Полный текст (8 642 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
٢١ - ٢٢ النساء والجملةُ حاليةٌ بإضمار قد لامعطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها
﴿قِنْطَاراً﴾ أي مالاً كثيراً
﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ﴾ أي من ذلك القنطارِ
﴿شَيْئاً﴾ يسيراً فضلاً عن الكثير
﴿أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير النهْي والتنفيرِ عن المنهيِّ عنه والاستفهامُ للإنكار والتوبيخِ أي أتأخذونه باهتين وآثمين أو للبهتان والإثم فإن أحدَهم كان إذا تزوج امرأةً بَهَت التي تحته بفاحشة حتى يُلجِئَها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرِفه إلى تزوج الجديدةِ فنُهوا عن ذلك والبهتانُ الكذبُ الذي يبهَتُ المكذوبَ عليه ويُدهِشه وقد يستعمل في الفعل الباطلِ ولذلك فسر ههنا بالظلم وقوله عز وجل
стр. 947
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنكارٌ لأخذه إثرَ إنكارٍ وتنفيرٌ عنه غب تنفيرٍ وقد بولغ فيه حيث وُجّه الإنكارُ إلى كيفية الأخذِ إيذاناً بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوعِ أصلاً لأن ما يدخُل تحت الوجود لابد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشيء حالٌ أصلاً لم يكن له حظٌّ من الوجود قطعاً وقوله
﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ حالٌ من فاعل تأخُذونه مفيدةٌ لتأكيد النكيرِ وتقريرِ الاستبعادِ أي على أيّ حالٍ أو في أي حالٍ تأخُذونه والحالُ أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوالٌ منافيةٌ له من الخَلْوة وتقرُّرِ المَهرِ وثبوتِ حقِّ خِدْمتِهن لكم وغير ذلك
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً﴾ عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حُكمهِ أيْ أخذْنَ منكم عهداً وثيقاً وهو حقُّ الصحبةِ والمعاشرةِ أو ما أوثق اللَّهُ تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان أو ما أشار إليه النبيِّ ﷺ بقوله أخذتموهن بأمانة الله واستحللم فروجَهن بكلمة الله تعالى
стр. 948
﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آباؤكم﴾ شروعٌ في بيان من يحْرُم نكاحُها من النساء ومَنْ لا يحرُم وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في سلك نكاحِ المحرِّماتِ الآتيةِ مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرِّين على تعاطيه قال ابنُ عباسٍ وجمهورُ المفسِّرين كان أهلُ الجاهليةِ يتزوّجون بأزواج آبائِهم فنُهوا عن ذلك واسمُ الآباءِ ينتظِمُ الأجدادَ مجازاً فتثبُت حرمةُ ما نكحوها نصاً وإجماعاً ويستقِلُّ في إثبات هذه الحُرمةِ نفس النكاحِ إذا كان صحيحاً وأما إذا كان فاسداً فلا بد في إثباتها من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمسِّ بشهوة ونحوِهما بل هو المثبِتُ لها في الحقيقة حتى لو وقعَ شيءٌ من ذلكَ بحكم مِلكِ اليمينِ أو بالوجه المحرَّمِ تثبتُ به الحُرمةُ عندنا خلافاً للشافعي في المحرّم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم وإيثارُ مَا على مَنْ للذهاب إلى الوصف وقيل ما مصدريةٌ على إرادة المفعولِ من المصدر
﴿مّنَ النساء﴾ بيانٌ لما نُكِح على الوجهين
﴿إَلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ مما نكَحَ مفيدٌ للمبالغة في التحريم بإخراج الكلامِ مُخرَجَ التعليقِ بالمُحال على طريقةِ قولهِ ... ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفيهم ... بهن فُلولٌ من قراع الكتائبِ ... والمعنى لا تنكِحوا حلائلَ آبائِكم إلا من ماتت منهن والمقصودُ سدُّ طريقِ الإباحةِ بالكلية ونظيرُه قوله تعالى ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط﴾ وقيل هو استثناء مما يستلزِمُه النهي ويستوجبه مباشرةً المنهي عنه
стр. 949
٢٣ - النساء كأنه قيل لا تنكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه موجبٌ للعقاب إلا ما قد مضى فإنه معفوٌّ عنه وقيل هو استثناءٌ منقطعٌ معناه لكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لا أنه مقرَّرٌ ويأباهما قولُه تعالى
﴿إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً﴾ فإنه تعليلٌ للنهي وبيانٌ لكون المنهيِّ عنه في غاية القُبحِ مبغوضاً أشدَّ البُغضِ وأنه لم يزَلْ في حُكمِ الله تعالى وعلمِه موصوفاً بذلك ما رَخَّص فيه لأمة من الأمم فلا يلائم أن يُوسَّطَ بينهما ما يُهوِّن أمرَه من ترك المؤاخذة على ماسلف منه
﴿وَسَاء سَبِيلاً﴾ في كلمة سَاء قولانِ أحدُهما أنها جاريةٌ مَجرى بئسَ في الذم والعملِ ففيها ضميرٌ مُبْهمٌ يفسِّره ما بعدَهُ والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديرُه وساء سبيلاً سبيلُ ذلك النكاحِ كقوله تعالى بِئْسَ الشراب أي ذلك الماءُ وثانيهما أنها كسائر الأفعالِ وفيها ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضميرُ أَنَّهُ وسبيلاً تمييز والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو معطوفة على خبر كان محكيةٌ بقول مُضْمرٍ هو المعطوفُ في الحقيقة تقديرُه ومقولاً في حقه ساء سبيلاً فإن ألسنةَ الأممِ كافةً لم تزَلْ ناطفة بذلك في الأعصار والأمصار قيل مراتبُ القُبحِ ثلاثٌ القبحُ الشرعيُّ والقبحُ العقليُّ والقبحُ العاديُّ وقد وصف الله تعالى هذا النكاحَ بكل ذلك فقولُه تعالى فاحشة مرتبةُ قُبحِه العقليِّ وقولُه تعالى وَمَقْتاً مرتبةُ قبحِه الشرعيِّ وقولُه تعالى وَسَاء سَبِيلاً مرتبةُ قبحِه العاديِّ وما اجتمع فيه هذه المراتبُ فقد بلغَ أقصى مراتبِ القُبحِ
стр. 950
﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ وَبَنَاتُ الاخت﴾ ليس المرادُ تحريمَ ذواتِهن بل تحريمَ نكاحِهن وما يُقصد به من التمتع بهن وبيانَ امتناعِ ورودِ مِلكِ النكاحِ عليهن وانتفاءِ محلِّيتِهن له رأسا وأما حرمةُ التمتُّع بهن بملك اليمينِ في الموادّ التي يُتصور فيها قرارُ المِلكِ كما في بعض المعطوفاتِ على تقدير رِقِّهن فثابتةٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المدارِ الذي هو عدمُ مَحلّيةِ أبضاعِهن للمِلْك لا بعبارته بشهادة سباقِ النظمِ الكريمِ وسياقِه وإنما لم يوجب المدارُ المذكورُ امتناعَ ورود ملك اليمين رأساً ولا حرمةَ سببِه الذي هو العقدُ أو ما يجري مَجراه كما أوجب حرمةَ عقدِ النكاحِ وامتناعَ ورودِ حُكمِه عليهن لأن مورِدَ مِلكِ اليمينِ ليس هو البُضعَ الذي هو مورِدُ ملكِ النكاحِ حتى يفوتَ بفوات مَحلِّيتِه له كملك النكاحِ فإنه حيث كان موردُه ذلك فات بفوات محلّيتِه له قطعاً وإنما مورِدُه الرقبةُ الموجودةُ في كل رقيق فيتحقق بتحقق محلِّه حتماً ثم يزول بوقوع العِتقِ في المواد التي سببُ حرمتِها محضُ القرابةِ النَّسَبية كالمذكورات ويبقى في البواقي على حاله مستتبِعاً لجميع
стр. 951
أحكامِه المقصودةِ منه شرعاً وأما حلُّ الوطءِ فليس من تلك الأحكامِ فلا ضيرَ في تخلُّفه عنه كما في المجوسية والأمهاتُ تعُمُّ الجداتِ وإن عَلَوْن والبناتُ تتناول بناتِهن وإن سفَلْن والأخواتُ ينتظِمْن الأخواتِ من الجهات الثلاثِ وكذا الباقياتُ والعمةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ وَلدَ والدَك والخالةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ ولدَ والدتَك قريباً أو بعيداً وبناتُ الأخِ وبنات الأخت تتناول القربى والبعدى
﴿وأمهاتكم الْلَاّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ الرضاعة﴾ نزّل الله تعالى الرَّضاعة منزلةَ النَسَب حتى سمَّى المُرضِعةَ أماً للرضيع والمراضعة أختاً وكذلك زوجُ المرضعةِ أبوه وأبواه جدّاه وأختُه عمتُه وكلُّ ولدٍ وُلد له من غير المُرْضِعة قبلَ الرّضاعِ وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمُّ المرضعةِ جدتُه وأختُها خالتُه وكل من ولد من هذا الزوجِ فهم أخوانه وأخواتُه لأبيه وأمه ومِنْ ولدها من غيره فهم إخوتُه وأخواتُه لأمه ومنْهُ قولُه ﵇ يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من النَسَب وهو حكمٌ كليٌّ جارٍ على عمومه وأما أمُّ أخيه لأب وأختُ ابنِه لأم وأمُّ أمِّ ابنِه وأمُّ عمِّه وأمُّ خالِه لأب فليست حرمتُهن من جهة النسبِ حتى يحِلَّ بعمومه ضرورةَ حلِّهن في صور الرضاعِ بل من جهة المصاهرةِ ألا يُرى أن الأولى موطوءةُ أبيه والثانيةَ بنتُ موطوءتِه والثالثةَ أمُّ موطوءتِه والرابعةَ موطوءةُ جدِّه الصحيحِ والخامسةَ موطوءةُ جدِّه الفاسد
﴿وأمهات نِسَائِكُمْ﴾ شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرةِ إثرَ بيان المحرَّماتِ من جهة الرَّضاعةِ التي لها لُحمةٌ كلُحمةِ النَسبِ والمرادُ بالنساء النكوحات على الإطلاق سواءٌ كن مدخولا بهن أولا وعليه جمهورُ العلماء روي عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال في رجل تزوج امرأةً ثم طلقها قبل أن يدخل بها إنه لا بأس بأن يتزوجَ ابنتَها ولا يحِلُّ له أن يتزوجَ أمَّها وعن عمرَ وعِمرانَ بنِ الحصين ﵄ أنَّ الأمَّ تحرُم بنفس العقدِ وعن مسروقٍ هي مُرسلةٌ فأرسِلوا ما أرسلَ الله وعن ابن عباس أبهِموا ما أبهم الله خلا أنه روي عنه وعن علي وزيد وابنِ عمر وابن الزبير ﵃ أنهم قرءوا وأمهاتُ نسائِكم اللاتي دخلتم بهن وعن جابر روايتان وعن سعيد بن المسيب عن زيد أنه إذا ماتت عنده فأخذ ميراثَها كُره أن يخلُفَ على أمها وإذا طلقها قبل أن يدخُل بها فإن شاء فَعَل أقام الموتَ في ذلك مُقام الدخولِ كما قام مقامَه في باب المهرِ والعِدّةِ ويُلحقُ بهن الموطوءاتُ بوجه من الوجوه المعدودةِ فيما سبَق والممسوساتُ ونظائرُهن والأمهاتُ تعم المرضِعاتِ كما تعم الجداتِ حسبما ذكر
﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ﴾ الربائبُ جمعُ ربيية فعيل بمعنى مفعول والتَّاءُ للنقلِ إلى الاسميَّةِ والربيبُ ولدُ المرأةِ من آخَرَ سمي به لأنه يرُبُّه غالباً كما يرُبُّ ولدَه وإن لم يكن ذلك أمراً مطَّرِداً وهو المعنيُّ بكونهن في الحُجور فإن شأنهن الغالبَ المعتادَ أن يكنّ في حضانة أمهاتِهن تحت حماية أزواجهن لاكونهن كذلك بالفعل وفائدةُ وصفِهن بذلك تقويةُ عِلةِ الحُرمةِ وتكميلها كما أنها النُّكتةُ في إيرادهن باسم الربائبِ دون بناتِ النساءِ فإن كونَهن بصدد احتضانِهم لهن وفي شرف التقلّبِ في حجورهم وتحت حمايتِهم وتربيتِهم مما يقوِّي الملابسةَ والشبَهَ بينهن وبين أولادِهم ويستدعي إجراءَهن مُجرى بناتِهم لا تقييدُ الحرمةِ بكونهن في حجورهم بالفعل كما رُوي عن عليَ ﵁ وبه أخذ داودُ ومذهبُ جمهورِ العلماءِ ما ذكر أولاً بخلاف ما في قوله تعالى
﴿مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فإنه لتقييدها به قطعاً فإن
стр. 952
كلمةَ مِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ربائبكم او من ضميرها المستكنِّ في الظرف لأنه لما وقع صلة تحمل ضميرا أي وربائبكم اللاتي استقرَرْنَ في حجوركم كائناتٍ من نسائكم الخ ولا مساغَ لجعلِه حالاً من أمهاتُ أو مما أضيفت هي إليه خاصةً وهو بيِّنٌ لا سِترةَ به ولا مع ما ذكر أولا ضرورةَ أن حاليتَه من ربائبكم أو من ضمير ما تقتضي كونَ كلمةِ مِنْ ابتدائيةً وحاليتُه من أمهاتُ أو من نسائكم تستدعي كونَها بيانيةً وادعاءُ كونِها اتصاليةً منتظمةٌ لمعنى الابتداءِ والبيان او جعل الموصول صفة للنساء مع اختلاف عاملَيْهما مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله مع أنه سعيٌ في إسكات ما نطق به النبيُّ ﷺ واتفق عليه الجمهورُ حسبما ذُكر فيما قبلُ وأما ما نقل من القراءة فضعيفةُ الروايةِ وعلى تقدير الصحةِ محمولةٌ على النسخ ومعنى الدخولِ بهن إدخالُهن السِّترَ والباءُ للتعدية وهي كنايةٌ عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرَب عليها الحجابَ وفي حكمه اللمسُ ونظائرها كما مر
﴿فَإِن لَّمْ تكونوا﴾ أي فيما فبل
﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أصلاً
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي في نكاح الربائبِ وهو تصريحٌ بما أَشعَرَ به ما قبله والفاءُ الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن بيانَ حكمِ الدخولِ مستتبِعٌ لبيانِ حكمِ عدمِه
﴿وحلائل أَبْنَائِكُمُ﴾ أي زوجاتُهم سُمّيت الزوجةُ حليلةً لحِلّها للزوج أو لحلولها في محله وقيل لَحِلّ كلَ منهما إزارَ صاحبِه وفي حكمهن مزْنياتُهم ومَن يجرين مَجراهن من الممسوسات ونظائرِهن وقولُه تعالى
﴿الذين مِنْ أصلابكم﴾ لإخراج الأدعياءِ دون أبناءِ الأولادِ والأبناءِ من الرَّضاع فإنهم وإن سفلوا في حكم الأنباء الصلبية
﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين﴾ في حيز الرفعِ عطفاً على ما قبله من المحرمات والمرادُ به جمعُهما في النكاح لا في ملك اليمن وأما جمعُهما في الوطء بملك اليمن فملحقٌ به بطريق الدِلالةِ لاتحادهما في المدار ولقوله ﵊ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يجمَعَنّ ماءَه في رحم أختين بخلاف نفسِ ملكِ اليمينِ فإنه ليس في معنى النكاحِ في الأفضاء إلى الوطء ولا مستلزِماً له ولذلك يصَحُّ شراءُ المجوسيةِ دون نكاحِها حتى لو وطئهما لايحل له وطءُ إحداهما حتى يحرُمَ عليه وطءُ الأخرى بسبب من الأسباب وكذا لو تزوج أختَ أَمَتِه الموطوءةِ لا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم عليه الأخرى لأن المنكوحةَ موطوءةٌ حكماً فكأنه جمعهما وطأ وإسنادُ الحرمةِ إلى جمعهما لا إلى الثانية منهما بأن يقال وأخواتُ نسائِكم للاحتراز عن إفادة الحُرْمةِ المؤبدةِ كما في المحرماتِ السابقة ولكونه بمعزلٍ من الدِلالة على حرمة الجمعِ بينهما على سبيل المعية ويشترك في هذا الحكمِ الجمعُ بين المرأةِ وعمتِها ونظائرِها بل أولى فإن العمةَ والخالةَ بمنزلة الأمِّ فقوله ﵇ لا تُنكحُ المرأةُ على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها من قبيل بيان التفسير لابيان التغييرِ وقيل هو مشهورٌ يجوز به الزيادةُ على الكتاب
﴿إَلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي لكِنْ ما قد مضى لاتؤاخذون به ولا سبيل إلى جعله متصلاً بقصد التأكيدِ والمبالغةِ كما مر فيما سلف لأن قوله تعالى
﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ تعليلٌ لما أفاده الاستثناءُ فيتحتم الانقطاعُ وقال عطاء والسدي معناه إلا ما كان من يعقوبَ ﵇ فإنه قد جمع بين ليا أمِّ يهوذا وبين راحيلَ أم يوسف ﵊ وَلَا يساعده التعليلُ لأن ما فعله يعقوبُ ﵇ كان حلالاً في شريعته وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ أهلُ الجاهليةِ يحرِّمون مَا حَرَّمَ الله
стр. 953
٢٤ - النساء تعالى امرأة الأب والجمع بين الأختين وروى هشامُ بنُ عبدِ اللَّه عن محمد بنِ الحسنِ أنه قال كان أهلُ الجاهلية يعرِفون هذه المحرماتِ إلا اثنتين نكاحَ امرأةِ الأبِ والجمعَ بين الأختين ألا يُرى أنه قد عُقِّب النهيُ عن كل منهما بقوله تعالى إَلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ وهذا يُشير إلى كون الاستثناءِ فيهما على سَنن واحدٍ ويأباه اختلافُ التعليلين
стр. 954
﴿والمحصنات﴾ بفتح الصاد وهن ذواتُ الأزواجِ أحصنهنّ التزوجُ أو الأزواجُ أو الأولياءُ أَعَفَّهن عن الوقوع في الحرام وقرئ على صيغةِ اسمِ الفاعلِ فإنهن أحصن فروجهن عن غير أزواجِهن أو أحصَنَّ أزواجَهن وقيل الصيغةُ للفاعل على القراءةِ الأولى أيضاً وفتحُ الصادِ محمولٌ على الشذوذ كما في نظيريه مُلقَح ومسهَب من القح وأسهب قيل ورد الإحصانُ في القرآن بإزاء أربعة معانٍ الأولُ التزوجُ كما في هذه الآية الكريمة الثاني العفةُ كما في قوله تعالى مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين الثالث الحريةُ كما في قوله تعالى ومن لم يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات والرابع الإسلامُ كما في قولِه تعالى فَإِذَا أُحْصِنَّ قيل في تفسيره أي أسلمن وهي معطوفةٌ على المحرمات السابقة وقوله تعالى
﴿مّنَ النساء﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً منها أي كائناتٍ من النساء وفائدتُه تأكيدُ عمومِها لا دفع توهُّمِ شمولِها للرجال بناءً على كونها صفةً للأنفس كما تُوهِّم
﴿إِلَاّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ استثناءٌ من المحصَنات استثناءَ النوعِ من الجنس أي ملكتُموه وإسنادُ المِلكِ إلى الأَيْمان لما أن سببَه الغالبَ هو الصفةُ الواقعةُ بها وقد اشتهر ذلك في الأرقاء لاسيما في إناثهم وهن المراداتُ ههنا رعايةً للمقابلة بينه وبين مِلكِ النكاحِ الواردِ على الحرائر والتعبيرُ عنهن بما لإسقاطهن بما فيهن من قصور الرقِّ عن رتبة العقلاءِ وهي إما عامةٌ حسب عمومِ صلتِها فالاستثناءُ حينئذ ليس لإخراج جميعِ أفرادِها من حكم التحريمِ بطريق شمولِ النفي بل بطريق نفيِ الشمولِ المستلزِمِ لإخراج بعضِها أي حُرمت عليكم المحصَناتُ على الإطلاق إلا المحصناتِ اللاتي ملكتُموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لايحرم نكاحُهن في الجملة وهن المسببات بغير أزواجِهن أو مطلقاً حسب اختلافِ الرأيين وإما خاصةٌ بالمذكورات فالمعنى حُرمت عليكم المحصناتُ إلا اللاتي سُبِين فإن نكاحَهن مشروعٌ في الجملة أي لغير مُلاّكِهن وأما حِلُّهن لهم بحكم ملكِ اليمينِ فمفهومٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المَناطِ لابعبارته لما عرفتَ من أنَّ مَساقَ النظمِ الكريمِ لبيانِ حرمةِ التمتعِ بالمحرمات المعدودةِ بحكم ملكِ النكاحِ وإنما ثبوتُ حرمةِ التمتعِ بهن بحكم ملك اليمن بطريق دِلالةِ النصِّ وذلك مما لا يجري فيه الاستثناءُ قطعاً وأما عدُّهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفُرقةِ بينهن وبين أزواجهن قطعا بالتباين أو بالسبْي على اختلاف الرأيين فمبنيٌّ على اعتقاد الناسِ حيث كانوا حينئذ غافلين عن الفُرقة ألا يُرى إلى ما رُوي عن أبي سعيدٍ الخدريُّ ﵁ من أنه قال أصبْنا يومَ أوطاس سبايا لهن أزواج فكرهنا أن تقع عليهن فسألنا النبيِّ ﷺ وفي رواية عنه قلنا يا رسول الله كيف نقع على
стр. 955
نساء عرَفنا أنسابَهن وأزواجَهن فنزلت والمحصناتُ مّنَ النساء إِلَاّ مَا ملكت إيمانُكم فاستحللناهن وفي رواية أخرى عنه ونادى منادي رسولِ الله ﷺ ألا لاتوطأ حاملٌ حتى تضَعَ ولا حائلٌ حتى تحيضَ فأباح وطأَهن بعد الاستبراءِ وليس في ترتيب هذا الحكمِ على نزول الآيةِ الكريمةِ ما يدل على كونها مَسوقةً له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالة على إفادتها بطريق العبارةِ أو نحوِها هذا وقد روي عن أبي سعيد ﵁ أنَّه قال إنها نزلت في نساءٍ كنّ يهاجِرْن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواجٌ فيتزوجُهن بعضُ المسلمين ثم يقدَمُ أزواجُهن مهاجرين فنهى عن نكاحهن فالمحصناتُ حينئذ عبارةٌ عن مهاجرات يَتَحقق أو يُتوقع من أزواجهن الإسلامُ والمهاجَرَة ولذلك لم يزُلْ عنهن اسمُ الإحصان والنهى لتحريم المحقق وتعرُّفِ حالِ المتوقعِ وإلا فما عداهن بمعزل من الحُرمة واستحقاقِ إطلاقِ الاسمِ عليهن كيف لا وحين انقطعت العلاقةُ بين المسببة وزوجِها مع اتحادهما في الدين فلأَنْ تنقطِعَ ما بين المهاجِرَةِ وزوجِها أحقُّ وأولى كما يُفصح عنه قولُه فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاهن حل لهم ولاهم يَحِلُّونَ لَهُنَّ الآية
﴿كتاب الله﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ أي كتَبَ الله
﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريمَ هؤلاءِ كتاباً وفرضه فرضاً وقيل منصوبٌ على الإغراء بفعل مضمر أى مؤكد أي الزَموا كتابَ الله وعليكم متعلقٌ إما بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالاً منه وقيل هو إغراءٌ آخَرُ مؤكدٌ لما قبله قد حُذف مفعولُه لدِلالة المذكورِ عليه أو بنفس عليكم على رأي من جوّز تقديمَ المنصوبِ في باب الإغراءِ كما في قوله ... يأيها امائح دَلْوي دونكا ... إني رأيتُ الناس يحمدونكا ...
وقرئ كُتُبُ الله بالجمع والرفع أي هذه فرائضُ الله عليكم وقرئ كتَبَ الله بلفظ الفعل
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على حُرّمت عليكم الخ وتوسيطُ قوله تعالى كتاب الله عَلَيْكُمْ بينهما للمبالغة في الحمل على المحافظة على المحرمات المذكورة وقرئ على صيغة المبنيِّ للفاعلِ فيكون معطوفاً على الفعل المقدّرِ وقيل بل على حرمت الخ فإنهما جملتانِ متقابلتانِ مؤسِّستانِ للتحريم والتحليلِ المنوطَيْن بأمر الله تعالى ولا ضير في اختلاف المُسندِ إليه بحسب الظاهِرِ لاسيما بعد ما أُكّدت الأولى بما يدل على أن المحرِّمَ هو الله تعالى
﴿مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من المحرمات المعدودةِ أي أُحِلَّ لكم نِكاحُ ما سواهن انفراداً وجمعاً ولعل إيثارَ اسمِ الإشارةِ المتعرِّضِ لوصفِ المشارِ إليه وعنوانِه على الضمير المتعرِّضِ للذات فقط لتذكير ما في كل واحدةٍ منهن من العنوان الذي عليه يدور حُكمُ الحرمةِ فيُفهم مشاركةُ مَنْ في معناهن لهن فيها بطريق الدلالةِ فإن حرمةَ الجمعِ بين المرأةِ وعمتِها وبينها وبين خالتِها ليست بطريق العبارة بل بطريق الدِلالةِ كما سلف وقيل ليس المرادُ بالإحلالِ الإحلال مطلقاً أي على جميع الأحوالِ حتى يردَ أنه يلزمُ منه حِلُّ الجمعِ بين المرأةِ وعمتِها وبينها وبين خالتِها بل إنما هو إحلالُهن في الجملة أي على بعض الأحوالِ ولا ريب في حل نكاحِهن بطريق الانفرادِ ولا يقدَحُ في ذلك حرمتُه بطريق الجمع إلا يرى أن حرمةَ نكاحِ المعتدّةِ والمطلقةِ ثلاثاً والخامسةِ ونكاحِ الأمةِ على الحرة ونكاحِ الملاعنة لاتقدح في حل نكاحِهن بعد العدةِ وبعد التحليلِ وبعد تطليقِ الرابعةِ وانقضاءِ العدةِ وبعد تطليقِ الحرةِ وبعد إكذابِ الملاعِنِ نفسَه وأنت خبير بأن الحلَّ يجب أن يتعلق ههنا بما تعلق به الحرمةُ فيما سلف وقد تعلق ههنا بالجمع فلا بد أن يتعلق الحل به أيضاً
﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ متعلق بالفعلين المذكورين على أنَّه
стр. 956
مفعول له لكن باعتبار ذاتِهما بل باعتبار بيانِهما وإظهارِهما أي بيّن لكم تحريمَ المحرماتِ المعدودةِ وإحلال ماسواهن إرادةَ أن تبتغوا بأموالكم والمفعولُ محذوفٌ أي تبتغوا النساءَ أو متروكٌ أي تفعلوا الابتغاءَ
﴿بأموالكم﴾ بصَرْفها إلى مهورهن أو بدا اشتمالٍ مما وراءَ ذلكم بتقدير ضميرِ المفعولِ
﴿مُّحْصِنِينَ﴾ حالٌ من فاعل تبتغوا والإحصانُ العفةُ وتحصينُ النفسِ عن الوقوع فيما يوجب اللومَ والعِقابَ
﴿غَيْرَ مسافحين﴾ حال ثانية منه أو حالٌ من الضمير في محصِنين والسِفاحُ الزنا والفجورُ من السَّفْح الذي هو صبُّ المنيِّ سُمّي به لأنه الغرضُ منه ومفعولُ الفعلين محذوفٌ أي محصِنين فروجَكم غيرَ مسافحين الزّواني وهي في الحقيقة حالٌ مؤكدةٌ لأن المحصَنَ غيرُ مسافحٍ ألبتةَ وما في قوله تعالى
﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إما عبارةٌ عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعلى التقديرين فهي إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها وإما موصولةٌ ما بعدها صلتُها وأياً ما كان فهي مبتدأٌ خبرُها على تقدير كونِها شرطيةً إما فعلُ الشرطِ أو جوابُه أو كلاهما على الخلاف المعروفِ وعلى تقدير كونِها موصولةً قولُه تعالى
﴿فآتوهنَّ أجورهُنَّ﴾ والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرطِ ثم على تقدير كونِها عبارةً عن النساء فالعائدُ إلى المبتدأ هو الضميرُ المنصوبُ في فآتوهن سواءٌ كانت شرطيةً أو موصولةً ومن بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ محلُّها النصبُ عَلى الحاليةِ منَ الضميرِ المجرورِ في به والمعنى فأيُّ فردٍ استمتعتم به أو فالفردُ الذي استمتعتم به حالَ كونِه من جنس النساءِ أو بعضِهن فآتوهن أجورهن وقد روعيَ تارةً جانبُ اللفظِ فأُفرِدَ الضميرُ أولاً وأخرى جانبُ المعنى فجمع ثانياً وثالثاً وأما على تقدير كونِها عبارةً عما يتعلق بهن فمن ابتدائيةٌ متعلقةٌ بالاستمتاع والعائدُ إلى المبتدأ محذوفٌ والمعنى أيُّ فعلٍ استمتعتم به من جهتهن من نكاح أو خلوةٍ أو نحوِهما أو فالفعلُ الذي استمتعتم به من قِبَلهن من الأفعال المذكورةِ فآتوهن أجورَهن لأجله أو بمقابلته والمرادُ بالأجور المهورُ فإنها أجورُ أبضاعِهن
﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ من الأجور بمعنى مفروضةً أو نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي إيتاءً مفروضاً أو مصدرٌ مؤكدٌ أي فُرض ذلك فريضةً أي لهن عليكم
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ أي لا إثمَ عليكم فيما تراضيتم به من الحط عن المهر أو الإبراءِ منه على طريقة قولِه تعالى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ﴾ إثرَ قوله تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن يَعْفُونَ﴾ وتعميمُه للزيادة على المسمى لايساعده رفعُ الجُناحِ عن الرجال لأنها ليست مَظِنةَ الجُناحِ إلا أن يجعل الخطاب للأزواج تغليباً فإن أخذَ الزيادةِ على المسمّى مظِنةُ الجُناحِ على الزوجة وقيل فيما تراضيتم به من نفقة ونحوِها وقيل من مقام أو فِراقٍ ولا يساعدُه قولُه تعالى
﴿مِن بَعْدِ الفريضة﴾ إذ لا تعلقَ لهما بالفريضة إلا أن يكون الفِراقُ بطريق المخالعةِ وقيل نزلت في المتعة التي هي النكاحُ إلى وقت معلومٍ من يوم أو أكثرَ سُمِّيت بذلك لأن الغرضَ منها مجردُ الاستمتاعِ بالمرأة واستمتاعِها بما يُعطى وقد أبيحت ثلاثةَ أيامٍ حين فُتحت مكةَ شرَّفها الله تعَالَى ثم نُسخت لما روي أنه ﵇ أباحها ثم أصبح يقول يا أيها الناسُ إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساءِ ألا أنَّ الله حَرَّمَ ذلك إلى يومِ القيامةِ وقيلَ أُبيح مرتين وحُرِّم مرتين ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه رجَع عن القول بجوازه عند موتِه وقال اللهم إني أتوبُ إليك من قولي بالمتعة وقولي في الصرْف
﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ في مصالح العبادِ
﴿حَكِيماً﴾ فيما شرَع لهم من الأحكام ولذلك شرَع لكم هذه الأحكامَ اللائقة بحالكم
стр. 957
٢٥ - النساء
стр. 958
﴿ومن لم يستطع منكم﴾ مَنْ إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها أو موصولةٌ ما بعدها صلتُها والظرفُ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل يستطِعْ أي حالَ كونِه منكم وقوله تعالى
﴿طولا﴾ أو غنىً وسعة أي اعتلاءً ونيلا وأصله الزيادة أي اعتلاء والفضلُ مفعولٌ ليستطِعْ وَقَولُهُ
﴿أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾ إما مفعولٌ صريح لطَولاً فإن أعمالَ المصدرِ المنوَّنِ شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ كأنه قيل ومن لم يستطعْ منكم أن ينال نكاحَهن وإما بتقدير حرفِ الجرِّ أي ومن لم يستطع منكم غِنىً إلى نكاحهن أو لنكاحهن فالجارُّ في محل النصبِ صفةٌ لطولاً أي طَوْلاً مُوصِلاً إليه أو كائناً له أو على نكاحهن على أن الطَولَ بمعنى القُدرة في القاموس الطَّوْلُ والطائلُ والطائلةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنَى والسَّعَةُ ومحلُّ أن بعد حذفِ الجارِّ نَصْبٌ عند سيبويهِ والفراءِ وجرٌّ عند الكسائيِّ والأخفشِ وإما بدلٌ من طولاً لأن الطَوْلَ فضلٌ والنكاحُ قدرةٌ وإما مفعولٌ ليستطِعْ وطَوْلاً مصدرٌ مؤكدٌ له لأنه بمعناه إذ الاستطاعةُ هي الطَّوْلُ أو تمييزٌ أي ومن لم يستطع منكم نكاحهن استطاعته أو من جهة الطَوْل والغِنى أي لا من جهة الطبيعةِ والمزاجِ فإن عدمَ الاستطاعةِ من تلك الجهةِ لا تعلقَ له بالمقامِ والمرادُ بالمحصنات الحرائرُ بدليل مقابلتِهن بالمملوكات فإن حريتَهن أحصَنَتْهن عن ذل الرقِّ والابتذالِ وغيرِهما من صفات القصورِ والنقصان وقوله
﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ إما جوابٌ للشرط أو خبرٌ للموصول والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرطِ والجارُّ متعلقٌ بفعل مقدرٍ حُذف مفعولُه وما موصولةٌ أي فلينكِح امرأةً أو أمةً من النوع الذي ملكتْه أيمانُكم وهو في الحقيقة متعلقٌ بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول المحذوف ومِنْ تبعيضيةٌ أي فلينكِح امرأةً كائنةً من ذلك النوعِ وقيل مِنْ زائدةٌ والموصولُ مفعولٌ للفعل المقدر أي فلينكِحْ ما ملكتْه أيمانُكم وقولُه تعالى
﴿مّن فتياتكم المؤمنات﴾ في محل النصب على الحالية من الضمير المقدر ملكت الراجعِ إلى ما وقيل هو المفعولُ للفعل المقدر على زيادة من ومما ملكتْ متعلقٌ بنفس الفعلِ ومن لابتداء الغايةِ أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فتياتكم ومِنْ للتبعيض أي فلينكِحْ فتياتِكم كائناتٍ بعضَ ما ملكت أيمانُكم والمؤمناتِ صفةٌ لفتياتكم على كل تقدير وقيل هو المفعولُ للفعل المقدرِ ومما ملكت على ما تقدم آنفاً ومن فتياتكم حالٌ من العائد المحذوفِ وظاهرُ النظمِ الكريمِ يفيد عدمَ جواز نكاح الأمة للمستطيع كما ذهب اليه الشافعيِّ رحمَهُ الله تَعَالَى وعدم جوازِ نكاحِ الأمةِ الكتابيةِ أصلاً كما هو رأيُ أهلِ الحجازِ وقد جوزهما أبو حنيفة رحمه الله تعالى متمسكاً بالعمومات فمَحْمَلُ الشرطِ والوصفِ هو الأفضليةُ ولا
стр. 959
نِزاعَ فيها لأحد وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال ومما وسع الله على هذه الأمةِ نكاحُ الأمةِ واليهوديةِ والنصرانيةِ وإن كان موسِراً وقولُه تعالى
﴿والله أَعْلَمُ بإيمانكم﴾ جملة معترضة جئ بها لتأنيسهم بنكاح الإماءِ واستنزالِهم من رتبة الاستنكافِ منه ببيان أن مناطَ التفاضُل ومدارَ التفاخُرِ هو الإيمانُ دون الأحساب والأنسابِ على ما نطقَ به قولُه عز قائلا ﴿يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ والمعنى أنه تعالى أعلمُ منكم بمراتبكم في الإيمان الذي به تنتظِمُ أحوالُ العبادِ وعليه يدور فلَكُ المصالحِ في المعاش والمعادِ ولا تعلّقَ له بخصوص الحريةِ والرقِّ فرُبّ أمةً يفوق إيمانُها إيمانَ الحرائرِ وقولُه تعالى
﴿بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ﴾ إن أريد به الاتصالُ من حيث الدينُ فهو بيانٌ لتناسبهم من تلك الحيثيةِ إثرَ بيانِ تفاوتِهم في ذلك وإن أريد به الاتصالُ من حيث النسبُ فهو اعتراضٌ آخرُ مؤكدٌ للتأنيس من جهة أخرى والخطابُ في الموضعين إما لمن كما في الخطاب الذي يعقُبه قد روعيَ فيما سبق جانبُ اللفظ وههنا جانبُ المعنى والالتفاتُ للاهتمام بالترغيب والتأنيس وإما لغيرهم من المسلمين كالخِطابات السابقةِ لحصول الترغيبِ بخطابهم أيضاً وإياما كان فإعادةُ الأمرِ بالنكاح على وُجِّه الخطابِ في قولِه تعالَى
﴿فانكحوهن﴾ مع انفهامه من قوله تعالى ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ حسبما ذُكر لزيادة الترغيبِ في نكاحهن وتقييدُه بقوله تعالى
﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وتصديرُه بالفاء للإيذان بترتبه على ما قبله أي وإذْ قد وقفتم على جلية الأمرِ فانكِحوهن بإذن مواليهن ولاتترفعوا عنهن وفي اشتراط إذنِ الموالي دون مباشرتِهم للعقد إشعارٌ بجواز مباشرتِهن له
﴿وآتوهنَّ أجُورَهُنَّ﴾ أي مهورَهن
﴿بالمعروف﴾ متعلقٌ بآتوهن أي أدّوا إليهن مهورَهن بغير مَطْلٍ وضِرارٍ وإلجاءٍ إلى الاقتضاء واللزِّ حسبما يقتضيه الشرعُ والعادةُ ومن ضرورته أن يكون الأداءُ إليهن بإذن الموالي فيكونُ ذكرُ إيتائِهن لبيان جوازِ الأداءِ إليهن لا لكون المهورِ لهن وقيل أصلُه آتُوا موالِيَهن فحُذف المضافُ وأُوصل الفعلُ إلى المضاف إليه
﴿محصنات﴾ حال من مفعول فانكِحوهن أي حال كونِهن عفائفَ عن الزنا
﴿غَيْرَ مسافحات﴾ حالٌ مؤكدةٌ أي غيرَ مجاهراتٍ به
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ عطفٌ على مسافحات ولا لتأكيد ما في غَيْرِ من معنى النفى الخدن الصاحُب قال أبو زيد الأخدن الأصدقاءُ على الفاحشة والواحد خِدنٌ وخَدين والجمعُ للمقابلة بالانقسام على معنى ان لا يكونَ لواحدة منهن خِدنٌ لا على مَعْنى أنَّ لا يكونَ لها أخدانٌ أي غيرَ مجاهراتٍ بالزنا ولا مُسِرّاتٍ له وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى هذين القسمين
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي بالتزويج وقرئ على البناء للفاعل أي أحصن فروجهن أو أزواجَهن
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة﴾ أي فعلْن فاحشةً وهى الزنا
﴿فعليهن﴾ فثابت عليهن شرعاً
﴿نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ أي الحرائرِ الأبكارِ
﴿مّنَ العذاب﴾ من الحد الذي هو جَلدُ مائةٍ فنصفُه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصانِ فالمرادُ بيانُ عدمِ تفاوتِ حدِّهن بالإحصان كتفاوت حدِّ الحرائرِ فالفاءُ في فَإِنْ أَتَيْنَ جواب إذا والثانيةُ جوابُ إنْ والشرطُ الثاني مع جوابه مترتبٌ على وجود الأولِ كما في قولك إذا أتيتَني فإنْ لم أكرِمْك فعبدي حرٌّ
﴿ذلك﴾ أي نكاحُ الإماءِ
﴿لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ﴾ أي لمن خاف وقوعَه في الإثم الذي تؤدّي إليه غلبةُ الشهوةِ وأصلُ العنَتِ انكسارُ العظْمِ بعد الجبْرِ فاستُعير لكل مشقةٍ وضررٍ يعتري الإنسانَ بعد
стр. 960
٢٦ - النساء صلاحِ حالِه ولا ضررَ أعظمُ من مُواقَعه المآثمِ بارتكاب أفحشِ القبائحِ وقيل أريد به الحدُّ لأنه إذا هَوِيَها يخشى أن يواقعها فيحد والأول هو اللائقُ بحال المؤمنِ دون الثاني لإبهامه أن المحذورَ عنده الحدُّ لا ما يوجبه
﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾ أي عن نكاحهن متعفِّفين كآفّين أنفسَكم عما تشتهيه من المعاصي
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من نكاحهن وإن سبَقَت كلمةُ الرُّخصةِ فيه لما فيه من تعريض الولدِ للرق قال عمرُ ﵁ أيُّما حرَ تزوّج بأمة فقد أرَقَّ نصفَه وقالَ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ ما نكاحُ الأمةِ من الزنا إلا قريبٌ ولأن حقَّ المولى فيها أقوى فلا تخلُصُ للزوج خُلوصَ الحرائرِ ولأن المولى يقدِرُ على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضَرِ وعلى بيعها للحاضرِ والبادي وفيه من اختلال حالِ الزوجِ وأولادِه مالا مزيدَ عليه ولأنها مُمتهنةٌ مبتذَلةٌ خرّاجةٌ ولاّجةٌ وذلك كلُّه ذلٌّ ومهانةٌ ساريةٌ إلى الناكح والعزةُ هي اللائقةُ بالمؤمنين ولأن مَهرَها لمولاها فلا تقدِر على التمتع به ولا على هِبته للزوج فلا ينتظم أمرُ المنزلِ وقد قال ﷺ الحرائِرُ صلاحُ البيتِ والإماءُ هلاكُ البيتِ
﴿والله غَفُورٌ﴾ مبالِغٌ في المغفرة فيغفرُ لمن لم يصبِرْ عن نكاحهن مافى ذلك من الأمور المنافيةِ لحال المؤمنين
﴿رَّحِيمٌ﴾ مبالغٌ في الرحمة ولذلك رَخّص لكم في نكاحهن
стр. 961
﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من الأحكام وبيانِ كونِها جاريةً على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين قيل أصلُ النظمِ الكريمِ يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللامُ لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرداة ومفعولُ يبين محذوفٌ ثقةً بشهادة السباقِ والسياقِ أي يريد الله أن يبين لكم ما هو خفيٌ عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالِكم أو ما تعبَّدَكم به من الحلال والحرامِ وقيل مفعولُ يريد محذوفٌ تقديرُه يريد الله تشريعَ ما شرَع من التحريم والتحليلِ لأجل التبيينِ لكم وهذا مذهبُ البصريين ويعزى إلى سيبويهِ وقيل إن اللامَ بنفسها ناصبةٌ للفعل من غير إضمارِ أن وهي وما بعدها مفعولٌ للفعل المتقدمِ فإن اللامَ قد تقام مَقامَ أن في فعل الإرادةِ والأمرِ فيقال أؤدت لأذهبَ وأن أذهبَ وأمرتك لتقومَ وأن تقوم قال تعالى ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ وفي موضع ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ﴾ وقال تعالى ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ وفي موضع ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ وفي آخر ﴿وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي أن أعدل بينكم وهذا مذهبُ الكوفيين ومنعه البصريون وقالوا إن وظيفةَ اللامِ هي الجرُّ والنصبُ فيما قالوا بإضمار أن أي أُمِرنا بما أمرنا لنُسلم ويريدون ما يريدون ليطفئو وقيل يؤوّل الفعلُ الذي قبل اللامِ بمصدر مرفوعِ بالابتداء ويُجعل ما بعده خبراً له كما في تسمعُ بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ أي أن تسمع به ويعزى به هذا الرأيُ إلى بعض البصْريين
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين من قبلكم﴾ من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم
﴿وَيَتُوبَ عليكم﴾ إذا تبتم إليه تعالى عما يقع منكم من النقصير والتفريط في مراعاة ماكلفتموه من الشرائع فإن المكلفَ قلما يخلو من تقصير يستدعي تلافِيَه بالتوبة ويغفرُ لكم ذنوبَكم أو يُرشدُكم إلى ما يردعكم عن المعاصي ويحثُكم على التوبة أو إلى ما يكون كفارةً لسيئاتكم وليس الخطابُ لجميع المكلفين حتى يتخلفَ مراده تعالى عن إرادته فيمن لم يتُبْ منهم بل لطائفة معينةٍ حصَلت لهم هذه التوبةُ
﴿والله عَلِيمٌ﴾ مبالغٌ في العلم بالأشياء التي من جملتها
стр. 962
٢٧ - ٢٨ ٢٩ النساء ما شرَع لكُم من الأحكام
﴿حَكِيمٌ﴾ مُراعٍ في جميع أفعالِه الحكمةَ والمصلحةَ
стр. 963
﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جملةٌ مبتدأةٌ مَسوقةٌ لبيان كمالِ منفعةِ ما أراده الله تعالى وكمال مضرة مايريد الفجرة لا لبيان إراداته تعالى لتوبته عليهم حتى يكونَ من باب التكريرِ للتقرير ولذلك غُيّر الأسلوبُ إلى الجملة الاسميةِ دلالة على دوام الإرادةِ ولم يُفعلْ ذلك في قوله تعالى
﴿وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات﴾ للإشارة إلى الحدوثِ وللإيماء إلى كمالِ المباينةِ مضموني الجملتين كما مر في قوله تعالى ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ الآية والمراد بمبتعى الشهواتِ الفَجَرةُ فإن اتّباعَها الائتمارُ بها وأما المتعاطي لما سوّغه الشرعُ من المشهيات دون غيرِه فهو متّبعٌ له لا لها وقيل هم اليهودُ والنصارى وقيل هم المجوسُ حيث كانوا يُحِلون الأخواتِ من الأب وبنات الخ وبناتِ الأختِ فلما حرَّمهن الله تعالى قالوا فإنكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة مع أن العمةَ والخالةَ عليكم حرامٌ فانكِحوا بناتِ الأخِ والأختِ فنزلت
﴿أَن تَمِيلُواْ﴾ عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهواتِ واستحلالِ المحرماتِ وتكونوا زناةً مثلَهم وقرئ بالياء التحتانية والضميرُ للذين يتبعون الشهواتِ
﴿مَيْلاً عَظِيماً﴾ أي بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئةً على نُدرة بلا استحلالٍ
стр. 964
﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ﴾ بما مر من الرخص ما في عهدتكم من مشاقّ التكاليفِ والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب
﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ عاجزاً عن مخالفة هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبِرُ عن اتباع الشهواتِ ولا يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ وعن الحسن أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ ولا يساعده المقام فإن الجلمة اعتراضٌ تذييليٌّ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من التخفيف بالرُخصة في نكاح الإماءِ وليس لضعف البُنيةِ مدخلٌ في ذلك وإنما الذي يتعلق به التخفيفُ في العبادات الشاقةِ وقيل المراد به ضعفُه في أمر النساءِ خاصة حيث لا يصبِرُ عنهن وعن سعيد بن المسيِّب ما أيِسَ الشيطانُ من بني آدمَ قطُّ إلا أتاهم من قبل النساءِ فقد أتى عليَّ ثمانون سنةً وذهبت إحدى عينى وانا أعشوا بالأخرى وإن أخوفَ ما أخاف على فتنةُ النساءِ وقرأ ابن عباس ﵄ وخَلَق الإنسانَ على البناء للفاعل والضمير له وعنْهُ ﵁ ثماني آياتٍ في سورة النساء هنّ خيرٌ لهذه الأمةِ مما طلعت عليه الشمسُ وغربت ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ﴾ ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ﴾ ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ﴾ ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَّا يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾
стр. 965
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ وَلَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل﴾
стр. 966
شروع في بيان بعض الحرماتِ المتعلقةِ بالأموال والأنفسِ إثرَ بيانِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأبضاع وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيه لإظهار كمال العناية بمضمونه والمرادُ بالباطل ما يخالف الشرعَ كالغصب والسرقةِ والخيانةِ والقِمارِ وعقودِ الربا وغير ذلك مما لم يُبِحْه الشرعُ أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير طريقٍ شرعي
﴿إِلَاّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطِعٌ وعن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لتجارةً أي إلا أن تكون التجارةُ تجارةً صادرةً عن تراض كما في قوله ... إذَا كان يوما ذا كواكب اشنعا ... أي إذا كان اليومُ يوما الخ أو الاأن تكون الأموالُ أموالَ تجارة وقرئ تجارةٌ بالرفعِ على أنَّ كانَ تامةٌ أي ولكن اقصِدوا كونَ تجارةً عن تراض أي وقوعَها أو ولكن وجودَ تجارةً عن تراض غيرِ منهيَ عنه وتخصيصها بالذكر من بيان سائرِ أسبابِ المُلكِ لكونها معظمها وأغلبها وقوعا وأوافقها لذوي المروءاتِ والمرادُ بالتراضي مراضاةُ المتبايعَيْن فيما تعاقدا عليه في حال المبايعةِ وقتَ الإيجابِ والقبولِ عندنا وعندَ الشافعيِّ ﵀ حالة الاقتراق عن مجلس العقد
﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي مَنْ كان من جنسكم من المؤمنين فإن كلَّهم كنفس واحدة وعن الحسن لاتقتلوا إخوانَكم والتعبيرُ عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورةِ ما لا يكاد يفعلُه عاقلٌ أولا تُهلِكوا أنفسَكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يُفضي إليه فإنه القتل الحقيقى لها كما يُشعِرُ به إيرادُه عَقيبَ النهي عن أكل الحرامِ فيكونُ مقرَّراً للنهي السابق وقيل لاتقتلوا أنفسَكم بالبخْع كما يفعله بعضُ الجهلةِ أو بارتكاب ما يؤدي إلى القتل من الجنايات وقيل بإلقائها في التهلُكة وأُيِّد بما روى عن عمر بنِ العاص أنه تأوله بالتيمم لخوف البردِ فلم ينكر عليه النبيِّ ﷺ وقرئ ولا تُقتِّلوا بالتشديد للتكثير وقد جُمع في التوصية بين حفظِ النفسِ وحفظِ المالِ لما أنه شقيقُها من حيثُ أنَّه سببٌ لقوامها وتحصيل كمالاته واستيفاءِ فضائلِها وتقديمُ النهي عن التعرض له لكثرة وقوعِه
﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ تعليل للنهي بطريق الاستئنافِ أي مبالغاً في الرحمة والرأفةِ ولذلك نهاكم عما نهى فإن ذلك رحمةً عظيمةً لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم في معرِض التعرُّض لهم بحفظ أموالِهم وأنفسِهم وقيل معناه إنه كان بكم يا أمةَ محمدٍ رحيماً حيث أمرَ بني إسرائيلَ بقتلهم أنفسَهم ليكون توبةً لهم وتمحيصاً لخطاياهم ولم يكلِّفْكم تلك التكاليفَ الشاقةَ
стр. 967
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ إشارةٌ إلى القتل خاصةً أو لما قبله من أكل الأموالِ وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهما في الفساد
﴿عدوانا وَظُلْماً﴾ أي إفراطاً في التجاوز عن الحد وإتياناً بما لا يستحقّه وقيل أُريد بالعدوان التعدّي على الغير بالظلم الظلمُ على النفس بتعريضها للعقاب ومحلُّها النصبُ عَلى الحاليّةِ أو على العلية أى معتديا وظالما أوللعدوان والظلم وقرئ عدوانا بكسر العين
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جوابٌ للشرط أى ندخله وقرئ بالتشديد من صلّى وبفتح النون من صَلاة يَصْليه ومنه شاةٌ مَصْليةٌ ويُصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث غنه سببٌ للصَّلْي
﴿نَارًا﴾ أي ناراً مخصوصةً هائلةً شديدةَ العذابِ
﴿وَكَانَ ذلك﴾ أي إصلاؤُه النار
﴿عَلَى الله يَسِيراً﴾ لتحقق الداعي وعدمِ الصارفِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفات لتربيةِ المهابةِ وتأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التذييليِّ
стр. 968
٣١ - ٣٢ النساء
стр. 969
﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي كبائرَ الذنوبِ التي نهاكم الشرعُ عنها مما ذكر ههنا ومالم يذكر وقرئ كبيرَ على إرادة الجنسِ
﴿نُكَفّرْ عَنْكُمْ﴾ بنون العظمةِ على طريقة الالتفات وقرئ بالياء بالإسنادِ إليه تعالى والتكفير إما طة المستحَقِّ من العقاب بثوابٍ أزيد أو بتوبة أي نغفِرْ لكم
﴿سَيّئَاتِكُمْ﴾ صغائرَكم ونمحُها عنكم قال المفسرون الصلاةُ إلى الصلاة والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينهن من الصغائر إذا اجتُنِبَت الكبائرُ واختلف في الكبائر والأقربُ أن الكبيرةَ كلُّ ذنبٍ رتّب الشارعُ عليه الحدَّ او صرح بالوعيد وقيل ما عُلم حرمتُه بقاطع وعن النبيِّ ﷺ أنها سبعٌ الإشراكُ بالله تعالى وقتلُ النفسِ التي حرمها الله تعالى وقذفُ المحصناتِ وأكلُ مالِ اليتيمِ والربا والفِرارُ من الزحف وعقوقُ الوالدين وعَنْ عليَ ﵁ التعقب بعد الهجرةِ مكان عقوقِ الوالدين وزاد ابنُ عمر رضى الله عنهما السحرَ واستحلالَ البيتِ الحرامِ وعن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال له الكبائر سبعٌ قال هي إلى سبعمائةٍ أقربُ منها إلى سبع روى عنه إلى سبعين إذْ لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار وقيل أريد به أنواعُ الشركِ لقوله تعالى ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ وقيل صِغرُ الذنوب وكِبَرُها بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها وبحسب فاعلِها بل بحسب الأوقاتِ والأماكنِ أيضاً فأكبرُ الكبائرِ الشركُ وأصغر الصغار حديثُ النفسِ وما بينهما وسايط يصدق عليه الأمر أن فمن عن له أمر أن منها ودعت نفسُه إليهما بحيث لا يتمالك فكفّها عن أكبرهما كُفّر عنه ما ارتكبه لمااستحق على اجتناب الأكبرِ من الثواب
﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً﴾ بضم الميم اسمُ مكانٍ هو الجنة
﴿كَرِيماً﴾ أي حسَناً مَرْضياً أو مصدرٌ ميميٌّ أي إدخالاً مع كرامةً وقرئ بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكانَ والمصدر ونصبُه على الثاني بفعل مقدرٍ مطاوِعٍ للمذكور أي ندخلكم فتدخلون مدخلاً أو دخولاً كريماً كما في قوله ... وعضةُ دهر يأبن مروانَ لم تَدَع ... مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ ...
أيْ لَم تدعَ فلم يبْقَ إلا مسحتٌ الخ
стр. 970
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ أي عليكم ولعل إيثارَ الإبهامِ عليه للتفادي عن المواجهة بما يشُقُّ عليهم قال القفال لما نهاهم الله تعالى عن أكل أموالِ الناسِ بالباطل وقتلِ الأنفسِ عقّبه بالنهي عَمَّا يؤدَّي إليهِ منَ الطمع في أموالهم وتمنّيها وقيل نهاهم أولاً عن التعرض لأموالهم بالجوارح ثم عن التعرّض لها بالقلب على سبيل الحسدِ لتطهير أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ فالمعنى لاتتمنوا ما أعطاه الله تعالى بعضَكم من الأمور الدنيويةِ كالجاه والمالِ وغيرِ ذلك مما يجري فيه التنافسُ دونكم فإن ذلك قسمةٌ من الله تعالى صادرةٌ عن تدبير لائقٍ بأحوال العبادِ مترتبٍ على الإحاطة بجلائل شئونهم ودقائقِها فعلى كلّ أحدٍ من المفضّل عليهم أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظَّ المفضَّلِ ولا يحسُده عليه لما أنه معارَضةٌ لحكمِ القدر المؤسس على
стр. 971
٣٣ - النساء الحكم البالغة لالأن عدمه خير له ولالأنه لو كان خلافَه لكان مفسدةً له كما قيلَ إذْ لا يساعدُه ما سيأتي من الأمر بالسؤال من فضله تعالى فإنه ناطِقٌ بأن المنهيَّ عنه تمنى نصيب الغير لاتمنى مازاد على نصيبه مطلقاً هذا وقد قيل لما جعل الله تعالى في الميراث للذكر مثلُ حظ الأنثيين قالت النساءُ نحن أحوجُ أن يكون لنا سهمانِ وللرجال سهمٌ واحد لأنا ضعفاءُ وهم أقوياءُ وأقدرُ على طلب المعاشِ منا فنزلت وهذا هو الأنسبُ بتعليل النهى بقوله
﴿لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن﴾ فإنه صريحٌ في جريان التمني بين فريقي الرجالِ والنساءِ ولعل صيغةَ المذكرِ في النهى لما عبر عنهن بالبعض والمعنى لكلَ من الفريقين في الميراث نصيبٌ معينُ المقدارِ مما أصابه بحسَب استعدادِه وقد عُبّر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارةِ التبعيةِ المبنيةِ على تشبيه اقتضاءِ حالِه لنصيبه باكتسابه إياه تأكيداً لاستحقاق كلَ منهما لنصيبه وتقويةً لاختصاصه به بحيث لايتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجبه الانتهاءُ عن التمني المذكور وقوله تعالى
﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ عطفٌ على النهي وتوسيطُ التعليلِ بينهما لتقرير الانتهاءِ مع ما فيه من الترغيب في الامتثالِ بالأمر كأنه قيل لاتتمنوا ما يختصُّ بغيركم من نصيبه المكتَسبِ له واسألوا الله تعالى من خزائن نعمة التى لانفاد لها وحُذف المفعولُ الثاني للتعميم أي واسألوه ما تريدون فإنه تعالى يعطيكُموه أو لكونه معلوماً من السياق أي واسألوه مثلَه وقيل مِنْ زائدةٌ والتقديرُ واسألوه فضلَه وقد جاءَ في الحديثِ لا يتمنّينّ أحدُكم مالَ أخيه ولكن ليقل اللهم ارزُقني اللهم أعطِني مثلَه وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فإنَّهُ يُحِبُّ أن يُسألَ وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرجِ وحملُ النصيبِ على الأجر الأُخرويِّ وإبقاءُ الاكتسابِ على حقيقته بجعل سببِ النزولِ ما رُوي أن أم سلمة ﵂ قالتْ ليت الله كتب علينا الجهادَ كما كتبه على الرجال فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لَهم على أن المعنى لكلَ من الفريقين نصيبٌ خاصٌّ به من الأجر مترتبٌ على عمله فللرجال أجرٌ بمقابلة ما يليقُ بهم من الأعمال كالجهاد ونحوه وللنساء أجرٌ بمقابلة ما يليق بهن من الأعمال كحفظ حقوق الأزواج ونحوه فلا تتمنى النساءُ خصوصيةَ أجرِ الرجالِ ولْيَسألْنَ من خزائن رحمتِه تعالى ما يليق بحالهن من الأجر لا يساعده سياقُ النظمِ الكريمِ المتعلق بالمواريث وفضائلِ الرجالِ
﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً﴾ ولذلك جعل الناسَ على طبقات ورفَع بعضَهم على بعض درجاتٍ حسب مراتبِ استعداداتِهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبيةِ
стр. 972
﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون﴾ جملةٌ مبتدأةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها ولكلَ مفعولٌ ثانٍ لجعلنا قُدّم عليه لتأكيد الشمولِ ودفعِ توهُّمِ تعلقِ الجهل بالبعض دون البعض كما في قوله تعالى ﴿لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا﴾ أي ولكل تركةٍ جعلنا ورثة متفاوتةً في الدرجة يلونها ويُحرِزون منها أنصباءَهم بحسب استحقاقِهم المنوطِ بما بينهم وبين المورِّثِ من العلاقة ومما ترك بيانٌ لكلَ قد فُصل بينهما بما عمل فيه
стр. 973
٣٤ - النساء كما فُصِّل في قولِه تعالى ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أتخذ وليا فاطر السماوات والارض﴾ بين لفظِ الجلالةِ وبين صفتِه بالعامل فيما أضيف إليه أعني غيرَ أو ولكل قومٍ جعلناهم مواليَ أي وراثا نصيبٌ معينٌ مغايرٌ لنصيب قومٍ آخرين مما ترك الوالدان والأقربون على أن جعلنا مواليَ صفةٌ لكلَ والضميرُ الراجعُ إليه محذوفٌ والكلامُ مبتدأٌ وخبرٌ على طريقة قولك لكلِّ مَنْ خلقه الله إنساناً من رزق الله أي حظٌّ منه وأما ما قيل من أن المعنى لكل أحدٍ جعلنا موالي مما ترك أي وُرّاثاً منه على أنَّ مِنْ صلةُ موالي لأنه في معنى الوارث ضميرٌ مستكنٌّ عائدٌ إلى كل وقولُه تعالى ﴿الوالدان والاقربون﴾ استئنافٌ مفسرٌ للموالي كأنه قيل مَنْ هم فقيل الوالدان الخ ففيه تفكيكٌ للنظم الكريمِ لأن ببيان الموالي بما ذُكر يفوتُ الإبهامُ المصحِّحُ لاعتبار التفاوتِ بينهم وبه يتحقق الانتظامُ كما أشير إليه في تقرير الوجهين الأولَيْن مع ما فيه من خروج الأولادِ من الموالي إذ لا يتناولهم الأقربون كما لا يتناول الوالدين
﴿والذين عَقَدَتْ أيمانكم﴾ هم موالي الموالاةِ كان الحليف يورث السدسَ من مال حليفِه فنُسخ بقوله تعالى وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ وعند أبي حنيفةَ ﵀ إذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ وتعاقدا على أن يرثَه ويعقِلَ عنه صح وعليه عقْلُه وله إرثُه إن لم يكن له وارثٌ أصلاً وإسنادُ العقدِ إلى الأَيْمان لأن المعتادَ هو المماسحةُ بها عند العقدِ والمعنى عقَدَتْ أيمانكم وما سحتموه وهو مبتدأ مضمن لمعنى الشرطِ ولذلك صُدِّر الخبر أعني قوله تعالى
﴿فآتوهم نصيبهم﴾ بالفاء أو منصوبٌ بمضمر يفسّره ما بعده كقولك زيداً فاضرِبْه أو مرفوعٌ معطوفٌ على الوالدان والأقربون وقوله تعالى فآتوهم الخ جملةٌ مبيِّنةٌ للجملة قبلها ومؤكِّدةٌ لها والضميرُ للموالي
﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء﴾ منَ الأشياء التي من جملتها الإيْتاءُ والمنعُ
﴿شَهِيداً﴾ ففيه وعدٌ ووعيد
стр. 974
﴿الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ سببِ استحقاقِ الرجالِ الزيادةَ في الميراث تفصيلاً إثرَ بيانِ تفاوتِ استحقاقِهم إجمالاً وإيرادُ الجملةِ اسميةً والخبرِ على صيغة المبالغةِ للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أُسند إليهم ورسوخِهم فيه أي شأنُهم القيامُ عليهن بالأمر والنهْي قيامَ الولاةِ على الرعية وعلل ذلك بأمرين وهبيٌّ وكسبيٌّ فقيل
﴿بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ الباءُ سببيةٌ متعلقة بقوامون أوبمحذوف وقع حالاً من ضميره وما مصدريةٌ والضميرُ البارزُ لكِلا الفريقين تغليباً أي قوامون عليهن بسبب تفضبل الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى الخ ووضعُ البعضِ موضِعَ الضميرين للإشعار بغاية ظهورِ الأمرِ وعدمِ الحاجةِ إلى التصريحِ بالمفضّل والمفضّل عليه أصلا ولمثل ذلك لم يصرَّحْ بما به التفضيلُ من صفات كمالِه التي هي كمالُ العقلِ وحسنُ التدبيرِ ورزانةُ الرأي ومزيدُ القوة في الأعمال والطاعاتِ ولذلك خُصّوا بالنبوة والإمامةِ والولايةِ وإقامةِ الشعائرِ والشهادةِ في جميع القضايا ووجوبِ الجهادِ والجمعةِ وغير ذلك
﴿وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم﴾
стр. 975
الباءُ متعلقةٌ بما تعلقت به الأولى وما مصدريةٌ أو موصولةٌ حُذف عائدُها من الصلة ومِنْ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ متعلقةٌ بأنفقوا أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً منَ العائدِ المحذوفِ أيْ وبسبب إنفاقِهم من أموالِهم أو بسبب ما أنفقوه من أموالهم أو كائناً من أموالهم وهو ما أنفقوه من المَهر والنفقة روى أن سعد ابن الربيعِ أحدَ نقباءِ الأنصارِ ﵃ نشَزَت عليه امرأتُه حبيبةُ بنتُ زيدِ بنِ أبي زُهير فلَطَمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ وشكا فقال ﵇ لتقتصَّ منه فنزلت فقال ﵇ أردْنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراده الله خيرٌ
﴿فالصالحات﴾ شروعٌ في تفصيل أحوالِهن وبيانِ كيفية القيامِ عليهن بحسب اختلافِ أحوالِهن أي فالصالحاتُ منهن
﴿قانتات﴾ أي مطيعاتٌ لله تعالى قائماتٌ بحقوق الأزواج
﴿حافظات للغيب﴾ أى لموجب الغيبِ أي لما يجب عليهن حفظُه في حال غيبةِ الأزواجِ من الفروج والأموال عنِ النبيِّ ﷺ خيرُ النساءِ امرأةٌ إن نظَرتَ إليها سرّتْك وإن أمرتها أطاعتْك وإذا غِبت عنها حفِظَتْك في مالها ونفسها وتلا الآية وقيل لأسرارهم وإضافةُ المالِ إليها ى للإشعار بأن مالَه في حق التصرفِ في حكم مالِها كما في قوله تعالى ولا تؤتوا السفاء أموالكم الآية
﴿بِمَا حَفِظَ الله﴾ ما مصدرية أي بحفظه تعالى إياهم بالأمر بحفظ الغيبِ والحثِّ عليه بالوعد والوعيد والتوفيقِ له أو موصولةٌ أي بالذي حفِظَ الله لهن عليهم من المَهر والنفقةِ والقيامِ بحفظهن والذبِّ عنهن وقرئ بما حفِظ الله بالنصب على حذفِ المضافِ أي بالأمر الذي حفِظ حقَّ الله تعالى وطاعتَه وهو التعفف والشفقة على الرحال
﴿واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ خطابٌ للأزواج وإرشادٌ لهم إلى طريق القيام عليهن والخوفُ حالةٌ تحصُل في القلب عند حدوثِ أمرٍ مكروهٍ أو عند الظنِّ أو العلمِ بحدوثه وقد يُراد به أحدُهما أي تظنون عِصيانَهن وترفُّعَهن عن مطاوعتكم من النشَز وهو المرتفع من الأرض
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ فانصحوهن بالترغيب والترهيب
﴿واهجروهن﴾ بعد ذلك إن لم ينفَع الوعظُ والنصيحةُ
﴿فِى المضاجع﴾ أي في المراقد فلا تُدْخِلوهن تحت اللحف ولا تباشِروهن فيكون كنايةً عن الجمع وقيل المضاجعُ المبايتُ أي لا تبايتوهن وقرئ في المضْجَع وفي المُضْطجع
﴿واضربوهن﴾ أن لم ينجح ما فعلتم من العظة والهُجران ضرباً غيرَ مبرِّحٍ ولا شائنٍ
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ بذلك كما هو الظاهرُ لأنه منتهى ما يعد زاجراً
﴿فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ بالتوبيخ والأذيةِ أي فأزيلوا عنهن التعرّضَ واجعلوا ما كان منهن كأنه لم يكن فإنَّ التائبَ منَ الذنبِ كمنْ لا ذنبَ لَهُ
﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ فاحذَروه فإنه تعالى أقدرُ عليكم منكم على مَنْ تحت أيديكم أو أنه تعالى على علو شأنِه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوبُ عليكم عند توبتِكم فأنتم أحقُّ بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتهن لكم أوأنه يتعالى ويكبُر أن يظلمَ أحداً أو ينقُصَ حقَّه وعدمُ التعرضِ لعدم إطاعتِهن لهم للإيذان بأن ذلك ليسَ ممَّا ينبغِي أنْ يتحققَ أو يُفرضَ تحققُه وأن الذي يُتوقع منهن ويليق بشأنهن لاسيما بعد ما كان من الزواجر هو الإطاعةُ ولذلك صُدِّرت الشرطيةُ بالفاء المُنْبئةِ عن سببية ما قبلَها لما بعدَها
стр. 976
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الحكام واردٌ على بناء
стр. 977
٣٦ - النساء الأمرِ على التقدير المسكوتِ عنه أعني عدمَ الإطاعةِ المؤدِّي إلى المخاصمة والمرافعةِ إليهم والشقاقُ المخالفةُ إما لأن كلاً منهما يريد ما يشُق على الآخر وإما لأن كلاً منهما في شِق أي جانبٍ غيرِ شق الآخر والخوف ههنا بمعنى العلم قاله ابن عباس والجزمُ بوجود الشقاقِ لا ينافي بعثَ الحَكَمين لأنه لرجاء إزالته لالتعرف وجودِه بالفعل وقيل بمعنى الظن وضمير الثنية للزوجين وإن لم يجْرِ لهما ذكر لجرى مايدل عليها وإضافةُ الشقاقِ إلى الظرف إما على إجرائه مُجرى المفعولِ به كما في قوله ... يا سارق الليلة ... أو مُجرى الفاعل كما في قولك نهارُه صائمٌ أي إن علمتم أو ظننتم تأكّدَ المخالفةِ بحيث لا يقدِر الزوجُ على إزالتها
﴿فابعثوا﴾ أي إلى الزوجين لإصلاح ذاتِ البَينِ
﴿حُكْمًا﴾ رجلاً وسطاً صالحاً للحكومة والإصلاحِ
﴿مّنْ أَهْلِهِ﴾ من أهل الزوج
﴿وَحَكَماً﴾ آخرَ على صفة الأولِ
﴿مّنْ أَهْلِهَا﴾ فإن الأقاربَ أعرفُ ببواطن الأحوالِ وأطلبُ للصلاح وهذا على وجه الاستحبابِ فلو نُصِبا من الأجانب جاز واختلف في أنهما هل يليان الجمعَ والتفريقَ إن رأيا ذلك فقيل لهما ذلك وهو المروى عن عليَ ﵁ وبه قال الشعبيُّ وعن الحسن يَجمعان ولا يفرِّقان وقال مالكٌ لهما أن يتخالعا إن كان الصلاحُ فيه
﴿إِن يُرِيدَا﴾ أي الحَكَمان
﴿إصلاحا﴾ أي إن قصدا إصلاحَ ذاتِ البينِ وكانت نيتُهما صحيحةً وقلوبُهما ناصحةً لوجه الله تعالى
﴿يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا﴾ يوقِع بين الزوجين الموافقةَ والأُلفةَ وألقى في نفوسهما المودةَ والرأفةَ وعدمُ التعرضِ لذكر عدمِ إرادتِهما الإصلاحَ لما ذُكر من الإيذان بأن ذلك ليسَ ممَّا ينبغِي أنْ يُفرَضُ صدورُه عنهما وأن الذي يليق بشأنهما ويُتوَقّعُ صدورُه عنهما هو إرادةُ الإصلاحِ وفيه مزيدُ ترغيبٍ للحَكَمين في الإصلاح وتحذير عن المساهلة كيلا يُنسَبَ اختلالُ الأمرِ إلى عدم إرادتِهما فإن الشرطيةَ الناطقة بدور أن وجودِ التوفيقِ على وجود الإرادةِ منبئةٌ عن دوران عدمِه على عدمها وقيل كلا الضميرين للحكَمين أي إن قصد الإصلاحِ يوفقِ الله بينهما فتتّفقَ كلمتُهما ويحصُلَ مقصودُهما وقيل كلاهما للزوجين أي إن أرادا إصلاحَ ما بينَهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الأُلفةَ والوِفاقَ وفيه تنبيهٌ على أن من أصلح نيتَه فيما يتوخاه وفقه الله لمبتغاه
﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ بالظواهر والبواطنِ فيعلم كيف يرفعُ الشقاقَ ويوقعُ الوفاقَ
стр. 978
﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بحقوق الوالدين والأقاربِ ونحوِهم إثرَ بيانِ الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الأ زروج صُدِّر بما يتعلق بحقوق الله التي هي آكَدُ الحقوقِ وأعظمهما تنبيهاً على جلالة شأنِ حقوقِ الوالدين بنظمها في سلكها كما في سائر المواقعِ وشيئاً نصب على أنه مفعول أى لاتشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيرَه أو على أنَّه مصدرٌ أي لاتشركوا به شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً
﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أى أحسنوا بهما إحسانا
стр. 979
٣٧ - ٣٨ النساء
﴿وَبِذِى القربى﴾ أي بصاحب القرابةِ من أخ أو عمَ أو خالٍ أو نحو ذلك
﴿واليتامى والمساكين﴾ من الأجانب
﴿والجار ذِى القربى﴾ أي الذي قرُب جواره وقيل الذي له مع الجِوار قُربٌ واتصال بنسب أودين وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحق الجارِ ذي القربى
﴿والجار الجنب﴾ أي البعيدِ أو الذي لا قرابةَ له وعنه ﵊ الجيرانُ ثلاثةٌ فجارٌ له ثلاثةُ حقوقٍ حقُّ الجِوارِ وحقُّ القرابةِ وحق الإسلامِ وجارٌ له حقان حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلام وجارٌ له حقٌّ واحدٌ وهو حقُّ الجِوارِ وهو الجارُ من أهل الكتاب وقرئ والجار الجنب
﴿والصاحب بالجنب﴾ أي الرفيقِ في أمر حسنٍ كتعلُّم وتصرُّف وصناعةٍ وسفرٍ فإنه صحِبَك وحصل بجانبك ومنهم من قعد بجنبك في مسجد أو مجلسٍ أو غيرِ ذلك من أدنى صحبةٍ التَأَمَتْ بينك وبينه وقيل هي المرأةُ
﴿وابن السبيل﴾ هو المسافرُ المنقطِعُ به أو الضيفُ
﴿وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ من العبيدِ والإماءِ
﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾ أي متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانِه وأصحابه ولايلتفت إليهم
﴿فَخُوراً﴾ يتفاخرُ عليهم والجملةُ تعليلٌ للأمر السابق
стр. 980
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ بضم الباءِ وسكون الخاء وقرئ بفتح الأولِ وبفتحهما وبضمِّهما والموصولُ بدلٌ من قوله تعالى من كان أونصب على الذم أو رفعٌ عليه أي هم الذين أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقّاءُ بكل مَلامةٍ
﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فَضْلِهِ﴾ أي من المال والغِنى أو من نعوته ﵇ التي بيّنها لهم في التوراة وهو أنسبُ بأمرهم للناس بالبخل فإن أحبارَهم كانوا يكتُمونها ويأمرون أعقابَهم بكتمها
﴿وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً﴾ وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ إشعاراً بأن مَنْ هذا شأنُه فهو كافرٌ بنعمة الله تعالى ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يُهينُه كما أهان النعمةَ بالبخل والإخفاءِ والآيةُ نزلت في طائفة من اليهود وكانوا يقولون للأنصار بطريق النصيحةِ لاتنفقوا أموالَكم فإنا نخشى عليكم الفقرَ وقيل في الذين كتموا نعتَ رسولِ الله ﷺ والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبلها
стр. 981
﴿والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس﴾ أي للفَخار وليقالَ ما أسخاهم وما أجْودَهم لا لابتغاء وجهِ الله تعالى وهو عطفٌ على الذين يبخلون أو على الكافرين وإنما شاركوهم في الذم والوعيدِ لأن البخل والسَّرَفَ الذي هو الإنفاقُ فيما لا ينبغي من حيث إنهما طرفا تفريطٍ وإفراطٍ سواءٌ في القُبح واستتباعِ اللائمةِ والذمِّ ويجوز أن يكون العطفُ بناءً على إجراء التغايُرِ الوصفيِّ مُجرى التغايُرِ الذاتيِّ كما في قولِه ... إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ ...
اومبتدأ خبرُه محذوفٌ يدلُّ عليه قوله تعالى وَمَن يَكُنِ الخ كأنه قيل والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس
﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا باليوم الآخر﴾
стр. 982
٣٩ - ٤٠ النساء ليتحرَّوْا بالإنفاق مراضِيَه تعالى وثوابَه وهم مشركو مكةَ المنفقون أموالَهم في عداوة رسول الله ﷺ وقيل المنافقون
﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً﴾ أي فقرينُهم الشيطانُ وإنما حُذف للإيذان بظهوره واستغنائِه عن التَّصريح به والمرادُ به إبليسُ وأعوانُه حيث حملوها على تلك القبائحِ وزيَّنوها لهم كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين﴾ ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطانَ يُقرَنُ بهم في النار
стр. 983
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ أي على من ذُكر من الطوائف
﴿لو آمنوا بالله واليوم الاخر وَأَنفَقُواْ من ما رَزَقَهُمُ الله﴾ أي ابتغاءَ لوجه الله تعالى وإنَّما لم يصرَّحْ به تعويلاً على التفصيل السابقِ واكتفاءً بذكر الإيمانِ بالله واليومِ الآخرِ فإنه يقتضي أن يكون الإنفاقُ لابتغاء وجهِه تعالى وطلَبِ ثوابه الْبتةَ أي ماالذى عليهم أو وأي تَبعةٍ ووبالٍ عليهم في الإيمان بالله والإنفاقِ في سبيله وهو توبيخٌ لهم على الجهل بمكان المنفعةِ والاعتقادِ في الشئ بخلاف ما هو عليه وتحريضٌ على التفكر لطلب الجوابِ لعله يؤدّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلةِ والعوائدِ الجميلةِ وتنبيهٌ على أن المدعو إلى أمر لاضرر فيه ينبغي أن يُجيبَ إليه احتياطاً فكيف إذا كان فيه منافع لاتحصى وتقديم الإيمان بهما لأهمية في نفسه ولعدم الاعتدادِ بالإنفاق بدونه وأما تقديمُ إنفاقِهم رئاءَ الناسِ على عدم إيمانِهم بهما مع كون المؤخَّرِ أقبحَ من المقدَّمِ فلرعاية المناسبةِ بين إنفاقِهم ذلك وبين ما قبله من بُخلهم وأمرِهم للناس به
﴿وَكَانَ الله بِهِم﴾ وبأحوالهم المحقّقةِ
﴿عَلِيماً﴾ فهو وعيدٌ لهم بالعقاب أو بأعمالهم المفروضة فهو بيان لإثابته تعالى إياهم لو كانوا قد آمنوا وأنفقوا كما ينبئ عنه قوله تعالى
стр. 984
﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ المثقالُ مِفعالٌ من الثِقْل كالمقدار من القدْر وانتصابُه على أنه نعتٌ للمفعول قائمٌ مَقامَه سواءٌ كان الظلمُ بمعنى النقصِ أو بمعنى وضعِ الشئ في غير موضعِه أي لا ينقُص من الأجر ولايزيد في العقاب شيئاً مقدارَ ذرةٍ أو على أنه نعتٌ للنصدر المحذوفِ نائبٌ منابَه أي لا يظلم ظلماً مقدارَ ذرةٍ وهي النملةُ الصغيرةُ أو كلُّ جزءٍ من أجزاءِ الهَباءِ في الكُوَّة وهو الأنسبُ بمقام المبالغةِ فإن قِلَّته في الثقل أظهرُ من قلة النملة فيه وعن ابن عباس ﵄ أنه أدخَلَ يدَه في التراب ثم نفَخ فيه فقال كل واحد من هؤلاء ذرة
﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ أي وإن تك مثقالَ ذرةٍ حسنةً أنَّث لتأنيث الخبرِ أو لإضافته إلى الذرة وحُذِف النونُ من غير قياسٍ تشبيهاً بحروف العلةِ وتخفيفاً لكثرة الاستعمال وقرئ حسَنةٌ بالرفعِ على أنَّ كانَ تامةٌ
﴿يضاعفها﴾ أي يضاعفْ ثوابَها جعل ذلك مضاعفةً لنفس الحسَنةِ تنبيهاً على كمال الاتصالِ بينهما كأنهما شئ واحد وقرئ يُضْعِفْها وكلاهما بمعنى واحد وقرئ نُضاعِفْها بنون العظمةِ على طريقة الالتفات عن عثمانَ النهدي أنه قال لأبي هريرةَ ﵁ بلغني عنك أنك تقول سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله تعالى يعطي عبدَه المؤمنَ بالحسنة ألفَ ألفِ حسنةٍ قال أبو هريرة لابل سمعته ﷺ يقول
стр. 985
٤١ - ٤٢ النساء يُعطيه ألفَيْ ألفِ حسنةٍ ثم تلَا هذهِ الآيةَ الكريمة والمرادُ الكثرةُ لا التحديد
﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ﴾ ويعطِ صاحِبَها من عنده على نهج التفضُّلِ زائداً على ما وعده في مقابلة العملِ
﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ عطاء جزيلاً وإنما سماه أجراً لكونه تابعاً للأجر مَزيداً عليه
следующие страницы →