Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ أي ذكر وأورد شيئاً يُستدل به على تباين الحالِ بين جنابه وبين ما أشركوا به وعلى تباعدهما بحيث ينادى بفساد ما ارتكبوه نداء جلياً ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَاّ يَقْدِرُ على شَىْء﴾ بدلٌ من مثلاً وتفسيرٌ له والمثَلُ في الحقيقة حالتُه العارضة له من المملوكية والعجزِ التامّ وبحسَبها ضربُ نفسِه مثلاً ووصفُ العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبدان لله سبحانه وقد أُدمج فيه أن الكل عبيدٌ له تعالى وبعدم القدرة لتمييزه عن المكاتَب والمأذون اللذين لهما تصرف في الجملة وفي إبهام المثلِ أولاً ثم بيانِه بما ذكر مالا يخفى من الفخامة والجزالة ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ﴾ مَنْ موصوفةٌ معطوفة على عبداً أي رزقناه بطريق المُلك والالتفاتُ إلى التكلم للإشعار باختلاف حالَيْ ضرب المثل والرزق ﴿مِنَّا﴾ من جنابنا الكبير المتعالي ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حلالاً طيباً أو مستحسَناً عند الناس مرضياً ﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ﴾ تفضّلاً وإحساناً والفاءُ لترتيب الإنفاق على الرزق كأنه قيل ومَنْ رزقناه منا رزقاً حسناً فأنفق وإيثارُ مَا عليهِ النظمُ الكريم من الجملة الاسمية الفعلية الخير للدِلالة على ثبات الإنفاقِ واستمرارِه التجدديّ ﴿سِرّا وَجَهْرًا﴾ أي حالَ السر والجهر أو إنفاقَ سرَ وإنفاقَ جهر والمرادُ بيانُ عمومِ إنفاقِه للأوقات وشمولِ إنعامه لمن يجتنب عن قبوله جهراً والإشارةُ إلى أصناف نعمِ الله تعالى الباطنةِ والظاهرةِ وتقديمُ السرِّ على الجهرِ للإيذان بفضله عليه والعدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال وحرًّا مالكاً للأموال مع كونه أدلَّ على تباين الحالِ بينه وبين قسيمه لتوخّي تحقيقِ الحقِّ بأن الأحرارَ أيضاً تحت ربقة عبوديتِه وأن مالكيتَهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزُقَهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخلٌ في ذلك مع محاولة المبالغة في الدِلالة على ما قُصد بالمثل من تباين الحالِ بين الممثَّلين فإن العبدَ المملوك حيث لم يكن مثلَ العبد المالكِ فما ظنُّك بالجماد ومالكِ المُلك خلاّق العالمين ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جمعُ الضمير للإيذان بأن المرادَ بما ذُكر مَن اتصفَ بالأوصافِ المذكورةِ من الجنسين المذكورين لا فردان معنيان منهما أي هل يستوي العبيد والأحرار المصوفون بما ذُكر من الصِّفاتِ مع أن الفريقين سيانِ في البشرية والمخلوقية لله سبحانه
стр. 3257
النحل ٧٦ ٧٧ وأن ما ينفقه الأحرارُ ليس مما لهم دخلٌ في إيجاده ولا في تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستوِ الفريقان فَمَا ظنُّكم بِرَبّ العالمين حيث تشركون به ما لا ذليلَ أذلُّ منه وهو الأصنام ﴿الحمد للَّهِ﴾ أي كله لأنه مولى جميع النعم لا يستحقه أحدٌ غيرُه وإن ظهرت على أيدي بعض الوسايط فضلاً عن استحقاقِ العبادة وفيه إرشادٌ إلى ما هو الحقُّ من أنّ ما يظهر على يد مَنْ ينفق مما ذكر راجع إلى الله سبحانه كما لوح به قوله تعالى رَّزَقْنَاهُ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما ذكر فيُضيفون نعمَه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها ونفيُ العلم عن أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لا يعلمون بموجبه عناداً كقوله تعالى ﴿يعرفون نعمة الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾
стр. 3258
﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ أي مثلاً آخرَ يدل على ما دلَّ عليه المثلُ السابقُ على وجه أوضحَ وأظهرو بعد ما أبهم ذلك لتنتظرَ النفسُ إلى وروده وتترقبه حتى يتمكّن لديها عند وروده بيّن فقيل ﴿رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ وهو من وُلد أخرسَ ﴿لَاّ يَقْدِرُ على شَىْء﴾ من الأشياء المتعلّقةِ بنفسه أو بغيره بحدْس أو فراسة لقِلة فهمِه وسوءِ إدراكِه ﴿وَهُوَ كَلٌّ﴾ ثِقَلٌ وعِيالٌ ﴿على مَوْلاهُ﴾ على مَن يعوله ويلي أمرَه وهذا بيانٌ لعدم قدرتِه على إقامة مصالحِ نفسه بعد ذكر عدم قدرتِه على شيء مطلقاً وقوله تعالى ﴿أَيْنَمَا يُوَجّههُّ﴾ أي حيث يرسله مولاه في أمر بيانٌ لعدم قدرتِه على إقامة مصالحِ مولاه ولو كانت مصلحةً يسيرة وقرئ على البناء للمفعول وعلى صيغة الماضي من التوجه ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنُجْح وكفايةِ مُهمّ البتةَ ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَ﴾ مع ما فيه من الأوصاف المذكورةِ ﴿وَمَن يَأْمُرُ بالعدل﴾ أي من هو منطبق فهو ذو رأي وكفاية ورشد ينفع الناسَ بحثهم على العدل الجامع لمجامعِ الفضائل ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام ﴿على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ ومقابلةُ الصفاتِ المذكورة بهذين الوصفين لأنهما في حاق ما يقابلها فإن محصل الصفاتِ المذكورة عدمُ استحقاقِ المأمورية وملخصُ هذين استحقاقُ كمالِ الآمرية المستتبِعِ لحيازة المحاسنِ بأجمعها وتغييرُ الأسلوب حيث لم يقل والآخر آمرٌ بالعدل الآية لمراعاة الملائمة بينه وبين ما هو المقصودُ من بيان التبايُنِ بين القرينتين واعلم أن كلاًّ من الفعلين ليس المرادُ بهما حكايةَ الضربِ الماضي بل المرادُ إنشاؤُه بما ذُكر عَقيبه ولا يبعُد أن يقال إن الله تعالى ضرب مثلاً بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقُهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يشركون فيكون كلٌّ من الفعلين حكايةً للضرب الماضي
стр. 3259
﴿وَللَّهِ﴾ تعالى خاصةً لا لأحد غيرِه استقلالا ولا اشتراكا ﴿غيب السماوات والارض﴾ أي الأمورُ الغائبةُ عن علوم المخلوقين
стр. 3260
النحل ٧٨ قاطبةً بحيث لا سبيلَ لهم إليها لا مشاهدةً ولا استدلالاً ومعنى الإضافةِ إليهما التعلقُ بهما إما باعتبار الوقوعِ فيهما حالاً أو مآلاً وإما باعتبار الغَيبة عن أهلهما والمرادُ بيانُ الاختصاصِ به تعالى من حيثُ المعلوميةُ حسبما ينبئ عنه عنوان الغيبة لا من حيث المخلوقيةُ والمملوكيةُ وإنْ كان الأمرُ كذلك في نفس الأمر وفيه إشعارٌ بأنَّ علمَه سبحانه حضوريٌّ فإن تحقق الغيوب في نفسها علم بالنسة إليه تعالى ولذلك لم يقل ولله علمُ غيبِ السموات والأرض ﴿وَمَا أَمْرُ الساعة﴾ التي هي أعظمُ ما وقع فيه المماراةُ من الغيوب المتعلقة بهما من حيث غيبتُها عن أهلهما أو ظهورُ آثارها فيهما عند وقوعها فأن وقتَ وقوعها بعينه من الغيوب المختصة به سبحانه وإن كان آنيّتُها من الغيوب التي نُصبت عليها الأدلة أي ما شأنُها في سرعة المجيء ﴿إِلَاّ كَلَمْحِ البصر﴾ أي كرجع الطرفِ من أعلى الحدَقة إلى أسفلها ﴿أَوْ هُوَ﴾ أي بل أمرُها فيما ذكر ﴿أَقْرَبُ﴾ من ذلك وأسرعُ زماناً بأن يقع في بعضٍ من زمانه فإن ذلك وإن قصر عن حركةٌ آنيةٌ لها هُوِيةٌ اتصاليةٌ منطبقةٌ على زمان له هويةٌ كذلك قابلٌ للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضاً بل في آن غيرِ منقسمٍ من ذلك الزمان وهو آنُ ابتداءِ تلك الحركةِ أو ما أمرُها إلا كالشيء الذي يُستقرب ويقال هو كلمح البصر أو هو أقرب وأياما كان فهو تمثيلٌ لسرعة مجيئها حسبما عبّر عنها في فاتحة السورة الشريفة بالإتيان ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ ومن جملة الأشياء أن يجيء بها أسرعَ ما يكون فهو قادر على ذلك أو وما أمرُ إقامةِ الساعة التي كُنهُها وكيفيتُها من الغيوب الخاصةِ به سبحانه وهي إماتةُ الأحياءِ وإيحاء الأمواتِ من الأولين والآخرين وتبديلُ صورِ الأكوان أجمعين وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل مالا يدخُل تحت الإمكان في سرعة الوقوعِ وسهولةِ التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الوجهين أَنَّ الله على كُلّ شىء قدير فهو قادر على ذلك لا محالة وقيل غيبُ السموات والأرض عبارةٌ عن يوم القيامة بعينه لما أن علمه بخصوصه غائبٌ عن أهلهما فوضْعُ الساعة موضعَ الضمير لتقوية مضمونِ الجملة
стр. 3261
﴿والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم﴾ عطف على قوله تعالى والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا منتظمٌ معه في سلك أدلةِ التوحيد من قوله تعالى والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء وقولِه تعالى والله خَلَقَكُمْ وقوله تعالى والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ والأمهات بضم الهمزة وقرئ بكسرها أيضا جمع الأمر زيدت الهاء فيه كما زيدت في أهراق من أراق وشذّت زيادتُها في الواحدة قال ... أُمهتي خِندِفُ والياسُ أبي ...
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في موقعِ الحالِ أي غيرَ عالمين شيئاً أصلاً ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة﴾ عطف على أخرجكم وليس فيه دلالةٌ على تأخر الجعل المذكورِ عن الإخراج لما أن مدلولَ الواو هو الجمعُ مطلقاً لا الترتيبُ على أن أثر ذلك الجعلِ لا يظهر قبل الإخراج أي جعل لكم هذه الأشياءَ آلاتٍ تحصّلون بها العلمَ والمعرفة بأن تُحِسوا بمشاعركم جزئياتِ الأشياء وتُدركوها بأفئدتكم وتتنبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساسِ فيحصل لكم علوم
стр. 3262
النحل ٧٩ ٨٠ بديهيةٌ تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلومِ الكسبية والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من الصدور وهو من جموع القلة التي جرت مَجرى جموعِ الكثرة وتقديمُ المجرور على المنصوبات لما مر من الإيذانُ من أول الأمرِ بكون المجعول نافعاً لهم وتشويقِ النفس إلى المؤخر ليتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كي تعرِفوا ما أنعم به عليكم طوراً غِبَّ طَورٍ فتشكروه وتقديمُ السمع على البصر لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدمُ من إدراك البصر وإفرادُه باعتبار كونه مصدراً في الأصل
стр. 3263
﴿ألم يروا﴾ وقرئ بالتاء ﴿إِلَى الطير﴾ جمع طائر أي ألم ينظروا إليها ﴿مسخرات﴾ مذلّلاتٍ للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسبابِ المساعدة له وفيه مبالغةٌ من حيث إن معنى التسخيرِ جعلُ الشيء منقاداً لآخرَ يتصرَّفُ فيه كيفَ يشاءُ كتسخير البحر والفُلك والدوابِّ للإنسان والواقع ههنا تسخيرُ الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان مقتضى طبيعةِ الطير السقوطَ فسخرها الله تعالى للطيران وفيه تنبيه على أن الطيران ليس مقتضى طبعِ الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى ﴿فِى جَوّ السمآء﴾ أي في الهواء المتباعدِ من الأرضَ والسكاك واللوح أبعدُ منه وإضافتُه إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمال القدرة ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ حين قبْضِ أجنحتهن وبسطِها ووقوفِهن ﴿إِلَاّ الله﴾ بقدرته الواسعة فإن ثقلَ جسدها ورِقّةَ قوامِ الهواء يقتضيان سقوطَها ولا عِلاقةَ من فوقها ولا دِعامة من تحتها وهو إما حالٌ من الضمير المستتر في مسخّرات أو من الطير وإما مستأنف ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خِلْقةً تتمكن بها منه بأن جعل لها أجنحةً خفيفة وأذناباً كذلك وجعل أجسادها من الخِفة بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابَها لا يطيق ثقلها يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام وتخرق ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبير ﴿لَايَاتٍ﴾ ظاهرة ﴿لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي من شأنهم أن يؤمنوا وإنما خص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به
стр. 3264
﴿والله جَعَلَ لَكُمُ﴾ معطوف على ما مر وتقديم لكم على ما سيأتي من المجرور والمنصوب لما مر من الإيذانُ من أول الأمرِ بأنه لمصلحتهم ومنفعتهم لتشويق النفسِ إلى وروده وقولُه تعالى ﴿مِن بيوتكم﴾ أي من بيوتكم المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدر تبيين لذلك المجعول المبْهمِ في الجملة وتأكيدٌ لما سبق من التشويق ﴿سَكَناً﴾ فَعَلٌ بمعنى مفعول أي موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتِكم أو تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه أي جعل بعضَ بيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الانعام بُيُوتًا﴾
стр. 3265
أي بيوتاً أُخَرَ مغايرةً لبيوتكم المعهودةِ هي الخيامُ والقباب والأخبية والفاساطيط ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ تجدونها خفيفةً سهلةَ المأخذ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقت تَرحالِكم في النقض والحمل والنقل وقرئ بفتح العين ﴿وَيَوْمَ إقامتكم﴾ وقت نزولِكم في الضرب والبناء ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ عطفٌ على قوله تعالى مّن جُلُودِ والضمائر للأنعام على وجه التنويع أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبارِ الإبل وأشعار المعْزِ ﴿أَثَاثاً﴾ أي متاعَ البيت وأصلُه الكثرةُ والاجتماعُ ومنه شعرٌ أثيثٌ ﴿ومتاعا﴾ أي شيئاً يُتمتّع بهِ بفنون التمتع ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى أن تقضوا منه أوطارَكم أو إلى أن يبلى ويفنى فإنه في معرض البلا والفناء وقيل إلى أن تموتوا والكلام في ترتيب المفاعيل مثلُ ما مر من قبل
стр. 3266
﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ﴾ من غير صُنْع مِنْ قِبلكم ﴿ظلالا﴾ أشياءَ تستظلون بها من الحر كالغمام والشجرِ والجبل وغيرها امتنّ سبحانه بذلك لِما أن تلك الديارَ غالبةُ الحرارة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا﴾ مواضيع تسكنون فيها من لكهوف والغِيران والسُّروب والكلام في الترتيب الواقع بين المفاعيل كالذي مرَّ غير مرة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ جمع سِربال وهو كل ما يُلبس أي جعل لكم ثياباً من القُطن والكَتان والصوف وغيرها ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ خصّه بالذكر اكتفاءً بذكر أحد الضدّين عن ذكر الآخر أو لأن وقايتَه هي الأهم عندهم لما مر آنفاً ﴿وسرابيل﴾ من الدروع والجواشن ﴿تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ أي البأسَ الذي يصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الضرب والطعن ولقد منّ الله سبحانه علينا حيث ذكر جميعَ نعمِه الفائضةِ على جميع الطوائف فبدأ بما يخُص المقيمين حيث قال والله جعل لكم من بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ثم بما يخص المسافرين ممن لهم قدرةٌ على الخيام وأضرابِها حيث قال وجعل لكم مّن جُلُودِ الانعام الخ ثم بما يعم من لا يقدرُ على ذلك ولا يأويه إلا الظلالُ حيث قال ﴿جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظلالا﴾ الخ ثم بما لابد منه لأحد حيث قال ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ الخ ثم بمالا غنى عنه في الحروب حيث قال وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ثم قَالَ ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الإتمامِ البالغِ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي إرادةَ أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرةِ والباطنةِ والأنفسيةِ والآفاقية فتعرِفوا حق منعهما فتؤمنوا به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون وتنقادوا لأمره وإفرادُ النعمة إما لأن المرادَ بها المصدرُ أو لإظهار أنَّ ذلكَ بالنسبةِ إلى جانب الكبرياء شيء قليل وقرئ تَسلمون أي تسلمون من العذاب أو من الشرك وقيل من الجراح بلبس الدروع
стр. 3267
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ فعل ماض على طريقة الالتفات وصرفُ الخطابِ عنهم إلى رسول الله ﷺ تسليةٌ له أي فإنْ أعرضُوا عن الإسلام ولم يقبلوا منك ما ألقيَ إليهم من البينات والعبرة والعظات ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين﴾ أي فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغُ الموضح أو الواضح وقد فعلتَه بما لا مزيدَ عليهِ فهو من باب وضعِ السببِ موضعَ المسبب
стр. 3268
النحل
стр. 3269
٨٣ - ٨٦ ﴿يعرفون نعمة الله﴾ استئنافٌ لبيان أن تولّيَهم وإعراضَهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم بما عُدد من نعمِ الله تعالَى أصلاً فإنهم يعرِفونها ويعترفون أنها من الله تعالى ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ بأفعالهم حيث يعبدون غيرَ مُنعمها أو بقولهم إنها بشفاعة آلهتنا أو بسب كذا وقيل نعمةُ الله تعالى نبوة محمدٍ ﷺ عرفوها بالمعجزات كما يعرفون أبناءَهم ثم أنكروها عِناداً ومعنى ثم لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة لأن حق مَنْ عرف النعمة الاعترافُ بها لا الإنكارُ وإسنادُ المعرفة والإنكارِ المتفرِّعِ عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاقِ من باب إسنادِ حالِ البعض إلى الكل كقولهم بنُو فلان قتلُوا فلاناً وإنما القاتلُ واحدٌ منهم فإن بعضهم ليسوا كذلك لقوله سبحانه ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ أي المنكرون بقلوبهم غيرُ المعترفين بما ذكر والحُكم عليهم بمطلق الكفر المؤذِن بالكمال من حيث الكميةُ لا ينافي كمالَ الفِرقة الأولى من حيث الكيفية هذا وقد قيل ذكرُ الأكثر إما لأن بعضهم لم يَعرِفوا لنقصان العقل أو التفريطِ في النظر أو لم يقُم عليه الحجةُ لأنه لم يبلغ حد التكليف فتدبر
стр. 3270
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يشهد لهم بالإيمان والطاعةِ وعليهم بالكفر والعصيان وهو نبيها ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في الاعتذار إذ لا عذرَ لهم وثمَّ للدَّلالة على أنَّ ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنيء عن الإقناط الكليِّ وهو عند ما يقال لهم اخسئوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ أشدُّ من ابتلائهم بشهادة الأنبياء ﵈ عليهم وأطمُّ ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُسترضَون أي لا يقال لهم ارضُوا ربكم إذ الآخرةُ دارُ الجزاء لا دارُ العمل وانتصابُ الظرف بمحذوف تقديرُه اذكرْ أو خوِّفْهم يوم نبعث الخ أو يوم نبعث يحيق بهم ما يحيق مما لا يوصف وكذا قوله تعالى
стр. 3271
﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب﴾ الذي يستوجبونه بظلمهم وهو عذابُ جهنم ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ ذلك ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي يُمهلون كقوله تعالى بَلْ تَأْتِيهِم بغتة فتبهتهم
стр. 3272
﴿وإذا رأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ﴾ الذين كانوا يدعونهم في الدنيا وهم الأوثانُ أو الشياطينُ الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه وقارنوهم في الغيّ والضلال ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا ندعو مِن دُونِكَ﴾ أي نعبدهم أو نطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم كما ينبئ عنه قوله سبحانه ﴿فَأَلْقَوُاْ﴾ أي شركاؤهم ﴿إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون﴾ فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ليس إلا للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه وإنما كذبوهم وقد كانوا يعذبونهم ويطيعونهم لأن الأوثانَ ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة لهم كما قالت الملائكةُ عليهم
стр. 3273
النحل ٨٧ ٨٩ السلام بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن يعنون أن الجنَّ هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن أو كذبوهم في تسميتهم شركاءَ وآلهةً تنزيهاً لله سبحانه عن الشريك والشياطينُ وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر والإلجاءِ كما قال إبليسُ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فكأنهم قالوا ما عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم
стр. 3274
﴿وَأَلْقَوْاْ﴾ أي الذين أشركوا ﴿إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾ الاستسلامَ والانقيادَ لحُكمه العزيز الغالب عبد الاستكبار عنه في الدنيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ أي ضاع وبطل ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من أن لله سبحانه شركاءَ وأنهم ينصُرون ويشفعون لهم وذلك حين كذبوهم وتبرءوا منهم
стр. 3275
﴿الذين كَفَرُواْ﴾ في أنفسهم ﴿وَصُدُّواْ﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر ﴿زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب﴾ الذي كانوا يتسحقونه بكفرهم قيل في زيادة عذابهم حياتٌ أمثالُ البُخْت وعقاربُ أمثالُ البغال تلسَع إحداهن فيجد صاحبها حُمَتَها أربعين خريفاً وقيل يُخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ متعلق بقوله زدناهم أي زدنا عذابهم بسب استمرارِهم على الإفساد وهو الصدّ المذكور
стр. 3276
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ تكريرٌ لما سبق تثنيةً للتهديد ﴿فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ أي نبياً ﴿مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ من جنسهم قطعاً لمعذرتهم وفي قوله تعالى عَلَيْهِمْ إشعارٌ بأن شهادةَ أنبيائِهم على الأمم تكون بمحضر منهم ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ إيثارُ لفظ المجيء على البعث لكمال العنايةِ بشأنه ﵇ وصيغةُ الماضِي للدِلالة على تحقق الوقوع ﴿شَهِيدًا على هَؤُلآء﴾ الأممِ وشهدائِهم كقولِه تعالى فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً وقيل على أمتك والعاملُ في الظرف محذوفٌ كما مر والمراد به يوم القيامة ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب﴾ الكاملَ في الكتابية الحقيقَ بأن يُخَص باسم الجنس وهو إما استئنافٌ أو حال بتقدير قد ﴿تِبْيَانًا﴾ بياناً بليغاً ﴿لّكُلّ شَىْء﴾ يتعلق بأمور الدين ومن جملة ذلك أحوالُ الأممِ مع أنبيائهم ﵈ فيكون كالدليل على كونه ﵇ شهيداً عليهم وكذا من جملته ما أخبر به هذه الآيةُ الكريمة من بعث الشهداءِ وبعثِه ﵇ شهيداً عليهم عليهم الصلاة والسلام والتبيانُ كالتِلقاء في كسر أوله وكونُه تبياناً لكل شيء من أمور الدين باعتبار أن فيه نصاً على بعضها وإحالةً لبعضها على السنة حيث أمر باتباع النبيِّ ﷺ وطاعته وقيل فيه وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى وحثًّا على الإجماع وقد رضي رسول الله ﷺ لأمته باتباع أصحابه حيث قال أصحابي كالنّجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطئوا طرقَ الاجتهاد فكانت السنة والإجماعُ والقياسُ مستندةً إلى تبيان
стр. 3277
النحل ٩٠ ٩١ الكتاب ولم يضُرَّ ما في البعض من الخفاء في كونه تبياناً فإن المبالغةَ باعتبار الكمية دون الكيفية كما قيل في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ﴾ إنه من قولك فلان ظالم لعبيده وظلام لعبيده ومنه قوله سبحانه وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ للعالمين فإن حرمان الكفر من مغانم آثارِه من تفريطهم لا من جهة الكتاب ﴿وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ خاصة أو يكون كلُّ ذلك خاصاً بهم لأنهم المنتفِعون بذلك
стр. 3278
﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ﴾ أي فيما نزّله تبياناً لكل شيء وهدًى ورحمةً وبشرى للمسلمين وإيثارُ صيغةِ الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجددِ والاستمرار ﴿بالعدل﴾ بمراعاة التوسطِ بين طرفي الإفراطِ والتفريطِ وهو رأسُ الفضائل كلِّها يندرج تحته فضيلةُ القوةِ العقلية المَلَكية من الحكمة المتوسطة بين الحر مزة والبَلادة وفضيلةُ القوةِ الشهوية البهيمية من العِفة المتوسّطة بين الخلاعة والخمود وفضيلةُ القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين التهوُّرِ والجُبن فمن الحِكم الاعتقادية التوحيدُ المتوسطُ بين التعطيل والتشريك نُقلَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ العدلَ هو التوحيدُ والقولُ بالكسب المتوسّطِ بين الجبر والقدَر ومن الحِكم العملية التبعد بأداء الواجبات المتوسطِ بين البَطالة والترهب ومن الحِكم الخليقية الجودُ المتوسط بين البخل والتبذير ﴿والإحسان﴾ أي الإتيانِ بما أمر به على الوجه اللائقِ وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفيةِ كما يشير إليه قوله ﵊ الإحسانُ أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراه فإنه يراك ﴿وَإِيتَآء ذِى القربى﴾ أي إعطاءِ الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيصٌ إثرَ تعميمٍ اهتماماً بشأنه ﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾ الإفراط في مشايعة القوة الشهوية كالزنا مثلاً ﴿والمنكر﴾ ما يُنكَر شرعاً أو عقلاً من الإفراط في إظهار آثار القوةِ الغضبية ﴿والبغى﴾ الاستعلاءُ والاستيلاءُ على الناس والتجبرُ عليهم وهو من آثار القوة الوهمية الشيطانيةِ التي هي حاصلةٌ من رذيلتَيْ القوتين المذكورتين الشهويةِ والغضبية وليس في البشر شرٌّ إلا وهو مندرجٌ في هذه الأقسام صادرٌ عنه بواسطة هذه القُوى الثلاث ولذلك قال ابن مسعود ﵁ هي أجمعُ آيةٍ في القرآن للخير والشر ولو لم يكن فيه غيرُ هذه الآية الكريمة لكفَتْ في كونه تبياناً لكل شيءٍ وهدى ﴿يَعِظُكُمُ﴾ بما يأمر وينهى وهو إما استئنافٌ وإما حالٌ من الضميرين في الفعلين ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ طلباً لأن تتعظوا بذلك
стр. 3279
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله﴾ هو البيعة لرسول الله ﷺ فإنها مبايعةٌ لله سبحانه لقولِه تعالى إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴿إِذَا عاهدتم﴾ أي حافظوا على حدود ما عاهدتم الله عليه وبايعتم به رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3280
انحل ٩٢ ٩٣ ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأيمان﴾ التي تحلِفون بها عند المعاهدة ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ حسبما هو المعهودُ في أثناء العهودِ لا على أنْ يكونَ النهيُ مقيداً بالتوكيد مختصاً به ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ شاهداً رقيباً فإن الكفيلَ مُراعٍ لحال المكفول به محافظٌ عليه ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ من نقض الأيمان والعهودِ فيجازيكم على ذلك
стр. 3281
﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ فيما تصنعون من النقض ﴿كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ أي ما غزلتْه مصدرٌ بمعنى المفعول ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ متعلق بنقضت أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامِه ﴿أنكاثا﴾ طاقاتٍ نكثتْ فتلَها جمع نِكْث وانتصابُه عَلى الحاليةِ من غزْلَها أو على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لنقضت فإنه بمعنى صيّرت والمرادُ تقبيحُ حالِ النقض بتشبيه الناقض بمثل هذه الخرقاءِ المعتوهةِ قيل هي رَيْطةُ بنتُ سعد بن تيم وكانت خرقاءَ اتخذت مِغزلاً قدرَ ذراعٍ وصَنّارةً مثلَ أصبع وفلكةً عظيمةً على قدرها فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقُضْن ما غزَلْن ﴿تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ من الضمير في لا تكونوا أو في الجار والمجرور الواقعِ موقعَ الخبر أي مشابهين لا مرأة شأنُها هذا حالَ كونِكم متَّخذين أيمانَكم مفسدةً ودخَلاً بينكم وأصلُ الدخَل ما يدخُل الشيء ولم يكن منه ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أي بأن تكون جماعة ﴿هِىَ أَرْبَى﴾ أي أزيد عدداً وأوفر مالاً ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ من جماعة أخرى أي لا تغدُروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة مُنابذيهم وقوتهم كقريش فإنهم كانوا إذا رأوا شوكةً في أعادي حلفائِهم نقضوا عهدَهم وحالفوا أعداءهم ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ﴾ أي بأن تكون أمةٌ أربى من أمة أي يعاملكم بذلك معاملةَ من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاءِ بعهد الله وبَيعةِ رسولِه ﷺ أم تغترّون بكثرة قريشٍ وشوكتِهم وقلةِ المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال ﴿وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ حين جازاكم بأعمالكم ثواباً وعقاباً
стр. 3282
﴿وَلَوْ شَاء الله﴾ مشيئةَ قسرٍ وإلجاءٍ ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدةً﴾ متفقةٌ على الإسلام ﴿ولكن﴾ لا يشاء ذلك لكونه مزاحِماً لقضية الحِكمة بل ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاء﴾ إضلالَه أي يخلق فيه الضلالَ حسبما يصرِفُ اختيارَه الجزئيَّ إليه ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَاء﴾ هدايته حسبما يصرِف اختياره إلى تحصيلها ﴿ولتسألن﴾ جميعاً يوم القيامة ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُنيا وهذا إشارةٌ إلى ما لُوِّح به من الكسب الذي عليه يدورُ أمرُ الهداية والضلال
стр. 3283
النحل
стр. 3284
٩٤ - ٩٦ ﴿وَلَا تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ تصريحٌ بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغةً في بيان قبحِ المنهيِّ عنه وتمهيداً لقوله سبحانه ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ عن مَحَجّة الحق ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ عليها ورسوخها فهيا بالإيمان وإفراد القديم وتنكيرُها للإيذان بأن زلَلَ قدمٍ واحدة أيَّ قدمٍ كانت عزّت أو هانت محذورٌ عظيم فكيف بأقدام كثيرة ﴿وَتَذُوقُواْ السوء﴾ أي العذابَ الدنيوي ﴿بِمَا صَدَدتُّمْ﴾ بصدودكم أو بصدّكم غيرَكم ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ الذين ينتظم الوفاءَ بالعهود والأيمان فإن من نقض البَيعةَ وارتدّ جَعل ذلك سنةً لغيره ﴿ولكم﴾ فِى الاخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
стр. 3285
﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله﴾ أي لا تأخذوا بمقابلة عهدِه تعالى وبَيعةِ رسوله ﷺ أو آياتِه الناطقة بإيجاب المحافظةِ على العهود والأيمان ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي لا تستبدلوا بها عرَضاً يسيراً وهو ما كانت قريشٌ يعِدّون ضعفةَ المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد من حُطام الدنيا ﴿إِنَّمَا عِنْدَ الله﴾ من النصر والتغنيم والثوابِ الأخرويّ ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مما يعِدونكم ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إنْ كنتُم من أهلِ العلمِ والتمييزِ وهو تعليلٌ للنهي على طريقة التحقيقِ كما أن قوله تعالى
стр. 3286
﴿مَا عِندَكُمْ﴾ تعليلٌ للخيرية بطريق الاستئنافِ أي ما تتمتعون به من نعيم الدنيا وإن جل بل الدنيا وما فيها جميعاً ﴿يَنفَدُ﴾ وإن جمّ عددُه وينقضي وإن طال أمدُه ﴿وَمَا عِندَ الله﴾ من خزائن رحمتِه الدنيوية والأخروية ﴿باق﴾ لا نفاذ له أما الأخرويةُ فظاهرةٌ وأما الدنيويةُ فحيث كانت موصولةً بالأخروية ومستتبِعةً لها فقد انتظمت في سِمْط الباقيات الصالحات وفي إيثار الاسمِ على صيغة المضارعِ من الدِّلالةِ على الدوام ما لا يخفى وقوله تعالى ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بنون العظمةِ على طريقة الالتفات تكرير الموعد المستفادِ من قولِه تعالَى إِنْ ما عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ على نهج التوكيدِ القسميِّ مبالغةٌ في الحمل على الثبات في الدين والالتفاتُ عما يقتضيه ظاهرُ الحال من أن يقال ولنجزينكم أجركم بأحسن ما كنتم تعملون للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعارِ بعليتها للجزاء أي والله لنجزين ﴿الذين صَبَرُواْ﴾ على أذيَّةِ المشركينَ ومشاقِّ الإسلام التي من جملتها الوفاءُ بالعهود والفقر وقرئ بالياء من غير التفاتٍ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ مفعولٌ ثانٍ لنجزين أي لنُعطِينّهم أجرَهم الخاصَّ بهم بمقابلة صبرِهم على ما مُنوا به من الأمور المذكورة ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي لنجزينهم بما كانوا يعملونه من الصبر المذكورِ وإنما أضيف إليه الأحسنُ للإشعار بكمال حسنِه كما في قوله سبحانه وَحُسْنَ ثَوَابِ الأخرة لا لإفادة قصرِ الجزاءِ على الأحسن منه دون الحسَن فإن ذلك مما لا يخطر ببال أحد لا سيما بعد قوله تعالى أجرهم أو لنجزينهم بحسب أحسنِ أفرادِ أعمالهم المذكور على معنى لنعطيهم بمقابلة الفردِ الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه بمقابلة الفردِ الأعلى منها من الأجر الجزيلِ لا أنا نُعطي الأجر بحسب
стр. 3287
النحل ٩٧ ٩٨ أفرادِها المتفاوتةِ في مراتب الحسن بأن نجزيَ الحسنَ منها بالأجر الحسَنِ والأحسنَ بالأحسن وفيه ما لا يَخفْى من العدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزَعٍ ونظمِه في سلك الصبر الجميل أو لنجزينهم بجزاءٍ أحسنَ من أعمالهم وأما التفسيرُ بما ترجح فعلُه من أعمالهم كالواجبات والمندوبات أو بما ترجح تركُه أيضاً كالمحرمات والمكروهات دلالةً على أنَّ ذلك هو المدارُ للجزاء دون ما يستوي فعلُه وتركُه كالمباحات فلا يساعده مقامُ الحثِّ على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنةِ المخصوصة والترغيبِ في تحصيل ثمراتها بل التعرضُ لإخراج بعض أعمالِهم عن مدارية الجزاءِ من قبيل تحجيرِ الرحمةِ الواسعة في مقام توسيع حماما
стр. 3288
﴿مَّنْ عَمِلَ صالحا﴾ أي عملاً صالحاً أيَّ عملٍ كان وهذا شروعٌ في تحريض كافةِ المؤمنين على كل عملٍ صالح غِبَّ ترغيبِ طائفةٍ منهم في الثبات على ما هم عليه من عمل صالحٍ مخصوصٍ دفعاً لتوهم اختصاصِ الأجر الموفورِ بهم وبعملهم المذكور وقولُه تعالى ﴿من ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ مبالغةٌ في بان شمولِه للكل ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قيّده به إذ لا اعتدادَ بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب أو تخفيفِ العذاب لقوله تعالى وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً وإيثارُ إيرادِه بالجملة الاسميةِ الحالية على نظمه في سلك الصلةِ لإفادة وجوبِ دوامه ومقارنتِه للعمل الصالح ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ في الدنيا يعيش عيشا طيبا أما إن كان موسراً فظاهرٌ وأما إن كان معسِراً فيطيب عيشُه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقعِ الأجرِ العظيم كالصائم يطيب نهارُه بملاحظة نعيمِ ليلِه بخلاف الفاجر فإنه إن كان معسراً فظاهرٌ وإن كان موسراً فلا يدعه الحِرصُ وخوفُ الفوات أن يتهنأ بعيشه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ في الآخرة ﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ حسبما نفعل بالصابرين فليسَ فيه شائبةُ تكرارٍ والجمعُ في الضمائر العائدةِ إلى الموصول لمراعاة جانبِ المعنى كما أن الإفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ وإيثار ذلك على العكس لِما أن وقوعَ الجزاءِ بطريق الاجتماعِ المناسبِ للجمعية ووقوعَ مَا في حيزِ الصلةِ وما يترتب عليه بطريق الافتراقِ والتعاقُب الملائمِ للإفراد وإذ قد انتهى الأمرُ إلى أن مدار الجزاء المذكور هو صلاحُ العمل وحسنُه رُتّب عليه بالفاء الإرشاد إلى ما به يحسُن العمل الصالح ويخلُص عن شوب الفاسد فقيل
стр. 3289
﴿فإذا قرأت القرآن﴾ أي إذا أردت قراءتَه عبّر بها عن إرادتها على طريقة إطلاقِ اسمِ المُسبَّبِ على السبب إيذاناً بأن المرادَ هي الإرادةُ المتصلةُ بالقراءة ﴿فاستعذ بالله﴾ فاسأله عز جارُه أن يعيذك ﴿مِنَ الشيطان الرجيم﴾ من وساوسه وخطَراتِه كيلا يوسوسَك عند القراءة فإن له هَمّةً بذلك قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىّ إِلَاّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية وتوجيهُ الخطاب إلى رسول الله ﷺ وتخصيصُ قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لغيره ﷺ وفي سائر الأعمال
стр. 3290
النحل ٩٩ ١٠١ الصالحة أهم فإنه ﷺ حيث أُمر بها عند قراءةِ القرآن الذي لا يأتيه الباطلُ من بينِ يديهِ ولا منْ خلفه فما ظنكم بمن عداه ﷺ فما عدا القراءةَ من الأعمال والأمرُ للندب وهذا مذهبُ الجمهور وعند عطاءٍ للوجوب وقد أخذ بظاهر النظمِ الكريم فاستعاذ عَقيبَ القراءة أبو هريرةَ ﵁ ومالكٌ وابنُ سيرينَ وداودُ وحمزةُ من القراء وعن ابن مسعود ﵁ قرأتُ على رسُولِ الله ﷺ فقلت أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال ﷺ قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريلُ ﵇ عن القلم عن اللوح المحفوظ
стр. 3291
﴿أَنَّهُ﴾ الضمير للشأن أو للشيطان ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ تسلّطٌ وولاية ﴿على الذين آمنوا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي إليه يفوضون أمروهم وبه يعوذون في كلِّ ما يأتُون وما يذرون فإن وسوستَه لا تؤثر فيهم ودعوتَه غيرُ مستجابة عندهم وإيثارُ صيغةِ الماضي في الصلةِ الأُولى للدلالةِ على التحقق كما أن اختيارَ صيغةِ الاستقبالِ في الثانية لإفادة الاستمرارِ التجدّدي وفي التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ عِدَةٌ كريمةٌ بإعادة المتوكلين والجملة تعليلٌ للأمر بالاستعاذة أو لجوابه المنويِّ أي يُعِذْك أو نحوه
стр. 3292
﴿إِنَّمَا سلطانه﴾ أي تسلّطُه وولايتُه بدعوته المستتبعةِ للاستجابة لا سلطانُه بالقسر والإلجاء فإنه مُنتفٍ عن الفريقين لقوله سبحانه حكايةً عنه وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى وقد أفصح عنه قولُه تعالى ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أي يتخذونه وليًّا ويستجيبون دعوتَه ويطيعونه فإنه المقسورَ بمعزل من ذلك ﴿والذين هُم بِهِ﴾ ﴿مُّشْرِكُونَ﴾ أو بسبب الشيطانِ مشركون إذ هو الذي حملهم على الإشراك بالله سبحانه وقصُر سلطانه عليهم غِبَّ نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليلٌ على أنْ لا واسطة في الخارج بين التوكلِ على الله تعالى وبين تولي الشيطان وإن كان بينهما واسطةٌ في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظمُ في سلك مَنْ يتولّى الشيطانَ مِن حيثُ لَا يحتسبُ إذ به يتم التعليلُ ففيه مبالغة في الحمل على التوكل والتحذيرِ عن مقابله وإيثارُ الجملة الفعليةِ الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر من إفادة الاستمرارِ التجدّدي كما أن اختيارَ الجملةِ الاسميةِ في الثانية للدلالة على الثبات وتكريرُ الموصولِ للاحتراز عن توهم كونِ الصلةِ الثانية حاليةً مفيدةً لعدم دخول غيرِ المشركين من أولياء الشيطانِ تحت سلطانِه وتقديمُ الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارَنةِ بينها وبين ما يقابلها من التوكلِ على الله تعالى ولو رُوعيَ الترتيبُ السابق لا نفصل كلٌّ من القرينتين عما يقابلها
стр. 3293
﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ أي إذا أنزلنا آيةً من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلاً منها بأن نسخناها بها ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ﴾ أولاً وآخِراً وبأن كلاًّ من ذلك ما نزلت حيثما نزلت إلا حسبما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحة فإن
стр. 3294
النحل ١٠٢ ١٠٣ كل وقت له مقتض غيرُ مقتضى الآخَر فكم من مصلحة في وقت تنقلب في وقت آخرَ مفسدةً وبالعكس لانقلاب الأمورِ الداعية إلى ذلك وما الشرائعُ إلا مصالحُ للعباد في المعاش والمعاد تدور حسبما تدور المصالحُ والجملةُ إما معترضةٌ لتوبيخ الكفرةِ والتنبيهِ على فساد رأيهم وفي الالتفات إلى الغَيبة مع إسناد الخبرِ إلى الاسم الجليلِ المستجمِع للصفات ما لا يَخفْى من تربية المهابةِ وتحقيقِ معنى الاعتراض أو حالية وقرئ بالتخفيف من الإنزال ﴿قَالُواْ﴾ أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ أي متقوّلٌ على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه وحكايةُ هذا القول عنهم ههنا للإيذان بأن ذلك كَفْرةٌ ناشئة من نزغات الشياطين وأنه وليُّهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعملون شيئاً أصلاً أَوْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ في النسخ حِكَماً بالغةً وإسنادُ هذا الحكمِ إلى الأكثر لما أن منهم مَنْ يعلمُ ذلكَ وإنما ينكره عِناداً
стр. 3295
﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أي القرآنَ المدلول عليه بالآية ﴿رُوحُ القدس﴾ يعني جبريلُ ﵇ أي الروحُ المطهّر من الأدناس البشرية وإضافةُ الروحِ إلى القدس وهو الطُهْرُ كإضافة حاتم إلى الجود حيث قيل حاتمُ الجودِ للمبالغة في ذلك الوصفِ كأنه طبعٌ منه وفي صيغة التفعيلِ في الموضعين إشعارٌ بأن التدريجَ في الإنزال مما تقتضيه الحِكَمُ البالغة ﴿مِن رَبّكَ﴾ في إضافة الربِّ إلى ضميره ﷺ من الدلالة على تحقيق إفاضةِ آثارِ الربوبية عليه ﷺ ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المبنيةِ على التلقين المحض ﴿بالحق﴾ أي ملتبساً بالحق الثابتِ الموافقِ للحكمة المقتضيةِ له بحيث لا يفارقها إنشاءً ونسخاً وفيه دَلالةٌ على أن النسخ حق ﴿لِيُثَبّتَ الذين آمنوا﴾ على الإيمان بأنه كلامُه تعالى فإنهم إذا سمعوا الناسخَ وتدبّروا ما فيهِ من رعايةِ المصالحِ اللائقة بالحال رسَخت عقائدُهم واطمأنت قلوبهم وقرئ ليُثبت من الإفعال ﴿وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحُكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتاً وهدايةً وبشارةً وفيه تعريضٌ بحصول أضدادِ الأمورِ المذكورة لمن سواهم من الكفار
следующие страницы →