Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
﴿قَالَ﴾ أي الخضِرُ ﵊ ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ﴾ على إضافة المصدر إلى الظرف اتساعا وقد قرئ على الأصل والمشارُ إليه إما نفسُ الفِراق كما في هذا أخوك أو الوقتُ الحاضرُ أي هذا الوقتُ وقتُ فراق بيني وبينِك أو السؤالُ الثالث أي هذا سببُ ذلك الفراقِ حسبما هو الموعودُ ﴿سَأُنَبّئُكَ﴾ السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ التأويلُ رجْعُ الشيءِ إلى مآله والمراد به ههنا المآلُ والعاقبةُ إذ هو المنبَّأُ به دون التأويل وهو خلاصُ السفينة من اليد العادِيَة وخلاصُ أبوَي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسنِ واستخراجُ اليتيمين للكنز وفي جعل صلةِ الموصول عدمَ استطاعةِ موسى ﵊ للصبر دون أن يقال بتأويل ما فعلتُ أو بتأويل ما رأيتَ ونحوِهما نوع تعريض به ﵊ وعتاب
стр. 3607
﴿أَمَّا السفينة﴾ التي خرقتُها ﴿فَكَانَتْ لمساكين﴾ لضعفاءَ لا يقدرون على مدافعة الظَّلَمة وقيل كانت لعشرة إخوةٍ خمسة منهم زمنى وخمسة ﴿يَعْمَلُونَ فِى البحر﴾ وإسنادُ العمل إلى الكل حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكِّلين ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي أجعلها ذاتَ عيب ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ أي أمامهم وقد قرئ به أو خلفَهم وكان رجوعهم
стр. 3608
الكهف ٨٠ عليه لا محالة واسمه جَلَندَي بنُ كركر وقيل منولة بن جلندي الأزْدي ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أي صالحة وقد قرئ كذلك ﴿غَصْباً﴾ من أصحابها وانتصابُه على أنه مصدرٌ مبينٌ لنوع الأخذ ولعل تفريعَ إرادةِ تعييب السفينةِ على مسكنة أصحابِها قبل بيان خوفِ الغصْب مع أن مدارَها كلا الأمرين للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجةُ إلى التأويل وللإيذان بأن الأقوى في المدارية هو الأمرُ الأولُ ولذلك لا يبالي بتخليص سفنِ سائرِ الناس مع تحقق خوفِ الغصبِ في حقهم أيضاً ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرِها مع توهم رجوعِه إلى الأقرب
стр. 3609
﴿وأما الغلام﴾ الذي قتله ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ لم يصرح بكفرانه أو بكفره إشعاراً بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ فخِفنا أن يغْشَى الوالدَين المؤمنَين ﴿طُغْيَانًا﴾ عليهما ﴿وَكُفْراً﴾ لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعِه ويُلحق بهما شراً وبلاءً أو يُقرَنَ بإيمانهما طغيانُه وكفره فيجتمَع في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٌ أو يُعدِيَهما بدائه ويُضلّهما بضلاله فيرتدّا بسببه وإنما خشي الخضر ﵊ منه ذلك لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وقرئ فخاف ربك أي كره سبحانه كراهةَ مَن خاف سوء عاقبة الأمر فغيّره ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورة على الحكاية بمعنى فكرِهنا كقوله تعالى لاِهَبَ لَكِ
стр. 3610
﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً﴾ منه بأن يرزُقهما بدلَه ولداً خيراً ﴿مِنْهُ﴾ وفي التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما مالا يَخفْى من الدلالةِ على إرادة وصولِ الخير إليهما ﴿زكاة﴾ طهارةً من الذنوب والأخلاق الرديئة ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي رحمةً وعطفاً قيل وُلدت لهما جارية تزوجها نبيا فولدت نبيا هدى الله تعالى على يديه أمةً من الأمم وقيل ولدت سبعين نبياً وقيل أبدلهما ابناً مؤمناً مثلَهما وقرئ يبدلهما بالتشديد وقرئ رُحُماً بضم الحاء أيضاً وانتصابُه على التمييز مثلُ زكاة
стр. 3611
﴿وَأَمَّا الجدار﴾ المعهودُ ﴿فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة﴾ هي القريةُ المذكورة فيما سبق ولعل التعبيرَ عنها بالمدينة لإظهار نوعِ اعتدادٍ بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالحِ قيل اسماهما أصرم وصريم واسمُ المقتول جيسور ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ من فضة وذهب كما رُوي مرفوعاً والذمُّ على كنزهما في في قولِه والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة لمن لا يؤدي زكاتَهما وسائرَ حقوقهما وقيل كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه عجبْتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزَن وعجبتُ لمن يؤمن بالرزق كيف يتعَب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفُل وعجبت لمن يعرِف الدنيا وتقلُّبَها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله الله محمدٌ رسول الله وقيل
стр. 3612
الكهف ٨٣ صحفٌ فيها علم ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا﴾ تنبيهٌ على أن سعيَه في ذلك كان لصلاحه قيل كان بينهما وبين الأب الذي حُفظا فيه سبعةُ آباء ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ أي مالكُك ومدبرُ أمورك ففي إضافة الربِّ إلى ضمير موسى ﵊ دون ضميرهما تنبيه له ﵊ على تحتم كمالِ الانقيادِ والاستسلامِ لإرادته سبحانه ووجوبِ الاحترازِ عن المناقشة فيما وقع بحسبها من الأمور المذكورة ﴿أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي حلمهما وكما رأيهما ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ بالكلية ﴿كَنزَهُمَا﴾ من تحت الجدار ولولا أنى أقمته لا نقض وخرج الكنزُ من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميتِه وضاع ﴿رَحْمَةً مّن رَّبّكَ﴾ مصدرٌ في موقعِ الحالِ أي مرحومَين منه أو مفعولٌ له أو مصدرٌ مؤكدٌ لأراد فإن إرادةَ الخير رحمةٌ وقيل متعلقٌ بمضمر أي فعلتُ ما فعلتُ من الأمور التي شاهدتَها رحمةً من ربك ويعضُده إضافةُ الرب إلى ضمير المخاطبِ دون ضميرهما فيكون قوله عز وعلا ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾ أي عن رأيي واجتهادي تأكيد لذلك ﴿ذلك﴾ إشارة إلى العواقب المنظومةِ في سلك البيان وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِها في الفخامة ﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع﴾ أي لم تستطع فحُذف التاء للتخفيف ﴿عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ من الأمور التي رابتْه أي مآلُه وعاقبتُه فيكون إنجازاً للتنبئة الموعودةِ أو إلى البيان نفسه فيكون التأويلُ بمعناه وعلى كل حالٍ فهو فذلكةٌ لما تقدم وفي جعل الصلة عينَ ما مر تكرير للتنكير وتشديدٌ للعتاب تنبيه اختلفوا في حياة الخضر ﵊ فقيلَ إنه حيٌّ وسببُه أنه كان على مقدمة ذي القرنين فلما دخل الظلماتِ أصاب الخضرُ عينَ الحياة فنزل واغتسل منها وشرب من مائها وأخطأ ذو القرنين الطريقَ فعاد قالوا وإلياسُ أيضاً في الحياة يلتقيان كلَّ سنة بالموسم وقيل إنه ميتٌ لما رُوي أن النبيِّ ﷺ صلى العشاءَ ذاتَ ليلة ثم قال أرأيتَكم ليلتَكم هذه فإن رأسَ مائةِ سنة منها لا يبقي ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ ولو كان الخضرُ حينئذ حيًّا لما عاش بعد مائة عام رُوي أن موسى ﵊ لما أراد أن يفارقه قال أوصِني قال لا تطلب العلمَ لتحدّث به واطلبُه لتعمل به
стр. 3613
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين﴾ هم اليهودُ سألوه على وجه الامتحان أو سأله قريشٌ بتلقينهم وصيغةُ الاستقبال للدلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجوابِ وهو ذو القرنين الأكبرُ واسمه الإسكندر ابن فيلفوس اليوناني وقال ابن إسحاق اسمه مر زبان بنُ مردبةَ من ولد يافثَ بنِ نوحٍ ﵊ وكان أسودَ وقيل اسمُه عبد اللَّه بن الضحاك وقيل مصعبُ بنُ عبد اللَّه بن الضحاك وقيل مصعبُ بنُ عبد اللَّه بنِ فينانَ بنِ منصور بن عبد الله بن الآزَرِ بن عون بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرُبَ بن قحطانَ وقال السهيلي قيل إن اسمه مَرْزُبانُ بنُ مُدرِكةَ ذكره ابن هشام وهو أول التبابِعة وقيل إنه أفريذون بنُ النعمانِ الذي قتل الضحاك وذكر أبو الريحان البيروتي في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية أن ذا القرنين هو أبو كرب سمى ابن عيرين بن أفريقيس الحِمْيري وأن مُلكَه بلغ مشارقَ الأرض ومغاربَها وهو الذي افتخر به التبّعُ اليماني حيث قال
قد كان ذو القرنين جدّي مسلما
ملِكاً علا في الأرض غيرَ مفنَّد ... بلغ المشارقَ والمغاربَ يبتغي
أسبابَ أمرٍ من حكيم مُرشد
وجعلَ هذا القولَ أقربَ لأن الأذواءَ كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي النون وذي
стр. 3614
رُعَين وذي يزَن وذي جَدَن قال الإمام الرازي والأولُ هو الأظهر لأن من بلغ ملكَه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيلُ الجليلُ إنما هو الإسكندر اليونانيُّ كما تشهد به كتبُ التواريخ يروى أنه لما مات أبوه جَمع مُلكَ الروم بعد أن كان طوائفَ ثم قصد ملوكَ العرب وقهرَهم ثم أمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصرَ فبنى الاسكندرية وسماها باسمه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيلَ وورد بيتَ المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينيةَ وبابِ الأبواب ودان له العراقيون والقِبطُ والبربرُ ثم توجه نحو دار ابن دارا وهزمه مراراً إلى أن قتله صاحبُ حرسِه واستولى على ممالك الفرسِ وقصدَ الهند وفتحه وبنى مدينة سرنديبَ وغيرَها من المدن العظامِ ثم قصد الصينَ وغزا الأمم البعيدةَ ورجع إلى خراسانَ وبنى بها مدائنَ كثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهر زور ومات انتهى كلام الإمام وروي أن أهلَ النجوم قالوا له إنك لا تموت إلا على أرض من حديد وتحت سماه من خشب وكان يدفِن كنزَ كل بلدةٍ فيها ويكتب ذلك بصفته وموضعِه فبلغ بابل فرعَف وسقط عن دابته فبُسطت له دروعٌ فنام عليها فآذته الشمس فأظلوه بترس فنظر فقال هذه أرض من حديد وسماءٌ من خشب فأيقن بالموت فمات وهو ابنُ ألفٍ وستمائة سنة وقيل ثلاثةِ آلافِ سنة قال ابن كثير وهذا غريب وأغربُ منه ما قاله ابنُ عساكر من أنه بلغني أنه عاش ستاً وثلاثين سنة أو ثنتين وثلاثين سنة وأنه كان بعد داودُ وسليمانُ ﵉ فإن ذلك لا ينطبق إلا على ذي القرنين الثاني كما سنذكره قلت وكذا ما ذكره الإمام من قصد بني إسرائيلَ وورودِ بيت المقدس والذبحِ في مذبحه فإنه مما لا يكاد يتأتى نسبتُه إلى الأول واختُلف في نبوته بعد الاتفاق على إسلامه وولايتِه فقيل كان نبياً لقوله تعالى إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض وظاهر أنه متناولٌ للتمكين في الدين وكمالُه بالنبوة ولقوله تعالى ﴿واتيناه مِن كُلّ شَىْء سَبَباً﴾ ومن جملة الأشياء النبوةُ ولقوله تعالى ﴿قُلْنَا يا ذا القرنين﴾ ونحوِ ذلك وقيل كان ملكاً لما رُوي أن عمر ﵁ سمع رجلاً يقول لآخر يا ذا القرنين فقال اللهم غفراً أما رضِيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة قال ابن كثير والصحيحُ أنه ما كان نبياً ولا ملكاً وإنما كان ملكاً صالحاً عادلاً ملَك الأقاليَم وقهر أهَلها من الملوك وغيرَهم ودانتْ له البلادُ وأنه كان داعياً إلى الله تعالى سائراً في الخلق بالمَعْدلة التامة والسلطانِ المؤيَّدِ المنصورِ وكان الخضر على مقدمة جيشِه بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير وقد ذكر الأزرقي وغيرُه أنه أسلم على يدَيْ إبراهيمَ الخليلِ ﵊ فطاف معه بالكعبة هو وإسماعيلُ ﵈ ورُوي أنه حج ماشياً فلما سمع إبراهيمَ ﵊ بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا ويقال إنه أُتيَ بفرس ليركب فقال لا أركب في بلد فيه الخليل فعند ذلك سخر له السحاب وطوي له الأسباب وبشره إبراهيمُ ﵊ بذلك فكانت السحابُ تحمله وعساكرَه وجميعَ آلاتِهم إذا أرادوا غزوةَ قومٍ وقال أبو الطفيل سُئل عنه عليٌّ كرم الله وجهه أكان نبياً أم ملِكاً فقال لم يكن نبياً ولا ملكاً لكن كان عبداً أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه سُخر له السحابُ ومُدّ له الأسباب واختلف في وجه تسميته بذي القرنين فقيل لأنه بلغ قَرني الشمس مشرِقَها ومغربَها وقيل لأنه ملَك الرومَ وفارسَ وقيل الرومَ والتركَ وقيل لأنه كان في رأسه أو في تاجه ما يشبه القرنين وقيل لأنه كان له ذؤابتان وقيل لأنه كانت صفحتا رأسِه من النحاس وقيل لأنه دعا الناس إلى الله فضرب
стр. 3615
الكهف ٨٤ بقرنه الأيمنِ فمات ثم بعثه الله تعالى فضَرب بقرنه الأيسرِ فمات ثم بعثه الله تعالى وقيل لأنه رأى في منامه أنه صعِد الفَلكَ فأخذ بقرني الشمس وقيل لأنه انقرض في عهده قَرنان وقيل لأنه سُخّر له النورُ والظلمة فإذا سرَى يهديه النورُ من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه وقيل لُقّب به لشجاعته هذا وأما ذو القرنين الثاني فقد قال ابن كثير إنه الإسكندر بن فيليس بنِ مصريمَ بنِ هُرمُسَ بنِ ميطونَ بنِ رومي بن ليطى بن يونان ابن يافثَ بن نونه بن شرخونَ بن روميةَ بن ثونط بن نوفيلَ بن رومي بن الأصفرِ بن العنز بن العيصِ بن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ عليهما الصلاة والسلام كذا نسبه ابنُ عساكرَ المقدونيُّ اليوناني المصريُّ باني الإسكندريةِ الذي يؤرِّخ بأيامه الرومُ وكان متأخراً عن الأول بدهر طويلٍ أكثرَ من ألفي سنة كان هذا قبل المسيح ﵇ بنحو من ثلاثمائة سنة وكان وزيرُه أرسطاطاليس الفيلسوفَ وهو الذي قتل دارا ابن دار أو أذل ملوك الفرس ووطئ أرضهم ثم قال ابن كثير وإنما بيّنا هذا لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ وأن المذكورَ في القرآن العظيم هو هذا المتأخرُ فيقع بذلك خطأ كبير وفساد كثيرٌ كيف لا والأولُ كان عبداً صالحاً مؤمناً وملكاً عادلاً وزيرُه الخضرُ ﵊ وقد قيل إنه كان نبياً وأما الثاني فقد كان كافراً وزيرُه أرسطاطاليس الفيلسوفُ وقد كان ما بينهما من الزمان أكثرَ من ألفي سنة فأين هذا من ذاك انتهى قلت المقدوني نسبةً إلى بلد من بلاد الروم غربيَّ دارِ السلطنة السنية قُسطنطينيةَ المحمية لا زالت مشحونةً بالشعائر الدينية بينهما من السافة مسيرة خمسة عشرة يوماً أو نحوِ ذلك عند مدينة سَيروزَ اسمُها بلغة اليونانيين مقدونيا كانت سريرَ مُلك هذا الإسكندرِ وهي اليوم بلقَعٌ لا يقيم بها أحد ولكن فيها علائمُ تحكي كمالَ عِظَمها في عهد عُمرانها ونهايةِ شوكةِ واليها وسلطانِها ولقد مررتُ بها عند القُفول من بعض المغازي السُّلطانية فعاينتُ فيها من تعاجيب الآثارِ ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار ﴿قُلْ﴾ لهم في الجواب ﴿سأتلو عَلَيْكُمْ﴾ أي سأذكر لَكُمْ ﴿مِنْهُ﴾ أيْ منَ ذي القرنين ﴿ذِكْراً﴾ أي نبأ مذكور أو حيث كان ذلك بطريق الوحي المتلو حكاية عن جهةِ الله قيل سأتلو أو سأتلو في شأنه من جهته تعالى ذكراً أي قرآناً والسينُ للتأكيد والدِلالة على التحقيق المناسبِ لمقام تأييدِه ﵊ وتصديقِه بإنجاز وعدِه أي لا أترك التلاوةَ البتةَ كما في قول من قال ... سأشكر عَمْراً إن تراخت منيتى ... أيادى لم تمنى وإن هي جلَّتِ ...
لا الدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل لأن هذه الآيةَ ما نزلت بإنفرادها قبل الوحي بتمام القصة بل موصولةٌ بما بعدها ريثما سألوه ﷺ عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهفِ فقال لهم ﷺ ائتوني غداً أخبرْكم فأبطأ عليه الوحي خمسة عشرة يوماً أو أربعين كما ذكر فيما سلف وقوله عز وجل
стр. 3616
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض﴾ شروعٌ في تلاوة الذكر المعهودِ حسبما هو الموعود والتمكين ههنا الإقدارُ وتمهيدُ الأسباب يقال مكّنه ومكّن له ومعنى الأولِ جعله قادراً وقوياً ومعنى الثاني جعل له قدرة وقوة ولتلازمها في الوجود وتقاربهما في المعنى يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر كما في قوله عز وعلا مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ أي جعلناهم
стр. 3617
الكهف ٨٥ ٨٦ قادرين من حيث القُوى والأسبابُ والآلاتُ على أنواع التصرفاتِ فيها ما لم نجعلْه لكم من القوة والسَّعة في المال والاستظهارِ بالعَدد والأسباب فكأنه قيل ما لم نمكنْكم فيها أي ما لم نجعلْكم قادرين على ذلك فيها أو مكنّا لهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وهكذا إذا كان التمكينُ مأخوذاً من المكان بناءً على توهّم ميمِه أصليةً كما أشير إليه في سورة يوسف ﵊ والمعنى إنا جعلنا له مَكِنةً وقدرةً على التصرف في الأرض من يحث التدبيرُ والرأيُ والأسبابُ حيث سخر له السحاب ومدله في الأسباب وبُسط له النورُ وكان الليلُ والنهار عليه سواءً وسُهِّل عليه السيرُ في الأرض وذُلّلت له طرقها ﴿واتيناه مِن كُلّ شَىْء﴾ أراده من مُهمّات مُلكه ومقاصدِه المتعلقة بسلطانه ﴿سَبَباً﴾ أي طريقاً يوصله إليه وهو كلُّ ما يُتوصَّل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة
стр. 3618
﴿فَأَتْبَعَ﴾ بالقطع أي فأراد بلوغَ المغرب فأتبع ﴿سَبَباً﴾ يوصله إليه ولعل قصدَ بلوغِ المغرب ابتداءً لمراعاة الحركة الشمسية وقرئ فاتّبع من الافتعال والفرق أن الأولَ فيه معنى الإدراك والإسراعِ دون الثاني
стр. 3619
﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس﴾ أي منتهى الأرضِ من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحدٌ من مجاوزته ووقف على حافة البحر المحيطِ الغربي الذي يقال له أو قيانوس الذي فيه الجزائرُ المسماة بالخالدات التي هي مبدأُ الأطوال على أحد القولين ﴿وَجَدَهَا﴾ أي الشمس ﴿تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي ذاتِ حَمأة وهي الطينُ الأسود من حمِئت البئرُ إذا كثرت حمأتها وقرئ حامية أي حارّة روي أن معاوية ﵁ قرأ حامية وعنده ابن عباس ﵄ فقال حَمِئة فقال معاوية لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص كيف تقرأ قال كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمسَ تغرب قال في ماء وطين وروي في ثَأْط فوافق قولُ ابن عباسٍ ﵄ وليس بينهما منافاةٌ قطعية لجواز كون العينِ جامعةً بين الوصفين وكونِ الياء في الثانية منقلبةً عن الهمزة لانكسار ما قبلها وأما رجوعُ معاوية إلى قولُ ابن عباسٍ ﵃ بما سمعه من كعب مع أن قراءته محتمَلةً ولعله لما بلغ ساحلَ المحيط رآها كذلك إذ ليس في مطمح بصره غيرُ الماء كَما يلوحُ بهِ قولُه تعالى وَجَدَهَا تَغْرُبُ ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا﴾ عند تلك العين ﴿قَوْماً﴾ قيل كان لباسُهم جلودَ لوحوش وطعامُهم ما لفَظه البحر وكانوا كفاراً فخيّره الله جل ذكره بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوَهم إلى الإيمان وذلك قوله تعالى ﴿قلنا يا ذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ﴾ بالقتل من أول الأمرِ ﴿وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ أي أمراً ذا حُسْن على حذف المضافِ أو على طريقةِ إطلاقِ المصدر على موصوفه مبالغةً وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع ومحلُّ أن مع صلته إمَّا الرفعُ عَلَى الابتداءِ أو الخبرية وإما النصبُ على المفعولية أي إما تعذيبُك واقع أو إما أمرك تعذيبك
стр. 3620
الكهف ٨٧ ٩٠ أو إما تفعلُ تعذيبَك وهكذا الحال في الاتخاذ ومن لم يقل بنبوته قال كان ذلك الخطابُ بواسطة نبيَ في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاماً لا وحياً بعد أن كان ذلك التخييرُ موافقاً لشريعة ذلك النبي
стр. 3621
﴿قَالَ﴾ أي ذو القرنين لذلك النبيِّ أو لمن عنده من خواصّه بعد ما تلقّى أمرَه تعالى مختار للشق الأخير ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي نفسَه ولم يقبل دعوتي وأصرّ على ما كان عليه من الظلم العظيمِ الذي هو الشركُ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بالقتل وعن قتادة أنه كان يطبُخ مَنْ كفر في القدور ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ﴾ في الآخرة ﴿فَيْعَذّبُهُ﴾ فيها ﴿عَذَاباً نُّكْراً﴾ أي مُنكراً فظيعاً وهو عذابُ النار وفيه دِلالةٌ ظاهرةٌ على أن الخطابَ لم يكن بطريق الوحي إليه وأن مقاولتَه كانت مع النبي أو مَعَ مَنْ عنده من أهل مشورتِه
стр. 3622
﴿وَأَمَّا مَنْ امَنَ﴾ بموجب دعوتي ﴿وَعَمِلَ﴾ عملاً ﴿صالحا﴾ حسبما يقتضيه الإيمان ﴿فَلَهُ﴾ في الدارين ﴿جَزَاء الحسنى﴾ أي فله المثوبةُ الحسنى أو الفِعلةُ الحسنى أو الجنةُ جزاءً على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لمضمون الجملة قُدّم على المبتدأ اعتناءً به أو منصوب بمضمر أي نجزي بها جزاء والجملةُ حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبرِ المتقدمِ عليه أو حال أي مجزياً بها أو تمييز وقرئ منصوباً غيرَ منوّن على أنه سقط تنويه لالتقاء الساكنين ومرفوعاً منوّناً على أنه المبتدأُ والحسنى بدله ولخبر الجارُّ والمجرور وقيل خُيّر بين القتل والأسرِ والجوابُ من باب الأسلوبِ الحكيم لأن الظاهرَ التخييرُ بينهما وهم كفار فقال أما الكافرُ فيراعى في حقه قوةُ الإسلام وأما المؤمنُ فلا يُتعرَّض له إلا بما يجب ويجوز أن تكون إما وأما للتوزيع دون التخيير أي وليكن شأنُك معهم إما التعذيبَ وإما الإحسانَ فالأول لمن بقيَ على حاله والثاني لمن تاب ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي مما نأمر به ﴿يُسْراً﴾ أي سهلاً متيسراً غيرَ شاقَ وتقديرُه ذا يُسر أو أُطلق عليه المصدر مبالغة وقرئ بضمتين
стр. 3623
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي طريقاً راجعاً من مغرب الشمس موصلاً إلى مشرقها
стр. 3624
﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ يعني الموضِعَ الذي تطلع عليه الشمسُ أولاً من معمورة الأرض وقرئ بفتح اللام على تقديرِ مضافٍ أي مكان طلوعِ الشمس فإنه مصدر قيل ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً﴾ من اللباس والبناء قيل هم الزَّنْج وعن كعب أن أرضَهم لا تُمسك الأبنية وبها أسرابٌ فإذا طلعت الشمسُ دخلوا الأسرابَ أو البحر فإذا ارتفع النهارُ خرجوا إلى معايشهم وعن بعضهم خرجتُ حتى جاوزت الصينَ فسألت عن هؤلاء فقالوا بينك وبينهم مسيرةُ يومٍ وليلة فبغلتهم فإذا أحدُهم يفرُش أُذنه ويلبَس الأخرى ومعي صاحبٌ يعرِف لسانهم فقالوا له جئتنا تنظر كيف
стр. 3625
الكهف ٩١ ٩٤ تطلُع الشمس قال فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغُشيَ عليّ ثم أفقتُ وهم يمسحونني بالدُّهن فلما طلعت الشمسُ على الماء إذا هو فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرَباً لهم فلما ارتفع النهارُ خرجوا إلى البحر يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضَج لهم وعن مجاهد من لا يلبَس الثيابَ من السودان عند مطلع الشمس أكثرُ من جميع أهلِ الأرض
стр. 3626
﴿كذلك﴾ أي أمرُ ذي القرنين كما وصفناه لك في رفعة المحلِّ وبسطةِ المُلك أو أمرُه فيهم كأمره في أهل المغرِب من التخيير والاختيارِ ويجوزُ أن يكونَ صفةَ مصدرٍ محذوف لوجد أو نجعل أو صفةَ قومٍ أي على قوم مثلَ ذلك القَبيل الذي تغرُب عليهم الشمس في الكفر والحُكم أو ستراً مثلَ سترِكم من اللباس والأكنان والجبال وغيرِ ذلك ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ من الأسباب والعَدد والعُدد ﴿خُبْراً﴾ يعني أن ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علمُ اللطيفِ الخبير هذا على الوجه الأولِ وأما على الوجوه الباقيةِ فالمرادُ بما لديه ما يتناول ما جرى عليه وما صدر عنه وما لاقاه فتأمل
стр. 3627
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي طريقا ثلثا معترِضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال
стр. 3628
﴿حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بين الجبلين الذين سُدّ ما بينهما وهو منقطَعُ أرضِ الترك مما يلي المشرِق لا جبلا أرمينيةَ وأَذَرْبيجان كما توهم وقرئ بالضم قيل ما كان من خلقِ الله تعالَى فهو مضموم وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح وانتصاب بين على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الظروف التي تستعمل أسماءً أيضاً كما ارتفع في قولِه تعالَى لَّقَدْ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وانجرّ في قوله تعالى هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ أي من ورائهما مجاوزاً عنهما ﴿قَوْماً﴾ أي أمة من الناس ﴿لَاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم وقرئ من باب الإفعال أي لا يُفهمون السامعَ كلامَهم واختلفوا في أنهم من أي الأقوام فقال الضحاك هم جيلٌ من الترك وقال السدي التّركُ سريةٌ من يأجوم ومأجوم خرجت فضرب ذو القرنين السدّ فبقيت خارجَه فجميعُ الترك منهم وعن قتادة أنهم اثنتان وعشرون قبيلة سدّ ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلةً منهم وبقيت واحدة فسُمّوا التركَ لأنهم تركوا خارجين قال أهل التاريخ أولادُ نوح ﵇ ثلاثةٌ سامٌ وحام ويافث فسام أبو العرب والعجمِ والروم وحامٌ أبو الحبشةِ والزَّنج والنُّوبة ويافثُ أبو الترك والخَزَر والصقالبة ويأجوجَ ومأجوج
стр. 3629
﴿قَالُواْ﴾ أي بواسطة مترجمِهم أو بالذات على أن يكون فهم
стр. 3630
الكهف ٩٥ ٩٦ ذي القرنين كلامَهم وإفهامُ كلامِه إياهم من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب ﴿يا ذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قد ذكرنا أنهما من أولاد يافثَ بنِ نوحٍ ﵇ وقيل يأجوجُ من الترك ومأجوجُ من الجيل واختلف في صفاتهم فقيل في غاية صِغرِ الجُثة وقِصَر القامة لا يزيد قدُّهم على شبر واحد وقيل في نهاية عِظَم الجسم وطولِ القامة تبلغ قدُودهم نحوَ مِائةٍ وعشرين دراعا وفيهم من عَرضُه كذلك وقيل لهم مخالبُ وأضراسٌ كالسباع وهما اسمانِ أعجميان بدليل منْع الصرفِ وقيل عربيان من أجّ الظليمُ إذا أسرع وأصلهما الهمزة كما قرأ عاصم وقد قرئ بغير همزةٍ ومُنع صرفُهما للتعريف والتأنيث ﴿يفسدون فِى الأرض﴾ أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلافِ الزروع قيل كانوا يخرُجون أيام الربيع فلا يتركون أخضرَ إلا أكلوه ولا يباسا إلا احتملوه وقيل كانوا يأكلون الناسَ أيضاً ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ أي جُعْلاً من أموالنا والفاء لتفريع العَرض على إفسادهم في الأرض وقرئ خَراجا وكلاهما واحد كالنَّول والنوال وقيل الخراجُ ما على الأرض والذمة والخَرْجُ المصدر وقيل الخرج ما كان على كل رأس والخراجُ ما كان على البلد وقيل الخرجُ ما تبرعت به والخراج ما لزِمك أداؤُه ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا﴾ وقرئ بالضم
стр. 3631
﴿قَالَ مَا مَكَّنّى﴾ بالإدغام وقرئ بالفك أي ما مكّنني ﴿فِيهِ رَبّى﴾ وجعلني فيه مكينا قادرا من المُلك والمال وسائرِ الأسباب ﴿خَيْرٌ﴾ أي مما تريدون أن تبذُلوه إليّ من الخَرْج فلا حاجة بي إليه ﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾ أي بفَعَلة وصُنّاع يُحسنون البناء والعمل وبآلات لابد منها في البناء والفاءُ لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكّنه الله تعالى فيه من مالهم أو على عدم قَبولِ خَرْجهم ﴿أَجَعَلَ﴾ جواب للأمر ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾ تقديمُ إضافةِ الظرف إلى ضمير المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج لإظهار كمالِ العناية بمصالحهم كما راعَوْه في قولهم بيننا وبينهم ﴿رَدْمًا﴾ أي حاجزاً حصيناً وبرزخاً متيناً وهو أكبرُ من السدّ وأوثقُ يقال ثوبٌ مُرَدّم أي فيه رِقاع فوق رِقاعٍ وهذا إسعافٌ بمرامهم فوق ما يرجونه
стр. 3632
﴿آتوني زُبَرَ الحديد﴾ جمع زُبْره كغرف في غرفة وهي القطعةُ الكبيرة وهذا لا ينافي ردّ خراجِهم لأن المأمورَ به الإيتاءُ بالثمن أو المناولة كما ينبئ عنه القراءة بوصل الهمزة أي جيئوني بزُبَر الحديد على حذف الباء كما في أمرتك الخيرَ ولأن إيتاءَ الآلة من قبيل الإعانةِ بالقوة دون الخَراج على العمل ولعل تخصيصَ الأمر بالإيتاء بها دون سائرِ الآلات من الصخور والحطبِ ونحوِهما لِما أن الحاجة إليها أمسُّ إذ هي الركنُ في السد ووجودُها أعزُّ قيل حفَر للأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساسَ من الصخر والنحاس المذابِ والبنيانَ من زُبر الحديد بينها الحطبُ والفحم حتى سدّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما وكان مائةَ فرسخ وذلك قولُه عز قائلاً ﴿حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين﴾ أي آتَوه إياها فإخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساوياً لهما
стр. 3633
الكهف ٨٧ ٩٨ في السَّمْك على النهج المحكيِّ قيل كان ارتفاعُه مائتي ذراع وعرضه خمسين ذراعا وقرئ سوّى من التسوية وسُووِيَ على البناء للمجهول ﴿قَالَ﴾ للعَمَلة ﴿انفخوا﴾ أي بالكيران في الحديد المبني ففعلوا ﴿حتى إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي المنفوخ فيه ﴿نَارًا﴾ أي كالنار في الحرارة والهيئة وإسنادُ الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعلُ الفَعَلة للتنبيه علي أنه العُمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلةِ ﴿قَالَ﴾ للذين يتولَّوْن أمرَ النحاس من الإذابة ونحوها ﴿اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أي آتوني قِطراً أي نُحاساً مذاباً أفرِغْ عليه قطراً فحُذف الأولُ لدِلالة الثاني عليه وقرئ بالوصل أي جيئوني كأنه يستدعيهم للإعانة باليد عند الإفراغ وإسنادُ الإفراغِ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفاً وكذا الكلامُ في قولِه تعالى سَاوِى وقولِه تعالى أَجَعَلَ
стр. 3634
﴿فَمَا اسطاعوا﴾ بحذف تاء الافتعال تخفيفاً وحذَراً عن تلاقي المتقاربين وقرئ بالإدغام وفيه جمعٌ بين الساكنين على غير حِدَة وقرئ بقلب السين صاداً والفاء فصيحةٌ أي فعلوا ما أُمروا به من إيتاء القِطْر أو الإتيانِ فأفرغَه عليه فاختلط والتصق بعضُه ببعض فصار جبلاً صَلْداً فجاء يأجوجُ ومأجوجُ فقصدوا أن يعلُوه وينقُبوه فما استطاعوا ﴿أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوه ويرقَوا فيه لارتفاعه وملاسته ﴿وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا﴾ لصلابته وثخانتِه وهذه معجزةٌ عظيمةٌ لأن تلك الزُبَرَ الكثيرةَ إذا أثرت فيها حرارةُ النار لا يقدر الحيوانُ على أن يحومُ حولَها فضلاً عن النفخ فيها إلى أن تكون كالنار أو عن إفراغ القِطر عليها فكأنه صرف تأثيرَ تلك الحرارةِ العظيمة عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال فكان ما كان والله على كُلّ شَيْء قدير وقيل بناه من الصخور مرتبطاً بعضُها ببعض بكلاليب من حديد ونحاسٍ مُذاب في تجاويفها بحيث لم يبق هناك فُرجةٌ أصلاً
стр. 3635
﴿قَالَ﴾ أي ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديارِ وغيرهم ﴿هذا﴾ إشارةٌ إلى السد وقيل إلى تمكينه من بنائه والفضلُ للمتقدم أي هذا الذي ظهر على يدي وحصل بمباشرتي من السد الذي شأنه ما ذكر من المتانة وصعوبةِ المنال ﴿رَحْمَةً﴾ أي أثرُ رحمةٍ عظيمة عبر عنه بها مبالغةً ﴿مّن رَّبّى﴾ على كافة العباد لا سيما على مجاوريه وفيه إيذانٌ بأنه ليس من قبيل الآثارِ الحاصلةِ بمباشرة الخلقِ عادةً بل هو إحسانٌ إلهي محضٌ وإن ظهر بمباشرتي والتعرّضُ لوصف الربوبيةِ لتربية معنى الرحمة ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى﴾ مصدر بمعنى المفعول وهو يومُ القيامة لا خروجُ يأجوجَ ومأجوجَ كما قيلَ إذْ لا يساعده النظمُ الكريم والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئَه ومجيءَ مباديه من خروجهم وخروجِ الدجالِ ونزولِ عيسى ﵊ ونحوِ ذلك لا دنوُّ وقوعِه فقط كما قيل فإن بعضَ الأمور التي ستحكى تقع بعد مجيئِه حتماً ﴿جَعَلَهُ﴾ أي السدَّ المشارَ إليه مع متانته ورصانتِه وفيه من الجزالة ما ليس في توجيه الإشارةِ السابقة إلى التمكين المذكور ﴿دَكَّاء﴾ أي أرضاً مستوية وقرئ دكاً أي مدكوكاً مسوَّى بالأرض وكلُّ ما انبسط بعد ارتفاعٍ فقد اندك ومنه الجملُ الأدكُّ أي المنبسطُ السنام وهذا الجعلُ وقت مجيءِ الوعد بمجيء بعضِ مباديه وفيه بيانٌ لعظم قدرته عز
стр. 3636
الكهف ٩٩ ١٠١ وجل بعد بيان سعةِ رحمته ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبّى﴾ أي وعدُه المعهودُ أو كلُّ ما وعد به فيدخُل فيه ذلك دخولاً أولياً ﴿حَقّاً﴾ ثابتاً لا محالةَ واقعاً البتة وهذه الجملةُ تذييلٌ من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطيةِ ومقرِّرٌ مؤكدٌ لمضمونها وهو آخرُ ما حُكي من قصته وقوله عز وجل
стр. 3637
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ كلامٌ مَسوقٌ من جنابه تعالى معطوفٌ على قوله تعالى جَعَلَهُ دَكَّاء ومحقِّقٌ لمضمونه أي جعلنا بعضَ الخلائق ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ جاء الوعد بمجيء بعض مباديه ﴿يموج فى بعض﴾ آخر منهم يضطربون اضطرابَ أمواجِ البحر ويختلط إنسُهم وجنُّهم حَيارى من شدة الهول ولعل ذلك قبل النفخةِ الأولى أو تركنا بعضَ يأجوجَ ومأجوجَ يموج في بعض آخرَ منهم حين يخرُجون من السد مزدحمين في البلاد
روي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابَّه ثم يأكلون الشجرَ ومن ظفِروا به ممن لم يتحصّن منهم من الناس ولا يقدِرون أن يأتوا مكةَ والمدينة وبيتَ المقدسِ ثم يبعث الله نَغَفاً في أقفائهم فيدخُل آذانَهم فيموتون موتَ نفس واحدة فيرسل الله تعالى عليهم طيراً فتلقيهم في البحر ثم يرسل مطراً يغسل الأرض ويطهرها من نَتْنهم حتى يترُكها كالزَّلَفة ثم يوضع فيها البركة وذلك بعد نزولِ عيسى ﵊ وقتْل الدجال ﴿وَنُفِخَ فِى الصور﴾ هيَ النفخة الثانية بقضية الفاء في قوله تعالى ﴿فجمعناهم﴾ ولعل عدمَ التعرضِ لذكر النفخةِ الأولى لأنها داهيةٌ عامةٌ ليس فيها حالةٌ مختصة بالكفار ولئلا يقعَ الفصلُ بين ما يقع في النشأة الأولى من الأحوال والأهوالِ وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة أي جمعنا الخلائقَ بعدما تفرقت أوصالُهم وتمزقت أجسادُهم في صعيد واحدٍ للحساب والجزاء ﴿جَمْعاً﴾ أي جمعاً عجيباً لا يُكتَنُه كُنهُه
стр. 3638
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ أي أظهرناها وأبرزناها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يومَ إذْ جمعنا الخلائقَ كافة ﴿للكافرين﴾ منهم حيث جعلناها بحيث يرَوْنها ويسمعون لها تغيظاً وزفيراً ﴿عَرْضاً﴾ أي عرضاً فظيعاً هائلاً لا يُقادَر قدرُه وتخصيصُ العَرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمعِ قاطبةً لأن ذلك لأجلهم خاصة
стр. 3639
﴿الذين كانت أعينهم﴾ وهم في الدنيا ﴿فِى غِطَاء﴾ كثيف وغشاوةٍ غليظة محاطة بذاك من جميع الجوانب ﴿عَن ذِكْرِى﴾ عن الآيات المؤديةِ لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيدِ أو كانت أعينُ بصائِرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني أو عن القرآن الكريم ﴿وَكَانُواْ﴾ مع ذلك ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لفَرْط تصامِّهم عن الحق وكمالِ عداوتهم للرسول ﷺ ﴿سَمْعاً﴾ استماعاً لذكري وكلامي الحقِّ الذي لا يأتيه الباطلُ من بينِ يديهِ ولا منْ خلفه وهذا تمثيلٌ لإعراضهم عن الأدلة السمعيةِ كما أن الأولَ تصويرٌ لتعاميهم عن الآيات المشاهَدةِ بالأبصار والموصولُ نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أو بيانٌ جيء به لذمِّهم بما في حيزِ الصلةِ وللإشعار بعلّيته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم
стр. 3640
الكهف ١٠٢ ١٠٣ فإن ذلك إنما هو لعدم استعمالِ مشاعرِهم فيما عَرَض لهُم في الدُّنيا من الآيات وإعراضِهم عنها مع كونها أسباباً منجِّيةً عما ابتُلوا به في الآخرة
стр. 3641
﴿أفحسب الذين كفروا﴾ أي كفروا بي كما يُعرب عنه قوله تعالى عِبَادِى والحُسبان بمعنى الظن وقد قرئ أفظنّ والهمزةُ للإنكار والتوبيخِ على معنى إنكارِ الواقعِ واستقباحِه كما في قولك أضربتَ أباك لا إنكارُ الوقوعِ كما في قوله أأضرِبُ أبي والفاء للعطف على مقدر يُفصِحُ عنه الصلةُ على توجيه الإنكارِ والتوبيخِ إلى المعطوفَين جميعاً كما إذا قُدّر المعطوفُ عليه في قولِه تعالى أَفَلَا تَعْقِلُونَ منفياً أي ألا تسمعون فلا تعقلون لا إلى المعطوف فقط كما إذا قُدّر مُثْبتاً أي أتسمعون فلا تعقلون والمعنى أكفروا بي مع جلالة شأني فحسِبوا ﴿أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى﴾ من الملائكة وعيسى وعُزيرٍ ﵈ وهم تحت سلطاني وملكوتي ﴿أَوْلِيَاء﴾ معبودين ينصُرونهم من بأسي وما قيل إنها للعطف على ما قبلها من قوله تعالى كَانَتْ الخ وَكَانُواْ الخ دَلالةً على أن الحُسبانَ ناشىءٌ من التعامي والتصامِّ وأُدخل عليها همزةُ الإنكار ذماً على ذم وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكّدِ للذم يأباه تركُ الإضمار والتعرضُ لوصف آخرَ غيرِ التعامي والتصامِّ على أنهما أُخرجا مُخرَجَ الأحوال الجِبِلّية لهم ولم يذكروا منْ حيثُ إنَّهما منَ أفعالهم الاختيارية الحادثة كحُسبانهم ليحسُن تفريعُه عليهما وأيضاً فإنه دينٌ قديمٌ لهم لا يمكن جعلُه ناشئاً عن تصامّهم عن كلام الله وتخصيصُ الإنكار بحُسبانهم المتأخرِ عن ذلك تعسفٌ لا يخفى وما في حيز صلةِ أن سادٌّ مسدَّ مفعولَيْ حسِب كما في قوله تعالى وَحَسِبُواْ أَن لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياءَ على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لِما أنه إنما يكون من الجانبين وهم عليهم الصلاة والسلام منزَّهون عن وَلايتهم بالمرة لقولهم سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ وقيل مفعولُه الثاني محذوفٌ أي أفحسبوا اتخاذَهم نافعاً لهم والوجهُ هو الأولُ لأن في هذا تسليماً لنفس الاتخاذِ واعتداداً به في الجملة وقرئ أفحسب الذين كفروا أي أفحسبُهم وكافيهم أن يتخذوهم أولياءَ على الابتداء والخبرِ أو الفعلِ والفاعل فإن النعتَ إذا اعتمد الهمزةَ ساوى الفعلَ في العمل فالهمزة حينئذ بمعنى إنكار الوقوع ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ﴾ أي هيأناها ﴿للكافرين﴾ المعهودين عدلَ عن الإضمار ذمًّا لهم وإشعاراً بأن ذلك الاعتادَ بسبب كفرهم المتضمّنِ لحسبانهم الباطل ﴿نُزُلاً﴾ أي شيئاً يتمتعون به عند ورودِهم وهو ما يقام للنزيل أي الضيفِ مما حضر من الطعامِ وفيه تخطئةٌ لهم في حسبانهم وتهكّمٌ بهم حيث كان اتخاذُهم إياهم أولياءَ من قبيل إعتاد العتادِ وإعدادِ الزاد ليوم المعاد فكأنه قيل إنا أعتدنا لهم مكان ما أعدّوا لأنفسهم من العُدة والذُّخْر جهنمَّ عُدّةً وفي إيراد النُزُل إيماءٌ إلى أن لهم وراءَ جهنمَ من العذاب ما هو أنموذجٌ له وقيل النزلُ موضعُ النزول ولذلك فسره ابن عباس ﵄ بالمثوى
стр. 3642
﴿قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم﴾ الخطابُ الثاني للكفرة على وجه
стр. 3643
الكهف ١٠٤ ١٠٥ التوبيخِ والجمعُ في صيغة المتكلم لتعيينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية النبأ للمؤمنين أيضاً ﴿بالأخسرين أعمالا﴾ نصبٌ على التمييز والجمعُ للإيذان بتنوعها وهذا بيانٌ لحال الكفرة باعتبار ما صدرَ عنهُم من الأعمال الحسَنةِ في أنفسها وفي وحسبانهم أيضاً حيث كانوا معجَبين بها واثقين بنيل ثوابِها ومشاهدةِ آثارِها غِبَّ بيان حالِهم باعتبار أعمالِهم السيئةِ في أنفسها مع كونها حسنةً في حسبانهم
стр. 3644
﴿الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ في إقامة تلك الأعمالِ أي ضاع وبطل بالكلية ﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلقٌ بالسعي لا بالضلال لأن بُطلَان سعيِهم غيرُ مختصَ بالدنيا قيل المرادُ بهم أهلُ الكتابين قاله ابن عباس وسعدُ بنُ أبي وقاص ومجاهد ﵃ ويدخُل في الأعمال حينئذ ما عمِلوه من الأحكام المنسوخةِ المتعلقةِ بالعبادات وقيل الرهابنةُ الذين يحبِسون أنفسَهم في الصوامع ويحمِلونها على الرياضات الشاقّة ولعله ما يُعمهم وغيرَهم من الكفرة ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف لأنه جوابٌ للسؤال كأنه قيل مَنْ هم فقيل الذين الخ وجعلُه مجروراً على أنه نعتٌ للأخسرين أو بدلٌ منه أو منصوباً على الذم على أن الجوابَ ما سيأتِي من قولِه تعالى أولئك الآية يأباه أن صدرَه ليس مُنْبئاً عن خُسران الأعمالِ وضلالِ السعي كما يستدعيه مقامُ الجواب والتفريعُ الأولُ وإن دل على حبوطها لكنه ساكتٌ عن إنباء ما هو العُمدة في تحقيق معنى الخسرانِ من الوثوق بترتب الربحِ واعتقاد النفعِ فيما صنعوا على أن التفريعَ الثانيَ مما يقطع ذلك الاحتمالَ رأساً إذ لا مجال لإدراجه تحت الأمرِ بقضية نونِ العظمة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الإحسانُ الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي أي يحسبَون أنهم يعملون ذلك على الوجه اللائقِ وذلك لإعجابهم بأعمالهم التي سعَوا في إقامتها وكابدوا في تحصيلها والجملة حال من فاعل ضل أي بطل سعيُهم المذكورُ والحالُ أنهم يحسَبون أنهم يُحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره أو من المضاف إليه لكونه في محل الرفعِ نحوُ قوله تعالى إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي بطل سعيُهم والحالُ أنهم الخ والفرقُ بينهما أن المقارِنَ لحال حُسبانِهم المذكورِ في الأول ضلالُ سعيهم وفي الثاني نفسُ سعيهم والأولُ أدخلُ في بيان خطئهم
стр. 3645
﴿أولئك﴾ كلامٌ مستأنفٌ من جنابه تعالى مَسوقٌ لتكميل تعريفِ الأخسرين وتبيينِ سبب خسرانِهم وضلالِ سعيهم وتعيينِهم بحيث ينطبق التعريفُ على المخاطبين غيرُ داخلٍ تحت الأمر أي أولئكَ المنعوتونَ بما ذكر من ضلال السعي مع الحسبان المزبورِ ﴿الذين كفروا بآيات ربِّهم﴾ بدلائله الداعيةِ إلى التوحيد عقلاً ونقلاً والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ لزيادة تقبيحِ حالِهم في الكفر المذكور ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث وما يتبعه من أمور الآخرة على ما هي عليه ﴿فَحَبِطَتْ﴾ لذلك ﴿أعمالهم﴾ المعهودةُ حبوطاً كلياً ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾
следующие страницы →