Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ أي ما طاب ولذ منه كأنه لمّا تضمّن ما سلف من مدح النصارى على الترهيب ترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض الشهوات عقّب ذلك بالنهي عن الإفراط في الباب أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغةً منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً ورويَ أنَّ رسولَ الله ﷺ وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار فرقّوا واجتمعوا في بيت
стр. 1367
المائدة آية ٨٨ ٨٩
عثمانَ بنِ مظعونٍ واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين وأن لا يناموا على الفُرش ولا يأكلوا اللحم والودَك ولا يقرَبوا النساء والطيِّب ويرفضوا الدنيا ويلْبَسوا المُسوح ويَسيحُوا في الأرض ويجبوا مناكيرهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقو وأنام وأصوم وأُفطر وآكلُ اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغِب عن سنتي فليس مني فنزلت ﴿وَلَا تعتدوا﴾ أي ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات أو جَعَلَ تحريمَ الطيبات اعتداءً وظلماً فنهى عن مطلق الاعتداء ليدخُل تحته النهيُ عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده عَقيبه أو أريدَ ولا تعتدوا بذلك ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ تعليل لما قبله
стр. 1368
﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً﴾ أي ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله فحلالاً مفعول كلوا ووما رزقكم إما حال منه تقدمتْ عليه لكونِه نكرةً أو متعلق بكلوا ومِنْ ابتدائية أو هو المفعول وحلالاً حالٌ منَ الموصولِ أو مِنْ عائدِه المحذوف أو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي أكلاً حلالاً وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزظق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة ﴿واتقوا الله الذى أَنتُم به مؤمنون﴾ توطكيد للوصية بما أَمَر به فإن الإيمانَ بهِ تعالى يوجب المبالغة في التقوى والانتهاء عما نهى عنه
стр. 1369
﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم﴾ اللغو في اليمين الساقطُ الذي لا يتعلق به حُكم وهو عندنا أن يحلِف على شيء يظن أنه كذلك وليس كما يظن وهو قول مجاهد قيل كانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظنِّ أنه قُربة فلما نزل النهي قالوا كيف بأيماننا فنزلت وند الشافعي رحمه اللله تعالوا ما يبدوا من المرء من غير قصد كقوله لا والله وبلى والله وهو قول عائشةَ رضيَ الله تعالى عنها وفي أيمانكم صلةُ يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر أو حال منه ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان﴾ أي بتعقيدكم اليمان وتوثيقها عليه بالقصد والنية والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقّدتموه إذا حنِثتم أو بنَكْثِ ما عقّدتم فحُذِف للعلم به وقرىء بالتخفيف وقرىء عاقدتم بمعنى عقدتم ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي فكفارةُ نكْثِه وهي الفعلة التي من شأنِها أنْ تكفّرَ الخطيئة وتسترها واستدل بظاهره على جواز التكفير قبل الحِنْث وعندنا لا يجوز ذلك لقوله ﷺ من حلف على يمين ورأى غيرَها خيراً فليأتِ الذي هو خيرٌ ثم لْيُكفِّرْ عن يمينه ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي من أقصَدِه في النوع أو المقدار وهو نصفُ صاعٍ منْ بُر لكلِّ مسكين ومحلُّه النصبُ لأنه صفةُ مفعول
стр. 1370
المائدة آية ٩٠
محذوف تقديرُه أن تُطعموا عشرة مساكينَ طعاماً كائناً من أوسط ما تطعمون أو الرفعُ عَلى أنَّه بدل منإطعام وأهلون جمعُ أهلٍ كأَرَضون جمع أرض جمع أرض وقرىء أهاليكم بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف وهذا أيضاً جمع أهلٍ كالأراضي في جمع أرض والليالي في جمع ليل وقيل جمع أهلاة ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطف على إطعامُ أو على محلَّ من أوسط على تقدير كونِه بدلاً من إطعام وهو ثوب يغطي العورة وقيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار وقُرىء بضمِّ الكافِ وهي لغة كقدرة في قُدوة وإسوة في أُسوة وقرىء أو كأُسوتهم على أن الكافُ في محل الرفعِ تقديره أو إطعامهم كأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم غسرافا وتقتيراً تواسون بينهم وبينهم إن لم تُطعموهم الأوسط ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي أو إعتاقُ إنسان كيفما كان وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه الإيمان قياساً على كفارة القتل ومعنى أو غيجاب إحدى الخصال مطلقاً وخيارُ التعيين للمكلف ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ أيْ شيئاً من الأمور المذكورة ﴿فَصِيَامُ﴾ أي فكفارتُه صيام ﴿ثلاثة أَيَّامٍ﴾ والتتابع شرط عندنا لقراءة ثلاثة أيام متتابعات والشافعي ﵁ لا يرى الشواذ حجة ﴿ذلك﴾ أي الذي ذُكرَ ﴿كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي وحنِثْتم ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ بأن تضِنوا بها ولا تبذُلوها كما يُشعر بهِ قولُه تعالى إِذَا حَلَفْتُمْ وقيل بأن تَبَرّوا فيها ما استطعتم ولم يفُتْ بها خير أو بأن تكفروها إذا حنِثتم وقيل احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاوناً بها ﴿كذلك﴾ غشارة لي مصدر الفعل الآتي لا إلى تبيينٍ آخَرَ مفهومٍ مما سبق والكاف مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحله في الأصلِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير يبين الله تبييناً كائناً مثلَ ذلك التبيين فقُدّم على الفعلِ لإفادةِ القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصل نفسَ المصدر لا نعتاً له وقد مر تفصيله في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا أي ذلك البيان البديع ﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته﴾ أعلام شريعته وأحكامه لا بياناً أدنى منه وتقديم لكم على المفعول لما مر مراراً ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج
стр. 1371
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب﴾ أي الأصنامُ المنصوبةُ للعبادة ﴿والازلام﴾ سلف تفسيرها في أوائل السورةِ الكريمة ﴿رِجْسٌ﴾ قذر تعاف عنه العقول وإفراده لأنه خبرُ الخمر وخبرُ المعطوفات محذوفٌ ثقةً بالمذكور أو المضاف محذة وف أي شأن الخمر والميسر إلخ ﴿رجس مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ في محلِ الرفعِ على أنه صفةُ رجس أي كائن من عمله لأنه مسبَّبٌ من تسويله وتزيينه ﴿فاجتنبوه﴾ الرجس أو ما ذكر ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي راجين فلاحكم وقيل لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مرَّ تحقيقُه في تفسير قولِه تعالى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ولقد أُكِّد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صُدِّرت الجملة بإنما وقُرِنا بالأصنام والأزلام وسُمِّيا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على أن تعاطيهما شرٌّ بحْتٌ وأَمَر بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك
стр. 1372
المائدة آية ٩١ ٩٣
سببا يرجى منه الفلاح فيكون ارتكابهما خَيبة ومَحْقة ثم قرر ذلك بيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقيل
стр. 1373
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر﴾ وهو إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة﴾ إشارة إلى مفاسدهما الدينية وتخصيصُهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن المقصود بيانُ حالهما وذكرُ الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلُهما في الحرمة والشرارة لقوله ﷺ شارب الخمر كعابد الوثن وتخصيصُ الصلاة بالإفراد مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن الصادَّ عنها كالصادِّ عن الإيمان لما أنها عِمادُه ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتَّباً على ما تقدم من أصناف الصوارف فقيل ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ أيذاناً بأن الأمر في الزجر والتحذير وكشفِ ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية وأن الأعذارَ قد انقطعت بالكلية
стр. 1374
﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ عطف على اجتنبوه أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه ﴿واحذروا﴾ أي مخالفتَهما في ذلك فيدخل فيه مخالفةُ أمرِهما ونهْيِهما في الخمر والميسر دخولاً أولياً ﴿فَإِن توليتم﴾ أي أعرضتم عن الامتثال بما أُمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ والاحترازِ عن مخالفتهما ﴿فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين﴾ وقد فعل ذلك بكما لا مزيد عليه وخرج عن عُهدة الرسالة أيَّ خروج وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل وما بقي بعذ ذلك إلا العقاب وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضُروا بتولِّيكم الرسولَ لأنه ما كُلّف إلا البلاغَ المبينَ بالآيات وقد فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كُلِّفتموه فلا يساعده المقام إذ لا يُتوهم منهم ادعاءُ أنهم بتوليهم يضرونه ﷺ حتى يردَ عليهم بأنهم لا يضرونه وإنما يضرون أنفسهم
стр. 1375
﴿ليس على الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ أي إثم وحرج ﴿فِيمَا طَعِمُواْ﴾ أي تناولوا أكلاً أو شرباً فإن استعماله في الشرب أيضاً مستفيضٌ منه قوله تعالى ومن لم يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى قيل لما أنزل الله تعالى تحريم الخمر بعد غزوة الأحزاب قال رجال من أصحابِ النبيِّ ﵊ أصيب فلان يوم بدر وفلان يوم أحد وهو يشربونها ونحن نشهد أنهم في الجنة وفي رواية أخرى لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهو يشربون الخمر ويأكلون الميسر وفي
стр. 1376
المائدة
رواية أخرى قال أبُو بكرٍ رضيَ الله تعالى عنه يا رسولَ الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار فنزلت وليست كلمة ما في طعموا عبارةً عن المباحات خاصة وإلا لزم تقييد غباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله تعالى ﴿إِذَا مَا اتقوا﴾ واللازمُ منْتفٍ بالضرورة بل هي عبارة على عمومها موصولوة كانت أو موصوفة وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها والمعنى ليس عليهم جُناحٌ فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائناً ما كان إذا اتقَوْا أنْ يكونَ في ذلكَ شيء من المحرمات وإلا لم يكن نفْيُ الجُناح في كل ما طعموه بل في بعضه ولا محذورَ فيه إذِ اللازمُ منه تقييد غباحة الكل بأن لا يكون فيه محرم لا تقيد إباحة بعضه باتقاء بعضٍ آخرَ منه كما هو اللازمُ من الأول ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ عطف على اتقوا داخلٌ معه في حيِّز الشرط أي اتقوا ما حُرّم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق ﴿وآمنوا﴾ أي بتحريمه وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمن به واستمروا على الإيمان ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ أي ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحاً من قبل على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة غباحة كل ما طعِموه في ذلك الوقت لا إباحةُ كل ما طعموه قبله لانتساخ إباحةِ بعضِه حينئذ ﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ أي عملوا الأعمالَ الحسنةَ الجميلة المنظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبية والقالبية وليس تخصيص هذه المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها بل لبيان التعدد والتكرر بالغاً ما بلغ والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على ما هم عليه من الإيمان والأعمالِ الصالحةِ وكانوا في طاعة الله ومراعاةِ أوامرِه ونواهيه بحيث كلما حرِّم عليهم شيء من المباحات اتقَوْه ثم وثم فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المطاعم والمشارب إذ ليس فيها شيء محرم عند طُعْمِه وأنت خبير بأن ما عدا اتنقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخْلَ لها في انتفاء الجُناح وإنما ذكرت في حين إذا شهادةً باتصاف الذين سُئل عن حالهم بها ومدحاً لهم بذلك وحمداً لأحوالهم وقد أُشير إلى ذلك حيث جُعلت تلك الصفاتُ تبعاً للاتقاء في كل مرةٍ تمييزاً بينها وبين ما له دخل في الحكم فإن مَساقَ النظمُ الكريم بطريق العبارة وإن كان لبيان حال المصنفين بما ذُكِرَ من النعوتِ فيما سيأتي بقضية كلمة إذا ما لكنه قد أُخرج مُخْرَجَ الجواب عن حال الماضين لأثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهانيّ بطريق دلالة النص بناءً على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها فكأنه قيل ليس عليهم جمناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعنه تعالى مع ما لَهُم منَ الصفات الحميدة بحيث كلما أمِروا بشيء تلقَّوْه بالامتثال وإنما كانوا يتعاطَوْن الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذا ذاك ولو حُرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة هذا وقد قيل التكريرُ باعتبار الأوقات الثلاثة أو باعتبار الحالات الثلاث استعمالِ الإنسان التقوى بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبين الله ولذلك جيءَ بالإحسان في الكرة الثالثة بدلَ الإيمان إشارة إلى ما قله ﵊ في تفسيره أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى أو باعتبار ما يُتَّقى فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب والشبُهاتِ توقياً من الوقوع في الحرام وبعضَ المباحات حفظاً للنفس عن الخِسة وتهذيباً لها عن دنَس الطبيعة وقيل التكريرُ لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ونظائرِه وقيل المرادُ بالأول اتقاءُ الكفر وبالثاني
стр. 1377
المائدة آية ٩٤
اتقاءُ الكبائر وبالثالث اتقاءُ الصغائر ولا ريب في أنه لا تعلُّقَ لهذه الاعتبارات بالمَقام فأَحسِنِ التأمل ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله أبلغَ تقرير
стр. 1378
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله ليُعامِلَّنكم معاملة من يختبركم لبتعرف أحوالَكم ﴿بِشَىْء مّنَ الصيد﴾ أي من صيدِ البَرّ مأكولا أو غير مأكول ما عجا المستثنياتِ من الفواسق فاللام للعَهْد نزلت عام الحُدَيْبية ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم مُحرِمون كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدِها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وذلك قوله تعالى ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم﴾ فهمُّوا بأخذها فنزلت ورُوي أنه عَنَّ لهم حمارُ وحشٍ فحمل عليه أبو اليَسَر بنُ عمرو فطعنه برمحه وقتله فقيل له قتلته وأنت مُحرم فأتى رسول الله ﷺ وسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية فالتأكيد القَسَميُّ في ليبلونكم إنما هو لتحقيق أن ما وقع من عدم توحُّش الصيد عنهم ليس إلا لابتلائهم لا لتحقيق وقوعِ المبتلى به كما لو كان النزول قبل الابتلاء وتنكير شيء للتحقير المُؤْذِن بأنَّ ذلك ليس من الفِتن الهائلة التي تزِلُّ فيها أقدامُ الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلافِ الأموال وإنما هو من قبيل ما باتلي به أهلُ أَيْلَةَ من صيد البحر وفائدتُه التنبيهُ على أن من لم يتثبت في مثل هذا كيف يتثبت عند شدائد المحن فمن في قوله تعالى من الصيد بيانية قطعاً أي بشيء حقير هو الصيد وجعلُها تبعيضيةً يقتضي اعتبارَ قِلَّته وحقارته بالنسبة إلى كل الصيد لا بالنسبة إلى عظائم البلايا فيَعْرَى الكلامُ عن التنبيه المذكور ﴿لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب﴾ أي ليتميز الخائفُ من عقابه الأخروي وهو غائبٌ مترقبٌ لقوة إيمانه فلا يتعرض للصيد ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيُقدم عليه وإنما عبر عنْ ذلك بعلم الله تعالى اللازم له إيذاناً بمدار الجزاءِ ثواباً وعقاباً فإنه أدْخَلُ في حملهم على الخوف وقيل المعنى ليتعلق علمه تعالى يمن يخافه بالفعل فإن علمه تعالى بأنه سيخافه وإن كان متعلقاً به قبل خوفه لكنّ تعلُّقَه بأنه خائف بالفعل وهو الذي يدور عليه أمرُ الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل وقيلَ هناكَ مضافٌ محذوفٌ والتقدير ليعلم أولياءَ الله وقرىء ليُعلِمَ من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليُعْلِمَ الله عباده الخ والعلمُ على القراءتين متعدَ إلى واحد وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك﴾ أي بعد بيانِ أن ما وقع ابتلاءٌ منْ جهتِه تعالَى لِما ذُكر من الحِكمة لا بعد تحريمِه أو النهي عنه كما قاله بعضهم إذ النهي والتحريم ليس أمراً حادثاً يترتب عليه الشرطية بالفاء ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون لأن نفس الابتلاء لا يصلح مداراً لتشديد العذاب بل ربما يتوهم كونُه عذراً مسوِّغاً لتخفيفه وإنما الموجب للتشديد بيانُ كونه ابتلاءً لأن الاعتداء بعد ذلك مكابرةٌ صريحة وعدمُ مبالاةٍ بتدبير الله تعالى وخروجٌ عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية أي فمن تعرض للصيد بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحُّشه منهم ابتلاءٌ مؤدَ إلى تمييز المطيع من العاصي ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
стр. 1379
لما ذكر من أنه مكابرة محضة ولأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهيِّنة لا يكاد يُراعيه في عظائم المداحض والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يُوسَعُ ظهرُه وبطنه جَلداً وينزع ثيابه
стр. 1380
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان ما يتدارك به الاعتداءُ من الأحكام إثر بيانِ ما يلحقه من العذاب والتصريح بالنهي في قوله تعالى ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مع كونه معلوماً لا سيما من قوله تعالى غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبُه عليه واللام في الصيد للعهد حسبما سلف وحُرُم جمع حَرام وهو المُحرم وإن كان في الحِل وفي حكمه من في الحَرَم وإن كان حَلالاً كرُدُح جمع رداح والجملة حالٌ من فاعل لا تقتلوا أي لا تقتلوه وأنتم محرمون ﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾ أي الصيد المعهود وذِكرُ القتل في الموضعين دون الذبح اللذان بكونه في حكمه الميتة ﴿منكم﴾ متعلق بمحذوفوقع حالاً من فاعل قتله أي كائناً منكم ﴿مُّتَعَمّداً﴾ حال منه أيضا ذاكراً لإحرامه عالماً بحُرمة قتل ما يقتله والتقييدُ بالتعمّد مع أن محظوراتِ الإحرام يستوي فيها العمْدُ والخطأ لِما أنَّ الآيةَ نزلتْ في المتعمِّد كما مرَّ من قصة أبي اليَسَر ولأن الأصل فعلُ المتعمّد والخطأ لاحقٌ به للتغليظ وعن الزُهري نزل الكتاب بالعمد وورد السنة بالخطأ وعن سعيد بن جبير ﵁ لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط التعمّد في الآية وهو قول داودَ عن مجاهد والحسن أن المراد بالتعمد هو تعمدُ القتل مع نسيان الإحرام أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه وأمره إلى الله لأنه أعظمُ من أن يكون له كفارة ﴿فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ﴾ برفعهما أي فعليه جزاءٌ مماثلٌ لما قتله وقرىء برفع الأول ونصب الثاني على إعمال المصدر وقرىء بجرِّ الثاني على إضافته إلى مفعوله وقرىء فجزاؤه مثلُ ما قتل على الابتدجاء واخبرية وقرىء بنصبهما على تقدير فليجْزِ جزاءً أو فعليه أن يجزى جزاءً مثلَ ما قتل والمرادُ به عند أبي حنيفة وأي يوسف ﵄ المثل باعتبار القيمة يوم الصيد حيث صِيدَ أو في أقرب الأماكن إليه فإن بلغَت قيمتُه قيمةَ هدْيٍ يُخير الجاني بين أن يشتري بها ما قيمته قيمةَ الصيد فيُهدِيَه إلى الحرم وبين أن يشتريَ بها طعاماً فيُعطيَ كل مسكينٍ نصفُ صاعٍ منْ بر أو صاعامن غيره وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما فإن فضل مالا يبلغُ طعامَ مسكين تصدّق به أو صام عنه يوماً كاملاً إذ لم يُعهد في الشرع صومُ ما دونه فيكون قوله تعالى ﴿مِنَ النعم﴾ بياناً للهدْي المشترى بالقيمة على أحد وجوه اتخيير فإنَّ من فعل ذلك يصدق علبيه أنه جزىء بمثل ما قتل من النعم وعند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ومن يرى رأيهما هو المِثْلُ باعتبار الخِلْقة والهيئة لأن الله تعالى أوجب مثلَ المقتول مقيداً بالنعم فمن اعتبر
стр. 1381
المائدة آية ٩٥
المِثْل بالقيمة فقد خالف النص وعن الصحابةِ ﵃ أنهم أوجبوا في النَّعامة بدنةً وفي الظبْيِ شاةً وفي حمار الوَحش بقرَةً وفي الأرنب عَناقاً وعن النبيِّ ﷺ أنه قال الضبُع صيدٌ وفيه شاةٌ إذا قتله محرم ولنا أن النصَّ أوجبَ المثْل والمِثْلُ المطلق في الكتاب والسنة وإجماعِ الأمة والمعقولِ يُراد به إما المثلُ صورةً ومعنى وإما المثلُ صورةً بلا معنى فلا اعتبارَ له في الشرع أصلاً وإذا لم يمكن إرادةُ الأول إجماعاً تعيّنت إرادةُ الثاني لكونه معهودا في الشرح كما في حقوق العباد ألا يرى أن المماثلة بين أفراد نوعٍ واحد مع كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبْرها الشرع ولم يجعل الحيوانَ عند الإتلاف مضموناً بفردٍ آخَرَ من نوعه مماثلٍ له في عامة الأوصاف بل مضموناً بقيمتِه مع أن المنصوص عليه في أمثاله إنما هو المثل قال تعالى فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ فحيث لم تُعتبرْ تلك المماثلةُ القويةُ مع تيسُّر معرفتها وسهولة مراعاتها فلئلا تُعتبرُ ما بين أفراد أنواع مختلفةٍ من المماثلة الضعيفة الخفيةِ مع صعوبة مأخذِها وتعسُّرِ المحافظة عليها أولى وأحرى ولأن القيمة قد أريدت فيما لا نظيرَ له إجماعاً فلم يبق غيرُه مراداً إذْ لا عمومَ للمشترَك في مواقع الإثبات والمراد بالمرويِّ إيجابُ النظير باعتبار القيمة لا باعتنبار العيب ثم الموجبُ الأصليُّ للجناية والجزاءِ المماثلِ للمقتول إنما هو قيمتُه لكن لا باعتبار أن يعنمد الجاني إليها فيصرِفَها إلى المصارف ابتداءً بل باعتبار أن يجعلَها معياراً فيقدِّرَ بها إحدى الخصال الثلاث فيُقِيمَها مُقامها فقوله تعالى مّثْلُ مَا قَتَلَ وصفٌ لازم للجزاء غيرُ مفارِقٍ عنه بحال وأما قوله تعالى مِنَ النعم فوصفٌ له معتبرٌ في ثاني الحال بناءً على وصفه الأول والذي هو المعيارُ له ولِما بعده من الطعام والصيام فحقُّهما أن يُعطفا على الوصف المفارِق لا على الوصف اللازم فضلاً عن العطف على الموصوف كما سيأتي بإذن الله تعالى ومما يرشدك إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي بمثل ما قتل ﴿ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ﴾ أي حكَمان عادلان من المسلمين لكنْ لا لأن التقويمَ هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد من العُدول دون الأشياء المشاهدةَ التي يستوي في معرفتها كلُّ أحد من الناس فإن ذلك ناشىء من الغفلةِ عما أرادوا بما به المماثلة بل لأن ما جعلوه مدار المماثلة بين الصيد وبين النَّعم من ضربِ مشاكَلةٍ ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التبايُن بينهما في بقية الأحوال مما لا يَهتدي إليه من أساطينِ أئمة االاجتهاد وصناديدِ أهل الهداية والإرشاد إلا المؤيدون بالقوة القدسية ألا يُرى أن الإمام الشافعي ﵁ أوجب في قتل الحمامة شاةً بناء على ما أثبتَ بينهما من المماثلة من حيث إن كلا منهما يعُبّ ويهدِر مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضّبّ والنون فكيف يُفوَّضُ معرفةُ أمثالِ هذه الدقائق العويصة إلى رأي عجلين من آحاد الناس على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص فبعد ما عُيِّن بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد نوعٌ من أنواع النعم يتم الحُكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجةٌ إلى حكمٍ أصلاً وقرىء يحكم به ذو عدل على إرادة جنس العادل دون الوَحْدة وقيل بل على إرادة الإمام والجملة صفة لجزاءٌ أو حالٌ منهُ لتخصُّصه بالصفة وقوله تعالى ﴿هَدْياً﴾ حالٌ مقدرة من الضمير في به أو من جزاء لما ذكر من تخصصه بالصفة أو بدلٌ من مثل فيمن نصبه أو مِنْ محله فيمن جرَّه أو نصبٌ على المصدر أي يهديه هدياً والجملة صفة أخرى لجزاء ﴿بالغ الكعبة﴾ صفةٌ لهدياً لأن الإضافة غير حقيقية ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ عطف على محل من النعم على أنه خبر
стр. 1382
المائدة آية ٩٦
مبتدأ محذوف والجملةُ صفة ثانية لجزاء كما أشير إليه وقوله تعالى ﴿طَعَامُ مساكين﴾ عطفُ بيانٍ لكفارةٌ عند من لا يخصصه بالمعارف أو بدلٌ منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام مساكين وقوله تعالى ﴿أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً﴾ عطف على طعام الخ كأنه قيل فعليه جزاءٌ مماثلٌ للمقتول هو من النَّعم أو طعامُ مساكينَ أو صيامُ ايام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفاً لازماً للجزاء يقدَّر به الهدْي والطعام والصيام أما الأولان فبلا واسطة وأما الثالث فبواسطة الثاني فيختار الجاني كلاًّ منها بدلاً من الآخرَيْن هذا وقد قيلَ إنَّ قوله تعالى أَوْ كَفَّارَةٌ عطف على جزاء فلا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدَّر به الطعام والصيام والإلتجاء إلى إلى القيامس على الهدْي تعسفٌ لا يخفى هذا على قراءة جزاء بالرفع وعلى سائر القراءات فقوله تعالى أَوْ كَفَّارَةٌ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ معطوفة على جملة هو من النعم وقرىء أو كفارةُ طعامِ مساكين بالإضافة لتبيين نوع الكفارة وقرىء طعامُ مِسْكين على أن التبيين يحصل بالواحد الدال على الجنس وقرىء أو عِدْل بكسر العين والفرق بينهما أن عَدلَ الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعِدْلَه ما عُدِل به في المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك إشارة إلى الطعام وصياما تمييز للعَدْل والخيار في ذلك للجاني عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وللحَكَمين عند محمد ﵀ ﴿لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ متعلق بالاستقرارِ في الجارِّ والمجرور أي فعليه جزاءٌ ليذوق الخ وقيل بفعل يدل عليه الكلامُ كأنَّه قيل شرع ذلك عليه ليذوق وبال أمره أي سوءَ عاقبةِ هَتْكه لحُرمة الإحرامِ والوبال في الأصل المكروهُ والضررُ الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثِقَله ومنه قوله تعالى فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً ومنه الطعام الوبيلُ وهو الذي لا تستمرِئُه المَعِدة ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَف﴾ من قتل الصيد مُحرِماً قبل أن يسألوا رسول الله ﷺ وقيل عما سلف منه في الجاهلية لأنهم كانوا متعبَّدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرّماً ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى قتل الصيد بعد النهي عنه وهو محرم ﴿فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه فهو ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء كقوله تعالى فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً أي فذلك لا يخاف الخ وقوله تعالى وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ أي فأنا أمتعه والمراد بالانتقام التعذيبُ في الآخرة وأما الكفارة فعن عطاءٍ وإبراهيمَ وسعيدِ بن جبير والحسن أنها واجبة على العائد وعن ابن عباس ﵄ وشُريح أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر ﴿والله عَزِيزٌ﴾ غالب لا يُغالَب ﴿ذُو انتقام﴾ شديد فينتقم ممن أصر على المعصية والاعتداء
стр. 1383
﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾ الخطاب للمُحْرمين ﴿صَيْدُ البحر﴾ أي ما يصاد في المياه كلها بحراً كان أو نهراً أو غديراً وهو ما لا يعيش إلا في الماء مأكولاً أو غير مأكول ﴿وَطَعَامُهُ﴾ أي وما يُطْعَم من صيده وهو تخصيص بعد تعميم والمعنى أحل لكم التعرّضُ لجميع ما يصاد في المياه والانتفاعُ به وأكلُ ما يؤكل منه وهو السمك عندنا وعند ابن أبي ليلى جميعُ ما يصاد فيه على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيدُ حيوانِ البحر وأن تطعموه وقرىء
стр. 1384
المائدة آية ٩٧
وطُعْمه وقيل صيدُ البحر ما صيد فيه وطعامُه ما قذمه أو نَضَب عنه ﴿متاعا لَّكُمْ﴾ نُصِب على أنَّه مفعولٌ له مختص بالطعام كما أن نافلة في قوله تعالى وَوَهَبْنَا لَهُ إسحق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً حالٌ مختصة بيعقوبَ ﵇ أي أحل لكم طعامه تمتيعاً للمقيمين منكم يأكلونه طرياً ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ منكم يتزودونه قَديداً وقيل نسب على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لفعل مقدر أي متّعكم به متاعاً وقيل مؤكد لمعنى أُحل لكم فإنه في قوة متّعكم به تمتيعاً كقوله تعالى كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴿وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر﴾ وقرىء على بناء الفعلِ للفاعل ونسب صيدَ البر وهو ما يُفْرِخُ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ أي محرمين وقرىء بكسر الدال من دامَ يدامُ وظاهرُه يوجب حرمة ما صاده الحَلالُ على المُحرم وإن لم يكن له مَدْخلٌ فيه وهو قول عمر وابنُ عبَّاسٍ ﵃ وعن أبي هريرة وعطاءٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبير ﵃ أنَّهُ يحلُّ له أكلُ ماصاده الحلالُ وإن صاده لأجله إذا لم يُشِرْ إليه ولم يُدلَّ عليه وكذا ما ذبحه قبل إحرامِه وهو مذهبُ أبي حنيفةَ لأن الخِطاب للمحرمين فكأنه قيل وحرم عليكم ما صِدتُّم في البر فيَخرُج منه مَصيدُ غيرهم وعند مالك والشافعي وأحمد لا يباح ما صِيدَ له ﴿واتقوا الله﴾ فيما نهاكُم عنْهُ أو في جميع المعاصي التي من جُمْلتِها ذلكَ ﴿الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غيره حتى يُتَوهَّمَ الخلاصُ من أخذه تعالى بالالتجاء إليه
стр. 1385
﴿جَعَلَ الله الكعبة﴾ قال مجاهد سميت كعبها لكونها مُكَعبّةً مُربَّعة وقيل لانفرادها من البناء وقيل لارتفاعها من الأرض ونتوئها وقوله تعالى ﴿البيت الحرام﴾ عطفُ بيانٍ على جهة المدح دون التوضيح كما تجىء الصفة وقيل مفعولٌ ثانٍ لجعل وقوله تعالى ﴿قِيَاماً لّلنَّاسِ﴾ نُصبَ على الحال ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما سيجيء بل هذا هو المفعول الثاني وقيل الجعلُ بمعنى الإنشاءِ والخلق وهو حال كما مر ومعنى كونه قياماً لهم أنه مدارٌ لقيام أمر دينهم ودنياهم إذ هو سببٌ لانتعاشهم في أمور معاشِهم ومَعادِهم يلوذ به الخائفُ ويأمَن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعُمّار وقرىء قِيَماً على أنه مصدر على وزن شِبَع أُعلَّ عينه بما أُعلَّ في فعله ﴿والشهر الحرام﴾ أي الذي يؤدى فيه الحجُ وهو ذو الحجة وقيل جنس الشهر الحرام وهو وما بعده عطف على الكعبة فالمفعول الثاني محذوف ثقةً بما مر أي وجعل الشهر الحرام ﴿والهدى والقلائد﴾ أيضاً قياماً لهم والمرادُ بالقلائد ذواتُ القلائد وهي البُدْنُ خُصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر وبهاءَ الحجَّ بها أظهر ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره ومحلُّه النصبُ بفعل مقدر يدل عليه السياق وهو العامل في اللام بعده أي شرَعَ ذلك ﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في السماوات وَمَا فِي الارض﴾ فإن تشريع هذه الشرائعِ المستَتْبِعةِ لدفع المضارِّ الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلبِ المنافع الأولوية والأخروية من أوضحِ الدلائلِ على حكمة الشارع وعدمِ خروجِ شيء عن علمه المحيط وقوله تعالى ﴿وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾
стр. 1386
المائدة آية ٩٨ ١٠٠
تعمبيم إثْرَ تخصيصٍ للتأكيد ويجوز أن يراد بما قي السموات والأرض الأعيانُ الموجودة فيهما وبكل شيء الأمورُ المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من قَبيل المعاني
стр. 1387
﴿اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ وعيد لمن انتهك محارِمَه أو أصر على ذلك وقوله تعالى ﴿وَأَنَّ الله غفور رحيم﴾ وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الانتهاك بعد تعاطيه ووجهُ تقديمِ الوعيد ظاهر
стр. 1388
﴿مَّا عَلَى الرسول إِلَاّ البلاغ﴾ تشديد في إيجاب القيام بما أَمَرَ به أي الرسول قد أتى بما وجب عليه من التَّبليغِ بما لا مزيدَ عليهِ وقامت عليه الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم من بعد في التفريط ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ فيؤاخذكم بذلك نقيرا أو قطميرا
стр. 1389
﴿قُل لَاّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب﴾ حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وبين جيِّدها قَصَد به الترغيب في جيِّد كل منها والتحذيرَ عن رديئها وإن كان سببَ النزول شريحُ بن ضبة البكريُّ الذي مرت قصته في تفسيرِ قولِه تعالى يأيها الذين آمنوا لَا تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله الخ وقيل نزل في رجل سأل رسول الله ﷺ إن الخمر كانت تجارتي وإني اعتقدت من بيعها مالاً فهل ينفعني من ذلك المال إن عمِلت فيه بطاعة الله تعالى فقال النبيِّ ﷺ إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدِلْ جَناحَ بعوضة إن الله لا يقبل إلا الطيب وقال عطاءٌ والحسن ﵄ الخبيث والطيب الحرامُ والحلال وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أولِ الأمرِ بأنَّ القصورَ الذي ينبىءُ عنه عدم الاسواء فيه لا في مقابِلِه فإن مفهومَ عدمِ الاستواءِ بين الشيئينِ المتفاوتينِ زيادةً ونقصاناً وإن جازَ اعتبارُهُ بحسبِ زيادةُ الزائدِ لكنْ المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر كما في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير إلى غير ذلك وأما قولُهُ تعالى هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ فلعلَّ تقديمَ الفاضلِ فيه لما أن صلَتَهُ ملكةٌ لصلةِ المفضولِ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث﴾ أي وإن أسرك كثرته والخطاب لكل واحد من الذين أُمر النبيِّ ﷺ بخطابهم والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدَّر وقيل للحال وقد مر أي لو لم تُعجِبْك كثرة الخبيث ولو أعجبتك وكلتاهما في موقع الحالِ من فاعل لا يستوي أي لا يستويان كائنين على كل حالٍ مفروض كما في قولك أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك أي أحسِنْ إليه إن لم يسىء إليك وإن أساء إليك أي كائناً على كلِّ حال مفروض وقد حُذفت الأولى حذفا مطَّرداً لدلالة الثَّانيةِ عليها دِلالةً واضحةً فإن الشيء إذا تحقق مع المعارِض فلأن يتحقق بدونه أولى وعلى هذا السرِّ يدور ما في لو وإن الوصليتين من المبالغة والتأكيد وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه وسيأتي تمام
стр. 1390
المائدة آية ١٠١
تحقيقه في مواقعَ عديدةٍ بإذنِ الله ﴿فاتقوا الله يا أُوْلِى الالباب﴾ أي في تحرِّي الخبيث وإن كثر وآثِروا عليه الطيِّب وإن قلّ فإن مدارَ الاعتبار هو الجُودة والرداءةُ لا الكثرةُ والقِلة فالمحمودُ القليلُ خيرٌ من المذموم الكثير بل كلما كثر الخبيثُ كان أخبثَ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ راجين أن تنالوا الفلاح
стр. 1391
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لا تسألوا عن أشياء﴾ هو اسمُ جمعٍ على رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين كطرفاء وقصباء أصله شيآه بهمزتين بينهما ألف فقُلبت الكلمة بتقديم لامها على فائها فصار وزنها لفعاء ومُنعت الصرفَ لألف التأنيث الممدودة وقيل هو جمع شيْء على أنه مخفف من شيء كهَيْنٍ مخففٌ من هيِّن والأصل أشيئاه كأهوناء بزنة أفعِلاء فاجتمعت همزتان لام الكلمة والتي للتأنيث إذ الألف كالهمزة فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياءً لانكسار ما قبلها فصارت أشيياء فاجتمعت ياءان أولاهما عين الكلمة فحذفت تخفيفا فصارت أشياء وزنها أفلاء ومُنعت الصرفَ لألف التأنيث وقيل إنما حذفت من أشيِياءَ الياءُ المنقلبةُ من الهمزة التي هي لام الكلمة وفتحت الياء المقصورة لتسلم ألف الجمع فوزنها أفعاء وقوله تعالى ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ صفةٌ لأشياء داعيةٌ إلى الانتهاء عن السؤال نها وحيث كانت المَساءةُ في هذه الشرطية معلقةً بإبدائها لا بالسؤال عنها عُقّبت بشرطية أخرى ناطقةٍ باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجِبِ للمحظور قطعاً فقيل ﴿وإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ ينزلُ القُرْآن تُبْدَ لَكُم﴾ أي تلك الأشياء الموجِبة للمَساءة بالوحي كما ينبىء عنه تقييدُ السؤال بحينِ التنزيل والمراد بها ما يشُق عليهم ويغمُهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها والأسرارِ الخفية التي يفتضحون بها بظهورها ونحوُ ذلكَ مما لا خيرَ فيه فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستَتْبِعٌ لإبدائها كذلك السؤالُ عن تلك التكاليف مستتبعٌ لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب واجترائِهم على المسألة والمراجعة وتجاوزِهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمرِ الله من غير بحث فيه ولا تعرّضٍ لكيفيته وكمِّيته أي لا تُكثروا مُساءلةَ رسول الله ﷺ عما لا يَعْنيكم من نحو تكاليف شاقة وعليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أُوحيَ إليه ولم تطيقوا بها نحو بعضِ أمورٍ مستورة تكرهون بروزها وذلك ما رُوي عن عليَ ﵁ أنَّه قال خطبنا رسول الله ﷺ فحمِد الله تعالى وأثنى عليه ثمَّ قالَ إنَّ الله تعالى كتَب عليكم الحجَّ فقام رجل من بني أسدٍ يقال لهُ عكاشة ابن محسن وقيل هو سُراقة بنُ مالك فقال أفي كل عامٍ يا رسول الله فأعرضَ عنه حتى أعاد مسألتَه ثلاثَ مرات فقال رسول الله ﷺ ويحك وما يُؤْمِنُك أن اقول نعم لوجبت ولو وجبتْ ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاترُكوني ما تركتكم فإنما هلَك من كان قبلَكم بكثرة سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم فإذا أمرتُكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه ومِثلُ ما رُوي عن أنسٍ وأبي هريرة ﵄ أنه سأل الناسُ رسول الله ﷺ عن أشياءَ حتى أحفَوْه في المسألة فقام ﷺ مغضبا خطيبا
стр. 1392
المائدة آية ١٠١
فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال سلوني فوالله ما تسألوني عن شيءٍ ما دُمْت في مقامي هذا إلا بيّنتُه لكم فأشفق اصحاب النبيِّ ﷺ أن يكون بين يَدَيْ أمرٍ قد حضَر قال أنسٌ ﵁ فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشِمالاً فلا أجدُ رجلاً إلا وهو لافٌّ رأسَه في ثوبه يبكي فقام رجل من قريشٍ من بني سَهْمٍ يقال له عبدُ اللَّه بنُ حُذافة وكان إذا لاحى الرجال يدعى إلى غير أبيه وقال يا نبيَّ الله مَنْ أبي فقال ﷺ أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ الزهري وقام آخرُ وقال أين أبي قال ﷺ في النار ثم قام عمر ﵁ فقال رضِينا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً نبياً نعوذ بالله تعالى من الفتن إنا حديثو عهدٍ بجاهلية وشِرْكٍ فاعفُ عنا يا رسول الله فسكن غضبه ﷺ ﴿عَفَا الله عَنْهَا﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتِهم عن المَساءة بل لأنها في نفسها معصيةٌ مستتبِعةٌ للمؤاخذة وقد عفا عنها وفيه مِنْ حثّهم على الجِدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى وضميرُ عنها للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا أي عفا الله تعالى عن مسائلِكم السالفةِ حيث لم يفرِضْ عليكم الحج في كل عام جزاءً بمسألتكم وتجاوَزَ عن عقوبتكم الأخروية بسائر مسائلكم فلا تعودوا إلى مثلها وأما جعلُه صفةً أخرى لأشياء على أن الضمير لها بمعنى لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلّفْكم إياها فمما لا سبيلَ إليه اصلا لاقتدائه أن يكون الحجُّ قد فُرض أولاً في كل عام ثم نسخ بطرق العفو وأن يكون ذلك معلوماً للمخاطَبين ضرورةَ أن حقَّ الوصف أن يكونَ معلومَ الثُبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعلِه وصفاً له وكلاهما ضروريُّ الانتفاء قطعاً على أنه يستدعي اختصاصَ النهْي بمسألة الحجِّ ونحوِها إن سلِمَ وقوعُها مع أن النظم الكريمَ صريحٌ في أنه مَسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي التي يسوؤُهم إبداؤُها سواءٌ كانت من قبيل الأحكام والتكاليفِ الموجبة لِمَساءتهم بإنشائها وإيحابها بسبب السؤال عقوبة وتجديدا كمسألة الحج لولا عفوُه تعالى عنها أو من قبيل الأمور الواقعةِ قبل السؤال الموجبةِ للمساءة بالإخبار بها كمسألة مَنْ قال أين أبي إن قلتَ تلك الأشياءُ غير مُوجبةٍ للمَساءة البتةَ بل هي محتمِلةٌ لإيجاب المَسرَّة أيضاً لأن إيجابَها للأولى إن كانت من حيث وجودُها فهي من حيث عدمُها موجبةٌ للأخرى قطعاً وليست إحدى الحيثيتَيْن محقّقةً عند السائل وإنما غَرَضُه من السؤال ظهورُها كيف كانت بل ظهورُها بحيثية إيجابها للمسرة فلم يعبر عنها بحيثية إيجابها للمَساءة قلتُ لتحقيق المنهيِّ عنه كما ستعرِفه مع ما فيه من تأكيد النهْي وتشديدِه لأن تلك الحيثيةَ هي الموجبةُ للانتهاء والانزجار لا حيثيةُ إيجابِها للمسرة ولا حيثيةُ تردّدِها بين الإيجابين إن قيل الشرطية الثانية ناطقةٌ بأن السؤالَ عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزمٌ لإبدائها البتةَ كما مر فلا تخلَّفَ الإبداءُ عن السؤال في مسئلة الحج حيث لم يُفرَضْ في كل عام قلنا لوقوع السؤال قبل ورودِ النهي وما ذُكر في الشرطية إنما هو السؤال الواقعُ بعد وروده إذ هو الموجبُ للتغليظ والتشديد ولا تخلُّفَ فيه إن قيل ما ذكرتَه إنما يتمشى فيم إذا كان السؤالُ عن الأمور المترددةِ بين الوقوع وعدمِه كما ذُكرَ من التكاليف الشاقةِ وأما إذا كان عن الأمور الواقعةِ قبله فلا يكادُ يتسنّى لأن ما يتعلق به الإبداءُ هو الذي وقع في نفس الأمرِ ولا مرد له سواء كان السؤالُ قبل النهي أو بعده وقد يكون الواقع ما يوجب المسرة كما في مسئلة عبد الله بن حذافة فيكون هو الذي يتعلق به الإبداء لا غيره فيتعين للتخلف حتماً قلنا لا احتمالَ للتخلف فضلاً عن التعيُّن فإن المنهيَّ عنه في الحقيقة إنما هو السؤالُ عن الأشياء الموجبة
стр. 1393
المائدة ١٠٢ ١٠٣
للمَساءة الواقعةِ في نفس الأمر قبل السؤال كسؤال من قال أين أبي لا عما يعمها وغيرهما مما ليس بواقع لكنه محتمِلٌ للوقوع عند المكلفين حتى يلزمَ التخلّفُ في صورةِ عدم الوقوع وجملة الكلام أن مدلول النظمُ الكريم بطريق العبارة إنما هو النهيُ عن السؤال عن الأشياء التي يوجبُ إبداؤها المساءة البتنة إما بأن تكون تلك الأشياءُ بعَرَضية الوقوعِ فتُبدَى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبةً وتشديداً كما في صورة كونِها من قبيل التكاليف الشافة وإما بأن تكون تلك الأشياءُ بعَرَضية الوقوعِ فتُبدَى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبةً وتشديداكما في صورة كونِها من قبيل التكاليف الشافة وإما بأن تكون واقعةً في نفس الأمر قبل السؤال فتُبدى عنده بطريق الإخبار بها فالتخلفُ ممتنِعٌ في الصورتين معاً ومنشأ توهّمِه عدمُ الفرق بين المنهي عنه وبين غيرِه بناءً على عدم امتياز ما هو موجودٌ أو بعَرَضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم وفائدةُ هذا الإبهام الانتهاءُ عن السؤال عن تلك الأشياء على الإطلاق حِذارَ إبداء المكروه ﴿والله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّر لعفوه تعالى أي مبالغٌ في مغفرة الذنوب والإغضاءِ عن المعاصي ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخِذْكم بعقوبة ما فَرَط منكم
стр. 1394
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ أي سألوا هذه المسألةَ لكنْ لا عينَها بل مثلَها في كونها محظورةً ومستتْبِعة للوبال وعدمُ التصريح بالمثل للمبالغة في التَّحذيرِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلق بسألها ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا﴾ أي بسببها أو بمرجوعها ﴿كافرين﴾ فإن بني إسرائيلَ كانوا يستفتون أنبياءَهم في أشياءَ فإذا أُمروا بها تركوها فهلكوا
стр. 1395
﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ ردٌّ وإبطال لما ابتدعه أهلُ الجاهلية حيث كانوا إذا نُتِجَت الناقةُ خمسةَ أبطنٍ آخرُها ذكرٌ بَحروا أُذنها أي شقُّوها وحرَّموا ركوبها ودَرَّها ولا تُطرد عن ماءٍ ولا عن مرعى وكان يقول الرجل إذا قدِمْت من سفري أو برِئْتُ من مرضي فناقتي سائبةٌ وجعلَها كالبَحيرة في تحريم الانتفاعِ بها وقيل كان الرجل إذا أعتق عبداً قال هو سائبة فلا عقْلَ بينهما ولا ميراث وإذا ولَدت الشاةُ أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصَلَتْ أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وإذا نُتجت من صُلب الفحل عشَرةَ أبطُنٍ قالوا قد حمَى ظهرَه فلا يُركب ولا يُحمل عليه ولا يُمنع من ماء ولا مرعى ومعنى ما جعل ما شرع وما وضع ولذلك عُدِّيَ إلى مفعول واحد هو بَحيرة وما عطف عليها ومن مزيد لتأكيد النفي فإن الجعلَ التكوينيَّ كما يجيء تارة متعدياً إلى مفعولين وأخرى إلى واحدٍ كذلك الجعلُ التشريعيُّ يجيء مرة متعدياً إلى مفعولينِ كما في قوله تعالى جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لّلنَّاسِ وأخرى إلى واحد كَما في الآيةِ الكريمةِ ﴿ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾ حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون الله أمرنا بهذا وإمامُهم عمْروُ بنُ لُحَيَ فإنه أولُ مَنْ فعلَ هذهِ الأفاعيلَ الباطلة هذا شأن رؤسائهم وكُبرَائهم ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾ وهم أراذلُهم الذين يتبعونهم من
стр. 1396
المائدة آية ١٠٤ ١٠٥
معاصري رسول الله ﷺ كما يشهد به سياقُ النظم الكريم ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ أنه افتراء باطلٌ حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فيبقَوْن في أسر التقليد وهذا بيان لقصور عقولِهم وعجزِهم عن الاهتداء بأنفسهم وقوله عز وجل
стр. 1397
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي للذين عبَّر عنهم بأكثرُهم على سبيل الهداية والإرشاد ﴿تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله﴾ من الكتاب المبين للحلال والحرام ﴿وَإِلَى الرسول﴾ الذي أُنزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتُميِّزوا الحرامَ من الحلال ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عليه آباءنا﴾ بيان لعنادهم واستعصائهم على الهدى إلى الحق وانقيادِهم للداعي إلى الضلال ﴿أولو كَانَ آبَاؤُهم لَا يَعْقِلُونَ شيئا ولا يهتدون﴾ قيل الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب أي أحَسْبُهم ذلك ولو كان آباؤهم جَهَلةً ضالين وقيل للعطف على شرطية أخرى مقدّرة قبلها وهو الأظهر والتقدير أحَسْبهم ذلك أو أيقولون هذا القولَ لو لم يكن آبَاؤُهم لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا من الدين ولا يهتدون للصواب ولو كانوا لا يعلمون الخ وكلتاهما في موقعِ الحالِ أي أحسْبُهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل حالٍ مفروض وقد حذفت الأولى في الباب حذفا مطَّرداً لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً كيف لا وإنَّ الشيءَ إذا تحقق عند المانِع فلأَنْ يتحققَ عند عدمِه أولى كما في قولك أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك أي أحسِنْ إليه إن لم يسىء إليك وإن أساء أي أحسن إليه كائناً على كلِّ حال مفروض وقد حذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها دَلالة ظاهرةً إذِ الإحسانُ حيث أُمِر به عند المانع فلأَنْ يُؤْمَرَ به عند عدمه أولى وعلى هذا السرِّ يدورُ ما في إنْ ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما سبقَ عليه أي لَّوْ كَانَ آبَاؤُهم لَا يعلمون شيئا ولا يهتدون حسبُهم ذلك أو يقولون ذلك وما في لو من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم لا إلى نفس الأمر وفائدتُه المبالغةُ في الإنكار والتعجيب ببيان أن ما قالوه موجبٌ للإنكار والتعجيب إذا كان كونُ آبائهم جَهلةً ضالين في حيز الاحتمال البعيد فكيف إذا كان ذلك واقعاً لا ريبَ فيه وقيل مآلُ الوجهين واحدٌ لأن الجملة المقدرة حالٌ فكذا ما عُطف عليها وأنت خبيرٌ بأن الحالَ على الوجه الأخير مجموعُ الجملتين لا الأخيرةُ فقط وأن الواو للعطف لا للحال وقد مر التحقيق في قوله تعالى أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهم لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ فتدبر
стр. 1398
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي الزموا أمرَ أنفسِكم وإصلاحِها وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ أي واجبة عليكم أنفسُكم وقوله ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم﴾ إما مجزومٌ على أنه جوابٌ للأمر أو نهْيٌ مؤكِّد له وإنما ضُمَّتِ الراء إتباعاً لضمِّه الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة إذِ الأصلُ لا يضْرُرْكم ويؤيده القراءةُ بفتح الراء وقراءةُ مَنْ قرأ لا يضِرْكم بكسر الضاد وضمها من ضار يضيره ويضوره وإما مرفوع على أنه كلام
стр. 1399
المائدة آية ١٠٦
مستأنفٌ في موقع التعليل لما قبله ويعضُده قراءةُ مَن قرأَ لا يضيرُكم أي لا يضركم ضلالُ مَنْ ضل إذا كنتم مهتدين ولا يُتوهَّمَنَّ أن فيه رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما كيف لا ومن جملة الاهتداء أن يُنكَر على المنكَر حسْبما تفي به الطاقة قال ﷺ من رأي منكم منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيْره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطِعْ فبقلبه وقد روي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال يوماً على المنبر يأيها الناس إنكم تقرأون هذه الآيةَ وتضعونها غيرَ موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعتُ رسول الله ﷺ إن الناس إذا رأو منكراً فلم يغيِّروه عمهم الله بعقاب فأمُروا بالمعروف وانهَوْا عن المنكر ولا تغتروا بقولِ الله يأيها الذين آمنوا الخ فيقول أحدكم عليَّ نفسي والله لتأمُرنّ بالمعروف وتنهَوُنّ عن المنكر أو ليستعلمن الله عليكم شرارَكم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعُوَنَّ خيارُكم فلا يستجابُ لهم وعنه ﷺ ما من قوم عُمل فيهم منكرٌ أو سُن فيهم قبيحٌ فلم يغيِّروه ولم ينكروه إلا وحقٌّ على الله تعالَى أنْ يعُمَّهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجابُ لهم والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسَّرون على الكفرة وكانوا يتمنون إيمانهم وهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعَوون عنه بالأمر والنهي وقيل كان الرجل إذا أسلم لاموُه وقالوا له سفّهتَ آباءك وضلّلتهم أي نسبتهم إلى السَّفاهة والضلال فنزلت تسليةً له بأن ضلال آبائه لا يضرُّه ولا يَشينُه ﴿إِلَى الله﴾ لا إلى أحدٍ سواه ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعُكم يوم القيامة ﴿جَمِيعاً﴾ بحيث لا يتخلفَ عنه أحدٌ من المهتدين وغيرِهم فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿في الدنيا﴾ من أعمال الهداية والضلال فهو وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخَذُ بعمل غيره
стр. 1400
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ استئناف مَسوقٌ لبيان الأحكامِ المتعلقة بأمور دنياهم إثرَ بيانِ الأحوال المتعلقةِ بأمور دينهم وتصديره بحر في النداءِ والتنبيه لإظهار كمالِ العناية بمضمونه وقوله ﴿شهادة بَيْنِكُمْ﴾ بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعاً إما باعتبار جَرَيانِها بينهم أو باعتبار تعلّقِها بما يجري بينهم من الخصومات مبتدأ وقوله تعالى ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ أي شارفه وظهرت علائمُه ظرفٌ لها وتقديم المفعول لإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت ورودِه عليها فإنه أدخلُ في تهوين أمر الموت وقولُه تعالى ﴿حِينَ الوصية﴾ بدلٌ منه لا ظرف للموت كما تُوُهِّم ولا لحضوره كما قيل فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المَهَمّات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهَلَ عنها وقوله تعالى ﴿اثنان﴾ خبرٌ للمبتدأ بتقدير المضاف أي شهادةُ بينكم حينئذ شهادةُ اثنين أو فاعلُ شهادةُ بينكم على أن خبرها محذوف أي فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان وقرىء شهادةٌ بالرفع والتنوين والإعرابُ كما سبق وقرىء شهادة بالنصب
стр. 1401
المائدة آية ١٠٦
والتنوين على أن عاملها مضمر هو العامل في اثنان أيضاً أي ليُقِمْ شهادةً بينكم اثنان ﴿ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ﴾ أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له وأقرب إلى تحرِّي ما هو أصلح له وقيل من المسلمين وهما صفتان لاثنان ﴿أَوْ آخَرَان﴾ عطف على اثنان تابع له فيما ذُكر من الخبرية والفاعلية أي أو شهادةُ آخَرَيْن أو أن يشهد بينكم آخران أو ليقم شهادةً بينكم آخران وقوله تعالى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ صفةٌ لآخَران أي كائنان من غيركم أي من الأجانب وقيل من أهل الذمة وقد كان ذلك في بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما في السفر ثم نسخ وعن مكحول أنه نسخها قوله تعالى وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ مرفوعٌ بمُضْمرٍ يفسرُه ما بعده تقديره إن ضربتم فلما حُذف الفعل انفصل الضمير وهذا رأيُ جمهور البَصْريين وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه مبتدأٌ بناءً على جواز وقوعِ المبتدأ بعد إنْ الشرطية كجواز وقوعِه بعد إذا فقوله تعالى ﴿ضَرَبْتُمْ فِى الارض﴾ أي سافرتم فيها لا محلَّ له من الإعراب عند الأولين لكونه مفسِّراً ومرفوع على الخبرية عند الباقين وقوله تعالى فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت عطفٌ على الشرطية وجوابُه محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه أي إن سافرتم فقاربَكم الأجلُ حينئذ وما معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام مَنْ يتولى أمرَ الشهادة كما هو الغالب المعتاد في الأسفار فليشهد آخرانِ أو فاستشهدوا آخَرَيْن أو فالشاهدانِ آخرانِ كذا قيل والأنسب أن يقدر عين ماسبق أي فآخرانِ على معنى شهادةُ بينِكم شهادةُ آخَرَيْن أو فأَنْ يشهَدَ آخران على الوجوه المذكورة ثمَةَ وقوله تعالى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ استئنافٌ وقعَ جوابا عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل فكيف نصنع إنِ ارْتبْنا بالشاهدين فقيل تحبِسونهما أي تقفونهما وتصبرونهما للتحليف ﴿من بعد الصلاة﴾ وقيل هو صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف اعتراضٌ فائدته الدلالة على أن اللائق إشهادُ الأقارب أو أهلِ الإسلام وأما إشهادُ الآخَرِين فعند الضرورة المُلجئةِ إليه وأنت خبير بأنه يقتضي اختصاصَ الحبس بالآخرين مع شموله للأولين أيضاً قطعاً على أن اعتبارَ اتصافهما بذلك يأباه مقامُ الأمر بإشهادهماإذ مآلُه فآخرانِ شأنُهما الحبسُ والتحْليف وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قَيدِ الارتياب بهما كما يفيده الاعتراضُ الآتي والمرادُ بالصلاة صلاةُ العصر وعدمُ تعيينها لتعيُّنِها عندهم بالتحْليف بعدها لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادُمِ ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار ولأن جميع أهل الأديان يعظّمونه ويجتنبون فيه الحلِفَ الكاذب وقد رُويَ أن النبيَّ ﷺ وقتئذ حلّف من حلف كما سيأتي وقيل بعد أي صلاة كانت لأنها داعيةٌ إلى النطق بالصدق وناهيةٌ عن الكذِب والزور إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفحشاء والمنكر ﴿فيقسمان بالله﴾ عطف على تحبسونهما وقوله تعالى ﴿إِنِ ارتبتم﴾ شرطية محذوفةُ الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه سيقت من جهته تعالى معترِضةً بين القسمَ وجوابِه للتنبيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب أي إن ارتاب بهما الوارِثُ منكم بخيانةٍ وأخذِ شيءٍ من التركة فاحبِسوهما وحلِّفوهما بالله وقولُه تعالى ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً﴾ جوابٌ للقسم وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قَسَمٌ وشرط فاكتُفِيَ بذكر جوابِ سابقِهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالباً فإن ذلك إنما يكون عند سدِّ جواب السابق مَسدَّ جوابِ اللاحق لاتحاد مضمونهما كما
стр. 1402
المائدة ١٠٧
في قولك والله إن أتيتَني لأكرمنك ولا ريب في استحالة ذلك ههنا لأن القسم وجوابه كلاهما وقد عرفت أن الشرط من جهته تعالى والاجتراء هو استبدال السلعة بالثمن أي أخذها بدلا منه لا بذلُه لتحصيلها كما قيل وإن كان مستلزِماً له فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب المعتبر في عقد البيع ثم استُعير لأخذ شيءٍ بإزالة ما عنده عيناً كان أو معنى على وجه الرغبة في المأخوذ والإعراض عن الزائل كما هو المعتبرُ في المستعار منه حسبما مرَّ تفصيلُه في قولِهِ تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والضمير في به لله والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلا من الله أي من رحمته عرضا من الدنيا بأن نهتِكَها ونُزيلَها بالحلف الكاذب أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال وقيل الضمير للقسم فلا بُدَّ من تقدير مضافٍ البتةَ أي لا نستبدل بصحة القسم بالله أي لا نأخذ لأنفسنا بدلاً منها عرضا من الدنيا بأن نُزيلَ عنه وصفَ الصدق ونصفَه بالكذب أي لا نحلف كاذبين كما ذكر وإلا فلا سِدادَ للمعنى سواءٌ أريد به القسمُ الصادقُ أو الكاذب أما إن أريدَ به الكاذبُ فلأنه يفوِّتُ حينئذ ما هو المعتبرُ في الاستعارة من كون الزائل شيئاً مرغوباً فيه عند الحالف كحُرمة اسمِ الله تعالى ووصفِ الصحة والصدق في القسم ولا ريب في أن القسم الكاذبَ ليس كذلك وأما إن أريد به الصادقُ فلأنه وإن أمكن أن يُتوسَّلَ باستعمالِه إلى عرض الدنيا كالقم الكاذب لكن لا محظور فيه وأما التوسلُ إليه بترك استعماله فلا إمكان له ههنا حتى يصح التبرؤ منه وإنما يُتوسَّلُ إليه باستعمال القسم الكاذب وليس استعمالُه من لوازم ترْكِ استعم الالصادق ضرورةَ جوازِ تركِهما معاً حتى يتصور دجعل ما أخذ بتركِ استعمالِ الصادق كما في صوره تقديرِ المضاف فإن إزالةَ وصْفِ الصدق عن القسم مع بقاء الموصوفِ مستلزِمةٌ لثبوت وصفِ الكذِب له البتة فتأمل وقوله تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي المقسَمُ له المدلولُ عليه بفحوى الكلام ﴿ذَا قربى﴾ أي قريباً منا تأكيد لتبرئهم ما لالحف كاذباً ومبالغةٌ في التنزه عنه كأنهما قالا لا نأخذ لأنفسنا بدلا من حُرمة اسمه تعالى مالاً ولو انضمَّ إليه رعايةُ جانبِ الأقرباء فكيف إذا لم يكنْ كذلك وصيانةُ أنفسِهما وإن كانت أهمَّ من رعاية الأقرباء لكنها ليست ضميمةً للمال بل هي راجعة إليه وجواب لو محذوفٌ ثقة بدلالة ما سبق عليه أي لا نشترى به ثمنا والجملة معطوفة على أخرى مثلِها كما فُصِّل في تفسيرِ قولِه تعالى وَلَوْ أعجبك الخ وقوله ﴿وَلَا نَكْتُمُ شهادة الله﴾ أي الشهادة التي أمرَنا الله تعالى بلإقامتها معطوفٌ على لا نشتري به داخلٌ معه في حكم القسم وعن الشعبي أنه وَقَفَ على شهادة ثم ابتدأ آلله بالمد على حذف حرف االقسم وتعويض حرف الاستفهام منه وبغير مد كقولهم الله لأفعلن ﴿إنا إذا لمن الاثمين﴾ أي إن كتمناها وقرىء لملائمين بحذف الهمزةِ وإلقاءِ حركتِها على اللام وإدخال النون فيها
стр. 1403
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أي اطُّلع بعد التحليف ﴿على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً﴾ حسبما اعترفا به بقولهما إنا إذاً لمن الآثمين أي فعلا ما يوجبُ إثماً من تحريف وطكتم بأن ظهر
стр. 1404
المائدة آية ١٠٧
بأيديهما شيءٌ من التركة وادَّعيا استحقاقَهما له بوجهٍ من الوجوه كما وقع في سبب النزول حسبما سيأتي ﴿فَآخَرَانِ﴾ أي رجلان آخران وهو مبتدأ خبرُه ﴿يقومان مقامهما﴾ ولا محظور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وبين وَصفِه الذي هو الجارُّ والمجرور بعده أي يقومان مَقام اللذين عُثر على خيانتهما وليس المراد بمقامهما مقامَ أداءِ الشهادة التي تولَّياها ولم يؤدِّياها كما هي بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لإظهار الحق وإبراز كذِبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما ﴿مِنَ الذين استحق﴾ على البناء للفاعل على قراءة عليَ وابنِ عباس وأُبيَ ﵃ أي من أهل الميت الذين استحق ﴿عَلَيْهِمُ الاوليان﴾ من بينهم أي الأقربانِ إلى الميت الوارثانِ له الأحقانِ بالشهادة أي باليمين كما ستعرفه ومفعولُ استحق محذوفٌ أي استحقا عليهم أن يجرِّدوهما للقيام بها لأنها حقُّهما ويُظهروا بهما كذِبَ الكاذبَيْن وهما في الحقيقة الآخرانِ القائمان مَقام الأوَّلَيْن على وُضع المُظْهر مقامَ المُضْمَر وقُرِىءَ على البناءِ للمفعولِ وهو الأظهر أي من الذين استُحق عليهم الإثمُ أي جُنيَ عليهم وهم أهلُ الميت وعشيرتُه فالأَوْليان مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف كأنه قيل ومن هما فقيل الأوليان أو هو بدلٌ من الضمير في يقومان أو من آخران وقد جوِّز ارتفاعَه باستَحق على حذفِ المضافِ أي استحقّ عليهم انتدابُ الأوَّلَيْن منهم للشهادة وقرىء الأولِّين على أنهم صفة للذين الخ مجرور أو منصوبٌ على المدحِ ومعنى الأولية التقدمُ على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها وقرىء الأوليين على التثنية وانتصابُه على المدح وقرىء الأولان ﴿فَيُقْسِمَانِ بالله﴾ عطف على يقومان ﴿لشهادتنا﴾ المرادُ بالشهادة اليمينُ كما في قوله تعالى فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله أي لَيَمينُنا على أنهما كاذبان فيما ادَّعيا من الاستحقاق مع كونِها حقةً صادقةً في نفسها ﴿أَحَقُّ﴾ بالقبول ﴿مِن شهادتهما﴾ أي من يمينهما مع كونها كاذبةً في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقُهما للإثم ويمينُنا منزهةٌ عن الرَّيْب والرِّيبة فصيغةُ التفضيلِ مع أنَّه لا حقيةَ في يمينهما رأساً إنما هي لإمكان قَبولِها في الجُملة باعتبار احتمالِ صدقِهما في ادعاء تملُّكِهما لما ظهر في أيديهما ﴿وَمَا اعتدينا﴾ عطفٌ على جوابِ القسمِ أيْ ما تجاوزنا فيها الحقَّ أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما ﴿إنا إذا لَّمِنَ الظالمين﴾ استئنافٌ مقرَّرٌ لما قبله أي إنا إنِ اعتدَيْنا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى أو لمن الواضعين الحقَّ في غير موضعه ومعنى النظم الكريم أن المُحتَضَرَ ينبغي أن يُشهدَ على وصيته عدلين من ذوِي نسبِه أو دينه فإن لم يجدْهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع ارتيابٌ بهما أقسما على أنهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئاً بالتغليظ في الوقت فإنِ اطُّلعَ بعد ذلك على كذبهما بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة وادعيا تملُّكه من جهة الميت حلفَ الورثةُ وعُمل بأيْمانهم ولعل تخصيص الاثنين لخصوص الواقعة فإنه رُوي أن تميمَ بنَ أوسٍ الداري وعديَّ بنَ يزيد خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصْرانيين ومعهما بديلُ بنُ أبي مريم مولى عمْرو بنِ العاص وكان مسلماً مهاجراً فلما قدِموا الشامَ مرضَ بديلٌ فكتب كتاباً فيه جميعُ ما معه وطرحه في متاعِه ولم يخبرْهما بذلك وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعَه إلى أهله ومات ففتشاه فوجدا فيه إناءً من فضة وزْنُه ثلثمائةِ مثقالٍ منقوشاً بالذهب فغيَّباه ودفعا المتاعَ إلى أهله فأصابوا فيه الكتاب فطلبوا منهما الإناءَ فقالا ما ندري إنما أوصى إلينا بشيءٍ وأمرَنا أن ندفعه إليكم
стр. 1405
المائدة آية ١٠٨
ففعلنا وما لنا بالإناء من علم فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزل يأيها الذين أآمنوا الآية فاستحلَفَهما بعد صلاة العصر عند المِنْبر بالله الذي لا إلَه إِلَاّ هو أنهما لم يخْتانا شيئاً مما دَفَع ولا كتما فحلَفا على ذلك فخلى ﷺ سبيلهما ثم إن الإناءَ وُجد بمكةَ فقال مَنْ بيده اشتريتُه من تميم وعدي وقيل لما طالت المدةُ أظهراه فبلغ ذلك بني سهمٍ فطلبوه منهما فقالا كنا اشتريناه من بديل فقالوا ألم نقلْ لكما هل باع صاحبُنا من متاعه شيئاً فقلتما لا قالا ما كان لنا بينة فكر هنا أن نقربه فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزل قوله فَإِنْ عُثِرَ الآية فقام عمروُ بنُ العاص والمطَّلِبُ بنُ أبي وداعةَ السَّهْميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كَذَبا وخانا فدفع الإناءَ إليهما وفي رواية إلى أولياء الميت واعلم أنهما إن كانا وارثين لبديل فلا نسخ إلا في وصف اليمين فإن الوارثَ لا يُحَلَّفُ على البَتات وإلا فهو منسوخ
следующие страницы →