Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السبت﴾ أي فُرض تعظيمُه والتخلي فيه للعبادة وتركُ الصيد فيه تحقيقٌ لذلك النفي الكليِّ وتوضيحٌ له بإبطال ما عسى يُتوهم كونُه قادحاً في كلّيته حسبما سلفَ في قولِه تعالى وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا الخ فإن اليهود كانوا يدّعون أن السبتَ من شعائر الإسلام وأن إبراهيمَ ﵇ كان محافظاً عليه أي ليس السبتُ من شرائع إبراهيمَ وشعائرِ ملّته التي أُمرْتَ باتباعها حتى يكون بينه ﵊ وبين بعض المشركين علاقةٌ في الجملة وإنما شرُع ذلك لبني إسرائيل بعد مدةٍ طويلة وإيرادُ الفعل مبنيا للمفعول جري على سنن الكبرياء وإيذانٌ بعدمِ الحاجة إلى التَّصريحِ بالفاعل لاستحالة الإسنادِ إلى الغير وقد قرئ على البناء للفاعل وإنما عبر عن ذلك بالجعل موصولا بكلمة على وعنهم بالاسم الموصول باختلافهم فقيل إنما جعل السبت ﴿على الذين اختلفوا فِيهِ﴾ للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاءِ المؤدّي إلى العذاب وبكونه معلَّلاً باختلافهم في شأنه قبل الوقوعِ إيثاراً له على ما أمر الله تعالى به واختياراً للعكس لكن لا باعتبار شمولِ العلّية لطرفي الاختلاف وعمومِ الغائلةِ للفريقين بل باعتبار حالِ منشأ الاختلافِ من الطرف المخالفِ للحق وذلك أن موسى ﵊ أمرَ اليهودَ أن يجعلوا في الأسبوع يوماً واحداً للعبادة وأن يكون ذلك يومَ الجمعة فأبَوا عليه وقالوا نريد اليوم الذي فرَغ الله تعالى فيه من خلقِ السمواتِ والأرضِ وهو السبت إلا شرذمةً منهم قد رضُوا بالجمعة فأذِن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمرَ الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يَصيدون وأعقابُهم لم يصبِروا عن الصيد فمسخهم الله سبحانه قردةً دون أولئك المطيعين ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الفريقين المختلفَين فيه ﴿يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي يفصِل ما بينهما من الخصومة والاختلاف فيجازي كلّ فريق بما يستحقه من الثواب والعقاب وفيه إيماءٌ إلى أنَّ ما وقع في الدنيا من مسخ أحدِ الفريقين وإنجاءِ الآخر بالنسبة إلى ما سيقعُ في الآخرةِ شيءٌ لا يعتدّ به هَذَا هُو الذي يستدعيه الإعجازُ التنزيليُّ وقيل المعنى إنما جُعل وبالُ السبت وهو المسخُ على الذين اختلفوا فِيهِ أي أحلوا الصيدَ فيه تارةً وحرّموه أخرى وكان حتماً عليهم أن يتّفقوا على تحريمه حسبما أمر الله سبحانه به وفسّر الحكمُ بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارةً والتحريمِ أخرى ووجهُ إيراده ههنا بأنه أريد به إنذارُ المشركين من سخط الله تعالى على العصاة والمخالفين لأوامره كضرب المثلِ بالقرية التي كفرت بأنعُم الله تعالى ولا ريب في أن كلمة بينهم تحكم بأن المرادَ بالحكم هو فصلُ ما بينَ الفريقينِ من الاختلاف وأن توسيطَ حديث المسخِ للإنذار المذكورِ بين
стр. 3327
النحل ١٢٥ ١٢٦ حكاية أمر النبيِّ ﷺ باتباع ملَّةِ إبراهيمَ ﵊ وبين أمره ﷺ بالدعوة إليها من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه فتأمل
стр. 3328
﴿ادع﴾ أي مَنْ بُعثتَ إليهم من الأمة قاطبةً فحذف المفعولُ للتعميم أو افعل الدعوةَ كما في قولهم يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلُ الإعطاءَ والمنع فحذفُه للقصد إلى إيجاد نفسِ الفعل إشعاراً بأن عموم الدعوةِ غنيٌّ عن البيان وإنما المقصود الأمر بإيجادها على وجه مخصوص ﴿إلى سَبِيلِ رَبّكَ﴾ إلى الإسلام الذي عبّر عنه تارةً بالصراط المستقيم وأخرى بملة إبراهيمَ ﵇ وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئةِ عن المالكية وتبليغِ الشيء إلى كماله اللائقِ شيْئاً فشيئاً معَ إضافة الربِّ إلى ضمير النبيِّ ﷺ في مقام الأمر بدعوة الأمة على الوجه الحكيم وتكميلِهم بأحكام الشريعةِ الشريفة من الدِلالة على إظهار اللطفِ به ﵊ والإيماءِ إلى وجه بناءِ الحُكم ما لا يخفى ﴿بالحكمة﴾ أي بالمقالة المحكمةِ الصحيحة وهو الدليلُ الموضحُ للحق المزيحُ للشبهة ﴿والموعظة الحسنة﴾ أي الخطابياتِ المقنعةِ والعِبر النافعةِ على وجهٍ لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصِد ما ينفعهم فالأولى لدعوة خواصِّ الأمةِ الطالبين للحقائق والثانيةُ لدعوة عوامِّهم ويجوز أن يكون المرادُ بهما القرآنَ المجيد فإنه جامعٌ لكلا الوصفين ﴿وجادلهم﴾ أي ناظِرْ معانديهم ﴿بالتى هِىَ أَحْسَنُ﴾ بالطريقة التي هي أحسنُ طرقِ المناظرةِ والمجادلة من الرفق واللينِ واختيار الوجهِ الأيسرِ واستعمالِ المقدّمات المشهورةِ تسكيناً لشغَبهم وإطفاءً لِلَهبهم كما فعله الخليلُ ﵇ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ الذي أمرك بدعوة الخلقِ إليه وأعرضَ عن قَبول الحق بعدما عاين ما عاين من الحِكم والمواعظ والعبر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ إليه بذلك وهو تعليلٌ لما ذُكر من الأمرين والمعنى والله تعالى أعلم اسلُكْ في الدعوة والمناظرةِ الطريقةَ المذكورةَ فإنه تعالى هو أعلمُ بحال من لا يرعوِي عنِ الضلالِ بموجب استعدادِه المكتسَب وبحال من يصير أمرُه إلى الاهتداء لما فيه من خير جبلي فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمةُ فإنه كافٍ في هداية المهتدين وإزالةِ عذر الضالّين أو ما عليك إلا ما ذكر من الدعوة والمجادلةِ بالأحسن وأما حصولُ الهداية أو الضلال والمجازاةُ عليهما فإلى الله سبحانه إذ هو أعلم بمن يبقى على الضلال وبمن يهتدي إليه فيجازي كلاًّ منهما بما يستحقة وتقديمُ الضالين لما أنَّ مساقَ الكلامِ لهم وإيرادُ الضلال بصيغة الفعلِ الدالِّ على الحدوث لما أنه تغييرٌ لفطرة الله التي فطرَ الناسَ عليها وإعراضٌ عن الدعوة وذلك أمرٌ عارضٌ بخلاف الاهتداء الذي هو عبارةٌ عن الثبات على الفطرة والجرَيانِ على موجب الدعوةِ ولذلك جيء به على صيغة الاسمِ المنبئ عن الثبات وتكريرُ هو أعلمُ للتأكيد والإشعارِ بتبايُنِ حالِ المعلومَين ومآلهما من العقاب والثواب وبعد ما أمره ﵊ فيما يختص به من شأن الدعوةِ بما أمره به من الوجه اللائق عقّبه بخطاب شاملٍ له ولمن شايعه فيما يعم الكل فقال
стр. 3329
﴿وإن عاقبتم﴾
стр. 3330
النحل ١٢٧ أي إن أردتم المعاقبةَ على طريقة قول الطبيبِ للمحتمي إن أكلتَ فكلْ قليلاً (فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) أي بمثل ما فُعل بكم وقد عبّر عنه بالعقاب على طريقة إطلاقِ اسمِ المُسبَّبِ على السبب نحوُ كما تَدين تُدان أو على نهج المشاكلةِ والمقصودُ إيجابُ مراعاةِ العدل مع مَنْ يناصبُهم من غير تجاوزٍ حين ما آل الجِدالُ إلى القتال وأدّى النزاعُ إلى القِراع فإن الدعوةَ المأمورَ بها لا تكاد تنفك عن ذلك كيف لا وهي موجبةٌ لصرف الوجوهِ عن القُبل المعبودةِ وإدخالِ الأعناق في قِلادة غيرِ معهودةٍ قاضيةٍ عليهم بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلان دين استمرت عليه آباؤهم الأولون وقد ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العِللُ وسُدّت عليهم طرقُ المُحاجّة والمناظرة وأُرتجتْ دونهم أبوابُ المباحثةِ والمحاورة وقيلَ إنَّه ﵊ لما رأى حمزة ﵁ يومَ أُحد قد مُثّل به قال لئن أظفَرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين مكانك فنزلت فكفّر عن يمينه وكف عما أراده وقرئ وإن عَقّبتم فعقِّبوا أي وإن قَفَّيْتم بالانتصار فقفّوا بمثل ما فُعل بكم غيرَ متجاوزين عنه والأمرُ وإن دل على إباحة المماثلة في المُثْلة من غير تجاوزٍ لكن في تقييده بقوله وإن عاقبتم حيث على العفو تعريضاً وقد صرّح به على الوجه الآكد فقيل ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ أي عن المعاقبة بالمثل ﴿لَهُوَ﴾ أي لَصَبرُكم ذلك ﴿خَيْرٌ﴾ لكم من الانتصار بالمعاقبة وإنما قيل ﴿للصابرين﴾ مدحاً لهم وثناءً عليهم بالصبر أو وصفاً لهم بصفة تحصل لهم عند تركِ المعاقبةِ ويجوز عَودُ الضميرِ إلى مطلق الصبرِ المدلولِ عليه بالفعل فيدخُل فيه صبرُهم كدخول أنفسِهم في جنس الصابرين دخولاً أوليا ثم أُمرَ ﵊ صريحاً بما ندَب إليه غيرَه تعريضاً من الصبر لأنه أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشئونه سبحانه ووفورِ وثوقِه به فقيل
стр. 3331
﴿واصبر﴾ أي على مَا أَصَابَكَ من جهتهم من فنون الآلامِ والأَذية وعاينتَ من إعراضهم عن الحق بالكلية ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَاّ بالله﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي وما صبرُك ملابساً ومصحوباً بشيءٍ من الأشياءِ إلا بالله أي بذكره والاستغراقِ في مراقبة شئونه والتبتّلِ إليه بمجامع الهِمّة وفيه من تسليته ﵊ وتهوينِ مشاقِّ الصبرِ عليه وتشريفه مالا مزبد عليه أو إلا بمشيئته المبينة على حِكَمٍ بالغة مستتبِعةٍ لعواقبَ حميدةٍ فالتسليةُ من حيث اشتمالُه على غايات جميلة وقيل إلا بتوفيقه ومعونتِه فهي من حيث تسهيلُه وتيسيرُه فقط ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي على الكفارين بوقوع اليأسِ من إيمانهم بك ومتابعتِهم لك نحو فَلَا تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين وقيل على المؤمنين وما فُعل بهم والأولُ هو الأنسب بجزالة النظمِ الكريم ﴿وَلَا تَكُ فِى ضيق﴾ بالفتح وقرئ بالكسر وهما لغتان كالقَوْل والقيل أي لا تكُن في ضيق صدرٍ وحرَج ويجوز أن يكون الأولُ تخفيفَ ضيِّق كهيْن من هيِّن أي في أمر ضيِّقٍ ﴿مّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي من مكرهم بك فيما يُستقبل فالأولُ نهيٌ عن التألم بمطلوبٍ مِنْ قبلَهم فاتَ والثاني عن التألم بمحذور من جهتهم آتٍ والنهيُ عنهما مع أن انتفاءَهما من لوازم الصبرِ المأمورِ بهِ لا سيَّما على الوجه الأولِ لزيادة التأكيدِ وإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأن التسليةِ وإلا فهل يخطُر ببال من توجّه إلى الله سبحانه بشر اشر نفسِه متنزهاً عن كلِّ ما سواهُ من الشواغل شيء من المطلوب فينهي عن الحزن
стр. 3332
النحل ١٢٨ بفوانه أو محظور فكيف عن الخوف من وقوعه
стр. 3333
﴿إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا﴾ تعليلٌ لما سبقَ من الأمرِ والنَّهي والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شيءٍ من الجزَع والحزنِ وضيق الصدر وما يشعر به دخول كلمة مع من متبوعية المتقين إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتقوى وكذا الحالُ في قولِه سبحانه إِنَّ الله مَعَ الصابرين ونظائرِهما كافة والمرادُ بالتقوى المرتبةُ الثالثة منه الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك ومرتبة التجنبُ عن كلِّ ما يُؤثِّمُ من فعلٍ وتركٍ أعني التنزّهَ عن كل ما شغل سره عن الحق والتبتل إليه بشر اشر نفسِه وهو التقوى الحقيقيُّ المُورِث لولايته تعالى المقرونة ببشارة قوله سبحانه أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ والمعنى أن الله وليُّ الذين تبتلوا إليه بالكلية وتنزّهوا عن كل ما يشغل سرَّهم عنه فلم يخطُرْ ببالِهم شيءٌ من مطلوب أومحذور فضلاً عن الحزن بفواته أو الخوفِ من وقوعه وهو المعنيُّ بما به الصبرُ المأمورُ به حسبما أشير إليه وبه يحصل التقريب ويتم التعليل كما في قوله تعالى فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ على أحد التفسيرين كما حُقق في مقامه وإلا فمجردُ التوقي عن المعاصي لا يكون مداراً لشيء من العزائم المرخصِ في تركها فكيف بالصبر المشارِ إليه ورديفيه وإنما مدارُه المعنى المذكورُ فكأنه قيل إِنَّ الله مَعَ الذين صبروا وإنما أوثر مَا عليهِ النظمُ الكريمُ مبالغةً في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوتِ الجليلة وروادفِه كما أن قوله تعالى ﴿والذين هُم مُّحْسِنُونَ﴾ للإشعار بأنَّه من باب الإحسانِ الذي يتنافس فيه المتنافسون على ما فُصل ذلك حيث قيل واصبر فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين وقد نُبّه على أنَّ كلاً من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان في قوله تعالى إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين وحقيقةُ الإحسانُ الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي وقد فسَّره ﵊ بقولِه أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ وتكريرُ الموصولِ للإيذان بكفاية كلَ من الصلتين في ولايته سبحانه من غير أن تكون إحداهما تتمةً للأخرى وإيرادُ الأولى فعليةٌ للدِلالة على الحدوث كما أن إيرادَ الثانيةِ اسميةٌ لإفادة كونِ مضمونِها شيمةً راسخةً لهم وتقديمُ التقوى على الإحسان لما أنَّ التخليةَ متقدِّمةٌ على التحلية والمرادُ بالموصولَين إما جنسُ المتقين والمحسنين وهو ﵊ داخلٌ في زُمرتهم دُخولاً أوليَّا وإما هو ﵊ ومنْ شايعه عبَّر عنهم بذلك مَدْحاً لهم وثناءً عليهم بالنعتين الجميلين وفيه رمزٌ إلى أنَّ صنيعَه ﵊ مستتبع لإقتداء الأمةِ به كقول من قال لابن عباس ﵄ عند التعزية [اصبِرْ نكنْ بك صابرين فإنما صبرُ الرعية عند صبرِ الرأسِ] عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضارِ أوصِ قال إنما الوصيةُ من المال وأوصيكم بخواتيم سورة النحل عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورة النحل لَمْ يحاسبْه الله تعالَى بما أنعم عليهِ في دارِ الدُّنيا وإن مات في يومِ تلاها أو ليلتَه كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية والحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله أجمعين
стр. 3334
سورة الإسراء مكية إلا الآيات ٢٦ ٣٢ ٣٣ ٥٧ ومن آية ٧٣ إلى آية ٨٠ فمدنية وآياتها ١١١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3335
﴿سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ﴾ سبحان عَلَمٌ للتسبيح كعُثمانَ للرجل وحيث كان المسمّى معنى لاعينا وجنساً لا شخصاً لم تكن إضافتُه من قبيل ما في زيدُ المعارك أو حاتم طئ وانتصابه بفعل متروكِ الإظهار تقديرُه أسبح الله سبحان الخ وفيه ما لا يَخفْى من الدلالة على التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسعُ الجري ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسمِ الموضوعِ له خاصة لا سيما وهو علمٌ يشير إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذهن ومن جهة قيامِه مَقام المصدرِ مع الفعلِ وقيل هو مصدرٌ كغُفرانٍ بمعنى التنزه ففيه مبالغةٌ من حيث إضافةُ التنزه إلى ذاته المقدسةِ ومناسبةٌ تامة بين المحذوف وبين ما عُطف عليه في قوله تعالى كأنه قيل تنزه بذاته وتعالى و الإسراءُ السيرُ بالليل خاصة كالسُّرى وقوله تعالى ﴿لَيْلاً﴾ لإفادة قلةِ زمان الإسراءِ لِما فيه من التنكير الدالِّ على البعضية من حيث الأجزاءُ دَلالتَه على البعضية من حيث الأفراد فإن قولك سِرت ليلاً كما يفيد بعضيةَ زمان سيرِك من الليالي يفيد بعضيتَه من فرد واحد منها بخلاف ما إذا قلت سرتُ الليلَ فإنه يفيد استيعابَ السير له جميعاً فيكون معياراً للسير لا ظرفاً له ويؤيده قراءةُ من الليل أي بعضِه وإيثارُ لفظ العبدِ للإيذان بتمحضه ﵊ في عبادته سبحانه وبلوغِه في ذلك غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهايات النائية حسبما يلوّح به مبدأُ الإسراء ومنتهاه وإضافةُ التنزيه أو التنزّه إلى الموصول المذكورِ للإشعار بعلية مَا في حيزِ الصلةِ للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته وبالغ حكمته ونهايةِ تنزهه عن صفات المخلوقين ﴿مّنَ المسجد الحرام﴾ اختُلف في مبدأ الإسراءِ فقيل هو المسجدُ الحرام بعينه وهو الظاهرُ فإنه روى عنه ﷺ أنه قال بينا أنا في المسجد الحرام في الحِجْر عند البيت بين النائم واليقظانِ إذْ أتاني جبريل ﵊ بالبُراق وقيل هو دارُ أم هانئ بنتِ أبي طالب والمراد بالمسجد الحرام الحرمُ لإحاطته بالمسجد والْتباسِه به أو لأن الحرم كلَّه مسجد فإنه روي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ كان نائماً في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاءِ فكان ما كان فقصّه عليها فلما قام ليخرُج إلى المسجد تشبثت بثوبه ﷺ لتمنعه خشية أن يكذبه القوم قال ﷺ وإن كذبوني فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره ﷺ بحديث الإسراءِ فقال أبو جهل يا معشر كعبِ بنِ لؤي بنِ غالب هلم
стр. 3336
الإسراء ٢ فحدِّثْهم فمن مصفّق وواضعٍ يدَه على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد ناسٌ ممن كان آمن به وسعى رجالٌ إلى أبي بكر فقال إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا أتصدّقه على ذلك قال إني أصدقه على أبعدَ من ذلك فسُمِّيَ الصِّديقُ وكان فيهم من يعرف بيت المقدس فاستنعتوه المسجدَ فجُلِّي له بيتُ المقدس فطفِق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا أما النعتُ فقد أصابه فقالوا أخبِرْنا عن عِيرنا فأخبرهم بعدد جمالِها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمُها جملٌ أورَقُ فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم هذه والله الشمسُ قد أشرقت فقال آخرُ هذه والله العِيرُ قد أقبلت يقدمها جملٌ أورقُ كما قال محمد ثم لم يؤمنوا قاتلهم الله أنَّي يُؤفكون واختُلف في وقته أيضاً فقيل كان قبل الهجرةِ بسنة وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه كان في المنام وأكثرُ الأقاويل بخلافه والحق أنه كان في المنام قبل البعثة وفي اليقظة بعدها واختُلف أيضاً أنه كان جُسمانياً أو روحانياً فعن عائشةَ ﵂ أنها قالت ما فُقِد جسد رسول الله ﷺ ولكن عُرج بروحه وعن معاوية أنه قال إنما عُرج بروحه والحقُّ أنه كان جُسمانياً على ما ينبئ عنه التصديرُ بالتنزيه وما في ضمنه من التعجب فإن الروحانيَّ ليس في الاستبعاد والاستنكار وخرقِ العادةِ بهذه المثابة ولذلك تعجبت منه قريشٌ وأحالوه ولا استحالة فيه فإنه قد ثبت في الهندسة أن قُطرَ الشمس ضِعفَ قطرِ الأرض مائة ونيفاً وستين مرة ثم إن طرفها الأسفلَ يصل إلى موضع طرفِها الأعلى بحركة الفَلك الأعظمِ مع معاوقة حركةِ فلكِها لها في أقلَّ من ثانية وقد تقرر أن الأجسام متساويةٌ في قَبول الأعراضِ التي من جملتها الحركةُ وأن الله سبحانه قادرٌ على كلَّ ما يحيطُ بهِ حيطة الإمكان فيقدر على أن يخلق يخلق مثل تلك الحركةَ بل أسرعَ منها في جسد النبيِّ ﷺ أو فيما يحمِله ولو لم يكن مستبعداً لم يكن معجزة ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أي بيتِ المقدس سُمي به إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجدٌ وفي ذلك من تربية معنى التنزيه والتعجب مالا يخفى ﴿الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ببركات الدين والدنيا لأنه مهبِطُ الوحي ومتعبَّدُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام ﴿لِنُرِيَهُ﴾ غاية للإسراء ﴿من آياتنا﴾ العظيمةِ التي من جملتها ذهابُه في برهة من الليل مسيرةَ شهرٍ ولا يقدحُ في ذلك كونُه قبل الوصول إلى المقصِد ومشاهدةِ بيت المقدس وتمثّل الأنبياءِ له ووقوفِه على مقاماتهم العلية عليهم الصلاة والسلام والالتفاتُ إلى التكلم لتعظيم تلك البركاتِ والآياتِ وقرئ ليريَه بالياء ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لأقواله ﵊ بلا أذن ﴿البصير﴾ بأفعاله بلا بصر حسبما يؤذِنُ به القصرُ فيكرمُه ويقرّبه بحسب ذلك وفيه إيماءٌ إلى أن الإسراءَ المذكورَ ليس إلا لتكرمته ﵊ ورفعِ منزلتِه وإلا فالإحاطةُ بأقواله وأفعاله حاصلةٌ منْ غيرِ حاجةٍ إلى التقريب والالتفاتُ إلى الغَيبة لتربية المهابة
стр. 3337
﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ أي التوراة وفيه إيماءٌ إلى دعوتِه ﵊ إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعاً بين الأمرين المتّحدين في المعنى ولم يذكر ههنا العروج بالنبي ﷺ إلى السماء وما كان فيه مما لا يُكتنه كنهُه حسبما نطقتْ به سورةُ النجم تقريباً للإسراء إلى قَبول السامعين أي آتيناه التوراة بعد ما أسرينا به إلى الطور ﴿وجعلناه﴾ أي ذلك
стр. 3338
الإسراء ٣ ٥ الكتاب ﴿هدى لبني إسرائيل﴾ يهتدون بما في مطاويه ﴿ألا تَتَّخِذُواْ﴾ أي لا تتخذوا نحو كتبت إليه أن أفعل كذا وقرئ بالياء على أنَّ أنْ مصدريةٌ والمعنى آتينا موسى الكتابَ لهداية بني إسرائيلَ لئلا يتخذوا ﴿مِن دُونِى وَكِيلاً﴾ أي ربًّا تكِلون إليه أمورَكم والإفرادُ لما أن فعيلاً مفردٌ في اللفظ جمعٌ في المعنى
стр. 3339
﴿ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصب على الاختصاصِ أو النداءِ على قراءة النهي والمرادُ تأكيدُ الحملِ على التوحيد بتذكير إنعامِه تعالى عليهم في ضمن إنجاءِ آبائِهم من الغرق في سفينةِ نوحٍ ﵇ أو على أنه أحدُ مفعولَيْ لا يتخذوا على قراءة النفي ومن دوني حالٌ من وكيلاً فيكون كقولِه تعالى وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أربابا وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدلٌ من واو لا تتخذوا بإبدال الظاهرِ من ضمير المخاطَب كما هو مذهبُ بعض البغاددة وقرئ ذِرّية بكسر الذال ﴿أَنَّهُ﴾ أي أن نوحا ﵊ ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كثيرَ الشكر في مجامع حالاتِه وفيه إيذانٌ بأن إنجاءَ مَنْ معه كان ببركة شكره ﵊ وحثٌّ للذرية على الاقتداء به وزجرٌ لهم عن الشرك الذي هو أعظمُ مراتبِ الكُفرانِ وقيل الضمير لموسى عليه السلام
стр. 3340
﴿وَقَضَيْنَا﴾ أي أتممنا وأحكمنا منزلين ﴿إلى بني إسرائيل﴾ أي موحين إليهم ﴿فِى الكتاب﴾ أي في التوراة فإن الإنزالَ والوحيَ إلى مُوسى ﵇ إنزالٌ ووحيٌ إليهم ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِى الأرض﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ ويجوز إجراءُ القضاء المحتومِ مُجرى القسمِ كأنه قيل وأقسمنا لتفسدن ﴿مَّرَّتَيْنِ﴾ مصدرٌ والعاملُ فيه من غير جنسه أولاهما مخالفةُ حكم التوراة وقتل شعياء ﵊ وحبسُ أرمياءَ حين أنذرهم سخطَ الله تعالى والثانية قتلُ زكريا ويحيى وقصدُ قتلِ عيسى عليهم الصلاة والسلام ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ لتستكبِرُنّ عن طاعة الله سبحانه أو لتغلِبُنّ الناسَ بالظلم والعدوان وتفرّطُنّ في ذلك إفراطا مجاوز للحدود
стр. 3341
﴿فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما﴾ أي أولى كرَّتَي الإفساد أي حان وقتُ حلولِ العقاب الموعود ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ لمؤاخذتكم بجناياتكم ﴿عِبَادًا لَّنَا﴾ وقرئ عبيداً لنا ﴿أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذوي قوةٍ وبطش في الحروب هم سنجاريبَ من أهل نينوى وجنودُه وقيل بُخْتَ نصَّر عامل لهراسِبَ وقيل جالوت ﴿فَجَاسُواْ﴾ أي تردّدوا لطلبكم بالفساد وقرئ بالحاء والمعنى واحد وقرئ وجوسوا ﴿خلال الديار﴾ في أوساطها للقتل والغارة وقرئ خِلَلَ الديار فقتلوا علماءَهم وكبارهم وأحرقوا التوراةَ وخربوا المسجد وسبَوْا منهم سبعين ألفاً وذلك من قبيل تولية بعضِ الظالمين بعضاً مما جرت
стр. 3342
الإسراء ٦ ٨ به السنةُ الإلهية ﴿وَكَانَ﴾ ذلك ﴿وَعْدًا مَّفْعُولاً﴾ لا محالة بحيث لا صارفَ عنه ولا مبدِّلَ
стр. 3343
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة﴾ أي الدولةَ والغلَبة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنةٍ حين تُبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلو قيل هي قتل بخت نصر واستنفاذ بني إسرائيلَ أُساراهم وأموالَهم ورجوعُ المُلْك إليهم وذلك أنه لما ورِث بَهْمنُ بنُ اسفنديارَ المُلك من جدِّه كشتاسفَ بنِ لهراسب ألقى الله تعالى في قلبه الشفقةَ عليهم فردّ أُساراهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال ﵇ فاستولَوا على من كان فيها من أتباع بختَ نصّر وقيل هي قتلُ داودَ ﵇ لجالوت ﴿وأمددناكم بأموال﴾ كثيرة بعد ما نُهبت أموالُكم ﴿وَبَنِينَ﴾ بعدما سُبيَتْ أولادُكم ﴿وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مما كنتم من قبل أو من عدوكم والنفيرُ مَن ينفِر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفروهم القومُ المجتمعون للذهاب إلى العدو كالعبيد والمعين
стр. 3344
﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ﴾ أعمالكم سواءٌ كانت لازمةً لأنفسكم أو متعديةً إلى الغير أي عملتموها لا على الوجه اللائقِ ولا يُتصور ذلك إلا بعد أن تكون الأعمالُ حسنةً في أنفسها أو إن فعلتم الإحسان ﴿أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ﴾ لأن ثوابَها لها ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أعمالَكم بأن عملتموها لا على الوجه اللائق ويلزمه السوءُ الذاتيُّ أو فعلتم الإساءة ﴿فَلَهَا﴾ إذ عليها وبالها وعن عليٌّ كرم الله وجهه ما أحسنتُ إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة﴾ حان وقت ما وُعد من عقوبة المرة الآخرة ﴿ليسوؤوا وُجُوهَكُمْ﴾ متعلقٌ بفعل حُذف لدلالةِ ما سبق عليه أي بعثناهم لسوءوا ومعنى ليسوءوا وجوهَكم ليجعلوا آثارَ المساءة والكآبةِ باديةً في وجوهكم كقوله تعالى سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ وقرئ ليَسوءَ على أن الضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث ولنسوءَ بنون العظمةِ وفي قراءة علي ﵁ لنسو أن على أنه جوابُ إذا وقرئ لنسو أن بالنون الخفيفة وليسو أن واللامُ في قولِه ﴿وَلِيَدْخُلُواْ المسجد﴾ عطف على ليسوءوا متعلقٌ بما تعلق هو به ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي في أول مرةٍ ﴿وَلِيُتَبّرُواْ﴾ أي يهلكوا ﴿مَا عَلَوْاْ﴾ ما غلبوه واستولَوْا عليه أو مدةَ علوِّهم ﴿تَتْبِيرًا﴾ فظيعاً لا يوصف بأن سلط الله عز سلطانه عليهم الفرسَ فغزاهم ملكُ بابلَ من ملوك الطوائف اسمه جودر دوقيل جردوس وقيل دخل صاحبُ الجيش مذبحَ قرابينَهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا دمُ قربانٍ لم يقبل منا فقال لم تصْدُقوني فقتل على ذلك ألوفاً فلم يهدأ الدم ثم قال إن لم تصدُقوني ما تركت منكم أحداً فقالوا إنه دمُ يحيى بنِ زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال لمثل هذا ينتقم منكم ربُّكم ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربُّك ما أصاب قومَك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أُبقيَ منهم أحداً فهدأ
стр. 3345
﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ بعد المرة الآخرة إن تبتم
стр. 3346
الإسراء ٩ ١١ توبةً أخرى وانزجرتم عما كنتم عليه من المعاصي ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ﴾ إلى ما كنتم فيه من الفساد مرةً أخرى ﴿عُدْنَا﴾ إلى عقوبتكم ولقد عادوا فأعاد الله سبحانه عليهم النقمة بأن سلط عليهم الأكاسرةَ ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحوِ ذلك وعن الحسن عادوا فبعث الله تعالى محمداً ﷺ فهم يُعطون الجزيةَ عن يد وهم صاغرون وعن قتادة مثلُه ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا﴾ أي محبِساً لا يستطيعون الخروجَ منها أبد الآبدين وقيل بِساطاً كما يبسط الحصيرُ وإنما عدل عن أن يقال وجعلنا جهنمَّ لكم تسجيلاً على كفرهم بالعَود وذماً لهم بذلك وإشعار بعلة الحكم
стр. 3347
﴿إن هذا القرآن﴾ الذي آتيناكَهُ ﴿يَهْدِى﴾ أي الناسَ كافةً لا فِرقةً مخصوصة منهم كدأب الكتابَ الذي آتيناهُ مُوسى ﴿لِلَّتِى﴾ للطريقة التي ﴿هِىَ أَقْوَمُ﴾ أي أقومُ الطرائقِ وأسدُّها أعني ملةَ الإسلامِ والتوحيدِ وتركُ ذكرها ليس لقصد التعميم لها وللحالة وللخصلة ونحوِها مما يعبّر به عن المقصد المذكور بل للإيذان بالغِنى عن التصريح بها لغاية ظهورِها لا سيما بعد ذكرِ الهدايةِ التي هي من روادفها والمرادُ بهدايته لها كونُه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به لا تحصيلُ الاهتداء بالفعل فإنه مخصوصٌ بالمؤمنين حينئذ ﴿وَيُبَشّرُ المؤمنين﴾ بَما فِي تضاعيفِه من الأحكام والشرائع وقرئ بالتخفيف ﴿الذين يَعْمَلُونَ الصالحات﴾ التي شرحت فيه ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ أي بأن لهم بمقابلة تلك الأعمالِ ﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾ بحسب الذات وبحسب التضعيف عشرَ مرات فصاعداً
стр. 3348
﴿وأَنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ وأحكامِها المشروحة فيه من البعث والحسابِ والجزاء وتخصيصُها بالذِّكرِ من بين سائر ما كفروا به لكونها مُعظمَ ما أُمروا بالإيمان به ولمراعاة التناسبِ بين أعمالهم وجزائِها الذي أنبأ عنه قولُه ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ وهو عذابُ جهنمَ أي أعتدنا لهم فيما كفروا به وأنكروا وجودَه من الآخرة عذاباً أليماً وهو أبلغُ في الزجر لما أن إتيانَ العذابِ مِن حيثُ لَا يُحتسب أفظعُ وأفجعُ والجملةُ معطوفةٌ على جُملةِ يبشّر بإضمار يُخبر أو عَلى قولِه تعالَى إِنَّ لَهُمْ داخلةٌ معه تحت التبشير المرادِ به مجازاً مطلقُ الإخبار المنتظمِ للإخبار بالخبر السارِّ وبالنبأ الضار حقيقة فيكون ذلك بياناً لهداية القرآنِ بالترغيب والترهيب ويجوز كونُ التبشير بمعناه والمرادُ تبشير المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقابِ أعدائهم وقوله تعالى
стр. 3349
﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر﴾ بيانٌ لحال المهديِّ إثرَ بيان حالِ الهادي وإظهارٌ لما بينهما من التبيان والمرادُ بالإنسان الجنسُ أسند إليه حالُ بعضِ أفراده أو حُكي عنه حالُه في بعض أحيانه فالمعنى على الأول أن القرآنَ يدعو الإنسانَ إلى الخير الذي لا خيرَ فوقه من الأجر الكبير ويحذره من الشر الذي لا شر ورائه من العذاب الأليم وهو أي
стр. 3350
الإسراء ١٢ بعضٌ منه وهو الكافرُ يدعو لنفسه بما هو الشرُّ من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقةً كدأب مَنْ قال منهم اللهم إن كان هُوَ الحقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ومن قال فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين إلى غير ذلك مما حُكي عنهم وإما بأعمالهم السيئة المُفضية إليه الموجبةِ له مجازاً كما هو ديدنُ كلِّهم ﴿دُعَاءهُ بالخير﴾ أي مثلَ دعاءه بالخير المذكور فرضاً لا تحقيقاً فإنه بمعزل من الدعاء به وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه اللائقُ بحاله ﴿وَكَانَ الإنسان﴾ أي مَن أُسند إليه الدعاءُ المذكورُ من أفراده ﴿عَجُولاً﴾ يسارع إلى طلب ما يخطر بباله متعامياً عن ضرره أو مبالغاً في العجلة يستعجل العذابَ وهو آتيه لا محالة ففيه نوعُ تهكمٍ به وعلى تقدير حمل الدعاءِ على أعمالهم تُحمل العَجوليةُ على اللَّجّ والتمادي في استيجاب العذابِ بتلك الأعمال وعلى الثاني أن القرآنَ يدعو الإنسانَ إلى ما هو خيرٌ وهو في بعضِ أحيانه كما عند الغضبِ يدعه ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شرٌّ وَكَانَ الإنسان بحسب جِبِلّته عجولاً ضجِراً لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه روي أنه ﵊ دفع إلى سَوْدةَ أسيراً فأرخت كتافه رحمةً لأنينه بالليل من ألم القيد فهرب فلما أُخبر به النبيُّ ﷺ قال اللهم اقطع يديها فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة فقال ﷺ إن سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي عذاباً رحمةً أو يدعو بما هو شر وهو يحسبه خيراً وكان الإنسان عجولاً غيرَ متبصّر لا يتدبر في أموره حقَّ التدبر ليتحقق ما هو خيرٌ حقيقٌ بالدعاء به وما هو شرٌّ جديرٌ بالاستعاذة منه
стр. 3351
﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ شروع في بيان بعض وجوه ما ذُكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلالِ بالآيات والدلائلِ الآفاقية التي كلُّ واحدة منها برهانٌ نيِّرٌ لا ريب فيه ومنهاجٌ بيِّنٌ لا يضل من لا ينتحيه فإن الجعلَ المذكورُ وما عُطف عليهِ من محو آية الليل وجعل آيةِ النهار مبصرةً وإن كانت من الهدايات التكوينية لكن الإخبارَ بذلك من الهدايات القرآنية المنبّهة على تلك الهداياتِ وتقديمُ الليل لمراعاة الترتيبِ الوجوديِّ إذ منه ينسلخ النهارُ وفيه تظهرُ غُررُ الشهور ولو أن الليلةَ أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر وصاحبُها من شهر آخرَ ولترتيب غايةِ آيةِ النهار عليها بلا واسطة أي جعلنا الملوين بهيا تهما وتعاقبُهما واختلافِهما في الطول والقِصَر على وتيرةٍ عجيبة يحار في فهمها العقولُ آيتين تدلان على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً وتهديان إلى ما هدى إليه القرآنُ الكريم من ملة الإسلام والتوحيد ﴿فمحونا آية الليل﴾ الإضافةُ إما بيانيةٌ كما في إضافة العددِ إلى المعدود أي محونا الآية التي هي الليلُ وفائدتُها تحقيق مضمون الجملة السابقةِ ومحوُها جعلُها ممحُوّةَ الضوءِ مطموستَه لكنْ لا بعدَ أنْ لم يكن كذلك بل إبداعُها على ذلك كما في قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوضَ وكبَّر الفيل أي أنشأهما كذلك والفاءُ تفسيريةٌ لأن المحو المذكورُ وما عُطف عليه ليس مما يحصل عَقيبَ جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعلِ ومتماته ﴿وجعلنا آية النهار﴾ أي الآية التي هي النهارُ على نحو ما مر ﴿مُبْصِرَةً﴾
стр. 3352
أي مضيئةً يبصَر فيها الأشياءُ وصفاً لها بحال أهلها أو مبصرةً للناس من أبصره فبصره وإما حقيقية وآية الليلُ والنهار نيِّراهما ومحوُ القمر إما خلقه مطموس التور في نفسه فالفاء كما ذكر وأما نقص ما استفادوا من الشمس شيئاً فشيئاً إلى المحاق على ما هو معنى المحو والفاءُ للتعقيب وجعلُ الشمس مبصرةً إبداعُها مضيئةً بالذات ذاتَ أشعة تظهر بها الأشياءُ المظلمة ﴿لّتَبْتَغُواْ﴾ متعلقٌ بقوله تعالى وجعلنا آية النهار كما أُشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلُبوا لأنفسكم في بياض النهار ﴿فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ﴾ أي رزقاً إذ لا يتسنى ذلك في الليلِ وفي التعبيرِ عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرضُ لصفة الربوبيةِ المنبئةِ عن التبليغِ إلى الكمالِ شيئاً فشيئاً دلالةٌ على أن ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثيرٌ سوى الطلبِ وإنما الإعطاءُ إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوبِ عليه بل تفضلاً بحكم الربوبية ﴿وَلِتَعْلَمُواْ﴾ متعلقٌ بكِلا الفعلين أعني محو آية الليل وجعل آيةِ النهار مبصرةً لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدَين أو نيِّريْهِما ذاتاً من حيث الإظلامُ والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما وأوضاعِهما وسائرِ أحوالِهما ﴿عَدَدَ السنين﴾ التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية ﴿والحساب﴾ أي الحسابَ المتعلقَ بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهرَ واللياليَ والأيامَ وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققُها مما ينتظمه الحسابُ وإنما الذي تعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثية تحققِها وتحصُّلها من عدة أشهر قد تحصل كلَّ واحدٍ منها من عدة أيامٍ قد حصل كلٌ منها بطائفة من الساعات مثلاً فإن ذلك وظيفةُ الحساب بل من حيث إنها فرد من تلك الطائفة المعدودة يعدها أي يُفنيها من غيرِ أنْ يعتبرَ في ذلك تحصل شي معين وتحقيقُه ما مَرَّ في سورةِ يونس من أن الحساب أحصاه ماله كميةٌ منفصلة بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسمٌ خاصٌّ وحكمٌ مستقل كما أشير إليه آنفاً والعدُّ إحصاؤُه بمجرد تكرير أمثالِه من غير أن يتحصل منه شيء كذلك ولما أن السنين لم يعتبر فيها حدٌّ معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف إليها الغدد وعلق الحساب بما عاداها مما اعتبر فيه تحصُّل مراتبَ معينةٍ لها أسامٍ خاصة وأحكامٌ مستقلة وتحصّلُ مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدي في تحصل المعدودات وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيبَ بين متعلّقيهما وجوداً وعلماً على العكس للتنبيه منْ أولِ الأمرِ عَلى أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصلُ شيءٍ آخرَ منه حسبما ذكر نازلٍ من الحساب المعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب أو لأن العلم المتعلقَ بالأول أقصى المراتب فكان جديراً بالتقديم في مقام الامتنان والله سبحانه أعلم ﴿وَكُلَّ شىْء﴾ تفتقرون إليه في المعاش والمعادِ سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ وهو منصوبٌ بفعل يفسره قوله تعالى ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ أي بيناه في القرآن الكريم بياناً بليغاً لا التباسَ معه كقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء فظهر كونُه هادياً للتي هي أقوم ظهوراً بيناً
стр. 3353
الإسراء
стр. 3354
١٣ - ١٥ ﴿وَكُلَّ إنسان﴾ مكلف ﴿ألزمناه طائره﴾ أي عملَه الصادرَ عنه باختياره حسبما قُدِّر له كأنه طار إليه من عُشّ الغيب ووَكْر القدر أو ما وقع له في القسمة الأزلية الواقعةِ حسب استحقاقِه في العلم الأزليِّ من قولهم طار له سهمٌ كذا ﴿فِى عُنُقِهِ﴾ تصويرٌ لشدة اللزوم وكمالِ الارتباط أي ألزمناه عملَه بحيث لا يفارقه أبداً بل يلزمه لزومَ القِلادة أو الغُلّ للعنق لا ينفك عنه بحال وقرئ بسكون النون ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ بنون العظمة وقد قرئ بالياء مبنياً للفاعل على أن الضميرُ لله وللمفعول والضمير للطائر كما في قراءة يخرُج من الخروج ﴿يوم القيامة﴾ والبعث للحساب ﴿كتابا﴾ مسطوراً فيه ما ذكر من عمله نقيراً وقِطميراً وهو مفعول لنُخرجُ على القراءتين الأُوليين أو حالٌ من المفعول المحذوفِ الراجع إلى الطائر وعلى الأخرَيَين حالٌ من المستتر في الفعل من ضمير الطائر ﴿يلقاه﴾ أي يلقى الإنسان أو يلقاه الإنسان ﴿مَنْشُوراً﴾ وهما صفتان للكتاب أو الأولى صفةٌ والثاني حالٌ منها وقرئ يلقاه من لقِيته كذا أي يلقى الإنسانُ إياه قال الحسن بُسِطت لك صحيفةٌ ووكّل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتِك حتى إذا مُت طُويت صحيفتُك وجُعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة
стр. 3355
﴿اقرأ كتابك﴾ أي قائلين لك ذلك عن قتادة يقرأ ذلك اليومَ من لم يكن في الدنيا قارئاً وقيل المرادُ بالكتاب نفسُه المنتقشةُ بآثار أعماله فإن كل عمل يصدُر من الإنسان خيراً أو شرًّا يحدُث منه في جوهر روحِه أمرٌ مخصوصٌ إلا أنه يخفى ما دام الروحُ متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواسِّ والقُوى فإذا انقطعت علاقتُه عن البدن قامت قيامته لأن النفس كانت ساكنةً مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلويِّ فيزول الغطاءُ وتنكشف الأحوالُ ويظهر على لَوح النفس نقشُ كلِّ شيء عملِه في مدة عمرِه وهذا معنى الكتابة والقراءة ﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي كفى نفسُك والباء زائدة واليومَ ظرفٌ لكفى وحسيباً تمييز وعلى صلتُه لأنه بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم من حسَب عليه كذا أو بمعنى الكافي ووُضِع موضعَ الشهيد لأنه يكفي المدعي ما أهمه وتذكيرُه لأن ما ذُكر من الحساب والكفاية مما يتولاه الرجال أو لأنه مبنيٌّ على تأويل النفس بالشخص على أنَّها عبارةٌ عن النفس المذكر كقول جَبَلةَ بنِ حُريث [يا نفسُ إنكِ باللذاتِ مسرور فاذكرْ فهلْ ينفعَنْك اليومَ تذكيرُ]
стр. 3356
﴿مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ﴾ فذلكةٌ لما تقدم من بيان كون القرآن هادياً لأقوم الطرائقِ ولزومِ الأعمال لأصحابها أي من اهتدى بهدايته وعلم بَما فِي تضاعيفِه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود
стр. 3357
الإسراء ١٦ منفعته اهتدائِه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتدِ ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ عن الطريقة التي يهديه إليها ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي فإنما وبالُ ضلاله عليها لا على من عداه ممن لم يباشره حتى يمكن مفارقةُ العمل صاحبَه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ تأكيد للجملة الثانية أي لا تحمل نفسٌ حاملةٌ للوزر وزرَ نفسٍ أخرى حتى يمكن تخلّصُ النفس الثانية عن وزرها ويختلَّ ما بين العامل وعلمه من التلازم بل إنَّما تحملُ كلٌّ منها وزرها وهذا تحقيقٌ لمعنى قوله ولك إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ وأما ما يدلُّ عليه قولُه تعالى مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وقوله تعالى لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ من حمل الغير وزر الغير وانتفاعِه بحسنته وتضرره بسيئته فهو في الحقيقة انتفاعٌ بحسنة نفسِه وتضرّرٌ بسيئته فإن جزاءَ الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العاملُ لازم له وإنما الذين يصل إلى مَنْ يشفع جزاءُ شفاعته لا جزاءُ أصل الحسنة والسيئة وكذلك جزاءُ الضلال مقصورٌ على الضالين وما يحمله المُضلون إنما هو جزاءُ الإضلال لا جزاءُ الضلال وإنما خُص التأكيدُ بالجملة الثانية قطعاً للأطماع الفارغةِ حيثُ كانُوا يزعُمون أنَّهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعةُ على أسلافهم الذين قلدوهم ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ﴾ بيانٌ للعنايةِ الربَّانيةِ إثرَ بيان اختصاصِ آثارِ الهداية والضلال بأصحابها وعدم حِرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدمِ مؤاخذة النفس بجناية غيرها أي وما صحَّ وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنيةِ على الحِكَم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائِنا السابق أن نعذب أحداً من أهل الضلال والأوزارِ اكتفاءً بقضية العقل ﴿حتى نَبْعَثَ﴾ إليهم ﴿رسولا﴾ يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحججَ ويمهد الشرائع حسبما في تضاعيف الكتاب المنزل عليه والمرادُ بالعذاب المنفيّ إما عذابُ الاستئصال كما قاله الشيخ أبو منصورا لما تريدي ﵀ وهو المناسبُ لما بعدَه أو الجنسُ الشامل للدنيوي والأخروي هو من أفراده وأياما كان فالبعثُ غايةٌ لعدمِ صحَّة وقوعِه في وقتهِ المقدَّرِ لهُ لا لعدم وقوعِه مطلقاً كيف لا والأخرويُّ لا يمكن وقوعُه عَقيبَ البعث والدنيويُّ أيضاً لا يحصُل إلا بعد تحققِ ما يوجبه من الفسق والعصيان ألا يُرى إلى قوم نوحٍ كيف تأخر عنُهم ما حلَّ بهم زُهاءَ ألفَ سنةٍ وقولُه تعالى
стр. 3358
﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾ بيان لكيفية وقوع التعذيب بعد البعثة التي جعلت غاية لعدم صحته وليس المراد بالإرادة تحققها بالفعل إذ لا يتخلف عنها المراد ولا الإرادة الأزلية المتعلقة بوقوع المراد في وقتهِ المقدَّرِ لهُ إذ لا يقارنه الجزاء الآتي بل دنو وقتها كما في قوله تعالى أتى أَمْرُ الله أي وإذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بأن نعذب أهلها بما ذكرنا من عذاب الاستئصال الذي بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة أو بنوع مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب أعني عذاب الاستئصال لما لهم من الظلم والمعاصي دنوا تقتضيه الحكمة من غير أن يكون له حد معين ﴿أَمَرْنَا﴾ بواسطة الرسول المبعوث إلى أهلها ﴿مُتْرَفِيهَا﴾ متنعميها وجباريها وملوكها خصهم بالذكر مع توجه الأمر
стр. 3359
الإسراء ١٧ ١٨ إلى الكل لأنهم الأصول في الخطاب والباقي أتباع لهم ولأن توجه الأمر إليهم آكدو عدم التعرض للمأمور به إما لظهور أن المرادَ به الحق والخير لأن الله لا يأمر بالفحشاء لا سيما بعد ذكرِ هداية القرآن لما يهدي إليه وإما لأن المراد وجد منا الأمر كما يقال فلان يعطي ويمنع ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ أي خرجُوا عن الطَّاعةِ وتمردوا ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا القول﴾ أي ثبت وتحقق موجبه بحلول العذاب إثر ما ظهر منهم من الفسق والطغيان ﴿فَدَمَّرْنَاهَا﴾ بتدمير أهلها ﴿تَدْمِيراً﴾ لا يُكتنه كُنهُه ولا يوصف هذا هو المناسب لما سبق وقيل الأمر مجاز عن الحمل على الفسق والتسبب له بأن صب عليهم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق وقيل هو بمعنى التكثير يقال أمرت الشيء فأمر أي كثرته فكثر وفي الحديث خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة أي كثيرة النتاج ويعضده قراءة آمرنا وأمرنا من الإفعال والتفعيل وقد جعلتا من الإمارة أي جعلناهم أمراء وكل ذلك لا يساعده مقام الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء فإن مؤدى ذلك أن طغيانهم منوطاً بإرادة الله سبحانه وإنعامه عليهم بنعم وافرة أبطرتهم وحملتهم على الفسق حملا حقيقاً بأن يعبر عنه بالامر به
стр. 3360
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي وكثيراً ما أهلكنا ﴿مّنَ القرون﴾ بيانٌ لِكَم وتمييزٌ له والقَرنُ مدةٌ من الزمان يُخترَم فيها القومُ وهي عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ثمانون أو مائة وقد أيِّد ذلك بأنه ﵊ دعا لرجل فقال عِشْ قرناً فعاش مائة سنةٍ أو مائة وعشرون ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ من بعد زمنه ﵊ كعادٍ وثمودَ ومَنْ بعدهم ممن قُصّت أحوالُهم في القرآن العظيم ومَنْ لم تُقَصَّ وعدمُ نظمِ قومِه ﵊ في تلك القرون المهلَكة لظهور أمرِهم على أن ذِكرِه ﵊ رمزٌ إلى ذكرهم ﴿وكفى بِرَبّكَ﴾ أي كفى ربُّك ﴿بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا﴾ يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها وتقديمُ الخبير لتقدم متعلَّقِه من الاعتقادات والنيات التي هي مبادئ الأعمالِ الظاهرةِ أو لعمومه حيث يتعلق بغير المُبصَرات أيضاً وفيه إشارةٌ إلى أن البعثَ والأمر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلمِ بما صدرَ عنْهم منَ الذنوب فإن ذلك حاصلٌ قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزامِ الحُجة من كل وجه
стр. 3361
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ﴾ بأعماله التي يعملها سواءٌ كان ترتُّبُ المراد عليها بطريق الجزاءِ كأعمال البِرّ أو بطريق ترتبِ المعلولات على العلل كالأسباب أو بأعمال الآخرة فالمرادُ بالمريد على الأول الكفرةُ وأكثرُ الفسقة وعلى الثاني أهلُ الرياء والنفاق والمهاجِرُ للدنيا والمجاهدُ لمحض الغنيمة ﴿العاجلة﴾ فقط من غيرِ أن يريد معها الآخرة كما ينبئ عنه الاستمرارُ المستفادُ من زيادة كان ههنا مع الاقتصار على مطلق الإرادةِ في قسيمه والمرادُ بالعاجلة الدارُ الدنيا وبإرادتها إرادةُ ما فيها من فنُون مطالبِها كقوله تعالى وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا ويجوز أن يراد الحياة العاجلة كقوله من كان يريد الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا لكن الأولَ أنسبُ بقوله ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا﴾ أيْ في تلك العاجلة فإن
стр. 3362
الإسراء ١٩ ٢٠ الحياةَ واستمرارها من جملة ما عُجِّل له فالأنسبُ بذلك كلمةُ مَن كما في قوله تعالى ومن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴿مَا نَشَاء﴾ أي ما نشاء تعجيلَه له من نعيمها لا كلَّ ما يريد ﴿لِمَن نُّرِيدُ﴾ تعجيلَ ما نشاء له وهو بدلٌ من الضمير في له بإعادة الجارِّ بدلَ البعض فإنه راجعٌ إلى الموصول المنبئ عن الكثرة وقرئ لمن يشاء على أن الضميرَ لله سبحانه وقيل هو لِمَن فيكون مخصوصاً بمن أراد به ذلك وهو واحدٌ من الدهماء وتقييدُ المعجَّل والمعجَّل له بما ذُكر من المشيئة والإرادة لما أن الحِكمةَ التي عليَها يدورُ فلكُ التكوني لا تقتضي وصولَ كلِّ طالبٍ إلى مرامه ولا استيفاءَ كلِّ واصل لما يطلُبه بتمامه وأما ما يتراءى مِنْ قوله تعالى مَن كَانَ يريد الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ من نيل كلِّ مؤمِّلٍ لجميع آماله ووصولِ كلِّ عاملٍ إلى نتيجة أعمالِه فقد أُشير إلى تحقيق القولِ فيه في سورة هود بفضل الله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ﴾ مكان ما عجلنا له ﴿جَهَنَّمَ﴾ وما فيها من أصناف العذاب ﴿يصلاها﴾ يدخُلها وهو حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ أو من جهنم أو استئنافٌ ﴿مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ مطروداً من رحمة الله تعالى وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضُهم إلا مساهمتَهم في الغنائم ونحوِها ويأباه ما يقال إن السورةَ مكيةٌ سوى آياتٍ معينة
стр. 3363
﴿وَمَنْ أَرَادَ﴾ بأعماله ﴿الأخرة﴾ الدارَ الآخرةَ وما فيها من النعيمِ المقيم ﴿وسعى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي السعْيَ اللائقَ بها وهو الإتيانُ بما أُمر والانتهاءُ عما نُهيَ لا التقرّبُ بما يخترعون بآرائهم وفائدةُ اللام اعتبارُ النيةِ والإخلاص ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيماناً صحيحاً لا يخالطه شيءٌ قادحٌ فيه وإيرادُ الإيمانِ بالجملة الحالية للدِلالة على اشتراط مقارنتِه لما ذُكر في حيِّز الصلة ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصولِ بعنوان اتصافِه بما في حيز الصلة وما في ذلك من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبُعد منزلتِهم والجمعيةُ لمراعاة جانب المعنى إيماءً إلى أن الإثابة المفهومةَ من الخبر تقع على وجه الاجتماعِ أي أولئك الجامعون لما مر من الخصال الحميدةِ أعني إرادةَ الآخرةِ والسعيَ الجميلَ لها والإيمانَ ﴿كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ مقبولاً عند الله تعالى أحسنَ القَبول مُثاباً عليه وفي تعليق المشكوريّةِ بالسعْي دون قرينَيْهِ إشعارٌ بأنه العمدةُ فيها
стр. 3364
﴿كلا﴾ التنوين عوضٌ عن المضافِ إليهِ أي كلَّ واحدٍ من الفريقين لا الفريقِ الأخير المريد للخير الحقيقِ بالإسعاف فقط ﴿نُّمِدُّ﴾ أي نزيد مرة بعد مرة بحيث يكون الآنِفُ مدداً للسالف وما به الإمدادُ ما عُجّل لأحدهما من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلةِ المشارِ إليها بمشكورية السعي وإنما لم يصرحْ به تعويلاً على ما سبقَ تصريحاً وتلويحاً واتكالاً على ما لحِق عبارةً وإشارة كما ستقف عليه وقوله تعالى ﴿هَؤُلاء﴾ بدل من كلاًّ ﴿وَهَؤُلاء﴾ عطف عليه أي نُمد هؤلاء المعجَّلَ لهم وهؤلاءِ المشكورَ سعيُهم فإن الإشارةَ متعرّضةٌ لذات المشار إليه بماله من العنوان لا للذات فقط كالإضمار ففيه تذكيرٌ لما به الإمدادُ وتعيينٌ المضاف إليه المحذوفِ دفعاً لتوهّم كونِه أفرادَ الفريقِ الأخير وتأكيدٌ للقصر المستفادِ من تقديم
стр. 3365
الإسراء ٢١ ٢٢ المفعول وقوله تعالى ﴿مِنْ عَطَاء رَبّكَ﴾ أي من معطاه الواسعِ الذي لا تناهيَ له متعلقٌ بنُمد ومغْنٍ عن ذكر ما به الإمدادُ ومنبِّهٌ على أن الإمدادَ المذكورَ ليس بطريق الاستيجابِ بالسعي والعمل بل بمحض التفضل ﴿وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ﴾ أي دنيوياً كان أو أخروياً وإنما أُظهر إظهاراً لمزيد الاعتناءِ بشأنه وإشعاراً بعلّيته للحكم ﴿مَحْظُورًا﴾ ممنوعاً ممن يريده بل هو فائضٌ على مَن قُدّر له بموجب المشيئة المبينة على الحكمة وإن وُجد منه ما يقتضي الحظرَ كالكافر وهو في معنى التعليل لشمول الأمدادِ للفريقين والتَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ في الموضعين للإشعار بمبدئيتها لما ذُكر من الإمداد وعدم الحظر
следующие страницы →