← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

﴿مَا القارعة﴾ على أنَّ ما الاستفهامية خبر والقارعة مبتدأٌ لا بالعكسِ لَما مر غير مرة أن محطَّ الفائدةِ هُوَ الخبرُ لا المبتدأُ ولا ريبَ في أنَّ مدارَ إفادةِ الهول والفخامة هاهنا هو كلمة مالا القارعة أَيُّ شيءٍ عجيبٍ هيَ في الفخامةِ والفظاعةِ وقد وضْعِ الظاهِرِ موضعَ الضَّميرِ تأكيداً للتهويل

стр. 8542

وقوله تعالى ﴿وما أدراك مَا القارعة﴾ تأكيد لهولِها وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرةِ علومِ الخلقِ على معنى أن عظم شأنها بحيث لا تكاد

стр. 8543

﴾ ٠١ سورة القارعة آية (٤ ٦) الآيات من ٤ ٦ تنالُه درايةُ أحدٍ حَتَّى يدريكَ بَها وَمَا فِى حيزِ الرفعِ على الابتداءِ وأدراكَ هو الخبرُ وَلا سبيل إلى العكس هاهنا ومَا القارعةُ جملةٌ كما مَرَّ محلّها النصبُ على نزعِ الخافضِ لأنَّ أَدْرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله تعالَى وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فلما وقعتْ الجملةُ الاستفهاميةُ معلقة له كانت في مَوْقعِ المفعولِ الثانِي له والجملةُ الكبيرةُ معطوفةٌ على ما قبلها من الجملة الواقعةِ خبراً للمبتدأِ الأولِ أي وأي شيء أعلمك مَا شأنُ القارعةِ ولما كانَ هذَا منبئاً عن الوعدِ الكريمِ بإعلامِها أنجزَ ذلكَ بقولِه تعالَى

стр. 8544

﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾ عَلى أنَّ يومَ مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وحركته الفتح لإضافتِه إلى الفعلِ وإنْ كان مضارعا كما هو رأيُ الكوفيِّينَ أيْ هيَ يومٌ يكونُ الناسُ فيهِ كالفراشِ المبثوثِ في الكثرةِ والانتشارِ والضعفِ والذلةِ والاضطرابِ والتطايرِ إلى الداعِي كتطايرِ الفَراشِ إلى النارِ أو منصوبٌ بإضمار اذكُرْ كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعةِ وتشويقِه ﵊ إلى معرفتِها اذكُرْ يوم يكون الناس الخ فإنَّه يدريكَ ما هيَ هَذا وقد قيلَ إنه ظرفٌ ناصبُه مضمرٌ يدلُّ عليهِ القارعةُ أيْ تقرعُ يوم يكون الناس الخ وقيلَ تقديرُه ستأتيكُم القارعةُ يومَ يكونُ الخ

стр. 8545

﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ أي كالصوفِ الملونِ بالألوانِ المختلفةِ المندوفِ في تفرقِ أجزائِها وتطايرِها في الجوِّ حسبما نطق به قوله تعالى ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ وكِلا الأمرينِ من آثارِ القارعةِ بعد النَّفخةِ الثَّانيةِ عندَ حشرِ الخلقِ يُبدِّلُ الله الأرض من غيرَ الأرضِ ويغيرُ هيئاتِها ويُسيِّر الجبالَ عن مقارِّهَا على ما ذكر من الهيئات الهائلةِ ليُشاهدَها أهلُ المحشرِ وهيَ وإنِ اندكتْ وتصدعتْ عندَ النَّفخةِ الأُولى لكنْ تسييرُها وتسويِةُ الأرضِ إنَّما يكونانِ بعد النَّفخةِ الثانيةِ كما ينطقُ به قوله تعالى ﴿ويسألونك عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صفصفا لا ترى فيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعى﴾ وقولُه تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ فإنَّ اتّباعَ الدَّاعِي الذي هُو إسرافيلُ ﵇ وبروزُ الخلقِ لله سبحانَهُ لا يكونُ إلا بعدَ البعثِ قطعاً وقد مرَّ تمامُ الكلامِ في سورةِ النمل

стр. 8546

وقوله تعالى ﴿فأما من ثَقُلَتْ موازينه﴾ الخ بيانٌ إجماليٌّ لتحزبِ الناسِ إلى حزبينِ وتنبيهٌ على كيفيةِ الأحوالِ الخاصَّةِ بكلِّ منهُمَا إثرَ بيان الأحوالِ الشاملةِ للكُلِّ والموازينُ إمَّا جمعُ الموزونِ وهُوَ العملُ الذي لَهُ وزنٌ وخطرٌ عندَ الله كما قالَهُ الفَرَّاءُ أو جمعُ ميزانِ قالَ ابن عباس ﵄ إنُّه ميزانٌ له لسانٌ وكِفتانِ لا يوزنُ فيهِ إلا الأعمالُ قالوا توضعُ فيه صحائفُ الأعمالِ فينظرُ إليهِ الخلائقُ إظهاراً

стр. 8547

﴾ ٠١ سورة القارعة آية (٧ ١١) القارعة الآيات ٧ ٠ ١١ للمعدلةِ وقطعاً للمعذرةِ وقيل الوزنُ عبارةٌ عن القضاءِ السويِّ والحُكمُ العادلُ وبهِ قال مجاهدٌ والأعمشُ والضحاكُ واختارَهُ كثيرٌ من المتأخرينَ قالوا إنَّ الميزانَ لا يتوصلُ بهِ إلا إِلى معرفةِ مقاديرِ الأجسامِ فكيفَ يمكنُ أن يعرفَ به مقاديرُ الأعمالِ التي هيَ أعراضُ منقضيةٌ وقيلَ إن الأعم الالظاهرة في هذِه النشأةِ بصورةٍ عرضيةٍ تبرُز في النشأة الآخرة بصورة جوهريةٍ مناسبةٍ لها في الحُسْنِ والقُبحِ وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنَّه يُؤتى بالأعمال الصالحة على صورٍ حسنةٍ وبالأعمال السيئة على صورٍ قبيحةٍ فتوضعُ في الميزانِ أيْ فمَنْ ترجحتْ مقاديرُ حسناتِه

стр. 8548

﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي ذاتُ رِضا أو مرضيةٍ

стр. 8549

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه﴾ بأن لم يكن له حسنة يعتد بها أو ترجحت سيئاته على حسناته

стр. 8550

﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ فمأواهُ ﴿هَاوِيَةٌ﴾ هيَ من أسماءِ النارِ سميت بها لغايةِ عُمْقِها وبعدِ مَهْواها رُوىَ أنَّ أهلَ النارِ تهوِي فيها سبعينَ خريفاً وقيلَ إنها اسمٌ للبابِ الأسفلِ مِنْهَا وعبرَ عنِ المأْوى باللامِ لأَنَّ أهلَها يأوونَ إليَها كما يأوِي الولدُ إلى أمِه وعنْ قتادة وعكرمة والكلبي أنَّ المعنى فأُمُّ رأسِه هاويةٌ في قعرِ جهنَم لأنَّه يطرحُ فيهَا منكوساً والأوَّلُ هو الأوفقُ لقولهِ تعالى

стр. 8551

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ فإنه تقريرٌ لهَا بعدَ إبهامِها والإشعارِ بخروجِها عنِ الحدودِ المعهودةِ للتفخيمِ والتهويلِ وهيَ ضميرُ الهاويةِ والهاءُ للسكتِ وإذَا وصلَ القارىءُ حذفَها وقيلَ حقُّه أنْ لا يُدرجَ لئلا يسقطَها الإدراجُ لأنها ثابتةٌ في المصحفِ وقد أجيز إثباتُها مع الوصلِ عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورة القارِعةَ ثَقَّلَ الله تعالَى بها ميزانه يوم القيامة

стр. 8552

﴾ ٠٢ سورة التكاثر مكية مختلف فيها وآيها ثمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8553

﴿ألهاكم التكاثر﴾ أَىْ شغلكُم التغالبُ في الكثرةِ وَالتفاخرُ بَها رُوِىَ أنَّ بَنِي عبدِ مَنَافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفَاخرُوا وَتعادُّوا وَتكاثرُوا بالسَّادةِ والأشرافِ في الإسلامِ فقالَ كلٌّ منَ الفريقينِ نحنُ أكثرُ منكُم سيداً وأعزُّ عزيزاً وَأعظمُ نفراً فكثرَهُمْ بنُو عبدِ مَنَافٍ فَقَالَ بنُو سَهْمٍ إِنْ البغَي أفنانَا في الجَاهليةِ فعادُّونَا بِالأَحياءِ وَالأَمْواتِ فكثَرهُمْ بنُو سَهْمٍ وَالمَعنى أنكُم تكاثرتُمْ بالأَحياءِ

стр. 8554

﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ أيْ حَتَّى إذَا استوعبتُمْ عددهُم صرتم إلى التفاخم والتكاثرِ بالأمواتِ فعبرَ عنْ بلوغِهم ذكرَ المَوتى بزيارةِ القبورِ تهكُماً بِهمْ وقيلَ كَانُوا يزورونَ المقابَر فيقولونَ هَذَا قبرُ فُلانٍ وهَذا قبرُ فُلانٍ يفتخرونَ بذلكَ وقيلَ المَعْنى ألهاكُم التكاثُر بالأموالِ وَالأولادِ إلى أَنْ متمْ وقبرتمْ مضيعينَ أعمارَكُم في طلبِ الدُّنيا معرضينَ عَمَّا يهمكُم من السعي لأُخرَاكُم فتكونُ زيارةُ القبورِ عبارةً عنِ الموتِ وقُرِىءَ أألهاكُم عَلى الاستفهامِ التقريريِّ

стр. 8555

﴿كَلَاّ﴾ رَدْعٌ وتنبيهٌ عَلَى أنّ العاقلَ ينبغي أنْ لا يكونَ معظمُ هَمِّه مقصُوراً عَلى الدُّنيا فإنَّ عاقبةَ ذلكَ وخَيمةٌ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سوءَ مغبةِ مَا أنتُم عليهِ إذَا عاينتُمْ عاقبَتهُ

стр. 8556

﴿ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تكريرٌ للتأكيدِ وثمَّ للدَّلالة عَلَى أنَّ الثَّانِي أبلغُ منَ الأولِ أوِ الأولُ عندَ الموتِ أو في القبرِ والثَّانِي عندَ النشورِ

стр. 8557

﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ أَيْ لَوْ تعلمونَ ما بينَ أيديكُم علَم الأمرِ اليقينِ أيْ كعلمكِم ما تستيقنونَهُ لفعلتُم ما لَا يُوصفُ ولَا يكتنهُ فحذفَ الجوابَ للتهويلِ وقولُه تعالَى

стр. 8558

﴿لترون الجحيم﴾ جواب

стр. 8559

﴾ ٠٢ سورة التكاثر آية (٧ ٨) قسمٍ مضمرٍ أُكِّدَ بهِ لَهُ الوعيدُ وشددَ بهِ التهديدُ وأوضحَ بِهِ مَا أُنذروُه بعدَ إبهامِهِ تفخيماً

стр. 8560

﴿ثم لترونها﴾ المشاهدةُ والمعاينةُ ﴿عَيْنَ اليقين﴾ أَيِ الرؤيةُ التي هيَ النفس اليقينِ فإنَّ علمَ المشاهدةِ أَقْصى مراتبِ اليقينِ

стр. 8561

﴿ثم لتسألن يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ أيْ عنِ النعيمِ الذي ألهاكُم الالتذاذ عنِ الدينِ وتكاليفِه فإنَّ الخطابَ مخصوصٌ بمنْ عكفَ همتَهُ عَلى استيفاءِ اللذاتِ وَلَمْ يعشْ إلَاّ ليأكلَ الطيبَ ويلبسَ اللينَ ويقطعَ أوقاتَهُ باللهوِ والطَّرَبِ لَا يعبأُ بالعلمِ وَالعملِ ولا يحملُ نفسَهُ مشاقهما فأمَّا منْ تمتعَ بنعمةِ الله تعالَى وتقوَّى بَها عَلى طاعتِهِ وكانَ ناهضاً بالشكرِ فهُوَ منْ ذلكَ بمعزلٍ بعيدٍ وَقيلَ الآيةُ مخصوصةٌ بالكفار عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ التكاثرِ لَمْ يحاسبْه الله تعالَى بالنعيمِ الذي أنعمَ بهِ عليهِ في دارِ الدُّنيا وأُعطيَ منَ الأجرِ كأنَّما قرأَ ألفَ آية

стр. 8562

﴾ ٠٣ سورة العصر مكية وآيها ثلاث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8563

﴿و العصر﴾ أقسمَ سبحانَهُ بصلاةِ العصرِ لفضلِها الباهرِ أوْ بالعَشي الذَّيِ هُوَ ما بينَ الزوالِ والغروبِ كما أقسمَ بالضُّحى أو بعصرِ النبوةِ لظهورِ فضلِه عَلى سائرِ الأعصارِ أو بالدهرِ لانطوائِه عَلى تعاجيبِ الأمورِ القارةِ والمارةِ

стр. 8564

﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ أيْ خُسرانٌ في متاجرِهم ومساعيهم وصرفِ أعمارِهم في مباغيِهم والتعريفُ للجنسِ والتنكيرُ للتعظيم

стр. 8565

﴿إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهمُ في تجارةٍ لنْ تبورَ حيثُ باعُوا الفانيَ الخسيسَ واشترَوا الباقيَ النفيسَ واستبدلُوا الباقياتِ الصالحات بالغاديات الرائحاتِ فيا لهَا منْ صفقةٍ ما أربَحها وَهَذا بيانٌ لتكميلِهم لأنفسِهم وقولُه تعالَى ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق﴾ الخ بيانُ لتكميلِهم لغيرِهم أيْ وَصَّى بعضُهم بعضاً بالأمرِ الثَّابتِ الذي لا سبيلَ إلى إنكارِه ولا زوالَ في الدارينِ لمحاسنِ آثارِه وهُو الخيرُ كُلُّه منَ الإيمانِ بالله واتباعِ كتبهِ ورسلِه في كُلِّ عقدٍ وعملٍ ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ أيْ عنِ المعاصِي التي تشتاقُ إليها النفسُ بحكمِ الجِبلّةِ البشريةِ وعَلى الطاعاتِ التي يشقُّ عليَها أداؤُها أوْ عَلى ما يبلُو الله بهِ عبادَهُ وتخصيص هَذا التواصِي بالذِّكرِ مع اندراجِه تحتَ التواصِي بالحقِّ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بهِ أو لأنَّ الأولَ عبارةٌ عن رتبةِ العبادةِ التي هيَ فعلُ ما يرضَى بهِ الله تعالَى والثانِي عن رتبةِ العبوديةِ التي هي الرِّضا بما فعلَ الله تعالَى فإنَّ المرادَ بالصبرِ ليسَ مجردَ حبسِ النفسِ عما تتشوقُ إليهِ من فعلٍ وتركٍ بلْ هُو تلقي ما وردَ منْه تعالَى بالجميلِ والرِّضا بهِ ظاهراً وباطناً عنْ رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ العصر غفرَ الله تَعَالَى لَهُ وكانَ ممنْ تواصَى بالحقِّ وتواصى بالصبر

стр. 8566

﴾ ٠٤ سورة الهمزة مكية وآيها تسع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8567

﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأٌ خبرُهُ ﴿لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ وساغَ الابتداءُ بِه معَ كونِه نكرةً لأنهُ دعاءٌ عليهم بالهلكةِ أو بشدةِ الشرِّ والهَمْزُ الكسرُ كالهزمِ واللمزِ الطعنُ كاللهزِ شَاعا في الكسرِ مِنْ أعراضِ النَّاسِ والطعن فيهمْ وبناء فُعَلةٍ للدِلالة عَلى أنَّ ذلكَ منْهُ عَادةٌ مُستمرةٌ قَد ضَرَى بَها وكذلكَ اللُّعَنةُ والضُّحَكَةُ وقُرِىءَ لكُلِّ هُمْزةٍ لُمْزةٍ بسكونِ الميمِ وهُوَ المسخرةُ الذي يأتي بالأضاحيكِ فيضحكُ منْهُ ويُستهزأُ بهِ وقيلَ نزلتْ في الأخنسِ بنِ شُرَيقٍ فإنَّهُ كانَ ضارياً بالغِيْبةِ والوقيعةِ وقيلَ في أميةَ بنِ خَلَفٍ وقيلَ في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله ﷺ وغضه مِنْ جنابِه الرفيعِ واختصاصُ السببِ لا يستْدِعي خصوصَ الوعيدِ بهمِ بلْ كلُّ منْ اتصفَ بوصفهِم القبيحْ فلَهُ ذنوبٌ منْهُ مثلُ ذنوبِهم

стр. 8568

﴿الذى جَمَعَ مَالاً﴾ بدلٌ منْ كُلِّ أوْ منصوبٌ أو مرفوعٌ على الذمِّ وقرىء جمع بالتشديد للتكثير وتنكير ما لا للتفخيمِ والتكثيرِ الموافقُ لقولِه تعالَى ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ وقيلَ مَعْنى عَدَّدَهُ جعلَهُ عدةً لنوائبِ الدَّهرِ وَقُرِىءَ وَعَدَدَهُ أيْ جمعَ المالَ وضبطَ عَدَدَهُ أوْ جمعَ مالَهُ وعددَهُ الذينَ ينصرونَهُ منْ قولِك فلانٌ ذُو عُددٍ وَعَددٍ إذَا كانَ لَهُ عددٌ وافرٌ منَ الأنصارِ والأعوانِ وقيلَ هُو فعلٌ ماضٍ بفكِّ الإدغامِ

стр. 8569

﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أيْ يعملُ عملَ منْ يظنُّ أنَّ مالَهُ يبقيهِ حياً والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لزيادةِ التقريرِ وقيلَ طَوَّلَ المالُ أَمَلَه وَمَنَّاهُ الأَمَانيِّ البعيدةَ حَتَّى أصبحَ لفرطِ غفلتِه وطولِ أملِه يحسبُ أنَّ المالَ تركَهُ خَالداً في الدُّنيا لا يموتُ وقيلَ هُو تَعريضٌ بالعملِ الصالحِ والزهدِ في الدُّنيا وأنَّه هُوَ الذي أخلدَ صاحبَهُ في الحياةِ الأبديةِ والنعيمِ المقيمِ فأمَّا المال فليس بخالد ولا بمُخَلِّدٍ ورُوِيَ أنَّ الأخنسَ كانَ لهُ أربعةُ آلافِ دينارٍ وقيلَ عشرةُ آلافٍ والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ منْ فاعلِ جَمَع

стр. 8570

﴿كَلَاّ﴾ ردعٌ لهُ عنْ

стр. 8571

﴾ ٠٤ سورة الهمزة آية (٩٥) ذلكَ الحْسبانِ الباطلِ وَقولُه تعالَى ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ مقدرٍ وَالجملةُ استئنافٌ مبينٌ لعلةِ الردعِ أيْ والله ليطرحنَّ بسببِ تعاطيِه للأفعالِ المذكورةِ ﴿فِى الحطمة﴾ أيْ في النارِ التي شأنُها أنْ تحطمَ وتكسرَ كُلَّ مَا يُلْقَى فيهَا كَما أنَّ شأنَهُ كسرُ أعراضِ النَّاسِ وجمعُ المالِ وَقولُه تعالى

стр. 8572

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ لتهويلِ أمرِهَا ببيانِ أنَّها ليستْ منِ الأمورِ التي تنالهَا عقولُ الخلقِ

стр. 8573

وقولُه تعالَى ﴿نَارُ الله﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ بيانٌ لشأنِ المسؤولِ عَنْها أيْ هيَ نارُ الله ﴿الموقدة﴾ بأمرِ الله عزَّ سلطانُهُ وفي إضافتها إليهِ سُبحانَهُ ووصفُهَا بالإيقادِ منْ تهويلِ أمرِهَا مَا لَا مزيدَ عليهِ

стр. 8574

﴿التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة﴾ أيْ تعلُو أوساطَ القلوبِ وتغشاهَا وتخصيصُها بالذكرِ لما أنَّ الفؤادَ ألطفُ ما في الجسدِ وأشدُّة تألماً بأدْنى أَذى يمسُّهُ أوْ لأَنَّه محلُ العقائدِ الزائغةِ والنياتِ الخبيثةِ ومنشأُ الأعمالِ السيئةِ

стр. 8575

﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة من أوصدت الباب وأصدته أي أطبقته

стр. 8576

﴿فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ إِمَّا حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ في عليهمْ أيْ كائنينَ في عمدٍ ممددةٍ أيْ موثقينَ فيهَا مثلُ المقاطرِ التي تُقطرُ فيهَا اللصوصُ أوْ خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ أيْ هُمْ في عمدٍ أو صفةٌ لمؤصدةٍ قالَه أبُو البقاءِ أيْ كائنةٌ في عمد ممددة بأنْ تؤصدَ عليهمْ الأبوابُ وتمددَ على الأبوابِ العمدُ استيثاقاً في استيثاقٍ اللهمَّ أجرنَا منها يا خيرَ مستجارٍ وَقُرِىءَ عُمُدٌ بضمتينِ عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الهمزةِ أعطاهُ الله تعالى عشر حسنات بعدد منِ استهزأَ بمحمدٍ وأصحابِهِ

стр. 8577

﴾ ٠٥ سورة الفيل مكية وآيها خمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8578

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيل﴾ الخطابُ لرسول الله ﷺ والهمزةُ لتقريرِ رؤيتِه ﵊ بإنكارِ عَدَمِها وكيفَ معلقةٌ لفعلِ الرؤيةِ منصوبةٌ بما بعدَهَا والرؤيةُ عِلْميةٌ أيْ ألمْ تعلْم علماً رصيناً متاخماً للمشاهدةِ والعَيَانِ باستماعِ الأخبارِ المتواترةِ ومعاينةِ الآثارِ الظَّاهرةِ وَتعليقُ الرؤيةِ بكيفيةِ فعلِه لَا بنفسِه بأَنْ يقالَ ألْم ترَ ما فعلَ ربُّكَ الخ لتهويلِ الحادثةِ والإيذانِ بوقوعِها عَلَى كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ عجيبةٍ دالةٍ عَلَى عظمِ قُدرةِ الله تعالَى وكمالِ علمِه وحكمتِه وعزةِ بيتِه وشرفِ رسوله ﷺ فإنَّ ذلكَ منَ الإرهاصاتِ لما رُوي أنَّ القصةَ وقعتْ في السنةِ التي ولد فيها النبيِّ ﷺ وتفصيلُها أنَّ أبرهةَ بْنَ الصبَّاحِ الأشرمَ ملكَ اليمنِ مِنْ قبلِ أصحمةَ النجاشيِّ بنَى بصنعاءَ كنيسةً وسَمَّاها القُلَّيْسَ وأرادَ أنْ يصرفَ إليها الحاجَّ فخرجَ رجلٌ منْ كِنانةَ فقعدَ فيهَا ليلاً فأغضَبهُ ذلكَ وقيلَ أججتْ رفقةٌ منَ العربِ ناراً فحملتها الريحْ فأحرقتَها فحلف ليهد الكعبةَ فخرجَ معَ جيشِه ومعه فيلٌ له اسُمه محمودٌ وكانَ قوياً عظيماً وإثنا عشرَ فيلاً غيرهُ وقيلَ ثمانيةٌ وقيل ألفٌ وقيلَ كانَ معه وَحْدَهُ فلما بلغَ المُغمَّسَ خرجَ إليه عبدُ المطلبِ وعرضَ عليه ثلثَ أموالِ تهامةَ ليرجعَ فأبىَ وعبَّأَ جيشَهُ وقدَّمَ الفيلُ فكانَ كلمَا وجهوه إلى الحرمِ بركَ ولم يبرحْ وإذا وجهوه إلى اليمنِ أو إلى غيرِه من الجهاتِ هرولَ فأرسلَ الله تعالَى طيراً سُوداً وقيلَ خُضراً وقيل بيضَاً مع كُلِّ طائرٍ حجرٌ في منقارِه وحجرانِ في رجليهِ أكبرُ من العدسةِ وأصغرُ من الحِمُصَةِ فكان الحجر يلقى عَلى رأسِ الرجلِ فيخرجُ من دُبُرهِ وعلى كُلِّ حجرٍ اسمُ منْ يقعُ عليهِ ففروا فهلكُوا في كلِّ طريقٍ ومنهلٍ ورويَ أنَّ أبرهةَ تساقطتْ أناملُه وآرابُه وما ماتَ حتى انصدر صدْرُهُ عن قلبهِ وانفلتَ وزيرُهُ أبو يكسومَ وطائرٌ يُحلِّقُ فوقَهُ حتى بلغَ النجاشيِّ فقصَّ عليهِ القصةَ فلما أتمَّها وقعَ عليهِ الحجرُ فخرَّ ميتاً بينَ يديِه وقيلَ إنَّ أبرهةَ أخذَ لعبدِ المطلبِ مائتي بعيرٍ فخرجَ إليهِ في شأنِها فلما رآه أبرهةُ عظُمَ في عينِه وكانَ رجُلاً وَسيماً جَسيماً وقيلَ هذا سَيِّدُ قُريشٍ وصاحبُ عِيرِ مكةَ الذي يطعمُ الناسَ في السهلِ والوحوشَ في رؤوسِ الجبالِ فنزلَ أبرهةُ عن سريرهِ وجلسَ عَلَى بساطِه وقيل أجلَسه مَعَهُ على سريرِه ثم قالَ لترجمانِه قُلْ لَهُ ما حاجتُكَ فلما ذكرَ حاجتَهُ قالَ سقطتَ مِنْ عَينِي حيثُ جئتُ لأهدمَ البيتَ الذي هُوَ دينُكَ ودينُ

стр. 8579

آبائِك وعصمتُكم وشرفُكم في قديمِ الدهرِ لا تكلمِني فيهِ ألهاكَ عنْهُ ذَودٌ أخذتُ لكَ فقالَ عبدُ المطلبِ أنا ربُّ الإبلِ وإن للبيت رباً يحميِه ثم رجعَ وأتىَ بابَ الكعبةِ فأخذَ بحلقتِه ومعهَ نفرٌ من قريشٍ يدعونَ الله فالتفتَ وهو يدعُو فإذا هو بطيرٍ منْ نحوِ اليمنِ فقالَ والله إنها لطيرٌ غريبةٌ مَا هيَ نجديةٌ ولا تهاميةٌ فأرسلَ حلقةَ البابِ ثمَّ انطلقَ معَ أصحابِه ينتظرونَ ماذَا يفعلُ أبرهةُ فأرسلَ الله تعالَى عليهُم الطيرَ فكانَ ما كانَ وقيلَ كانَ أَبْرهةُ جَدَّ النجاشيِّ الذي كانَ في زمنِ النبيِّ ﷺ وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ رأيتُ قائدَ الفيلِ وسائسَه أعميينِ مُقعدينِ يستطعمان وقُرِىءَ أَلم تَرْ بسكونِ الراءِ للجدِّ في إظهارِ أثرِ الجازمِ وقولُه تعالَى

стр. 8580

﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾ الخ بَيَانٌ إِجْمَاليٌ لمَا فعلَه الله تَعَالى بهمْ وَالهْمزةُ للتقريرِ كَما سبقَ ولذلكَ عطفٌ عَلَى الجملةِ الاستفهاميةِ ما بعدَهَا كأنَّه قيلَ قدْ جعلَ كيدَهُم في تعطيلِ الكعبةِ وتخريبِها في تضييعٍ وإبطالٍ بأنْ دمَّرهُم أشنعَ تدميرٍ
следующие страницы →