← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وهو يقتضي ترك الجميع له إذا احتاج هو وأهله إلى أكله وقد رأيته هكذا في "حواشي السنن" للشيخ زكي الدين ﵀. وقد نسب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ التأويل الثاني في الخبر إلى بعض الأصحاب، وقالا: إن بعض الأصحاب قال: تأويله: ألا يرضى ربُّ المال بالخرص وألا يسلم الثمرة للساعي بالخرص على أن يضمن له حقه منها تمراً أو زبيبا و [إن] أراد التصرف فإن الساعي يترك له ثلث الثمرة أو ربعها يتصرف فيه على اختياره، فإذا صار ما عدا ذلك تمراً أو زبيباً خرصه وأضاف إليه ثلثه أو ربعه الذي تركه لرب الثمرة حتى تصرف فيه ثم يقبض زكاة الجميع. قال ابن الصباغ: والأول منهما أولى. وقال الماوردي: إن الثاني منهما قاله في القديم. وإذا جمعت بين ذلك كانت التأويلات الثلاثة محكية عن الشافعي، ويجيء وجه في اعتماد مثلها في زماننا، أما إذا لم يرد صاحب المال التصرف في الثمرة فمفهوم كلام الشيخ أنها لا تخرص عليه. وقد قال الأصحاب: إن الثمار إذا بدا صلاحها أو بدا في بعضها بعث الإمام الساعي ليخرص الثمار على أربابها، فإن اختاروا التصرف ضمنها لهم وأطلق تصرفهم فيها وإن لم يريدوا ذلك وأراد أن يأخذها بخرصها ويرد على ربها الفاضل على قدر الزكاة تمراً أو زبيباً عند جفافها ورضي بذلك ربها- فعل وإن لم يرض بواحد منهما تركها في يده أمانة على وقت وجوب إخراجها، ولا يملك التصرف فيها؛ قاله أبو الطيب وغيره، فإن تصرف فيها فسيأتي حكمه فإن أتلفها ضمنها بمكيلتها تمراً جافاً. وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنه يطالب بأكثر الأمرين من قيمتها [رطباً] أو مكيلتها تمراً جافاً؛ لأن لهم أوفر الحظين من الرطب أو التمر كمن أتلف أضحية معينة نذرها.

стр. 2487

والتخريص عند عدم إرادة التصرف مستحب لا واجب. وعن الصيمري: أنه حكى وجهاً أنه واجب. والخرص: حزر ما على النخل والكرم من الرطب والعنب تمراً وزبيباً وهو مصدر: خرص يخرص، بضم الراء وكسرها. والضمان، [قال البندنيجي]: اختلف أصحابنا في معناه: فقال أبو العباس- يعني ابن سريج؛ كما صرح به في "البحر"-: إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة كان معناه: فك الثمرة من الرهن ليستفيد رب المال بالتصرف وإن قلنا: إنها تجب في العين فيملك الفقراء قدر القرض منها كان معنى الضمان أن يقال: أقرضناك هذا الرطب بما يجيء منه تمراً، وجاز هذا القرض لموضع الحاجة. وقال الشيخ- يعني أبا حامد كما قال في "البحر"-: أجود من هذا عندي أن يقال له: خذ هذا بكذا وكذا تمراً فإن لرب المال أن يعطي العشر من عينها أو مثله من غيرها تمراً، فإذا قال: خذه بما يجيء تمراً فقد أعطاه معنى الزكاة وموجبها. قلت: وهذا يقتضي أنه لابد بعد الخرص من لفظ يصدر من الساعي يحصل به الضمان، وقول ابن سريج يقتضي أنه لابد من رضا رب المال بذلك؛ لأن القرض لابد فيه من رضا المقترض، وقد صرح بذلك البغوي حيث قال: والخرص [تضمين في أصح] القولين فبعد الخرص يقول الخارص لرب المال: ضمنتك نصيب الفقراء من الرطب ليعطي مكيلته خرصاً ويقبله رب المال. وهو قضية ما حكيناه من قبل عن أبي الطيب وغيره. وقال الشيخ أبو حامد وغيره من أهل الفريقين: ولا يستقر الضمان عليه إلا بعد التصرف أو الإتلاف حتى لو تلفت أو نقصت في يده من غير تفريط لا يضمن ذلك، ويدل عليه قوله في "المختصر" بعد الكلام في الخرص: ثم يخلي بين أهله وبينه فإذا صار تمراً أو زبيباً أخذ العشر على خرصه، فإن ذكر أهله أنه أصابته جائحة أذهبته أو شيئاً منه صدقوا فإن اتهموا حلفوا.

стр. 2488

وقال الإمام: لو قيل: تسليطه على التصرف في حق المساكين يلزمه الضمان وإن تلف وكأنه قبض حقهم والتزم في ذمته التمر [التزام] قرار- فهو احتمال معنوي، ولكن الذي قطع به الأصحاب: سقوط الضمان بالجائحة، وحينئذ يكون المستفاد بالخرص تسليط الساعي على التضمين، وبالتضمين تسليط رب المال على التصرف فيجميع الثمرة بالأكل وغيره إذ لا يجوز قبله بلا خلاف عند العراقيين ولو فعله مع العلم بالتحريم [غرمه] الساعي كما صرح به ابن الصباغ وغيره، ويستفيد بالتصرف استقرار الضمان، كذا أشار إليه أبو حامد، والماوردي وقال: إن المال لو كان لمحجور عليه لصباً أو جنون أو سفه فالعبرة بضمان وليه دونه. وحكى المراوزة، في أن نفس الخرص هل يكون عبرة مجردة أو تضميناً، قولين: أحدهما: أنه عبرة، أي: يفيد الاطلاع على المقدار ظناً وحسباناً، ولا يعتبر حكماً، بل الحكم بعده كالحكم قبله؛ لأنه ظن وتخمين. ولا فرق على هذا بين أن يصرح الخارص بعده بالتضمين صريحاً والضمان من صاحب الثمار قولاً، أولاً. وعن بعض الأصحاب: أنه إذا جرى ذكر الضمان صريحاً بأن قال الخارص: ألزمتك حصة المساكين تمراً جافاً كان الخرص يتضمن التضمين ويكون الحكم كما سنذكره تفريعاً على قول التضمين، وإن فقد التصريح بالتضمين فهو عبرة لا غير. والقول الثاني: أن الخرص تضمين؛ لأنه معيار شرعي فأشبه ما لو كال عليه بالمكيال [وكلام هذا القائل مصرح بعدم اعتبار قبول رب المال في التضمين. ومن العجب أن الإمام حكى القول كما ذكرناه ثم قال: والذي أراه أنه يكفي تضمين الخارص ولا يشترط قبول المخروص عليه فجعل ذلك احتمالاً له على هذا الوجه]؛ لأنه معيار شرعي فأشبه ما لو كال عليه بالمكيال، والدليل على أنه معيار شرعي جواز بيع التمر بالرطب على رؤوس النخل خرصاً فيما دون

стр. 2489

خمسة أوسق. وهذا ما صححه في "التهذيب". وفرعوا على القولين فقالوا: إن قلنا بالأول وجب عليه إذا أتلفها بعد الخرص قيمة العشر من الرطب، كما لو أتلفها أجنبي تفريعاً على الصحيح في أن الرطب لا مثل له. وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه آخر: أنه يضمن أكثر الأمرين من مكيلته تمراً جافاً أو قيمة العشر، كما أتلفه، وهو ما [حكيناه من رواية] الماوردي من قبل. قال الإمام: وهو غريب لا أصل له، ولو أتلفها قبل الخرص لم يضمن إلا قيمة العشر من الرطب وحرام عليه قبل الخرص وبعده التصرف في الثمرة والأكل منها إلا في قدر ما يفضل وهو تسعة أعشارها كذا قال البغوي والإمام عن الأصحاب وأبدى فيه شيئاً سنذكره. وقال القاضي الحسين- بعد حكاية ذلك-: وعندي: أنه لا يجوز له التصرف في تسعة أعشارها؛ لأن الملك المشترك لا يجوز لأحد الشريكين التصرف فيه دون إذن صاحبه، وإن قلنا بالثاني ثبت حق المساكين في ذمته بعد الخرص، وله أن يتصرف في جميع الثمرة بما يشاء ثم يغرم عشرها تمراً للمساكين وكذا إذا أتلفها. نعم، لو أتلفها قبل الخرص [هل] يضمن العشر تمراً أو يضمن عشر قيمة الرطب؟ فيه طريقان: إحداهما- حكاها في "التتمة"-: القطع الثاني. والثانية: فيها وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره عن القفال: أحدهما: يضمن التمر؛ لأنه منع الخرص فصار كما لو خرص عليه ثم أتلفه. والثاني: يضمن عشر قيمة الرطب؛ لأنه إنما ثبت التمر في ذمته بالخرص ولم يخرص عليه بعد.

стр. 2490

وعلى الوجهين لا يجوز التصرف قبل الخرص في الجميع، فإن تصرف فهل ينفذ؟ فيه كلام يأتي، وقد عبر في "الوسيط" عن الوجهين بأن وقت الخرص هل يقوم مقام الخرص في التضمين أم لا؟ وفيه وجهان. ووقت الخرص- كما قال البغوي وغيره، وعليه نص في "المختصر": بدو الصلاح ولو في ثمرة؛ قالت عائشة- وهي تذكر شأن خيبر-: "كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه شيءٌ". قال البغوي: ولا يجوز قبل ذلك، قال: وهل يجوز خرص الكل إذا كان الصلاة قد بدا في نوع دون آخر؟ فيه وجهان. وعن ابن كج حكاية وجه آخر عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة: أنه يضمن في هذه الحالة أكثر الأمرين من عشر التمر أو عشر الرطب. وقد حكاه الماوردي- أيضاً- وقال: الصحيح أنه يلزمه التمر. قال الرافعي: ولك أن تقول: ينبغي أن يكون الواجب ضمان التمر مطلقاً وإن فرعنا على قول العبرة؛ لأن الواجب عليه ببدو الصلاة التمر وإذا وجب لهم التمر، فكيف يصرف إليهم الرطب أو قيمته؟ غايته: أن الواجب متعلق به لكن إتلاف متعلق الحق لا يقتضي انقطاع الحق وانتقاله إلى غرامة المتعلق الأخرى؛ ألا ترى أنه لو ملك خمساً من الإبل؟ فأتلفها بعد الحول يلزمه للمساكين الشاة دون قيمة الإبل، نعم لو قيل: يضمن الرطب ليكون مرهوناً بالتمر الواجب إلى أن

стр. 2491

يخرجه كان ذلك مناسباً؛ لقولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق رهن. قلت: وما قاله من الجزم بإيجاب التمر على كل حال هو ما أورده في "المختصر" حيث قال: "وإن أكل رطبا ضمن عشره تمراً"، ولم يورد القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ غيره؛ لأن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب وتمريته، فلهذا ألزمناه عشره تمراً، بخلاف الأجنبي فإنه [لم] يلتزم ذلك وضمان المتلف قد يختلف باختلاف المتلفين؛ ألا ترى أن من وجبت عليه شاة من أربعين، وأتلف الأربعين يلزمه شاة ولو أتلفها أجنبي وجب للفقراء القيمة، ولو أتلف المحرم صيداً مملوكاً ضمنه بالجزاء والقيمة، وغيره يضمنه بالقيمة فقط، ولو عين أضحية وأتلفها ضمنها بأكثر الأمرين، ولو أتلفها غيره ضمن القيمة فقط، ولو وطئ امرأة بشبهة فعلية مهر المثل، فإن كان من العشيرة خفف عنه، وإن كان من غير العشيرة غلظ عليه؟ قاله البندنيجي وغيرهظ وأما ما ذكره الرافعي من التوجيه لما ذكره فهو ظاهر على قولنا: إن الزكاة تجب في الذمة دون ما إذا قلنا لا تتعلق بالذمة وتجب في العين؛ فإن فيه نظراً. ثم هذا كله في الرطب الذي يتتمر كما صدرت الكلام به، أما ما لا يتتمر، أو وجب قطعه خوفاً من العطش فقد تقدم أن الواجب على رب المال إذا أتلفه بدل الرطب بلا خلاف، وتقدم الفرق بينهما. فروع: إذا سلمنا الثمرة إلى المالك أمانة أو مضمونة كما قال الماوردي وغيره وادعى هلاكها أو هلاك بعضها فقد حكينا النص فيه. وقال الأصحاب: إنه ينظر، فإن أسنده إلى سبب كذبه الحس فيه، كما لو قال: هلكت بحريق وقع في الجرين ونحن نعلم أنه لم يقع في البحرين حريق أصلاً فلا يبالي بكلامه وأخذت منه الزكاة كما تقدم، وإن لم يكن كذلك نظر: إن أسنده إلى سبب ظاهر كالنهب والبرد والجراد ونزول العسكر نظر: فإن عرف وقوع هذا السبب وعموم أثره صدق ولا حاجة إلى اليمين، فإن اتهم في هلاك ثماره بذلك

стр. 2492

السبب حلف وإن لم يعرف وقوعه فوجهان: أظهرهما- الذي ذكره المعظم-: أنه يطالب بالبينة عليه. والثاني: عن الشيخ أبي محمد: أن القول قوله [مع] اليمين؛ كالمودع إذا ادعى الرد. قال الرافعي: [و] رأيت في كلام الشيخ أبي محمد أن هذا إذا لم يكن ثقة، فإن كان ثقة فيعفى عن اليمين أيضاً. وفي "الحاوي": أن القول قوله، فإن اتهم أحلفه، وفي اليمين وجهان: أحدهما: أنها مستحبة، فإن امتنع منها لم تجب. والثاني: أنها واجبة، فإن امتنع منها أخذت منه بالسبب الأول لا لامتناعه عن اليمين. وإن اقتصر عند دعوى الهلاك على مجرد دعواه ولم يذكر السبب، فالمفهوم من كلام الأصحاب قبول قوله مع اليمين وإذا زعم أن الخارص أجحف عليه لم يلتفت إلى قوله إلا ببينة، كما لو ادعى الميل على الحاكم والكذب على الشاهد لا يقبل إلا ببينة، وإن ادعى أنه غلط عليه؛ فإن لم يبين المقدار لم يسمع،

стр. 2493

قاله الماوردي والبغوي. وإن بين: فإن كان قدراً يحتمل مثله الغلط كخمسة أوسق في مائة فهل يقبل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لاحتمال أن النقصان وقع في الكيل، ولعله يفي إذا كيل ثانياً وصار كما لو اشترى حنطة مكايلة وباعها مكايلة فانتقص بقدر ما يقع بين الكيلين لا يرجع على الأول. وأصحهما: نعم؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى، وهذا ما أورده الماوردي. وإن كان ما ادعاه فاحشاً لا يجوز لأهل النظر الغلط بمثله فلا يقبل قوله في حط ذلك القدر، وهل يحط القدر المحتمل؟ فيه وجهان: أصحهما- وبه قال القفال-: نعم استنباطاً مما إذا ادعت ذات الأقراء انقضاء عدتها قبل زمان الإمكان وكذبناها فأصرت على دعواها حتى جاء زمان الإمكان فإنا نحكم بانقضاء عدتها أول زمان الإمكان. وهذا ما حكاه الرافعي، وهو في "تعليق" القاضي الحسين وأبدى في مسألة

стр. 2494

العدة احتمال وجه آخر: أنا لا نحكم بانقضاء عدتها، وذكر تشبيهاً آخر لمسالة الزكاة، وهو ما إذا ادعى الوكيل البيع بما لا يتغابن الناس بمثله لا يقبل، وهل يحط عنه قدر ما يتغابن بمثله؟ وجهان. وقال الماوردي فيما إذا ادعى نقصاناً متفاحشاً: إنه ينظر: فإن قال: غلط علي بهذا لا يقبل؛ لأنه نسبه إلى الخيانة والكذب ورام نقض حكم بات بدعوى مجردة، وإن قال: لم آخذ إلا هذا فقوله مقبول؛ لأنه ليس فيه تكذيب الخارص، لأنه يحتمل أن يكون قد تلف بعد الخرص فيكون الخارص مصيباً والنقصان موجوداً. وهذا موافق لما في "تعليق" أبي الطيب حيث قال: إن ادعى أن الثمرة نقصت عما خرصت نقصاناً بيناً، وقال: لا أعلم أخطأ الخارص أم سرقت الثمرة – فإنه يصدق إذا حلف، وإن نكل كان كما إذا ادعى أن الخارص أخطأ وكان النقصان متقارباً، وفيه وجهان: أحدهما: تؤخذ منه الزكاة بناء على أن اليمين واجبة. والثاني: لا تؤخذ بناء على أنها مستحبة. قال- ﵀ فإن كان، أي: النخل أجناساً خرص نخلة نخلة. أراد الشيخ بالأجناس: الأنواع كالمَعْقِلِّي والبَرْنِيِّ، والسكر، والهِلْياث، فيكون إذا جف قليلاًن وبعضها يكون قليل الماء كثير اللحم كالمعقلي والبرني، فيكون كثير التمر عند الجفاف، وإذا كان كذلك لم يكن خرصها دفعة واحدة محصلاً للمقصود وهو معرفة المقدار. ثم كيفية ذلك- كما قال الشافعي في"المختصر"-: أن يأتي الخارص النخل فيطيف بها حتى يرى كل ما فيها، أي من الأعذاق، وما عليها من الرطب، ثم يقول: خرصها رطباً كذا، وتنقص إذا صارت تمراً كذا، يقيسها على كيلها

стр. 2495

تمراً، ويصنع ذلك بجميع الحائط، قال: وهكذا العنب. قال الماوردي: واختلف أصحابنا في قوله: "فيطيف بها" هل هو على وجه الاشتراط أو الاحتياط؟ على ثلاثة مذاهب، أصحها: ثالثها، وهو إن كانت الثمرة بارزة عن السعف ظاهرة من الجريد- على ما جرت عادة العراق في تدليه- لم يكن شرطاً، وإن كانت الثمرة مستترة بالسعف مغطاة بالجريد – على ما جرت به عادة أهل الحجاز- كانت الإحاطة بالنخلة شرطاً في صحة الخرص؛ لأن ثمرها خفي. قال: وإن كان جنساً واحداً أي: نوعاً واحداً، جاز أن يخرص الجميع دفعة لأن النوع الواحد لا يختلف غالباً عند الجفاف، وإن اختلف يسيراً فلم يمنع ذلك من تخريص جميعه كأعذاق النخلة الواحدة، فإذا أراد ذلك يعرف ما في كل نخلة من الرطب على النحو المتقدم ويجمع الجميع ثم يعرف ما يجيء منه تمراً. قال: وأن يخرص واحدة واحدة؛ لأنه أبلغ في تحصيل المقصود فعلى هذا يفعل ما تقدم. وقد أطلق أبو إسحاق المروزي قوله بأنه يجوز أن يخرص جميع ما في الحائط من الرطب، ثم يسقط منه قدر ما ينقص إذا يبس؛ لأنه أسهل. قال البندنيجي: وهذا الإطلاق فاسد، بل الصواب: التفصيل كما تقدم. وقد سكت الشيخ عن الكلام في عدد ذلك الخارص هاهنا، وتكلم فيه في باب القسمة. وقال الأصحاب هاهنا: فيه طريقان: أحدهما: قال ابن سريج وأبو إسحاق: يكفي فيه واحد [قولاً] واحداً كالحاكم. وقال المزني وأبو سعيد الإصطخري في آخرين من أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: هذا، [وهو الذي] صححه الرافعي والمصنف في "المهذب". والثاني: لابد من اثنين؛ كالمقومين. كما حكى الطريقين ومن قال بهما: البندنيجي [والقاضي] أبو الطيب

стр. 2496

وحكاهما الماوردي- أيضاً- لكنه قال: إن أبا سعيد الإصطخري وافق ابن سريج في الاكتفاء بواحد، وإن أبا إسحاق المروزي وأبا علي بن أبي هريرة وافقا المزني في إجراء القولين في المسألة وأن بها قال جمهور أصحابنا ولا فرق في ذلك بين أن يكون رب المال صغيراً أو كبيراً، وغلط بعض أصحابنا فقال: إن كان صغيراً فلابد من اثنين، وإن كان كبيراً كفى الواحد؛ لأنه رأى الشافعي في "الأم" فرق بينهما. وحكى ابن كج وغيره هذا قولاً للشافعي، وأنه ألحق المجنون والغائب بالصبي. قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن الخرص إما أن يكون كالحكم أو كالتقويم، وذلك لا يختلف بالنسبة إلى [الكبير والصغير] والشافعي إنما فرق في "الأم" في جواز تضمين الكبير ثماره بالخرص دون الصغير فوهم عليه. قال البندنيجي: والطريقان- كما ذكرنا- جاريان في القائف، وكذا في القاسم إذا لم يكن ثم رد، فإن كان فلابد من اثنين قولاً واحداً. قال الأصحاب: ويعتبر في الخارص أن يكون بالغاً عاقلاً عدلاً عالماً بالخرص، وهل يشترط أن يكون ذكراً حراً؟ فيه تفصيل واختلاف حكاه الماوردي، واقتصر بعضهم على إيراد بعضه وجملته. أما إن قلنا: يكفي واحد فلابد من الذكورة والحرية فيه كالحاكم، وإن قلنا: لابد من اثنين، فلا يكفي امراتان ولا عبدان. وهل يجوز أن يكون أحدهما امرأة أو عبداً؛ ليكون الرجل الحر مختصاً بالولاية، والمرأة أو العبد مشاركاً له في التقدير والحزر؟ فيه وجهان: أصحهما في "المحرر" و"الروضة": المنع. ووجه الجواز: إقامة الخرص مقام الكيل والوزن. فرع: لو اختلف الخارصان توقفا حتى يتبين المقدار منهما أو من غيرهما حكاه في "الروضة" عن الدارمي وقال إنه ظاهر. قال: وإن باع أي: جميع الثمرة، قبل أن يضمن نصيب الفقراء، بطل البيع في

стр. 2497

أحد القولين ولم يبطل في الآخر. واعلم أن الأصحاب من العراقيين- كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وغيرهم- قالوا في هذه المسألة والصورة كما ذكرنا إن البيع هل يبطل في نصيب الفقراء أو يصح؟ قولان سواء قلنا إن الزكاة تجب في الذمة [و] العين مرتهنة بها أو تجب في العين بمعنى أن الفقراء ملكوا من المال قدر الفرض، ووجهوا البطلان بأنا إن قلنا: إن الزكاة وجبت في الذمة فقدر الفرض من المال مرتهن بها وبيع المرهون لا يجوز، وإن قلنا: إنها وجبت في العين بالمعنى الذي ذكرناه الذي لا يعرفون غيره، فبيع مال الغير لا يجوز. ووجهوا الصحة: بأنا إن قلنا: إنها تجب في الذمة وقدر الفرض من المال مرتهن بها فذاك تعلق طرأ بغير رضاه فلم يمنع من بيعه؛ كتعلق الجناية برقبة عبده، وإن قلنا: إنها تجب في العين كما ذكرنا فملك الفقراء كلا ملك، فإن ثمرة الملك ثابتة لرب المال وملكهم غير مستقر بدليل أن لرب المال إسقاطه بإخراج الزكاة من غيره [بغير رضاهم فكذلك بالبيع؛ لأن به يصير ملتزماً للإخراج من غيره]. قال ابن الصباغ: والأول أقيس؛ لما ذكرنا، قال: وقول من صار إلى الأول أن بيع العبد الجاني صحيح، ممنوع، وقول من صار إلى الثاني أن ملكهم غير مستقر، مسلم، لكن ليس لرب المال إسقاطه من العين قبل الدفع وإنما يسقط بدفع الزكاة، وإذا قلنا بهذا فهل يبطل البيع فيما عدا نصيب الفقراء أو [يصح؟ فيه قولاً تفريق الصفقة. وإن قلنا بمقابله صح فيما عدا نصيب الفقراء] من طريق الأولى. قلت: وحاصل ذلك يرجع إلى ثلاثة أقوال في المسألة: أحدها: بطلان البيع في الجميع. والثاني: صحته في الجميع. والثالث: وهو الذي صححه النووي-: بطلان البيع في نصيب الفقراء، وصحته فيما عداه. وأنت إن أجريت كلام الشيخ على ما يقتضيه ظاهره في أن القولين في صحة البيع في الجميع أو بطلانه في الجميع كان صحيحاً. وإن أردت حمله على ما

стр. 2498

رتبه الأصحاب، وهو الذي حكاه في "المهذب"، وأضمرت بعد قوله: "بطل البيع": أي في نصيب الفقراء في أحد القولين، ولم يبطل في الآخر- كان صحيحاً. وقد سلك الماوردي طريقاً آخر في حكاية القولين في صحة البيع في نصيب الفقراء، ومنعه فقال: إنهما مبنيان على أن الزكاة وجبت في الذمة ولا تعلق لها بالعين أصلاً، أو وجبت في العين وجوب استحقاق آخر؟ فإن قلنا بالأول، صح البيع، وإن قلنا بالثاني فلا. وساق بقية التفاريع التي ذكرناها وما سنذكره إن شاء الله تعالى. ووافقه المراوزة في بنائهما على ما ذكر، وقالوا: إن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين؛ كتعلق الرهن فلا يصح البيع أيضاً فيما تعلقت به، وهل هو [كل المال] أو قدر الزكاة؟ فيه الخلاف السابق [فإن قلنا: في قدر الفرض فقط جاء في بطلان البيع فيما عداه قولاً تفريق الصفقة]. وقد حكى الرافعي عن بعضهم: أنه حكى في صحة البيع على هذا القول- أي: فيما جعلناه مرهوناً- قولين كما حكاه العراقيون وقالوا تفريعاً على قول حكوه: إن تعلق الزكاة بالعين كتعلق أرش الجناية. أما إن قلنا: إن بيع العبد الجاني جائز فهو كالتفريع على قول الذمة، وإن قلنا: لا يجوز فهو كتفريع قول الرهن، أي: فلا يصح فيما تعلق به، وهل هو [كل المال] أو قدر الفرض؟ فيه الخلاف السابق، فإن قلنا: هو قدر الفرض كان في البطلان فيما عدا قولا تفريق الصفقة. وقال صاحب "التقريب": إن قلنا بقول الوقف الذي حكاه أبو إسحاق وهو أنه تبين إن لم يخرج الزكاة من غيره تعلقها بعينه، وإن خرجت من غيره تبينا أنها لم تجب في عينه، فإن لم يؤد الزكاة من مال آخر بل أخذها الساعي من المشتري تبينا أن البيع غير منعقد في المأخوذ، وفي الباقي قولاً تفريق الصفقة، وإن أدى الزكاة بعد البيع من مال آخر فإن منعنا وقف العقود بطل البيع أيضاً في

стр. 2499

قدر الزكاة، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة وإن جوزنا وقف العقود صح في الجميع، وعند الاختصار لا تزيد الأقوال على ثلاثة كما ذكرنا من قبل فإذن الطريقان متفقان [في] الخلاف ومختلفان في المأخذ. التفريع: إن قلنا بالبطلان في الجميع فلا يخفى الحكم وإن قلنا به في نصيب الفقراء فقط ثبت للمشتري [الخيار، وهل] يثبت للبائع، وهل يجيز المشتري العقد بكل الثمن، أو بالقسط في مسألتين؟ فيه كلام يأتي في البيع. قال البندنيجي: وإذا أجاز المشتري العقد فرب المال يقاسمه على ذلك، ويصرف نصيب الفقراء إليهم، وإن قلنا بالصحة في الجميع، فإن أخرج البائع الزكاة من ماله لزمه البيع للجميع واستقر ملك المشتري عليه، وإن تعذر ذلك عليه بألا يكون له مال غيره كما قال ابن الصباغ أو لم يؤد رب المال الزكاة من موضع آخر كما قاله غيره- وبين العبارتين فرق- أخذ الساعي قدر الزكاة من المبيع وبطل العقد فيه إذ ذاك وهو ما استدل به الإمام على إبطال القول بأن الزكاة تثبت في الذمة ولا تعلق لها بالعين أصلاً كما تقدم، وهل يبطل البيع في الثاني؟ فيه الطريقان الآتيان في تفريق الصفقة في الدوام وفروعهما. وقد حكى المراوزة: في أن المشتري إذا عرف الحال بعد العقد هل يثبت له الخيار في فسخ العقد قبل أخذ الساعي؟ فيه وجهان. وجه المنع: أن المالك ربما يؤدي الزكاة من موضع آخر. ووجه الثبوت- وهو الذي حكاه الإمام عن الأكثرين-: أن ملكه مزلزل في الحال. وعلى هذا: إذا أدى المالك الزكاة من موضع آخر سقط الخيار على الأصح، وبه جزم في "التهذيب"؛ كما لو باع بعد الأداء. ومقابله منسوب في "النهاية" لرواية بعض المصنفين، وهو في "الإبانة"، ووجهه: أن الخيار مستيقن وربما يخرج المؤدي مستحقاً فيكر الساعي عليه.

стр. 2500

وهذا بخلاف ما إذا أدى ثم باع، فأصل الخيار لم يثبت، بل الأصل لزوم البيع وانتفاء الخيار، ولو أثبتنا بتوقع الاستحقاق-: هو الخيار- لأثبتناه بالشك. وجميع ما ذكره جار فيما إذا باع جميع الماشية بعد الوجوب وقبل إخراج الزكاة وكذلك الناض والحبوب والمعدن والركاز صرح به الجمهور. وحكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: ما ذكرناه من إبطال البيع في نصيب الفقراء وتخريجه فيما عداه على تفريق الصفقة مخصوص بما إذا كان الواجب جزءاً من المال كالمعشرات أو ربع العشر، فأما إذا كان الواجب حيواناً فهو غير منسوب إلى المال بطريق الجزئية وليس متعيناً حتى يكون بمثابة ما لو باع عبداً مملوكاً وعبداً مغصوباً فالوجه عند الأصحاب القطع ببطلان البيع في الجميع على هذا القول. قلت: وما قاله من أن الواجب من الحيوان ليس بطريق الجزئية- وجه للأصحاب حكاه من قبل مع وجه آخر: أن الواجب في كل شاة من أربعين شاة مثلاً ربع عشرها وللمالك تعيين الأجزاء عند الإخراج في واحدة، وقد حكى الوجهين المتولي- أيضاً-[ثم على] تقدير التسليم كان الوجه أن يقال: إن كان النصاب مختلفاً كما إذا كان صغاراً وكباراً؛ فالحكم كما قال، وإن كان غير مختلف للتساوي في الأسنان وتقارب الصفات؛ كما إذا كان جميعه كباراً أو صغاراً- فيكون في صحة البيع فيما عدا قدر الزكاة وجهان أخذاً من القولين في جعل إبل الدية صداقاً كما سنذكر عن الماوردي ما يقرب من ذلك.

стр. 2501

وقال الإمام: الأشهر جعل المسألة التي خالف فيها الصيدلاني على قولين لكن بالترتيب والبطلان في الجميع، وفي هذه الصورة أولى منه بما إذا كان الواجب جزءاً؛ لانضمام شيوع الشاة مع الجهالة بالثمن عند تقدير التوزيع، أما إذا باع ما يفضل عن نصيب الفقراء فقط نظر: فإن باعه مشاعاً بأن قال: بعتك تسعة أعشار هذه الثمرة فلا خلاف في الصحة إلا إذا قلت: إن جميع المال مرهون بقدر الفرض، أو قلنا: إن تعلق الزكاة بالمال كتعلق الجناية [و] إن ذلك يعم جميعه وإن بيع العبد الجاني لا يصح، فإن قياس ذلك المنع في الجميع على طريقة المراوزة، والمشهور: الصحة، وهكذا الحكم فيما وجبت الزكاة في عينه من غير الثمار. ومن صور ذلك: ما إذا قال بعتك هذا المال إلا قدر الزكاة وكان المبيع مما تماثل أجزاؤه: كالحيوان، والدراهم والدنانير، بخلاف ما لو كان البيع مما تفاضل أعيانه ولا تتفاضل أجزاؤه كالماشية؛ فإنه لو قال: بعتك هذه الماشية إلا شاة ولم يشر إليها، فإنه ينظر: فإن كانت الغنم مختلفة الأسنان فكانت صغاراً أو كباراً فالبيع باطل؛ فإن تساوت في الأسنان وتقاربت في الصفات فكان جميعها صغاراً أو كباراً ففي البيع وجهان، أظهرهما في "الحاوي": البطلان أيضاً قال: وهما مخرجان من اختلاف قول الشافعي في جعل إبل الدية صداقاً، وإن وقع البيع على معين مثل: إن أفرز [قدر] نصيب الفقراء وباع الباقي فهل يصح؟ حكى أبو الطيب وغيره من العراقيين فيه طريقين فيما إذا كان المال ماشية أو ناضاً، وأجراهما [البندنيجي] والماوردي فيما نحن فيه، [و] في الحبوب: أحدهما: أن الحكم كما لو باع الجميع؛ لأن قدر الزكاة ليس بمعين وبالعزل لا يتعين وإنما يتعين بدفعه لأهله، وهو كما لو لم يعزلها منه. والثاني: أنه يصح البيع قولاً واحداً؛ لأن قدر الزكاة إذا عزل كان البيع

стр. 2502

واقفاً على حقه فصح. قال ابن الصباغ: والأول أقيس؛ لأنه يلزم هذا القائل أن يقول إذا عزل قدر الزكاة من مال آخر: إنه يصح بيع الكل؛ لأن الزكاة لا تتعين عليه فيه. وقد جعل الرافعي الوجهين فيما إذا كان المال ماشية مفرعين على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق شركة، وإنهما مبنيان على كيفية ثبوت الشركة، [و] فيه وجهان تقدما. وهذا البناء يخدشه جريانهما في الناضِّ مع أن الشركة فيه بالحرية. وقد ادعى الغزالي تبعاً لإمامه أنه لا خلاف في نفوذ التصرف فيما زاد على قدر الزكاة قبل الجفاف؛ فإن المنع من التصرف في الثمار بالكلية خروج عن الإجماع، وهو خلاف ما درج عليه السلف، وفيه منع الناس من الرطب والعنب فإن تأدية الزكاة لا تقع إلا من التمر والزبيب، وفيه طرف من المعنى: وهو أن مالك الثمار يلتزم بمؤنة تربية الثمار إلى جفافها و [هو] في ذلك [يربي من] حق المساكين فقوبلت هذه المؤنة بإطلاق تصرفه في التسعة الأعشار، وأما بعد الجفاف فهو بمنزلة المواشي. قلت: والجزم بنفوذ التصرف قبل الجفاف يخالفه ما حكيناه عن القاضي الحسين من امتناع التصرف وجعل علة الجواز أفضى بالمنع إلى امتناع الناس من الرطب والعنب؛ فيه نظر من حيث إن الخرص تضمين على الصحيح، أما مع التصريح به أو بدونه [وحينئذ] فالمالك متمكن من التصرف في جميع الثمرة فلا ينسد عليه باب التصرف في الرطب والعنب. نعم ذاك صحيح إذا قلنا: إن الخرص عبرة مجردة؛ فإن رب المال لا يكون له طريق إلى التصرف. وقد جعل الإمام الأول من الوجهين في حالة الجفاف وعدم التمكن من الأداء في جواز التصرف؛ لأنه غير منسوب إلى تقصير في التأخير، فلو سددنا عليه التصرف فيما يزيد على مقدار الزكاة لكان ذلك حجراً مضراً بخلاف ما بعد الوجوب والتمكن، ثم جواز رهن جميع مال الزكاة كبيعه إن قلنا: قولاً تفريق

стр. 2503

الصفقة يجريان في رهن ما يجوز وما لا يجوز، وإن قلنا: لا يجريان بل يصح فيما يصح قولاً واحداً- فحيث قلنا في مسألة البيع بالبطلان في نصيب الفقراء وفيما عداه قولان، قلنا ها هنا فيما عداه: يصح قولاً واحداً. قال: وإن باع الثمرة قبل بدو الصلاح، أو باع الماشية قبل الحول فراراً من الزكاة كره ذلك؛ لأن الفرار من القربة مكروه، والشيخ في إطلاق لفظ "الكراهة" في هذه الحالة اتبع الشافعي وجمهور أصحابه، وزاد الماوردي في باب المبادلة بالماشية أنه مسيء بذلك. وقد تفهم هذه اللفظة أنها كراهة تحريم كما اختاره في "المرشد" ولم يحك في "الوسيط" و"الوجيز" غيره اتباعاً للفوراني بأنه جزم بتأثيمه. والذي حكاه الإمام عن الصيدلاني: أنه أطلق لفظ الكراهة، ثم قال: وفي بعض التصانيف: أنه يأثم بذلك، وفي التأثيم احتمال من جهة أنه تصرف يسوغ، ثم إن أثبتناه فموجب الإثم قصده لا محالة. والذي قاله في "البحر" في باب المبادلة: أنه لا يكون عاصياً بذلك، وهو الموافق لما صرح به البندنيجي في باب كيف تؤخذ الزكاة، والماوردي في أثناء كلامه في موضع آخر- أن الكراهة كراهة تنزيه. وقال البندنيجي: إن الإمام الشافعي قال في "الأم": ولو قطع الطلع فراراً من الصدقة كرهناه ولم يجزم بذلك. قال: ولم يبطل البيع؛ لأنه باعه ولا حق لأحد فيه؛ لأن الحق إنما يجب في الثمرة ببدو الصلاح، وفي الماشية بحولان الحول؛ كما تقدم، ولم يوجد ذلك، وقد تقدم أنه لا تجب الزكاة عليه أيضاً في [باب] صدقة المواشي، والفرق بينه وبين المريض إذا طلق في أحد القولين، أما إذا باع ذلك لحاجة لحقته لا لأجل الفرار من الزكاة فلا كراهة، نص عليه. وقال في "الأم": ولذلك أكره له قطع النخل إلا ما أكل أو أطعم أو تخفيفاً من النخل. ولم يخالفه أحد من أصحابه وهو أن مراده بالنخل: الإناث، أما الذكور فلا كراهة في قطع ثمرها مطلقاً؛ لأنه لا زكاة فيها.

стр. 2504

باب زكاة الناض قال أهل اللغة: الناض- بتشديد الضاد-: ما كان [نقداً] من الدراهم والدنانير خاصة، كذا حكاه النووي، ثم قال: وكان ينبغي للمصنف أن يقول: باب زكاة الذهب والفضة كما قال في "المهذب" وكذا الأصحاب؛ ليدخل غير الدراهم والدنانير من صنوف الذهب والفضة. قلت: والذي يظهر أنه لا اعتراض على الشيخ؛ لأن المنقول عن الأزهري أنه قال: الناض ضد العرض. وقد حكى النووي عن أهل اللغة أن العرض جميع صنوف الأموال غير الذهب والفضة، وذاك يدل على أن الناض هو الذهب والفضة مطبوعاً كان أو غير مطبوع، والشيخ في "المهذب" اتبع المزني في التبويب، وهنا لم يتبعه لما ستعرفه في الباب بعده. والنض- بفتح النون-: بمعنى "الناض"، [كذا] حكاه الجوهري وغيره. قال الشيخ- ﵁: من ملك نصاباً من الذهب والفضة حولاً كاملاً وهو من أهل الزكاة وجبت عليه الزكاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]،

стр. 2505

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، وقد تقدم الدليل على أن المراد بالكنز في الآية: ما لم تؤد زكاته. ولقوله ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي [منها حقها] إلا [إذا] كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنَّم فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له [في يوم] كان مقداره [خمسين] ألف سنة حتَّى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله أمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار". أخرجه مسلم. وحقها: زكاتها، يدل عليه قوله- ﵇: "ليس في المال حقُّ سوى الزكاة". وروى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر قال: "وفي الرقة ربع العشر". قال الماوردي: وفي"الرقة" تأويلان: أحدهما: أنها اسم جامع للذهب والفضة. قال ثعلب: وهو أصح التأويلين. والثاني- قاله ابن قتيبة-: أنها اسم للفضة. قلت: وتتمة الحديث تشهد له؛ فإنه قال: "فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس

стр. 2506

فيها شيء إلا أن يشاء ربها". ويقال: ورق، ورقة؛ كما يقال: وزن، وزنة، ووعد، وعدة. وسيأتي من الأخبار ما يدل على الوجوب فيهما وهو إجماع الأمة. واحترز الشيخ بذكر الحول الكامل عما إذا ملك ذلك طرفي الحول وحصل نقص في وسطه فقط، أو نقص في آخر الحول فقط؛ فإنه لا زكاة فيه عندنا خلافاً لمالك في الأولى وأبي حنيفة في الثانية، وحجتنا: الخبر المشهور. وبقوله: "وهو من أهل الزكاة"، عمن ليس منها؛ كالمكاتب ونحوه فإنه لا زكاة عليه؛ لما تقدم في أول الباب. وذكر الشيخ هذا هنا، وكذا في زكاة المعدن، وإن لم يذكره في [باب] صدقة المواشي، وزكاة النبات وزكاة العروض والركاز تأكيداً، وسنذكر له فائدة في بعض المواضع، إن شاء الله تعالى. تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في وجوب الزكاة على من ذكره إذا ملك نصاباً بين أن يكون ممن لا تصرف له الزكاة أو تصرف له بأن يكون دخله لا يفي بخرجه، وبه صرح الرافعي عند الكلام في كفارة اليمين. الثاني: ضم المال الغائب [عنه] إلى [ما] عنده في إكمال النصاب وكذا الدين إذا قلنا: إنه مملوك على الصحيح، وقد تقدم الكلام في وجوب الزكاة في المال الغائب والدين إذا كان كل منهما نصاباً فحيث قلنا: لا تجب الزكاة فيهما فلا يكمل بهما نصاب الحاضر، وحيث قلنا: تجب فيهما كمل بهما نصاب الحاضر ثم ينظر: فإن كان الغائب والدين يجب إخراج زكاتهما في الحال، ففي مسألتنا يجب إخراج زكاة الحاضر عنده في الحال، وإن قلنا ثم، لا يجب الإخراج في الحال، قال الأصحاب: فهل يجب إخراج الزكاة الحاضر عنده؟ ذلك ينبني على أن التمكن شرط في الوجوب أو لا؛ فإن قلنا: إنه شرط في الوجوب

стр. 2507

لم يجب تعجيل الإخراج، فإن الغائب قد يتلف [قبل الوصول إليه ولا يصل] إليه الدين فيمتنع الوجوب وإن قلنا: إنه شرط في الضمان وجب الإخراج. الثالث: ضم بعض أنواع الذهب إلى بعض، وأنواع الفضة إلى بعض في إكمال النصاب؛ لأن اسم "الذهب" يقع على أنواعه النيسابوري والقاساني والهروي، وغير ذلك، وكذا اسم "الفضة" يقعل على أنواعها البيضاء اللينة والسوداء الصلبة وغير ذلك ويتناولهما تناولاً واحداً، وبذلك صرح الأصحاب قياساً على الثمار، وقالوا: يؤخذ من كل نوع بقسطه إذا أمكن من غير مشقة؛ لقلة الأنواع، فلو أخرج عن الجميع من نوع واحد، نظر: فإن كان من النوع الجيد أجزأه وكان أولى، وإن كان من النوع الرديء، أجزأه من ذلك ما قابل الرديء، وكان فيما قابل الرديء أوجه: أحدها: أنه يجزئه مع الكراهة حكاه الإمام عن الصيدلاني وخطأه فيه، واقتصر القاضي الحسين على إيراده. والثاني تجزئه، ولكنه يخرج قيمة ما بينهما ذهبا إن كان المخرج فضة، وفضة إن كان المخرج ذهباً، كما لو أخرج أدنى الصنفين من الحقاق وبنات اللبون. والثالث: أنه يجزئه إن كان تالفاً ويخرج قيمة ما بينهما وإن كان باقياً [لا يجزئه ويسترده، حكاه في "البحر" عن ابن سريج. والرابع- عنه أيضاً-: أنه لا يجزئه ويسترده إن كان باقياً] وقيمته إن كان تالفاً. والخامس- حكاه في "الحاوي" مع الثاني-: أنه لا يجزئه ويكون متطوعاً [به]، وعليه إخراج زكاة الجيد مستأنفاً كما لو أعتق عن الكفارة معيباً. قال في "البحر": والذي يقتضيه مذهب الشافعي أنه ينظر في حاله: فإن كان قد صرح بأنه عن فرضه فله أن يسترجع وإلا فلا؛ لأنه متهم؛ فإنه يجوز أن يكون قد دفع ذلك تطوعاً، وصار كمن عجل زكاته ثم تغير الحال: إن شرط الرجوع رجع، وإن لم يشترط فلا. وإخراج الصحيح عن المكسر جائز، ولا يجوز عكسه، بل يجمع المستحقين

стр. 2508

ويصرف لهم الدينار الصحيح أو يسلمه إلى واحد بإذن الباقين. وعن بعض الأصحاب: أنه يجوز أن يصرف إلى كل واحد منهم ما يخصه مكسراً. وعن بعضهم: أنه يجوز ذلك، ولكن مع الصرف بين المكسر والصحيح. [وعن بعضهم: أنه إن لم يكن في المعاملة فرق بين الصحيح والمكسر] جاز أداء المكسر عن الصحيح، أما لو كثرت الأنواع وعسر الإخراج من كل نوع بقسطه، فقد قال جمهور أصحابنا: أخذت الزكاة من أوسطها كما في الثمار، وهذا معزي في "تعليق" القاضي أبي الطيب إلى أبي إسحاق. وقال في "البحر": الصحيح أنه يخرج من كل نوع بقدره أبداً؛ لأن أنواع ذلك لا تكثر ولا تشق [وذلك] بخلاف الماشية؛ لأن هناك يؤدي إلى الإشاعة والإضرار برب المال والمساكين. الأمر الرابع: أنه لا فرق بين أن يكون النصاب مما ذكره خالصاً منفرداً، أو مختلطاً بغيره، وهو ما صرح به الأصحاب، فقالوا: في حال المخالطة إن كان ما خالطهما غشاً والخالص من الذهب أو الفضة نصاباً فأكثر وجبت الزكاة، وكذا لو كان بعض ماله خالصاً وبعضه مغشوشاً وفي المغشوش من الخالص ما يكمل به النصاب وجبت. ثم في الحالة الأولى إذا علم قدر الغش وكان في الجميع متساوياً فأخرج قدر الفرض منه أجزأه. مثال ذلك: إذا كان له أربعمائة درهم قدر الفضة نصفها فالواجب عليه خمسة دراهم خالصة، فإذا أخرج عشرة من المغشوشة أجزأه؛ لأن فيها خمسة خالصة، وإن لم يعلم قدر الغش، فإن استظهر وأخرج زيادة على الواجب أجزأه، ولا يكلف التمييز بين الخالص والغش بالنار وإن لم يستظهر قلنا له: عليك التصفية ليعلم المقدار فيخرج عنه، وهذا إذا كان يخرج بنفسه فإن دفع إلى الساعي وقال له: قد أحاط علمي بالمقدار، وهذا كل الواجب أو أكثره- كان القول قوله مع اليمين استظهاراً؛ لأنه لا يخالف الظاهر. ولو قال للساعي: لا أعرف المبلغ [قطعاً

стр. 2509

و] لكني اجتهدت في ذلك، فأدى إليه اجتهادي لم يكن للساعي أن يرجع إليه؛ لأنه لا يلزمه العمل باجتهاد غيره. نعم، قال الماوردي: لو انضاف إلى قوله قول من تسكن النفس إلى قوله من ثقات أهل الخبرة عمل عليهز وفي الحالة الثانية إذا كان معه مائة خالصة ومائتان مغشوشة، والغش قدر النصف- يخرج من الخالص قدر الواجب وهو خمسة مغشوشة أجزأته عن نصف ما عليه وبقي عليه النصف. ولو كان جميع ماله مائتي درهم خالصة لا غش فيها فأخرج خمسة مغشوشة- لا يجزئه عما عليه بجملته بلا خلاف. قال أبو العباس في التفريع على "الجامع الصغير": وعليه أن يخرج خمسة دراهم لا غش فيها، وهل له أن يرجع فيما أخرج؟ على قولين. قال البندنيجي: يعني على وجهين أصحهما في "الرافعي": الرجوع. وقال في "البحر" [عنه]: إنه قال في هذه المسألة مثل ما قال فيما إذا أخرج الرديء عن الجيد، وقد ذكرنا ما يقتضيه مذهب الشافعي. قلت: وفي هذا نظر بل الذي يتجه القطع به أنه يجزئه ما في ذلك من الخالص عما عليه، ويبقى الباقي في ذمته يخرجه من النوع الذي وجب عليه لا من جنس آخر، وكلام صاحب "البحر" يقتضي أنه يخرج عن الذهب فضة وبالعكس فتأمل ذلك. وإن كان المخالط للذهب الفضة وعلم قدر كل منهما، فالحكم كما لو كانا منفردين، ولا يكمل نصاب أحدهما بالآخر. وإن جهل، قال البندنيجي وغيره: فالحكم فيها كالحكم في المغشوش سواء، فإذا أراد زكاة الفضة جعل الذهب فيها كالغش [وإذا أراد إخراج زكاة الذهب جعل الفضة فيها كالغش] حتى يجب عليه التمييز بالنار عند عدم الاستظهار ليعرف المقدار، ويفرق بين أن يخرج بنفسه، وبين أن يدفع للساعي. وقال الإمام بعد حكاية التفرقة عن العراقيين: إن الذي قطع به أئمتنا: أنه لا يجوز اعتماد الظن في ذلك. وذكر عنهم أنهم ذكروا هندسة في الاطلاع على

стр. 2510

مقدار الذهب والفضة وغير التمييز بالنار، وأهون منها: أن يسبك مقداراً نزراً من المختلط ويقاس به الباقي، فإن عسر ذلك فالوجه التمييز بالنار والهندسة التي أشار إليها قالها الشيخ أبو زيد حيث قال: ولنا في معرفة ذلك طريقان: إحداهما: أن يطرح المختلط وهو ألف مثلاً في ماء وينظر كم يرتفع الماء ويعلمه في الإناء ثم يرفعه ويطرح من خالص الذهب في ذلك الماء قليلاً قليلاً حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة ثم يرفعه ويزنه، فإذا كان ألفاً ومائتين وضعنا في الماء من الفضة الخالصة قليلاً قليلاً حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة ثم يرفعها ويزنها، فإذا كان ثمانمائة علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وعلى هذه النسبة. والثانية-[وهي التي ذكرها الفوراني]-: أن يلقي المختلط في الإناء حتى يعلوه الماء ويعلمه، ثم يستخرجه ويطرح في الماء قدر زنة المختلط من خالص الذهب حتى يعلوه الماء ويعلمه، وهذه العلامة تكون أسفل من علامة المختلط، ثم يستخرج ذلك. ويطرح في الماء قدر زنة المختلط من خالص الفضة حتى يعلوه الماء ويعلمه، وهذه العلامة تكون أعلى من علامة المختلط [وحينئذ تكون علامة المختلط] بين علامتي الخالص فينظر ما بينهما، فإن كان بين علامة الذهب وعلامة المختلط قدر شعيرة وكذلك بين علامة الفضة والمختلط- علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وإن كان بين علامة المختلط والذهب قدر شعيرتين وبين علامة المختلط والفضة قدر شعيرة علمنا أن ثلثيه فضة وثلثه ذهب؛ ولو كان بالعكس علمنا أن ثلثيه ذهب وثلثه فضة، وهكذا ينظر في النسبة التي بينهما وترتب الحكم عليها. ولو كان المختلط- كما ذكرنا- ألفاً وقد عرف أن مبلغ أحد الخليطين ستمائة، والآخر أربعمائة، ولكن لا يعلم ما هو الأقل والأكثر فأخرج زكاة ستمائة ذهب وستمائة فضة- أجزأه؛ لأن ذلك هو الأحوط ولا يجزئه أن يخرج زكاة أربعمائة فضة وستمائة ذهباً، لاحتمال العكس، والاعتياض عن الزكاة لا يجوز عندنا.

стр. 2511

وقال الإمام: ويحتمل أن يجوز الأخذ بما شاء من أحد التقديرين، وإخراج الواجب على ذلك التقدير؛ لأن اشتغال ذمته بذلك غير معلوم. وقد أقام في "الوسيط" هذا الاحتمال وجهاً في المسألة بعد أن قال: المذهب أنه إذا أعسر التمييز أخرج زكاة ستمائة من الذهب وستمائة من الفضة؛ ليخرج عما عليه بيقين. وقال العراقيون: إن غلب على ظنه أن الأكثر الذهب أو الفضة عمل به إذا فرق بنفسه، وإن كان يدفع إلى الساعي فالساعي لا يعمل بظنه، وفيه ما تقدم. قال: ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، وزكاته نصف مثقال، وفيما زاد بحسابه، ونصاب الورق مائتا درهم وزكاته خمسة دراهم، وفيما زاد بحسابه. لما روى أبو داود عن عاصم بن ضمرة والحارث [الأعور] عن علي عن النبي ﷺ في حديث طويل: "فإذا كان لك مائتا درهمٍ وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيءُ- يعني: في الذَّهب- حتَّى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينارٍ، فما زاد [فبحساب ذلك] " قال: فلا أدري أعلى يقول: "فبحساب ذلك- أو يرفعه إلى النبي ﷺ ؟ - وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول". قال عبد الحق في "الأحكام": وما ذكر من الاعتراض على من أسند هذا الخبر وهو جرير؛ لأنه جمع فيه بين الحارث الأعور وعاصم، والحارث الأعور كذاب ولم يذكر الحول، وعاصم ثقة لكنه لم يسنده بل أوقفه [على] علي- كرم الله وجهه- وكذلك كل ثقة أوقفه عليه، فلا حجة فيه؛ فهو مندفع بأن جريراً أسنده عنهما وهو ثقة. وقد أسنده [أيضاً] أبو عوانة [عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي ﷺ في زكاة الورق، وأبو عوانة] ثقة.

стр. 2512

وأما قوله: "فبحساب ذلك"، فقد أسنده زيد بن حبان، عن أبي [إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن النبي ﷺ ، ورواية البخاري عن] أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ [في زكاة الورق] قال: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة". والأوقية: أربعون درهماً يدل عليه قول عائشة- ﵂: "كان صداق أزواج [رسول الله] ﷺ اثني عشر أوقية ونشأ، أتدرون ما النش؟ النَّشُّ: نصف أوقيَّةٍ عشرون درهماً". وجمع الأوقية: أواقٍ بالتخفيف، وأواقي بالتشديد. ولا فرق في عدم الوجوب عند النقص عن النصاب بين الكثير والقليل، حتى الحبة الواحدة ودونها، وإن راج الناقص [رواج الكامل للمسامحة، أو لجودة الجوهر لما ذكرناه؛ ولأن الرائج الناقص] لو قام مقام الكامل لوجب مثله في جميع النصب، وفيما يخرجه من حق المساكين حتى يقال: لو أخرج نصف مثقال، أو خمسة دراهم إلا حبة أو أقل منها يجزئه ذلك، ولقيل في الربا: إذا باع درهماً بدرهم إلا حبة يجوز، وقد أجمعنا مع الخصم- وهو مالك- على فساد

стр. 2513

ذلك- وهو قادح فيما نازع فيه. نعم، لو كان يبلغ نصاباً في بعض الموازين وفي بعض ينقص عنه ففي الوجوب وجهان في "العدة": أصحهما: عدم الوجوب، وهو الذي أورده المحاملي، وقطع به الإمام أيضاً بعد أن حكى عن الصيدلاني الوجوب. تنبيه: المثقال: وزنه ثنتان وسبعون حبة من حب الشعير الممتلئ غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالباً. الورق: بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو وكسرها. قال [الأكثرون من] أهل اللغة: هو مختص بالدراهم المضروبة، وقال جماعة: يطلق على كل الفضة وإن لم تكن مضروبة. وهو الذي أورده البندنيجي، وهذا مراد المصنف. قال النووي: ولو قال: ونصاب الفضة لكان أحسن، والدرهم المعتبر هاهنا وزنه ستة دوانيق يعدل العشرة منه سبعة مثاقيل، وقد كان في الجاهلية دراهم مختلفة بغلية، وطبرية وغيرهما، وغالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصره- ﵇ والصدر الأول بعده. نوعان: أحدهما: الطبرية: زنة كل درهم منها ثمانية دوانيق. والآخر البغلية: وهي منسوبة إلى ملك يقال له: رأس البغل، زنة كل درهم أربعة دوانق. قال في "البحر" تبعاً للبندنيجي: حكاية عن رواية أبي عبيد القاسم بن سلام-: وكانت الزكاة تجب في صدر الإسلام في مائتين منهما، فلما كان في زمني بني

стр. 2514

أمية، أرادوا ضرب الدراهم فنظروا في المتعقب، فإن هم ضربوا من البغلية أضر [ذلك] بالمساكين، وإن هم ضربوا من الطبرية أضر ذلك بأرباب الأموال، فجمعوا بين الدرهمين وقسموهما درهمين. قيل: والفاعل لذلك زياد بن أمية. وقيل: الحجاج في أيام عبد الملك. ونقل الماوردي: [أنه عمر بن الخطاب، ﵁]. وقال ابن سريج: الدراهم: ما اختلفت في قديم الدهر وحديثه، وكذلك المثاقيل بل كان المثقال، ما ذكرناه، والدرهم: ستة دوانيق تعدل كل عشرة منها سبعة مثاقيل. والمشهور الذي حكاه الشيخ أبو حامد وغيره: أن المثقال لم يختلف كما قال: وأن الدرهم كان مختلفاً كما ذكرنا. قال في "البحر" تبعاً للبندنيجي: وهو المذهب، بدليل أن الشافعي قال: "فإذا بلغ الورق خمس أواقٍ وذلك مائتا درهم بدراهم الإسلام .. إلى آخره". فقوله: "بدراهم الإسلام" يدل على أن هناك غيرها. قلت: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه قال في تتمة كلامه: "وكل عشرة دراهم من دراهم الإسلام وزن سبعة مثاقيل ذهب بمثقال الإسلام"، ومعلوم أن المثقال لم يختلف وكما لم يختلف المثقال لم يختلف الدانق؛ لأنه كان من الدرهم الصغير ربعه ومن الكبير ثمنه. قال في "البحر": وإنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب؛ لأن الذهب أوزن من الورق فكأنهم جربوا حبة من الورق، ومثلها من الذهب، فوزنوهما فكان وزن الذهب زائداً على وزن الفضة مثل ثلاثة أسباعها فلذلك جعلوا كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل. والاعتبار فيما ذكرناه بوزن مكة؛ لقوله ﵇: "الميزان ميزان أهل مكة".

стр. 2515

قال: وإن ملك حليا، أي: من ذهب أو فضة أو منهما، معداً لاستعمال مباح لم تجب الزكاة فيه في أحد القولين، وتجب في الآخر، وهذان القولان أومأ إليهما الشافعي في "الأم" كما قال البندنيجي وغيره. وقال الفوراني: إنه نص على الأول منهما في الجديد، وعلى الثاني في القديم. وقال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه نص في القديم و"مختصر" البويطي على الأول منهما، وعلق في الجديد القول في الثاني. قال القاضي أبو الطيب: واتفق الأصحاب على إجزائهما في المسألة، وأن الصحيح الأول، ووجهه: ماروى جابر وابن عمر أن النبي ﷺ ، قال: "ليس في الحلي زكاة". وكذا قاله الماوردي. [و] روى الشافعي عن عائشة: "أنها كانت تحلِّي بنات أخيها أيتاماً في حجرها فلا تخرج منها الزكاة". وروي عن ابن عمر أنه "كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج زكاته". ولأنه معد لاستعمال مباح؛ فلم تجب فيه الزكاة كالمواشي العوامل. ووجه الثاني: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: "أنَّ امرأةً أتت

стр. 2516

رسول الله ﷺ ومعها ابنةُ لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرُّك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نارٍ؟ وما روي عن عائشة قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخاتٍ من ورقٍ، فقال: ما هذا يا عائشة فقلت: صنعتنَّ أتزيَّن لك [بهن] يا رسول الله، قال: أتؤدِّين زكاتهنَّ؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النَّار" أخرجهما أبو داود. والمسكة- بالتحريك-: السوار من الذبل. والفتخة- بالتحريك- جمعها: فتخات، بفتحتين: حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص فهو الخاتم. وقال عبد الرزاق: هي الخواتم العظام. وقيل: هي خواتم عراض الفصوص ليست بمستقيمة.

стр. 2517

وقيل غير ذلك. ولأن الحلي من جنس الأثمان؛ فكانت الزكاة واجبة فيه قياساً على الدراهم والدنانير. قال الإمام: ولا يخفى على ناظر في وجه الرأي أن هذا القول هو الأصح في القياس، والقائلون بالأول قالوا: هذه الأخبار متكلم في رواتها؛ حتى قال الترمذي: إنه لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. ولو صحت فهي منسوخة؛ لأن لبس الحلي من الذهب كان محرماً على النساء لأخبار دلت عليه ثم نسخ وأبيح لهن فسقطت فيه الزكاة .. وكذا قاله أبو الطيب. والحلي من الفضة فقد ذكرنا أن عائشة كانت لا تخرج زكاته وهي راوية المنع وهي لا تخالف الرسول إلا فيما علمته منسوخاً، كذا قاله البيهقي. قال ابو الطيب: وجواب آخر: وهو أن الزكاة المذكورة في الأخبار محمولة على إعارة الحلي، لأنه روي عن [ابن] عمر وجابر وغيرهما أنهم قالوا: زكاة الحلي إعارته. وذكر الماوردي هذا عن [رسول الله] ﷺ وتوعده عليها بالعقاب- وإن كانت غير واجبة- حث عليها كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]. والجواب عما ذكر من القياس: أن كونهما من جنس الأثمان لا يدل [على] أن الزكاة تجب فيهما؛ ألا ترى أن الماشية المعلوفة من جنس السائمة وحكمهما مختلف، وقد جعل الغزالي مأخذ الخلاف في الوجوب وعدمه مأخوذاً من أن مناط الوجوب في الذهب والفضة معناهما، وهو الاستغناء [عنهما] في عينهما؛ [إذ لا يرتبط بذاتهما غرض فبقاؤهما شبه يدل على الغنى، أو عينهما] كما في الربا؟ وفيه قولان:

стр. 2518

فعلى الأول: لا تجب في الحلي المباح، قال في "الوسيط": وهو الجديد. وعلى الثاني: تجب: وإذا قلنا به: فكان زنة الحلي مائتي درهم، وقيمته ثلاثمائة درهم- فقد قال الأصحاب كأبي الطيب وابن الصباغ وغيرهما: يتخير المالك بين أن يعطي ربع عشره مشاعاً يقبضه الساعي ويبيعه منه أو من غيره إن رأى ذلك، وبين أن يخرج خمسة دراهم فضة مضروبة، أو مضاعفة قيمتها مثل قيمة ربع عشره. وفي "الحاوي": نسبة هذا القول إلى ابن سريج، والبندنيجي نسب إليه الجواز فيما إذا [أراد] إخراج خمسة دراهم تساوي سبعة ونصفاً من نقد البلد؛ لأنه موضع ضرورة، وقال: إن الشيخ أبا حامد قال: لا يجوز ذلك عندي؛ لأنه إخراج قيمة في الزكاة، ولا يجوز إخراج خمسة دراهم من نقد البلد، ولا أن يخرج منه سبعة دراهم ونصفا؛ لأنه ربا ولا يجوز أن يكسر منه خمسة دراهم فيعطيها؛ لأن في ذلك إضراراً به وبالفقراء. وقد حكى القاضي أبو الطيب وغيره عن ابن سريج: [أنه قال]: يجوز له أن يعطي قيمة ربع عشره من الذهب؛ للضرورة. قال القاضي أبو الطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن الشافعي لم يجوز إخراج قيمة العشر في الرطب الذي لا يجفف فمسألتنا مثله. وقال الشيخ أبو حامد: لا يجوز عندي ما قاله ابن سريج؛ لأنه أخذ القيمة في الزكاة ويمكن أن يسلم إليه ربع عشره ثم يعطيه قيمته فيجوز وجهاً واحداً، وقد اختاره في الحاوي. [وحكى الرافعي] وجها: أنه يجوز أن يعطي خمسة دراهم إما منه أو من غيره، ولا اعتبار بصنعته ولا معول على قيمته؛ لأن الزكاة إذا وجبت في الحلي، إنما تجب في عينه لا في قيمته؛ ألا ترى أنه لو كان وزن الحلي دون النصاب وقيمته نصاباً لا تجب فيه الزكاة، [ولأن زيادة القيمة في مقابلة الصنعة وليست الصنعة عيناً تجب فيها الزكاة] فلم يجز اعتبارها ولا يمكن إلحاق ذلك

стр. 2519

بالضرب في الدراهم والدنانير حيث قلنا: إذا كان معه مائتا درهم مضروبة لم يجز أن يعطي خمسة دراهم غير مضروبة؛ لأن ضرب الدراهم والدنانير وطبعها أقيم مقام صفات الجنس من الجودة والرداءة؛ لجواز ثبوته في الذمة كثبوت ضمان الجنس، ولا كذلك الحلي، ويشهد لذلك: أن من أتلف على غيره دراهم [مضروبة] لزمه مثلها ولو أتلف حلياً مصوغاً لم يلزمه مثله مصوغاً. قلت: وامتناع أخذ سبعة ونصف من غير الحلي مفرع على الجديد في أن الفقراء ملكوا من المال قدر الفرض، وعلى القول بثبوته في الذمة؛ لأن محذور الربا قائم فإنها إذا ثبتت في الذمة ثبتت بتلك الصفة. ثم على قياس مذهب ابن سريج في جواز أخذ القيمة عن الفرض للضرورة يظهر جواز أخذ سبعة دراهم ونصف إذا كان نقد البلد دراهم كما نقول فيما إذا أتلف حلياً من ذهب ونقد البلد ذهب فإنه يجوز أخذ قيمته ذهباً، وإن زادت على وزنه على الأصح كما ستعرفه في باب الغصب، وبه صرح القاضي الحسين هنا، وقال: إن من قال بمقابله أخذه من قول الشافعي في الصداق: إذا أصدقها إناءين فانكسر أحدهما، يقوم [بالذهب إن كان فضة، وبالفضة إن كان ذهباً]. وما ذكرناه في كيفية أخذ زكاة الحلي جار في كيفية أخذ زكاة الآنية من الذهب أو الفضة إذا قلنا بجواز اتخاذهما، أما إذا قلنا بمنعه كانت كالسبائك والنقار، صرح به البندنيجي وغيره. قال: وإن كان معداً لاستعمال محرم، أو مكروه، أو للقنية، أي محرمة كانت أو مكروهة، أو مباحة- وجبت فيه الزكاة ووجهه في الأولى: الإجماع كما قال الرافعي، وفي الثانية: أنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وبقي على حكم الأصل وهو وجوب الزكاة. وفي الثالثة: أنه مستغنى عنه ومرصد للنماء فهو كغير المصوغ، وهذا هو المشهور. وللإمام احتمال في منع الوجوب في المعد للاستعمال [المحرم نذكره في آخر الباب وجوابه.

стр. 2520

ولصاحب "التهذيب" احتمال في إلحاق المعدة للاستعمال] المكروه بالمباح حتى يجري فيه القولان، وفي المعد للقنية المباحة وجه نذكره في التفريع، إن شاء الله تعالى. أما إذا ملك حلياً من جوهر نفيس أو لؤلؤاً أو عنبراً ونحو ذلك فلا زكاة فيه، والتحلي به جائز للرجال والنساء. [نعم، يمنع الرجال من لبس ما له تشبه بالنساء] منع كراهة، كما سنحكيه عن النص. واعلم أنه قد بقي من أحكام المسألة: المتخذ عارياً عن قصد الاستعمال والقنية مع كون استعماله مباحاً ولا شك في وجوب الزكاة فيه إن قلنا: بوجوبها في المعد للاستعمال المباح، وإن قلنا: لا تجب فيه، فهل تجب هاهنا؟ فيه وجهان حكاهما المراوزة: أحدهما: الوجوب؛ لأن اسم "الزكاة" منوط باسم "الذهب" و"الفضة"، و [لا ينصرف] إلا بقصد الاستعمال ولم يوجد. قال الإمام: وهذا هو الجاري على القاعدة. والثاني: المنع؛ لأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، والنقد وإن لم يكن نامياً بنفسه لكنه ألحق بالناميات، لكونه مهيأ للإخراج، وبالصياغة بطل التهيؤ. قال في "العدة": وهذا ظاهر المذهب. قلت: وعلته تقتضي عدم الوجوب في المتخذ للقنية المباحة، وفي النقار والسبائك، ولا قائل به في النقار والسبائك. نعم قد قيل به في المتخذ للقنية المباحة. وقال الإمام: إنه غير معتد به فلا جرم كان الجمهور على الوجوب فيه قولاً واحداً، والمتخذ لقصد الاستعمال المباح إذا انكسر. وقد قال الأصحاب فيه: إن لم يمنع الكسر من استعماله من غير حاجة إلى إصلاح فهو كالصحيح، وإن كان بحيث لا يمكن استعماله إلا بإعادة سبكه ففيه طريقان حكاهما البندنيجي وتبعه في"البحر":

стр. 2521

إحداهما- عن أبي إسحاق-: القطع بالوجوب، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ [والرافعي]. والثانية: إلحاق ذلك بالحالة التي سنذكرها وهي ما إذا كان لا يحتاج في استعماله إلى سبكه، بل إلى لحام ونحو ذلك، والحكم فيها: أن المالك إن لم يقصد به شيئاً بعد الكسر كان في وجوب زكاته- على قولنا: لا زكاة فيه- في حال صحته قولان: قال البندنيجي: أحدهما- وهو ما يقتضيه نصه في "الأم"-: عدم الوجوب والثاني- وهو الذي يقتضيه تعليله في القديم-: الوجوب؛ ولأجل ذلك قال في "البيان": إن الأول هو الجديد، والثاني هو القديم. وقال في "الحاوي": إن الذي نص عليه الشافعي منهما الأول، والثاني قاله الأصحاب وبه جزم الفوراني وبعضهم أثبت الخلاف في المسألة وجهين. وإن قصد المالك بعد كسره إعادته إلى ما كان عليه، ففيه طريقان: إحداهما- وهي التي أوردها البندنيجي، وابن الصباغ، وأبو الطيب-: أنه كالصحيح؛ ففي زكاته القولان. والثانية: إلحاق ذلك بالحالة قبلها. وعند الاختصار يجيء في مجموع المسألة أربعة أوجه: أحدها: الوجوب مطلقاً. والثاني: المنع مطلقاً. والثالث: الوجوب فيما إذا لم يمكن الانتفاع به إلا بعد تجديد سبكه وعدمه، فيما إذا أمكن بدون ذلك. والرابع: الوجوب عند عدم قصد الإعادة، والمنع عند وجود القصد. وعلى هذا: لو لم يشعر به المالك إلا بعد سنة فقصد الإصلاح فوجهان: الأصح في "الوسيط": عدم الوجوب. ولا خلاف فيما إذا قصد جعله تبراً أو دراهم في الوجوب؛ لأن بهذا القصد تبين أنه كان مرصداً له.

стр. 2522

وقصد الاستعمال المباح والمحرم والمكروه والقنية وغيره إذا طرأ في أثناء الحول كالمقارن بالنسبة إلى وجوب الزكاة وعدمها من حين طروء القصد، لا بعده صرح به الأصحاب. قال الإمام: وقد جرى في أثناء كلام صاحب "التقريب" ما يدل على أن الحلي المباح على قول إسقاط الزكاة فيه لا يعود إلى الحول ما لم يقصد صاحبه رده إلى التبرية حتى لو قصد إمساكه حلياً من غير كسر فلا زكاة. وقد آن ذكر ما هو مباح الاستعمال من الحلي، والمحرم منه، والمكروه؛ إذ به يحصل ثمرة ما تقدم، فنقول: الحلي- بفتح الحاء وإسكان اللام-: مفرد، وجمعه: حُلُّي بضم الحاء وكسرها، قرئ بهما في السبع، والأكثرون على الضم، واللام مكسورة الياء مشددة فيهما. وهو ثلاثة أنواع: منه ما يحل للرجال ويحرم على النساء، ومنه ما يحل للنساء ويحرم على الرجال، ومنه ما يستويان فيه من الإباحة والتحريم: فالنوع الأول- ما يحل للرجال خاصة: وهو المنطقة المفضضة، والسيف الذي قبضته ونصله وحلقته فضة، وكذا كل سلاح مباح حلي بالفضة، مثل: السهم، والرمح، والطير، وما أشبه ذلك، والدرع، والجوشن، والخوذة، والخف. وهل يلتحق بذلك تحلية لجم الخيل، والسرج والمقود، ونحو ذلك مما يحلى به الفرس من الفضة؟ فيه وجهان: المنسوب منهما لابن سلمة: الحل. وفي "المهذب": نسبة مقابله إلى النص. وغيره قال: إنه الذي يقتضيه نص الشافعي، وإليه ذهب ابن سريج، وأبو إسحاق، وعامة أصحابنا؛ لأن ذلك حلية للفرس لا لراكبه، بخلاف ما ذكرناه فإنه حلية للراكب، وإنما قالوا: إن ذلك هو الذي يقتضيه النص؛ لأنه نص في "المختصر" على أنه: "إذا كان له فضة ملطوخة على لجام فعليه إخراج الصدقة عنها"، وهكذا ذكر في "البويطي"، ومذهبه فيه أن

стр. 2523

الحلي المباح لا زكاة فيه؛ فدل على أن ذلك محرم. قال الرافعي: "ورأيت كثيراً من الأئمة قطعوا في تصانيفهم بتحريم القلادة للدابة. وهذا يكون وجهاً ثالثاً في المسألة، وقد أجري الخلاف في الركاب وفي برة الناقة من الفضة. قال في "الذخائر": ولا يجوز تحلية لجام البغلة والحمار وجهاً واحداً، وكذا السرج؛ فإنهما لا يعدان للحرب. وقد ألحق بعض المراوزة سكين المهنة بسكين الحرب، وأجراه في "التهذيب" في سكين الداوة والمقارض، وهو الذي أجاب به الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر". قال الإمام: وعلى هذا الخلاف يثور عندي اختلاف في النساء، فإن رأينا في حق الرجال أن يلحق سكين المهنة بآلات الحرب- منعناها النسوة، وإن قطعناها عن آلات الحرب-[أي] فحرمناها على الرجال- ففيه احتمال في حق النساء، والذي أورده العراقيون والمحققون: المنع في حق الرجال. وهذا كله في المحلى بالفضة كما ذكرنا، أما لو حلي بالذهب فهو حرام عند الفريقين، لما روي أنه ﵇ "خرج يوماً وعلى إحدى يديه قطعة ذهب، وعلى الأخرى قطعة حرير، وقال: هما حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم. نعم، ترددوا في مسألتين: إحداهما: اتخاذ سنة أو سنتين من الذهب لخاتم من الفضة، هل يجوز؟

стр. 2524

الذي أورده الأكثرون: لا. وقال الإمام من عند نفسه: لا يبعد تشبيه القليل منه بالضبة الصغيرة في الأواني، وتطريف الثوب بالحرير. قال الرافعي: وللأكثرين أن يقولوا: الخاتم ألزم للشخص، واستعماله أدوم؛ فجاز الفرق بين أسنانه وبين الضبة. وأما التطريف بالحرير فأمر الحرير أهون؛ لأن الخيلاء فيه أدنى. الثانية: تمويه حلي الفضة السائغ استعماله بذهب لا يتحصل منه شيء عند العرض على النار، والمذكور في "الوسيط": الجواز، ومقابله هو الذي أجاب به العراقيون هنا. وما عدا ما ذكرناه ونحوه من حلي الذهب حرام إلا المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره للضرورة كما سنذكره، ومن الفضة يجوز منه الخاتم كما سنذكره؛ لأنه ﵇ "كان له خاتمُ من فضَّةٍ منقوشُ عليه: محمَّدُ رسول الله"، وما عداه لا يجوز عند الجمهور. وفي "التتمة": أنه إذا جاز للرجل التختم بالفضة فلا فرق بين الأصابع وسائر الأعضاء، كحلي الذهب في حق النساء، فيجوز للرجل لبس الدملج في العضد، والطوق في العنق، والسوار في اليد وغيرها. وبهذا أجاب الغزالي في "الفتاوى"، وقال: لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني، وتحريم الحلي على وجه يتضمن التشبه بالنساء، [وقد استدل الأصحاب على تحريم تحلية آلات الحرب بالذهب والفضة على النساء، بأن في استعمالهن لها تشبيهاً بالرجال.

стр. 2525

واعترض عليهم صاحب "المعتمد"، وقال: آلات الحرب من غير أن تكون محلاة إما أن يجوز للنساء استعمالها ولبسها أو لا يجوز، الثاني: باطل؛ لأن كونه من ملابس الرجال لا يقتضي التحريم، إنما يقتضي الكراهة؛ ألا تراه قال في "الأم": "ولا أكره للرجال لبس اللؤلؤ إلا للأدب، وأنه من زينة النساء، لا للتحريم"، فلم يحرم زي النساء على الرجال، وإنما كرهه، وكذلك حكم العكس، وأيضاً: فإن الحرب جائز للنساء في الجملة، وفي تجويز الحرب تجويز استعمال آلات الحرب، وإذا ثبت جواز استعمالها وهي غير محلاة فمحلاة أولى؛ لأن التحلي لهن أجوز منه للرجال، وبتقدير ألا يجوز لهن استعمالها وهي غير محلاة فلا يكون التحريم بأسباب التحلية؛ فلا يحسن تعليقه بها. قلت: لكن لقائل أن يقول: النسوة إنما أبيح لهن التحلية لما فيها من التزين الحامل لأزواجهن على الاستمتاع بهن وهو في حالة الحرب لا يليق بهن لكونه داعياً إلى ذلك في حق الأجانب؛ فلا يسلم رجحانه على الرجال بل هن دونهم فيه، وقد ادعى في "الروضة": أن تشبه الرجال بالنساء وعكسه حرام؛ للحديث الصحيح: "لععن الله المتشبهين بالنساء من الرجال، والمتشبهات بالرجال من النساء" [وأما ما نصه في "الأم" فليس مخالفاً لهذا؛ لأن مراده أنه من جنس زي النساء]. والنوع الثاني- ما يحل للنساء خاصة: وهو: التاج الذي جرت عادة النسوة به، والطوق، [والدملج والأسورة المعتادة] من الذهب والفضة، والحلق في الأصابع من الذهب، وفي الأذنين
следующие страницы →