Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
﴿واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ كتاب رَبّكَ﴾ ولا تسمَعْ لقولهم ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو بدِّلْه ﴿لَا مُبَدّلَ لكلماته﴾ لا قادرَ على تبديله وتغييره غيرُه ﴿وَلَن تَجِدَ﴾ أبدَ الدهر وإن بالغتَ في الطلب ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ملجأً تعدل إليه عند إلمام مُلِمّة
стр. 3537
﴿واصبر نَفْسَكَ﴾ احبِسها وثبِّتها مصاحِبةً ﴿مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى﴾ أي دائبين على الدعاء في جميع الأوقاتِ وقيل في طرف في النهار وقرئ بالغُدوة على أن إدخال اللام عليها وهي علمٌ في الأغلب على تأويل التنكيرِ بهم والمرادُ بهم فقراءُ المؤمنين مثلُ صُهيبٍ وعمار وخباب ونحوهم ﵃ وقيل أصحابُ الصُّفَّة وكانوا نحو سبعِمائة رجل قيل إنه قال قومٌ من رؤساء الكفرة لرسول الله ﷺ نحِّ هؤلاء المواليَ الذين كأن ريحَهم ريحُ الضأن حتى نجالسَك كما قال قومُ نوحٍ ﵇ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون فنزلت والتعبيرُ عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز
стр. 3538
الكهف ٢٩ الصلة من الخَصلة الداعيةِ إلى إدامة الصحبة ﴿يُرِيدُونَ﴾ بدعائهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ حالٌ من المستكنِّ في يدْعون أي مريدين لرضاه تعالى وطاعته ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي لا يجاوِزْهم نظرُك إلى غيرهم مِن عدَاه أي جاوزه واستعمالُه بعن لتضمينه معنى النبوِّ أولا تصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى غيرهم من عدَوتُه عن الأمر أي صرفتُه عنه على أن المفعولَ محذوف لظهوره وقرئ ولا تعد عينيك ولا تُعْدِ عينيك من الإعداء والتعدية ووالمراد نهيه ﷺ عن الازدراء بهم لرثاثة زِيِّهم طموحاً إلى زِيّ الأغنياء ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾ أي تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياءِ وأصحابِ الدنيا وهي حالٌ من الكاف على الوجه الأولِ من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها وضمير تريد للعينين وإسنادُ الإرادةِ إليه مجازٌ وتوحيدُه للتلازم كما في قوله ... لمن زحلوقة زُل ... بها العينان تنهلُّ ...
ومن المستكنّ في الفعل على القراءتين الأخيرتين ﴿وَلَا تطع﴾ في تحية الفقراءِ عن مجالسك ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ أي جعلناه غافلاً لبطلان استعدادِه للذكر بالمرة أو وجدناه غافلاً كقولك أجبَنْتُه وأبخلتُه إذا وجدتُه كذلك أو هو مِنْ أَغفلَ إبِلَه أي لم نسمِّه بالذكر ﴿عَن ذِكْرِنَا﴾ كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراءِ عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقاتِ وفيهِ تنبيهٌ على أن الباعثَ له على ذلك الدعاءِ غفلةُ قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكُه في الحسيات حتى خفيَ عليه أن الشرفَ بحِلْية النفس لا بزينة الجسد وقرئ أغفلَنا قلبُه على إسنادِ الفعلِ إلى القلب أي حسِبَنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة من أغفلتُه إذا وجدتُه غافلاً ﴿واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ضيَاعاً وهلاكاً أو متقدماً للحق والصواب نا بذاله وراءَ ظهره من قولهم فرسٌ فرُطٌ أي متقدِّمٌ للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريطِ فإن الغفلةَ عن ذكره سبحانه تؤدّي إلى اتباع الهوى المؤدِّي إلى التجاوز والتباعُدِ عن الحق والصواب والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلية مَا في حيزِ الصِّلةِ للنهي عن الإطاعة
стр. 3539
﴿وَقُلْ﴾ لأولئك الغافلين المتبعين هواهم ﴿الحق مِن رَّبّكُمْ﴾ أي ما أوحيَ إليَّ الحقُّ لا غيرُ كائناً من ربكم أو الحقُّ المعهودُ من جهة ربكم لا من جهتي حتى يُتصور فيه التبديلُ أو يُمكنَ الترددُ في اتباعه وقوله تعالى ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ إما من تمام القولِ المأمورِ بهِ والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه عليهِ كما في قولِهِ تعالى ﴿هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقوله تعالى الحق مِن رَّبّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين أي عَقيبَ تحقق أن ما أوحي إليَّ حقٌّ لا ريب فيه وأن ذلك الحقَّ من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن كسائر المؤمنين ولا يتعللَ بما لا يكاد يصلُح للتعليل ومن شاء أن يكفر به فليفعلْ وفيه من التهديد وإظهارِ الاستغناءِ عن متابعتهم وعدمِ المبالاةِ بهم وبإيمانهم وجودا وعدما مالا يخفى وإما تهديدٌ من جهة الله تعالى والفاءُ لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر لا على مضمون
стр. 3540
الكهف ٣٠ ٣١ المأمورِ به والمعنى قل لهم ذلك وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدِّقَك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفُر به أو يكذِّبَك فيه فليفعل فقوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ وعيدٌ شديدٌ وتأكيدٌ للتهديد وتعليلٌ لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يُفهم من ظاهر التخييرِ من عدم المبالاةِ بكفرهم وقلةِ الاهتمامِ بزجرهم عنه فإن إعدادَ جزائِه من دواعي الإملاءِ والأمهالِ وعلى الوجه الأول هو تعليلٌ للأمر بما ذكر من التخيير التهديديِّ أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا ﴿للظالمين﴾ أي هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه والتعبيرُ عنهم بالظاليمن للتنبيه على أن مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحد ووضعٌ للشيء في غير موضعِه ﴿نَارًا﴾ عظيمةً عجيبة ﴿أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أي يحيط بهم وإيثارُ صيغةِ الماضِي للدَلالة على التحققِ ﴿سرادقها﴾ أي فسطاطها شُبّه به ما يحيط بهم من النار وقيل السرادِقُ الحجرةُ التي تكون حول الفُسطاطِ وقيل سرادِقُها دُخانُها وقيل حائط من نار ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ من العطش ﴿يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل﴾ كالحديد المذاب وقيل كدُرْدِيِّ الزيت وهو على طريقة قوله فاعتُبوا بالصَّيْلم ﴿يَشْوِى الوجوه﴾ إذا قدم ليُشرَب انشوى الوجهُ لحرارته عنِ النبيِّ ﷺ هو كعَكَر الزيت فإذا قُرب إليه سقطت فروةُ وجهه ﴿بِئْسَ الشراب﴾ ذلك ﴿وَسَاءتْ﴾ النار ﴿مُرْتَفَقًا﴾ متكأً وأصل الاتفاق نصبُ المِرْفقِ تحت الخد وأنى ذلك في النار وإنما هو بمقابلة قوله تعالى ﴿وحسنت مرتفقا﴾
стр. 3541
﴿إن الذين آمنوا﴾ في محل التعليلِ للحث على الإيمان المنفهِم من التخيير كأنه قيل والذين آمنوا ولعل تغييرَ سبكه للإيذان بكمال تنافي مآليْ الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحيَ إليك ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ حسبما بين في تضاعيفه ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ خبرُ إن الأولى هي الثانيةُ مع ما في حيزها والراجعُ محذوفٌ أي من أحسنَ منهم عملاً أو مستغنًى عنه كما في قولك نعم الرجل زيدا أو واقعٌ موقعَه الظاهرَ فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هو الذين آمن وعمِل الصالحات
стр. 3542
﴿أولئك﴾ المنعوتون بالنعوت الجليلةِ ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ استئنافٌ لبيان الأجر أو هو الخبر وما بنيهما اعتراضٌ أو هو خبرٌ بعد خبر ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ من الأولى ابتدائيةٌ والثانيةُ بيانية صفةٌ لأساور والتنكيرُ للتفخيم وهو جمعُ أَسوِرة أو أسور جمع سِوار ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ خُصت الخُضرة بثيابهم لأنها أحسنُ الألوان وأكثرُها طراوة ﴿مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أي ممارق من الديباج وما غلظ جمعَ بين النوعين للدِلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفسُ وتلَذّ الأعين ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك﴾ على السرُر على ما هو شأن المتنعمين ﴿نِعْمَ الثواب﴾ ذلك ﴿وَحَسُنَتْ﴾ أي الآرائك ﴿مرتفقا﴾
стр. 3543
الكهف ٣٢ ٣٤ أي متكأ
стр. 3544
﴿واضرب لَهُم﴾ أي للفريقين الكافر والمؤمن ﴿مثلا رجلين﴾ مفعولان لا ضرب أولُهما ثانيهما لأنه المحتاجُ إلى التفصيل والبيان أي اضرب للكافرين والمؤمنين لا من حيث أحوالُهما المستفادةُ مما ذكر آنفاً من أن للأولين في الآخرة كذا وللآخرين كذا بل من حيث عصيانُ الأولين مع تقلبهم في نعم الله تعالى وطاعةِ الآخرين مع مكابدتهم مشاقَّ الفقر مثلاً حالَ رجلين مقدرَين أو محققَين هما أخوان من بني إسرائيلَ أو شريكان كافرٌ اسمُه قطروس ومؤمنٌ اسمه يهوذا اقتسما ثمانيةَ آلافِ دينار فاشترى الكافرُ بنصيبه ضِياعاً وعَقاراً وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه المبارِّ فآل أمرُهما إلى ما حكاه الله تعالى وقيل هما أخوان من نبي مخزومٍ كافرٌ هو الأسودُ بن عبد الأسد ومسلم هو أبو سلمة عبدَ اللَّه بنَ عبدِ الأسد زوجُ أم سلمة ﵂ أولاً ﴿جَعَلْنَا لاِحَدِهِمَا﴾ وهو الكفار ﴿جنتين﴾ بستانين ﴿مّنْ أعناب﴾ من كروم متنوعة والجملة بتمامها بيانٌ للتمثيل أو صفةٌ لرجلين ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي جعلنا النخل محيطةً بهما مؤزَّراً بها كرومُهما يقال حفّه القومُ إذا طافوا به وحففتُه بهم جعلتُهم حافّين حوله فيزيده الباء مفعولاً آخر كقولك غشَّيتُه به ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ وسطهما ﴿زَرْعًا﴾ ليكون كلٌّ منهما جامعاً للأفوات والفواكهِ متواصلَ العِمارة على الهيئة الرائقةِ والوضعِ الأنيق
стр. 3545
﴿كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا﴾ ثمرَها وبلغت مبلغاً صالحاً للأكل وقرئ بسكون الكاف وقرئ كلُّ الجنتين آتى أكُلَه ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ﴾ لم تنقُص من أُكُلها ﴿شَيْئاً﴾ كما يعهد ذلك في سائر البساتينِ فإن الثمارَ غالباً تكثُر في عام وتقِلُّ في آخر وكذا بعضُ الأشجارِ يأتي بالثمر في بعض الأعوامِ دون بعض ﴿وَفَجَّرْنَا خلالهما﴾ فيما بين كلَ من الجنتين ﴿نَهَراً﴾ على حِدَة ليدوم شربهما ويزيد بهاؤهما وقرئ بالتخفيف ولعل تأخير ذكر تفجيرِ النهر عن ذكر إيتاء الكل مع أن الترتيب الخارجيَّ على العكس للإيذان باستقلال كلَ من إيتاء الأكل وتفجيرِ النهر في تكميل محاسنِ الجنتين كما في قصة البقرة ونحوها ولو عكس لا نفهم أن المجموعَ خَصلةٌ واحدة بعضُها مترتبٌ على بعض فإن إيتاءَ الأكلِ متفرِّعٌ على السقْي عادةً وفيه إيماءٌ إلى أن إيتاء الأكلِ لا يتوقف على السقى كقوله تعالى ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء﴾ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
стр. 3546
﴿وَكَانَ لَهُ﴾ لصاحب الجنتين ﴿ثَمَرٌ﴾ أنواعٌ من المال غيرُ الجنتين من ثمر مالَه إذا كثّره قال ابن عباس ﵄ هو جميعُ المال من الذهب والفضة والحيوانِ وغير ذلك وقال مجاهد هو الذهبُ والفضة خاصة ﴿فَقَالَ لصاحبه﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ﴾ أي القائلُ ﴿يحاوره﴾ أي صاحبَه المؤمنَ وإن جاز العكسُ أي يراجعه في الكلام من حار إذا رجع ﴿أنا أكثر منك مالا وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ حشَماً وأعواناً أو أولاداً ذُكوراً لأنهم الذين ينفرون معه
стр. 3547
الكهف
стр. 3548
٣٥ - ٣٨ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ التي شُرحت أحوالها وعددها وصفانها وهيآتُها وتوحيدها إما لعدم تعلق الغرض بتعدادها وإما لاتصال إحداهما بالأخرى وإما لأن الدخولَ يكون في واحدة فواحدة ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ﴾ ضارٌّ لها بعُجبه وكفره ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من ذكر دخولِ جنته حالَ ظلمِه لنفسه كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ إذ ذاك فقيل قال ﴿مَا أظن أن تبيد هذه﴾ الجنةُ أي تفنى ﴿أَبَدًا﴾ لطول أملِه وتمادي غفلتِه واغترارِه بمُهلته ولعله إنما قاله بمقابلة موعظةِ صاحبِه وتذكيرِه بفناء جنّتيه ونهيِه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الباقيات الصالحات
стр. 3549
﴿وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ كائنةً فيما سيأتي ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ﴾ بالبعث عند قيامها كما تقول ﴿إلى رَبّى لاجِدَنَّ﴾ يومئذ ﴿خَيْراً مّنْهَا﴾ أي من هذه الجنةِ وقرئ منهما أي من الجنتين ﴿مُنْقَلَباً﴾ مرجعاً وعاقبةً ومدارُ هذا الطمعِ واليمينِ الفاجرةِ اعتقادٌ أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامتِه عليه سبحانه ولم يدرِ أن ذلك استدراجٌ
стр. 3550
﴿قَالَ لَهُ صاحبه﴾ استئناف كما سبق ﴿وَهُوَ يحاوره﴾ جملةٌ حاليةٌ كما مر فائدتُها التنبيهُ من أول الأمر على أن ما يتلوه كلامٌ معتنًى بشأنه مسوقٌ للمحاورة ﴿أَكَفَرْتَ﴾ حيث قلت ما أظن الساعةَ قائمةً ﴿بالذى خَلَقَكَ﴾ أي في ضمن خلقِ أصلِك ﴿مّن تُرَابٍ﴾ فإن خلقَ آدمَ ﵇ منه متضمّنٌ لخلقه منه لِما أن خلقَ كلَّ فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من خلقه ﵇ إذ لم تكن فطرته الشريفة مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستنبعا لجَرَيان آثارِها على الكل فكان خلقَه ﵇ من الترابِ خلقا للكل منه وقيل خلقَك منه لأنه أصلُ مادتِك إذ به يحصُل الغذاءُ الذي منه تحصل النطفةُ فتدبر ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ هي مادتُك القريبة فالمخلوقُ واحدٌ والمبدأُ متعددٌ ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي عَدلك وكمّلك إنساناً ذكراً أو صيّرك رجلاً والتعبيرُ عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية مَا في حيزِ الصِّلةِ لإنكار الكفرِ والتلويحِ بدليل البعثِ الذي نطَق به قولُه عز من قائل يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ الخ
стр. 3551
﴿لكن هُوَ الله رَبّى﴾ أصله لكن إنا وقد قرئ كذلك فحُذفت الهمزةُ فتلاقت النونان فكان الإدغام وهو ضميرُ الشأن وهو مبتدأٌ خبرُه الله ربي وتلك الجملةُ خبرُ أنا والعائدُ منها إليه الضمير وقرئ بإثبات ألفِ أنا في الوصل وفي الوقف جميعاً وفي الوقف خاصة وقرئ لكنه بالهاء ولكن بطرح أنا ولكن أنا لا إله إلا هو ربي ومدارُ الاستدراك قوله تعالى أَكَفَرْتَ كأنه قال أنت كافرٌ لكني مؤمنٌ موحّد ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا﴾ فيه إيذانٌ بأن كفرَه كان
стр. 3552
الكهف ٣٩ ٤٢ بطريق الإشراك
стр. 3553
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ أي هلاّ قلت عندما دخلتَها وتقديمُ الظرف على المحضَّض عليه للإيذان بتحتّم القولِ في آن الدخولِ من غير ريث لا للقصر ﴿مَا شَاء الله﴾ أي الأمرُ ما شاء الله أو ما شاء الله كأن على أن ما موصولةٌ مرفوعةُ المحلِّ أو أيَّ شيء شاء الله كان على أنها شرطيةٌ منصوبةٌ والجوابُ محذوفٌ والمرادُ تحضيضُه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها ﴿لَا قُوَّةَ إِلَاّ بالله﴾ أي هلا قلت ذلك اعترافاً بعجزك وبأن ما تيسر لك من عِمارتها وتدبيرِ أمرِها إنما هو بمعونته تعالى وإقداره عنِ النبيِّ ﷺ من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضُرَّه ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا﴾ أنا إما مؤكدٌ لياء المتكلمِ أو ضميرُ فصْلٍ بين مفعولي الرؤيةِ إن جعلت عملية وأقلَّ ثانيهما وحالٌ إن جُعلت بصَريةً فيكون أنا حينئذ تأكيداً لا غيرُ لأن شرطَ كونِه ضميرَ فصلٍ توسطُه بين المبتدأ والخبرِ أو ما أصلُه المبتدأ والخبر وقرئ أقلُّ بالرفع خبراً لأنا والجملةُ مفعولٌ ثانٍ للرؤية أو حالٌ وفي قوله تعالى وَوَلَدًا نُصرةٌ لمن فسر النفرَ بالولد
стр. 3554
﴿فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ﴾ هو جوابِ الشرطِ والمعنى إنْ ترنِ أفقرَ منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلِبَ ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزُقني لإيماني جنةً خيراً من جنتك ويسلُبَك لكفرك نعمتَه ويُخْرِب جنتك ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا﴾ هو مصدرٌ بمعنى الحِساب كالبُطلان والغفران أي مقداراً قدره الله تعالى وحسَبه وهو الحكمُ بتخريبها وقيل عذابَ حُسبانٍ وهو حسابُ ما كسبت يداه وقيل مَراميَ جمعُ حسبانا وهي الصواعقُ ومساعدة النظمِ الكريم فيما سيأتي للأولين أكثر ﴿مِّنَ السماء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ مصدرٌ أُريد به المفعولُ مبالغةً أي أرض ملساء يُزْلَق عليها لاستئصال ما عليها من البناء والشجر والنبات
стр. 3555
﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ عطف على قوله تعالى فَتُصْبِحُ وعلى الوجه الثالث على يرسلَ ﴿مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي غائراً في الأرض أُطلق عليه المصدر المبالغة ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ﴾ أبداً ﴿لَهُ﴾ أي للماء الغائرِ ﴿طَلَبًا﴾ فضلاً عن وجدانه وردِّه
стр. 3556
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أُهلك أموالُه المعهودةُ من جنتيه وما فيهما وأصلُه من إحاطة العدوِّ وهو عطفٌ على مقدر كأنه قيل فوقع بعضُ ما توقع من المحذور وأُهلك أمواله وإنما حذف لدلالة السياق والسياقِ عليه كما في المعطوف عليه بالفاء الفصيحة ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ﴾ ظهراً لبطن وهو كنايةٌ عن الندم كأنه قيل فأصبح يندم ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي في عِمارتها من المال لعل تخصيصَ الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنه إنما يكون على الأفعال الاختياريةِ ولأن ما أتفق في عمارتها كان
стр. 3557
الكهف ٤٣ ٤٥ مما يمكن صيانتُه عن طوارق الحدَثانِ وقد صرفه إلى مصالحها رجاء أي يتمتع بها أكثر مما يتمتعَ به وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردَى ولذلك قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاكُ ندم على ما صنع بناءً على الزعم الفاسدِ من إنفاق ما يمكن ادخارُه في مثل هذا الشيءِ السريع الزوال ﴿وَهِىَ﴾ أي الجنةُ من الأعناب المحفوفةِ بنخل ﴿خَاوِيَةٍ﴾ ساقطةٌ ﴿على عُرُوشِهَا﴾ أي دعائمها المصنوعةِ للكروم لسقوطها قبل سقوطِها وتخصيصُ حالها بالذكر دون النخل والزرعِ إما لأنها العُمدةُ وهما من متمماتها وإما لأن ذكرَ هلاكِها مغنٍ عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مُشيَّدةٌ بعروشها فهلاكُ ما عداها بالطريق الأولى وإما لأن الإنفاقَ في عمارتها أكثرُ وقيل أرسل الله تعالى نارا فأحرقتها وغار ماؤُها ﴿وَيَقُولُ﴾ عطف على يقلّب أو حالٌ من ضميرِه أي وهو يقول ﴿يا ليتني لم أشرِك بِرَبّى أَحَدًا﴾ كأنه تذكر موعظةَ أخيه وعلم أنه إنما أُتيَ من قِبل شِرْكِه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يُصبْه ما أصابه قبل ويحتمل أن يكون ذلك توبةً من الشرك وندَماً على ما فرَط منه
стр. 3558
﴿ولم تكن له﴾ وقرئ بالتاء التحتانية ﴿فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ﴾ يقدِرون على نصره بدفع الإهلاكِ وعلى رد المهلك والإتيان بمثله وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى كما في قوله عز وعلا يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ ﴿من دون الله﴾ أنه القادرُ على ذلك وحده ﴿وَمَا كَانَ﴾ في نفسه ﴿مُنْتَصِراً﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقامه سبحانه
стр. 3559
﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المقامِ وفي تلك الحال ﴿الولاية لله الحق﴾ أي النصر له وحده لا يقدِر عليها أحدٌ فهو تقريرٌ لما قبله وينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمنَ ويعضُده قوله تعالى ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي لأوليائه وقرأ الولاية بكسر الواو ومعناه الملك والسلطان أي هنالك السلطان له لا يُغلَب ولا يُمتَنع منه أو لا يُعبد غيره كقوله تعالى فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فيكون تنبيهاً على أن قوله ﴿يا ليتني لم أشرِك﴾ الخ كان عن اضطرار وجزَعٍ عمّا دهاه على أسلوب قوله تعالى الآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ من المفسدين وقيل هناك إشارةٌ إلى الآخرة كقوله تعالى ﴿لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الواحد القهار﴾ وقرئ برفع الحقِّ على أنه صفة الولاية وبنصبه على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ وقرئ عقبا بضم القاف وعقبا كرُجعى والكلُّ بمعنى العاقبة
стр. 3560
﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ أي واذكر لهم ما يُشبهها في زَهْرتها ونَضارتها وسرعةِ زوالها لئلا يطمئنوا بها وليعكفوا عليها ولا يَضرِبوا عن الآخرة صفحاً بالمرة أو بيِّنْ لهم صفتَها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثَل ﴿كَمَاء﴾ استئنافٌ لبيان المثَل أي هي كَمَاء ﴿أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء﴾ ويجوز كونه مفعولا ثانيا لا ضرب على أنه بمعنى صيّر ﴿فاختلط به﴾ اشتبك بسبيه ﴿نَبَاتُ الارض﴾
стр. 3561
فالتفّ وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه أو نجَع الماءُ في النبات حتى رو ورفّ فمقتضى الظاهرِ حينئذ فاختلط بنبات الأرض وإيثارُ مَا عليهِ النظمُ الكريم عليه للمبالغة بالكثرة فإن كلا المختلِطَين موصوفٌ بصفة صاحبِه ﴿فَأَصْبَحَ﴾ ذلك النباتُ الملتفُّ إثرَ بهجتها ورفيفِها ﴿هَشِيمًا﴾ مهشوماً مكسوراً ﴿تَذْرُوهُ الرياح﴾ تفرقه وقرئ تُذْريه من أذراه وتذروه الريحُ وليس المشبَّهُ به نفسَ الماء بل هو الهيئةُ المنتزَعةُ من الجملة وهي حالُ النبات المُنبَتِ بالماء يكون أخضرَ وارفاً ثم هشيماً تطيِّره الرياحُ كأن لم يغن بالأمس ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شىء﴾ من الأشياء التي من جملتها الإنشاءُ والإفناءُ ﴿مُّقْتَدِرًا﴾ قادراً على الكمال
стр. 3562
﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ بيانٌ لشأن ما كانوا يفتخِرون به من محسّنات الحياة الدنيا كما قال الأخُ الكافرُ أنا أكثر منك مالا وأعز نفراً إثرَ بيانِ شأن نفسها بما مر من المثَل وتقديمُ المال على البنين مع كونهم أعز منه كما في الآية المحكية آنفاً وقولِه تعالى ﴿وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ﴾ وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمدادِ وغيرِ ذلك وعمومِه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات فإنه زينةٌ ومُمِدٌّ لكل أحدٍ من الآباء والبنين في كل وقت وحينٍ وأما البنون فزينتُهم وإمدادُهم إنما يكون بالنسبة إلى مَنْ بلغ مبلغَ الأُبوةِ ولأن المالَ مناطٌ لبقاء النفسِ والبنين لبقاء النوع ولأن الحاجةَ إليه أمسُّ من الحاجة إليهم ولأنه أقدم منهم في الوجود ولأنه زينةٌ بدونهم من غير عكس فإن من له بنونَ بلا مال فهو في ضيقِ حالٍ ونكال وإفرادُ الزينة مع أنها مسنَدةٌ إلى الإثنين لما أنها مصدرٌ في الأصل أُطلق على المفعول مبالغة كأنهما نفسُ الزينة والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيءٌ يُتزيّن به في الحياة الدنيا وقد عُلم شأنُها في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال فكيف بما هو من أوصافها التي شأنُها أن تزول قبل زوالِها ﴿والباقيات الصالحات﴾ هي أعمالُ الخير وقيل هي في الصلواتُ الخمسُ وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ وقيل كلُّ ما أريد به وجهُ الله تعالى وعلى كل تقدير يدخُل فيها أعمالُ فقراءِ المؤمنين الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى يريدون وجهَه دخولاً أولياً أما صلاحُها فظاهر وأما بقاؤها فبقاء عوائدِها عند فناءِ كلِّ ما تطمح إليه النفسُ من حظوظ الدنيا ﴿خَيْرٌ﴾ أي مما نُعت شأنُه من المال والبنين وإخراجُ بقاءِ تلك الأعمالِ وصلاحِها مُخرَجَ الصفات المفروغِ عنها مع أن حقهما أي يكون مقصودَي الإفادةِ لا سيما في مقابلة إثباتِ الفناء لما يقابلها من المال والبنين على طريقة قوله تعالى ما عندكم ينفذ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ للإيذان بأن بقاؤها أمرٌ محقّقٌ لا حاجةَ إلى بيانه بل لفظُ الباقيات اسم له وصفٌ ولذلك لم يُذكر الموصوفُ وإنما الذي يُحتاج إلى التعرض له خيرتها ﴿عِندَ رَبّكَ﴾ أي في الآخرة وهو بيانٌ لما يظهر فيه آثار خيرتها بمنزلة إضافة الزينةِ إلى الحياة الدنيا لا لأفضليتها فيها من المال والبنين مع مشاركة الكلِّ في الأصل إذ لا مشاركةَ لهما في الخيرية في الآخرة ﴿ثَوَاباً﴾ عائدةً تعود إلى صاحبها ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ حيث ينال بها صاحبُها في الآخرة كلَّ ما كان يؤمله في الدنيا
стр. 3563
الكهف ٤٧ ٤٨ وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه أملا يناله وتكريرُ خيرٌ للإشعار باختلاف حيثية الخيرية والمبالغةِ فيها
стр. 3564
﴿وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال﴾ منصوبٌ بمضمر أي اذكرْ حين نقلَعُها من أماكنها ونسيّرها في الجوِّ على هيئاتِها كما ينبئ عنه قولُه تعالى وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب أو نسير أجزاءَها بعد أن نجعلها هباءً مُنْبَثّاً والمرادُ بتذكيره تحذيرُ المشركين مما فيه من الدواهي وقيل هو معطوفٌ على ما قبله من قوله تعالى ﴿عِندَ رَبّكَ﴾ أي الباقياتُ الصالحات خيرٌ عند الله ويوم القيامة وقرئ تُسيَّر على صيغة البناءِ للمفعولِ من التفعيلِ جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعينه وقرئ تَسِير ﴿وَتَرَى الأرض﴾ أي جميعَ جوانبها والخطابُ لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤيا وقرئ تُرَى على صيغة البناء للمفعول ﴿بَارِزَةً﴾ أما بروزُ ما تحت الجبال فظاهرٌ وأما ما عاداه فكانت الجبالُ تحول بينه وبين الناظرِ قبل ذلك فالآن أضحى قاعاً صفْصِفاً لنرى فيها ولا أمة ﴿وحشرناهم﴾ جمعناهم إلى الموقف من كل أَوْب وإيثارُ صيغةِ الماضي بعد نسيّر وتَرى للدِلالة على تحقق الحشْرِ المتفرِّع على البعث الذي يُنكره المنكرون وعليه يدورُ أمرُ الجزاءِ وكذا الكلام فيما عطف عليه منفياً وموجَباً وقيل هو للدَّلالة على أن حشْرهم قبل التسيير والبروزِ ليعاينوا تلك الأهوالَ كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي لم نترُك ﴿مّنْهُمْ أَحَداً﴾ يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدْرُ الذي هو تركُ الوفاءِ والغديرُ الذي هو ماءٌ يتركه السيلُ في الأرض الغائرة وقرئ بالياء وبالفوقانية على إسنادِ الفعلِ إلى ضمير الأرض كما في قوله تعالى وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
стр. 3565
﴿وَعُرِضُواْ على رَبّكَ﴾ شُبّهت حالُهم بحال جندٍ عُرضوا على السلطان ليأمُر فيهم بما يأمُر وفي الالتفات إلى الغَيبة وبناءِ الفعل للمفعول مع التعرض لعنوان الربوبيةِ والإضافةِ إلى ضميره ﷺ من تربية المهابةِ والجَرْيِ على سَنن الكِبرياء وإظهار اللطف به ﷺ ما لا يخفى ﴿صَفَّا﴾ أي غيرَ متفرِّقين ولا مختلِطين فلا تعرّض فيه لوَحدة الصفِّ وتعدّدِه وقد ورد في الحديث الصحيح يجمع الله الأولين والآخِرين في صعيد واحد صُفوفاً ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار القولِ على وجه يكون حالاً من ضمير عُرضوا أي مقولة لهم أو وقلنا لهم وأما كونُه عاملاً في يومَ نسيّر كما قيل فبعيدٌ من جزالة التنزيلِ الجليلِ كيف لا ويلزم منه أن هذا القولَ هو المقصودُ بالأصالة دون سائر القوارعِ مع أنه خاصُّ التعلق بما قبله من العَرض والحشر دون تسييرِ الجبال وبروزِ الأرض ﴿كَمَا خلقناكم﴾ نعتٌ لمصدر مقدّرٍ أي مجيئاً كائناً مجيئكم عند خلْقِنا لكم ﴿أَوَّلَ مرة﴾ أوحال من ضمير جئتمونا أي كائنين كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ حُفاةً عُراة غُرْلاً أو ما معكم شيءٌ مما تفتخرون به من الأموال والأنصار كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ فرادى ﴿كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من كلام إلى كلام كلاهما للتوبيخ
стр. 3566
الكهف ٤٩ ٥٠ والتقريعِ أي زعمتم في الدنيا أنه لن نجعلَ لكم أبداً وقتاً نُنْجز فيه ما وعدناه من البعث وما يتبعه وأنْ مخففةٌ من المثقلة فُصِل بحرف النفي بينها وبين خبرِها لكونه جملةً فعليةً متصرِّفةً غيرَ دعاءٍ والظرفُ إما مفعولٌ ثانٍ للجعل وهو بمعنى التصييرِ والأولُ هو موعداً أو حال من موعد أو هو بمعنى الخلق والإبداعِ
стр. 3567
﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ عطف على عُرضوا داخلٌ تحت الأمورِ الهائلة التي أريد تذكيرُها بتذكير وقتِها أُورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي دَلالة على التقرر أيضاً أي وُضع صحائفُ الأعمالِ وإيثارُ الإفرادِ للاكتفاء بالجنس والمرادُ بوضعها إما وضعُها في أيدي أصحابِها يميناً وشمالاً وإما في الميزان ﴿فَتَرَى المجرمين﴾ قاطبةً فيدخل فيهم الكفرةُ المنكِرون للبعث دخولاً أولياً ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من الجرائم والذنوب ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عند وقوفِهم على ما في تضاعيفه نقيراً وقطميرا ﴿يا ويلتنا﴾ منادين لهِلَكتهم التي هلكوها من بين الهلَكات مستدْعين لها ليهلِكوا ولا يرَوا هول ما لقوه أي يا ويلتَنا احضُري فهذا أوانُ حضورِك ﴿مَا لهذا الكتاب﴾ أي أيُّ شيء له وقولُه تعالى ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا﴾ أي حواها وضبطَها جملةٌ حاليةٌ محقِّقةٌ لما في الجملة الاستفهاميةِ من التعجب أو استئنافيةٌ مبنيّةٌ على سؤال نشأ من التعجب كأنه قيل ما شأنُه حتى يُتعجَّب منه فقيل لا يغادر سيئةً صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ﴾ في الدنيا من السيئات أو جزاءَ ما عملوا ﴿حَاضِرًا﴾ مسطوراً عتيداً ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ فيكتب ما لم يُعمَل من السيئات أو يزيد في عقابه المستحَّقِ فيكون إظهاراً لِمَعْدلة القلمِ الأزلي
стр. 3568
﴿وإذ قُلْنَا للملائكة﴾ أي اذكر وقتَ قولِنا لهم ﴿اسجدوا لاِدَمَ﴾ سجودَ تحيةٍ وتكريم وقد مر تفصيلُه ﴿فَسَجَدُواْ﴾ جميعاً امتثالاً بالأمر ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ فإنه لم يسجُد بل أبى واستكبر وقوله تعالى ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ كلام مستئنف سبق مساقَ التعليلِ لما يفيده استثناءُ اللعين من الساجدين كأنه قيل ماله لم يسجُد فقيل كان أصلُه جنيًّا ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ﴾ أي خرج عن طاعته كما ينبئ عنه الفاءُ أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمرِ الله تعالى إذ لولاه أبى وتعرض لوصف الربوبيةِ المنافية للفسق لبيان كمال قبح ما فعله والمرادُ بتذكير قصّتِه تجديد النكيرِ على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالِهم المستنكفين عن الانتظامِ في سلكِ فقراءِ المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنه في ذلك تابعون لتسويله كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ الخ فإن الهمزةَ للإنكار والتعجيب والفاء للتعقيب والفاء أي أعَقيبَ علمِكم بصدور تلك القبائحِ عنه تتخذونه ﴿وذريته﴾ أي وأولاده وأتباعَه جعلوا ذريتَه مجازاً قال قتادة يتوالدون كما يتوالد بنو آدمَ وقيل يُدخل ذنبَه في دُبُره فيبيض فتنفلق البيضةُ عن جماعة من الشياطين ﴿أَوْلِيَاء من دوني﴾ فتستبدلونه بي فتطيعونهم
стр. 3569
الكهف ٥١ بدَل طاعتي ﴿وَهُمْ﴾ أي والحال أن إبليسَ وذريته ﴿لكم عدو﴾ أي أعداءكما في قولِهِ تعالَى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلَاّ رَبَّ العالمين وقوله تعالى هُمُ العدو وإنما فُعل به ذلك تشبيها له بالمصدر نحو القبول والولوع وتقيد الاتخاذِ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكارِ وتشديدِه فإن مضمونَها مانعٌ من وقوع الاتخاذِ ومنافٍ له قطعاً ﴿بِئْسَ للظالمين﴾ أي الواضعين للشيء في غير موضعِه ﴿بَدَلاً﴾ من الله سبحانه إبليسُ وذريتُه وفي الالتفات إلى الغَيبة مع وضع الظالمين موضعَ الضمير من الإيذان بكمال السُخطِ والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلمٌ قبيح ما لا يخفى
стр. 3570
﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ﴾ استئنافٌ مَسوق لبيان عدمِ استحقاقِهم للاتخاذ المذكورِ في أنفسهم بعد بيانِ الصوارفِ عن ذلك من خباثة المَحتِد والفسق والعداوة أي ما أحضَرْتُ إبليس وذريته ﴿خلق السماوات والأرض﴾ حيث خلقتُهما قبل خلقِهم ﴿وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ أي ولا أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعض كقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ هذا ما أجمع عليه الجمهورُ حِذاراً من تفكيك الضميرين ومحافظةً على ظاهر لفظ الأنفس ولك أن تُرجع الضميرَ الثانيَ إلى الظالمين وتلتزمَ التفكيكَ بناءً على قَوْد المعنى إليه فإن نفيَ إشهادِ الشياطين خلقَ الذين يتولَّونهم هُو الذي يدورُ عليه إنكارُ اتخاذهم أولياء بنا على أن أدنى ما يصحح التوليَ حضورُ الوليِّ خلقَ المتولى وحيث لا حضورَ لا مصحِّحَ للتولي قطعا وأما نفي إشهاد بعضِ الشياطينِ خلقَ بعض منهم فليس من مدارية الإنكارِ المذكور في شيء على أن إشهادَ بعضهم خلقَ بعض إن كان مصحِّحاً لتولي الشاهدِ بناءً على دِلالته على كماله باعتبار أن له مدخلاً في خلق المشهودِ في الجملة فهو مُخِلٌّ بتولي المشهودِ بناء على قصوره عمّن شهِد خلقَه فلا يكون نفيُ الإشهادِ المذكورِ متمحّضاً في نفي الكمالِ المصحِّح للتولي عن الكل والمناط للإنكار المذكور ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين﴾ أي متّخذَهم وإنما وُضع موضعَه المظهرُ ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لما سبق من إنكار اتخاذِهم أولياءَ ﴿عَضُداً﴾ أعواناً في شأن الخلقِ أو في شأن من شئوني حتى يُتوهّم شِرْكتُهم في التولي بناء على الشركة في بعض أحكامِ الربوبية وفيه تهكمٌ بهم وإيذانٌ بكمال ركاكةِ عقولِهم وسخافةِ آرائِهم حيث لا يفهمون هذا الأمرَ الجليَّ الذي لا يكاد يشتبه على البُلْه والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به وإيثارُ نفي الإشهاد على نفي شهودِهم ونفي اتخاذِهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون تحت قدرتِه تعالى تابعون لمشيئته وإرادتِه فيهم وأنهم بمعزل من استحقاق الشهودِ والمعونة من تلقاء أنفسِهم من غير إحضارٍ واتخاذ وإنما قُصارى ما يتوهم في شأنهم أن يبلُغوا ذلك المبلغَ بأمر الله ولم يكد ذلك يكون وقيل الضميرُ للمشركين والمعنى ما أشهدتم خلقَ ذلك وما أطلعتُهم على أسرار التكوينِ وما خصَصْتُهم بفضائلَ لا يَحويها غيرُهم حتى يكونوا قدوةً للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعُمون فلا يُلتفت إلى قولهم طمعاً في نُصرتهم الدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضِدَ بالمُضِلّين ويعضُده القراءةُ بفتح التاءِ خطاباً لرسول الله ﷺ والمعنى ما صح لك الاعتضادُ بهم ووصفُهم بالإضلال
стр. 3571
الكهف ٥٢ ٥٥ لتعليل نفي الاتخاذ وقرئ متّخِذاً المُضلّين على الأصل وقرئ عُضْداً بضم العين وسكون الضاد وبفتح وسكون بالتخفيف وبضمتين بالاتباع وبفتحتين على أنه جمع عاضد كرَصَد وراصد
стр. 3572
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي الله للكافرين توبيخا وتعجيزا وقرئ بنون العظمة ﴿نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شفعاؤُكم ليشفعوا لكم والمرادُ بهم كلُّ ما عُبد من دونه تعالى وقيل إبليسُ وذرِّيتُه ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أي نادَوهم للإغاثة وفيه بيانٌ لكمال اعتنائِهم بإعانتهم على طريقة الشفاعةِ إذ معلومٌ أن لا طريقَ إلى المدافعة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ فلم يُغيثوهم إذ لا إمكان لذلك وفي إراده مع ظهوره تهكمٌ بهم وإيذانٌ بأنهم في الحماقه بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم﴾ بين الداعين والمدعوّين ﴿مَّوْبِقاً﴾ اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ من وبَق وُبوقاً كوثب وثوبا أو وبِق وبَقاً كفرح فرحاً إذا هلَك أي مهلِكاً يشتركون فيه وهو النارُ أو عداوة هي في الشدة نفسُ الهلاك كقول عمر ﵁ لا يكن حبُّك كلَفاً ولا بغضُك تلَفاً وقيل البينُ الوصلُ أي وجعلنا تواصلَهم في الدنيا هلاكاً في الآخرة ويجوز أن يكون المرادُ بالشركاء الملائكةَ وعزيراً وعيسى ﵈ ومريمَ وبالمَوْبق البرزخَ البعيدَ أي جعلنا بينهم أمداً بعيداً يُهلِك فيه الأشواطُ لفرط بعدهم لأنهم في قعر جهنمَ وهم في أعلى الجنان
стр. 3573
﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ وُضع المُظْهر مقامَ المُضْمَر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك ﴿فَظَنُّواْ﴾ أي فأيقنوا ﴿أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ مخالطوها واقعون فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد أنهم مواقعوها الساعةَ ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ انصرافاً أو معدِلاً ينصرفون إليه
стр. 3574
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي كررنا وأوردنا على وجوه كثيرةٍ من النظم ﴿فِى هذا القرآن لِلنَّاسِ﴾ لمصلحتهم ومنفعتِهم ﴿مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ من جملته ما مر مِن مَثَل الرجلين ومثَل الحياةِ الدنيا أو من كل نوعٍ من أنواع المعاني البديعةِ الداعيةِ إلى الإيمان التي هي في الغرابة والحسنِ واستجلابُ النفسِ كالمَثَل ليتلقَّوْه بالقَبول فلم يفعلوا ﴿وَكَانَ الإنسان﴾ بحسب جِبِلّته ﴿أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً﴾ أي أكثرَ الأشياءِ التي يتأتى منها الجدل وهو ههنا شدةُ الخُصومةِ بالباطل والمماراةِ من الجدْل الذي هو الفتْلُ والمجادلةُ الملاواةُ لأن كلاًّ من المجادِلَين يلتوي على صاحبه وانتصابُه على التمييز والمعنى أن جد له أكثرُ من جدَل كلِّ مجادل
стр. 3575
﴿وَمَا مَنَعَ الناس﴾ أي أهلَ مكةَ الذين حُكيت أباطيلُهم ﴿أَن يُؤْمِنُواْ﴾ من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا ما هم فيه من الإشراك ﴿إِذْ جَاءهُمُ الهدى﴾ أي القرآنُ العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبةِ له ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ﴾ عما فرَط منهم من أنواع الذنوب
следующие страницы →