← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

أحدهما – وهو الذي صححه -: اللزوم. ومقابله، قال: إنه ظاهر ما نقله المزني، وهو الذي صححه صاحب "التهذيب" وغيره؛ كما قال الرافعي. وقال في "البحر": إن الوجهين جاريان فيما لو قال: لله علي أن أعتكف، ونوى عشرة أيام، هل يلزمه العشر أم لا؟ وجزم الإمام بأنه إذا نوى [التتابع لزمه، وكذا إذا نوى] عند إطلاق لفظ "اليوم" الليلة معه، تلزمه. واعلم أن قول الشيخ: "وإن نذر اعتكاف يومين [متتابعين، لزمه اعتكاف يومين متتابعين] يفهم أنه إذا نذر اعتكاف يومين] ولم يذكر التتابع، ولا نواه – أنه لا يلزمه التتابع فيهما، هو نظير ما حكيناه عن النص فيما إذا نذر اعتكاف شهر وعشرة أيام: أنه لا يلزمه التتابع في ذلك، وقضية ما حكيناه عن ابن سريج من لزوم التتابع في ذلك: أنه يلزمه في اليومين. وقد صرح القاضي الحسين بالخلاف في هذه الصورة أيضاً، ونسب وجوب التتابع إلى ابن سريج، وهو قضية ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب وغيره من تصوير محل الوجهين في وجوب اعتكاف الليلة بين اليومين إذا قال: لله علي أن أعتكف يومين. وقد قيل: إن ابن سريج إنما خرج وجوب التتابع في الشهر عند إطلاق [نذر] اعتكاف شهر من نص الشافعي على أنه إذا نذر اعتكاف يومين، فإنه يلزمه يومان فيما بينهما ليلة، فلولا أنه يلزمه التتابع، وإلا لما أوجب الليلة، حتى يتصل اليومان بعضهما ببعض، لكن مقتضى ذلك بهذا التقدير أن يكون الصحيح عند القاضي أبي الطيب وغيره ممن ذكرناه: وجوب التتابع في اليومين عند إطلاق نذرهما؛ لان الصحيح عندهم وجوب الليلة بينهما، وقضية ذلك أن يطرد في إطلاق نذر اعتكاف

стр. 3047

عشرة أيام وشهر، وقد حكينا عن القاضي أبي الطيب وغيره القطع بعدم لزوم التتابع في ذلك، وهذا يدل على ضعف هذه الطريقة وتصحيح الطريقة التي اقتصر الشيخ على حكايتها، وهي أن محل الوجهين في لزوم اعتكاف الليلة بين اليومين؛ إذا شرط التتابع فيهما، والله أعلم. فرع: إذا عين زماناً للاعتكاف بنذره، مثل: أن قال: لله علي أن أعتكف يوم كذا، أو: شهر كذا، وكان يأتي في مستقبل الزمان – [تعين] كما جزم به بعضهم، وصححه آخرون. وقال في "الوسيط": إنه المذهب؛ كما في الصوم. أي: فإن المذهب فيه: التعيين وإن كان فيه وجه: أنه لا يتعين [له] الزمان؛ كما لا يتعين لنذر الصلاة والصدقة؛ كذا حكاه الإمام، ثم قال: وهذا الوجه يجري في الاعتكاف، ولا تفريع عليه. وإذا قلنا بالمذهب، فلا يجوز التقدم عليه ولا التأخر عنه من غير عذر، فلو فات، قال في "الوسيط": فالظاهر وجوب القضاء، وقيل لا يجب؛ لأنه [تعذر الملتزم وهو باطل بالصوم. وعني بذلك: أن الصوم إذا فاته وقد نذره، وجب قضاؤه، وإن كان قد] تعذر الملتزم فبطلت هذه العلة. وهذا مخصوص بما إذا كان الفوات بغير عذر وألا فقد حكى في كتاب النذر فيما لو نذر حج سنة، وامتنع لعذر في القضاء – خلاف كما في الصوم، وصرح به القاضي الحسين هنا؛ وحينئذ فيمكن أن نقول: الوجه المحكي في عدم وجوب قضاء الاعتكاف فيما إذا كان الفوات بعذر، ويؤيده أن القاضيين: أبا الطيب، والحسين حكياه في مثل ذلك حيث قالا: لو نذر أن يعتكف يوم يقدم فلان، [فقدم] والناذر مريض أو محبوس أي: ظلماً، ثم عوي وأطلق فالنص: وجوب قضائه.

стр. 3048

وحكى القاضي أبو حامد: أن في المسألة وجهاً آخر: أن القاضي يسقط؛ وإذا كان كذلك؛ فلا يبطل بالصوم، والله أعلم. قال: وإن نذر اعتكاف مدة متتابعة، فخرج – أي: من المعتكف – لما لابد [له] منه: كالأكل والشرب، وقضاء [حاجة الإنسان]، والحيض، والمرض، وقضاء العدة، وأداء شهادةٍ تعينت عليه- لم يبطل اعتكافه؛ لأن الخروج لبعض هذه الأشياء مستثني بالشرع، والبعض مستثنى بالعرف؛ فلم يبطل؛ كالمستثنى باللفظ. قال الغزالي: وأعلى ذلك الخروج لقضاء حاجة الإنسان؛ فإنه لتكرره مستثنى بحكم الجبله، وقد استدل له بعضهم بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ [إذا اعتكف] يدني إلى رأسه، فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان". انتهى. قال: وما عداه مقس عليه. وفيه نظر؛ لأن الكلام في الاعتكاف المنذور فيه التتابع، واعتكافه –﵇ – لم يكن كذلك، بل لم يكن منذوراً؛ فكيف يحسن التمسك بفعله فيه؟ نعم قد يقال في جوابه: إنه – ﵇ – كان إذا فعل شيئاً داوم عليه، وقد كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ فصار ذلك كالمنذور في حق غيره؛ ولذلك لما لم يعتكف فيه في سنة، قضاه في شوال. وقد انتظم كلام الشيخ صوراً لا تخلو واحدة منها عن خلاف: إما في الأصل، أو باعتبار الوصف، وليقع الكلام في ذلك بعد بيان ما المراد بالخروج؟ وإلى أين؟ فالمارد بالخروج: أن يخرج بكل البدن عن كل المسجد إلى منزله فيما عدا أداء الشهادة- وما في معناه مما سنذكره – فإنه يكون إلى مجلس القاضي. واحترزنا بالخروج بكل البدن عن إخراج بعضه منه وباقيه فيه؛ فإنه لا يبطل وإن كان لغير ما ذكرناه، ويدل عليه الخبر.

стр. 3049

وبقولنا: "عن كل المسجد"، عما إذا صعد المنارة للأذان وغيره، وسيأتي الكلام فيه. فالأولى- الخروج للأكل: والمشهور فيه، وهو الأظهر عند الأكثرين: ما ذكره الشيخ، ولم يحك أبو الطيب غيره، وعزاه البندنيجي وغيره إلى أبي إسحاق المروزي والروياني إلى نصه في "الإملاء" وفي عبارته في "المختصر" ما يدل عليه. ووجهه الأصحاب بأن فعله في المسجد يناقض المروءة، وقد يختار أن يخفي جنس قوته، وقد يكون في المسجد غيره فيشق عليه الأكل دونه، وإن أكل معه لم يكفهما. وعن ابن سريج وأبي الطيب بن سلمة: أن الخروج لأجل الأكل مبطل، وهو الذي صححه القاضي الحسين في موضع من "تعليقه"، ورآه الإمام والبغوي أظهر؛ لأنه يمكنه الأكل في المسجد، وقد قال الشافعي: وينصب المعتكف المائدة، ويأكل، وأما قولهم: إنه يحتشم من الأكل في المسجد، فقد يحتشم من النوم بين يدي الناس كما في الأكل، ولا يجوز الخروج له. وحكى القاضي في موضع آخر في ضمن فرع: أنه إن كان سخياً، و [كان] في طعامه سعة، أكل فيا لمسجد ووضع المائدة يهن وإن كان بخيلاً، أو في طعامه قلة، فله أن يعود إلى داره؛ لأن أكله في المسجد سخف ودناءة. وكما منع ابن سريج وابن سلمة الخروج للأكل منعاه من أن يقيم لأجله وقد خرج لقضاء حاجته. نعم: لو أكل لقمة أو لقمتين، فلا بأس، وعلى هذه الحالة حملا قول الشافعي: "ويخرج المعتكف للغائط والبول إلى منزله وإن بعد فإن أكل فيه فلا بأس". قال القاضي الحسين: وهذا ما قاله أصحابنا، ولم يحك في الإبانة غيره، وهو قضية كلام "الوسيط" وقال الماوردي: إنه غلط. ثم حيث قلنا: لا يخرج للأكل، أو قلنا: يخرج له، فاختار الأكل في المسجد – كان

стр. 3050

له وضع المائدة فيه وغسل يديه في الطَّسْت، فإن غسل بغير طست، كره ذلك، وكذلك الوضوء في الطست، ويكره في غير الطست. ثم حيث قلنا: يجوز الخروج للأكل فذاك إذا كان منزله قريباً، فلو بعد أو كان له منزلان قريب وبعيد فسيأتي الكلام فيه عند الخروج لقضاء الحاجة؛ فإن القاضي أبا الطيب سوى بينهما في ذلك. والثانية – الخروج للشرب: وقد ألحقه الشيخ بالخروج للأكل، وهو وجه حكاه الماوردي؛ فعلى هذا يكون الحكم فيه كما تقدم. ومنهم من منع الخروج لأجله مع القدرة عليه في المسجد، بخلاف الأكل لأن في الأكل في المسجد بذلة ليست في شرب الماء، ولان استطعام الطعام مكروه، واستسقاء الماء ليس بمكروه، وقد استسقى رسول الله ﷺ الماء، ولم يستطعم الطعام؛ وهذا ما ادَّعى الرافعي: أنه أصح، وأن كلام الشيخ ينبغي أن يؤول، وعني بذلك: أنه يؤول على ما لو اشتد به العطش، وعدم الماء في المسجد فإنه يجوز له الخروج لأجله بلا خلاف؛ كما صرح به الماوردي وغيره. والثالثة – الخروج لقضاء [حاجة الإنسان]: وهو الخروج لإزالة الغائط والبول؛ كذا فسره الزهري راوي الحديث. وهو مجمع على جواز الخروج له؛ كما قال في "الحاوي": ولا يشترط في جوازه إرهاق الطبيعة، وشدة الحاجة. والمشهور: أنه لا فرق بين أن يتكرر خروجه لذلك زائداً على العادة أو لا، ولا بين أن يقرب منزله من المسجد أو لا. وقيل: إن تكرر، أو بعد المنزل، ففي قطعه التتابع وجهان حكاهما المراوزة، وقالوا: إن المرجع في القرب والبعد إلى العرف. وادعى البندنيجي والروياني: أن المذهب فيمن بعد منزله وتفاحش بعده: أنه لا

стр. 3051

يجوز له الخروج، وأن المزني نقل أنه جائز وإن بعد، ولا يعرف للشافعي. وهما في ذلك تبع للشيخ أبي حامد، ويوافقه قول القاضي الحسين: قال أصحابنا: لم يقل الشافعي: وإن بعد، وإنما يكون له ذلك إذا لم يخرج عن العادة، وما نقله المزني هو ما اورده الماوردي لا غير. ثم لا فرق حيث لا يقطع الخروج لأجل ذلك التتابع بين أن يكون في المسجد سقاية أو لا، ولا بين أن يكون بين منزله والمسجد منزل صديق له يمكنه قضاء الحاجة فيه أو لا، نعم: إذا قلنا: إن الخروج للمنزل البعيد لا يضر فلو كان بينه وبين المسجد منزل آخر له، فهل لا يجوز الخروج للأبعد ويقطع التتابع، أو يجوز ولا يقطعه؟ فيه وجهان: الذي حكاه ابن أبي هريرة: الثاني، قال القاضي الحسين: وهو الذي يدل عليه ظاهر ما نقله المزني. قال الماوردي: والذي ذكره غيره من الأصحاب: [الأول] وهو الأصح في "الشامل" وغيره. قال القاضي الحسين: والخلاف في المسألة يتخرج على ما إذا كان للمسافر طريقان يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فسلك الأبعد لغير غرض – هل يقصر أم لا؟ وفيه قولان. ثم قال بعد ذلك: ولو كانت داره بعيدة من المسجد، فوجد موضعاً يقضي فيه حاجته أقرب من منزله – فإنه ينظر: فإن كان ذا مروءة، فخرج إلى منزله فهل يبطل اعتكافه؟ فيه وهان، وإن لم يكن ذا مروءة، فوجه واحد: يبطل اعتكافه. والرابعة – الخروج لأجل الحيض: وإنما جاز؛ لأنه مناف له؛ فإن المقام في المسجد نفس العبادة في الاعتكاف، وهو محرم عليها. وقد اقتضى كلام الشيخ: أنه لا فرق فيه بين أن يكون زمن الاعتكاف معيناً بالنذر أو مطلقاً وهو مما يغلب وقوع الحيض فيه؛ كما إذا نذرت اعتكاف شهر مثلاً، أو

стр. 3052

يمكن الدخول فيه بحيث يقطع بعدم طرآن الحيض فيه؛ كما إذا نذرت خمسة عشر يوماً فما دونها، والمشهور في الحالة الأولى والثانية ما اقتضاه كلامه، وأما في الحالة الثالثة ففي قطع الخروج لأجله - إذا طرأ وقد شرعت فيه - التتابع، فيه وجهان حكاهما الإمام [وغيره]، وقال المسعودي وغيره: هما قولان. وهما مأخوذان من القولين في أنه هل يبطل التتابع بالحيض في صوم كفارة اليمين إذا شرطنا التتابع فيه؟ والمذكور منهما في "تعليق" البندنيجي في مسألتنا: الإبطال، وهو الأظهر في "الرافعي". وقد عكس الفوراني ذلك، فقال: إن كان ما نذرته يمكن الشروع فيه في زمن يتحقق معه الخلو عن الحيض، فإذا شرعت يه في زمن يطرأ عليها الحيض فيه، أبطله وإن كان ما نذرته زماناً طويلاً لا يخلو عن الحيض غالباً: كالشهر، فهل يقطع الحيض التتابع أم لا.؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يقطعن لم يتصور أن تخرج عن النذر إلا إذا أيست. والخروج عند طرآن الجنابة عليه من غير اختياره ملحق بالخروج لأجل الحيض؛ لأجل منافاته للاعتكاف؛ ولذلك لم يذكره الشيخ، ولا يجري فيه الخلاف المذكور في الحيض. نعم، اختلفوا في أنه هل يجوز له الاغتسال من الجنابة في المسجد على وجهين: أحدهما: أنه إذا كان في صدر المسجد وفيه ما تيسر الاغتسال منه، ومدة تخطيه المسجد إلى الخروج تزيد على زمن اغتساله - فيباح له الغسل في المسجد، ويجوز له الخروج على هذا؛ لأجل الغسل، وهو الأولى في حقه. والثاني - وهو الصحيح:- المنع من الاغتسال فيه؛ وقاية للمسجد أن يتخذ موطناً للجنابة، والمباح له العبور خاصة وهو غير معقول المعنى؛ فلذلك لم يجز أن يخرج على ما سواه، وفي الاغتسال تعريضات وتعريجات لأمور لابد منها من أخذ الماء وتهيئة أسباب الغسل. فإن قيل: سيأتي فيما إذا باشر فيما دون الفرج فأنزل حكاية وجهين في بطلان اعتكافه، فمن قال بأن اعتكافه لا يفسد قائل بأن الجنابة غير منافية للاعتكاف؛ لأنه

стр. 3053

بالإنزال صار جنباً ومع ذلك لم يفسد اعتكافه، ولو كانت منافية له لأفسدته. قلنا: لأجل ذلك حكى القاضي الحسين وجهين في أن الجنابة: هل تنافي الاعتكاف، أم لا؟ وإنا إذا قلنا بأنها تنافيه، فأقام، بطل على الأصح. وقد حمل الإمام قول من صار إلى أنه لا يفسد بالمباشرة إذا اتصل بها الإنزال على أنه يجوز الاعتكاف في حال المرور، وأنه يجوز للجنب حضور المسجد مجتازاً، وإنا إن جرينا على ذلك، وفرضنا إنزالاً واشتغالاً على أثره بالاغتسال من عين في المسجد - فالجنابة لا تحرم هذا الكون، واللحظة الواحدة قريبة فلا يخرج الكون فيها عن موضوع الاعتكاف، فأما فرض المكث في المسجد مع الجنابة، فالذي أراه: إن تحقق لا نستجيز الحكم بكونه اعتكافاً صحيحاً، على أنا فيما ذكرناه على تكلف؛ فإن عبور الجنب في حكم المسوغات، ولا يجوز أن يقع في رتب القربات. ولا يسوغ الخروج لأجل تجديد الوضوء بحال، فإن فعله أبطل وكذلك لو كان فرضاً على أظهر الوجهين؛ لأنه يمكنه في المسجد من غير كلفة. والخامسة - الخروج لأجل المرض: وهو الذي يخاف معه تلويث المسجد: كالقيام المتداول، وسلسل البول، والإغماء، والجنون، ونحو ذلك، دون المرض اليسير الذي يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة: كالحمى اليسيرة، والصداع اليسير، فإنه لا يباح بذلك الخروج، فإن خرج انقطع تتابعه. والمرض الذي يؤمن فيه التلويث، لكن يشق معه المقام في المسجد، ويحتاج فيه إلى الفرش والطست، فيجوز به الخروج، وهل يقطع التتابع؟ قال ابن الصباغ: ظاهر قول الشافعي أي: في "المختصر":- أنه إذا برأ منه بني

стр. 3054

واختاره في "المرشد". ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالخروج لصوم التتابع بعذر المرض هل يقطعه؟ وعن الشيخ أبي زيد: أنه أجراهما في الضرب الأول. قال الماوردي: وفي معنى الخروج بالمرض ما إذا خرج خوفاً من حريق أو لص. وطرآن الاستحاضة، لا يجوز الخروج إذا أمن معها تلويث المسجد، قال الماوردي: لأنها لا تمنع من المقام في المسجد، وقد روى أبو داود عن عائشة قالت: اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه، وكانت ترى الصفرة والحمرة، فربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي، وأخرجه البخاري. قلت: وفي هذا دليل على جواز إخراج الدم في طست في المسجد؛ ولأجل ذلك جزم ابن الصباغ القول بأنه يجوز له الفصد والحجامة في المسجد. وإن أبدى احتمالين في جواز البول في يطست في المسجد، وفرق على أحدهما بأن البول مما يستخفى به، ويستقبح في المسجد. لكن البندنيجي سوَّى بين البول والفصد والحجامة، وقال: إنه لا يجوز فعل واحد منها في المسجد. والسادسة – الخروج لأجل قضاء العدة: وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه الشافعي، ولم يورد الماوردي غيره، وقد حكى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: انه نص على أن من لم يتعين عليه تحمل شهادة، وتعين عليه أداؤها، فخرج لأجل ذلك: أن تتابعه ينقطع، وان الأصحاب اختلفوا لأجل ذلك في المسألتين على طريقين: أحداهما –قالها ابن سريج – أن فيهما قولين:

стр. 3055

أحدهما: أنه ينقطع التتابع فيهما؛ لأن المرأة والشاهد قد كان يمكنهما الاحتراز من الخروج؛ [ألا تتزوج المرأة، ولا يتحمل الشاهد الشهادة؛ فاختيارهما السبب المؤدي إلى الخروج] كاختيارهما الخروج. والثاني: لا ينقطع فيهما؛ لأنهما خرجا لأمر وجب عليهما، ولم يكن لهما منه بد. وهذه الطريقة لم يحك الفوراني غيرها. والثانية – ذكرها أبو إسحاق-: وهي إجراء النصين على ظاهرهما، وفرق بوجهين: أحدهما: أن الشاهد لم يتعين عليه التحمل، ولا اضطر إليه، فلما فعله كان مختاراً للخروج، والمرأة لابد لها من زوج؛ هي مضطرة إليه لأجل النفقة وغيرها. والثاني: أن التحمل إنما يراد للأداء فهو الذي ورط نفسه فيه، وأما النكاح فلا يراد للطلاق الموجب للعدة، وإنما يراد للدوام؛ فلم تكن مختارة للعدة فيه. ومما ذكرناه يفهم أن محل الخلاف إذا كانت قد تزوجت بإذنها، فلو كانت مجبرة فلا يقطع. قال القاضي أبو الطيب وكذا الماوردي: وهذا إذا لم يكن طلاقها موكولاً إليها، فإن كان؛ بأن قال: وكلتك في طلاقك، فطلقت نفسها، وخرجت للعدة- انقطع اعتكافها. وقال الفوراني: إن محل الخلاف فيها إذا لم يكن الزوج قد أذن لها في اعتكاف مدة مقدرة، أما إذا كان قد أذن لها في اعتكاف عشرة أيام – مثلاً – فمات قبل انقضائها، انبنى على قولين في أن لها أن تقيم إلى انقضائها أم لا؟ فإن قلنا: لها أن تقيم: فخرجت، بطل قولاً واحداً وإلا جاء القولان. والسابعة- الخروج لأداء شهادة تعينت ليه: ولا خلاف – [كما] قال القاضي أبو الطيب – في أنه إذا كان قد تعين عليه التحمل والأداء، وخرج للأداء: أنه لا ينقطع تتابعه، وعلى هذه الحالة يمكن ان يحمل كلام الشيخ، أما إذا كان قد تعين عليه الأداء دون التحمل، فقد حكينا أن النص

стр. 3056

خلافه، وما قيل فيه من التخريج. وفي "الحاوي" في هذه الصورة القطع بالإبطال، وأنه إذا تعين عليه التحمل والأداء لا ينقطع تتابعه، وأن من أصحابنا من قال: إنه ينقطع؛ لأن القاضي قد يقدر على المجيء إليه، ويسمع كلامه، وهو في "تعليق" القاضي الحسين أيضاً. ولو تعين عليه التحمل دون الأداء، فخرج للأداء، انقطع تتابعه؛ كما لو لم يتعين التحمل ولا الأداء. وقال القاضي الحسين: إن فيه وجهاً: أنه لا يفسد؛ لأن التحمل لم يكن باختياره؛ فأشبه ما لو كان قد تعين عليه التحمل والأداء. قال الأصحاب: وفي معنى الخروج لأداء الشهادة- وقد تعين عليه الأداء دون التحمل – الخروج لإقامة الحد عليه؛ فيجيء فيه الطريقان: أحداهما – طريقة أبي إسحاق -:القطع بأنه ينقطع. والثانية- طريقة ابن سريج -: تَخَرُّجُهُ على وجهين؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب. وخص في "المهذب" محل الوجهين بما إذا ثبت موجب الحد بالبينة، وقال فيما [إذا] ثبت بإقراره: إنه ينقطع وجهاً واحداً؛ لأنه خرج باختياره؛ وعلى ذلك جرى الرافعي. وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه اختار في المسألة أنه لا ينقطع وجهاً واحداً، وإن كان الفعل الموجب للحد وقع باختياره؛ لأنه لم يختر أن يقام عليه الحد؛ فخروجه بغير اختياره. وهذه الطريقة لم يورد الماوردي غيرها، وحكاها عند الكلام في أن السكر: هل يبطل الاعتكاف أم لا؟ عن النص، وكذا حكاه [ابن] الصباغ والقاضي الحسين؛ ولأجله ادعى البندنيجي أن المذهب عدم الإبطال؛ وبذلك يتحصل في المسألة ثلاث طرق، ومحل الجواز إذا لم يكن موجب الحد قد فعله بعد الاعتكاف كما سنذكره. ولا خلاف في أنه إذا اعتكف في رباط ثم جاء نفير وجب عليه ان يخرج، فإذا ذهب النفير، رجع وأتم، وقد حكاه القاضي الحسين عن نصه في "البويطي".

стр. 3057

فائدة: حيث قلنا: لا ينقطع تتابعه بالخروج؛ لما ذكرناه، فهل يحكم في حال خروجه [بكونه] معتكفاً؛ سحباً لما مضى عليه أو لا [كما] قلنا فيما إذا خرج لقضاء الحاجة؟ وجهان، أصحهما: الأول، ولا يجريان في غيره؛ كما قال الرافعي، بل هو في حال خروجه غير معتكف؛ ولهذا يجب قضاء زمان الخروج، [بخلاف زمان الخروج] لقضاء الحاجة؛ فإنه لا يجب قضاؤه على الوجهين؛ لأن ذلك الزمن إذا قلنا: إنه غير معتكف فيه مستثنى شرعاً، وكذا على الوجهين، لا يحتاج عند العود من قضاء الحاجة إلى تجديد النية: أما على القول الصحيح فظاهر، وأما على مقابله؛ فلأن شرط التتابع في الابتداء رابطة تجمع ما سوى ذلك من الأوقات. ومنهم من قال: إن طال الزمان، ففي وجوب التجديد وجهان؛ كما لو أراد البناء على الوضوء بعد التفريق الكثير. قال الرافعي: وفي معنى الخروج لقضاء الحاجة في عدم الاحتياج إلى تجديد النية، الخروج لكل ما لابد منه. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يسرع في حال خروجه لما لابد له منه وحال عوده إلى المسجد، أو يمشي على سجيته المعهودة. نعم، لو تأنى أكثر من عادته، بطل اعتكافه على المذهب؛ كما قال في "البحر". قال: وإن خرج لما له [بد منه]: من زيارة، أي: زيارة قريب أو صديق قادم، وعيادة، أي: عيادة مريض، وصلاة جمعة – بطل اعتكافه؛ لاستغنائه عن ذلك، وقد روى أبوداود عن عائشة [أنها] قالت: "السنة على المعتكف ألاًّ يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه". قال أبو داود: وغير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: "قالت: السنة"، وقد أخرجه النسائي من حديث يونس بن زيد، وليس فيه: "قالت: السنة". قال: إلا أنا يكون قد شرط ذلك في نذره، فلا يضره؛ لقوله – ﵇ –

стр. 3058

"المؤمنون عند شروطهم"، ولأن الاعتكاف يصح مع الخروج شرعاً للغائط والبول؛ فكذلك يصح معه شرطاً. وعن صاحب "التقريب" والحناطي حكاية قول آخر: أنه لا يصح؛ لأنه شرط يخالف مقتضى الاعتكاف المتتابع؛ فيلغو؛ كما لو شرط أن يخرج للجماع؛ فإنه يلغو الشرط بلا خلاف حتى يكون خروجه له كخروجه بغير شرط؛ كما حكاه الماوردي والبندنيجي وغيرهما، والصحيح الأول، وهو الذي اقتصر على إيراده الجمهور، [و] قالوا: ويخالف ما إذا شرط الخروج من الحج؛ حيث لا يعتبر على قول يأتي؛ فإنه يلزم بالشروع؛ فيصير كالواجب بأصل الشرع. وصورة شرط الخروج أن يقول: لله علي أن أعتكف شهراً متتابعاً، بشرط أن أخرج لما يعرض لي من زيارة قادم، وعيادة مريض، وصلاة جمعة، ونحو ذلك، أو يقول: إن عرض لي عارض خرجت له. فإذا عرض له عارض، وهوكل شغل ديني او دنيوي، [لا كالنظارة والتنزه]، فخرج له – لم يضره، ويجب عليه عند انقضائه العود إلى الاعتكاف، وهذا بخلاف ما لو شرط: إن عرض له عارض قطع الاعتكاف؛ فإنه يصح – أيضاً – ولا يجب إذا خرج لأجل العارض العود بعد زواله؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره. والفرق: أن الخروج لا يمنع البناء متى عاد، وقعط الاعتكاف يمنع من البناء، ويوجب الاستئناف، وكأنه إنما نذر مدة مقامه قبل عروض العارض. ثم إذا عاد بعد الخروج الذي شرطه، هل يجب عليه تجدي النية؟ فيه خلاف ذكره أبو علي، والأظهر: المنع، ولا يعتد له بحال خروجه من مدة الاعتكاف الذي نذره إلا أن يكون الزمن معيناً. وقد ألحق الأصحاب الاشتراط في الصلاة والصوم بالاعتكاف؛ قاله أبو الطيب وغيره، وعبارة البندنيجي: أنه إذا شرط شرطاً لا ينافي الاعتكاف: كقوله: إن عنَّ لي سفر أو عرض لي مرض خرجت، كان علي [ما] شرط.

стр. 3059

قال أبو إسحاق: وهكذا الاستثناء في الصيام والصدقة [إذا قال]: أصوم شعبان إلا أن أمرض، أو يعنَّ لي سفر، فيكون على ما شرط، وكذلك الصدقة، إذا قال: أتصدق في كل شهر بدرهم إلا أن يولد لي ولد، وهكذا كل عبادة لا تلزم بالدخول فيها. وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر: أنه يلزمه في الصوم [و] الصدقة، ولا يجوز له الخروج منه ولا [عدم] الإنفاق، بخلاف الاعتكاف؛ لأنه إذا خرج من الاعتكاف لعارضن لا يبطل ما مضى، بخلاف الصوم والصدقة؛ فإن ذلك يبطلهما. وفي الرافعي: أن بعضهم قال في نذر الصلاة والصوم: إذا شرط [فيه] أن يخرج عند عروض عارض-: إنه لا يصح الشرط، ولا ينعقد النذر، بخلاف الاعتكاف، والفرق ما تقدم. وهو مذكور في "التهذيب" هكذا، وبه يحصل في نذر الصلاة والصدقة إذا شرط الخروج [منه] لعارض ثلاثة أوجه: أصحها: صحة النذر والشرط. والثاني: صحة النذر وإلغاء الشرط. والثالث: إلغاؤهما. وقد اقتضت عبارة القاضي أبي الطيب والبندنيجي السالفة: أنا إذا جوزنا الشرط في الصلاة ونحوها، يكون الحكم كما تقدم في الاعتكاف، [وقد قال الماوردي: إنه إذا شرط القطع فالحكم كما تقدم في الاعتكاف] وإن شرط الخروج فلا يجوز في الصلاة والصوم والحج، و [يجوز في الاعتكاف، والفرق من وجهين: أحدهما: أن الخروج لا ينافي الاعتكاف؛ لأنه قد يخرج لحاجة نفسه، ويعود إلى اعتكافه، وينافي الصلاة والصيام والحج]؛ لأنه لا يجوز الخروج من ذلك والعود إليه لحاجة، ولا لغيرها. والثاني: أن الاعتكاف لا يتقدر بزمان ولا يرتبط بعضه ببعض، بخلاف غيره.

стр. 3060

ولا خلاف في أنه إذا شرط الخروج؛ لأجل الجماع من المعتكف إن عنَّ له، لا يصح هذا الشرط؛ كما قاله البندنيجي، ويوافقه قول الماوردي: إنه إذا شرط ذلك، وخرج، وجامع، بطل اعتكافه، ولزمه استئنافه؛ لأن الشرط ينافي الاعتكاف؛ فبطل، وصار كخروجه بغير شرط. نعم: لو شرط: إن عنَّ له الخروج لقتل نفس بغير حق أو للسرقة، فخرج لذلك- قال الماوردي: ففي بطلان اعتكافه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن اشتراط المعصية كلا اشتراط. والثاني: لا يبطل، وله البناء لأن نذره إنما انعقد على ما سوى مدة الشرط؛ فلم يكن قدر المدة مقصوداً. ولو شرط في نذر الاعتكاف والصلاة والصوم [والصدقة] ونحو ذلك: أن يخرج منها [متى] بدا له، ففي صحة ذلك وجهان، أصحهما – وبه قال الشيخ أبو محمد -: أنه لا يصح؛ لأنه علق الأمر بمجرد الخيرة، وذلك يناقض معنى الإلزام، فلو نذر اعتكافاً متتابعاً، وشرط الخروج مهما أراد، قال الإمام: فهذا ضد التتابع] ويبطل الاستثناء، وشبيه ذلك الشرائط الفاسدة المقترنة بالوقف: [فإنا في مسلك: تبطل الشرط، وننفذ الوقف؛ وفي مسلك:] نبطل الوقف من أصله. وما ذكره الشيخ في الجمعة هو الذي نص عليه الشافعي في عامة كتبه، وقد حكى عن نصه في "البويطي": أنه لا يبطل بالخروج إليها؛ لأنها فرض؛ فكان ملحقاً بما ذكرناه. قال مجلي: وعلى هذا يحتمل أن يقال: له [أن يقيم بقدر سماع الخطبة والصلاة، ولا يزيد. ويحتمل أن يقال: له] أن يفعل مع ذلك السنة كما صار إليه أبو حنيفة، فإن زاد على القدر المشروع، بطل تتابعه. والصحيح: الأول؛ لأنه كان يمكنه

стр. 3061

الاحتراز عن الخروج بالاعتكاف في الجامع، فإذا لم يفعله بطل بخروجه للجمعة؛ كما لو صام في الكفارة المتتابعة شعبان. ومنهم من نفي الخلاف فيه، وقال: نصه في "البويطي" محمول على ما إذا عين مسجداً يعتكف فيه، لا يبطل إذا خرج إلى غيره؛ حكاه القاضي الحسين. ولا خلاف في أنه إذا أحرم بالحج بعد أن دخل المعتكف، وخرج لأجل إتمامه – في بطلان تتابعه؛ لأنه الذي ورّط نفسه فيه. نعم، هل يجوز له الخروج لأجله؟ ينظر: فإن كان وقته واسعاً بحيث يمكنه أن يتم اعتكافه ثم يخرج إليه، لم يخرج؛ وإن كان وقت الحج مضيقاً بحيث إن أتم اعتكافه فاته، وجب عليه الخروج، وانقطع التتابع. وإنما كان كذلك؛ لأن الحج وجب بالشرع، والاعتكاف وجب بالنذر، وتقديم ما وجب بالشرع أولى؛ فلو لم يخرج حتى أتم مدة الاعتكاف برئ منه، وإن كان آثماً بالمكث. تنبيه: [قول الشيخ]: "وإن خرج لما له منه بد" يفهمك أن المسألة مصورة في عيادة المريض بما إذا لم يكن قريباً للميت، أو قريباً له وله من يقوم به، أما إذا كان من ذوي رحمه، وليس له من يقوم به غيره، فهذا مما لابد منه؛ فيكون من القسم الأول، وقد صرح به الماوردي، وقال: إنه مأمور بالخروج لذلك. وكذلك لو لم يكن له من يدفن قريبه الميت غيره، عليه الخروج، فإذا عاد بني على اعتكافه، وفيهما وجه: أنه يستأنفه. قال:- وإن خرج لما لابد له منه، فسأل عن المريض في طريقه، ولم يعرج – جاز؛ لما روت عائشة أن النبي ﷺ [كان] إذا خرج من الاعتكاف يسأل عن المريض مارًّا، ولا يعرِّج عليه، وهذا متفق عليه إذا لم يقف، فإن وقف، وطال

стр. 3062

زمانه، بطل، وإن قصر فوجهان، أو قولان [كما] حكاهما في "التتمة" و"العدة"، والأصح: أنه لا بأس. وادعى الإمام إجماع الأصحاب عليه، ويؤيده أن القاضي الحسين حكى عن النص أن له أن يصلي على الجنازة إذا كانت على الطريق؛ ولأجل ذلك قال الغزالي: إنه لا بأس [بوقفة يسيرة بقدر صلاة الجنازة] [وكذلك لا بأس بالسلام؛ فإنه لا يزيد على قدر صلاة الجنازة]، وقد أجرى في "التتمة" الوجهين فيها أيضاً. وقال في "التهذيب": إن كانت متعينة فلا بأس، وإلا فوجهان، أظهرهما: الجواز. وما قاله في حالة [التعين] ماينبغي أن يخالف فيه؛ لأنه يجوز الخروج

стр. 3063

إليها قصداً عند التعين كما حكاه القاضي الحسين. ولو عرج في طريقه لأجل عيادة المريض يسيراً، فوجهان حكاهما البغوي والمتولي أيضاً، وأصحهما القطع؛ لأنه تشاغل يسير لغير قضاء الحاجة. قال: وإن خرج من المعتكف عامداً، أي: مختاراً، طال زمن خروجه أو قصر، أو جامع في الفرج عامداً، أي: مختاراً في المسجد او زمن خروجه لقضاء الحاجة؛ إما لكونه في هودج، أو لقصر زمانه – بطل اعتكافه: أما في الأولى؛ فلفعله المنافي من غير ضرورة، ولأن الكثير مبطل بالاتفاق، وهو ما [إذا] أقام أكثر من نصف النهار، فنقول: عبادة يبطلها الخروج منها، فاستوى فيه قليله وكثيره؛ كالصلاة [والصوم]. وأما في الثانية؛ فلأنه إن كان في المسجد فقد فعل ما يوجب الخروج؛ فكان كما لو خرج، وإن فعله خارج المسجد في حالة خروجه لقضاء الحاجة، فإن قلنا: إنه معتكف – كما هو الصحيح – فلفعله منافيه من غير ضرورة، وإن قلنا: إنه غير معتكف؛ فلأنَّ وقعه عظيم، فالاشتغال به أوقع من الجلوس ساعة من غير حاجة. ومنهم من قال: لا يفسد؛ لأنه ليس معتكفاً في هذه الحالة، وإن كان الزمان محسوباً من مدة الاعتكاف. أما لو خرج من المعتكف ناسياً للاعتكاف؛ فقد حكى القاضي الحسين عن النص: أنه يعود ويبني، وحكى الغزالي وغيره قولاً آخر: أنه يستأنف والصحيح الأول، ولم يورد أكثرهم غيره. قال القاضي الحسين: ومحله إذا لم يذكره عن قريب، ولم يطل الفصل، فإن طال الفصل، استأنف؛ كالصلاة سواء.

стр. 3064

وحكى في "التتمة" فيما إذا طال الزمان وجهين؛ كما في الأكل الكثير في الصوم ناسياً. ولو جامع ناسياً، لم يضره؛ للخبر المشهور. وقيل: يبطل اعتكافه؛ كما قيل بمثله في الصوم؛ تخريجاً من الحج، وقد تقدمت حكايته في أول الباب. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية طريقة أخرى قاطعة بأن الاعتكاف يفسد به دون الصوم، والفرق: أن في الصوم وجد له أصل قيس عليه، وهو الأكل؛ فإنه فرق فيه بين العمد والسهو؛ فكذلك الوطء، وأما الاعتكاف، فليس له أصل، وهو عبادة حظر فيها الجماع [وغيره]؛ فلم يكن بد من أن يكون للجماع مزية، ولم يوجد إلا هذا، وهو أن يتعلق به الإفساد. ولو لم يخرج نفسه من المعتكف، لكنه أخرجها من الاعتكاف بأن نوى قطع الاعتكاف وهو بعد في المسجد – فالأظهر: أنه لا يبطل، وعنه احترز الشيخ بقوله: "من المعتكف". وقيل: إنه يبطل، والخلاف فيه مشبه بما إذا نوى الخروج من الصوم. وعن بعض المتأخرين: أنه أفتى ببطلان الاعتكاف، بخلاف الصوم، وفرق بأن مصلحة الاعتكاف تعظيم الرب – – كالصلاة، وهي تختلف بنقض [النية]، ومصلحة الصوم قهر النفس، وهي لا تفوت بنية الخروج. ولو أكره على الخروج بغير حق، أو على الجماع، وقلنا بتصوره –فلا يضره على المشهور، وهو الذي أورده الجمهور. ويستوي في ذلك ما إذا [خرج بنفسه]، [وما إذا حمل. وقيل: إن أكره حتى خرج بنفسه]، ففي بطلان التتابع قولان؛ كما في الصوم. وقيل: يطرد قول البطلان في الحالة الأخرى، وذلك من تخريج الإمام. قال بعضهم: قال الغزالي: ولا يشبه الصوم – يعني: في كونه لا يبطل –بما إذا

стр. 3065

أوجر الطعام في فيه قهراً. وذكر فرقا لا احتفال به. قلت: ويظهر أن يقال في الفرق: إن الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات مع أشياء أخر، ومن أُوجِرَ الطعام في فيه قهراً]، لا ينسب إليه فعل فهو ممسك فحد الصوم موجود فيه حقيقة. والاعتكاف عبارة عن اللبث في المسجد مع أشياء أخر، وهو في حال إخراجه محمولاً، لم يكن في المسجد، فلم يوجد الاعتكاف الشرعي في حقه حقيقة؛ فلذلك حكمنا بالإبطال، على أنا قد حكينا في الصوم طريقة أخرى طاردة للخلاف في الصوم بلا فرق. وإن كان مكرهاً على الخروج بحق، قال القاضي الحسين: فمنهم من قال: [يبطل اعتكافه، ومنهم من قال:] لا؛ لأنه غير مختار، ومحمول عليه، وقد نص الشافعي على أنه إذا خرج ليقام عليه الحد، فإذا رجع بنى، ومعلوم أنه كان ظالماً في السبب الذي ألزم به الحد ابتداء. قال: وإن باشر فيما دون الفرج بشهوة، أي: كما إذا قبل أو لمس أو فاخذ ونحو ذلك مما ينقض الوضوء وفاقاً، أو على رأي كما قاله الإمام- ففيه [قولان]: وجه البطلان بها: قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم يفصل بين أن يكون في الفرج أو في غيره؛ ولأنها مباشرة حرمها الاعتكاف، فوجب أن يفسد بها كالجماع؛ ولأنه عبادة تمتد ليلاً ونهاراً؛ فوجب أن يكون للمباشرة فيها تأثير؛ دليله: الحج، وتأثيرها [فيه في] الفدية، وهاهنا الإفساد. قال القاضي أبو الطيب: وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، سواء أنزل أو لم ينزل. وقال القاضي الحسين: إن لفظ الشافعي [فيه]: "ويحتمل أن يكون قوله تعالى محمولاً على جميع أنواع المباشرة"، وإنه قال في كتاب الصيام: "ولا يباشر المعتكف؛ فإن فعل أفسد".

стр. 3066

وعن الشيخ أبي محمد والمسعودي حكاية [طريقة] قاطعة بهذا القول. ووجه عدم البطلان [به]: أن كل عبادة حرمت الجماع مع غيره، فلابد أن يكون للجماع مزية تدل عليه: [كالحج] والصوم، فلو قلنا: إن المباشرة في غير الفرج تفسد الاعتكاف، لم يكن له مزية، ولا يلزم عليه الصلاة؛ فإنها تبطل بالملامسة قبل الوطء، [وأما] الآية فالمراد بها الجماع في الفرج خاصة، يدل عليه سياقها، وهو قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، وأراد: الولد، وابتغاء الولد لا يكون إلا في الفرج، وبالقياس على الحج. قال القاضي أبو الطيب: وهذا ما نص عليه في "الأم"، سواء أنزل أم لم ينزل، وقد اختاره المزني. ولفظ الشافعي [فيه] – كما قال القاضي الحسين -: "لا يفسد الاعتكاف إلا بما يوجب الحد من الوطء"، وعن بعض الأصحاب: الجزم به، وأن الموضع الذي قال: "إن باشر فيه فسد"، عني به: الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾. قال الإمام: وقضية هذا النص: ألا يفسد بإتيان البهيمة والإتيان في غير المأتى؛ إذا لم نوجب الحد فيهما، والمذهب الوجوب. وقد أفهم ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب: أن القولين جاريان، سواء أنزل أو لم ينزل، وكذا حكاهما الماوردي، وقال: [إن] بعض أصحابنا كان يخرج قولاً

стр. 3067

ثالثاً يجمع فيه بين الصوم والاعتكاف، ويقول: إنه يبطل إن أنزل، ولا يبطل إن لم ينزل، وإن الذي ذهب إليه جمهورهم: المنع من هذا التخريج، وجعلوا الفرق بينهما: أن المباشرة في الاعتكاف حرام، وفي الصوم حلال، فلما افترقا في التحريم، جاز أن يفترقا في الإفساد. قال: وفي المسألة لأصحابنا طرق وهذه أصحها. وكأنه – والله أعلم – يشير [إلى ما] حكاه القاضي الحسين وغيره في محل القولين؛ حيث قالوا: اختلف أصحابنا في محلهما: [فقيل: محلهما] إذا لم ينزل، أما إذا أنزل، فيبطل قولاً واحداً. [وقيل: محلهما: إذا أنزل أما إذا لم ينزل فلا يفسد قولاً واحداً]. وبذلك يحصل في المسألة أربع طرق، وقد حكى الغزالي القولين في حالة عدم الإنزال، وقال: أحدهما: أنه يحرم، ويفسد؛ كما في الحج. وهذا فيه نظر؛ لأن ذلك يفسد الحج [بل وجهه: عدم الإفساد، وهو المقيس على الحج]. نعم، لو قال أحدهما: أنه يحرم، ويؤثر فيه كما في الحج – كما ذكرنا – لا يبقى هذا الاعتراض، ولعله مراده. وقد يقال في جوابه: إن في كلامه تقديماً وتأخيراً، وتقديره: يحرم كما في الحج ويفسد. وقال فيما إذا أنزل: الصحيح: أنه يفسد، وقيل بطرد القولين، والفرق على هذه الطريقة بينه وبين الصوم: أن هذه الاستمتاعات محرمة لعينها، وفي الصوم لغيرها، وهو خوف الإنزال؛ ولهذا يرخص فيه لمن لم تحرك القبلة شهوته. وعند الاختصار يجيء في المسألة ثلاثة أقوال أو أوجه؛ ثالثها: إن أنزل فسد، وإلا فلا. قال الرافعي: وهو المفهوم من كلام الأصحاب بعد الفحص: أنه أرجح، وإليه ميل أبي إسحاق المروزي وإن استبعده صاحب "المهذب" ومن تابعه.

стр. 3068

أما القول بالإفساد عند الإنزال، فقد أطبق الجمهور على أنه أصح. وأما المنع عند عدم الإنزال، فقد نص على ترجيحه المحاملي والشيخ أبو محمد والقاضي الروياني وغيرهم. ولا خلاف في أن المباشرة إذا كانت بغير شهوة: كاللمس ناسياً أو عن قصد الكرامة، كما إذا قبله لذلك: أنها لاتفسده؛ لما روت عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يدني إلى رأسه فأرجله". ولو استمنى بيده، فقد قدمت ما قيل فيه في أول الباب، والله أعلم. قال: وإن خرج إلى المنارة الخارجة من المسجد – أي: ليؤذن فيها – لم يضره؛ لأنها بنيت للمسجد؛ فأشبهت المنارة في المسجد أو في رحبته؛ وهذا [ظاهر] ما نص عليه في "المختصر"؛ فنه قال: "ولا بأس إذا كان مؤذناً أن يصعد المنارة وإن كان خارجاً". وقيل: يضره؛ فينقطع تتابعه؛ لأنه لا يجوز له الخروج إليها لأجل صلاة الجنازة ولا غيرها، ولو خرج ضره؛ فكذلك الأذان. وهذان الوجهان لم يحك الماوردي والبندنيجي غيرهما، والقائل بالثاني قال: مراد الشافعي ما إذا كانت المنارة في رحبة المسجد؛ لأن رحبته بمنزلة داخله. وقيل: إن كان الناس قد ألفوا صوته في الأذان، ووثقوا به في معرفة الوقت، لم يضره؛ لأن الحاجة تدعو إليه لإعلام الناس بالوقت، وإلا فلا؛ وهذا ما حكاه القاضي [أبو الطيب] عن أبي إسحاق المروزي، وأنه حمل عليه نص الشافعي في "المختصر" الذي حكيناه، واختاره في "المرشد"، ولم يحك أبو الطيب سواه والذي قبله. والمنارة في رحبة المسجد، كالمنارة في المسجد؛ فلا يضر الخروج إليها لأذان ولا غيره وجهاً واحداً لأنه يجوز الاعتكاف فيها صرح به الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم، اللهم إلا ان يكون بينها وبين المسجد طريق؛ فإن الكرخي

стр. 3069

حكى الخلاف فيها. ورحبة المسجد ما: كان ملصقاً إليه محجراً عليه. وقد ألحق الجمهور بما إذا كانت المنارة في رحبة المسجد ما إذا كانت ملصقة بالمسجد أو رحبته بابها في المسجد أو رحبته؛ حتى لا يضر صعودها، ولا يجري فيها الخلاف السابق لصعود سطح المسجد ودخول بيت منه، ولا أثر لكونها خارجة عن سمت [البناء وتربيعه. وقد جعل الإمام محل النص ما إذا كانت المنارة خارجة عن سمت] المسجد متصلة به، وكان بابها لائطاً في المسجد نفسه، وأن الأئمة قطعوا بأن الخروج إليها للأذان لا يضر، وإن كانت لا تعد من المسجد، ولا يصح الاعتكاف فيها؛ فإن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في جواز الاعتكاف فيه، وتحريم المكث على الجنب والمرور على الحائض. قال: ولم أعثر بعد على خلاف للأصحاب فيما نص عليه مع الاحتمال الظاهر في القياس؛ فإن الخارج إلى هذه المنارة خارج إلى بقعة غير صالحة للاعتكاف. نعم، لو كان باب المنارة إلى الشارع أو إلى الحريم، وكان المؤذن يخرج إلى موضع الباب ويرقى – ففي انقطاع تتابعه إذا كان راتباً وجهان: أحدهما: ينقطع، وقياسه بين. والثاني: لا، ولماذا؟ فيه معنيان يظهر أثرهما في غير الراتب: أحدهما: كون المنارة على الحريم، والحريم من حقوق المسجد؛ فعلى هذا غير الراتب كالراتب. والثاني: أن خرجاته للأذان مستثناة في ظاهر حاله [كخروج الرجل لقضاء حاجته؛ فعلى هذا إذا خرج إليها غير الراتب، بطل اعتكافه]. قلت: ويرجع حاصل ما ذكره عند الاختصار – والصورة هذه – إلى ثلاثة أوجه، وكذلك قال الغزالي: إذا كانت خارج المسجد [متصلة به]، وبابها في المسجد،

стр. 3070

فإنه لا يضر الخروج [إليها، وإن كانت متصلة بحائط المسجد في حريمه وبابها خارجاً عن المسجد، ففيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان راتباً لم ينقطع التتابع، وألا انقطع. وهو الأصح في "الرافعي". ثم قال الإمام: إنه لو خرج إليها] لغير الأذان، فلا نقل فيها، والظاهر الانقطاع؛ فإن بابها وإن كان لائطاً في المسجد، فليست معدودة منه؛ إذ لا يجوز الاعتكاف [فيها]. قال الرافعي: وكلام الأئمة ينازع فيما وجه به الاحتمال الأول. قلت: وما ذكره الإمام من كونه لا يصح الاعتكاف في المنارة الخارجة عن المسجد اللائط بابها للمسجد، هو ما أورده القاضي الحسين في "تعليقه"؛ فإنه قال: قال الشافعي: "ولو اعتكف في رحبة المسجد [أو بيت من بيوته، أو على المنارة – أجزأه"، ثم قال: قال أصحابنا: وهذا إذا كانت المنارة فيا لمسجد] فأما إن كانت خارج المسجد، لا يجوز الاعتكاف فيها؛ لأن الاعتكاف خص المساجد بجوازه فيها. وحكى عن الأصحاب أنهم حملوا قول الشافعي: "ولا بأس إذا كان مؤذناً أن يصعد المنارة وإن كانت خارجة"، على هذه الصورة، لكن قول الإمام في الصورة التي جعلها محل النص: "إني لم أعثر عبد على خلاف للأصحاب فيها"، عجيب؛ فإن القاضي الحسين حكى في "الموضح" عن بعض الأصحاب أنه قال: ما قاله الشافعي صورته إذا لم يكن غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته، فإن كان، فلا يجوز له الخروج. ولا خلاف في أنها لو كانت بنيت لغير المسجد، فخرج إليها للأذان – بطل اعتكافه؛ حكاه الماوردي. واعلم أن الشيخ ذكر في صدر الباب: أنه لا يصح الاعتكاف إلا [بالنية، ولا يصح إلا] في المسجد، وبينا أن قوله: "لا يصح إلا بالنية"، دال على عدم صحته من المرتد والمجنون والسكران؛ وحينئذ فكأنه قال: لا يصح إلا من مسلم عاقل صاح في المسجد. وإذا كان كذلك، فقد يقال: لم اقتصر الشيخ على بيان الحكم في طرآن

стр. 3071

بعض ما يضاد الاعتكاف وهو الخروج من المعتكف فيه دون ما عداه؟ وقد تكلم فيه غيره، فقال: إذا قطع النية وهو في المسجد، هل يبطل اعتكافه أم لا؟ فيه ما تقدم. وطرآن الجنون لا يبطله؛ كما نص عليه في "الأم"، ولم يحك الماوردي والفوراني [غيره]، وألحق به الإغماء، وخص الرافعي ذلك بما إذا لم يخرجا من المسجد، فإن أخرجا منه، نظر: فإن لم يكن حفظهما فيه، فالأمر كذلك؛ كما لو حمل العاقل، فأخرج مكرهاً، وإن أمكن لكن شق، ففيه الخلاف المذكرو في المريض إذا أخرج. وفصل البندنيجي في المجنون، فقال: إن كان في سبب جنونه معذوراً، فالأمر كما تقدم، وألا فهو كالسكر، وقد نص الشافعي على أنه لو سكر، بطل اعتكافه، و [إن] من أصحابنا من قال: لا يبطل. وهذا بخلاف ما لو ارتد فإن المنصوص أنه لا يبطل اعتكافه ومن أصحابنا من قال: [إنه] يبطل، وقد اقتضت هذه العبارة حكاية خلاف في أن السكر والردة، هل يبطلان الاعتكاف أم لا؟ لكن المنصوص في أحدهما خلاف المنصوص في الآخر، ويوافقها في حكاية النصين هكذا فيهما عبارة القاضي أبي الطيب وابن الصباغ؛ حيث قالا: نص في "الأم" على أن الردة لا تبطل الاعتكاف، والسكر يبطله. لكن القاضي قال: إن من أصحابنا من قال: لا يبطل الاعتكاف بالسكر؛ [لأن الردة لا تبطله] وهي أغلظ منه، وأراد الشافعي بقوله إذا خرج السكران من معتكفه؛ لأن الأغلب من أحوال السكران أنه لا يثبت في المسجد. ومن أصحابنا من قال- وهم الأكثرون؛ كما قال ابن الصباغ -: من حمل كلام الشافعي على ظاهره، قال: الردة لا تبطل الاعتكاف؛ لأن الكافر من أهل اللبث في المسجد، [وأما السكر، فيبطل الاعتكاف؛ لأن الكسران ليس من أهل اللبث في المسجد؛] للآية، وهذه العبارة تقتضي الجزم بأن الردة لا تبطله، وهل يبطله السكر؟ فيه خلاف. ويوافق العبارتين في حكاية النص في المسألتين عبارته في "الوسيط"؛ فإنه قال:

стр. 3072

الردة والسكر إذا قارنا الابتداء منعا الصحة؛ لتعذر النية، وإن طرآ [بعد،] فقد نص على أنه لا يفسد بالردة، ويفسد بالسكر، لكنه قال: إن الأصحاب اختلفوا فيهما على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يفسد بهما، وتأول نصه في السكر على ما إذا خرج لإقامة الحد. والثاني: أنه يفسد بهما، وتأول نصه في الردة أنها لا تحبط ما مضى. والثالث: وهو الأصح-: أنه يفسد بالردة؛ لفوات شرط العبادة، ولا يفسد بالسكر؛ كما لا يفسد بالنوم والإغماء. والذي حكاه القاضي الحسين عن الشافعي يخالف ما ذكرناه؛ فإنه قال: نص في "عيون المسائل" على أنه لو اعتكف فسكر، فإذا أفاق - قال: ابتدأ، ولو ارتد، ثم أسلم - قال: بنى. ثم قال صاحب "التلخيص": لا أعلم الشافعي جعل السكر أغلظ من الردة إلا في مسألتين، إحداهما: هذه. قلت: ووجه المخالفة: أن هذه العبارة مصرحة بأن الكلام [في أنه] إذا عاد إلى الأهلية، هل يبني على ما مضى أو يستأنف، [لا أنا] نقول: إنه في حال قيام المانع معتكف أم لا، وحينئذ فيكون النص في الصورتين مصوراً بما إذا كان اعتكافه متتابعاً؛ فإنه لو لم يكن متتابعاً، لبنى في كلا الحالين بلا خلاف عندنا؛ ولأجل ذلك صور بعضهم المسألتين بما ذكرناه، وقال: طرآن الردة والسكر عليه إذا لم يخرج من المسجد حتى زال ذلك، هل يبطله أم لا؟ وفيه طرق مجموعة من كلام الأصحاب [و] تخرجي قول من كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين، وقد حكاهما الماوردي: أحدهما: أنه لا يبطل بواحد منهما، إذا أسلم المرتد، وصحا السكران، بنيا؛ لأنهما لم يخرجا من المسجد. [ومنهم من قطع بهذا، وقالوا: نصه في السكران محمول على ما إذا خرج

стр. 3073

لإقامة الحد أو كلف الخروج من المسجد] إذ لا يجوز للسكران المقام فيه؛ للآية، فأما إذا كان مقيماً، فلا يبطل؛ لأن الشرب لا يبطل الاعتكاف، والسكر ليس من فعله، ولا اختياره، وإنما هو فعل الله تعالى؛ فأشبه المرض. قال الماوردي: فإن قيل: حمل النص على ما إذا خرج لإقامة الحد لا يصح؛ لأن الشافعي قال: "ولو أخرجه السلطان لإقامة الحد عليه، لم يبطل اعتكافه". قيل: هذا النص محمول على ما إذا أخرج لإقامة حد وجب عليه قبل الاعتكاف، وأما ما وجب عليه في ال الاعتكاف، فيبطل، وكأنه اختار الخروج. والقول الثاني: أنه يبطل بكل واحد منهما؛ لأن المرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادة، والسكران خرج عن أن يكون من أهل المقام في المسجد، فإذا عادا إلى الأهلية استأنفا. ومنهم من قطع بهذا، وهؤلاء اختلفوا في نصه في الردة: فمنهم من قال: [إنه رجع عنه؛ لأنه أمر الربيع أن يخط على هذه المسألة، ولا يقرأ عليه، ومذهبه: أن الردة تبطل الاعتكاف؛ حكاه الماوردي. ومنهم من قال]: هو محمول على ما إذا لزمه في اعتكاف غير متتابع. [قال الإمام]: وهذا التأويل فيه بعد؛ فإن الشافعي قال: ويبني إذا عاد إلى الإسلام. وهذا مشعر بفرض الأمر في اعتكاف متتابع يفرض انقطاعه وانتظامه؛ وعلى هذه الطريقة لا فرق بين ان يطول زمن الردة أو يقصر. وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أن منهم من حمل نصه في الردة على ما إذا أسلم في الحال. والرابعة: إجراء النصين على ظاهرهما، وهي أنه يبطل بالسكر، وهو الذي صححه الماوردي، ولا يبطل بالردة، والفرق من وجهين: أحدهما: - قاله الماوردي [وغيره]-: أن السكران ليس من أهل المقام في المسجد؛ للآية وإذا كان كذلك، كان كما لو خرج من المسجد، [والمرتد لا يمنع من

стр. 3074

المسجد]. والثاني: -قاله القاضي الحسين -: أن السكران قد زال الخطاب عنه بزوال عقله، بخلاف المرتد. وهذه الطريقة اختارها في "المرشد": والعبارات الأول تفهم: أن الخلاف في [أنه في] حال قيام المانع، هل يكون معتكفاً أم لا؟ وأسدها إفهاماً عبارة الغزالي، وهي مستمدة من قول الإمام بعد تضعيف [الطريقة] القائلة بظاهر النص في الموضعين -: إن من قال: إن الردة لا تفسد الاعتكاف، فليت شعري ماذا يقول فيه إذا أنشأ الاعتكاف مرتداً؟ فإن قال: يصح اعتكافه، فهو أمر عظيم، فإن سلم الفساد عند اقتران الردة، فالفرق بين المقارن والطارئ عسير، ولم يختلف أصحابنا في أن من ارتد في أثناء الوضوء، وغسل عضواً من أعضائه في زمن ردته، لا يعتد له به. والمحكي عن الشيخ أبي علي وغيره: الأول. وقد تلخص من مجموع ما ذكرناه: أن حمل نصه في "الأم" الذي حكاه القاضي أبو الطيب وغيره على [ما] أفصح به في "عيون المسائل" في المسألتين، و [هو] الذي نقله الرافعي صريحاً؛ حيث قال: المنقول عن نصه في "الأم": أنه إذا ارتد في أثناء اعتكافه، لا يبطل [اعتكافه]، بل يبني إذا عاد إلى الإسلام – خمسة أوجه: أحدها: أنه لا يبطل تتابعه في واحد منهما – إذا لم يخرج، طال الزمان المنافي أو قصر، لكنه لا يحسب له زمن الردة [والسكر، بل إذا زالا بنى. والثاني: يبطل بهما، طال الزمان المنافي أو قصر، فإذا زال استأنف]. وحقيقة هذين الوجهين لو جرينا على ما أفهمه كلامه في "الوسيط"، ترجع إلى أن

стр. 3075

السكر والردة هل ينافيان الاعتكاف أم لا؟ وقد صرح بذلك القاضي الحسين في السكر – أيضاً – ولأجله قال في "التهذيب": هل يحسب له زمن السكر أو لا؟ فيه وجهان، والمذهب: المنع. والثالث- وهو ظاهر النص -: أنه يبطل بالسكر دون الردة، طال زمانهما أو قصر. والرابع: إن طال زمان الردة أبطل كالسكر؛ لأن زمنه يطول، وإن قصر بأن رجع في الحال، فلا وقد صرح به القاضي الحسين، وحكى الإمام مثله في السكر أيضاً، وقال: إنه لا وجه له في الردة. والخامس: عكس النص، وهو من تخريج الإمام: أنه يبطل بالردة دون السكر، والله أعلم. قال: ولا يعتكف العبد بغير إذن مولاه، ولا المرأة بغير إذن زوجها؛ لما فيه من تفويت المنافع المستحقة لهما في مدته، فلو فعلا ذلك بدون إذن، كان للسيد والزوج إخراجهما؛ لحفظ حقه. ولو أذن فيه، ثم رجع في إذنه: فإن كان تطوعاً، كان له ذلك، و [كذا] إن كان نذراً مطلقاً أو متتابعاً غير متعلق بزمان بعينه، ما لم يشرع فيه، أما إذا رجع بعد شروعه فيه، نظر [فإن كان] غير متتابع، فهل له ذلك؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين ينبنيان على ما إذا شرعت الزوجة في حج واجب. وإن كان متتابعاً، لم يكن له؛ لأنه يبطل ما مضى. قال: ويجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن مولاه؛ لأنه مستقل بمنافعه؛ فأشبه الحر؛ وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، وكذا الماوردي، لكنه قال: [إنه] إذا عجز عن قوته، كان له منعه حينئذ. وفي "الإبانة" حكاية وجه آخر: أنه لا يجوز، قال: لان عليه أن يكتسب ويحصل النجوم؛ فليس له أن يقعد في المسجد فيبطل حق السيد.

стр. 3076

قال الإمام: وهذا خرق وخروج عن الحد؛ فإنه لا خلاف في أنه لو سكن في بيته، ولم يكتسب اليوم واليومين، فلا معترض عليه قبل النجم. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الذي نص عليه الشافعي ما ذكره الشيخ، وأن أصحابنا قالوا: صورته: إذا كانت مدة الاعتكاف يسيرة لا تضر بكسبه، أو كان كسبه يمكن في المسجد كالخياطة وغيرها. ومنهم من قال: لا يمنعه بحال؛ لأنه ليس للسيد حمله على الكسب. ومن نصفه حر ونصفه رقيق إن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة – كالقن، وإن كان بينهما مهايأة، فهو في نوبته كالحر، وفي نوبة سيده كالعبد. وقيل: إنه [في] نوبته كالمكاتب؛ فيخرج على الخلاف؛ حكاه ابن يونس، وفيه نظر، والله أعلم. وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: [أحدها]: إذا نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه فلان، صح نذره بلا خلاف، وماذا يلزمه؟ فيه كلام نذكره في باب النذر. [الثاني]: إذا نذر اعتكافاً، ومات قبل الوفاء به- قال الإمام: فقد ذكر شيخي قولين أحدهما: أنا نقابل كل يوم بمدٍّ من طعام، نخرجه من تركته كدأبنا في الصوم. والقول الثاني: أنه يعتكف عنه وليه. وذكر أن القولين منصوصان للشافعي. قال الإمام: وهذا عندي مشكل من طريق الاحتمال؛ فإنا اتبعنا الأثر في مقابلة صوم [يوم] بمد، ولي سينقدح قياس الاعتكاف في ذلك على الصوم، ثم اعتكاف لحظة عبادة تامة، ثم ليت شعري ماذا يقول في اليوم الفرد، وفي اليوم مع الليلة، وقد ذكر صريحاً أن اليوم بليلته يقابلان بمد، وإذا كان يقول ذلك، فما القول في اليوم الفرد؟

стр. 3077

وقد حكى في "التهذيب" فيما إذا مات وعليه اعتكاف طريقين: أحداهما: حكاية الخلاف السابق. والثانية: القطع بأنه لا يعتكف عنه، ولا يسقط عنه بالفدية؛ كما في الصلاة، وهذا ما اقتضاه كلام الماوردي؛ حيث قال: لو جامع في الفرج عامداً في الاعتكاف، بطل اعتكافه، ووجب عليه القضاء إن كان واجباً، [دون الكفارة]؛ فلو مات سقط عنه. وفرع في "التهذيب" على [هذا] أنه لو نذر أن يعتكف يوماً صائماً، فلم يعتكف، ومات: فإن قلنا: يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف، فلا يعتكف عنه الولي، وهل يصوم؟ فعلى قولين. وإن قلنا: لايجوز إفراد الصوم: فإن قلنا: لا يصوم الولي عنه، فهاهنا لا يصوم ويطعم. وإن قلنا: يصوم عنه وليُّه، فهاهنا يعتكف عنه الولي صائماً تبعاً، وإن كانت النيابة لا يتجزئ في الاعتكاف كما لا تجوز النيابة في الصلاة، وتجوز في ركعتي الطواف تبعاً للحج؛ ذكر ذلك في كتاب الصيام؛ فليطلب منه، والله أعلم.

стр. 3078

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء السابع كتاب الحج

стр. 3079

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الحج "الحج" في اللغة: القصد, ومنه سمي الطريق: محجة؛ لأنه يوصل إلى المقصد. وقيل: هو العود مرة بعد أخرى. وقال الخليل بن أحمد: هو كثرة القصد إلى من يعظم, ومنه قول الشاعر: وأشهد من عوف حلولًا كثيرةً يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي: يقصدون, ويتكررون إليه, لسؤدده. والسِّبُّ - بسين مكسورة, وباء ثانية الحروف-: العمامة. وهو في الشرع: الإتيان بعبادة مشتملة على ما سنذكره من الأركان, وسمي به على القول ألأول؛ لأن البيت مقصود بالنسك فيه, وعلى القول الثاني والثالث؛ لأن الحاج يأتي البيت قبل الوقوف بعرفة, ثم يعود إليه لطواف الإفاضة, ثم ينصرف إلى منى, ثم يعود إليه لطواف الصدر؛ فيتكرر العود إليه مرة بعد أخرى مع التعظيم. والأصل فيه -قبل الإجماع- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: ٢٧] , فخاطب الله تعالى بذلك نبيه إبراهيم ﵇ وروي أنه قال: "أي رب, أين يبلغ ندائي؟ " فقال الله تعالى: "عليك النداء, وعلينا البلاغ", فصعد على المقام -وقيل: على جبل أبي قبيس -وقال: يا عباد

стр. 3080

الله, أجيبوا داعي الله؛ إن الله تعالى أمرني ببناء هذا البيت, وأمركم بأن تحجوه, فحجوه, فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا, لبيك, فيقال: إنه لا يحج إلا من أجاب دعوة إبراهيم – ﵇ وإن من أجابه مرتين, حج مرتين, وهكذا, وإن أول من أجاب دعوته أهل اليمن. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] , وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما نقرره. ومن السنة [مع] ما سنذكره من بعد – إن شاء الله تعالى- قوله ﵇: "بني الإسلام على خمس ... " الخبر مشهور. وقد حج البيت آدم – ﵇ لما حج البيت, قال له جبريل: "إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة". وقد اختلف أصحابنا- كما حكاه القاضي الحسين والإمام وغيرهما –هل كان وجوبه قبل الهجرة أو بعدها؟ والقائلون بأنه بعدها, منهم من قال: إنه كان في سنة خمس [من الهجرة] وهو ما حكاه القاضي والإمام. والصحيح إنه في سنة ست من الهجرة, وسنذكر ذلك في أول باب قتال المشركين, إن شاء الله تعالى.

стр. 3081

قال: الحج فرض؛ لما ذكرناه, وفي العمرة قولان: أصحهما: أنها فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , وإتمامهما أن يفعلا على التمام؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] , أي: فعلهن تامات؛ ويؤيد ذلك أن هذه الآية نزلت سنة ست من الهجرة حين أحرم رسول الله ﷺ بالعمرة فيها وهو بالحديبية, فأحصر, ولا يجوز أن يؤمر بإتمام العبادة من لم يدخل فيها؛ فعلم أن المراد إنشاؤها [وابتداؤها؛] وهذا ما استدل به على أن الحج فرض في سنة ست من الهجرة. وقد روي عن علي وعمر –﵄ أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقد قرأ ابن مسعود وابن عباس: "وأقيموا الحج والعمرة لله", والقراءة الشاذة إذا صحت جرت مجرى خبر الواجد في وجوب العمل به. وعن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "الحج والعمرة فريضتان, لا تبالي بأيهما بدأت". والقول الثاني –أشار إليه في القديم-: أنها مستحبة, وليست بفرض؛ لما روى

стр. 3082

الترمذي عن جابر أنه –﵇ سئل عن العمرة, أهي واجبة؟ فقال: لا, وأن تعتمر فهو أفضل". وروي أنه –﵇ قال: "الحج جهاد, والعمرة تطوع". ولأنها نسك يفعل على وجه التبع, ليس له وقت؛ فوجب ألا يكون واجباً؛ كطواف القدوم. وقد امتنع بعض الأصحاب من نسبة هذا القول إلى الشافعي –﵁ وقال: إنما ذكره حكاية عن الغير. والجواب عن حديث جابر: أن في رجاله ابن أرطأة وابن لهيعة, وابن أرطأة لا يحتج بحديثه؛ لأنه يروي عمن سمع وعن من لم يسمع, وابن لهيعة ضعيف

стр. 3083

فيما ينفرد به, على أنه لو سلم من الطعن, حمل على سائل سأل عن عمرة ثانية. وأما قوله: "العمرة تطوع", فهو مرسل, وليست العمرة كالطواف؛ لأنه ليس نسكاً بذاته, وإنما هو من جملة نسك؛ كما أن الركوع والسجود ليس بصلاة, وإنما هو من جملتها؛ وعلى هذا فلا تقوم [حجة] مقامها وإن اشتملت على أعمال العمرة وزادت, وإن كنا نقيم الغسل مقام الوضوء. [قال الإمام]: وهذا من أصدق الأدلة على تغاير الحج والعمرة. تنبيه: في العمرة في كلام العرب قولان: أحدهما: أنها الزيارة, يقال: اعتمر مكان كذا, إذا زاره, ومنه سمي البيت المعمور: معموراً؛ لأنه مزار الملائكة, قيل: يزوره كل يوم سبعون ألف ملك, ولا تنتهي النوبة إليهم [إلى يوم القيامة]. والثاني: أنها القصد, وكل قاصد إلى الشيء فهو معتمر. وقال البندنيجي: إنه يقال: الاعتمار هو القصد إلى بلد عامر؛ فهو "افتعال" من "العمارة". وهي في الشرع: عبادة مشتملة على إحرام وطواف وسعي وحِلاق. قال: ولا يجب –أي: الإحرام بالحج والعمرة – على المكلف في العمرة إلا مرة واحدة: أما الحج؛ فلما روى مسلم عن أبي زيد قال: خطبنا رسول الله ﷺ , فقال:

стр. 3084

"يأيها الناس, إن الله فرض عليكم الحج, فحجوا", فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً, فقال –﵇: "لو قلت: نعم, لوجبت, ولما استطعتم", ثم قال: "ذروني ما تركتم, فإنما هلك من كان قبلكم؛ لكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". [وروى أبو داود] عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ , فقال: [يا] [رسول الله] , الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: "بل مرة, ومن زاد فهو تطوع" , وأخرجه النسائي وابن ماجه. وأما العمرة؛ فلما روى مسلم أن النبي ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت, لم أسق الهدي, وجعلتها عمرة", فقال سراقة: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك بين أصابعه واحدة في أخرى, وقال: "دخلت العمرة في الحج –مرتين- لا, بل للأبد". ووجه الدلالة منه: أن العمرة إذا دخلت في الحج, والحج لا يجب [في العمر] إلا مرة –لزم أن تكون كذلك. ولأن هذا النسك يتعلق به في الأغلب قطع مسافة, والتزام مؤنة, وفي تكرار وجوبه مشقة عظيمة؛ فلم يجب لذلك, بخلاف سائر الفرائض. قال: إلا أن ينذر؛ فيجب أكثر من مرة على حسب نذره؛ [لعموم قوله] –عليه

стр. 3085

السلام-: "من نذر أن يطيع الله فليطعه". قال: أو يدخل [مكة] , أي من الحل؛ لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة؛ فيلزمه الإحرام بالحج أو العمرة, أي: إذا أمكن [ذلك] بأن دخل في أشهر الحج. قال: في أحد القولين؛ لإطباق الناس على ذلك, والسنن يندر فيها الاتفاق العملى, وقد روي أنه –﵇ قال: "إن أبي إبراهيم حرم مكة؛ فلا يدخلها أحد إلا محرماً". وحكى أبو الطيب: أن ابن عباس قال: "لا يدخل أحد مكة غلا محرما [إلا الحطابين] " وغيره روى عن ابن عباس أنه قال: "لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا, وأرخص للحطابين". قال الماوردي: ولأنه لو نذر دخول مكة أو المشي إلى البيت, لزمه الإحرام, لدخولها بأح النسكين, فلو جاز دخولها بغير إحرام, لم يلزم ذلك. وفي إجماعهم على لزومه في النذر دليل على وجوبه في الدخول. قلت: وفيما قاله نظر يظهر لك في باب النذر. قال: ولا يلزمك في الآخر؛ لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك, ولما روي عن [ابن] عمر أنه دخلها بغير إحرام, ولأن ذلك شبيه بتحية المسجد, ولا أصل لها في الوجوب. نعم, يستحب له ألا يدخلها إلا محرمًا؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء", وبه قال الشيخ أبو محمد, ومال إليه الشيخ أبو حامد ومن تابعه, وقال: إنه
следующие страницы →