← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

العبادات البدنية: تجديد الإيمان، ومحادثة القلب بالمعرفة، والرجوع إلى الله-سبحانه-ولذلك وجب الانقطاع عن الأفعال المعتادة، وخطاب الآدميين، وملازمة صوب واحد، وهو القبلة، والأكل والشرب يناقض هذا المقصود. قال: وإن كان ساهياً لم تبطل صلاته؛: كالصوم، وهكذا لو كان جاهلاً بتحريم ذلك لقرب عهده بالإسلام ونحوه، كما تقدم: لا تبطل؛ لأن الجهل بالتحريم ملحق بالنسيان فيما نحن فيه، ومن هاهنا يظهر لك من كلام الشيخ أمران: أحدهما: أنه لم يسلك بالأكل في الصلاة مسلك الأفعال [فيها] وإن كان فعلاً؛ إذ لو سلك به هذا المسلك لما فرق فيه بين العامد والساهي، [ولا فرق] فيه بين القليل والكثير عند السهو، وظاهر كلامه يقتضي التسوية. والثاني: إجراء الصلاة في وجوب الإمساك فيها مجرى الصيام، ويلزم منه الحكم بالبطلان فيما إذا وضع في فيه سكرة، ووصلت إلى جوفه من غير فعل، أو تعاطي في الصلاة ما يبطل الصيام، وهو وجه محكي عن العراقيين في "النهاية"، ولم يورد البندنيجي والماوردي غيره، واختاره الشيخ أبو محمد، وقال: إنه الذي قطع به الأئمة في طرقهم، وعلى هذا: إذا كان بين [أسنانه] ما يجري به الريق إلى المعدة، ولم يتمكن من قلعه؛ فجرى إليها-لا تبطل الصلاة؛ كما لا يبطل الصوم، وبه صرح البندنيجي أيضاً، وحكاه مجلي عن نصه في "الجامع الكبير". وقال في "البسيط"؛ تبعاً لإمامه: إن من العراقيين من لاحظ في الأكل في الصلاة كونه فعلاً؛ ففرق بين القليل والكثير مع العمد، وقد حكاه في "التتمة" أيضاً. قال الرافعي: والمرجع فيه على هذا قلةً وكثرةً إلى العرف. وأفهم كلامه أن كلامهم عائد إلى قلة المأكول كثرته. والذي يظهر على هذه

стр. 1367

الطريقة: أن يكون النظر إلى قلة الفعل والمضغ وكثرته، وهذا الوجه قال مجلي: لعمري له وجه. والفرق بينه وبين الصيام: [أن حقيقة الصوم الإمساك: مع النية؛ فإذا وجد الأكل لم يوجد حقيقة الصوم]؛ فانتفت العبادة، وهاهنا الصلاة موجودة، وإنما أحدث فيها ما ليس منها؛ فكان كسائر الأفعال، وما ذكره من مقصود الصلاة بغير الأكل من الأفعال-أيضاً-ينافيه، وقد فرقوا فيه بين القليل والكثير. والمنتصرون من المتأخرين للأول قالوا: القليل من الفعل في محل الحاجة، ولا يكاد يستغني عنه في الصلاة؛ ففي الاحتراز عنه مشقة، ولا كذلك جنس الأكل والشرب. ثم ما ذكره الشيخ من عدم البطلان عند السهو من غير تفرقة بين القليل منه والكثير جرى فيه على قاعدته في أن الأكل لا يفسد الصوم كيف كان، ومن قال بأن الكير [منه] يبطل الصوم؛ فهو قائل به هنا من طريق الأولى، وقد صرح بحكاية الخلاف فيه الرافعي، وصحح القول بالبطلان، والماوردي والبغوي وأبو الفتح سليم جزموا بهن وسلك القاضي الحسين في ذلك طريقاً آخر؛ فقال: إن أكل أقل من سمسمة لم تبطل صلاته، وإن أكل بقدر سمسمة فوجهان، الأظهر: البطلان، وحكى عنه مجلي وجهين فميا إذا وضع في فيه شيئاً يذوب: كسكر، أو فانيذ مما يجري به الريق، فوصل إلى جوفه-هل تبطل صلاته أم لا؟ وأنه قال: إن الأظهر البطلان ثَمَّ.

стр. 1368

ثم قال مجلي: وهذا بناء على قولنا: إن الفعلة الواحدة منه تبطل الصلاة، ولا خلاف في أنه إذا وضع في فيه شيئاً لا يذوب، ولمي رد رده، ولم يمنعه من القراءة الواجبة-أن صلاته لا تبطل، وأن ذلك مكروه؛ لأنه يزيل الخشوع، قال: وإن فكر في الصلاة، أي: في أمور الدنيا، أو في مسألة فقهية ونحوها، كما قال القاضي الحسين، او التفت فيها، أي: من غير حاجة يميناً أو شمالاً، ولم يحول قدميه عن القبلة-كره. أما في الأولى: فلما روى أبو داود عن عقبة بن عامر [قال]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه [ووجهه] إلا وقد أوجب الله له الجنة". وأما في الثانية: فلقوله-﵇: "لا يزال الله مقبلاً على العبد، وهو في صلاته ما لم يلتفت؛ فإذا التفت انصرف عنه" أخرجه أبو داود والنسائي.

стр. 1369

...........................................................................

стр. 1370

وقالت عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" أخرجه البخاري. ولأن مقصود الصلاة الخضوع والخشوع، والتفكر والالتفات يمنعهما؛ فكرها لذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] فكان ترك الخشوع دالاً على عدم الفلاح. قال العلماء: وعماد الصلاة وعلامة قبولها الخشوع، وهذا هو المشهور، وفي "التتمة" في صفة الصلاة: أن الالتفات في الصلاة حرام؛ لما ذكرناه من الخبر. قال: ولم تبطل صلاته؛ أما في الأولى فلقوله ﵇: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها" رواه أبو داود. وأما في الانية فبالقياس على الأولى. [ولأنه لم يفقد من الصلاة] في الصورتين إلا الخشوع، وذلك لا يوجب البطلان؛ فإنه ﵇ "صلى، وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ قال: ألهتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي الجهم، وائتوني بإنبجانية" أخرجه

стр. 1371

البخاري ومسلم. ولم ينقل أنه أعاد الصلاة. والخميصة: كساء أسود معلم، قال في "المجمل": فإن لم يكن معلماص فليس بخميصة. والإبنجانية: بهمزة مكسورة، ونون خفيفة ساكنة، وباء مكسورة معجمة بواحدة، وجيم، وألف، وبعدها نون مكسورة، وياء آخر الحروف مشددة، منسوبة إلى أنبجان -بفتح الهمزة- وهو اسم موضع. وما ذكره الشيخ هو المشهور. وفي "الرافعي" حكاية وجه عن القاضي ابن كج: أن حديث النفس إذا كثر أبطل الصلاة، وسيأتي مثله. وقال القاضي الحسين في باب سجودالسهو: يخاف لمن فكر في أمور الدنيا [فيها] أن يحرم فضيلة الجماعة؛ لقوله ﵇: "لا صلاة لامرئ لا يحضر قلبه". أما لو فكر في الصلاة في مقروئه فيها فهو مستحبن ولو تفكر في أمور الآخرة فلا بأس. وإذا حول قدميه عن جهة القبلة: فإن فعله عامداً بطلت صلاته، وكذا إن كان ناسياً، وطال الزمان، وإن قرب وقصر كانت جائزة؛ لأنه عمل يسير، وعليه سجود السهو. وقد استقصيت الكلام في ذلك في باب استقبال القبلة؛ فليطلب منه. وإن كان الالتفات لحاجة لم يكره؛ لأنه ﵇ -التفت لأجل ذلك. وقراءة شيء مكتوب في الصلاة في نسه من غير تلفظ لا يبطل الصالة، ولكن يكره؛ لأنه نوع من التفكر.

стр. 1372

قال الشافعي: ولأنا لو أبطلنا صلاته بذلك لأبطلناها بما يخطر على باله. قال: ولا يصلي، وهو يدافع الأخبثين، أي: أو أحدهما؛ لقوله ﵇: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثين" رواه مسلم. وهكذا لا يصلي، وهو يدافع الريح. قال: ولا يدخل فيها وقد حضره العشاء، ونفسه تتوق إليه؛ للخبر، وقد قال ﵇: "إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة، فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب" رواه البخاري ومسلم. قال الأصحاب: والمراد بالبداءة: أن يتناول منه لقمة أو لقمتين يكسر بهما

стр. 1373

سَوْرة الجوع، لا أن يتم أكله، اللهم إلا أن يكون مشروباً كالسويق ونحوه، فيستوفيه؛ فإن زمنه يسير. والتوقان: الاشتياق إلى الشيءن وتعلق [القلب به]. قال: فإن فعل ذلك أجزأته صلاته؛ لأن الموجود لا يقدح في غير الخشوع؛ فلم يمنع من الصحة؛ كحديث النفس. قال الإمام في باب صلاة الجماعة: وقد بلغت عن القاضي حسين أنه قال: لو صلى، وضاق الأمر عليه في مدافعة البول او الغائط، وخرج عن أن يتأتى منه الخشوع أصلاً لو أراده-فلا تصح صلاته؛ فإن ما هو عليه ليس يوافق هيئة المصلين، بل هو في التقحيق هازئ بنفسه، مستوعب الفكر بالكلية فيما هو مدفوع إليه، ومن أنكر أن المقصود من الصلاة الخشوع والاستكانة؛ فليس عالماً بسر الصلاة. قال: وهذا إن صح فهو غير بعيد عن التحقيق، ولكنه هجوم على أمر لم يسبق إليه، وليست أعرف خلافاً أن الساهي البارق الذي يلتفت في جانبيه، وإنما يقتصر على قراءة الفاتحة والتشهد، ولا يأتي بذكر غيرهام-بعيد عن هيئة المصلين، ثم لم نحكم في ظاهر الأمر ببطلان صلاته. قلت: وقوله: "إن ما قاله القاضي لم يسبق إليه"، فيه نظر؛ لأن أبا زيد المروزي قاله أيضاً، وقدتقدم مثله في حديث النفس. ثم النهي عن الصلاة عند مدافعة أحد الأخبثين كيف كان، وما في معناه وهو

стр. 1374

مدافعة الريح، وعن الصلاة بحضرة العشاء مع توقان النفس، واستحباب إزالة ذلك قبل الشروع فيها- مخصوص بما إذا كان في الوقت سعة؛ فإن ضاق الوقت عن إزالة ذلك صلى على حسب حاله؛ لأن إخراج الصلاة عن الوقت مع الإمكان لا يجوز بحال؛ كذا قاله القاضي الحسين في باب صلاة الجماعة. وحكى البغوي ثم في هذه الحالة [في صورة] المدافعة وجهاً آخر: أنه يزيل ما يدافعه، ويصلي خارج الوقت. قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا مفرعاً على أنه لا تصح صلاته؛ لانسلاب الخشوع. قال المتولي: هل الأولى هذا أو ذاك؟ فيه وجهان: وطردهما في الصورة الأخرى. قال: وإن كلمه إنسان، أو استأذن عليه، وهو في الصلاة -سبح إن كان رجلاً، وصفقت إن كانت امراة؛ لما روى أبو داود في الحديث المشتمل على قدوم النبي ﷺ وأبو بكر يصلي بالناس [، وتصفيق الناس] حين رأوا النبي ﷺ : "ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق؟! من نابه شيء في صلاته فليسبح؛ [فإنه إذا] سبح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء] وأخرجه البخاري ومسلم. وقد قيل: إن التصفيح والتصفيق بمعنى [واحد]، وقيل خلافه، كما سنذكره. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء". واختلف أصحابنا في كيفية تصفيقهن: فقيل: تضرب ظهر كفها الأيمن على بطن كفها الأيسر. وقيل: بل تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر. وقيل: تضرب بإصبعي يمينها على بطن كفها الأيسر. وهذا ما قال أبو أيوب: إنه التصفيح في الحديث؛ كما رواه أبو داود.

стр. 1375

وفي "الحاوي": أن ظاهر مذه الشافعي أنها كيفما صفقت جاز، سواء فيه بباطن الكف على ظاهر الآخر، وبباطن أحدهما على باطن الآخر. وقال الإصطخري: لا تصفق بباطن الكف على باطن الكف، ولو صفق الرجل، وسبحت المرأة-لم تبطل الصلاة، لكنهما تركا السنة. قال في "الحاوي": وقال بعض أصحابنا: تسبيح المرأة جائز، وتصفيق الرجل عامداً يبطل، وساهياً لا يبطل، لكنه إن تطاول سجد للسهو كالعمل الكثير، وإن لم يتطاول فلا سهو عليه. قال: وهذا غير صحيح؛ لأن رسول الله ﷺ لم يبطل صلاة من صفق خلف أبي بكر، ولا أمرهم بالإعادة. قلت: وفي هذا الرد نظر؛ لأنهم كانوا جاهلين بمشروعية التسبيح لهم وعدم مشروعية التصفيق؛ فال جرم لم يأمرهم بالإعادة، مع أنه محتمل أن يكون كثرة التصفيق التي نقلت عنهم باعتبار صدورها من الأشخاص، لا باعتبار كثرتها من كل شخص شخص، والظاهر من كلام الشيخ في "المهذب" عدم البطلان. ولو تكرر التصفيق من المرأة لم يبطل، ولم أر فيه خلافاً. فرع: لو أبدل المصلي التصفيق او التسبيح عند الاستئفان بالدخول، بقوله: "ادخلوها بسلام آمنين" وقصد الإذن في الدخول، وكذا لو رأى شخصاً يمشي على بساطه بنعله؛ فقال: "اخلع نعليك" وقصد أمره بخلع نعليه-فهل تبطل صلاته؟ قال الأصحاب: إن قصد مع ذلك القراءة لم تبطل؛ لأن عليّاً ﵁ "كان في الصلاة بـ"الكوفة" فدخل شخص من الخوارج، وهو يقول: لا حكم إلا لله ولرسوله، وأراد بذلك الإنكار على علي-﵇ حيث حكم؛ فتلا عليِّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠]، ولما سلم قال: "كلمة حق أريد بها باطل"، ولو كان ذلك يبطل الصلاة لما أقدم عليه عليّ.

стр. 1376

وعن صاحب "البيان" حكاية وجه آخر: أنها تبطل، وعزاه الطبري إلى العراقيين. وإن قصد المصلي بما ذكره المخاهطبة فقط بطلت صلاته، ولاخلاف في أنه إذا قصد القراءة فقط انها لا تبطل وإن نبه بها الداخل؛ كما لو رفع صوته بالتكبير والتأمين في الصلاة. نعم، لو جمع كلمات من القرآن، ونطق بها موصولاً- بطلت صلاته، وإن فرقها فلا. قال: وإن سلم عليه رد بالإدارة، يعني: برأسه أو بإصبعه؛ لما روى [أبو داود والترمذي عن] ابن عمر، عن صهيب قال: "مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه؛ فرد علي، قال: ولا أعلم إلا قال: إشارة بإصبعه". وروى أبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، فجاءه الأنصار، فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل ظهره إلى فوق"،وقد أخرجه الترمذي، وقال: إنه صحيح. وما ذكره الشيخ هو ما نص عليه في القديم، وبه قال جميع الأصحاب؛ كذا قاله الروياني في "تلخيصه". وفي "التتمة" أن الأولى ألا يرد حتى يفرغ من الصلاة، وقد يستدل له بما روي عن ابن مسعود قال: "قدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد ﵇؛ فأخذني ما قدم وما حدث؛ فلما قضى صلاته قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة. فرَدَّ علي

стр. 1377

السلام". وفي "الذخائر" أنه حكي عن الشافعي: أن الرد بالإشارة في الصلاة مكروه وإن جاز، والذي نقله أصحابنا نه ما ذكرناه مطلقاً، ولم يذكروا عنه كراهة، ولا يجب الرد في هذه الحالة ولا بعد السلام بحال؛ إذ وجوبه منوط باستحباب الابتداء؛ فحيث يستحب يجب، وألا فلا، والسلام على المصلي لا يستحب، بل قد نص الشافعي على كراهة السلام على الإمام في الخطبة. قال ابن الصباغ: والمصلي أولى بذلك، ويشهد له قوله ﵇: "لا غرار في الصلاة ولا تسليم" أخرجه أبو داود. وقال أحمد بن حنبل: يعني -فيما أرى-: لا تسلم ولا يسلم عليك. وقيل غيره.

стр. 1378

وقد أفهمك قول الشيخ: "رد بالإشارة" أمرين: أحدهما: أنه لا يرد بالقول؛ فلو رد به فقد أفهم كلام ابن الصباغ أن الصلاة تبطل، وبه صرح الروياني في "تلخيصه"، وحكاه مجلي عن النص، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إن رد عليه خطاباً بالكاف؛ بأن قال: وعليك السلام- بطلت صلاته؛ لأنه كلام آدمي، وإن قال: وعليه السلام-لم تبطل. وهذا ما أورده في "التتمة". قال مجلي: وليس بشيء؛ لأن الجميع خطاب لآدمي-في العادة- ولذلك يحصل به الجواب في رد السلام. ثم إذا امتنع رد السلام بالقول من المصلي فامتناع تشميت العاطس أولى؛ لأن الرد واجب في الجملة، بخلاف التشميت، وقد يقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن المسلم مقصِّر في التسليم على المصلي، بخلاف العاطس، ويشهد لذلك ما ستعرفه في باب هيئة الجمعة، وبالجملة: فلو شمت العاطس، وهو في الصلاة- قال ابن الصباغ: فالمذهب أن صلاته بطلت [، وهو ما حكاه الروياني عن عامة الأصحاب؛ لأنه موضوع لخطاب الآدميين] وإن كان دعاء. وحكى يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي أنه قال: لا بأس أن يقول له: يرحمك الله. قلت له: ولم؟ قال: لأنه دعاء.

стр. 1379

وقد حكى البويطي هذا عنه أيضاً. قال الروياني في "تلخيصه": وهو أصح إذا قصد به الدعاء، لا الخطاب، وفارق السلام؛ لأنه موضوع لخطاب الآدمي، وهذا موضوع للدعاء. وقال ابن الصباغ: الأول أشبه بالسنة؛ فإن معاوية بن الحكم قال: "صلتي مع رسول الله ﷺ فعطس رجل من القوم؛ فقلت: يرحمك الله؛ فرماني القوم بأبصارهم .. وساق الحديث، إلى أن قال: فلما صلى رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح يها شيء من كلام الناس ... " رواه أبو داود، وأخرجه مسلم. وعن القاضي الحسين: أنه إن واجهه بالخطاب، فقال: يرحمك الله-بطلت صلاته؛ كما لو قال لوالديه: يرحمكما الله. وإن قال: يرحمهما الله-لم تبطل؛ كما لو قال في حق والديه: اللهم ارحمهما؛ لأنه يخاطب بذلك الله، . واختاره في "المرشد"، وهذا وزان ما حكيناه عن المتولي في رد السلام. وقد قال مجلي هنا حكايةً عن الأصحاب: إنه ليس بشيء؛ لأن الجميع خطاب آدمي، وبه يحصل جواب ما وضع له كيف فرض بالكاف والهاء. وتشميت العاطس وتسميته-بالشين والسين-بمعنى واحد. واستحبابه منوط بما إذا قال العاطس: الحمد لله. ويستحب له إذا قال له المشمت: يرحمك الله، ان يقول: يهديك الله ويصلح بالك، أو نحوه. [و] الثاني من الأمرين: [أن] الإشارة في الصلاة لا تبطلها وإن أفهمت، وذلك مما لا خلاف فيه إذا صدرت من الناطق؛ لما روى جابر قال: "أرسلني النبي ﷺ إلى بني المصطلق، أتيته وهو يصلي على بعيره؛ فقال بيده هكذا، ثم كلمته؛ فقال بيده هكذا، وأنا أسمعه يقرأ؛ فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي

стр. 1380

أرسلتك؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أنني كنت أصلي" أخرجه أبو داود. وأما الأخرس فإشارته تقوم مقام عبارته؛ فإذا أشار في الصلاة بما يقوم مقام الكلام من الناطق، فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في باب حد الزنى، والذي أجاب به منهما القاضي الحسين في "الفتاوي"-كما حكاه بعضهم-: البطلان، وهو ما قال الرافعي: إنه رآه بخط والده وجهاً في المسألة، والذي أجاب به الغزالي في "الفتاوى": مقابله، وادعى في "الوسيط" في كتاب الطلاق: أنه الأصح. واعلم أنه كما يكره السلام على المصلي والخطيب، ولا يستحق فاعله الرد-يكره على من كان مشغولاً بأم ريكره قطعه: من أكل، أو نوم، أو قضاء حاجة؛ لخبر ورد فيه؛ كذا قاله المتولي. وكذا لا يستحب لمن دخل الحمام أن يسلم على من فيه؛ لأنه بيت الشيطان، وليس موضع تحية. وقد يكون الابتداء بالسلام حرماً، وذلك مثل أن تسلم الرأة [الشابة على شاب غير محرم لها، صرح به في "التتمة". ومثله: إذا ابتدأ الشاب بالسلام على الشابة] الأجنبية، ويكره له الرد، وعند وجود المحرمية أو الزوجية فلا تحريم، وكذا لوكان أحدهما شيخاً. ويستحق الرد، وقد يكون الابتداء به أدباً، وليس بسنة متأكدة، قال الماوردي في "السير": وهو سلام المتلاقيين، وهو خاص، وليس بعام؛ فإنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل [به عن] كلمهم، وليقصد به أحد أمرين: إما جلب مودة، أو دفع شر.

стр. 1381

والأولى فيه: أن يبتدئ الصغير بالسلام على الكبير، والراكب على الماشي، والقائم على القاعد؛ فإن استويا فأيهما بدأ كان له فضل التحية، ولو لقي الشخص الواحد جماعة، فأراد أنا يخص طائفة منهم بالسلام-يكره؛ لما فيه من إيغار [صدور من] لم يسلم عليهم؛ فهو [ضد] مطلوبه. نعم، لو سلم على الجميع، وخص بعد ذلك بعضهم بالسلام-قال في "الحاوي": فهو أدب. وفيه-أيضاً- نظر. والسلام عند دخول مسجد أو بيت ليس فيه أحد، مطلوب، ويشبه أن يكون ملحقاً بهذا النوع. ومن هذا النوع: السلام عند القيام عن القوم ومفارقتهم؛ فإنه دعاء مستحب، ولا يجب به الرد؛ كذا قاله المتولي، وفيه نظر؛ لأن أبا داود روى عن سعيد [بن أبي سعي] المقبري عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم؛ فإذا أراد أن يقوم فليسلم؛ فليست الأولى [بأحق من الآخرة] " وأخرجه النسائي، وكذا الترمذي وقال: إنه حسن. والسلام الذي ندب الشرع إليه وحث عليه، وسنه بغير سبب مجتلب- هو سلام القاصد على المقصود. قال الماوردي: وهو عام يبتدئ به كل قاصد على كل مقصود صغير وكبير، وراكب وماش.

стр. 1382

والأصل فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١] ومعناه: فليسلم بعضكم على بعض، ولما دخل رسول الله ﷺ المدينة أمر منادياً حتى نادى: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". ثم حيث كان الابتداء به أدباً أو سنة، فالرد على المبتدأ-إذا كان مكلفاً-واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وظاهره الوجوب، وهل الأفضل الرد، أو الابتداء بالتسليم؟ [قال القاضي الحسين:] فيه وجهان. ثم إن اكن المسلم عليه واحداً فالرد [عليه] فرض عين؛ إذا كان من أهل الوجوب، ويكفيه إذا كان واحداً والمسلم عليه جماعة أن يقول: وعليكم السلام، ويقصد به الرد على الجميع؛ كما يسقط الفرض بصلاة الواحد على جمع من الجنائز: وإن كان المسلم عليهم جماعة فالرد فرض كفاية يسقط بفعل البعض، ويأثم الكل بالترك، ولو كان فيهم صبي لم يسقط الفرض به؛ كذا قاله القاضي الحسين في "كتاب الجمعة"، والمتولي، وأشار القاضي في موضع آخر منه إلى أنه يسقط على وجه، والخلاف جار فيما لو سلم الصبي على مكلف: هل يجب عليه الرد أم لا؟ وقد اختلف في أصله: فالقاضي [الحسين] بناه على أن عمده عمد أو خطأ؟ والمتولي بناه على أنه يصح إسلامه أم لا؟ والاختلاف في البناء يقتضي الاختلاف في التصحيح، ولا خلاف في أنه يستحب إذا لم يجب.

стр. 1383

وأكمل السلام أن يقول للواحد والجمع: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولو اقتصر علىقوله: السلام عليكم، للجمع، أو: عليك، للواحد- تأدت السنة، [وفيه نظر؛ لأنه روي عن أبي جري الهُجَيمي قال: "أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله. قال: لا تقل: عليك السلام؛ فإن "عليك السلام" تحية الموتى" أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح]. ولو قال: سلام عليكم، أو عليك- كفى أيضاً، ولو قال: سلامي عليكم، أو عليك- لم يكن مسلماص؛ فلا يستحق الرد، بخلاف ما لو قال: سلام الله عليمك، أو عليك، وهذا حكم الابتداء. وأما الجواب فأكمله أن يقول [للواحد والجمع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأقله-كما قال المتولي-أن يقول: وعليك السلام؛ فلو ترك واو العطف لا يكون مجيباً، ولو قال كل منهما لصاحبه معاً، أو على الترتيب: السلام [عليكم]، استحق على صاحبه الرد، وقال القاضي الحسين: إن ذلك

стр. 1384

يكفي، ويسقط الرد، وكذا فيما لو قال كل [واحد] منهما لصاحبه ابتداءً. وعليكم السلام-سقط الرد. نعم، لو قال الشخص ابتداء: عليكم السلام-لا يستحق الجواب، قاله القاضي الحسين. وقوله: إنه يسقط [الرد] عند [قول] كل واحد منهام: وعليكم السلام مؤذن بأن المبتدئ بذلك يستحق الجواب. وقد قال في "التتمة": إنه لا يكون مسلماً؛ فلا يستحق الجواب، وبه يحصل في المسألة وجهان. ولو قال الشخص ابتداء: وعليكم السلام [، فقال الآخر: عليك السلام-[وجعلناه ابتداءً]-لا يسقط الجواب،]؛ لأنه للابتداء؛ فكأنه لم يقبل سلامه، بخلافما إذا قال: وعليكم السلام؛ فإن إتيانه بالواو قبول؛ كذا قاله القاضي [الحسين]. ثم [إنما يسقط] الرد إذا سمع المسلم الجواب؛ كما لا يستحق المسلم الجواب ما لم يسمع سلامه. ولو سلم عليه من وراء حائط، أو كان غائباً فكتب إليه كتاباً، وكتب فيه: السلام على فلان، أو أرسل إليه رسولاً، وقال له: سلم على فلان، فبلغه الصوت والكتاب والرسالة-قال في "التتمة": يجب عليه الجواب؛ لأن تحية الغائب تكون بالمناداة والكتاب والرسالة؛ فعليه أن يجيب بمثله أو بخير منه. والأخرس إذا سلم بالإشارة يردعليه باللسان، إلا أن يكون أصم؛ فيشير إليه بالإصبع. وقال في "التتمة": إنه يسلم عليه بلسانه، ويشير إليه، واشترط في استحقاق الناطق الجواب على الأصم: أن يتلفظ بالسلام بلسانه؛ لقدرته عليه، ويشير إليه باليد ليحصل له الإفهام؛ فإن فعل أحدهما لم يستحق الرد عليه. وهذا الفصل ذكرته؛ لأن له تعلقاً بكلام الشيخ هنا، وبعض الأصحاب ذكره

стр. 1385

في كتاب "الجمعة"، وبعضهم في "السير"، والشيخ أهمله بالكلية؛ فأحببت ذكره في هذا الباب؛ لأن له تعلقا به، وقد بقي منه، ومما يتعلق به فروع، نذكر منها ما تيسر؛ لأن الشروع ملزم: قال الماوردي: إذا دخل على قوم فيهم كثرة، بحيثلاتعمهم المرة الواحدة-فسنة السلام تحصل بابتدائه به أول دخوله، ويدخل في فرض الرد جميع من سمعه؛ فلو أرا الجلوس فيمن لم يسمع سلامه ففي سقوط سنة السلام وجهان يظهر أثرهما في أنه لو رد عليه من لم يسمع سلامه: فإن قلنا: إن سقطت، [سقط] برد هذا وجوب الرد على من سمع، وإلا لم يسقط. إذا كان الداخل على قوم يحتاج إلى الاستئذان؛ فهو مامور بالاستئذان والسلامن وبايهما يبدأ؟ فيه وجهان. قال الماوردي: والأولى-عندي- حمل الوجهين على حالين: فإن وقع بصره ابتداء على المقصود بدأ بالسلام، وألا بدأ بالاستئذان. ثم إذا أمرناه بتقديم السلام؛ فسلم، فهل يكون سلامه استئذاناً؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وعلى هذا يكون الرد عليه أدباً. والثاني: لا؛ فعلى هذا يكون الرد عليه واجباً، ويكون هذا السلام مسنوناً، وتسقط به سنة السلام. إذا كان الداخل على الشخص الواحد جماعة، فالسلام في حقهم سنة على الكفاية إذا أتى به البعض سقطت [به] السنة عن الباقين؛ قاله القاضي الحسين في باب الجمعة. قال: ولا توجد سنة على الكفاية إلا هذه، وغيره أضاف إليها الأضحية، كما ستعرفه في موضعه. جرت عادة بعض أهل زماننا عند السلام أن يقبل يد المسلم عليه، وينحني له، وتقبيل اليد جائز لأجل فقه، أو زهد، أو أبوة، أو أمومة، وغير جائز إذا فقد ذلك، وكان المقبل يده من أرباب الدنيا أو الأغنياء.

стр. 1386

وحكم القيام للشخص حكم تقبيل يده، قاله المتولي، وهذا عند الأمن من ضرر يلحق الشخص إن لم يفعل. والانحناء أطلق بعضهم جوازه مع كراهة فيه. وفي "التهذيب" عند الكلام في الركوع في الصلاة: أنه لا يجوز لأحد أن يثني ظهره لمخلوق. والله أعلم. قال: وإن بدره البصاق، أي: في الصالة؛ كما يشعر به سياق الكلام، [وإن كان لفظ الكتاب عاماً]، [ويقتضيه الخبر الذي سنذكره،] وهو في المسجد-بصق في ثوبه، أي: دون المسجد؛ لقوله-﵇:"البزاق في المسجد-وفي رواية: النخاعة في المسجد-خطيئة، وكفارتها دفنها" رواه أنس بن مالك، وأخرجه البخاري. ورواية مسلم عنه: أن النبي ﷺ قال: "النفل في المسجد خطيئة، وكفارته أن يواريه". وإذا كان البصاق في المسجد ممتنعاً؛ والخروج منه في الصلاة ممتنعاً- تعين أن يضعه أي ثوبه، وسيأتي في الخبر ما يرشد إليه. قال: وحك بعضه ببعض؛ إذهاباً لصورته.

стр. 1387

وفي الخبر الذي سنذكره ما يدل عليه أيضاً. ولو بصق في المسجد كان كفارته دفنه؛ للخبر. قال: وإن كان في غير المسجد بصق على يساره، أو تحت قدمه؛ لما روى أبو داود، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﷺ دخل المسجد، فرأى نخامة في قبلة المسجد؛ فحكها، ثم أقبل على الناس مغضباً، فقال: "أيسر أحدكم أن يبصق في وجهه؛ إن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه- والملائكة عن يمينه؛ فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه؛ فإن عجل به أمر فليتفل هكذا". ووصف لنا ابن عجلان ذلك: أن يتفل في ثوبه، ثم يدلك بعضه على بعض". قال بعضهم: وهذا الخبر [فيه] دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد ما يكتب؛ لكونه في طاعة، وإنما قال ذلك؛ لأنه-﵇-علل منع البصاق عن اليمين بكون الملك هناك، وأباحه على اليسار.

стр. 1388

ثم قوله: "عن يساره أو تحت قدمه" ليس على التخيير؛ بل هو على حالين، يدل عليه ما روى أبو داود، عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: "قال رسول الله ﷺ : "إذا قام الرجل إلى الصلاة- أو: إذا صلى أحدكم-فلا يبزق أمامه ولا عن يساره، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به" وأخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن. وعلى هذا يجب حمل كلام الشيخ أيضاً، ولوتعذر عليه جهة اليسار وتحت القدم بصق عن يمينه ودفنه، لكنه يتحامى ذلك ما أمكن. قال: وإن مر بين يديه مار، وبينهما، أي: بين المصلي والمار سترة، أو عصا بقد رعظم [الذراع]- لم يكره، أي: المرور؛ لأنه لا يؤثر في صلاة المصلي، قال ﵇: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل-فليصل، ولا يبال ما مر وراء ذلك" رواه مسلم.

стр. 1389

وروى مسلم-أيضاً-عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: "قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره؛ إذا كانبين يديه مثل آخرة الرحل، وإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي، سألت رسولا لله ﷺ كما سألتني؛ فقال: الكلب الأسود شيطان". وقد أخذ بهذا الحديث الإمام احمد، ولخلافه أثر ستعرفه. ومؤخرة الرحل. ذراع. قاله عطاء. وقيل: إنها تداني ثلثي ذراع. وروى مسلم أيضاً: "أن النبي ﷺ ركزت له عنزة؛ فتقدم، فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع". وفي طريق آخر: "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة". وفي أخرى: "فكان يمر من ورائها المرأة والحمار". والعنزة: عصا في أسفلها زج من حديد، وفي رأسها سنان مثل الحربة. [قال الإمام: ولعل السر في ذلك أن يتبين للمار المسجد الذي يتجنب

стр. 1390

المرور فيه، فيتنكبه. وإذا لم يكن بين يديه شيء يعلم حده، والمار في مروره يعسر عليه الاشتغال برعاية ذلك-فيكون المصلي في تركماي ستتر به كالمقصر فيالاهتمام بحماية حد مصلاه. قال: ولا يحاول في الستر [الستر] الحقيقي، كما ذكرناه في نصب شيء في سطح الكعبة يستقبله المصلي؛ فإن ذلك الشاخص قبلة للمصلي، وهذا لإعلام حد المصلي؛ حتى] [يمر]، ولو كان مروره من وراء السترة كره، بلا خلاف؛ كما أفهمه كلام الشيخ؛ لقوله-﵇: "لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي" أخرجه مسلم. وفي رواية [له]: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه". و [في] رواية البخاري: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه".

стр. 1391

قال أصحابنا: وقوله: "يقف أربعين" يحتمل أنه أراد أربعين سنة، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعة، ويوافقه قول أبي النضر: لا أدري أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة. لكن في "مسند" البازر: "أربعين خريفاً". وظاهر الخبر: أن الكراهة كراهة تحريم، وهو ما صرح به العجلي، وعبارة صاحب "التهذيب" و"التتمة" توافقه؛ حيث قالا: ولا يجوز لأحد أن يمر بين يدي المصلي إذا صلى إلى سترة، وهو الأظهر في "الرافعي"، وفي "الوسيط" تبعاً لـ "النهاية" أن المرور ليس بمحظور، وإنما هو مكروه، والمبالغة؛ لتأكد الكراهة، وقد ادعى بعض المتأخرين أنه الأصح اقتفاء لأثر صاحب "المحيط"؛ فإن أم سلمة قالت: "كان النبي ﷺ يصلي في حجرة، فمر بين ييه عبد الله، أو عمر بن [أبي] سلمة؛ فقال بيده؛ فرجع؛ فمرت زينب بنت أم سلمة؛ فقال بيده هكذا؛ فمضت؛ فلما صلى النبي ﷺ قال: هن أغلب" رواه ابن ماجه، ولو

стр. 1392

كان المرور حراماً لصرح به. ثم على كلا الوجهين للمصلي دفعه ومنعه من المرور؛ لقوله-﵇: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة تستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه-فليدفعه في نحره، فإن أبي فليقاتله؛ فإنما هو شيطان" أخرجه مسلم. وفي لفظ البخاري: "إذا مر بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي فليمنعه، [فإن أبي فليمنعه]، فإن أبي فليقاتله؛ فإنما هو شيطان". واختلف في [معنى] قوله: "فإنما هو شيطان". فقيل: معه شيطان؛ لأن الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي منفرداً. وقيل: هو شيطان من شياطين الإنس، لكن هل الدفع مستحب أو واجب؟ المحكي عن "المحيط": أنه مستحب؛ إذ لو كان واجباً لما أهمله النبي ﷺ في القصة التي اسلفناها عن رواية أم سلمة؛ ولأجل الخبر المذكور قال الإمام: إنه لا ينتهي دفع المصلي المار إلى منع محقق، بل يومئ ويشير برفق في صدر من يمر به، وينبغي تنبيهه. وعن "الكافي" للروياني: أن للمصلي أن يدفعه، وله أن [يصر على ذلك] وإن أدى إلى قتله. وهذا يظهر أنه تفريع على القول بأن الكراهة كراهة تحريم، وما قاله الإمام بناء على ما اعتقده: أنها كراهة تنزيه.

стр. 1393

قال: وكذلك إن لم تكن عصا، وخط بين يديه على ثلاثة أذرع خطّاً- لم يكره أي: المرور؛ لأن مروره لا يؤثر في صلاة المصلي؛ لقوله-عليهالسلم-:" إذا صلى أحدكم فليجعل أمام وجهه شيئاً؛ فإن لم يجد فلنيصب عصاً؛ فإن لم يكن معه عصا فليخط خطّاً، ثم لا يضره ما مر أمامه" أخرجه أبو داود، ثم قال: والخط بالطول. وما ذكره الشيخ من الخط ذكره القاضي أبو حامد في "جامعه". وقال ابن المنذر: إن الشافعي كان يأمر به في العراق، وقد كتبه في كتبه الجديدة، ثم خط عليه. قال الإمام: [فاستقر أن] الخط لا يكفي؛ إذ الغرض الإعلام، وهو لا يحصل بالخط. لكن الشافعي حكى عنه البويطي: أنه لا يخط المصلي بين يديه خطّاً إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت؛ فيتبع؛ فعلق القول [فيه] بصحة الخبر، وقد صححه الإمام أحمد وابن المديني. وابن المنذر أطلق القول بأنه صح؛ فلا جرم جزم الشيخ القول به، واختاره الغزالي في "الخلاصة"، وكذا البغوي وصاحب "المرشد" والأكثرون، كما قال الرافعي: إن حكم الخط الشاخص من الأرض فيكراهة المرور بينه وبين المصلي، وتسليط المصلي على الدفع، [لكن لمن] قال باستقرار الأمر على أن الخط لا يكفي- ومنهم الإمام والغزالي في "الوسيط"- أن

стр. 1394

يقولوا: الخبر، وإن صححه من ذكرتم، فقد ضعفه غيرهم؛ كما قاله عبد الحق وغيره، وإن ما ورد [فيه] عن أبي هريرة من طرق مختلفة لا يصح [في كتب الحديث]. ثم إذا قلنا بما قاله الشيخ ففي كيفية الخط وجهان: أحدهما: يكون كهيئة الهلال، وهو اختيار الإمام أحمد. والثاني متوافقان على أن الخط يكون من المشرق إلى المغرب، وإليه أشار [الشيخ] بقوله: "بين يديه". وقد قيل: إنه يكون خطّاً مستقيماً إلى جهة القبلة؛ لما ذكرناه من قولأبي داود، وقد يستأنس له بما روى أبو داود عن المقداد قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصل إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على جانبه الأيمن، أو الأيسر، [ولا يصمد إليه صمداً] " يعني: لمي جعله قصده بين عينيه، والصمد في اللغة: القصد.

стр. 1395

ووجه التمسك به –على المدعي-أنه لم يجعل السترة قصده، وجعل الخط بين يديه يكون قصده؛ فكان جعله بالطول يمنة المصلي أو يساره أقرب إلى ذلك. وقد نبه الشيخ بقوله: "على ثلاثة أذرع خطّاً، لم [يكره" على أن حريم] المصلي يكون إلى ثلاثة أذرع، وأن السترة أو العصا ينبغي أن يكون بينهوبينها قدر ذلك، وبه صرح في "المهذب" وغيره، فقال: يستحب أن يجعل بينه وبين ما يستتر به قدر ذراعين إلى ثلاثة، وكذا بين الصفين، وهو مقدار مسجد على التوسع. قال الشافعي: وقد صلى رسول الله ﷺ في الكعبة، وكان بينه وبين الحائط قريب من ثلاثة أذرع، [و] هكذا رواه البخاري عن ابن عمر. ورواية مسلمعن سهل بن سعد قال: "كان بين مصلي رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة". فلو خالف المصلي ذلك، فتباعد عن سترته أكثر من ذلك-[كان] كما

стр. 1396

لو صلى إلى غير سترة. قال ابن المنذر: كان مالك يصلي متباعداً عن السترة، فمر به رجل لا يعرفه، فقال له: أيها المصلي، ادن من سترتك، [قال]: فجعل يتقدم ويقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٣]. ثم [في] معنى الخط بسط شيء للصلاة كالسجادة ونحوها؛ قاله في "النهاية" و"الوسيط" و"التهذيب". قال: وإن لم يكن شيء من ذلك كره، أي: المرور؛ لأنه يقطع صلاة المصلي على مذهب أحمد [بن حنبل]، ما تقدم؛ للخبر السابق. وأجزأته صلاته؛ لقوله –﵇: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان" أخرجه أبو داود عن رواية أبي سعيد الخدري، وهذا ناسخ لما تمسك به أحمد. وكذا مارواه البخاري ومسلم: "أنه ﵇ كان يصلي وعائشة معترضةبين يديه كالجنازة".

стр. 1397

ورواية مسلم عن ابن عباس قال: أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، فتخطيت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد. قال البخاري: ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار. وفي بعض طرقه: "فصار الحمار بين يدي بعض الصف". وروىلنسائي في هذا الحديث: فلم يقل لنا رسول الله ﷺ فيه شيئاً. وكل هذه الأحاديث دالة على النسخ. ثم إذا ثبت أن المرور فيهذه الحالة مكروه فهل للمصلي منع المار منه؟ حكى الإمام ومن تبعه فيه وجهين: أحدهما: نعم؛ لعموم الخبر، وهو ما أورده البندنيجي. والثاني: لا؛ لتقصيره، وهو ما صححه الرافعي، ولمي ورد البغوي غيره. وهل القول بالكراهة مطرد في حالة إمكان المرور من موضع آخر وعدمه، أو مختص بالحالة الأولى؟ الذي حكاه الإمام عن الأئمة: الثاني، وتبعه في "الوسيط"، وقال الرافعي: إن الكتب ساكتة عن ذلك. وفي "صحيح" البخاري ما ينازع فيما حكاه الإمام، وتعميم الكراهة. وقد صرح الأصحاب بأنه لو كان بالصف الأول فرجة لم يسدها الصف

стр. 1398

الثاني، جاز المرور بين يدي الصف الثاني لسد الفرجة، وليس لهم دفعه؛ لأنه كان عليهم أن يفعلوا ذلك، فلما لم يفعلوه جاز المرور، ومن هذا يؤخذ أن محل النزاع فيالمسألة قبلها إذا لم يكن المصلي منسوباً إلى التقصير بالصلاة في المكان، فإن كان مقصراً-كما إذا وقف في قارعة الطريق-فلا كراهة. فرع: قال في "التتمة": لو تستر بآدمي أو حيوان، لم يستحب له ذلك؛ لأنه يشبه عبادة من يعبد الأصنام، [و] لأنه لا يؤمن أن يشتغل به؛ فيتغافل عن صلاته. وفي مسلم ما يرد عليه؛ فإنه روى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يعرض راحلته فيصلي إليها، قلت: أرأيت إذا هبت الركاب؟ قال: كان يأخذ الرحل، فيعدله، فيصلي إلى آخرته، أو قال: مؤخره، وكان ابن عمر ﵄ يفعله، والله أعلم.

стр. 1399

باب سجود السهو السهو: الغفلة. وفائدة السجود لأجله: جبر ما حصل من النقص بسبب زيادة شيء مخصوص في الصلاة، أو نقصان شيء مخصوص من المسنونات، وهي المسماه بـ"الأبعاض"، وذلك يتضح بشرح مسائل الكتاب. وعبارة بعضهم: أنه يشرع بسبب ترك مأمور أو ارتكاب منهي. والأولى أولى؛ لأن فيها اتباعاً لما ورد [في الخبر،] قال-﵇: "إذا زاد أحدكم أو نقص فيسجد سجدتين". وبذلك يظهر لك أنه لا يختص بالفرض؛ بل يشركه فيه السنة، وهو المذهب. وقد حكى عن القديم قول: أن سجود السهو لا يشرع في السنة؛ لأنها اخف حالاً من الفريضة. قال القاضي أبو الطيب: ولا يعرف هذا القول للشافعي، بل قال ابن الصباغ: إن الشافعي نص في القديم على انه يسجد فيها. ثم قاعدة الباب: أنه متى شك في فعل مأمور مما يسجد لتركه بعد فوات محله، سجد للسهو؛ لأن الأصل أنه لم يفعله، وإذا شك في ارتكاب [منهي معين يقتضي تحققه سجود السهو] فالأصل أنه لم يفعله؛ فلا سجود عليه [إلا في مسألة] واحدة، وهي ما صدر بها الشيخ الباب وما يليها. وقولنا: "معين"، احتراز مما إذا شك هل ترك مأموراً في الجملة أم لا؟ فلا

стр. 1400

يسجد كما لو شك هل سها أم لا؟ قاله البغوي وغيره. قال: إذا شك في عدد الركعات، وهو في الصالة -بنى الأمر على اليقين وهو الأقل، يأتي بما بقي، ويسجد للسهو؛ لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته؛ فلم يدر كم صلى: أثلاثاً، أم أربعاً- فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع- كانتا ترغيماً للشيطان". قال القاضي الحسين: وليس المعنى بقوله ﵇: "شفعن له صلاته" أنها بالسجدتين تصير ستاًّ؛ إذ السجدتان لا تقومان مقام ركعة، وإنما عني به: أن السجدتين تردانها إلى الأربعة، وتحذفان الزيادة؛ لأن سجود السهو كما يجبر النقصان يدفع الزيادة. ومعنى ترغيم السجدتين الشيطان، أو أنفه، كما جاء في رواية: أنهما "تسخطانه"؛ فكأنه لفرط إذلاله قد ألصق أنفه بالرغام، وهو التراب الذي يخالطه الرمل. فإن قيل: قد روى البخاري ومسلم، عن [ابن مسعود: "أن] النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب؛ وليبن عليه، ثم ليسجد سجدتين"، والتحري: طلب أحد الأمرين وأولاهما بالصواب في ظنه؛ فلم

стр. 1401

عدلتم عن العمل به، مع أنه معتضد بالقياس على ما إذا شك في الأواني وفي القبلة ونحوهما؟! قيل في جوابه: إنا نحمل التحري المذكور [في هذا الخبر] على طلب اليقين؛ جمعاً بينه وبين الخبر الأول، والتحري قد يكون بمعنى اليقين؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ [الجن: ١٤]. والفرق بين ما نحن فيه وبين الأواني والقبلة: أنه هنا يمكنه البناء على اليقين في المجتهد يه من غير كبير مشقة، ولا علامة يستدل بها لى المطلوب، ولا كذلك في الأواني والقبلة ونحوهما. فإن قيل: لو أخبره جمع كثير بأنه ترك ركعة من صلاته أو فرضاً منها، واعتقد هو أنه أتى بها، أو [أنه] أتى به، [واعتقد هو] أنه لم يأت به- وجب عليه البناء على قولهم، وإن أمكنه البناء على اليقين فهو يبطل ما ذكرتم. قلنا: لنا في رجوعه إلى قولهم وجهان حكاهما الرافعي وغيره هنا، وقد حكيناهما عن رواية أبي علي في باب صلاة الجماعة قولين: فإن قلنا: إنه لا يرجع إلى قولهم؛ كما لو أخبره واحد أو اثنان-وهو الظاهر من كلام الأصحاب-فلا إشكال. وإن قلنا: إنه يرجع إلى قولهم-كما هو الأصح في "التتمة"-فمعتمده قصة ذي اليدين، وهو قائم مقام اليقين؛ إذ المسالة مصورة بما إذا تردد في قولهم، والله أعلم. قال: وكذلك إذا شك في فرض من فروضها، أي: غير النية والتكبير؛ لأن الشك فيهما شك في كل فروضها-وقد تقدم الكلام فيه- بنى الأمر على اليقين، وهو أنه لم يفعل؛ فيأتي به، ويسجد للسهو؛ لما تقدم. قال بعضهم: وإنما أورد الشيخ المسألة الأولى، وعطف هذه عليها، [وإن كانا

стр. 1402

في الحكم سواء؛] لأن الأولى مورد صريح الحديث. قلت: لأن ما ورد في "سنن" أبي داود وإن أمكن الاستدلال بعمومه على هذه المسألة أيضاً؛ فآخر الخبر يدل على أن المراد: [الصورة] الأولى، وصيغة الخبر المشار إليه: "إذا شك أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشك، وليبن على اليقين، وإذا استيقن التمام سجد سجدتين: فإن كانت صلات تامة كانت الركعة نافلة، والسجدتان، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تماماً لصلاته، وكانت السجدتان مُرْغِمَتَ الشيطان". فإن قيل: ما وجه دعواكم: أن هذه المسألة والتي قبلها خرجت عن القاعدة التي ذكرتموها؟ ولأي معنى خرجت؟ قلنا: أما وجه خروج ذلك عن القاعدة؛ فلأنه [على تقدير أن يكون] لم يأت بما شك فيه؛ فإذا أتى به لا خلل حتى يجبر، وعلى تقدير أن يكون قد أتى به فإعادته تؤثر خللاصفي الصلاة؛ فيحتاج إلى الجبر، فإذا شك في الفعل، وأتى به فإعادته تؤثر خللاً في الصلاة؛ يحتاج إلى الجبر، فإذا شك في الفعل، وأتى به فقد شك: هل ارتكب ما يقتضي السجود أم لا؟ والأصل عدمه. وأما كونه يسجد فقد قال الشيخ أبو محمد وطائفة من الأصحاب-[كما قال الإمام-: إنه] لا وجه له إلا [الخبر] الذي أسلفناه؛ ولهذا قال في "الوجيز": إنه يسجد خبراً؛ أي: لأجل الخبر، وهذا صوابه، وقد تصحف الخاء فيه بالجيم. وليس بصحيح. وعلىهذا: لو زال الشك قبل السلام، وانكشف الحال على أن الذي [أتى] به [جابراً] زائد-سجد للسهو؛ لتحقق الزيادة، وإن بان أنه [غير] زائد فلا، قال: لأن [الظاهر من] الخبر أن الشك دام إلى السلام، وهذا القول وتفريعه مال إليه الإمام والغزالي في "الوجيز".

стр. 1403

وقال الشيخ أبو عليّ: إنما سجد، وإنما احتمل أن يكون ما أتى به غير زائد؛ لأنه يأتي به مع تجويز ان يكون زائداً؛ فقد تطرق إليه نوع خلل؛ فلذلك سجد. وهذا ما صححه في "التتمة" ويحكي عن القفال أيضاً، ولم يورد صاحب "التهذيب" وكثيرون -كما قال الرافعي- سواه، وهو الذي اورده ابن الصباغ. وقد تعرض الإمام لنقض العلة المذكورة بأن من قضى فائتة وهو يتردد، في تركها [لا يأتي بسجود السهو]، مع أنه أتى بجميعها مع التردد في الوجوب من حين اقتران النية. وأجيب: بأن النية في مسألة النقص لم تكن مترددة في مبطل ولا في باطل، بل في واجب أو مندوب، والنية هاهنا مترددة في واجب أو مبطل؛ فكان تأثير التردد هاهنا أثم. وعلى هذا قال الشيخ أبو عليّ: إذا تيقن قبل السلام أن ما أتى به غير زائد، سجد؛ لأجل التردد حالة الفعل. وهو مخصوص بالاتفاق بما إذا مضى في التردد ركن يحتمل أن يكون زائداً، فأما إذا خطر الشك، فزال ولم يمض معه ذلك-فلا أثرله ولا سجود. وقد ضبط ذلك في كتاب "التهذيب" بقوله: ومن شك في ركن، ثم تذكر أنه أتى به: فما أتى في حالة الشك إن كان زائداً على أحد المحتملين سجد، وإلا فلا. مثال ذلك: إذا كان في ركعة من الصبح، فشك أنها أولاه، أو ثانية: فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية أنها أولاه لم يلزمه سجود السهو؛ لأن ما هو فيه على كل احتمال [من] أصل صلاته، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية سجد؛ لأن قيامه يحتمل أن يكون زائداً. وكذا لو شك في ركعة من الظهر أنها أولاه أو ثانية: فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية فعليه السجود؛ لأنها إن كانت ثانية فقد ترك التشهد الأول، وإن كانت أولاه.

стр. 1404

فقد أتى بها مع الشك في أنه ترك التشهد الأول أم لا؟ قال القاضي الحسين: ويحتمل أن يقال: لا سجود عليه. [وإن كان شكه أن الركعة التي هو فيها ثالثة أو رابعة: فإن بان قبل أن يرفع رأسه من السجود الحال فلا سجود عليه]، وإن بان بعد أن قام فعليه؛ لأنه يجوز أن يكون زائداً، وعبارته في ذلك [أنه]: إن أتى مع الشك بركن تام سجد، وإلا فلا، وقد قدمت تفصيل القول في الركن التام ومقارنة الشك إياه في فصول النية في أول باب: صفة الصلاة. وأنا فصلته في الباب قبله، وبين العبارتين فرق لمن تأمل. أما إذا وقع الشك في عدد الركعات، أو في فرض من فروض الصلاة بعد الخروج منها-فلا أثر لذلك، طال الزمان أو قصر؛ لأنه مما يكثر جنسه، ولا يمكن الاحتراز عنه، ولا يأمن مثله في القضاء، هذه طريقة العراقيين، وللمراوزة في المسألة ثلاثة طرق: إحداها: أن فيها قولين: [أحدهما]: كما صار إليه العراقيون، وهو ما حكاه في التتمة عن القديم، وكذا القاضي الحسين عند الكلام في ستر العورة. والثاني: أنه كما [لو] كان في الصلاة؛ فإن الأصل أنه لم يفعل؛ فإن قرب الزمان تدارك، وبني على صلاته، وسجد للسهو؛ لأنه سلم في غير محله؛ فإن طال الزمان استأنف. قلت: ويأتي وجه آخر مع طول الزمان: أنه يبني أيضاً؛ بناء على أنه لو تذكر ذلك وقد طال الفصل، بنى؛ كما تقدم. وهذه الطريقة طريقة الفوراني. والثانية: إن طال الزمان لم يؤثر شكه قولاً واحداً؛ لأنه لا يمكن ضبطه، ويؤدي إلى ما لا يتناهى، وإن لم يطل قولان؛ لأن وجه التأثير أن وقوعه يندر ولا يعم؛ فهو كالشك في الصلاة. وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، واستحسنها الإمام.

стр. 1405

الثالثة-حكاها القاضي الحسين هنا لا غير: أن ذلك يؤثر، [لكن] إن كان الفصل يسيراً بنى على صلاته، وإن طال الفصل فقولان: الجديد: أنه يستأنف. والقديم: أنه يبني على صلاته. قال: ونظير المسألة: المعتدة بالأقراء إذا ارتابت بالحمل: إن كانت في خلال العدة لا يحكم بانقضائها، وإن كانت قد انقضت عدتها فعلى قولين: أحدهما: لا ينعقد النكاح. والثاني: ينعقد موقوفاً. ووجه الشبه: أن الريبة هناك طرأت بعد الحكم بانضاء العدة؛ فأوجبت نقض الحكم [ببقاء العدة؛ فكذا هنا: الريبة إذا طرأت [أوجبت نقض] الحكم] بصحة الصلاة، ويلزمه الاستئناف. قلت: وهذا التشبيه بالطريقةالأولى أقرب منه بهذه، وبالجملة فحاصل الطرق عند الاختصار أربعة أقوال: أحدها: لا أثر لذلك أصلاً. والثاني: أنه يؤثر، لكن إن قرب الزمان بنى، وإن بعد استأنف. والثالث: أنه يؤثر، ويبني على كل حال. والرابع: أنه إن قرب الزمان أثر، وبني، وإن بعد [استأنف] ولا أثر له، وهذا ما اختاره البغوي. والغزالي اقتصر على حكاية ما عدا الثالث، وقال: وليس من الشك ألا يتذكر كيفية الصلاة السابقة؛ بل الشك أن يتعارض اعتقادان على التناقض بأسباب حاضرة. فن قلت: قد أفهم قول الشيخ: "في فرض من فروضها" أنه إذا شك في سنة من سننها: كالتشهد الأول، والقنوت، ونحوهما-لا يكون الحكم كذلك، وقد قال البندنيجي، وغيره: إنه الجديد، وهو مقتضى القاعدة التي سلفت، وكذا
следующие страницы →