← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14324

الهداية إلى أوهام الكفاية

الإسنوي

Полный текст (594 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

باب الاستبراء قوله: ومن لا يحل وطؤها قبل الاستبراء لا يحل التلذذ بها، لاحتمال أن تكون حاملًا من سيدها، فتكون أم ولد له ويتبين أنه لم يملكها، ولأن هذه الاستمتاعات تدعو إلى الوطء المحرم فحرمت إلا المسبية، فإنه يحل التلذذ بها في غير الجماع. ثم قال ما نصه: وقيل: لا يحل كما في غيرها وللعلة الثانية، وهذا أصح في النهاية. انتهى كلامه. وهذا النقل عن النهاية غلط، فإن الأصح فيها الوجه الأول. قوله: الثالثة: إذا زوج أمته ثم مات السيد والزوج معًا، فلا استبراء على الصحيح ويجب عليها عدة الحرائر على الصحيح عند البغوي، وعند الغزالي عدة الإماء. انتهى. ومقتضاه أن البغوي قد حكى خلافًا وليس كذلك، بل هو جازم، وقد وقع التعبير بالقطع في الشرح والروضة.

стр. 527

باب الرضاع قوله: قال الشيخ: وإن ثار لها لبن من وطء من غير حمل، ففيه قولان: أحدهما: يحرم، لأن لبن النساء غذاء للأطفال، وهذا رأيته فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب، وهكذا الحكم عندهم فيمن لا ولد لها من بكر أو ثيب. والثاني: لا يحرم، لأن ولد الرضاع تابع لولد النسب ولا ولد لها، وهذا القول حكاه مجلي وجهًا في البكر والثيب التي لا ولد لها، ونسبه إلى الخراسانيين، والرافعي اقتصر على حكايته في البكر إلحاقًا لها بلبن الرجل. انتهى كلامه. وحاصله: أنه لم يقف على حكاية ذلك في الثيب، وأن ما حكاه مجلي ونسبه إلى الخراسانيين غير معروف وهو غريب، فإن الإمام قد حكاه فيهما معًا في باب رضاع الخنثى، فقال: البكر والثيب التي لم تلد قط إذا در لهما لبن، ففي تعلق الحرمة بذلك اللبن وجهان ظاهران: أحدهما: أن الحرمة تتعلق به نظرًا إلى الجنس. والثاني: لا، لأنه لم يتبع مولودًا. هذه عبارته. قوله: أما إذا كانت في سن من لا تحمل، كبنت ثمان- فلبنها نجس، ولا تثبت الحرمة به. قال ابن يونس: ولا خلاف أنه لا يثبت التحريم بالنسبة إلى زوجها. انتهى كلامه. وما اقتضاه كلامه من موافقة ابن يونس على عدم الخلاف ليس كذلك، فقد حكى الإمام في باب رضاع الخنثى عن جماعة من أصحابنا: أنه على الوجهين في لبن الرجل، فقال: وقد اختلف أصحابنا، فذهب بعضهم إلى أنه لا حكم له، وقال آخرون: هذا بمثابة لبن الرجل، فإن هذا لبن من غير إمكان حمل. هذا لفظه. تنبيه: ذكر المصنف في حديث سهلة بنت سهيل قالت: كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يدخل علي وأنا فضل. انتهى. الفضل- بفاء وضاد معجمة مضمومتين- هي التي خلعت ثيابها التي تلبسها عند الخروج.

стр. 528

كتاب النفقات باب نفقة الزوجات قوله: وفي مقدار الواجب أقوال، المشهور منها أنها مقدرة بمدين على الموسر، ومد ونصف على المتوسط، ومد على المعسر، والثاني عن رواية الشيخ أبي محمد أنه يعتبر بقدر الكفاية كنفقة القريب، والثالث عن رواية صاحب التقريب: أن الاعتماد فيه على فرض القاضي، وعليه أن يجتهد في ذلك. انتهى كلامه. وما نقله عن صاحب التقريب من عدم التقدير مطلقًا غلط، فإن أصل من تعرض لحكاية ذلك عن التقريب هو الإمام، فقال ما نصه: حكى صاحب التقريب والشيخ أبو علي في نفقة المتوسط، والزيادة على المد في نفقة الخادمة في حق الموسر أنه تقدير في الزيادة، وإنما النظر به إلى اجتهاد القاضي. هذه عبارته. وحاصلها أنه إنما يرجع إلى اجتهاد القاضي في نفقة المتوسط خاصة، وظاهرها أيضًا أنه لا في المد، بل في الزيادة عليه، ثم إن الغزالي في الوسيط نقل كلام الإمام بعبارة موهمة، فقال: ونقل صاحب التقريب قولًا: أن الزيادة على المد لا مرد لها، وهو إلى فرض القاضي. هذا لفظه. وهو موافق لنقل الإمام في أنه لا مدخل لاجتهاد القاضي في نفقة المعسر، ولا في المد بالنسبة إلى الموسر والمتوسط، لكنه مخالف له في أنه يرجع إليه فيما زاد على المد في حقهما معًا، ثم إن الرافعي نقل كلام الوسيط على أزيد بيان مما فيه من الخلل، فقلده فيه المصنف فأخطأ. قوله: فالذي ذكره الماوردي أن الموسر: من يقدر على نفقة الموسرين في حق نفسه، وحق كل من يلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله.

стр. 529

والمعسر: من لا يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه، وعلى من يلزمه نفقته لا نفقة المعسرين، وإن زاد عليها كانت من أصل ماله لا من كسبه. والمتوسط: هو أن يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه وعلى من يلزمه نفقته نفقة المتوسطين، وإن زاد عليها كان من أصل ماله، وإن نقص عنها فضل من كسبه، ثم قال بعد ذلك: فرع: لو اختلفا في يساره وإعساره، فإن لم يعرف له مال فالقول قوله، وإن عرف له مال أيسر به فالقول قولها. وهذا يظهر على قول من اعتبر وجود المال في اليسار، وأما على طريقة القاضي والماوردي، فالذي يظهر أنه لا أثر لوجود المال أو عدمه. انتهى كلامه. ومقتضاه: أنه لم يقف على كلام الماوردي، أو أنه قائل بالمال، كما قاله غيره وليس كذلك، فقد ذكر الماوردي المسألة بعبارة توافق طريقته، فقال: القول قوله ما لم يتحقق يساره، لأن الأصل في الناس العدم، والأصل براءة الذمة حتى يتحقق الاستحقاق. انتهى. فعبر باليسار، وعنده أن اليسار ليس للمال فيه مدخل. قوله: وإن تصرفت فيما أخذت من الكسوة ببيع أو غيره، جاز كالمهر. وقيل: لا يجوز لأن له غرضًا في تجملها، وهذا قول ابن الحداد، وهو مبني على أن الكسوة إمتاع والأول على القول بأنها تمليك. ثم قال ما نصه: فإذا قلنا بمذهب ابن الحداد، فقد قال أبو إسحاق: إن لها أن تلبس ما دون المأخوذ كما في النفقة، والظاهر المنع، لما للزوج من غرض التزين. انتهى كلامه. وما ذكره من تفريع الخلاف المذكور آخرًا على قول ابن الحداد غلط، بل الصواب وهو المذكور في الرافعي وغيره: تفريعه على مقابله، وهو طريقة الجمهور. قوله: ولا تجب النفقة إلا يومًا بيوم. وقال في القديم: تجب بالعقد، إلا أنه لا يجب التسليم إلا يومًا بيوم، ثم قال بعد ذلك: وللقولين فوائد عند المراوزة.

стр. 530

منها: لو اختلفا في التمكين فقالت المرأة: مكنت من وقت كذا، وأنكر، فإن قلنا بالجديد فالقول قوله وإلا فقولها، ومحل الخلاف مصور في الوجيز والوسيط بما إذا تنازعا في النشوز. قال الرافعي: ولفظ الأكثرين كما صورناه، ويجب أن يكون ما ذكره محمولًا عليه. ومنها إذا لم يطالبها بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عرضت نفسها عليه، ومضت مدة فتجب النفقة على القديم، وأما على الجديد فلا، وهو ما حكى الإمام عن العراقيين القطع به. انتهى كلامه. وما ذكره في الفائدتين للخلاف ذهول عجيب، وتناقض ظاهر وقع للرافعي، فتبعه عليه، فإن الفائدة الأولى حاصلها: أن الإيجاب في القديم بالعقد مشروط بالتمكين، والفائدة الثانية حاصلها: أن الإيجاب في القديم بالعقد مشروط بالتمكين، والفائدة الثانية حاصلها: أنه مشروط بعدم النشوز، وهو مناقض للأول، ثم إنه نقل الفائدتين معًا عن المراوزة وليس كذلك، ولا شك أن الأولى طريقة العراقيين، والثانية طريقة الخراسانيين، فأخذ تفريعين من طريقتين مختلفتين ذهولًا عن المدرك، فوقع فيما وقع، ويتلخص من الطريقتين ثلاثة أقوال: أحدها: العقد وحده إلا أنه لا يستقر إلا بعدم النشوز. والثاني: العقد بشرط التمكين. والثالث: التمكين فقط، وفائدة الخلاف في الضمان وفيما لو حلف: لا مال له. قوله: وإذا صامت تطوعًا، سقطت نفقتها. وقيل: لا، ثم قال: وقال الماوردي: إن لم يدعها إلى الخروج منه بالاستمتاع، فهي على حقها، وإن دعاها فامتنعت- كانت ناشزة إن كان ذلك في أول النهار، وإن كان في آخره فلا، لقرب الزمان. ويفهم من كلامه أنه لو دعاها إلى الخروج لغير الاستمتاع فلم تفعل، كانت على حقها، وهذا وجه حكاه في العدة ثالثًا. قال الرافعي: وقد استحسن الروياني هذا التفصيل، والأكثرون سكتوا عنه. انتهى كلامه. والتفصيل الذي نقل الرافعي استحسانه عن الروياني إنما هو الأول، وهو التفصيل

стр. 531

بين أول النهار وآخره لا الثاني، وهو التفصيل بين الأكل والاستمتاع، فاعلمه، فإنه عكس ما يقتضيه كلام المصنف على أن الثاني أيضًا حسن. قوله: فرع: لو ادعت المرأة أن الزوج أبانها وأنكر، فالقول قوله، ولا تستحق عليه النفقة، قاله الرافعي في القسم والنشوز أصلًا مقاسًا عليه. انتهى كلامه. وهذه المسألة مقيدة بما إذا لم تمكن الزوجة من نفسها، فأما إذا عادت ومكنت فإنها تستحق، فقد قال الشافعي في الأم: لو ادعت عليه أنه طلقها. وفي السكنى قولان أصحهما عند العراقيين وغيرهم: الوجوب. ثم قال ما نصه: ومحل الكلام في المسألة إذا لم يتقدم الموت طلاق، أما إذا تقدمه طلاق بائن فلا نزاع في وجوب السكنى. انتهى كلامه. وما ادعاه من عدم النزاع ليس كذلك، فقد قال الرافعي قبيل الاستبراء بقليل: إن في كلام ابن الحداد ما يقتضي إجراء الخلاف فيه. قوله: والجديد أنه لا يجوز الفسخ بالإعسار إلا بعد مضي ثلاثة أيام من وقت ثبوت إعساره. ثم قال: الثالثة إذا مضت الأيام الثلاثة، فلها الفسخ صبيحة اليوم الرابع إن لم يسلم نفقته، وإن سلمها لم يجز الفسخ بما مضى، وليس لها أن تقول: آخذه عن نفقة بعض الأيام الثلاثة، لأن الاعتبار في الأداء بقصد المؤدي. انتهى كلامه. وهذه المسألة التي ذكرها في آخر الكلام غلط تصويرًا وتعليلًا، وبيانه يتوقف على مسألة ذكرها عقب هذه المسألة فقال: الرابعة لو مضى يومان بلا نفقة ووجد نفقة اليوم الثالث وسلمها، وعجز في الرابع فيستأنف المدة أو يبني؟ فيه وجهان: أظهرهما البناء، فعلى هذا يصبر يومًا آخر، ويفسخ في اليوم الذي يليه. هذا كلامه. إذا علمت ذلك، ظهر لك غلط ما تقدم، فإن عدم إجابة المرأة إلى أخذه عن أحد الثلاثة، وتعليله بأن الاعتبار بقصد المؤدي إنما يستقيم أن لو كان منه نفع للمرأة وليس كذلك، لأنا لو أجبنا المرأة لصار الرابع ثالثًا، وحينئذ فلا يفسخ إلا صبيحة الغد؟ لضرورة استكمال الثلاث، بل لا يفسخ إلا بعد تجديد الإمهال على وجه كما سبق، وكذلك الحكم لو حسبناها عن الرابع، وأعسر عن نفقة الغد، فإنها تفسخ من

стр. 532

غير تجديد للمدة على الأصح، كما ذكره الرافعي والمصنف بعد ذلك. واعلم أن الرافعي قد وقع له هذا الغلط على كيفية هي أفحش مما وقع للمصنف، كما نبهت عليه في ((المهمات))، فتابعه عليه في الكتاب، وقد ذكر الإمام الغزالي المسألة على الصواب، فإنهما صوراها بما إذا سألت المرأة أن يأخذ ذلك عن نفقة ماضية ويفسخ الآن، والتصوير المذكور صحيح لا اعتراض عليه.

стр. 533

باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم قوله: والمكاتب لا يجب نفقته على ولده بل في كسبه، وفيه احتمال وجه أبداه الماوردي أن نفقته تجب على الولد لسقوط نفقته بالكتابة. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لم يظفر بمقالة جازمة بوجوبها على الابن وهو غريب، فقد جزم الرافعي بذلك في أوائل قسم الصدقات، وتبعه عليه النووي في الروضة، وفيه شيء مذكور في ((المهمات))، ثم إن الماوردي حكى عدم الوجوب أيضًا احتمالًا، ولم يرجح أحدهما على الآخر، وقد حكاه الرافعي عنه حكاية واضحة مطابقة، ولم يحكه المصنف على وجهه، ثم إنه مطالب بمستنده في عدم الوجوب. قوله: فرع: لو كان له ابن وولد خنثى مشكل، فإن قلنا: عند اجتماع الابن والبنت النفقة عليهما، فكذلك هنا وإن قلنا: النفقة على الابن فوجهان: أحدهما: النصف على الابن والنصف الآخر يستقرضه الحاكم، فإن بان أن الخنثى ذكر وجب عليه وإلا فالرجوع على الابن، كذا قاله الرافعي. والأولى أن يقال: وإن بان أنه أنثى رجع به على الابن لأنه قد لا يظهر أنه ذكر ولا أنثى ويستمر إشكاله. وأظهرهما أنه يؤخذ الجميع من الابن. انتهى كلامه. وهو يقتضى أنه إذا استمر إشكاله إلى الموت لا يرجع به على الابن، والصواب ما اقتضاه كلام الرافعي، لأنه لا يمكن تفويت ذلك على من اقترض منه، وقد تيقنا أهلية الذكر للوجوب، وشككنا في المشارك له، والأصل عدمه. قوله: وإن كان أبواه على الزوجية وأرادت الأم أن ترضعه لم يمنعها الزوج، فإن طلبت الأجرة فقد قيل: يجوز استئجارها واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، ولو لم يجز استئجارها لم يكن لها أجرة، وهذا هو الأصح في الرافعي. وقيل: لا يجوز، لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة، فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر. انتهى كلامه. واستدلاله بالآية سهو تبع فيه الرافعي، فإن الآية في المطلقات، فتأمل أولها وهو

стр. 534

﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] إلى آخرها. تنبيه: وقع في كلام المصنف هنا الخول وهو- بخاء معجمة، وواو مفتوحتين بعدهما لام- قال الجوهري: هم الحشم، الواحد خائل، وقد يكون الخول واحدًا أو اسم يقع على العبد والأمة. قال الفراء: هو جمع خائل. هذا كلامه.

стр. 535

باب الحضانة قوله: فيما إذا طلقت المرأة واختار الطفل الأب، وإذا مات الولد في بيت الأب لم تمنع من حضور غسله وتجهيزه إلى أن يدفن، وله أن يمنعها من زيارة قبره إن دفن في ملكه بحق نفسه، وإن كان في غير ملكه فكذلك، لكن بحق الله- تعالى- انتهى كلامه بحروفه. وما جزم به من المنع من زيارة القبر إذا لم تكن في ملكه غير صحيح، فإن الصحيح المعروف جواز زيارة النسوة القبور، وقد نقله في كتاب الجنائز عن الأكثرين، ولعل الذي تكلم في هذا الفرع وأجاب بهذا الجواب فرضه فيما إذا كانت المرأة معتدة، فغفل المصنف عن ذلك.

стр. 536

كتاب الجنايات باب من يجب عليه القصاص ومن لا يجب قوله: وروى أبو داود أيضًا أن النبي ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: ((ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا عاقله، فمن قتل له بعد اليوم قتيل فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا))، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. انتهى. وما ذكره من كون أبي في شرح الوسيط وهو غلط، بل الذي رواه المذكوران وغيرهما أنه كان في خطبته يوم فتح مكة. قوله: نقلًا عن الشيخ: وإن وجب القصاص على رجل فورث القصاص ولده لم يستوف، وصورة ذلك أن يقتل ولد عتيق والده أو عتيق زوجته وله منها ولد، ثم يموت العتيق أو الزوجة بعد بينونتها منه وقبل استيفاء القصاص. ثم قال: وكلام الشيخ مصرح بأن الابن يرث القصاص الواجب على أبيه لكنه يسقط، والقياس يقتضي عدم إرثه، لأن المسقط قائم، لكن لو صير على هذا لاقتضى إيجاب القصاص على الأب، لأن المانع ينقل الإرث إلى الأبعد، والمصير إليه مستبعد، لكون الابن بصفة الوراثة. انتهى كلامه. وما قرره هنا من كون السقوط بعد الإرث قد خالفه قبيل صدقة المواشي، فجزم بأنه لا يجب بالكلية على وفق البحث الذي أجاب عنه، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه، واعلم أن المصنف قد نقل هاهنا عقب هذا الكلام عن الإمام شيئًا، وليس مخالفًا للمذكور هنا، فتفطن له.

стр. 537

باب ما يجب به القصاص من الجنايات قوله: قال الشيخ: أو خنقه شديدًا. الخنق- بفتح الخاء وكسر النون- مصدر خنقه يخنقه- بضم النون- خنقًا، ويجوز إسكان النون مع فتح الخاء وكسرها. وحكى عن صاحب المطالع فتح النون، وهو شاذ وغلط. انتهى. واعلم أن هذا الكلام قد أخذه المصنف من التحرير للنووي على عادته، وما نقله عن المطالع من فتح النون هو فيه، أعني في المطالع، لكن الأمر فيه كما نقله في الكتاب من كونه وهمًا ولم يبين مستنده، وذلك لأن المذكور في الكتب المطولة فما هو دونها إنما هو الثلاث المذكورة، وكسر النون أشهرها على وزن الكذب، ويؤيد الغلط أن المطالع مختصر المشارق للقاضي عياض، والمشارق لم يذكره، بل ذكر السكون والكسر ورجح السكون على خلاف ما قاله الأكثرون. قوله: وذهب قوم إلى نفي الكراهة في تعلم السحر، كما لا يكره تعلم مذاهب الكفر للرد عليهم، وبهذا قال بعض أصحابنا، كما حكاه الإمام أيضًا، وبه جزم القاضي الحسين والغزالي في الوسيط. انتهى كلامه. وفيما نقله- ﵀ عن وسيط الغزالي أمران: أحدهما: أنه لم يتعرض للكراهة بالكلية حتى يقال: إنه نفاها، وإنما صرح بالجواز فقط، فإنه ذكر ذلك في كتاب دعوى الدم والقسامة، فقال: فإن قيل: تعلم السحر حرام أم لا؟ قلنا: إن كان فيه مباشرة محظور من ذكر سخف، أو ترك صلاة فذلك هو الحرام، فأما تعرف حقائق الأشياء على ما هي عليه فليس حرامًا، وإنما الحرام الإصرار بفعل السحر، لا تعلمه. هذا لفظه. واعلم أن الغزالي أشار بقوله: ((فذلك)) إلى مباشرة المحظور، ولا يمكن عوده إلى السحر المشتمل عليه، لن تعلمه إياه ليس فيه مباشرة لذلك المحظور، وإنما المباشرة تكون بفعله، فدخل في قول الغزالي: تعلم حقائق الأشياء، فلا يحرم عنده. الأمر الثاني: أن الغزالي قد جزم بتحريم تعلم السحر في كتاب الإجارة في الكلام على ركن المنفعة على خلاف ما جزم به هاهنا. قوله: وإن جدعه أي: قطع المارن والقصبة أو بضعها اقتص في المارن.

стр. 538

ثم قال: والجدع- بكسر الجيم والدال المهملة- ما ذكرناه. ويقال أيضًا لقطع الأذن والشفة واليد: جدعه يجدعه فهو أجدع وهي جدعاء انتهى كلامه. وما ذكره من كون الجدع- بكسر الجيم- غلط إنما هو بالفتح، وهذا الكلام كله نقله عن اللغات للنووي، إلا كونه بكسر الجيم فإنه لم يذكره. قوله: قال يعني الشيخ: ويؤخذ اللسان باللسان للآية مع أن له حدًا ينتهي إليه، فأشبه الأنف. وقال أبو إسحاق: لا قصاص فيه انتهى كلامه. وأشار- ﵀ بالآية إلى قوله- تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ...﴾ [المائدة:٤٥] إلى آخرها، فإنه استدل بها أولًا ثم أحال عليها في العين والأنف وغيرهما والاستدلال المذكور سهو، فإن الآية الكريمة ليس فيها تعرض إلى اللسان، وهل يمكن أن يخالف فيه مخالف إذا كان مذكورًا فيها؟! قوله: فرع: إذا قطع يد رجل ثم سرت إلى النفس، فقال ورثة المقطوع: مات من السراية، وقال الجاني: بل من سم شربه وهو موح، فمن القول قوله؟ وجهان في تعليق القاضي الحسين، وأصحهما: قبول قول الوارث. انتهى كلامه. وما ذكره- ﵀ في تصوير هذه المسألة فاسد، فإنه صورها بما إذا سرت إلى النفس، ومع هذا التصوير لا يبقى تردد أصلًا، بل الصواب أن يقول: ثم وجد ميتًا. قوله: تنبيهان: أحدهما: العضد من المرفق إلى الكتف، وفيها لغات أشهرها: عضد- بفتح العين وضم الضاد- وعضد- بضم العين- وعضد- بفتح العين وكسر الضاد- وعلى هذا لا يجوز كسر العين وإسكان الضاد. انتهى كلامه. وما ذكره في آخر كلامه من أنه لا يجوز ذلك غلط، بل الصواب أن يقول: وعلى هذا يجوز بإسقاط ((لا)) وقد ذكره النووي في لغات التنبيه كذلك، وقال في آخره- أعني النووي: إنه يجمع بذلك خمس لغات، والخمس لا يأتي إلا بجواز الكسر، والمصنف نقل ذلك من كلام النووي باللفظ الذي ذكره على عادته، غير أنه أسقط الكلام الأخير. تنبيه: وقع في الباب ألفاظ منها: الوترة- بتاء مثناة مفتوحة بعدها راء مهملة- وهي: الجلدة الحاجزة بين المنخرين، ومنها عمور الأسنان- بضم العين وبالراء المهملتين- جمع عمر- بفتح عمر- بفتح العين وإسكان الميم، وهو ما ين الأسنان من اللحم.

стр. 539

باب العفو والقصاص قوله: ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان أو إذنه. انتهى كلامه. وما ذكره من التخيير بينهما يقتضي أن مجرد الحضور كاف في جواز إقدام المستحق مثلًا أو آحاد الناس، ولا يتأتى القول بذلك، بل الشرط إنما هو الإذن، سواء حضر أم لم يحضر، ولكن لابد من الإذن لمعين أو لواحد من جماعة معينين. قوله: وإن قطع إصبع رجل، فقال: عفوت عن هذه الجناية وما يحدث منها، فسرت إلى النفس- سقط القصاص في الجميع. وقيل: يجب في النفس، وعلى هذا قال القاضي ابن كج: لو عفا عن القصاص لم يكن له إلا نصل الدية لسقوط النصف بالعفو عن أرش اليد. انتهى كلامه. وما ذكره في آخره من إيجاب النصف وتعليله بما ذكره غلط، بل يجب له تسعة أعشار الدية، لأن المقطوع إنما هو الأصبع وواجبها عشر من الإبل، نعم، ابن كج فرض المسألة فيما إذا كان المقطوع هو اليد، فنقل المصنف ذلك الحكم على هذا المثال سهوًا. قوله: وإن قلع سن صغير لم يثغر أي لم يسقط أسنان اللبن، لم يجز أن يقتص منه حتى يؤيس من نباتها، لأن العادة أنها تعود. ثم قال ما نصه: وهذا بخلاف الموضحة والجائفة، فإنه يقتص منهما في الحال وإن كان الغالب عودهما. والفرق أنا لو لم نفعل لصارت معظم المواضح والجوائف هدرًا. انتهى كلامه. وما ذكره في الجائفة غلط، لأنه لا قصاص فيها أصلًا، لأنها لا تنتهي إلى عظم، وقد سبق إيضاحه في كلامه عند قول الشيخ وأما الجروح فيجب فيها كل ما ينتهي على إلى عظم وصرح به الرافعي أيضًا في الكلام على الشجاج فقال: وفي عكسه الجائفة لها أرش مقدر ولا قصاص فيها. هذا لفظه. وبالجملة فلا خلاف في عدم وجوب القصاص، والذي أوقع المصنف في هذه الغلطة الفاحشة التباس حصل في كلام الرافعي، فاعلمه واحذره.

стр. 540

باب ما تجب به الدية من الجنايات قوله: في قول الشيخ: إذا أصاب رجلًا بما يجوز أن يقتل فمات منه- وجبت الدية، هذا يدخل فيه الخطأ وعمد الخطأ، والعمد المحض المقتضي للقصاص إلى آخر ما ذكر، ثم قال إنه أطال في إدخال الموجب للقصاص بتكلف وتعسف، والذي ذكره عجيب، فإن الكلام في هذا القسم، وهو موجب القود، قد سبق في الباب قبله، والكلام الآن في الموجب للدية خاصة، وكيف يصح أن يعبر عما يوجب القود بقوله: يجوز أن يقتل، فإن هذا ضابط لما يوجب الدية، وأما الذي يوجب القصاص فلابد أن يقتل غالبًا، ويدل عليه كلام الشيخ في أول الجنايات، حيث قال: والجناية ثلاثة ... إلى آخره فتأمله.

стр. 541

باب الديات قوله: ودية المرأة على النصف من دية الرجل للحديث، قال: ويروى ذلك عن العبادلة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس. انتهى. وما ذكره في تفسير العبادلة غلط، ومناقض لما قدمه في باب صفة الصلاة، وقد أوضحته هناك فراجعه. قوله في الكلام على الغرة: وقال- يعني الرافعي-: إن الأئمة لم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة، إلا أن الزيادي قال: ينبغي أن يقال: تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة وأن هذا حسن. انتهى كلامه. واعلم أن تعيره بالزيادي تحريف سببه تقدم ذكره في أثناء كلام نقله عن القاضي الحسين قبل هذا بنحو ثلاثة أسطر، والصواب المذكور في الرافعي والروضة إنما هو الروياني وهو كذلك في كلام الروياني، فقد رأيته في البحر باللفظ الذي نقله عنه الرافعي وهو لفظ ينبغي قوله نقلًا عن الشيح: وتجب في هذه الخمسة الحكومة، يعني: الخارصة والدامية، والباضعة والمتلاحمة والسمحاق. ثم قال: ووراءه أمران حكاهما الماوردي، وثالث عن غيره، فأحد الأمرين حكاه أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة عن الشافعي: أن الحكم كذلك إذا لم يمكن معرفة قدر الشجة في الموضحة، فإن أمكن ذلك اعتبر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة حتى وصلت إلى العظم، فإذا عرف مقداره من نصف أو ثلث أو ربع كان فيه بقدر ذلك من أرش الموضحة، فإن علم أنه النصف وشك في الزائد- اعتبر شكه بتقويم الحكومة، فإن زاد على النصف وبلغ الثلثين زال حكم الشك في الزيادة ثابتًا بها، وحكم بها ولزم ثلثا ودية الموضحة، وإن بلغت النصف زال حكم الشك في الزيادة بإسقاطها، وحكم بنصف دية الموضحة، وإن نقصت عن النصف بطل حكم النقصان والزيادة، وثبت حكم النصف، وهذا ما نسبه الرافعي إلى الأكثرين، وعليه اقتصر في المهذب. قوله: وقال ابن الصباغ: إنه الذي قاله أصحابنا.

стр. 542

وحكى القاضي أبو الطيب قبل الكلام في دية اليهودي والنصراني أنا إذا عرفنا نسبة المجروح من الموضحة نوجب أكثر الأمرين مما اقتضاه التوزيع، أو حكومة لا تبلغ بها أرش الموضحة. والفرق بين هذا وبين ما حكيناه عن أبي إسحاق وغيره أنا على هذا نوجب الحكومة إذا زاد قدرها على قدر ما اقتضاه التوزيع مع تحقق قدر النسبة، وعلى رأي أبي إسحاق إذا تحققنا نسبة الجرح من الموضحة من غير شك في زيادة عليه، لا نوجب إلا قدر النسبة. انتهى كلامه. وهذا النقل عن الرافعي و ((المهذب)) و ((الشامل)) نقل غير مطابق، فأما الرافعي فإن حاصل ما ذكره إنما هو ما ذهب إليه القاضي أبو الطيب، فإنه قال ما نصه: وقال الأكثرون: إن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة، فكذلك ولا تبلغ حكومتها أرش موضحة، وإن أمكن أن يعرف قدرها بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة أو المتلاحقة عرف أن المقطوع نصف أو ثلث في عمق اللحم، فيجب قسطه من أرش الموضحة، فإن شككنا في قدرها من الموضحة- أوجبنا اليقين، قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة، ويجب أكثر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه التقسيط، لأنه وجد سبب واحد منهما، فيعتبر الأكبر كما سيأتي في قطع بعض اللسان وذهاب بعض الكلام هذا لفظه فتأمله. فإنه لا نجده يعطي إلا ما قلناه لاسيما التعليل الذي ذكره، وكذلك أيضًا المقاس عليه. وأما المهذب فلم يذكر فيه إلا وجوب القسط من أرش الموضحة عند إمكان معرفته، وأما مسائل الشك فلم يتعرض لشيء منها بالكلية، وأما الشامل فإنه ذكر جميع ما عزاه المصنف إليه، لكن الذي عزاه إلى الأصحاب إنما هو وجوب القسط خاصة، وأما مسائل الشك فعزى جميعها على أبي إسحاق فقط. قوله: فرع: يجري القصاص في حلمة الرجل بحلمة الرجل، سواء أوجبنا في حلمة الرجل الدية، فإن لم نوجبها قطعت حلمة الرجل بالمرأة إن رضيت دو العكس، وتقطع حلمة المرأة بالمرأة. وفي التتمة وجه: إن لم يتدل الثدي لا يجب القاص، لاتصالهما بحلم الصدر وتعذر التمييز.

стр. 543

ولا يجب القصاص في الثدي كما قاله في التهذيب، لأنه لا يمكن رعاية المماثلة فيه، ولكن للمجني عليه أن يقطع الحلمة ويأخذ حكومة الثدي. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أنا ما ذكره عن التتمة من حكاية خلاف في الحلمة غلط، وقع للرافعي فتبعه عليه النووي والمصنف، بل صرح بعدم الخلاف، وإنما حكى هذا الوجه في الثدي نفسه، ثم ضعفه، وقال: إن المذهب المشهور وجوبه، ذكر ذلك في الباب الخامس في الجنايات على ما دون النفس في المسألة التاسعة من الفصل الثالث، وقد ذكر من لفظه في المهمات فراجعه. الأمر الثاني: وليس هو من شروط كتابنا، وإنما وقع استطرادًا أن ما نقله عن البغوي من عدم القصاص في الثدي مقالة ضعيفة، وأن المذهب المشهور له كما استفدنا من التتمة وجوبه، وقد وقع هذا الموضع للرافعي أيضًا. قوله: في الكلام على الحكومة قال- يعني: الشيخ-: وإن كانت الحناية مما لا ينقص بها شيء بعد الاندمال، ويخاف منها التلف حين الجناية كالأصبع الزائد، وذكر العبد أي إذا كان أشل، أو فرعنا على القديم في أن الواجب فيه ما نقص من القيمة، كما سنذكره قوم حال الجناية، فما نقص من ذلك وجب، لأنه لما تعذر تقويمه في حال الاندمال لانتفاء النقص قوم في الحالة التي يظهر فيها وهي حالة الجناية. ثم قال: وقد ذهب ابن سريج إلى أن الجناية إذا لم تنقص شيئًا بعد الاندمال لا يجب فيه شيء، وبه جزم بعضهم في ذكر العبد، ورجحه الرافعي وقال: إن الإمام قال: إن قول ابن سريج هو ظاهر القياس على آخره. ثم قال: أما إذا قطع ذكر العبد، وفرعنا على الجديد في أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته، فالواجب القيمة وإن زادت بسبب ذلك. انتهى كلامه. واعلم أن هذا الكلام الذي نقله عن الرافعي في الذكر بعد تصويره إيجاب الحكومة فيه بما إذا كان أشل، أو فرعنا على القديم، يقتضى أن الرافعي خالف في المسألين، فلم يوجب شيئًا وليس كذلك، فإن الرافعي لم يذكر ذلك إلا في الذكر السليم تفريعًا على القديم، ولم يتعرض فيه للذكر الأشل أصلًا، ولا لما في معناه وهو الزائد، بل قد ذكر قبل ذلك بنحو ورقة في الحكومات أن الحر إذا جرح، واندملت جراحته ولم يبق نقص أن الأصح وجوب شيء باجتهاد الحاكم، فيكون العبد كذلك لاسيما أنهم قد قالوا: إن العبد أصل الحر في الحكومات: نعم، نسأل عن الفرق بين

стр. 544

ذلك بين عدم الوجوب إذا فرعنا على القديم، لأن الواجب في الموضعين ما نقص، وإلا يلزمهم الفرق بين الحر والعبد، فإن كلا منهما قد جرح لم تنقصه شيئًا. قوله: فرع: لو كانت الأمة حال القتل زوجة، قال الرافعي في أول فصل مذكور في نكاح الغرور: إن الواجب قيمتها خلية عن الزوج، وإن كان تقدير ذلك فيها ممكن لو بقيت، ولكنا نعتبر الصفة التي كانت الجارية عليها في حال الإتلاف. انتهى كلامه. وهذا الذي نقله- ﵀ عن كلام الرافعي هناك لم أر له ذكرًا فيه.

стр. 545

باب العاقلة وما تحمله قوله: وابتداء المدة وهي الثلاث سنين من وقت زهوق الروح. ثم قال: وفي الوسيط والوجيز أن ابتداءها من وقت الرفع إلى القاضي، لأن هذه مدة تناط بالاجتهاد. وهذا ما حكاه الفوراني فيما وقفت عليه من الإبانة. انتهى كلامه. وما نقله عن الإبانة غلط عجيب، فقد راجعت ثلاث نسخ منها، فرأيت فيها الجزم النقل المعروف، ثم بعد ذلك حكى ما قاله الغزالي عن أبي حنيفة، ثم استظهرت على ذلك فراجعت أيضًا نسختين من كتاب الفوراني المسمى بالعمد، فرأيت فيهما مثل ذلك أيضًا، والذي حكاه ابن الرفعة: إما أن يكون سقط منه في آخره التعبير بقوله عن الحنفية، أو يكون في ذهنه ذلك اعتمادًا على ما أبديته في كتب عديدة من أن كثيرًا مما أنكر على الغزالي قد وجد مصرحًا به في الإبانة للفوراني لكونه أي: الغزالي قد أمعن في النظر فيها، فتوهم أنه وقف عليه فيها فصرح به، وإلا فالرجل ثقة بلا شك، فيكف يقول ما يقول؟ واعلم أن الغزالي في البسيط قد نقل ذلك عن الأصحاب وعبر بقوله: قال أصحابنا: وما ذكره عجيب، لا أدري ما سببه. قوله: وما ذكر الإمام أن الأئمة قيدوا الضرب على عصبات المعتق بموت المعتق، وأنه يمكن تعليله بأن العصبات لا حق لهم في الولاء، فيقعون من المعتق في حياة المعتق موقع الأجانب، فإذا مات المعتق ورثوا بالولاء، وصار الولاء لهم لحمة كلحمة النسب، فإذ ذاك يضرب عليهم وأنه لا يتجه إلا هذا. نعم، إذا لم يكن ثم معتق وضربنا على عصبته، فهل يختص الضرب بالأقربين ولا يتعداهم، أم يتعداهم إلى الأباعد كصنعنا في عصبات النسب؟ هذا فيه تردد ظاهر، والأصح الثاني. قلت: ومادة الاحتمال الأولى تقوى بما حكاه القاضي الحسين في باب الولاء عن نص الشافعي فيما إذا أعتق رجل أمة، فمات المعتق وخلف ابنًا صغيرًا، وللابن

стр. 546

الصغير جدان، الجد ليس له أن يزوج الأمة المعتقة، وكذا يقوى ما حكاه الإمام عن الأئمة في حال حياة المعتق بما حكاه القاضي الحسين في باب الولاء: أن المعتق لو قتل المعتق، وللمعتق ابن- لا يرث القاتل المقتول ولا ولده يرثه. ولا شك في أن المعتق لو كان امرأة يتحمل العقل عن معتقها من يملك تزويجها، صرح به الفوراني، وإن سكت عن الكلام فيما سبق. انتهى كلامه. وهذا الحكم الذي ذكر أن القاضي الحسين نقله في باب الولاء عن النص غلط، سبق إيضاحه هناك، فراجعه. قوله: ومن مات من العاقلة قبل محل النجم- سقط ما عليه، كما لا تجب الزكاة عليه قبل الحول. ثم قال ما نصه: قال الإمام: وهذا يخرج منه أنا لا نحكم بأن الدية تجب مؤجلة على العاقلة، بل نقضي بأن ابتداء وجوبها في آخر السنة، وهذا فيه تعقيد، فإن الدية إن كانت واجبة، فلتجب على العاقلة ولتكن مؤجلة عليهم، فإن لم تكن واجبة، فهذا يبعد عن قياس الأصول، فإن موجب الدية القتل، وقد وقع. والأوجه أن يقول: وجبت الدية بالقتل وهي متأصلة، ولكنا لا نضيف وجوبها إلى العاقلة، فإن كانوا فقراء تبينًا أن وجوبها لم يتعلق بهم، ولكن متعلقة ببيت المال. انتهى كلامه. وهذه المسالة التي لم ينقل فيها إلا بحث الإمام فقط، قد تعرض لها الشافعي- ﵁ في الكلام في إضافة العفو إلى العاقلة.

стр. 547

باب قتال البغاة قوله: والبغاة طائفة لهم شوكة خرجت على الإمام بتأويل باطل ظنا، فلو كان بطلان التأويل مقطوعًا به ففيه وجهان. قال الرافعي: أوفقهما لما أطلقه الأكثرون: أنه لا يعتبر. والثاني: يعتبر، ويكفي تغليطهم في القطعيات، وقد يغلط في القطعيات غالطون. قال الرافعي: وعلى الوجهين يخرج أن معاوية ومن تبعه مخطئون فيما اعتقدوه قطعًا أو ظنًا، لأنهم باغون عند الأئمة بلا شك، وعليه يدل الخبر المشهور ((أن عمارًا تقتله الفئة الباغية))، فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنونًا، فنقول: كان مبطلًا فيما هذب إليه ظنًا، وإن لم نشترطه وأثبتنا اسم البغي وحكمه مع القطع ببطلان التأويل، فنقول: كان معاوية مبطلًا قطعًا، وهذا الكلام لم يظهر لي توجيهه. انتهى كلامه بحروفه. واعلم أن الرافعي- ﵀ نقل في أول كلامه عن العلماء: أن البغاة ليسوا كفرة ولا فسقة، وأن البغي ليس باسم ذم، وإنما هو الخروج على الإمام بتأويل ظنوه صحيحًا، أي: فيكون لهم فيه أجر، ثم ذكر بعد ذلك هذا الكلام الذي ذكر ابن الرفعة أن توجيهه لم يظهر له، ومعنى كلام الرافعي: أن معاوية باغ بلا شك، وليس بمعاند ولا محق، فإن شرطنا في البغي بطلان التأويل بالظن لزمنا أن نقول: إن معاوية كان تأويله باطلًا ظنًا، وإن لم نشترط ذلك جاز أن يقال: إنه باطل بالقطع، هذا معنى كلام الرافعي، وهو واضح جلي، فإن الرافعي عبر بقوله: وبنى على الوجهين أن العلماء أطلقوا القول بأن معاوية ومن بايعه كانوا باغين، وعليه يدل الخبر المشهور ((أن عمارًا تقتله الفئة الباغية))، فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنونًا، فنقول: إن معاوية كان مبطلًا فيما ذهب إليه ظنًا، وإن لم نشترطه وأثبتنا اسم البغي وحكمه مع القطع ببطلان التأويل فقد نقول: إن معاوية كان مبطلًا قطعًا. قال الإمام: وهذا مخاض لا نخوض فيه ولسنا للتشاغل به. هذه عبارة الرافعي وهي تدل على ما ذكرناه دلالة واضحة، فلما نقله المصنف قدم

стр. 548

وأخر وأسقط لفظة ((قد))، فحصل الخلل. قوله: ولا يتبع في الحرب مدبرهم ولا يذفف على جريحهم. قال الجيلي: فلو قتل المدبر، أو ذفف على الجريح، لم يجب القصاص على فاعل ذلك. انتهى كلامه. واقتصاره على نقل ذلك عن هذا الكتاب المتأخر الذي لا يوثق بما فيه يقتضي عدم الوقوف عليه في كلام غيره، وهو عجيب، فقد نص الشافعي- ﵀ في البويطي على المسألة، وأجاب بأنه لا قصاص، وممن نقله عنه صاحب البحر، ولم يصرح الرافعي بالمسألة، وإنما حكى وجهين في قتل الأسير، وصحح منهما في الروضة من ((زوائده)) عدم القصاص، لشبهة خلاف أبي حنيفة، وهو أيضًا قريب من مسألتنا، فإن أبا حنيفة خالف في الجميع. قوله: ولو استعان أهل البغي بأهل العهد إلى مدة، قال القاضي أبو الطيب: كان ذلك نقضًا لعهدهم إلا في مسألة واحدة، وهي إذا كانوا مكرهين، وأقاموا بذلك بينة دون ما إذا ادعوا ذلك، أو ادعوا الجهل بالحال، والفرق بينهم وبين أهل الذمة حيث قبلنا دعواهم للإكراه والجهل بلا بينة- أن الذمة أقوى، وبهذا نقول: يجوز أن ينبذ إليهم عهدهم لخوف الخيانة، ولا كذلك في أهل الذمة، وعلى ما قاله جرى الأئمة، ولم أر له مخالفًا فيما وقفت عليه. انتهى كلامه. وما ذكره من عدم الوقوف على ما يخالفه عجيب، فقد خالفه صاحب التتمة فقال في آخر الباب الثاني عشر: إذا استعانوا على قتال أهل العدل بالمستأمنين فأعونهم، فإن ادعوا إكراهًا وجهلًا، فالحكم على ما ذكرنا في أهل الذمة. هذا لفظه. تنبيه: وقع في الباب ألفاظ منها: ربقة: اسم للحبل الذي يجعل في عنق وقت الحلب- هو بكسر الراء المهملة وإسكان الباء الموحدة وبالقاف. ومنها في حديث الحديبية أنه كتب كتاب القضية هو- بالقاف والضاد المعجمة بعدها ياء مشددة بنقطتين من تحت- ومعناه: القضاء: أي الحكم. ومنها غزوة العشيرة- هو: بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة- على أنها تصغير عشرة. ومن ذلك ((صير الباب)) أي: شقه الذي ينظر منه لما في البيت- هو: بكسر الصاد المهملة وبعدها ياء ساكنة بنقطتين من تحت ثم راء مهملة.

стр. 549

ومنه ((المدرا)) - وهو: بميم مكسورة ودال مهملة ساكنة وراء مهملة ثم ألف مقصورة- جريدة صغيرة يفرق بها شعر الرأس. ومنها ((القضم)) و ((الخضم)) فالقصم- بالقاف والضاد المعجمة- هو: العض بالأسنان، والخضم- بالخاء والضاد المعجمتين- هو: الأكل بجميع الفم، يقول: منه خضمت الشيء- بالكسر- أخضمه بالفتح خضمًا، وفسره المصنف بأنه العض بالأضراس.

стр. 550

قوله: ولا تصح ردة الصبي، وفي كلام الإمارة إشارة إلى حكاية خلاف في صحة ردته، فإنه قال: وسبيل الردة الصادرة منه كسبيل صدور الإسلام منه، كما ذكرناه في ((اللقيط)) انتهى كلامه. وهذا الكلام دليل على أنه لم يظفر بالخلاف مصرحًا به، وهو عجيب، فقد صرح به الرافعي في اللقيط، وجزم بأن ردته صحيحة إذا صححنا إسلامه، واستدرك عليه في الروضة وصوب عدم صحة الردة. قوله: ويصح ردة السكران في أصح القولين. ثم قال: وفي صحة استثنائه في حالة السكر وجهان: أحدهما: أنها تصح كما تصح ردته، لكن المستحب أن تؤخر إلى الإفاقة. قال الماوردي: وهذا ظاهر مذهب الشافعي وبه قال أبو إسحاق. والثاني: وهو المذكور في الشامل المنع، لأن الشبهة لا تزول في تكل الحالة، ولو عاد إلى الإسلام صح إسلامه وارتفع حكم الردة. انتهى كلامه. واعلم أن توبة المرتد لا تحصل إلا بما يحصل به إسلام سائر الكفار، وهو التلفظ بالشهادتين، وحينئذ فجزمه بصحة إسلامه في حال السكر بعد حكاية الوجهين جزم منه بصحة توبته، وذلك عين المسألة الأولى على خلاف ما اقتضاه كلامه من التغاير، ولا يصح أن نريد بالمسألة الأولى حكاية الخلاف في صحة امتناعه حتى ترتب عليه جواز القتل إن صححناه، لأنه علل عدم الصحة بأن الشبهة لا تزول، وهذا إنما يستقيم أن يكون تعليلًا لعدم صحة الإسلام المانع من القتل، لا لعدم صحة الامتناع، وهذا الكلام جميعه وقع للرافعي، فنقله المصنف منه على ما هو عليه غير متفطن لما وقع فيه، والظاهر أن قوله: ((ولو عاد)) محله بعد الوجه الأول على أنه تفريع عليه، ويكون بالفاء لا بالواو، فأخره الناسخ من المسودة إلى ما بعد ذلك. قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن ارتد وله مال ففيه قولان، أي منصوصان في صدقة الورق.

стр. 551

أحدهما: أنه باق على ملكه، لأن الكفر لا ينافي الملك، كالكفر الأصلي، ولأن الردة سبب لهدر الدم، فلا يزيل الملك، كالزنى والقتل في الحرابة، وهذا قد نص عليه أيضًا في زكاة المواشي، وهو الأصح في ((الحاوي)) واختاره المزني والنووي. انتهى كلامه. وما نقله عن النووي من اختيار بقاء الملك غلط، فإن الذي صححه النووي في كتبه كلها، إنما هو الوقف. قوله: وإن علقت من المرتد كافرة بولد في حال الردة وانفصل وهما كذلك، فهل هو كافر أصلي أو مرتد؟ على قولين: قلت: ولو قيل بأن ولد المرتد من الكافرة الأصلية كفره أصلي، ومن المرتدة يكون مرتدًا، لم يبعد بناء على أصلين: أحدهما: أن الذمي لا يقتل بالمرتد، لكونه أشرف منه مع اشتراكهما في الكفر. والثاني: أن المتولد بين وثني وكتابية تقعد له الذمة لحكمنا بتبعيته في هذه الحالة لها في الدين، لكونها أشرف دينًا من أبيه، كما يتبعها في الإسلام لشرفه. انتهى كلامه. وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد ذركه البغوي في ((التهذيب))، ونقله عنه النووي في الروضة من زوائده، وجزم به على القول بكفره، وصرح بأنه لا فرق في ذلك بين أن يكون أبوه مرتدًا وأمه كافرة أصلية أو بالعكس. تنبيه: وقع في الباب ألفاظ، منها: ((مغربة خير)) هو بالإضافة، ومعناه غريب، قال الجوهري: يقال: هل جاءكم مغربة خير، يعني: الخير الذي طرأ عليهم من بلد سوى بلدهم. ومنها: الباطنية والثنوية والبراهمة. فأما الباطنية: ففرقة من الزنادقة يعتقدون حل إتيان النساء المحارم. والثنوية- بالثاء المثلثة المفتوحة بعدها نون مفتوحة أيضًا- وهو نسبة إلى الاثنين، أحد أسماء العدد، سموا بذلك لاعتقادهم صدور الخير من النور والشر من الظلمة. والبراهمة- بالباء الموحدة- قوم يوحدون الله- تعالى- إلا أنهم ينكرون الشرائع. قال الجوهري: هم قوم لا يجوزون على الله- تعالى- بعثه الرسل.

стр. 552

ومنها: أن وفدًا من بزاخة وغطفان ممن كانوا قد ارتدوا جاءوا إلى أبي بكر. اعلم أن بزاخة- بباء موحدة مضمومة بعدها زاي ثم خاء معجمتان- هو اسم موضع كما قاله الجوهري. وأما غطفان- فبالغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء- وهو أبو قبيلة وهو غطفان بن سعد بن سعد بن قيس غيلان، مأخوذ من الغطف وهو سعة العيش، يقال: عيش أغطف، أي: واسع.

стр. 553

باب قتال المشركين قوله: وفي السنة الثانية غزا رسول الله ﷺ غزوة بدر المشهورة، وكانت في يوم السبت السابع عشر من شهر مضان. انتهى كلامه. وما ذكره من كون هذه الغزوة كانت في يوم السبت غلط، فإن المنقول أنها كانت يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان، كذا ذكره ابن هشام في السيرة وغيره أيضًا، وأوضحه النووي في التهذيب وغيره، فقال فيه: وثبت في البخاري عن ابن مسعود أن يوم بدر كان يومًا حارًا، وكانت يوم الجمعة، هذا هو المشهور، وروى الحافظ أبو القاسم ابن عسكر في تاريخ دمشق في باب مولد النبي ﷺ بإسناد فيه ضعف- أنها كانت يوم الاثنين. قال- يعني ابن عساكر-: والمحفوظ أنها كانت يوم الجمعة. انتهى. نعم، سافر من المدينة يوم السبت في الثاني عشر، وقيل: في الثالث، قال: ليس يوم الخرج بيوم الوقعة، فأخذ يوم الخروج وتاريخ الوقعة، فإن الوقعة كانت في السابع عشر، وقيل: في الثالث: قال: ليس يوم الخروج وتاريخ الوقعة، فإن الوقعة كانت في السابع عشر كما قدمنا. قوله: وفي هذه السنة- يعني السابعة- كانت غزوة حنين وفتحها، وخرج رسول الله ﷺ لعمرة القضاء في هلال ذي القعدة، وخرج معه من شهد الحديبية وغيرهم، إلا من قتل منهم أو مات، وأحرم من قبل السير الذي صد منه. انتهى كلامه. وما ذكره من كون خيبر في السابعة قد خالفه في ((باب زكاة النبات))، كما سبق التنبيه عليه هناك، وأما دعواه أنه قد خرج معه جميع من حضر عمرة الحديبية من الأحياء فليس كذلك، وقد تقدم في كتاب الحج من كلامه خلافه، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه. قوله: ولا يستعين بمشرك إلا أن يكون في المسلمين قلة، والذي يستعين به حسن الرأي في المسلمين، لأن رسول الله ﷺ بعد بدر استعان بيهود بني قينقاع، فغزوا معه وشهد معه صفوان بن أمية حنينًا بعد الفتح، وهو يومئذ مشرك، وقد استعار منه رسول الله ﷺ سبعين درعًا عام الفتح، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة

стр. 554

مؤداة، واستصحبه معه في غزوة هوازن. انتهى كلامه. وحاصله أن غزوة حنين غير غزوة هوازن، وليس كذلك، بل هي غزوة واحدة، ولكن حنين اسم لمكان القتال، وهوازن اسم للقبيلة الكافرة المقاتلة، ولا شك أن بعض الأصحاب عبر بحنين، وبعضهم بهوازن، فظن المغايرة، ووقعت في الكتاب مواضع أخرى نظير هذا، نقف عليها في مواضعها، وهذا نظير ما وقع له في كتاب القضاء من ((المطلب))، حيث نقل عن الأزهري ومحمد بن شهاب. واعلم أن قينقاع- بقاف مفتوحة بعدها ياء بنقطتين من تحت، ثم نون مضمومة بعدها قاف. قوله: ونفوذ الأمان من آحاد الرعية مشروط بأمرين: أحدهما: ألا يتعطل الجهاد، وذلك مثل أن تؤمن نفرًا يسيرًا من الواحد إلى العشرة، وكذا المائة والقافلة، وكذا القافلة، وكذا القلعة الصغيرة، كما حكي عن البيان. وفي الرافعي: أن الأشبه في القلعة المنع. انتهى. وهذا النقل عن الرافعي حاصله المنع في القلعة المذكورة التي عدد أهلها محصورون، وليس كذلك، فإن حاصل كلام الرافعي ثلاثة أوجه، أشبهها: أن العبرة بالحصر وعدمه، فيجوز أمان المحصورين وإن كانوا أهل جميع القرية، ولا يجوز أمان غير المحصور. والثاني: يجوز أمان أهل القرية وما في معناها كالقلعة، وإن كانوا محصورين، لقلتهم غالبًا. والثالث: يمتنع في القرية ونحوها إن كانوا محصورين لكونهم جميع من فيها، وقد شرح في الشرح الصغير كلام الكبير وأوضحه، فإنه لخصه تلخيصًا حسنًا، فقال: ولا يجوز لآحاد المسلمين إلا أمان واحد من الكفار أو جماعة محصورين كعشرة وعشرين. وقيل: يجوز أن يؤمن أهل قلعة، وفي معناها القرية الصغيرة. وقيل: لا يجوز أن يؤمن الواحد أهل قرية وإن قل عددهم، والأشبه الأول. هذه عبارته. قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن قتل من الكفار، كره نقل رأسه من بلد إلى بلد،

стр. 555

لأنه لم يعهد في زمن رسول الله ﷺ ولا له فائدة، وقد روي أن جماعة نقلوا رءوس الكفار من قتلى دمشق في زمن أبي بكر إلى المدينة، فقال: لا تنقلوا هذه الجيف إلى حرم رسول الله ﷺ ولم يخالفه أحدٌ. انتهى كلامه. وما استدل به من قصة أبي بكر فليس مطابقًا للمدعى، لأنه لم ينه إلا عن نقله إلى حرم رسول الله ﷺ خاصة، وهم لو كانوا أحياء لمنعناهم دخول الحجاز جميعه لغير مصلحة لنا، فالمدينة أولى. تنبيه: في الباب ألفاظ منها: حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب- بالحاء والطاء المهملتين- وبلتعة- بالباء الموحدة وبسكون اللام والتاء المفتوحة المثناة من فوق والعين المهملة- يقال: فلان يتبلتع في كلامه فهو بلتعاني، أي: يتظرف ويتحذلق، وليس عنده ظرف ولا حذلقة. ومنها: الشرخ. قيل: الصغار، وقيل: الشباب هو- بشين معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة وبالخاء المعجمة. ومنها: السوقة- بضم السين المهملة وإسكان الواو وبالقاف-: من ليس بملك، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ومنها: أن المشركين حملوا دريد بن الصمة في شجار لما فيه من الرأي، وكان عمره مائة وخمسة وخمسين سنة- كما قاله الماوردي- وقيل: مائة وخمسين سنة، والشجار: الهودج. انتهى. الشجار- بشين معجمة مكسورة بعدها جيم في آخره راء مهملة- تجمع على شجر- بضم الشين والجيم-: هي مراكب دون الهودج مكشوفة الرءوس، كذا نقله الجوهري عن أبي عمرو. والصمة- بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم. واعلم أن ما ذكره في سنن دريد خلاف المعروف، فقد قال السهيلي في الروض الأنف: يروى عن ابن إسحاق أن عمره كان يومئذ مائة وستين سنة. قال: وروى أبو صالح- كاتب الليث- عن الليث أنه كان مائة وعشرين سنة، ومنها: أنا أبا داود روى عن رباح أو رياح، أي: بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت والراء مفتوحة على الأول ومكسورة على الثاني. ومنها: العرادة- بعين مفتوحة وراء مشددة وبعد الألف دال والجميع مهملات-

стр. 556

قال الجوهري: هو شيء أصغر من المنجنيق. ومنها في الحديث: فمن خفر مسلمًا، أي: نقض ذمته وغدر به، وذكره الجوهري رباعيًا فنقول: أخفر زيد عمرًا، وأما الثلاثي وهو خفر فمعناه: أمنه وأجاره، ومنه الخفارة بالخاء المعجمة والفاء. ومنها: سعية هو بسين مفتوحة وعين ساكنة مهملتين، بعدهما ياء بنقطتين من تحت، ومنها: ولده أسيد- هو بفتح الهمزة وكسر السين المهملة. قاله ابن ماكولا.

стр. 557

باب قسم الفيء والغنيمة قوله: في قول الشيخ: ((الغنيمة ما أخذ من الكفار بالقتال، وإيجاف الخيل والركاب)) أن الواو هنا بمعنى أو. ثم قال: فإن قلت: يلزم من هذا أن يكون ما أخذ من الكفار عند انجلائهم بسبب حصول خيل المسلمين، أو ركابهم في دار الحرب، وضرب معسكرهم والبروز في مقابلتهم غنيمة، لأنه قد حصل بإيجاف خيل أو ركاب، وليس كذلك. قلت: قد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي وصاحب التقريب في ذلك وجهين، فلعل الشيخ اختار جعله غنيمة، ومقابله- وهو الصحيح عند الإمام-: أنه لا يكون غنيمة، بل فيئًا. انتهى كلامه. وما ذكره من أنه يحتمل أن يكون مختار الشيخ أنه غنيمة غريب جدًا، فقد صرح الشيخ بعد هذا بقليل بالمسالة وجزم بالمعروف، وهو أنه فيء فقال: وأما الفيء فهو اأخذ من الكفار بغير قتال، كالمال الذي تركوه فزعًا من المسلمين. قوله: والكلب لا يدخل في الغنيمة عند العراقيين، ونص عليه الشافعي، بل يعطيه الإمام لمن شاء من الغانمين، لأنه ليس بمال، ونقل الإمام عن العراقيين ما ذكرناه، واعترض عليه الرافعي فقال: والذي يجده في كتبهم أنهم إذا تسامحوا فيها وأمكنت قسمتها عددًا قسمت، وإلا أقرع بينهم، وما ذكره الرافعي لم أقف عليه فيما وقفت عليه من كتبهم إلا احتمالًا لصاحب الشامل، بل النقل فيها كما قاله الإمام. انتهى ملخصًا. وما ذكره الرافعي قد ذكره من العراقيين أبو نصر البندنيجي في كتابه المعتمد، وابن أبي عصرون في الانتصار. قوله: ويرضخ للعبد، لما روى أبو داود عن عمير مولى آبي اللحم إلى آخره. اعلم أن آبي- بمد الهمزة اسم فاعل من أبي يأبى بمعنى امتنع- سمي بذلك، لأنه امتنع في الجاهلية من أكل ما ذبح للأصنام، واسمه خلف بن عبد الملك. قاله ابن معين في التنقيب.

стр. 558

قوله: والخرثي في الحديث متاع البيت- هو بضم الخاء المعجمة وراء مهملة ساكنة وثاء مثلثة مكسورة وياء مشددة. قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن مات منهم، أي: من أجناد أهل الفيء، دفع إلى ورثته أي: من الأولاد الذين كانت تلزمه نفقتهم وزوجته- الكفاية: أي: من أربعة أخماس الفيء اعتبارًا بالمصلحة. ثم قال: ووراء ما ذكره الشيخ أمران، أحدهما: حكى في المهذب وغيره من الكتب المشهورة قولًا جعله الرافعي الأظهر: أن الذرية والزوجة لا يعطون شيئًا، لأن ما استحق به العطاء، وهو إرصاد النفس للجهاد مفقود فيهم. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي أنه صحح عدم الإعطاء للزوجة والذرية- غلط، فإن الذي صححه هو النووي إنما هو الإعطاء. قوله: ثم تقدم بعد بني عبد مناف بني قصي، وهم بنو عبد العزى وبنو عبد الدار، لأن عبد العزى وعبد الدار إخوة عبد مناف، وهم أولاد كلاب، لأن كلابًا ليس له عقب من غيرهم، ثم تقدم بنو مرة وهم بنو تيم وبنو مخزوم، لأن تيمًا ومخزومًا إخوة كلاب. انتهى كلامه. وهذا الكلام الذي ذكره فيه غلط وإسقاط، وذلك لأنه يقدم بعد أولا قصى بنو زهرة بن كلاب، وهو أخو قصي ثم يقدم بعد أولاد كلاب ما ذكره المصنف، وهم أولاد مرة ابن كعب، فأسقط أولاد زهرة، ولزم من إسقاطهم الحكم على عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى بأنهم أولاد كلاب مع أنهم أولاد قصي. قوله في المسألة أيضًا: ((ثم يقدم بنو كعب وهم بنو عدي وبنو سهم وبنو جمح، لأنهم إخوة مرة)) انتهى كلامه. وما ذكره من أن عديًا وسهمًا وجمحًا إخوة مرة غلط، بل عدي فقط أخو مرة، وأما سهم وجمح فإنهما ولدا أخي مرة، واسم أبيهما هصيص- بضم الهاء وفتح الصاد المهملة مصغرًا- فيكون عدي وهصيص ومرة إخوة، وقد ذكره الرافعي وغيره على الصواب وهو مشهور معروف. قوله: ((أيضًا قال- يعني: الشيخ-: وإن كان في مال الفيء أراض، وقلنا: إنها- أي الأخماس الأربعة- للمصالح، صارت وقفًا تصرف غلتها فيها، وإن قلنا: إنها للمقاتلة، قسمت بينهم لأنها ملك لهم، فوجب قسمته بينهم كالمنقول، وهذا ما اختاره النووي وقيل: تصير وقفًا، وتقسم غلتها بينهم، لأن ملك الغلة في كل عام أمد وأنفع، وهذا أصح في الرافعي، وعلى هذا فهل تصير وقفًا بنفس حصولها للفيء أم لا

стр. 559

بد من أن يتلفظ الإمام؟ فيه وجهان، الذي صححه الرافعي والنووي هو الثاني، وقالا: إن رأى الإمام أن يبيعها، ويصرف ثمنها لهم فعل، وإن رأى وقفها فعل، وهذا وجه ثالث. انتهى ملخصًا. وما ذكره من أن النووي قد اختار خلاف ما صححه الرافعي في هذه المسألة ليس كذلك، بل اتفقا على أن الصحيح التخيير بين الخصال الثلاث، وهي الوقف والقسمة، إما للعين أو للثمن بعد البيع، وكلامه أخيرًا صريح فيه.

стр. 560

باب عقد الذمة وضر بالجزية قوله: ((ومن فعل ما يوجب نقض العهد)) ففيه قولان، أصحهما في المهذب وغيره: أنه يقتل في الحال. ثم قال: وقولهم: ولكنه إذا بذل الجزية، فهل يعصم بها دمه؟ يظهر أن يقال: إنه يترتب على الأسير إذا بذلها، وقد ذكرنا فيه خلافًا في ((باب قتال المشركين))، فإن قلنا في الأسير: إنه يعصم دمه فهاهنا أولى، وإلا فوجهان. فإن قلت: الذي يقتضيه كلام أبي الطيب، وابن الصباغ الجزم بعصمة دمه، لأنهما قالا فيما إذا امتنع الكل من بذل ما التزموه زائدًا على الدينار من ضيافة أنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد، فإن طلبوا بعد ذلك عقد الذمة وبذلوا قدر الدينار وجب قبوله، والكف عنهم. قلت: يمكن حمل ذلك على ما إذا خرجوا عن قبضة الإمام بالقتال، فامتاروا عن الأسير، وما ذكرناه مفروض فيما إذا كانوا في قهره وقبضته. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لم يقف في المسألة على نقل صريح، والمسألة قد صرح بها الإمام في النهاية في ((كتاب السرقة))، وجزم بأنه يجب إجابته إلى ذلك، وفرضها فيمن هو في قهر الإمام، على عكس ما ادعاه المصنف، ونقله الرافعي أيضًا هناك عنه في أول الكلام على السارق وجزم به.

стр. 561

كتاب الحدود باب حد الزنى قوله: وقال الغزالي: إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج، أي: من غير حائل، محرم قطعًا، مشتهى طبعًا إذا انتفت عنه الشبهة. قال الرافعي: وفي قوله: ((محرم قطعًا)) غنية عن قوله: ((إذا انتفت الشبهة عنه))، وفيه نظر، لأن المراد بكونه محرمًا قطعًا أن يكون لا خلاف فيه، وذلك قد يوجد مع وجود الشبهة، كما إذا وطئ الجارية المشتركة بينه وبين غيره وأخته المملوكة. انتهى كلامه. وهذا النقل المذكور عن الرافعي سهو، وكذلك ما ترتب عليه من البحث الذي باحثه فيه المصنف، فإن الرافعي إنما ذكر العكس، فقال: في قوله: ((إذا انتفت عنه الشبهة)) غنية عن قوله: ((محرم قطعًا)).

стр. 562

باب حد القذف قوله: وإن وطئ بشبهة لا توجب الحد، كمن وطئ في نكاح بلا ولي ولا شهود، فقذفه قاذف، ففي حده وجهان. انتهى. وما ذكره من عدم الوجوب على من وطئ في نكاح بلا ولي ولا شهود سهو، تبع فيه ظاهر عبارة التنبيه في باب حد الزنى، والمنقول فيه عندنا وجوب الحد، وإنما لا يجب عند انتفاء أحدهما خاصة، فأبو حنيفة يجوزه بلا ولي، ومالك بلا شهود. قوله: واعلم أن الرافعي عد قوله يا لوطي من كنايات القذف، وكذلك القاضي أبو الطيب والشيخ في المهذب. وقال ابن الصباغ: فيه نظر، لأنه يستعمل في الرمي بالفاحشة، فلا ينبغي أن يقبل قوله: إني أردت به أني على دينهم، بل يكون قذفًا، وقد حكاه صاحب الكافي وجهًا مع جزمه بأنه عند الإطلاق يكون كقوله: يا زاني على أن في بعض النسخ بدل قوله يا لوطي يا لائط، والظاهر أنها الصحيحة، ولذلك لم يتعرض النووي للكلام عليها. انتهى كلامه. وما استدل به- ﵀ على تصحيح هذه النسخة من أن النووي لم يتعرض لها غلط عجيب، فقد تعض لذلك، واستدرك على الشيخ، وصوب أنه كناية، فقال: ما نصه: والصواب أن قوله للرجل والمرأة: يا لوطي كناية، هذا لفظه في التصحيح، وتصويبه غريب، فإن في الروضة من زياداته أيضًا في أول كتاب اللعان: أن الصواب الجزم بأنه صريح على عكس ما في التصحيح هنا. واعلم أن هذا النقل المذكور عن الكافي صحيح، والمراد كافي الخوارزمي ذكره في باب حد القذف، لكنه خالفه في أبواب اللعان، فتفطن له. تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا، منها: حمنة بنت جحش- سبقت في الحيض. ومنها: مسطح بن أثاثة- وهو بميم مكسورة وسين ساكنة وطاء مفتوحة وحاء مهملات. وأثاثة: بهمزة مضمومة وثائين مثلثتين بينهما ألف.

стр. 563

باب حد قاطع الطريق قوله: فإن مات قبل أن يقدر عليه سقط انحتام القتل والصلب، وقطع الرجل. وقيل: يسقط قطع اليد، وصححه الرافعي. ثم قال: وقيل: لا يسقط، أي: بنفس التوبة، لأن القطع ليس من أحكام المحاربة، بل هو من أحكام المحاربة، بل هو من أحكام أخذ المال على وجه يتعذر الاحتراز منه، ولذلك اعتبرنا فيه أخذ النصاب، والحرز كالسرقة، وهذا قول أبي إسحاق، واختاره الشيخ أبو حامد، كما قاله البندنيجي وتبعه النووي. انتهى كلامه. والذي صححه النووي في الروضة والمنهاج وتصحيح التنبيه، وغيرهما السقوط كما صححه الرافعي وهذا الخلاف ينبني على أن قطع اليد والحالة هذه، هل هو مما يختص بالمحاربة؟ فيه خلاف، والأصح كما قال الرافعي: نعم، على خلاف ما جزم به المصنف في التعليل، فاعلمه.

стр. 564

باب حد الشرب قوله: والمنصوص أنه لا يجوز ضرب الشارب بالسياط، بل بالأيدي والنعال ونحوهما، فإن ضربه بالسوط فمات، فقد قيل: يضمن بقدر ما زاد على ألم النعال. وقيل: يضمن جميع الدية. ثم قال: وقد حكى المارودي، والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وجهًا بدل الأول: أنه يضمن نصف الدية، لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وحكاه الرافعي في كتاب ((موجبات الضمان)) عن حكاية ابن المرزبان وغيره، وهذا ما اختاره النووي، وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه أهل التحقيق، وفي الحاوي في آخر الفصل أنه الظاهر من مذهبه. انتهى كلامه. وهذا النقل المذكور هنا عن النووي والإمام غلط، فإن الذي صححه في الروضة وتصحيح التنبيه وغيرهما إنما هو الوجه الثاني، وهو ضمان كل الدية، والمسألة في الروضة محلها بعد هذا الباب في كتاب موجبات الضمان، وأما الإمام فقال في أوائل هذا الباب- يعني: حد الخمر-: ولو جلد الإمام الشارب أربعين سوطًا فمات، ففي الضمان قولان. ثم قال ما نصه: فإن أوجبناه، فالذي ذهب إليه أهل التحقيق: أنا نوجب عليه الضمان بكماله.

стр. 565

باب التعزير قوله:- يعني الشيخ- بهذه الأمثلة: إن التعزير يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة. انتهى كلامه. وقد علم منه أنه إن كان في المعصية حد أو كفارة، فلا تعزير فيها، لكنه يستنثى منه الجماع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة بالإجماع، كذا رأيته في ((شرح السنة)) للبغوي في الكلام على حديث الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، وعبر بقوله: أجمعت عليه الأمة وجزم به أيضًا ابن يونس صاحب ((التعجيز)) في شرح له، ورأيت للرافعي في شرح مسند الإمام الشافعي في الكلام على الحديث المذكور ما يقتضيه أيضًا، فإنه قال: واستدل بعضهم بهذا الحديث على أنه يجوز للإمام ترك التعزير إذا رآه، ووهم المصنف فذكر في كتاب الصيام ما حاصله أن التعزير لا يجب، وقد نبهت هناك على غلطه تنبيهًا مختصرًا، وأحلت إيضاحه على المذكور في هذا الباب، ومما يستثنى- أيضًا- جماع الزوجة حائضًا، وقلنا بوجوب الكفارة، فإنه يوجب- أيضًا- التعزير بلا خلاف، كما صرح به بعض الأصحاب، وقد ذكر الشيخ عز الدين في ((القواعد الكبرى)) مسألة لابد من استثنائها أيضًا، فقال: ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام، لم يجز تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع في العبادات، وهو نحو ثلث الكتاب، فإن قيل: يستثنى أيضًا يمين الغموس، فإن فيها الكفارة والتعزير، كما جزم به في ((المهذب))، وكذلك قتل المسلم إذا لم نوجب القود، كما إذا قتل الوالد ولده أو الحر العبد، فإن فيه التعزير، وإن كان فيه كفارة، كما نص عليه الشافعي في ((الأم))، وصرح به عنه ابن الصباغ في ((الشامل)). وغيره. قلنا: أما الأول فالجواب عنه ما قاله الشيخ تقي الدين بن الصلاح في فتاويه، والشيخ عز الدين في ((القواعد)) أن في يمين الغموس جهتين، إحداهما الكذب، والأخرى انتهاكه للاسم المعظم، حيث أكد به الكذب، فالتعزير للكذب والكفارة للانتهاك.
следующие страницы →