في فعيل خلافًا قد مضى ذكره، وأنشد الفراء: دعاني إليها القلب إني لذكرها ... تبوع فما أدري أرشد طلابها فهذه ثلاثة أوجه في السميع يجوز وصف الله جل اسمه بها من أنه يكون من مدح الذات في حال، وقد يكون بمعنى المسمع، ويكون بمعنى السامع. وقد يكون السامع في صفات الله بمعنى المجيب فقال: سمع الله دعاءك أي أجابه كما يقال سمع الله لمن حمد أي أجابه وقد قال الشاعر: دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول أي لا يجيب دعائي. ويقال: سمعت الشيء أسمعه سمعًا وسماعًا، والسمع مصدر سمعت، والسمع أيضًا سمع الإنسان وهي الجارحة المسموع بها سميت بالمصدر كما ذكرت لك في البصير.

стр. 59

وقال العلماء: في قول الله : ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾: في توجيه السمع ثلاثة أقوال: «أحدها أن السمع في الأصل مصدر سميت به الجارحة فوحد كما يوحد المصدر كقولك: حديثكم يعجبني، وعلم إخوتك ينفعني وما أشبه ذلك». والآخر أن يكون المعنى ختم الله على مواضع سمعهم فحذف المواضع ودل السمع عليها لأن المضاف قد يقوم مقام المضاف إليه في مثل قولهم صلى المسجد، وهم يريدون أهل المسجد، واجتمعت اليمامة أي أهل اليمامة، وما أشبه ذلك. ويقال: إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة كما قال الشاعر: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب إما يريد جلودها فوحد لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد. وقال آخر في مثله: لا تنكر القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا

стр. 60

يريد في حلقوكم. ومثله قول الآخر: كأنه وجه تركيين قد غضبا ... مستهدف لطعان غير تذبيب وإنما يريد وجهين فقال «وجه تركيين» لأنه قد علم أنه لا يكون لاثنين وجه واحد ومثله كثير جدًا. وقد يكون السمع بمعنى ثالث فيكون بمعنى الاستماع، «يقال: سمعك حديثي يعجبني أن استماعك إلى حديثي يعجبني، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورًا تسمع إلى صوت صائد وكلاب: إذا توجس ركزًا مقفر ندس ... بنبأة الصوت ما في سمعه كذب أي ما في استماعه كذب، أي هو صادق الاستماع، والندس: الحاذق يقال: ندس كما يقال حذر، ويقظ ويقظ». والنبأة: الصوت الخفي وكذلك الركز. والمصادر ينوب بعضها عن بعض كما يقال: العطية بمعنى الإعطاء والكرامة بمعنى

стр. 61

الإكرام، والموعظة بمعنى الوعظ، كذلك يكون المسع بمعنى التسمع والاستماع. قال الفراء: يقال: عجبت من طعامك طعامنا، وشرابك شرابنا، فقال: معناه عجبت [من] طعمك طعامنا، وشربك شرابنا. قال: وكذلك تقول: عجبت لدهنك لحيتك في كل يوم - بضم الدال - وأنت تريد: لدهنك - بفتح الدال. قال: وكان الكسائي لا يجيزه إلا بفتح الدال، وهي عند الفراء سواء. وقال: كذلك تقول: عجبت لسمنك شاءك، وأنت تريد لاسمانك شاءك. وكذلك كل المصادر التي تخرج من الأفعال وإن كانت على غير ألفاظها في القياس جرت كلها مجرى واحدًا. والسمع - بكسر السين وإسكان الميم - ذكر الإنسان بالجميل. يقال: ذهب سمعه في الناس أي ذكره، وللسمع أيضًا: ولد الذئب من الضبع ويقال: تسمعت الشيء تسمعًا، وأسمعت استماعًا. وينشد لصخر أخي الخنساء: لعمري لقد أيقظت [من كان] نائمًا ... وأسمعت من كانت له أذنان واستسمعت استسماعًا، واستسمعت: تطلبت الاستماع. وقد يكون التسمع بمعنى الاستماع. وأسمعت غيري الخبر وغيره إسماعًا، وقد يكون أسمعته في مجاز الاستعمال يجري مجرى السب والشتيمة كما استعمل السماع في الغناء، وإنما هو في الأصل مصدر. قال لبيد في التسمع بمعنى الاستماع يصف بقرة وحشية:

стр. 62

وتسمعت دار الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها وتقول العرب: سماع يا هذا بوزن فعال مكسور الآخر بمعنى اسمع مني كما يقال: دراك بمعنى أدرك. ونزال بمعنى انزل. وقد يقولون أيضًا سماعًا يا هذا بالنصب بمعنى اسمع. قال الشاعر: سماع الله والعلماء أني ... أعوذ حقو خالك يا ابن عمرو يريد: أسمع الله والعلماء، فوضع المصدر موضع الفعل الناصب له. والسمع اسم الأذن كما ذكرت لك ولكنه اسم مذكر فأما الأذن فهي مؤنثة ويقال للأذن، الحاضرة. ومن كلام العرب: «إذا تكلمتم فاحذروا الحواضر». فإذا كانت الأذن لطيفة يقال لها: صمعاء وحشر، فإذا كانت عظيمة قيل لها: شرافية، ويقال لداخل الأذن الصماليخ ولوسخها الأنف، ولوسخ الظفر المجتمع بينه وبين لحم الأصبع التف، ويقال فلان أصم أصلخ إذا كان لا يسمع

стр. 63

شيئًا، ورجل أقطع إذا كان أصم، فإذا كانت الأذن عظيمة فهي الحذنة وأنشد أبو عبيدة: يا ابن التي حذنتاها باع وإذا كانت كثيرة الشعر: الزبعرة. ويقال للرجل إذا كان سيء الخلق زبعري. فإذا قطعت الأذن فاستؤصلت قيل لها: صلماء. ويقال: أسمعت الدلو: إذا كانت كبيرة فقبضت من أسفلها قبضة ثم شددتها لتخفف فيستقي بها حينئذ الشيخ والصبي. قال الشاعر: ونعدل ذا الميل إن رامنا ... كما عدل الغرب المسمع ويقال: المسمعان عروتان تكونان في موضع هذه القبضة من داخل فتجمعان فيتضيق الدول. وأنشد: سألت زيدًا بعد بكر خفا ... والدلو قد تسمع كي تخفا يقول: سألته حاجة كبيرة فلم يقضها، فسألته حاجة صغيرة. ويقال للحبل الذي يشد بعد العقد الأول الكرب، وذلك أن الدلو. ربما انقطع حبلها الأول فيمسكها الكرب ويمنعها من السقوط ومنه قول الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا العناج: الحبل الأول، والكرب: الحبل الثاني، ويقال للصخرة التي يقوم عليها

стр. 64

الساقي: القبيلة والمنزعة، فإذا كانت تزلق قيل لها مدحض، وزرنح، ويقال للصخرة التي تكون في أسفل البئر: الراعوفة، ويقال للصخرة التي في الشطوط يغمرها الماء الاتان ويقال أيضًا: الحنضل، ويقال لطي البئر: الزبر والضرس لها ويقال للخزف الذي يجعل في طيها ليقوي الأعقاب الأجر، ويقال لرأس البئر إذا كان ضيقًا: السك، فإذا كان واسعًا فهو جلواخ وإذا كانت البئر فوق رابية قيل لها جمجمة، فإذا كانت مندفنة فهي سدم. الكافي الكافي اسم الفاعل من كفى يكف فهو كاف، فالله كافي عباده لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم فقد كفاهم كما قال الله : ﴿أليس الله بكاف عبده؟﴾. وكفاية الإنسان من المعاش قدر بلغته وقوام أمره، وتقول: كفيت الرجل الأمر

стр. 65

أكفيه كفيًا وكفاية إذا قمت به دونه، وأزلت عنه الاهتمام به. وتقول العرب: مررت برجل كفيك من رجل يجعلونه مدحًا في أنه نهاية في الخير قد كفاك ما تريد من سواه ويتركونه على حال واحدة في الأثنين والجمع والمذكر والمؤنث لأنه مصدر وصف به. ويقولون: مررت برجلين كفيك من رجلين، ومررت برجال كفيك من رجال، وبامرأة كفيك من امرأة، وبنساء كفيك من نساء على حال واحدة. ومنهم من يقول: مررت برجل كفاك من رجل فيجيء به على لفظ الفعل الماضي فيجريه على ما قبله في التثنية والجمع والتأنيث والتذكير فتقول: مررت برجل كفاك من رجل، وبرجلين كفياك من رجلين، وبرجال كفوك من رجال، ومررت بامرأة كفتك من امرأة وبامرأتين كفتاك من امرأتين، وبنساء كفينك من نساء. ومثل هذا في المدح قولهم مررت برجل كفيك من رجل وشرعك من رجل، وهمك من رجل وهدك من رجل وتاهيك من رجل كله يجري مجرى واحدًا. واعلم أن ما كان من الأسماء نحو الكافي معتل اللام كقولك: القاضي والداعي والكافي وما أشبه ذلك فأكثر العرب يتركونه في حال الرفع والخفض ساكن الآخر ويعربونه في حال النصب فيقولون: جاءني القاضي والداعي والكافي، ومررت بالكافي والقاضي والداعي والغازي يدعونه ساكن الآخر استثقالاً للضمة والكسرة في الياء المكسور ما قبلها فإذا صاروا إلى حال النصب أعربوه لأن الفتحة اخف الحركات فيقولون: رأيت الداعي والغازي والرامي فإذا لم يكن فيه ألف ولام ولم يضيفوه ألحقوه التنوين في حال الخفض والرفع والنصب وكذلك ما كان نظيره من السالم غير مصروف جرى مجرى واحدًا فقالوا مررت بقاض وغاز وجوار وغواش، وجاءني غاز وقاض وكاف وجوار وسوار وما أشبه ذلك، فإذا صاروا في حال النصب أعربوه ونونوا المصروف المثال من الصحيح وتركوا صرف ما لا ينصرف مثاله من الصحيح فقالوا: رأيت غازيًا وداعيًا وراميًا وجواري وغاشي وسواري. ومن العرب من يعرب هذا الجنس من الأسماء في كل حال ولا يستثقل الكسرة فيه فيقول: هذا القاضي والداعي والرامي يجريه مجرى الصحيح، ويقول مررت

стр. 66

بالقاضي والداعي والرامي كما يقول مررت بالضارب والقاعد وما أشبه ذلك، ومن هذه اللغة أنشد سيبويه: قد عجبت مني ومن يعيليا ... لما رأتني خلقًا مقلوليًا أراد تصغير يعلي وكان سبيله أن يقول: يعيل فأجراه مجرى الصحيح. وقال الفرزدق: فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا وقال آخر: خريجع دوادي في ملعب ... تأزر طورًا وتلقى الازارا

стр. 67

ومن العرب من يترك إعراب المنصوب أيضًا فيجعله ساكن الآخر، كما فعل ذلك بالمخفوض والمرفوع فيجعله في الأحوال الثلاثة ساكن الآخر فيقول: رأيت القاضي والغازي والكافي والداعي وما أشبه ذلك. وأكثر ما يجيء هذا في الشعر وليس بمستعمل في منثور الكلام. قال النابغة: ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد ومنهم من يرويه عليه أقاصيه على ما لم يسم فاعله فرارًا من قبح هذه اللغة. وقال رؤبة: سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق أسكن ياء المساحي وهو في موضع النصب. وقال آخر: كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق ومن كان هذا من لغته فإنه يجعله في حال النصب إذا لم تكن فيه الألف واللام وكان غير مضاف بلفظ المخفوض أيضًا فتقول: رأيت قاض وكسوت عار ولقيت غاز

стр. 68

لأنه ينوي إسكان آخره إذ ليس من شأنه إعرابه، ثم يلحقه التنوين فتسقط الياء لالتقاء الساكنين. وهما الياء والتنوين. ويبقى ما قبلها على كسرته وهو قبيح من كلام الشعر في حال الضرورة. وأنشدوا في ذلك: فكسوت عار جبينه فتركته ... جذلان جاد قميصه ورداه وذكر الفراء أن من العرب من يهمز هذه الياءات كلها حرصًا على الإعراب واستثقالا للحركات فيها وأنشد: يا دار سلمى بدكاديك البرق ... سقيا وإن هيجت وجد المشتئق الرؤوف الرؤوف: الراحم، والرأفة: الرحمة. يقال: رؤفت به أرؤف رأفة. وفلان رؤف ورؤوف. وهو متعلق بالمفعول كتعلق رحيم، وقد مضى القول في ذلك وفي تعدي فعول وفعيل وما في ذلك من الاختلاف بين النحويين. وما كان على فعول كان بغير هاء، لمذكر كان أو مؤنث، كقولك: رجل شكور، وامرأة شكور، ورجل

стр. 69

قتول، وامرأة قتول، وكذلك صبور وغدور وجهول وما أشبه ذلك، وقال الخطيئة: ألا آل ليلى آذنوا بقفول ... وما آذنوا ذا حاجة برحيل تنادوا فحثوا للترحل غيرهم ... فبانوا بجماء العظام قتول الشاكر الشاكر: اسم الفاعل من شكر يشكر فهو شاكر ومشكور، والشكر: مقابلة المنعم على فعله بثناء عليه، وقبول لنعمته، واعتراف بها، هذا أصله في اللغة. فلما كان الله يجازي عباده على أفعالهم ويثيبهم على أقل القليل منها ولا يضيع لديه ﵎ لهم عمل عامل كان شاكرًا لذلك لهم أي مقابلاً له بالجزاء والثواب، لأن من لم يشكر من الآدميين فعل المنعم عليه فقد كفر. والله تتضاعف لديه الحسنات، ولا يضيع عنده أجر العاملين، فتأويل الشكر منه هو المجازاة على أفعال المطيعين. فإن قال قائل: فإذا كان الشكر منه إنما هو مجازاة العاملين ومقابلة الأفعال بالثواب والجزاء فقالوا إنه يشكر أيضًا أفعال الكفار لأنه يجازيهم عليها. قيل له: ذلك غير جائز لأنا قد قلنا: إن الشكر في اللغة إنما هو مقابلة المنعم على فعله بالثناء والاعتراف بفعله، ولما كان المسيء من العباد لا يقال له منعم ولم يستحق بذلك شكرًا بل استحق الذم، والسب لم يجز أن يكون الكفار محسنين في أفعالهم فيستحق الجزاء عليها والمقابلة بالجميل، بل كانوا مسيئين والمسيء مستحق للعقوبة والسب فلم يجز أن يسمى الفعل المقابل لفعالهم شكرًا. ومعنى شكر العباد لله هو كما ذكرنا من الآدميين اعترافهم بطوله ، وإنعامه ومقابلة ذلك بالإقرار والخضوع والطاعة له، ولذلك قال : ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. فأخذ المتمثلون والخطباء

стр. 70

هذا المعنى من القرآن فقالوا: «من شكر فقد استحق الزيادة». وقد أكثر الشعراء في الشكر والإنعام ومقابلة بعضهما بعضًا، فمنهم من يرى الشكر كفاء للإنعام. ومنهم من رآه دونه ورأي الفضل للمنعم على كل حال لأنه هو الذي أطلق لسان المنعم عليه بالشكر، ولولا الإنعام لم يكن إلى الشكر سبيل. ومنهم من رأي الشكر يفوق الإنعام ويفضله وهذا من الشرف، والعلة في هذا الاختلاف أن كل واحد منهم تكلم على حسب حاله وهواه، فمن رأي الشكر دون الإنعام ورآه مع ذلك يبلغه بتطاوله ... الحكمي في قوله: قد قلت للعباس معتذرًا ... من ضعف شكريه ومعترفًا أنت أمرؤ جللتني نعمًا ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح منكشفا لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا ......... ... فأحسن في قوله للخصيب وظرف: فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور

стр. 71

ومن رأى الشكر يفوق الإنعام الآخر حيث يقول عبد الصمد بن المعذل: برز إحسانك في سبقه ... ثم تلاه شكر لاحق حتى إذا مد المدى بيننا ... جاء المصلي وهو السابق وأنشدنا ابن الأنباري في مثله: وما بلغ الإنعام في النفع غاية ... على المرء إلا غاية الشكر أفضل ولا بلغت أيدي المنيلين بسطة ... من الطول إلا بسطة الشكر أطول ولا رجحت في الوزن يومًا صنيعة ... على المرء إلا وهي بالشكر أثقل ولا بذل الشكر امرؤ حق بذله ... على العرف إلا وهو للمال أبذل ومن يشكر المعروف يوما فقد أتى ... أخا العرف في حسن المكافأة موغل وأما الحمد: فالثناء على الرجل بما فيه من شجاعة، أو كرم أو سخاء أو جميل

стр. 72

أو لاكه، فالحمد أعم من الشكر، والشكر يدخل تحت الحمد ولا يدخل الحمد تحت الشكر. ولذلك يقول أهل اللغة: قد يوضع الحمد موضع الشكر فيقال: «حمدت الرجل على معروفه وإحسانه». ولا يوضع الشكر موضع الحمد فيقال: «شكرت الرجل على شجاعته. ويقال، «حمدت الرجل» أحمده حمدًا ومحمدة «وأنا حامد» وهو حميد ومحمود». الإله القول في الإله قد مضى في أول الكتاب في ذكر قولنا «الله» وما فيه من الاشتقاق والتصاريف مشروحًا. الواحد الواحد على ضروب، الواحد: الفرد الذي لا ثاني له من العدد كقولك - إذا قصدت العدد - الواحد والثاني والثالث والرابع وما أشبه ذلك. فالله الواحد الأول الأحد الذي لا ثاني له ولا شريك ولا مثل ولا نظير لم يسبقه في أوليته شيء عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ولذلك يقول أصحاب العدد: إن الواحد ليس بعدد لأن العدد إنما هو تركب من أعداد أضيف بعضها إلى بعض فالواحد لم يتركب من ضم شيء إلى شيء فيكون عددًا فكأنه عندهم مادة العدد. قالوا: ألا ترى أن معنى الوحدة موجود في كل عدد قل أو كثر كالخمسة والستة والألف وما بعد ذلك إلى ما لا نهاية له لابد من أيكون معنى الوحدة فيه موجودًا، وكذلك الكسور نحو النصف والربع والعشر وعشر العشر وما دون ذلك لا بد من أن يكون معنى الوحدة موجودًا فيه وليس في قولنا «واحد» معنى عن شيء من ذلك موجودًا، ولذلك

стр. 73

قيل لمن ادعى معبودًا غير الله وقال باثنين أو ثلاثة: إنكم قد ثبتم الواحد بتثبيتكم ما بعده لأنه لا سبيل إلى تثبيت إثنين ووجودهما إلا بعد الإقرار بالواحد الذي هو الأول. وكذلك ما بعد الاثنين، فالواحد مضطر إلى الإقرار به، وما بعده محتاج إلى الدليل على صحته ولا فرق بين من تخطى الواحد إلى ما بعد ذلك بأيسر عدد وبين من تخطاه إلى ما بعده إلى أكثر العدد. فالواحد الأول الذي لا بد من إثباته والإقرار به قبل الإثنين والثلاثة وما بعد ذلك. والواحد أيضًا: الذي لا نظير له ولا مثل كقولهم: فلان واحد قومه في الشرف أو الكرم أو الشجاعة وما أشبه ذلك، أي لا نظير له في ذلك ولا مساجل. ويقول القائل: من واحد بني تميم اليوم يا فلان؟ فيقال له: واحدهم اليوم فلان أي هو رئيسهم وعمدتهم. فالله الواحد الذي لا نظير له، والله الواحد الذي يعتمده عباده ويقصدونه ولا يتكلون إلا عليه . ويقال رجل وحد للمنفرد قال النابغة: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد ويقال في العدد: واحد، واثنان، وثلاثة لا يستعمل أحد مكان واحد لا يقال أحد وثلاثة، وأربعة، لا يستعمل أحد في معنى واحد إلا فيما بعد العشرة فإنه يقال للمذكر أحد عشر رجلاً والمؤنث إحدى عشرة امرأة. فأحد فعل بمنزلة جبل وصنم في الوزن، وإحدى بمنزلة ذكرى في الوزن ولا يستعمل في هذا الموضع الواحد لا يقال واحد عشر رجلاً، لم يستعمل ذلك لأنه بني من الواحد اسم على فعل فقيل وحد ثم أبدلت الواو همزة بدلاً لازمًا في هذا الموضع فقيل أحد ثم جمع هو والعشرة فجعلا اسمًا واحدًا فقيل: أحد عشر فإذا جزت العشرين إلى ما بعد التسعين كان لك في أحد لغتان، إن شئت قلت أحد وعشرون رجلاً وإحدى وعشرون امرأة فتركت أحدًا على اللفظ الذي بنيته مع أحد عشر لأنه بعد العقد، وإن شئت رددته إلى الأصل فقلت: واحد وعشرون، ولا يجوز تغيير إحدى عن لفظها لا يجوز أن تقول واحدة وعشرون لا

стр. 74

لأنه خطأ ولكنه غير مستعمل ترك اللفظ على ما كان بعد العشرة. ولو قاله قائل لم يكن مخطئًا ولكن استعمال العرب على ما أخبرتك به إلا إن يرد في شيء فوجهه جيد كما ذكرت لك. وكذلك تقول فيما بعد ذلك: أحد وثلاثون رجلاً وواحدٌ وثلاثون رجلاً وإحدى وثلاثون امرأة كذلك إلى إحدى وتسعين وواحد وتسعين. فأما قول العرب: السادس والسابع والعاشر والحادي عشر والحادية عشرة فإن الحادي ليس من لفظ واحد ولا أحد لأن أحدًا وواحدًا صحيحًا العين واللام لأن عينهما حاء ولامهما دال، والفاء واو مبدلة همزة في حال ومصححة في حال، والحادي بمنزلة الغازي والقاضي وما أشبه ذلك مما صحت فاؤه وعينه واعتلت لامه من نحو قضى وغزا وما أشبه ذلك فهو اسم الفاعل من حدا يحدو حادٍ بمنزلة غزا يغزو فهو غاز وليس هذا من الواحد في العدد في شيء. وللفراء في ذلك قولان، ولا أعرف لأصحابنا فيه شيئًا، قال الفراء: جائز أن يكون مقلوبًا قلبت فاؤه إلى موضع لامه فقيل: وحد وحدًا ثم قالوا: الحادي عشر حين أرادوا أن يبينوا اسمًا على فاعل بعد العشرة ليجعلوه معهما اسمًا واحدًا فقالوا: الحادي عشر. والمقلوب في كلامهم كثير كقولهم: شاكي السلاح وإنما هو شائك السلاح لأنه من الشوكة، وقالوا: «هار» والأصل «هائر»، وكما قال العجاج: لاثٍ به الأشياء والعبري ... وإنما هو لائث.

стр. 75

قال: وجائز أن يكون لما كان بعد العقد متقدمًا لما بعده إلى العقد الثاني صار كالحادي عشر والحادية عشرة لأن الحادي أبدًا متقدم ما يحدوه ويسوقه فقيل: الحادي عشر. والوحدة والوحدانية من التوحد، يقال: توحد الرجل إذا انفرد فهو متوحد، ولا يكاد يستعمل منه فعل مثل وحد فأما وحده فإنه يستعمل في كلام العرب منصوبًا أبدًا موحدًا بلفظ واحد للواحد وللاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. ويلحق التأنيث والتثنية والجمع ما يجيء بعده مما يضاف إليه كقولك: «جاءني زيد وحده» و «مررت بزيد وحده» و «جاءني القوم وحدهم» و «مررت بالهندات وحدهن» و «وبهند وحدها» وكذلك ما أشبهه. قال الخليل: هو منصوب على المصدر الذي لم ينطق بفعله على لفظه كأنه بمنزلة قولك: أوحدته إيحادًا فوضع مكانه ولذلك لم يثن ولم يجمع. وكان عيسى بن عمر يذهب أنه منصوب نصب الظروف لا نصب المصادر، فإذا قال: «مررت بزيد وحده» فكأنه قال: «مررت به على حياله». وسيبويه وجميع البصريين يختارون مذهب الخليل. الغفور الغفور: الستور يقال: غفرت الشيء أغفره غفرًا إذا سترته فأنا غافر وهو مغفور أي مستور، ومنه سمي جنة الرأس المغفر لأنه يستر الرأس. فالله عز وجل
следующие страницы →