Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
قال الفوراني: وهذا الغرض هو مقصود الخطبة، والحمد والصلاة وإن وجبا وفاقاً [فهما] في حكم الذريعة إليه.
قال الإمام: ولا أصل لهذا الكلام ولا فائدة فيه، مع إيجاب الجميع، ولا يتعين للوصية ذكرٌ؛ لأن النبي ﷺ نوعها لينبه على عدم تعين نوع منها، وهل يتعين لفظ الوصية؟ فيه وجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: لا، وهو المذكور في "الإبانة".
والفرق بين ذلك وبين كلمات التشهد: أن مقصود الخطبة الاتِّعاظ، فلو التزم فيها شيئاً واحداً، أنس الناس به؛ لتكرره على مسامعهم، وذلك يوشك ألا يحصل فائدة الوعظ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات، لكن اتفق الأصحاب على أن الخطيب لو لزم شيئاً واحداً، أجزأه؛ لأنه قد يحضره من لم يسمع ذلك، ويغيب من سمعه؛ فيحصل المقصود.
ثم الوصية بتقوى الله تعالى؛ لجمعها الأمر بإتيان المأمورات، واجتناب المحرمات، وفي أحدهما إشعار بالثاني، فيكتفي بأحدهما؛ كذا قاله الإمام.
وفي "الوسيط": أن الشافعي قال ذلك، واستشهد به على أن فرض ذلك يسقط بقوله: أطيعوا الله.
وقال الإمام: إن كلام الأئمة مؤذنٌ بأنه لو اقتصر على قوله: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه- كفى؛ لصدق الاسم. ولكني لم أر هذا القول من أبواب المواعظ التي تنبِّه الغافلين، وتستعطف القلوب الأبية العصية إلى مسالك البر والتقوى، وإن كان المتبع مسالك الأوّلين في العُصُر الخالية فالغرض فضل مجموع نهر، ويقدر واقعاً من السامعين موقعاً.
وقد بالغ الشافعي في الإتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين، وليس يليق بمذهبه أن يجعل قول الخطيب: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أطيعوا الله- خطبة تامة.
وقد قال في "الوسيط": إن ذلك يكفي فيها.
ثم قال الإمام: وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في "الإملاء"، وفيه إشعار بما
стр. 1892
ذكرته، ثم الذي يظهر لي أنه لا يكفي في هذا الفرض الاقتصار على ذكر التحذير والاغترار بالدنيا؛ فإن المنكرة للبعث يتواصون به، وكذلك ذكر الموت وما فيه من الفظاعة والألم.
نعم، لو اشتملت الوصية على الأمر بالتأهب والاستعداد له، فهو كاف.
وذكر الأمر بالإحسان المطلق من غير تعرض لذكر الله تعالى ما أراه مجزئاً؛ وذلك مثل أن يقول: "أحسنوا".
قال: فيهما، أي: يفعل جميع ذلك فيهما؛ لظاهر الأدلة.
قال: ويقرأ في الأولى شيئاً من القرآن؛ تأسياً به ﷺ فإن الأثرم روى عن الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل الناس، وقال: السَّلام عليكم"، ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب، ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر- ﵄ يفعلانه.
والسورة لا تجب؛ لأنه اقتصر على قراءة آية كما دل عليه خبر جابر بن سمرة السابق؛ فتعين أن الواجب شيء من القرآن.
وهذا الذي ذكره الشيخ في القراءة هو نصه في "المختصر"؛ فإنه قال فيه: وأقل ما يقع عليه اسم خطبة منهما: أن يحمد الله، ويصلي على محمد النبي ﷺ ويوصي بتقوى الله، [ويقرأ آية في الأولى]، ويدعو في الآخرة؛ لأن معقولاً أن الخطبة تجمع بعض الكلام من وجه إلى بعض. وهذا أوجه.
وقال الروياني في "شرح التلخيص": إن تعين القراءة في الأولى هو الذي نص عليه في "الأم". وهذا الوجه لم يورد القاضي أبو الطيب غيره، وقد قال بعضهم:
стр. 1893
إنه حكاه في "الإفصاح"، وهو غريب.
وقيل: تجب القراءة فيهما كالتحميد، ولأن الخطبتين قامتا مقام الركعتين، وقد ثبت أن القراءة تجب في الركعتين؛ فكذلك في الخطبتين، وهذا الوجه مشهور في طريق العراقيين، وهو خلاف النص؛ كما قال الروياني في "شرح التلخيص".
والذي ادّعى البندنيجي وابن الصباغ أنه المنصوص: أن القراءة تجب في واحدة منهما، إما الأولى أو الثانية، وهو ما ادعى الإمام: أنه الظاهر.
وحكى الروياني عن بعض الأصحاب القطع به، وقد قال في "الحاوي": إنه نص عليه في "المبسوط"، فقال: ولو قرأ في الأولى، أو قرأ في الثانية دون الأولى، أو قرأ بين ظهراني ذلك مرة واحدة، أجزأه.
ولا خلاف [في] أن الأولى الإتيان بها في الأولى؛ لأن الذي نقل عن النبي ﷺ أنه قرأ في الخطبة الأولى حسب، فإن فاتته في الأولى، قرأها في الثانية، وقد حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، واستحب الأصحاب له أن يقرأ سورة "ق" في الأولى؛ لأن بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا على لسان رسول الله ﷺ كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. أخرجه مسلم.
فإن لم يقرأ ذلك، فيستحب أن يقرأ آية هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب: ٧٠] قاله البندنيجي.
وقد أطلق الأصحاب القول بالاكتفاء بآية.
وقال الغزالي: يحتمل ألا تجزئ إذا لم تكن مستقلة بالإفهام: كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١].
ولفظ الإمام في ذلك: "أنه لا شك في أنها لا تكفي إذا لم تستقل بالإفهام".
стр. 1894
ولو قرأ شطر آية طويلة، فليست أبعد كفاية ذلك، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكر من الأذكار، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب.
نعم، لو قرأ ذلك في أثناء قصة، وهو لا يستقل بإفادة معنى على حياله، فهذا مما أتردد فيه.
وقد عرفت مما ذكره الشيخ: أن الحمد والصلاة على النبي ﷺ والوصية بتقوى الله- تعالى- فرض في كل خطبة منهما والقراءة فرض، لكن في الأولى فقط أو فيهما؟ فيه خلاف.
وأفهم كلامه: أنه لا فرض غير ذلك، ووراء ما ذكره وجوه:
أحدها: أن القراءة لا تجب في الخطبتين، ولا في واحدة منهما؛ قاله أبو إسحاق، وعليه يدل ما حكاه الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" عن "الإملاء": أن أركان الخطبة: الحمد لله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والوعظ. ولم يذكر القراءة؛ وكذلك لم يعدَّها في "التلخيص" من الفروض، ويؤيده- أيضاً- قوله في القديم: "أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن".
الثاني: أن فرض القراءة واجب في واحدةٍ لا بعينها، كما تقدم.
الثالث: أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في واحدة منهما، فإن أتى بها في الأولى أو الثانية أجزأه؛ حكاه الحناطي.
الرابع: اشتراط النية فيما حكاه القاضي الحسين؛ بناءً على أن الخطبتين بدل عن الركعتين.
وقال في باب صلاة الكسوف: إن قول الشافعي فيما إذا اجتمع الكسوف وصلاة الجمعة: "إنه يخطب للجمعة"- دليل على أن النية لخطبة الجمعة شرط.
الخامس: أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فرض في الثانية، لا يعتد بها دونه، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ كما تقدم ذكره.
وحكي الروياني في "شرح التلخيص" طريقة قاطعة به، ولم يورد الفوراني والقاضي الحسين غيرها.
стр. 1895
قال الإمام: ولم أر من [ترك] عدَّه من الواجبات إلا صاحب "التلخيص"، ولا يحمل سكوته عنه على غفلة؛ فإن المقصود الأظهر من كتابه الحصر والعدد والاستثناء، وقد ظهر وفق قوله في "الإملاء"؛ فإنه عدّ الأركان ولم يذكر الدعاء، ولو تأمل الناظر مقصود الخطبة ألفاه راجعاً بعد ذكر الله وذكر رسوله إلى حمل الناس على مراشدهم بالموعظة في كل جمعة، وهذا ليس ما قاله بعض المصنفين.
وأما الدعاء: فلا يبعد خروجه عن الأركان، ولكن هذا غريب.
وهذا مجموع ما وقفت عليه مما قيل في ذلك.
وقد أفهم ما حكيته من نص الشافعي في "المختصر": أنه لو اقتصر الخطيب على الإتيان بالقراءة في الخطبة، وقرأ محل كل ركن من الأركان [آية] مشتملة على المعنى المطلوب- لا يجزئه ذلك، وبه صرح الشيخ أبو محمد.
وقال الإمام: إنه مقطوع به في المذهب؛ فإن ما جاء به لا يسمى خطبة.
نعم، لو أوقع القراءة مقام ركن واحد: كما إذا أوقع التحميد آيةً، فليس يمتنع ذلك، وكذا لو أوقع الوعظ آية أو آيات مشتملة على مواعظ، وقد نص عليه الشيخ أبو محمد.
قال الإمام: ولكن لا ينبغي أن تحسب القراءة وعظاً، ويعتد بها عن جهة القراءة أيضاً؛ فإن ذلك لا يليق بمذهبنا. وأبدى احتمالاً في اشترط إيقاع الوعظ ذكراً، لمأخذ لم أره قويّاً؛ فلذلك لم أذكره.
واعلم أن بعض الأصحاب عدّ من أركان الخطبة رفع الصوت فيها.
وقال آخرون: إن ذلك مستحب، [وعليه ظاهر نصه في "المختصر"، وليس ذلك باختلاف في المسألة، بل مراد من قال: إنه مستحب]، أن يبالغ فيه حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن، وإلا فقدر طاقته؛ لما تقدم أنه- ﵇ كان إذا خطب علا صوته، وقد صرح بذلك البندنيجي.
стр. 1896
ومراد من قال: إنه ركن، الرفع بحيث يسمع أربعين، حتى لو خطب في نفسه، ولم يسمع أحداً لا يجزئ؛ وبذلك صرح القاضي الحسين [وغيره]، وهو الأصح.
وحكي الروياني وغيره وجهاً آخر: أنها تجزئ، وهو ما يفهم من كلام الماوردي الذي سنذكره عند الكلام في الإنصات.
والمشهور: الأول. نعم، اشتهر خلاف الأصحاب في أنه لو خطب بأربعين كلهم صمٌّ أو أحدهم، هل يجزئ أم لا؟ وقاسوا وجه عدم الإجزاء- وهو الصحيح- على ما لو تباعدوا عنه بحيث لا يبلغ صوته إليهم؛ فإنه لا يجزئ.
ووجه الإجزاء على ما لو كانوا عرباً لا يفقهون معنى ما يقوله وهم يسمعون، والخطبة بالعربية؛ [فإن الظاهر أنه يجزئ، بخلاف ما لو كان الخطيب لا يعرفها، فإن الظاهر- كما قال القاضي الحسين- أنه لا يجزئ] وقال القاضي: إن الوجهين كالوجهين فيما لو كانوا بعيدين من الإمام: هل يجب عليهم الإنصات أم لا؟
فرع: هل تجوز الخطبة بالفارسية؟ فيه وجهان في "التتمة":
أصحهما: لا، وبه جزم الفوراني والروياني في "شرح التلخيص"، وهذا إذا كان القوم عرباً، فإن كانوا لا يفقهون إلا الفارسية، فخطب بها أجزأه؛ قاله القاضي الحسين وغيره.
ثم على الصحيح: يجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية كالعاجز عن التكبير بالعربية، فلو مضت مدة إمكان التعليم، ولم يتعلموا عصوا، وليس لهم إقامة الجمعة؛ قاله الرافعي.
стр. 1897
تنبيه: إتيان الشيخ بالواو في قوله: "وفرضهما: أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بتقوى الله تعالى فيهما، ويقرأ في الأولى شيئاً من القرآن"- يؤذن بأن الترتيب ليس بشرط؛ إذ لو كان شرطاً لأتى بالفاء، أو بـ "ثم"؛ لأن ذلك هو الذي يقتضيه، وقد صرح به الماوردي، والروياني في "شرح التلخيص"، وصاحب "العدة"، والقاضي أبو الطيب عند الكلام في التكبير، وكثيرون من العراقيين؛ كما قاله في "الروضة".
وقال الماوردي: إن الشافعي نص عليه، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ لأن لفظه كلفظ الشيخ.
وقال في "التتمة": إن الترتيب بين أركان الخطبة واجب؛ فيقدم حمد الله تعالى، ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم الوصية، ثم تلاوة القرآن، ثم الدعاء.
وحكي الرافعي عن صاحب "التهذيب" وغيره أن البداءة بالحمد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ولا بينهما وبين غيرهما، وهو ما ذكره القاضي الحسين أيضاً.
والذي صححه في "الروضة": الأول.
قال: وسننها: أن تكون على منبر؛ لما روى مسلم عن سهل بن سعد- وذكر له المنبر- قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: "أن مُرِي غلامك النَّجار يعمل لي أعواداً أكلِّم النَّاس عليها"، فعمل هذه الثلاث درجات، وقد كان النبي ﷺ يخطب عليها؛ فتواترت بذلك الأخبار، قال القاضي الحسين: وقد كان قبل أن يعمل المنبر يخطب في المسجد عند جذع نخلة يابسة، ويجعلها على يساره، ويعتمد عليها، فلما عمل المنبر، ودخل المسجد، جاوز الجذع؛ فحنَّ الجذع حنين الوالهة؛ فعلاً البكاء من أصحاب النبي ﷺ فرجع النبي ﷺ واحتضنها،
стр. 1898
وسارَّها، ثم أصغى إليها كالمستمع، ثم قال لأصحابه: "هل سمعتم صوتها؟ " قالوا: نعم، قال: "إنَّها تأسف على مفارقتي، فخيَّرتها بين شيئين: بين أن أدعو الله تعالى حتَّى يجعلها شجرةً خضراء في الدُّنيا إلى يوم القيامة، أو تكون شجرةً من أشجار الجنَّة، فاختارت أن تكون من أشجار الجنَّة". فأمر النبي ﷺ به حتى قطع، ودفن تحت المنبر.
وخطبته ﷺ على الأرض قبل عمل المنبر تدل على أنها على المنبر سنة.
والمنبر- بكسر الميم-: مشتق من "النبر"، وهو الارتفاع.
وقد كان منبر النبي ﷺ ثلاث درجٍ، غير الدرجة التي تسمى المستراح، وهي التي يجلس عليها، [و] كان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي المستراح.
ثم إن أبا بكر كان يقف على الثانية دون موقف رسول الله ﷺ بدرجة، ثم جاء عمر، فوقف على الدرجة الأولى دون موقف أبي بكر بدرجة، ثم جاء عثمان، فصعد على الثانية موقف أبي بكر، ثم جاء علي، فوقف على الثالثة موقف رسول الله ﷺ ثم إن مروان بن الحكم قلع المنبر في زمن معاوية، وزاد فيه ست درجٍ، [فصار] عدد درجه تسعاً، وكان الخلفاء يقفون على الدرجة السابعة، وهي أوّل مراتب الخلفاء الراشدين.
واستحب الشافعي للخطيب أن يقف على الدرجة التي تلي المستراح إن كان
стр. 1899
المنبر قصيراً، فإن كان طويلاً، قال في "الحاوي": وقف على الدرجة السابعة.
والسنة: أن يكون وقوفه على يمين المنبر [وبقية المنبر على يساره؛ كذا قال القاضي الحسين. وليكن المنبر على يمين القبلة] وهي الجهة التي تلي يمين المصلي؛ لأن منبر النبي ﷺ كان في تلك الجهة.
ومن خطب على الأرض، فيستحب له أن يكون هناك مقامه؛ [قاله أبو الطيب وغيره.
وقال الماوردي: إنه يكون مقامه] على يسار القبلة، [وهي] [الجهة] التي تلي يسار المستقبل، وأين وقف جاز.
قال: أو على موضع عالٍ؛ لقيامه مقام المنبر في تحصيل المقصود، وهو الإبلاغ التَّام.
قال: وأن يسلم على الناس إذا أقبل عليهم؛ لحديث الشعبي السابق.
وقد روى جابر أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجة، لكن في رجاله ابن لهيعة.
وقد حكي عن الشافعي أنه قال: "إذا وقف على الثالثة، أقبل بوجهه على الناس، وسلم؛ لأن هذا يروى عالياً".
واختلف أصحابنا في مراده بالعالي:
فقيل: إسناد ذلك.
وقيل: أراد السلام؛ فإنه يفعل عالياً.
وقيل غير ذلك.
стр. 1900
وقد استحب الشافعي أن يسلم عند قربه من المنبر على من حضره؛ فإنه روي عن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر، استقبل الناس بوجهه، ثم سلم"، أخرجه أبو أحمد، وحسن السلام الثاني ليبلغ من لم يبلغه الأول.
ولأنه في حال صعوده المنبر كالمفارق لهم، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يسلم بعضهم على بعض إذا حالت بينهم الشجر.
قال: وأن يجلس إلى [أن] يؤذن المؤذن؛ لما روى ابن عمر- ﵄ أن النبي ﷺ كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم، فيخطب. رواه أبو داود.
وهذا الجلوس للاستراحة، وليس بفرض اتفاقاً.
وقد أشعر كلام الشيخ هذا أن الأذان يكون بعد جلوسه على المنبر بين يديه، وهو كذلك؛ لما روي عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج قعد على المنبر فأذن بلال، فإذا فرغ من خطبته، أقام الصلاة". ذكره أبو أحمد.
وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث،
стр. 1901
فأذن به على الزوراء وثبت الأمر على ذلك.
وفي طريق أخرى: "الثاني" بدل "الثالث".
وفي "الحاوي": أن الشافعي حكى عن عطاء أنه أنكر أن يكون عثمان أحدثه، والذي فعله عثمان إنما هو تذكير، والذي أمر به إنما هو معاوية، وبه قال بعضهم.
قال الشافعي: وكيف كان ففعل رسول الله ﷺ أحب إلي. واستحب الأصحاب- لأجل ذلك- أن يكون المؤذن بين يدي الخطيب واحداً دون الجمع.
قال: ويعتمد على قوس أو سيف أو عصا؛ لأن النبي ﷺ كان إذا خطب في السفر [اعتمد على قوس، وإذا خطب في الحضر] اعتمد على عنزةٍ، وهي عصا في طرفها حديدة.
стр. 1902
وروي أنه اعتمد على السيف، وإن لم يثبت، فهو في معنى القوس.
قال القاضي الحسين، وتبعه البغوي: ويجعل ما يعتمد عليه في يده اليسرى؛ لأنه- ﵇ جعل يساره على الجذع، واعتمد عليه، ويجعل يده اليمنى على حرف المنبر.
ولو لم يعتمد على شيء استحب [له] أن يسكِّن جسده، ويجعل يده اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
والعصا: مقصور، ولا يقال: عصاة، قال الفراء: أول لحن سمع: هذه عصاتي.
وقال غيره: إنه يلي ذلك قولهم: "لعل لها عذر وأنت تلوم"، والصواب: "عذراً".
قال: وأن يقصد قصد وجهه، أي: فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً، لا في الصلاة على النبي ﷺ ولا [في] غيرها؛ كما صرح به الماوردي وغيره؛ روى البراء بن عازب قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب يستقبلنا بوجهه، ونستقبله
стр. 1903
بوجوهنا".
ولأنه إذا التفت يميناً قصر سماع يسرته، وإذا التفت شمالاً قصر سماع يمنته، فإذا قصد قصد وجهه، كان أعم [لسماع] الجميع.
وقد أفهم كلام أبي الطيب: أن الالتفات لا يجوز؛ لأنه قال: إن في التفاته إعراضاً عن بعض الحاضرين، وذلك لا يجوز؛ لما فيه من سوء الأدب.
ومن طريق الأولى: لا يستدبر القوم ويستقبل القبلة، فلو فعله، فهل يعتد به؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في "الوسيط" تبعاً للإمام: الاعتداد بها، لكن مع الكراهة.
والذي ذكره القاضي الحسين: أنه لا يعتد بها؛ كما لو خطب جالساً مع القدرة على القيام، وهو في "البيان" وغيره؛ كما قال الرافعي.
وكلام القاضي أبي الطيب يرشد إليه.
والفرق على هذا بين الخطبة والأذان حيث نقول: لو ترك المؤذن استقبال من حضره يجوز-: هو أن الأذان دعاء للغيب، وليس بمختص بالحاضرين،
стр. 1904
والخطبة يقصد بها الحاضرون؛ فكانت مختصة بهم.
ويستحب للناس أن يحولوا وجوههم إلى الإمام؛ لما تقدم من خبر البراء بن عازب، ولرواية علقمة عن ابن مسعود أنه قال: "كان إذا استوى رسول الله ﷺ على المنبر، استقبلناه بوجوهنا"، قال ابن المنذر: واستقبال الناس الخطيب بوجوههم إجماع؛ ولهذا استحب أن يوضع المنبر في جهة القبلة، لأنه لو وضع أمامها، لكان الإمام مستقبلاً القبلة، والقوم إن استقبلوا القبلة استدبروه وهو قبيح، ولأنه في حكم الإعراض عنه. وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، كان قبيحاً- أيضاً- فجعل في تلك الجهة. و [أن] يكون الإمام مستدبراً القبلة أهون من استدبار جميع المستمعين لها، فلو جعل المأمومون ظهورهم إلى الإمام لم يقدح ذلك في صحتها.
وقال في "الروضة": إن الدارمي طرد الوجه السالف فيه.
قال: وأن يدعو للمسلمين، أي: في الثانية؛ لأنه روي أنه- ﵇ كان يقول في خطبته عند الفراغ منها: "وأستغفر الله لي ولكم"، وإنما لم يجب؛
стр. 1905
لأن مقصود الخطبة التذكرة والموعظة، وليس هذا المعنى موجوداً في الدعاء؛ فلذلك لم يجب؛ وهذا ما حكي عن أبي حامد، ولم يورد البندنيجي غيره.
قال الروياني في "شرح التلخيص": وهو خلاف النص، وقد قطع بعضهم بالوجوب؛ لقوله- ﵇: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
قال: وحكى آخرون فيه قولين، وقد تقدم الكلام فيه.
وليكن مما يتعلق بالآخرة، غير مقتصر فيه على أوطار الدنيا.
والدعاء لشخص معين- كالسلطان- لا يستحب فيها.
وأطلق الشيخ في "المهذب" وغيره لفظ الكراهة؛ لما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: "هو محدثٌ، وإنما كانت الخطبة تذكيراً"، والكراهة أخذت من قول الشافعي: "فإن دعا لرجل بعينه، أو على رجل بعينه فيها كرهته، ولا إعادة عليه".
وقيَّد القاضي الحسين ذلك بما إذا لم يقطع نظم الخطبة، وخص في "الروضة" الكراهة بما إذا جازف في الوصف والدعاء له، وقال: "الاختيار: أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه، ولا يجوز ذلك؛ فإنه يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمور"، وكذلك قال غيره من المتأخرين؛ لأن ضبة بن محصن روى أن أبا موسى كان [إذا] خطب فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ،
стр. 1906
أخذ يدعو لعمر، فأنكر عليه ضبة البداءة بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: "أنت أوفى منه وأرشد".
وروي عن الحسن البصري أنه قال: "لو علمت أن لي دعوة مستجابة، لخصصت بها السلطان؛ فإن خير غيره خاص، وخيره عامُّ".
قال: وأن يقصر الخطبة؛ لما روى مسلم عن عمار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة، واقصروا الخطبة؛ فإنَّ من البيان سحراً".
والمئنة: العلامة، وقيل: ذكاؤه وفطنته بالفقه.
ولا ينبغي أن يخرجهما عن القصد؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً"، زاد في طريق آخر: "يقرأ آيات من القرآن، ويذكِّر الناس".
قال البندنيجي: ويستحب أن يخطب بما رواه ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ [يوماً] فقال: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونستنصره،
стр. 1907
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، فمن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، حتى يفيء إلى أمر الله".
فإن قال "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى"، كره له ذلك حتى يقول: "ومن يعصِ الله ورسوله"؛ لأن النبي ﷺ أنكر ذلك.
ولفظ الشافعي: "كرهت ذلك له؛ حتى يفرد اسم الله، ثم يفرد بعده اسم رسوله، لا يذكره إلا منفرداً".
قال الشافعي: "وقد قال رجل عند رسول الله ﷺ : وما شئت؛ فنهاه النبي ﷺ عن العطف في المشيئة بالواو، ونقله إلى حرف "ثم"؛ ليدل بذلك أن مشيئته بمشيئة الله تعالى، [وأنه إنما يشاء؛ لأن الله شاء أن يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بمشيئة الله تعالى"].
قال البندنيجي: وقد دلل الشافعي- ﵀ بذلك على أن مذهبه مذهب
стр. 1908
أهل الحق، وأن قول من قال: الإنسان يشاء ما لا يشاء الله تعالى- محالٌ من القول.
ويستحب أن تكون الخطبة المأتي بها بكلام معربٍ، مبين، من غير تمطيط وتقطيع لها، ومن غير عجلة، ولا يكون لفظها مرذولاً، ولا غريباً مستثقلاً، [بل] بين الأمرين؛ لأن ذلك أسرع إلى فهم من حضره.
ويذكر في كل أوان ما يليق به.
وإذا حصر الإمام وأرتج عليه في الخطبة أو القراءة، فقد نقل المزني أنه يلقَّن.
وقال في موضع [آخر]: لا يلقن.
وليست على قولين، بل على اختلاف حالين:
فحيث: قال: "لا يلقن"؛ إذا كان بصفة من [لو] فتح عليه لازداد حصره، وإذا ترك استدرك غلطه؛ فهذا يترك، ولا يلقن، وهو معنى قوله- ﵇ لعلي: "إذا حصر الإمام فلا تلقنه".
والموضع الذي قال: "يلقن"؛ إذا انغلق الكلام عليه، فسكت، وكان بحيث لو لقن زال حصره، ومضى في خطبته وقراءته، وكان الراد يحفظ ما يرد به عليه؛ فهذا يلقن، [ويفتح عليه]؛ لما روي أنه- ﵇ كان يقرأ في الصلاة، فأرتج عليه، فلما فرغ قال: "أفيكم أبيٌّ؟ " قالوا: نعم. قال: "هلَّا ذكّرتني؟ " فقال: ما كان الله- سبحانه- يرى أننا نلقن رسول الله ﷺ .
стр. 1909
................................................................................................
стр. 1910
وإذا فرغ من الخطبة الثانية شرع المؤذن في الإقامة بحيث يكون فراغه منها عند دخول الإمام المحراب؛ قاله الإمام وغيره.
وقد حكى في "الروضة": أن الجهلة من الخطباء يفعلون أموراً مكروهة: كالدق على المنبر في حالة الصعود، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، والإشارة باليد.
قال: والجمعة ركعتان؛ لما روي عن عمر قال: "صلاة الجمعة ركعتان [تمام] غير قصر، على لسان محمد ﷺ ".
стр. 1911
ولأن الخلف نقلوا عن السلف أن صلاة الجمعة كانت ركعتين، وهو إجماع؛ كما قاله ابن المنذر.
وأفادنا قول عمر: أنه لا يجوز أن يتمها أربعاً كالصبح.
قال: إلا أنه يسن أن يجهر فيهما بالقراءة؛ لنقل الخلف عن السلف.
وقد روي أنه- ﵇ قال: "صلاة النَّهار عجماء إلا الجمعة والعيدين".
قال: [ويقرأ بعد الفاتحة في الأولى] [سورة] "الجمعة"، وفي الثانية "المنافقين"؛ لما روى [مسلم] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة "الجمعة" و"المنافقين".
وروى عن أبي هريرة أنه كان ﷺ يقرأ في الأولى "الجمعة" وفي الثانية "المنافقين". أخرجه مسلم.
стр. 1912
وهذا ما حكاه الإمام عن الجديد، وأن الصيدلاني حكى عن القديم أنه يقرأ في الأولى: "سبح اسم ربك الأعلى .. " وفي الثانية "هل أتاك حديث الغاشية .. "؛ لأنه روي أنه- ﵇ قرأ في الجمعة بـ "سبح" و"الغاشية"، أخرجه مسلم عن رواية النعمان بن بشير.
قال: وكان إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين؛ وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن نص الشافعي في "الإملاء".
وقال في "الروضة": عجب كيف جعلت المسألة ذات قولين: قديم وجديد؟! والصواب أنهما سنتان تفعلان، ثبت كل ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله ﷺ فكان يقرأ هاتين في وقت، وهاتين في وقت؛ ومما يؤيده أن الربيع- وهو راوي الكتب الجديدة- قال: "سألت الشافعي عن ذلك؟ فذكر أنه يختار "الجمعة" و"المنافقين"، ولو قرأ بـ "سبح .. " و"هل أتاك حديث الغاشية .. " [كان حسناً].
قلت: وكلام الأصحاب ينازع في أنهما ليسا على السواء، وأن الأولى ما ذكره الشيخ، ووجهوه بأن في سورة "الجمعة" الأمر بالسعي عند سماع النداء، وذم الانفضاض عن الإمام، وفي سورة "المنافقين" تقريعهم والذم لهم، والله أعلم.
стр. 1913
فرع: لو قرأ في الأولى سورة "المنافقين"، قرأ في الثانية "الجمعة"، ولو قرأ في الأولى غيرهما قرأهما في الثانية؛ نص عليه في "الكبير"، ويخالف ما إذا ترك الجهر في الأوليين لا يفعل في الأخريين؛ لأنه مكروه فيهما، وإذا ترك الرمل في الأشواط الأول، لا يفعله في الباقية؛ لأن تركه فيها سنة، وفعله مكروه، ولا كذلك صلاة الجمعة؛ فإنه لا يكره قراءتهما في الركعة الثانية.
ويستحب أن يقرأ في صلاة صبح يوم الجمعة في الأولى ﴿الم ...﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ ...﴾ فإنه- ﵇ كذا صح عنه أنه فعل.
***
стр. 1914
باب هيئة الجمعة
هيئة الجمعة: عبارة عن الحال التي توقع عليها.
قال: السنة لمن أراد الجمعة: أن يغتسل لها؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة قال: بينا عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل عثمان بن عفان، فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجالٍ يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت، ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضاً؟ ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؟! ".
والمراد: إذا أراد صلاة الجمعة، وهذه القصة تدل على أن الأمر بها أمر ندب؛ إذ لو كان الغسل واجباً، لرجع عثمان، وفعله، ولما تركه عمر لم يفعله، وعليه حمل [الشافعي]- أيضاً- قوله ﷺ : "الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلمٍ"، كما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري، فقال: أراد بهذا الوجوب
стр. 1915
وجوب الاختيار، وأيده بقوله- ﵇: "من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيَّامٍ، ومن مسَّ الحصى فقد لغا". رواه أبو داود عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم.
وروى النسائي عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل"، ورواه البزار من حديث أبي سعيد بمثله.
стр. 1916
ولأنه غسل لأمرٍ مستقبل؛ فلم يكن واجباً، كالغسل للعيدين والإحرام.
وقد اختلف في معنى قوله- ﵇: "فبها ونعمت":
فقيل: معناه: فبالفريضة [أخذ، ونعم الخَلَّة الفريضة.
وقيل: فبالسنة أخذ.
وقيل: فبالرخصة أخذ].
ونعمت: بالتاء وصلاً ووقفاً؛ لأنها التاء الداخلة على الفعل.
قال: عند الرواح، أي: عند الذهاب إليها؛ لأن مقصود الغسل قطع الروائح الكريهة التي تحدث عند الزحمة بسبب ما عليه من صوف، أو على جسده من وسخ، قالت عائشة: كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في الغبار، وقد يصيبهم الغبار، فيخرج منهم الريح، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ : "لو أنَّكم تطهرتم ليومكم هذا" أخرجه مسلم.
قال: فإن اغتسل لها بعد الفجر، أجزأه؛ لأن رسول الله ﷺ أناط الغسل بيوم الجمعة، وهو يدخل بطلوع الفجر.
ولا فرق في ذلك بين من يلزمه الحضور ومن لا يلزمه إذا أراد الحضور.
[وقيل: إنما يسن لمن لزمه الحضور] دون من لم يلزمه.
تنبيه: ما المراد بقوله: "أجزأه"؟
يحتمل أن: يكون أراد: أجزأه في تحصيل السنة.
ويحتمل: أنه أراد: أجزأه في دفع المكروه.
والاحتمالان ينبنيان على أن ترك [الغسل للجمعة] هل يكره أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما ابن التلمساني، وقال: أصحهما: أنه مكروه. وهو ما أورده القاضي الحسين، وحكاه الإمام عن الصيدلاني، قال: وهو عندي جارٍ في كل
стр. 1917
مسنون صح الأمر به مقصوداً.
وقد أفهم قول الشيخ أمرين:
أحدهما: أن الاغتسال في يوم الجمعة لا يسنُّ لمن لم يحضرها، وهو كذلك على المذهب؛ لفقد العلة التي لأجلها استحب.
ومنهم من قال: إنه يستحب لمن لم يحضرها أيضاً، كما في العيد أيضاً.
والخلاف مبني- كما قال في "البيان"- على أنّ الغسل للصلاة أو لليوم؟ وفيه خلاف:
فإن قلنا بالأول لا يستحب إلا لمن حضر.
وإن قلنا بالثاني- وهو الذي يشهد له خبر عائشة السابق- استحبَّ لكل أحد كما في العيد.
ومن الأصحاب من قال: من لم يحضر وهو من أهلها، لكنه حبسه العذر عن الحضور- يستحب له الغسل، حكاه في "الحلية" و"الذخائر".
والصحيح الأول؛ لما ذكرناه، وقد روى عبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة أنه- ﵇ قال "الغسل يوم الجمعة على من شهد الجمعة"، أخرجه العقيلي.
الثاني: أنه لا يجزئ قبل الفجر، وهو المذهب؛ لأن الشرع علقه باليوم؛ فلا يجزئ في الليل. ومنهم من قال: يجزئ كما في العيد، على قولٍ.
قال الإمام: وهو خطأ لاشك فيه، والفرق بينهما مذكور ثمَّ.
فرع: إذا تعذر استعمال الماء، هل يتيمم؟ وذلك متصوَّر في صورتين:
стр. 1918
إحداهما: أن يتوضأ القوم ثم يعدمون الماء.
والثانية: أن يكون جريحاً في جميع جسده غير أعضاء وضوئه.
قلنا: أما الأولى، فقد حكى ابن التلمساني فيها وجهين، قال:
وأصحهما: لا؛ لانتفاء الحكمة فيه.
ومقابله هو الذي أورده القاضي الحسين.
وأما الثانية فقد حكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: يتيمم؛ لأنه جعل بدلاً في غيرها؛ فكذا فيها.
وقال في "الوسيط": إنه بعيد؛ لأن الغرض نفي الروائح الكريهة، والتنظُّف؛ ولذلك كان تأخيره إلى الرواح أحب إلينا. ولأجل هذا المعنى أبدى الإمام احتمالاً فيه، وحكاه في "الوجيز" وجهاً، ثم قال الإمام: والظاهر ما ذكره الصيدلاني.
[و] قال غيره: لأن المقصود بالوضوء أيضاً النظافة، وهو يقوم مقامه.
قال: وأن يتنظف بسواك؛ لقوله- ﵇: "السِّواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرَّبِّ" رواه الإمام أحمد في مسنده.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غسل [يوم] الجمعة على كلِّ محتلمٍ، وسواكٌ، ويمسُّ من الطيِّب ما قدر عليه".
وفي رواية: "ولو من طيب المرأة".
قال: وأخذ ظفرٍ وشعر؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقلم
стр. 1919
أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة [قبل] أن يخرج إلى الصلاة. ذكره البزار، ولنا فيه أسوة حسنة.
وأخذ الظفر يكون إذا طال، وقد قيل فيه شيء محله باب السواك، وكذا حلق الشعر.
قال: وقطع رائحة، [أي]: كريهة: كالصنان؛ لئلا يؤذي الناس به؛ فيتعاطى ما يزيله من مرتكٍ ونحوه.
قال: ويتطيب؛ لخبر أبي سعيد السابق، وفيما سنذكره من خبر سلمان الفارسي دليل عليه أيضاً، وهذا مختصٌّ بالرجال.
أما العجوز إذا حضرت، فلا يستحب لها ذلك، بل يكره، وكذا لبس الشهرة من الثياب.
قال: ويلبس أحسن ثيابه؛ لما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعةٍ أو غيرها"؛ ذكره أبو
стр. 1920
عمر في "التمهيد" في باب "مالك عن يحيى"، وخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن سلام.
قال أبو داود في طريق: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك على المنبر.
وبهذه السنة يكمل في هيئة الجمعة سبع خلال؛ ذكرها الشافعي أيضاً.
قال: وأفضلها: البياض؛ لقوله- ﵇: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنَّها من خير ثيابكم، وكفنوا فيه موتاكم"، أخرجه الترمذي عن ابن عباس، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 1921
وقد قال بعضهم: تقدير كلام الشيخ: وأفضل ألوانها البياض، ولو قال: البيض، لكان [أخصر] وأحسن. وهذا القائل غفل عن أن مراد الشيخ اقتفاء لفظ الخبر.
وعلى [كل] حال فإن جاوزه، قال الشافعي: فعصب اليمن والقطري: وعصب اليمن: البرود المخططة، يصبغ غزلها، ثم ينسج.
والقطري: ثيابٌ حمرٌ: لها أعلام، فيها بعض خشونة، منسوبة إلى قطر، وهو موضع نحو عمان والبحرين.
ولبس المصبوغ بعد النسيج، أطلق البندنيجي وغيره القول بكراهته.
وقال القاضي الحسين: إن كان صبغه ليمنع الوسخ، فجائز لبسه، وإن صبغ للزينة فلا يجوز للرجال لبسه؛ لأنه لباس النساء.
قال: ويزيد الإمام على سائر الناس في الزينة، أي: فيما يتزين به؛ لأنه يقتدي به، وينبغي أن يعتَّم، وأن يرتدي؛ لأنه- ﵇ كان يفعل ذلك.
قال القاضي الحسين: وقد روي: "صلاةٌ بعمامةٍ أفضل من سبعين صلاة بغير عمامةٍ".
قال: ويبكّر لها، أي: الرائد للجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، وقال- ﵇: "باكروا؛ فإنَّ في البكور بركة".
стр. 1922
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "على كلِّ بابٍ من أبواب المسجد ملكٌ يكتب الأوَّل فالأوَّل".
وروى أبو داود عن أوس بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثمَّ بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ- كان له بكلِّ خطوةٍ عمل سنةٍ أجر صيامها وقيامها"، وقوله: "غسل واغتسل" يروي بغين معجمة، وسين مخففة، ويروي الأول- أيضاً- بغين معجمة وتشديد السين، ويروي- أيضاً- بعين غير معجمة وتشديد السين.
فعلى الأوّل: معناه: من غسل أعضاء الوضوء، واغتسل في جميع بدنه.
وقيل: غسل: كرر الغسل، كما يقال: فتحت الأبواب بمعنى التكثير والتكرار؛ قاله القاضي الحسين.
وعلى الثاني والثالث يكون معناه: من جامع؛ فأوجب الغسل على غيره قبل خروجه.
والمعنى فيه: أنه لا يأمن أن يقع طرفه على ما يحرك شهوته فينشغل قلبه؛ وهذا في الرواية الثالثة أظهر.
وقوله: بكَّر وابتكر": قال الأزهري: ويروي بالتشديد والتخفيف؛ لأنه يقال: بكر، وبكَّر: مشدد، ومخفف.
قال الماوردي: ومعنى الخبر: من بكر في الزمان، وابتكر في المكان.
وقيل: بكر: أتى الصلاة لأول وقتها، وابتكر، أي: أدرك أول الخطبة، وهو باكورتها، ومنه: باكورة الثمرة.
стр. 1923
وقيل: بكر إلى صلاة الصبح، وابتكر إلى صلاة الجمعة؛ قاله الإمام.
وقيل: بكر في الحضور، وابتكر إلى الصلاة والذكر عند حضوره؛ قاله أبو الطيب.
وقيل: بكر وابتكر، بمعنى واحد؛ قاله القاضي الحسين.
قال: بعد طلوع الشمس؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثمَّ راح في السَّاعة الأولى، فكأنَّما قرَّب بدنةً، ومن راح في السَّاعة الثَّانية، فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومن راح في السَّاعة الثَّالثة، فكأنَّما قرَّب كبشاً، ومن راح في السَّاعة الرَّابعة، فكأنَّما قرَّب دجاجةً، ومن راح في السَّاعة الخامسة، فكأنَّما قرَّب بيضةً، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر".
والساعات: أولها من طلوع الشمس عند أهل الحساب؛ فلذلك استحببنا التبكير منه، وهذا أحد الوجهين في المسألة؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
قال في "الحاوي": وهو الأصح؛ ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب.
стр. 1924
قلت: وقول الشافعي: "ويجزئه غسله لها إذا كان بعد الفجر"، يؤذن به.
ثم قوله- ﵇ في الخبر: "غسل الجنابة"، أي: غسلاً مثل غسل الجنابة؛ كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] [أي: مرّاً كمرّ السحاب].
وقيل: معناه: جامع، واغتسل، ويؤيده ما تأكد.
والوجه الثاني في المسألة: أن التبكير يكون من طلوع الفجر، وهو الذي صححه الشيخ في "المهذب"، وكذا الرافعي والروياني في "شرح التلخيص"، وقال: إنه ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه أول النهار في عرف الشرع، وبه يتعلق جواز الغسل.
وحكى القاضي الحسين وغيره من المراوزة معه وجهاً آخر، عزاه في "العدة" إلى القفال: أنه ليس المراد بالساعات ساعات الليل والنهار؛ لأن ساعات النهار في الشتاء تنقص وتزيد في ساعات الليل حتى تتراجع إلى تسع ساعات وشيء، وفي الصيف ساعات النهار تزيد، فلو قلنا بذلك، لأدى إلى أن يكون وقت الجمعة في الشتاء عند العصر؛ لأنه- ﵇ عدّ خمس ساعات، ثم جعل السادسة وقتاً للجمعة، ولكن المراد: أن يبين فضل السابق على المتأخر، وفضل الثاني على الثالث، على ضرب المثل، ويكون معنى الحديث: أن من كان أسبق إتياناً فهو أعظم أجراً، وإن كان بينهما لحظة، وليس أن الدرجات خمس لا غير، غير أنه إذا جاء خمسة نفر مرتبين فللخامس أجر من قرّب بيضة، والسادس من بعده أقل من ذلك أو مثله.
وعلى هذه الطريقة جرى المتولي فلم يحك غيرها، لكن يختص التبكير إليها بما بعد الزوال، أو بما قبله؟ فيه وجهان حكاهما القاضي وغيره:
стр. 1925
وجه الأول: أن الشرع أناط الحكم بالرواح، [والرواح إنما يكون] بعد الزوال، يقال: غدوت إلى فلان: إذا كان قبل الزوال، ورحت إليه: إذا كان بعد الزوال، ويشهد له- كما قال المتولي- قوله- ﵇: "المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثمَّ كالمهدي بقرةً، ثمَّ كالمهدي شاةً، ثم كالمهدي شاةً، ثمَّ كالمهدي بطَّةً، ثمَّ كالمهدي دجاجةً، ثمَّ كالمهدي بيضةً". أخرجه النسائي عن رواية أبي هريرة، وأخرجه مسلم معناه.
ووجه الثاني: ما تقدم من الأخبار.
والرواح إن ثبت [أنه] إنما يستعمل حقيقة فيما بعد الزوال، فنقول: أطلقه على ما قبل الزوال مجازاً؛ لأن القصد منه أمر بفعل بعد الزوال، على أن الأزهري قال: [يقال]: راح إلى المسجد، أي: مضى، وقد توهم كثير من الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس ذلك بشيء؛ لأن الرواح والغدو عند العرب مستعملان في السير أي وقتٍ كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره، [و] تروح، وغدا: بمعنى. وهذا كلام الأزهري، وهو إمام [في] عصره.
وقد سلك الرافعي في حكاية ذلك طريقاً آخر، فحكى الوجهين اللذين حكيناهما عن العراقيين، ثم قال: ونقل صاحب "التهذيب" والروياني وجهاً ثالثاً: أن الاعتبار من وقت الزوال، ثم قال: وليس المراد من الساعات على اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها، وإنما المراد ترتيب الدرجات، وفضل السابق على الذي يليه، وإن القفال احتج عليه بوجهين:
أحدهما: لو كان المراد الساعات المذكورة، لاستوى الجائيان في الفضل في ساعة واحدة مع تعاقبهما في المجيء.
والثاني: أنه لو كان كذلك لاختلف الأمر باليوم الشاتي والصائف، ولفاتت
стр. 1926
الجمعة في اليوم الشاتي لمن جاء في الساعة الخامسة.
قلت: وجزمه بأن المراد ما ذكره على الأوجه، فيه نظر؛ لأن الإمام قال: اختلف أئمتنا في معنى الساعات المذكورة في الحديث: فذهب بعضهم إلى حمل الساعات [على الساعات] التي قسم عليها الليل والنهار، وحمل الساعة الأولى على الساعة الأولى من النهار، وهكذا إلى استيعاب جميع ساعات النهار، قال: وهو غلط؛ فإن الماضين ما كانوا يبكرون إلى الجامع في الساعة الأولى. ثم الساعة الخامسة في النهار الصائف تقع قبل الزوال، وفي اليوم الشاتي تقع قريبة من العصر؛ فلم يرد بالساعات ما يذكره أصحاب التقاويم، وإنما أراد ترتيب منازل السابقين واللاحقين.
نعم، [كلام] القاضي الحسين يقتضي أن الخلاف ليس في المراد بالساعات التي قسم الليل والنهار عليها شتاء وصيفاً على ما يعتقده أهل الحساب؛ فيكون نهار الشتاء منها تسع ساعات وشيئاً، ونهار الصيف منها أربع عشرة ساعة [وشيئاً]؛ فإنا لو اعتبرنا ذلك لزم ما تقدم.
وحكى الخلاف في [أن] الاعتبار في حيازة الفضيلة التي قدرها الشرع بجعل النهار اثنتي عشرة ساعة صيفاً كان أو شتاء، والمقدر يحصل في إدراك خمس ساعات منها طالت في الصيف أو قصرت في الشتاء؟ أو الاعتبار في ذلك بالساعات الزمانية، وإن تعاقبت لحظات؟
[ثم] ما ذكره القفال في إبطال القول باعتبار الساعات الفلكية إذا جعل النهار اثنتي عشرة ساعة من أنه يلزم تساوي المجيئين في الفضل في ساعة واحدة- فيه نظر من حيث إن من قرب بقرة [سمينة، وآخر بقرة دونها- تساويا
стр. 1927
في أصل الفضل في التقرب ببقرة]، وإن كان الفضل بينهما من جهة أخرى، وكذا الصلاة المفروضة إذا أتى بها شخص بسننها، وآخر اقتصر على فعل الفرض فقط، فإنهما تساويا في إسقاط الفرض، وإن تفاوت أجرهما، كذلك ها هنا لا يبعد أن يسوي الشرع بينهما في أصل الفضل إذا حضرا في ساعة واحدة، ويزاد فضل الحاضر فيها أولاً؛ لتقدمه. والله أعلم.
وقد أفهم قول الشيخ: "ويبكر لها"، أن ذلك يشمل الإمام والمأموم، ولا شك فيه في المأموم.
فأما الإمام فقد قال في "الحاوي": إنه يختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تقام فيه الصلاة، ولا يبكر؛ اتباعاً لرسول الله ﷺ ، واقتداء بالخلفاء الراشدين.
قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر، فإذا دخل توجه نحو منبره من غير ركوع ولا تنفل، وهو ما اختاره في "الروضة".
لكن في "تعليق" البندنيجي: انه يستحب للإمام إذا دخل المسجد، أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يصعد المنبر.
وقد حكاه في "الروضة" عن "العدة" و"البيان"، وقال: إنه شاذ غريب مردود؛ فإنه خلاف ظاهر المنقول عن فعل رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده.
قال: ويمشي إليها، أي: على سجية مشيه، وعليه السكينة والوقار؛ لقوله- ﵇: "إذا نودي بالصَّلاة [فلا تأتوها] وأنتم تسعون [و] لكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السَّكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا؛ فإنَّ أحدكم في صلاةٍ ما دام يعمد إلى الصَّلاة"، وفي رواية مالك: "وما فاتكم فأتموا".
والسكينة: السكون والطمأنينة. والوقار- بفتح الواو-: الحلم والرزانة، ويقال: إنه رتبة وسطى بين التكبر والتذلل.
стр. 1928
وقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] قد بينا أنه من باب ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
وقال أبو إسحاق المروزي: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، أسرع، بحيث لا يخاف عثرة ولا سقطة.
قال الشافعي: وإذا مشى على سجية مشيه، كرهت أن يشبك بين أصابعه؛ لأنه في حكم المصلي في الثواب.
قال: ولا يركب؛ لحديث أوس السابق، ولأن فيه تضييقاً على الناس، وفيه ترفع وكبر، وقد روي أنه- ﵇ لم يركب في عيد ولا جنازة، ولم ينقل مثل ذلك في الجمعة؛ لأنه كان يقيمها في المسجد بجوار بيته.
نعم، لو كان له عذر من مرض ونحوه لم يكره له الركوب، قال الأصحاب: ويسيِّر دابته على هينته.
ويستحب له إذا دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى في الدخول، ويقول: "باسم الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك".
стр. 1929
...............................................................................................
стр. 1930
وقال المزني: [يقول]: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من سألك وطلب إليك.
قال: ويدنو من الإمام؛ لحديث أوس، وقد روى سمرة بن جندب: أن نبي الله ﷺ قال: "احضروا الذِّكر وادنوا من الإمام؛ فإنَّ الرجل لا يزال يتباعد حتَّى يؤخَّر في الجنَّة وإن دخلها" أخرجه أبو داود.
следующие страницы →