← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

باب الحوالة الحوالة - بفتح الحاء - مشتقة من التحويل والانتقال، يقال: حال فلان عن العهد، إذا زال وانتقل عنه، وحالت الأسعار: إذا تغيرت وانتقلت عما كانت عليه. وهي في عرف الشرع: نقل دَيْنٍ من ذمة إلى ذمة. وقد حكى الجيلي أنها تقال بالكسر أيضاً. ويقال: أحد عليه [بالحق]، يُحِيلهُ إحالة، واحتال الرجل: إذا قبل الحوالة. والأصل في جوازها: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والحوالة عقد، فوجب الوفاء به، وإذا وجب الوفاء به دل على جوازه. ومن السنة: ما روى مسل وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبعَ أحدُكم على مَلِيءٍ فَلْيَتَّبعْ". ألف "أتبع" مضمومة، وتاؤه تسكن وتخفف، وتاء "فليتبع" مشددة. والمطل: المدافعة. المليء - بالهمز -: الغني [المكثر، قاله في "المستغرب"]. ومعنى الحديث: إذا أحيل أحدكم على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ. قال الجوهري: يقال: أتبع فلان [بفلان]، إذا أحيل عليه، والتبيع:

стр. 4692

الذي لك عليه مال. وقال في "الاستقصاء":يقال: تبعت الرجل بحقي، أتبعه تباعة – بضم التاء-: إذا طالبته، وأنا تبيعه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الإسراء: ٦٩]. قال الماوردي: وقد روى العراقيون، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "وإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ". قال الرافعي: والأشهر في هذه الرواية بالواو، ويروي: "فَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ" بالفاء، فعلى التقدير الأول هو مع قوله: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ"، جملتان [لا تعلق للثانية] بالأولى؛ كقوله ﷺ : "الْعَارِيَّةُ مَرْدُودَةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ". وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب: أنه إذا كان المطل ظلماً من الغني، فإذا أحيل [بدَيْنه] عليه، فإنه يحترز عن الظلم ولا يمطل. وقد أجمع المسلمون على جواز الحوالة في الجملة كما حكاه أبو الطيب. قال القاضي الحسين: والمعنى فيها بعد الإجماع: ما فيها من الإرفاق بالناس؛ فإن الإنسان يَستحق ديناً، ويُستحق عليه مثله؛ فتلحقه المشقة في الاستيفاء والإيفاء؛ فجوزها الشرع؛ لإسقاط هذه المشقة والكلفة، وألا فالقياس أنها لا تجوز؛ لأنها بيع دين بدين، وقد نهى صاحب الشرع عنه، وهو بيع الكالئ بالكالئ. وهذا كما أن القرض جوز للإرفاق، [وإن كان القياس منعه؛ لأنه [بيع]

стр. 4693

عاجل بآجل، والسلم جوز للإرفاق]، وإن كان عقداً على معدوم [و] كذلك الإجارة. وما قاله حسن على قولنا: إنها بيع دين بدين. وقد اختلف أصحابنا في حقيقتها: فذهب ابن سريج إلى أنها بيع، ولكنها لم تبن على المغابنة والمماكسة، وطلب الربح والفضل. وادعى الرافعي وغيره من العراقيين أنه الذي نص عليه الشافعي في باب بيع الطعام [بالطعام]. ووجهه: أن المحال يبذل ما له في ذمة المحيل بما للمحل في ذمة المحال عليه، والمحيل يبذل ما له في ذمة المحال عليه بما عليه من دين المحتال، وذلك حقيقة البيع، ويؤيده أنها ممنوعة من المسلم فيه؛ لما سنذكره من الحديث. فعلى هذا: هل هي بيع دين بدين، أو عين بعين، أو عين بدين؟ فيها ثلاثة أوجه مجموعة من نقل الماوردي والرافعي عن القاضي أبي حامد. والقائل بأنها بيع عين بعين، نزَّل استحقاق الدين على الشخص منزلة استحقاق منفعة تتعلق بعينه؛ كالمنافع في إجارات الأعيان. والأول هو المشهور من كلام الأئمة. ومنهم من قال: ليست بيعاً، بل هي عقد إرفاق نازلة منزلة قبض الحق من المحيل ودفعه إلى المحال عليه قرضاً؛ لأنه ﷺ ندب إليها بقوله: "فَلْيَحْتَلْ"، ولأنها لا تصح بلفظ البيع، ولا بغير جنس الحق، ولا يثبت للمحتال الرجوع على المحيل عند تعذر [قبض] الحق من المحال عليه، [و] يجوز التصرف فيها قبل القبض في الربويات. ولو كانت بيعاً [لما] ثبتت هذه الأحكام.

стр. 4694

وقد حكى البغوي [القولين] من تخريج ابن سريج. وكذلك القاضي الحسين في "تعليقه"، ثم قال: والأولى أن يلفّق بين المعنيين، ويجمع بينهما، ويقال: الحوالة معاوضة تضمنت استيفاء، أو استيفاء بطريق المعاوضة، [كما لو أخذ عوضاً عن ماله في ذمته، يكون معاوضة تتضمن استيفاء، أو استيفاء بطريق المعاوضة]. ويقرب من هذا ما ذهب إليه الغزالي وإمامه وشيخ إمامه، وهو أنها مشتركة بين المعاوضة والاستيفاء، وإنما يقع النظر في تغليب أيهما؛ ولهذا الاختلاف أثر يظهر في الباب – إن شاء الله تعالى. قال: لا تصح الحوالة إلا برضا المحيل والمحتال. أما رضا المحيل؛ [فلأن الحق في ذمته مرسل؛ فلا يتعين عليه قضاؤه من محل معين، كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه. وأما رضا المحتال: فلأن حقه تعلق بذمة المحيل]؛ فلا يملك نقله إلى ذمة غيره [إلا برضاه،] كما لو تعلق حقه بعين وأراد نقله إلى عين مثلها، مع أن الذمم [غير] متساوية. وقد خالف أبو ثور في هذا – على ما حكاه الماوردي –وقال: إذا أحيل على مليء وجب القبول؛ لظاهر الخبر. وتمسك أصحابنا في الرد عليه بقوله ﷺ :"إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ يَداً وَمقَالاً"، فكان عاماً، وبأن الحقوق التي في الذمم قد تنقل تارة إلى الذمة بالحوالة، وتارة إلى عين بالمعاوضة؛ فلما ثبت أن نقله إلى عين لا يلزم إلا بالرضا، فنقله إلى الذمة أولى؛ لأن بنقله إلى عين أخرى يصل إلى حقه، وبنقله إلى ذمة أخرى لا يصل إليه. وقالوا: الخبر محمول على الاستحباب؛ لما فيه من الإعانة على قضاء الحق.

стр. 4695

وهذا قول القاضي أبي الطيب، وبه جزم الرافعي. وفي "الحاوي": أنه محمول على الإباحة؛ لأنه وارد بعد حظر، وهو نهيه ﷺ عن بيع الدين بالدين. واعلم أن بعض الشارحين حكى وجهاً: أن الحوالة تصح بدون رضا المحيل، وصور محله بما [إذا قال: أحلتك على نفسي بالدين الذي لك على فلان، فيقول المحتال: قبلت، وأن هذا يتجه] إذا لم يكن على حق المحيل، وصرح بعضهم بأن ذلك تفرعي على جواز الحوالة، [على من لا دين عليه. وما قال فيه نظر؛ لأنها في هذه الحالة ما صحت إلا بمحيل، وهو القائل: أحلتك]؛ [بدليل أن المحتال لابد أن يقول: قبلت، كما قال، وقابلٌ بلا موجب محالٌ، ولا يقال: إن ذلك ليس محالاً]؛ بدليل أن الأب إذا باع مال ولده من نفسه اكتفينا بمجرد الإتيان بأحد شقي العقد على رأي؛ لأنا نقول: ذلك مصور – على ما حكاه الإمام في باب الهبة- بما إذا أتى بلفظ يستقل الابتداء به [مثل أن] يقول: اشتريت أو اتهبت، أما قوله: قبلت البيع أو الهبة، فلا يمكن الاقتصار عليه [بحال]. نعم، في هذه الصورة اتحد المحيل والمحال عليه، ولا بعد في اتحاد العاقد والمعقود عليه؛ ألا ترى أن السيد إذا وكل عبده في بيع نفسه صح؟! ثم على تسليم القول بصحة هذا العقد، وأنه لا محيل فيه؛ بناء على أن المراد بالمحيل:

стр. 4696

من يكون عليه الدين - كما صرح به الماوردي وغيره - فهو ليس بحوالة، وإنما هو ضمان كما ستعرفه من بعد. قال: ولا تفتقر إلى رضا المحال عليه على المنصوص، [أي: في "المختصر"؛ لقوله ﷺ : "وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ"، ولم يعتبر فيه رضا المحال عليه. ولأنها تصرف في مملوك؛ فلا يعتبر فيه رضا المملوك [عليه] كالتصرف في رق العبد [بالبيع وغيره]. وقولنا: "في مملوك" احترزنا به عن النكاح؛ فإنا نعتبر فيه رضا المنكوحة [في حاله]؛ [لأنها ليست] بمملوك للزوج، ولأن مالك الدين مخير في استيفائه بنفسه، وبغيره بالوكيل؛ فكذلك بالمحتال. وقد صار إلى هذا أبو العباس بن سريج، وأبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة. ومقابله: أنه لابد من رضاه، وقد رواه أبو العباس بن القاص عن نص الشافعي في "الإملاء"، وبه قال المزني وأبو عبد الله الزبيري، وأبو سعيد الإصطخري وابن الوكيل؛ مستدلين بأن من كان وجوده شرطاً في الحوالة كان رضاه شرطاً فيها، كرضا المحيل والمحتال.

стр. 4697

وبأن الدين يتعلق بالذمة أصلاً، وبالرهن فرعاً؛ فلما لم يكن لصاحب الدين أن يولي الرهن إلى غيره، فأولى ألا يكون له أن يولي الدين إلى غيره. والقائلون بالأول حملوا نصه في "الإملاء" على ما إذا لم يكن على المحال عليه دين كما سنذكره. وأجابوا عن القياس على المحيل والمحتال: بأنهما كالمتبايعين، بخلاف المحال عليه؛ فإنه كالعبد المبيع. وعن الرهن: بأن المرتهن ليس مالكاً للرهن؛ فلذلك لم يكن له نقله، بخلاف الدين. [وقد] بنى صاحب "التهذيب" هذا الخلاف على الخلاف السابق في أن الحوالة معاوضة أو استياء؟ [فإن قلنا بأنها معاوضة، لم يفتقر إلى رضاه، وهو الأصح، وإن قلنا: إنها استيفاء،] فلابد من رضاه؛ لأنه لا يمكن إقراضه إلا برضاه. واعلم أن عدول الشيخ وغيره من المصنفين عن لفظ الإيجاب والقبول إلى اعتبار الرضا المستلزم للإيجاب والقبول؛ لعدم الاطلاع عليه؛ لأنه الأصل المعتبر في العقود، ولا يقال لمن اعتبر الأصل: لم اعتبرته؟ نعم، يقال ذلك لمن اعتبر الفرع وعدل عن الأصل. ثم كيفية الإيجاب والقبول الذي استلزمه الرضا: أن يقول المحيل: أحلتك على فلان، فيقول: قبلت، كما هو المفهوم من إطلاق الشيخ الحوالة. ويقوم مقام ذلك – كما حكاه ابن أبي الدم [الحموي] في "أدب القضاء" – قول المحيل: نقلت حقك الذي في ذمتي إلى ذمة فلان، أو: جعلت ما استحقه على فلان لك بما لك [علي]، أو: ملكتك ما في ذمة فلان بما لك في ذمتي. وهل تنعقد بلفظ البيع؟ قال: إن فيه خلافاً مشهوراً.

стр. 4698

وفي "الجيلي": أن أبا الفياض حكى عن الشافعي أنه قال: لابد مع الإيجاب من أن يقول المحتال: قبلت الحوالة، وأبرأتك عن حقي. وقد حكيت قريباً منه في أول كتاب البيع، ويجري الخلاف المذكور في انعقاد البيع بالاستيجاب والإيجاب هاهنا. وفي "الرافعي": في "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني طريقة أخرى قاطعة بالانعقاد؛ لأن الحوالة أجيزت رفقاً بالناس؛ فيتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها. قال: ولا تصح الحوالة إلا بدين مستقر [وعلى دين مستقر]؛ لأن الحوالة إما بيع [دين] كما هو الصحيح، وبيع الدين لا يصح ما لم يكن بهذه المثابة، وإما استيفاء، واستيفاء ما هو متعرض للسقوط لا يحصل به الغرض. قال: فأما ما ليس بمستقر كمال الكتابة، ودين السلم، فلا تصح الحوالة به ولا عليه؛ لما ذكرناه. وقد روي عن أبي سعيد الخدري- ﵁ – عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفْه إِلَى غَيْرِهِ". وهذا ما جزم به العراقيون في المسلم فيه، وذهب إليه القاضي أبو حامد في مال الكتابة، ولم يحك في "التهذيب" سواه، ووراءه في كل من الصورتين وجهان: أحدهما: تجوز الحوالة بهما وعليهما، وهو في مسألة المسلم فيه منسوب إلى أبي حص بن الوكيل، وفي مسألة مال الكتابة منسوب إلى ابن سريج كما حكاه الإمام.

стр. 4699

وحكى غيره أن الحليمي قال به في الحوالة عليه، ويجيء من طريق الأولى تجويز الحوالة به. وقد بناه الرافعي والماوردي في مسألة المسلم فيه على أنها استيفاء لا معاوضة، ويشبه أن يبني في مسألة [مال] الكتابة عليه أيضاً. والثاني: تجوز الحوالة بهما ولا تجوز الحوالة عليهما، وبه جزم ابن الصباغ، والأكثرون في مسألة الكتابة؛ لأن للمكاتب أن يقضي حق سيده باختياره، بخلاف حوالة السيد عليه به؛ لأنه يؤدي إلى إيجاب القضاء عليه بغير اختياره. [قلت: ولمن قال بمنع الحوالة به أن يقول: شرط الحوالة: أن يكون ما على المحيل مثل ما على المحال عليه صفةً وقَدْراً؛ حتى لا يستفيد المحتال بالحوالة شيئاً لم يكن له، وفي هذه الحوالة [ليس] الأمر كذلك؛ لأن السيد لو صحت حوالة المكاتب له؛ لاستفاد بها لزوم دينه على المحال عليه، وقد كان على المكاتب غير لازم؛ فامتنعت الحوالة لهذا المعنى. ولهذا المعنى منع ابن سريج الحوالة بدين [لازم] لا ضامن به على دين به ضامن؛ ليطالب به الضامن المضمون عنه، لكن في كلام أبي حامد ما يمنع - كما سيأتي - وحينئذ يبقى ما ذكره الجمهور خالياً عن الاعتراض. وقد خص الجرجاني محل [هذا] الوجه بمابعد حلول مال الكتابة، وكذلك المحاملي دون ما قبله.

стр. 4700

وعكس في "الوسيط" هذا الوجه في مسألة المسلم فيه فقال: لا تجوز الحوالة به، وتجوز عليه. ثم صورة الحوالة بهما: [أن يحيل المكاتب أو المسلم إليه السيد أو المسلم بما له في ذمته على غيرهما. والحوالة عليهما]: أن يحيل السيد أو المسلم على المكاتب أو المسلم إليه بما له في ذمته إنساناً. واعلم أن المراد بالدين المستقر هاهنا: ما يجوز بيعه، لا ما أمنا انفساخ العقد فيه بتلفه، أو تلف مقابله كما ذكرناه في البيع. ويدل على ذلك أمران: أحدهما: أن ثمن المبيع الذي [لم] يقبض لا يؤمن انفساخ العقد فيه بتلف المبيع، ومع ذلك تجوز الحوالة به، كما استنبطه الرافعي من اختلاف الأصحاب في محل القولين [الآتيين]، فيما إذا أحال المشتري البائعً بالثمن على رجل، ثم رده بالعيب: هل هو فيما إذا كانت الحوالة بعد قبض المبيع، أما إذا كانت قبله فتنفسخ وجهاً واحداً، أو محلهما قبل القبض وبعده على حد سواء؟ والثاني: أن الزوجة يحص منها أن تحيل بالصداق قبل الدخول مع أنه غير مستقر بالمعنى الذي أردناه، وذلك يدل على ما ذكرناه؛ [و] لأجل ذلك جاءنا وجه في صحة الحوالة بنجوم الكتابة، كما قيل به في جواز بيعها. وفي "شرح الفروع" للقاضي أبي الطيب – أو لغيره – إشارة إلى منع الحوالة في مسألة الصداق؛ فإنه قال –فيما إذا أحالت الزوجة بالصداق قبل الدخول -: ظاهر المذهب: ملكها للتصرفات قبل القبض من البيع، والهبة، والعتق؛ فكذا الحوالة.

стр. 4701

فروع: تجوز حوالة السيد على المكاتب بدين المعاملة على الصحيح، وبه جزم ابن الصباغ؛ لأنه يجبر على أدائه. وقيل: لا تجوز له؛ لأن له أن يسقط ذلك بتعجيزه نفسَهُ كمال الكتابة. وبني المتولي هذا الخلاف على أن المكاتب إذا عجَّز [نفسه] هل يسقط هذا الدين أم لا؟ إن قلنا: نعم لم تصح، وألا صحت، ومقتضى هذا البناء أن يكون الصحيح على رأي عدم الصحة، وهذا يظهر لك إذا نظرت فيما حكيته في المسألة المبني عليها في باب الرهن. الثمن في زمن الخيار: هل تجوز الحوالة به، وعليه؟ فيه وجهان: أحدهما – وهو قول القاضي أبي حامد -: لا. والثاني: وهو الأصح في "الرافعي" و"النهاية" و"الوسيط": نعم. وهما منبنيان [في "الحاوي"، و"التتمة"] على أن الحوالة معاوضة أو استيفاء؟ فإن قلنا بالأول لم تصح، وألا صحت؛ فعلى هذا لا ينقطع الخيار، فلو اتفق فسخ البيع، انقطعت الحوالة وجهاً واحداً، صرح به الشيخ أبو حامد وغيره. قال الإمام: ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أن الحوالة في الثمن تقطع الخيار في البيع. وفي الرافعي حكاية وجه عن الشيخ [أبي علي] وأنه اختاره: أن الخيار يبطل؛ لأن قضية الحوالة اللزوم، فلو بقي الخيار لما صادفت الحوالة مقتضاها، وكانت [كالحوالة] على النجوم. وعلى قول المنع، هل ينقطع خيار البائع إن كانت الحوالة عليه، وخيارهما إن كانت الحوالة به؟ فيه وجهان سبق أصلهما في كتاب البيع. الجعل في الجعالة: جزم الماوردي والمتولي بعدم صحة الحوالة به قبل العمل، وبالصحة بعده.

стр. 4702

قال الرافعي: والقياس: أن يجيء في الحوالة به وعليه الخلاف المذكور في الرهن [و] في ضمانه. الزكاة: هل يصح أن يحيل المالك بها الساعي؟ إن قلنا: [إنها] استيفاء، صحت، وإلا فلا. قال: ولا تصح إلا على من عليه دين؛ لأنها إذا لم تصح بغير الجنس الذي عليه، فأولى ألا تصح إذا لم يكن عليه حق، كذا قاله القاضي أبو الطيب. قال: وقيل: تصح على من لا دين عليه برضاه؛ كما يصح أن يصالح عنه، وهذا ما اختاره ابن الحداد في "فروعه" وقال مَنْ شَرَحَها - من القاضي أبي الطيب وغيره -: هو الصحيح عندي. وقد خرج ابن سريج هذا الخلاف على أن الحوالة بيع أو عقد إرفاق يتضمن الاستيفاء؟ فإن قلنا: بالأول - وهو الصحيح - لم تصح؛ لأن ذلك بيع معدوم. وإن قلنا بالثاني: صحت؛ فكأنه استوفاه منه وأقرضه له، وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" والجمهور. وبناهما غيره - كما حكاه القاضي الحسين - على أن الضمان بشرط براءة الأصيل هل يصح؟ وفيه جوابان لابن سريج أيضاً: فإن جوزناه جوزنا هذه الحوالة، وألا فلا؛ لأنه في الحقيقة تضمين ما في ذمة المحيل بشرط أن تبرأ؛ ولهذا اعتبرنا على قولا لصحة رضاه وجهاً واحداً؛ لأنه لا يصح إلزامه الحق بغير الرضا، وهذا ما صححه الإمام، ثم قال: وليس هو مأخوذ من ذلك؛ بل هو عينه. فلهذا قطع به الغزالي في "الوسيط". وهذا البناء إنما يصح إذا قلنا: إن ذمة المحيل تبرأ من الدين المحال به في الحال، كما صار إليه الصيدلاني، وحكاه ابن كج وجهاً، وصححه من شرح "فروع" ابن الحداد -من القاضي أبي الطيب وغره -[وبه جزم ابن الصباغ]،

стр. 4703

وهو الذي يقتضيه قول الشيخ: ومتى صحت الحوالة، برئت ذمة المحيل. أما إذا قلنا بأنه لا يبرأ قبل توفية المحال عليه الحق كما أورده في "التهذيب" والأكثرون [كما حكاه الرافعي]، وعليه يدل كلام الماوردي حيث قال: إنه يجري مجرى الضمان، وإنه لا رجوع له [بالحق] قبل أدائه؛ فلا يستقيم هذا البناء. وقد عكس الماوردي هذا البناء، وقال: إذا ضمن عن إنسا ديناً على شرط أنه برئ منه، فإذا صح – كما هو قياس مذهب المزني – كانت حوالة بلفظ الضمان؛ لأن الألفاظ مستعارة. وإذا قلنا: لا تصح – كما هو قياس [قول] ابن سريج – يكون ضماناً باطلاً؛ اعتباراً بظاهر اللفظ. التفريع: على القول بالصحة: هل تكون لازمة قبل قبض الحق من المحال عليه، كما في سائر الحوالات، أو لا تلزم إلا بالقبض؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن العراقيين، والأصح الأول. وهل له أن يرجع على المحيل في الحال؟ ينظر: إن قلنا: إنه يبرأ بمجرد الحوالة، فنعم – كما حكاه الرافعي – وعند القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ: لا ما لم يغرم. وإن قلنا: لا يبرأ، فالحكم فيه كالضامن مع المضمون [عنه] في هذا، وفي غيره من الأحكام كما سنذكره. إلا أن الأصحاب جزموا هاهنا فيما إذا أدى بالإذن بالرجوع، وإن حكوا ثَمَّ وجهاً في أنه لا يرجع. وأن الظاهر هاهنا – كما قاله مجلي – فيما إذا أدى بغير الإذن: أنه يرجع؛ لأن الحوالة تقتضي الإذن في القضاء؛ إذ مضمونها تحوُّل الحق وانتقاله، بخلاف الضمان؛ فإنه مجرد وثيقة، وإن كان الماوردي قد جزم بعدم الرجوع، وان المحال إذا أبرأ المحال عليه يخرج على الخلاف فيما إذا أبرأت الزوجة الزوج ثم

стр. 4704

طلقها قبل الدخول، كما حكاه الإمام عن [العراقيين و] شيخه، والذي جزم به الجمهور: عدم الرجع. ولو أحال المحال عليه المحتال على غيره نظر: إن كان على من له عليه دين، رجع في الحال. وإن كان على من لا دين له عليه، لم يرجع ما لم يرجع عليه الذي أحاله عليه. ثم مقتضى هذا التفريع كله: أن المحتال له مطالبة المحيل والمحال عليه؛ كما في الضمان. واعلم أن هاهنا أمرين لابد من التنبيه عليهما: أحدهما: أن الشيخ جزم بأن الحوالة لا تصح إلا بدين مستقر [وعلى دين مستقر] وفي هذا غنية عن قوله من بعد: ولا تصح إلا على من عليه دين؛ لأنها [إذا امتنعت] مع وجود الدين ولا استقرار فمع عدمهما أولى. نعم، لو كانت هذه المسألة متقدمة على تلك؛ لم يرد السؤال الثاني، أن ما ذكره أولاً يقتضي ألا تصح الحوالة على من لا دين عليه إذا جوزناها إلا بدين مستقر، وقد ظهر لك أن هذه الحوالة ضمان عند الجمهور؛ فكان ينبغي أن تصح بما يجوز ضمانه، ولا يشترط أن يكون الدين مستقراً، وبهذا يقوي ما أبداه الرافعي في الحوالة بمال الجعالة كما قدمناه عنه. قال: ولا تجوز إلا بمال معلوم؛ لأن بيع المجهول واستيفاءه غير جائز؛ لما فيه من الغرر. والمراد بالمعلوم هاهنا: أن يكون معلوماً بالصفات التي تعتبر في المسلم فيه، سواء كان [المال] مِثْلِيًّا: كالدراهم والدنانير والحبوب وغير ذلك، أو غير مثلي: كالحيوان والنبات وغير ذلك. وفي غير المثلي وجه: أنه لا تصح الحوالة به ولا عليه.

стр. 4705

وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي وغيرهما في باب بيع الطعام [بالطعام] حكاية وجه ثالث: أن الحوالة لا تصح إلا بالأثمان، قوالوا: إنه ليس بشيء. قال: وقيل: تصح في إبل الدية، وإن كانت مجهولة، أي: الصفات؛ لحصول المقصود من الجانبين؛ فإن المسألة مصورة بما إذا أوضحت رأس إنسان، وأوضح ذلك الإنسان رأس آخر، فإن الواجب له وعليه خمس من الإبل، فأحال المجني عليه [أولاً] المجني عليه [ثانياً] بها على الجاني أولاً، هكذا علله بعضهم، والذي حكاه البندنيجي وغيره: أن هذا أخرجه ابن سريج من أحد قولي الشافعي في جواز المصالحة عليها، موجهاً ذلك بأن القدر واللون ينحصر إلى أقل ما يقع عليه الاسم، فينحصر إلى معلوم. وحكى في "الاستقصاء" وغيره: أن الخلاف في الصلح وجهان مخرجان من قولين نص عليهما الشافعي فيما لو جنت امرأة على رجل موضحة، فتزوجها، وجعل تلك الإبل صداقها. قال: ولا يجوز إلا أن يكون المال الذي في ذمة المحيل والمحال عليه متفقين في الصفة، أي: كالصحاح بالصحاح، والمكسَّر بالمكسر، والجيد بالجيد، والرديء بالرديء. قال: والحلول والتأجيل. أي: بحيث يكون الأجلان سواء؛ لأن الحوالة عقد إرفاق كالقرض، فلو جوزت مع الاختلاف، صار المطلوب منها الفضل؛ فتخرج عن موضوعها. وقيل: إذا قلنا: إنها استيفاء، جاز أن يحيل بالحالِّ عن المؤجل، وبالمؤجل إلى شهر عن المؤجل إلى [أكثر منه] وبالصحيح عن المكسر، وبالجيد عن الرديء، ولا يجوز العكس. وفي "الوسيط" عكس هذا؛ فإنه قال: كل ما يمنع الاستيفاء [إلا بمعاوضة] تمتنع الحوالة فيه. ولو كان لا يمنع الاستيفاء، بل يجب القبول، ولا يشترط رضا

стр. 4706

المستحق [به]، كتسليم الصحيح عن المكسر، والأجود عن الرديء، والحال عن المؤجل في بعض الأحوال – جازت الحوالة به. وإن كان يفتقر إلى الرضا المجرد دون المعاوضة، ففيه وجهان، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه خاصة، وهو خلاف ما عليه الجمهور. ثم على القول بعدم الجواز: لو وقعت الحوالة، قال في "التتمة": هي حوالة على من لا دين عليه، وقد تقدمت. وقد أغرب الزبيلي في "أدب القاضء" [له]، فقال: إذا كان عليه دراهم فأحاله بها على شخص له عليه دينار، أو كان عليه قمح فأحاله به على شخص له عليه شعير [فرضي - جاز]، إلا أنهما لا يفترقان إلا عن قبض. واعلم أن الشيخ اكتفى بما ذكره عن ذكر التساوي في المقدار؛ لأن الأجل إذا

стр. 4707

منع لكونه يقابله قسط تقديراً فالزيادة المحققة أولى. فرع: لو كان له على رجلين ألف، على كل منهما خمسمائة، وكل منهما ضامن صاحبه يما عليه، فأحال بالألف رجلاً له عليه ألف على أنه يأخذ الألف من أيهما شاء – قال أبو العباس بن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا تصح الحوالة؛ لأنها زيادة في حقه؛ لأنه كان له مطالبة واحد فصار له مطالبة اثنين، ولأن الحوالة بيع، فإذا كان الحق على اثنين كان المقبوض [منه مجهولاً، فصار العوض] مجهولاً، وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب. والثاني: يصح، [ويثبت للمحال] عليهما ما كان ثابتاً للمحيل، وهذا اختاره الشيخ أبو حامد، وقال: الزيادة التي تمنع إذا كانت في القدر أو الصفة؛ ألا ترى أنه يجوز أن يحيله على من هو أملأ منه؟! قال ابن الصباغ: ولو أحاله بدين لا رهن به على دين به رهن، ينبغي [أن يكون على هذا الاختلاف، أو ينبغي] ألا يصح وجهاً واحداً؛ لأن الرهن عقد وقع له فلا يقبل النقل إلى غيره، بخلاف الذي له على الضامن؛ لأنه يقبل النقل؛ ولهذا لو أحاله به وحده جاز [وينفك الرهن]. قال: ولا يثبت فيها خيار الشرط؛ لأنها [إما بيع] دين بدين، وهو لا يدخله الخيار، أو استيفاء حق، واستيفاء الحقوق لا خيار فيه. قال: ولا خيار المجلس؛ لأنه عقد لا يثبت فيه خيار [الشرط؛ [الأجل القبض]؛ فلم يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح. قال: وقيل: يثبت فيه خيار] المجلس؛ لما فيه من شائبة المعاوضات، وقد بنى البندنيجي الوجهين فيه على الخلاف في أنها بيع أو استيفاء، فقال: إن قلنا: إن استيفاء، فلا يثبت، وإلا ثبت.

стр. 4708

ومقتضى هذا: أن يكون الصحيح الثبوت، والذي حكاه الإمام والرافعي: أن الصحيح مقابله؛ ولذلك جعله القاضي الحسين المذهب. والمذكور في "الحاوي": بناء الوجهين على الوجهين في أنها بيع عين بدين، أو بيع دين بدين؟ فإن قلنا بالأول ثبت، وإلا فلا. وقد أجرى القاضي الحسين [هاهنا] والشيخ أبو محمد- على ما حكاه الإمام في باب الخيار وجه الثبوت في خيار المجلس دون خيار الشرط، وقال: إنه الأوجه إن لم يكن [من الخيار بد]. فرع: لو احتال على شخص بشرط أن يعطيه المحال عليه بالحق رهناً، حكى الماوردي في أواخر كتاب الرهن في صحة ذلك وجهين، وأنهما مبنيان على أنها بيع أو عقد إرفاق؟ فإن قلنا: إنها بيع جاز، وإلا فالشرط باطل، وفي بطلان الحوالة وجهان. وقال هاهنا: إن الخلاف مبني على أنها بيع عين بدين أو بيع دين بدين؟ فإن قلنا بالأول صح اشتراط الرهن، وإن قلنا بالثاني فلا يصح. وكذا الخلاف يجري فيما لو شرط أن يكون به ضامن – كما حكاه الإمام عن تخريج ابن سريج – فيجوز على القول [بأنها بيع، ويمتنع على القول] بأنها استيفاء. قال: وإذا صحت الحوالة برئت ذمة المحيل، وصار الحق في ذمة المحال عليه. قال الماوردي: وهذا إجماع. وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب وغيره أن زفر قال: لا يبرأ؛ كما لا يبرأ الضامن. ودليلنا: أن الحوالة مشتقة من التحويل؛ ينبغي أن يعطي اللفظ حقه من الاشتقاق، وليس كذلك الضمان؛ فإن اشتقاقه من انضمام ذمة إلى ذمة أخرى؛ فلذلك تعلق الحق بذمة الضامن وذمة المضمون عنه، كذا قاله القاضي.

стр. 4709

وفي كلام الإمام في باب الضمان ما يمنع ما ادعاه من الاشتقاق؛ فإنه قال: وغلط من ظن أن الضمان من الضم؛ فإن النون أصلية في "الضمان" شهدت لها التصاريف، نعم فيه معنى الضم. وأيضاً: فإن المحتال لو أبرأ المحيل بعد الحوالة لم يبرأ المحال عليه، و [لو] لم ينتقل الحق، وكان المحال عليه كالضامن لبرئ. فرع: لو اشترط ألا تبرأ ذمته من المال [المحال به حتى يقبضه، وقد أحاله على من له عليه دين-] فهل تصح هذه الحوالة؟ فيه وجهان في "الاستقصاء" كالوجهين في صحة اشتراط الضمان بمال الحوالة. قال: فإن تعذر من جهته، [أي: بفلس في الحياة، أو بموت المحال عليه مُعدَماً، أو بجحوده وحلفه] – لم يرجع على المحيل؛ لقوله ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ، فَلْيَتْبَعْ" قال الماوردي وغيره: وجه الدلالة منه من وجهين: أحدهما: أنه لو كان له الرجوع لما كان لاشتراط الملاءة فائدة؛ لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به، فلما شرط الملاءة علم أن الحق قد انتقل بها انتقالاً لا رجوع به؛ فاشترط الملاءة حراسة لحقه. والثاني قوله: "فَلْيَتْبَعْ" فأوجب عموم الظاهر اتباع المحال عليه أبداً، فليس أو لم يفلس. ومن جهة المعنى: أن الحوالة تجري مجرى القبض؛ لأمرين: أحدهما: أنه صرف يجوز الافتراق فيه، فلولا أنه قبض لبطل الافتراق. والثاني: أن المحيل لو مات جاز لورثته اقتسام التركة. فدل هذان على أن الحق مقبوض، والحقوق المقبوضة إذا تلفت لم يستحق الرجوع بها كالأعيان المقبوضة.

стр. 4710

وبهذا يندفع سؤال من قال: إن الحقوق المستقرة في الذمة تنتقل تارة إلى ذمة أخرى بالحوالة، وتارة إلى عين بالمعاوضة، فلما كان تلف العين قبل قبضها يوجب عود الحق إلى الذمة الأولى وجب أن يكون تلف الذمة بالموت قبل القبض كذلك. ومن قال: إن خراب الذمة إما أن يجري مجرى العيب أو مجرى الاستحقاق: فإن جرى مجرى الاستحقاق فقد عاد الحق إلى الذمة وهذا يمنعه، وإن جرى مجرى العيب كان مخيراً في الرجوع إلى الذمة الأولى. ولا رق فيما ذكرناه بين أن يشترط ملاءة المحال عليه فيظهر معسراً أو لا، على ما حكاه المزني. وقد حكى عن ابن سريج أنه قال: يثبت له الخيار إذا شرط ملاءته فأخلف الشرط؛ لأنه لما رجع المشتري في البيع بالغرور [في العيب، وجب أن يرجع المحال عليه في الغرور باليسار، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد كما حكاه البندنيجي، وقال الماوردي وغيره: إنه خطأ. والفرق: أن إعسار المحال عليه قد يصل إليه من غير جهة المحيل؛ فلم يكن له الرجوع بها مع الغرور]، والعيوب قد لا يصل إليها إلا من جهة البائع؛ فلذلك رجع بها مع الغرور. وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه يثبت له بالخيار، وإن لم يشترط ملاءته؛ فإن ذلك بمنزلة العيب القديم، وجعل هذا الخلاف يقرب من الخلاف في أن الحوالة: هل يلحقها خيار المجلس والشرط؟ وهذا ما رجحه الغزالي، والجمهور على خلافه. فرع: لو شرط في الحوالة الرجوع على المحيل بتقدير الإفلاس والجحود، ففي صحة الحوالة وجهان، [وإن صحت، ففي صحة الشرط وجهان] حكاهما ابن كج. فرع: لو بان المحال عليه عبداً، نظر: إن كان عبداً لأجنبي، فإن قلنا: للمحتال الخيار عند إفلاس المحال عليه فها هنا أولى.

стр. 4711

وإن لم نثبت [له] ثَمَّ فهاهنا وجهان؛ إذ [طرآن] العتق ليس مما يعد من ميسور الأموال، بخلاف اليسار. وإن كان عبداً للمحيل، ففي "الاستقصاء": أنه إن كان مأذوناً له صحت، ولا يبرأ السيد حتى يعطيه العبد مما في يده؛ لأنه بمنزلة الإذن له في القبض من وكيله، وإن لم يكن مأذوناً فوجهان: أصحهما: أنه لا يصح؛ لأنه لا يتم إلا برضا العبد فهو كما لو أحال على نفسه. والثاني: [أنه] يصح برضا العبد، ويكون ضامناً، وما قاله محمول على ما إذا لم يكن له عليه دين، [وسنذكر تصوير ما إذا كان له عليه دين]. وفي "النهاية": أن صاحب "التقريب" قال: إن كان العبد كسوياً تعلق الدين بكسبه، وإن لم يكن كسوباً فبذمته. قال الإمام: [و] هذا خطأ، والوجه أن يقال: العبد لا يتصور أن يكون للسيد عليه دين يتعلق بذمته أو كسبه إلا فيما إذا ملكه وله عليه [دين] على وجه، فإن لم يكن كذلك فالحوالة باطلة، إن لم نجوز الحوالة على من لا دين عليه، وإن جوزناها فهي [ضمان]، وسيأتي. وإن كان له عليه دين، وقلنا: لا يسقط، فأحاله به – صحت الحوالة، وكان كما لو كان لأجنبي. قال: وإن أحال البائع على المشتري رجلاً بالمال، أي: الذي هو ثمن، ثم خرج المبيع مستحقًّا – بطلت الحوالة، وكذا لو خرج العبد المبيع حرًّا؛ لأن الحوالة وقعت بالثمن، وقد بان أن لا ثمن، فإن لم يكن المحتال قد قبض المال فلا مطالبة له، وإن كان قد قبضه فعليه رده، والمراد بخروج المبيع مستحقًّا: ظهور كونه [ملكاً] لغير البائع: [إما بينة، وإما] بتقارُرِ البائع والمشتري

стр. 4712

المحتال، وكذا ظهور حرية العبد المبتاع. فلو صدَّق العبد في دعوى الحرية البائع والمشتري، وكذبهما المحتال – لم تبطل الحوالة، إلا أن تقام بينة عليها. قال الرافعي وغيره: وهذه البينة يتصور أن يقيمها العبد، ويتصور أن يبتدئ بها الشهود على سبيل الحِسْبة. قال صاحب "التهذيب": ولا يتصور أن يقيمها المتبايعان؛ لأنهما كذباها بالدخول في البيع، وكذلك ذكر الروياني. قلت: وفيما قيل من إمكان إقامة البينة من العبد نظر؛ لأن المشتري إذا صدق العبد في دعوى الحرية عَتَقَ، ولا يتوقف عتقه على تصديق المحتال؛ فدعواه عليه غير مسموعة، وبينته من طريق الأولى، وقد وقفت في "تعليق" أبي الطيب على تصوير المسألة بما إذا اشترى عبداً بألف وقبضه، ثم باعه، وأحال على المشتري الأول البائع منه بالألف رجلاً، ثم تصادق البائع الأول والمشتري منه على أن العبد حر، ولم يصدقهما المشتري الثاني، فإن كان إطلاق الأصحاب محمولاً على هذه الصورة فقد اندفع الإشكال؛ فإن العبد والحالة هذه لا يحكم بحريته. والله أعلم. وللبائع والمشتري عند عدم البينة تحليف المحتال على نفي العلم، فإن حلف بقيت الحوالة في حقه، وله أخذ المال، وهل يرجع المشتري على البائع المحيل بشيء؟ قال في "التهذيب": لا؛ لأنه يقول: ظلمني المحتال بما أخذ، والمظلوم لا يرجع إلا على من ظلمه. وقال الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج، والشيخ أبو علي: يرجع؛ لأنه قضى دينه بإذنه، فعلى هذا: يرجع إذا دفع المال إلى المحتال، وهل يرجع قبله؟ فيه وجهان. فإن نكل المحيل حلف المشتري، ثم إن جعلنا اليمين كالإقرار بطلت الحوالة، وإن جعلناها كالبينة فالحكم كما لو حلف. قلت: وفي هذا – أيضاً –نظر من وجهين:

стр. 4713

أحدهما: أن سماع الدعوى من البائع على المحتال بماذا؟ فإنه بعد وقوع الحوالة غير مطالب، ولا له حق بزعمه عند المشتري حتى إذا بطلت الحوالة رجع به. الثاني: أن تحليف المشتري مع القول بأن يمينه مع النكول كالبينة لا معنى له؛ إذ لا يترتب عليه شيء؛ فينبغي ألا يحلف كما ذكره الأصحاب في غير هذا الموضع، ورطيق الجواب عن دعوى البائع أن يقال: البائع له إجبار من له عليه حق حال قبضه على الصحيح فيحضره إليه، ويدعي عليه استحقاق قبضه بحكم بطلان الحوالة بسبب حرية العبد الذي أحاله بثمنه، والله أعلم. قال: وإن وجد بالمبيع عيباً فرده لم تبطل الحوالة؛ لأن بمجرد الحوالة انتقل ملك البائع عن الثمن إلى المحتال فلم يكن للمشتري إبطال ذلك بالرجوع؛ كما لو كان الثمن عيناً فباعها من أجنبي. قال: بل يطالب المحتال المشتري بالمال [بحكم الحوالة] لبقاء ملكه عليه، ويرجع المشتري على البائع [به]، أي: ببدله [كما يقول ذلك فيما لو كان [الثمن] عيناً وقد خرج] عن ملكه. وهذا الذي ذكره الشيخ هو الصحيح في الطرق، وادعى ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب في "تعليقه" إجماع الأصحاب عليه. وفي "النهاية": أن منهم من الحق هذه الصورة بالتي تليها، وعلل بأن الحوالة وإن تعلقت باستحقاق ثالث فإنها تبع للبيع، والتبعية لا تزول، ثم قال: وهذا وإن كان منقاساً فهو غريب، حكاه العراقيون والقاضي وغيرهم. قلت: ويؤيد الحكاية عن العراقيين: أن القاضي أبا الطيب في "شرح الفروع" لابن الحداد حكى فيما إذا أحالت الزوجة على الزوج بالصداق، ثم طلقها قبل الدخول وقبض المحتال – أن من أصحابنا من قال: لا يرجع الزوج عليها بشيء، ويدفع [إليها] الزوج نصف الصداق، وأن الصحيح ما قاله ابن الحداد، وهو أنه يرجع عليها بنصف الصداق.

стр. 4714

ثم لا فرق على الصحيح بين أن يكون المحتال قد قبض المال أو لم يقبضه، وفيه قول [آخر]: أنه لا يجرع عليه ما لم يقبضه، وله مطالبته بقبضه على الأصح. قال: وإن أحال المشتري البائع بالثمن على رجل، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً فرده، فإن كان بعد قبض الحق لم تنفسخ الحوالة؛ لأنها تمَّت بالقبض بالمحصل؛ لبراءة ذمة المحال عليه. قال: بل يطالب المشتري البائع بما قبض، أي: ببدله، ولا يتعين حقه [في] المقبوض لصحة الحوالة، وهذا ما حكى الرافعي أن العراقيين جزموا به، وأن الشيخ أبا علي [قال:] ومن الأصحاب من خرج ذلك [أيضاً] على القولين فيما لو وجد فسخ البيع ولم يقبض المال بعد، وعلى ذلك جرى البغوي والمتولي وغيرهم. قلت: وكلام ابن الصباغ يدل على ذلك؛ فإنه قال: إذا قبض المال برئت ذمة المحال عليه. وهل يرجع المشتري على البائع بالثمن المسمى أو بما قبضه من المحال عليه؟ فيه خلاف سنذكره، ولا وجه لرجوعه بما قبضه من المحال عليه إلا إذا قلنا بأن الحوالة انفسخت ولهذا قال الأصحاب: إذا قلنا بالانفساخ وجب عليه رد المال المقبوض إلى المشتري، وإنه لو رده على المحال عليه لم تسقط طَلِبَة المشتري عن البائع. قال: وإن كان قبل قبض الحق فقد قيل: تنفسخ؛ لأن الحوالة وقعت بالثمن، فإذا فسخ البيع خرج المحال به عن أن يكون ثمناً، [وإذا خرج عن أن يكون ثمناً] ولم يتعلق به قح غيرهما وجب أن تبطل الحوالة، وبهذا فارقت هذه المسألةُ المسألةَ قبلها. وهذا ما حكاه المزني في "المختصر"، وجزم به أبو إسحاق وابن أبي هريرة

стр. 4715

وأبو الطيب بن سلمة، وأكثر أصحابنا، على ما حكاه الماوردي. فعلى هذا: ليس له قبض المال، ولو قبضه لم يقع عنه، وفي وقوعه عن المحيل وجهان عن الشيخ أبي محمد، وأصحهما: لا. قال: وقيل: لا تنفسخ؛ لأنه تصرف في أحد عوضي البيع قبل الرد [فلا يبطل بالرد] بالعيب كما لو أخذ عنه ثوباً، وهذا ما حكاه أبو إسحاق في "الشرح" عن نقل المزني في "الجامع الكبير"، وجزم به أبو علي الطبري في "الإفصاح". وحمل ما [حكى عن] المزني في "المختصر" على الخطأ، وتابعه على الجزم به ابن الحداد، والأكثرون من أصحابنا، كما قاله القاضي في "شرح الفروع" وقال: إنه الصحيح. والقائلون بالطريق الأول منهم من حمل ما حكي عن نصه في "الجامع الكبير" على ما إذا كان حدوث العيب ممكناً بعد القبض، وكان القول في حدوثه قول البائع مع يمينه، فنكل عن اليمين، ردت عل المشتري، فحلف واستحق الرد، فالحوالة ثابتة لا تبطل؛ [لأن الحوالة تبطل] باتفاق المحيل والمحال عليه كما كان تمامها بهما، وإذا أنكر البائع تقدم العيب صار بطلانها لو بطلت بقول المحتال وحده وهو المشتري. وما قاله في "المختصر" [محمول] على ما إذا كان العيب متقدماً، ولا يجوز حدوث مثله بعد القبض، وهذه طريقة أبي إسحاق. وقال القاضي أبو حامد المرْوَرُّوذِي: طلبت ما نسب إلى المزني في "الجامع الكبير" فلم أجده في شيء منها، بل وجدت فيها خلاف ذلك. وكذلك قال الماوردي: إن هذه الطريقة أسوأ الطرق. فعلى هذا: له مطالبة المحال عليه وقبض الحق منه، وهل يرجع على البائع بالثمن قبل القبض؟ فيه وجهان، وأقيسهما عند الإمام: الرجوع، والأصح عند الصيدلاني: أنه لا يرجع، فعلى هذا له مطالبته بتخليصه على الأصح، وفيه وجه. وفي "النهاية": أن الجمهور جعلوا إطلاق النقلين من المزني قولين، وبنوهما

стр. 4716

على أن الحوالة استيفاء أو معاوضة. فإن قلنا: إنها استيفاء، انفسخت الحوالة؛ لأنها على هذا التقدير – نوع إرفاق ومسامحة؛ فإذا بطل الأصل بطلت هيئة الإرفاق التابعة له؛ كما إذا اشترى شيئاً بدراهم مكسرة، وتطوع بأداء الصحاح ثم رده بالعيب – فإنه يسترجع الصحاح. وإن قلنا: إنها اعتياض، لم تبطل؛ كما لو استبدل عنه عيناً، ثم رد المبيع بالعيب؛ فإنه لا يسترد العين. على أن القاضي أبا الطيب والروياني منعا الحكم في هذه المسألة، وجعلاها كمسألة الحوالة، والذي رجحه القاضي ابن كج والغزالي من القولين – قول الانفساخ. ثم اعلم أن محل الخلاف بالاتفاق: ما إذا كان الرد بعد قبض المبيع، أما إذا كان قبله: فمنهم من جزم بالانفساخ، ومنهم من طرد الخلاف وهو الأصح. وفي "الحاوي": تخصيص محل القولين في انفساخ الحوالة بما إذا وقع الرد بالعيب بحكم الحاكم، وواق المحتال على أن ما وقعت الحوالة به هو الثمن، أما إذا لم يوافق [على ذلك، أو وافق] ووقع فسخ البيع بينهما من غير حاكم – فلا تبطل الحوالة وجهاً واحداً، وحكم الفسخ بسبب الإقالة أو التخالف وغيرهما حكم الفسخ بالعيب. وعلى رأي الماوردي ينبغي ألا يجري في الإقالة، كما إذا توافقا على الرد بالعيب من غير حاكم من طريق الأَوْلى. وقد ألحق الإمام وغيره بذلك فسخ النكاح بالعيب وانفساخه بالردة والرضاع، إذا كان الدين الحال به صداقاً، وأجري أيضاً فيما إذا طلق الزوج [قبل] الدخول. ومنهم من جعل الخلاف في ذلك مرتباً على الخلاف في غيره، وأولى بعدم الانفساخ، وهو ما جزم به ابن الحداد.

стр. 4717

والفرق: أن الطلاق سبب حادث، لا استناد له إلى ما تقدم، بخلاف الفسخ، ولأن الصداق أثبت من غيره، وكذلك لو زاد زيادة متصلة، لم يرجع في نصفه إلا برضاها، بخلاف ما إذا كانت في المبيع. قال: وإن اختلف المحيل والمحتال، فقال المحيل: وكلتك في القبض، وقال المحتال: بل أحلتني. نقدم على الكلام في هذه مسألةً وهي: إذا قال رجل لمن لا حق له عليه: أحلتك على فلان بما لي عليه، كانت وكالة في جميع أحكامها، صرح بذلك صاحب "الاستقصاء" وغيره، وحكاه المتولي عن ابن سريج. ثم قال: وهذا على طريقة من ينظر إلى المعنى عند استعمال اللفظ في غير موضوعه، أما على طريقة من يعتبر اللفظ فلا تنعقد وكالة، وعلى الأول: إذا جرى مثل هذا اللفظ مع من له عليه دين وقال: قبلت، ثم اختلفا، وهي صورة مسألة الكتاب، فقال المحيل: أردت الوكالة، وقال المحتال: بل الحوالة – قال: فالصحيح أن القول قول المحيل؛ لأنهما اتفقا على ملك المحيل للدين، والمحتال يدعي انتقال الدين إليه وبراءة ذمة المحيل به، والأصل عدمه، ولفظ الحوالة كما يستعمل في نقل الحق يستعمل في نقل الطالبة، وهذا ما ذهب إليه المزني وأكثر الأصحاب؛ كما حكاه الرافعي. قال: وقيل: [إن] القول قول المحتال؛ لأن ظاهر اللفظ وافق دعواه، فكان حمل الحكم على ما يقتضيه ظاهر اللفظ أولى من حمله على ما يخالفه، وهذا ما ذهب إليه ابن سريج، وحكى الرافعي عن القاضي الحسين القطع به، وأنه حمل ما حكى عن المزني على ما إذا اختلفا في أصل اللفظ، فقال المحيل: وكلتك بلفظ الوكالة، وقال المحتال: بل أتيت بلفظ الحوالة واردتها، فإن القول قول المحيل بلا خلاف. والذي رأيته في "تعليقه" تصحيحه لا القطع به. وفي "تعليق" البندنيجي: أن ابن سريج حكى الوجهين، وقال: [إن] أصلهما

стр. 4718

القولان فيما إذا ضرب ملفوفاً فقده نصفين، ثم اختلف هو وورثته في حياته، فإن فيه قولين؛ لتقابل أصلين: بقاء الحياة، وبراءة الذمة، وكذلك هاهنا أصلان: بقاء حق المحيل في ذمة المحال عليه، وقول المحيل: أحلتك على زيد، حقيقة في تحويل الحق. أما لو قال: أحلتك على فلان بما لك علي، فلا خلاف في أن هذا حوالة، صرح به في "الاستقصاء" وغيره، وفي "النهاية": أن منهم من أجرى ذلك وجهاً ثالثاً، وأن هذا لا يجوز أن يقدر فيه خلاف. التفريع: إن قلنا بقول ابن سريج فلا يخفى حكمه. وإن قلنا بقول المزني: فإن كان المحتال لم يقبض الحق بعد، لم يكن له قبضه، فلو قبضه فهل يكون مضموناً عليه؛ فيه وجهان. قال الماوردي: مأخوذان من اختلاف أصحابنا، في أن هذه وكالة فاسدة أو حوالة فاسدة؟ فإن قلنا: وكالة فاسدة، لم يضمن، وألا ضمن. وإن كان قد قبضه برئ المحال عليه. وحكى الرافعي عن الإمام رواية وجه ضعيف عن صاحب "التقريب": أنه لا يبرأ، والذي فهمته من كلام الإمام ما حكيته عن الماوردي من قبل.

стр. 4719

فعلى الصحيح: إن كان المال باقياً انتزعه المحيل منه، وهل يرجع عليه المحتال بشيء؟ فيه وجهان: أصحهما في "الشامل" و"التتمة" وغيرهما: أن له الرجوع. واختيار الشيخ أبي حامد: لا. وإن كان تالفاً فلا تراجع بينهما؛ لأن المحيل يقول: تلف عليَّ ملكي في يدك، والمحتال يقول: تلف بعد أن أخذته من حقي. قال: وإن قال المحيل: أحلتك، وقال المحتال: بل وكلتني وحقي باقٍ عليك – فالأظهر أن القول قول المحتال؛ لأنهما توافقا على شغل ذمة المحيل وهو يدعي براءتها بالحوالة، والأصل بقاء الشغل، وهذا قول المزني. قال: وقيل: القول قول المحيل؛ اعتباراً بالظاهر كما قررناه، وهذا قول ابن سريج. قال الرافعي: [وقد حكى] عن القاضي الحسين القطع به. التفريع: إن قلنا بمذهب المزني نظر: فإن لم يكن المحتال قد قبض المال لم يجز له قبضه، ويرجع على المحيل بحقه، وهل للمحيل أن يرجع بما أحال به على المحال عليه في الظاهر؟ فيه وجهان. وإن كان قد قبضه وهو باقٍ قبل للمحتال: [خذه] في حقك، وفي "الوسيط" حكاية وجهين: أحدهما: أنه يطالبه بحقه ورد المقبوض إليه. والثاني: ما ذكرناه.

стр. 4720

وإن كان تالفاً نظر: إن كان بتفريط منه كان من ضمانه، وإن كان بغير تفريط تلف من مال المحيل، وحق المحتال باق في ذمة المحيل، جزم به الماوردي، وفي "تعليق" البندنيجي رواية وجه: أن المال يتلف من ضمان المحتال، وأنه ليس بشيء. ووجهه الإمام بعد حكايته عن رواية صاحب "التقريب" بأنا إنما عجلنا القول قوله؛ لأن الأصل بقاء طَلِبته على الآخر، وهو يدعي استيفاءه، فإذا آل الأمر إلى الغرامة فالأصل أن ماله لا يكون أمانة إلا أن يقر بها، ومن تلف في يده ملك غيره فالأصل أن يكون مضموناً عليه. وإن قلنا: [بمذهب ابن سريج] فيحلف المحيل – كما قال [القاضي] أبو الطيب – بالله: لقد أحلته وما وكلته؛ فيبرأ في الظاهر من الدين، ثم ينظر: فإن لم يكن قد قبض المال من المحال عليه فله مطالبته به في الظاهر والباطن؛ لأنه قد ثبت أنه محتال فله مطالبته بالحوالة، وهو مقر بأنه وكيل وأن له المطالبة بالوكالة؛ فلم ينك ثم ما يمنع من المطالبة [به]. فرعان: أحدهما: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فطالبه به، فادعى أنه أحال [به] فلاناً الغائب – فالقول قول رب الدَّيْن، فإن أقام المديون بينة بالحوالة سمعت وسقطت المطالبة عنه، ولا يقضي بها للغائب على من له الدين؛ لأن القضاء للغائب لا يجوز، فإذا حضر الغائب وادعى احتاج إلى إقامة البينة حتى يقضي له بها، كذا قاله [القاضي] أبو الطيب. وفي "الزوائد" حكاية عن ابن سريج: أنه لا حاجة عند حضوره إلى إقامته البينة؛ لأنه إنما يدعي بالحوالة على المحال عليه وهو مقر [له]. وهذا ما أبداه في "الاستقصاء" احتمالاً.

стр. 4721

وقد حكى الرافعي ما ذكرناه أولا وآخرا وجهين. الثاني: إذا أحال رجل من له عليه دين على يزد به، فدفعه، ثم اختلف زيد والمحيل: فقال زيد: لم يكن لك عندي شيء، فلي الرجوع عليك بما دفعته، وقال المحيل: بل كان لي عليك – فالقول قول زيد مع يمينه، وله الرجوع على المحيل، صرح به صاحب "الزوائد" وغيره. والله أعلم.

стр. 4722

باب الضمان "الضمان" مأخوذ من "التضمين". ومعناه: تضمين الدين في ذمة من لا دين عليه، مع بقائه في ذمة من عليه. واختصاره: ضم ذمة إلى ذمة. وهو مصدر: ضَمِنته أضمَنُه ضماناً: إذا كفلته، ويقال: ضمن الشيء، وضمن به [ضَمْناً و] ضماناً، وضمَّنه إياه: أي كَفَّله. والضامن: يسمى الضمين، والحميل - بفتح الحاء - والزعيم، والكفيل، والصبير. قال الماوردي: غير أن العرف جارٍ بأن الضمين مستعمل في الأموال، والحميل في الديات، والزعيم في الأموال العِظام، والكفيل في النفوس، والصبير في الجميع، والضمان يصح بكل واحد منها ويلزم. والأصل في مشروعيته من الكتاب قوله تعالى: ﴿سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. وذلك يدل على مشروعية الضمان في الجملة عندهم. وقد ورد في شرعنا ما يقرره، وهو ما روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: "وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ" وقال: إنه حديث حسن صحيح. وروى أبو سعيد الخدري: أن جنازة أُتِيَ بها إلى النبي ﷺ فقال: "هَلْ عَلَى

стр. 4723

صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ " فقالوا: نعم، درهمان، قال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ" فقال علِيٌّ: هما عليَّ يا رسول الله، وأنا بهما ضامن؛ فصلى عليه، ثم قال له: "جَزَاكَ اللهُ عَنِ الإِسْلامِ خَيْراً، وفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ". وقد روي عن أبي قتادة أنه ضمن عن ميت دينارين. وفي البخاري: أنه أتى بجنازة، فقيل: يا رسول الله، صلِّ عليها، قال: "هَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ " قالوا: لا، قال: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، فقال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ" قَالَ أَبُو قَتَادَة: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. قال جابر: كان في ابتداء الإسلام لا يصلي النبي ﷺ على جنازة عليها دين، حيث كان في الأموال قلة؛ لأن صلاته توجب المغفرة إذ هي شفاعة، وهو ﷺ مُشَفَّع في أمته، والديون معاقب عليها، فلام كثرت الأموال نسخ ذلك فقال ﷺ : "مَنْ خَلفَ مَالاً أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ خَلفَ كَلاًّ أَوْ دَيْناً فَكَلُّهُ إِلَيَّ وَدَيْنهُ عَلَيَّ" فقيل: يا رسول الله، وعلى كل إمام بعدك؟ فقال: "وَعَلَى كُلِّ إِمَامِ بَعْدِي". واختلف العلماء – عل ما حكاه الماوردي-في معنى قوله ﷺ : "مَنْ خَلفَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ خَلفَ دَيْناً فَعَلَيَّ" على وجهين: أحدها: أنه إذا مات وعليه دين، قضاه من مال الصدقات من سهم الغارمين، ومن مات ولا دين عليه وله مال، كان لورثته.

стр. 4724

والثاني: أن من ترك ديناً له ومالاً، فَعَليَّ اقتضاء الدين له، واستخراجه ممن هو عليه حتى يصير مع ماله تركة إلى ورثته. [ولأجل هذا الاختلاف، اختلف أصحابنا في أنه: هل كان يجب عليه ﷺ قضاء ديون من مات ولا مال له أم لا؟ على وجهين، أصحهما في "النهاية" في أول كتاب النكاح: نعم، وعلى هذا: هل يجب مثل ذلك على الأئمة من بعده أم لا؟ فيه وجهان]. [وبالتفسير الثاني أخذ من لم يوجب من أصحابنا على الأئمة قضاء [ديون] المَوْتَى، إذا قلنا بأن ذلك كان حتماً على النبي ﷺ ؛ كما هو الأصح في "النهاية" في أول كتاب النكاح. ومن قال منهم بأنه يجب على الأئمة ذلك من سهم المصالح، تمسك بظاهر الخبر، وفسره بالتفسير الأول]. وقد أجمع المسلمون على أصل الضمان، وإن اختلفوا في التفصيل. قال: من صح تصرفه في ماله بنفسه صح ضمانه، [أي: سواء كان المضمون عنه حياً أو ميتاً: أما إذا كان ميتاً؛ فلحديث علي وأبي قتادة]. وأما إذا كان حيًّا فلما روي عكرمة، عن ابن عباس – ﵃ – أن رسول الله ﷺ تحمل عن رجل عشرة دنانير، وأنه أتى له بها فردها النبي ﷺ عليه. وروي أن قَبِيصة بن المخارق الهلالي تحمل حمالة، فأتى النبي ﷺ فقال له: "نُؤَدِّيهَا عَنْكَ يَا قَبِيصَةُ" ثم قال ﷺ : "حَرُمَتْ الْمَسْأَلَةُ – أَوْ قَالَ: لاَ تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ – إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَيَسْأَلُ حَتَّى يَقْضِيهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ". وقد حكى الرافعي عن أبي الحسين: أن من الأصحاب من لم يصحح ضمان

стр. 4725

الأخرس بالإشارة، وقال: لا ضرورة بنا إليه، بخلاف سائر التصرفات، وانه لو ضمن بالكتابة كان في الصحة أيضاً وجهان، أظهرهما: الصحة عند وجود القرينة المشعرة بالمقصود. قال: ومن لا يصح تصرفه في المال كالصبي، والمجنون، [أي: ومن [في معناهما من مغمي عليه] أو مُبَرْسَمٍ أو سكران بغير مُحَرَّم. قال: والمحجور عليه لسفه لا يصح ضمانه؛ لأنه إيجاب مال بعقد فلم يصح ممن ذكرناه كالبيع. أما السكران بمحرم فقد قدمت الكلام في تصرفاته في باب الحجر، وسيأتي في كتبا الطلاق، وقد قال الماوردي هنا: إن ضمانه صحيح على الجديد، ويجيء قول آخر من القديم: أن ضمانه باطل. وعن السفيه احترز الشيخ بقوله: بنفسه؛ لأنه يصح تصرفه في ماله بإذنه وليه على الأصح. واحترز عنه الغزالي بقوله: وكونه من أهل التبرع. وهو ما نَحَا إليه الإمام؛ فإنه قال: المحجور عليه وإن كان تصح عبارته عن إذن وليه فضمانه مردود من قبل أنه تبرع وتبرعات المبذر مردودة، ولا يصح من الولي الإذن فيها. وقد اعترض الرافعي عليه [فيها] بأنه إنما يكون تبرعاً إذا كان في صورة لا يثبت فيها الرجوع، أما إذا كان في صورة يثبت فيها الرجوع فهو إقراض لا محض تبرع. ويدل عليه: أنه إذا ضمن في مرض الموت بغير إذن من عليه الدين فهو محسوب من ثلثه، وإن ضمن بإذنه فهو محسوب من رأس المال، وهذا وإن لم يكن تبرعاً فلا يصح من المحجور [عليه]، كالبيع، فإن أذن فيه الولي فليكن كما لو أذن في البيع. انتهى. قلت: ما ذكره الإمام ظاهر الصحة، وفيما اعترض به الرافعي عليه نظر من

стр. 4726

وجهين: أحدهما: أنه أطلق على الضمان بأنه قرض في الصورة التي يثبت فيها الرجوع، وليس كذلك؛ بل الأداء هو القرض. وجوابه: أنه يجوز؛ [فعبر عنه بما] يئول إليه. الثاني: أن قوله: فليكن إذا أذن فيه الولي كما لو أذن في البيع، لا تظهر صحته؛ فإنه قد قرر أنه قرض، وقرض مال السفيه لا يجوز إلا لضرورة كما تقدم. فرع: لو ضمن مالاً، ثم ادعى أنه في حال الضمان كان صبيًّا أو مجنوناً، واحتمل ما يقوله – فالقول قوله، ويعتبر فيما إذا ادعى الجنون أن يُعْهَدَ له جنون سابق أو يقيم عليه بينة، هكذا أطلقه الأصحاب هاهنا. وقد حكى الغزالي قبيل كتاب الصداق فيما إذا زوج أمته، ثم ادعى أنه زوجها في حال جنونه أو صباه، واحتمل ما يقوله – وجهين في قبول قوله، ويتجه جريان مثلهما هاهنا أيضاً. قال: والمحجور عليه بالإفلاس يصح ضمانه، أي: وإن لم يصح تصرفه في ماله بنفسه. ويطالب به إذا انفك الحجر عنه، أي: وله مال إذ ذاك؛ لأن الحجر عليه لحق الغرماء، ولا ضرر عليهم في الضمان؛ فصح منه. ومقتضى الوجه الذي تقدم في أن الحجر يتعدى إلى نفسه: أنه لا يصح ضمانه؛ كما لا يصح شراؤه بثمن في ذمته. قال: والعبد لا يصح ضمانه بغير إذن سيده، أي: المأذون غيره؛ لأنه إثبات مال في الذمة بعقد فلم يصح من العبد بغير إذن سيده كالنكاح. وهذا ما ذهب إليه ابن سريج، وبه قال الإصطخري، وجعله القاضي الحسين في "تعليقه" هنا، والإمامُ في آخر "النهاية" المذهبَ، والرافعيُّ: أصحَّ الوجهين، وكلام القاضي أبي الطيب في "تعليقه" يقتضي ترجيحه، كما سنذكره. قال: وقيل: يصح ويُتَّبع به، أي: يطالب به، وهو بفتح التاء المثناة فوق المشددة، إذا عَتَقَ، أي: وأيسر؛ لأن الحجر عليه لحق السيد والسيد لا ضرر عليه في الضمان؛ ولهذا لو أقر العبد لأجنبي بمال قبل إقراره إذا لم يكن على السيدات والسادة:

стр. 4727

ضرر فيه، وهذا قول ابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي وغيره. وقال الرافعي: إن الأول من تخريج ابن سريج، وإن أبا إسحاق قال به. فإن قيل: قد حكى الغزالي: أن العراقيين ألحقوا شراء العبد بغير إذن سيده بثمن في ذمته، بشراء المفلس، وكذلك حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب التفليس، ومقتضى ذلك: أن يكون الصحيح جوازه، وقد ذكرتم هاهنا أن الصحيح عدم صحة الضمان بغير إذن السيد، مع أنه في الموضعين شغل ذمته بما لا ضرر على السيد فيه في الحال؛ فكان القياس التسوية. قلت: قد صار إلى التصحيح هاهنا صاحب "المرشد"، والإمام في مداينة العبيد، وهو الذي يقتضيه كلام ابن الصباغ؛ فإنه أخذ يذكر ما رد به القاضي أبو الطيب على القائل بهذا القول سؤالاً، [وقال: فإن قيل: إن في الضمان إضراراً بالسيد؛ لأنه مستحق إرث ماله بالولاء، إذا أعتقه]، وثبوت الدين يمنع الإرث. وأجاب بأن حكم الإرث لا يمنع الضمان، بخلاف حكم الملك؛ ولهذا لا يمنع الإقرار، والملك يمنع الإقرار فيه. ويمكن الفرق بين الضمان والبيع عند من قال بتصحيح القول بعدم صحة الضمان: بأن السيد وإن تضرر بتعلق الثمن بتركته بعد عتقه، فقد انجبر بدخول المبيع في ملكه عاجلاً، بخلاف دين الضمان؛ فإنه لا جابر له - خصوصاً إذا كان بغير إذن المضمون عنه - لا عاجلاً ولا آجلاً. على أن من حكى من العراقيين أن شراء العبد ملحق بشراء المفلس - وهو القاضي أبو الطيب - قد حكى هاهنا أن شراءه وإقراضه ملحق بضمانه. وكذلك [هاهنا] حكاه البندنيجي، وطرده في عقود المعاوضات كلها: من الصلح، والإجارة وغيرهما، إلا النكاح؛ فإنه لا يصح وجهاً واحداً. وما قالاه مشكل بما ذكرناه من الفرق. قال: ويصح بإذنه كما يصح نكاحه؛ [ويتبع به إذا عتق]، أي: إذا لم يعين له السيد ما يوفي منه، أطلق الإذن له؛ لأن اللفظ لم يكن فيه ما يقتضي [التزام]

стр. 4728

السيد شيئاً، والعبد لا ملك له؛ فصار كضمان المعسر. قال: وقيل: يؤديه من كسبه، أو من مال التجارة إن كان مأذوناً له فيها؛ لأن الضمان يقتضي الغرم كما يقتضي النكاح المهر والنفقة، وهو لو أطلق الإذن له في النكاح تعلق المهر والنفقة بما ذكرناه، وكذلك إطلاق الإذن في الضمان. وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجعله القاضي الحسني في الأولى ظاهر المذهب. وحكى الماوردي: أنه قول أبي علي الطبري، وصححه الرافعي والإمام فيها. وقال الإمام فيما إذا كان العبد مأذوناً له في التجارة: إن الخلاف فيه يبني على الخلاف في غيره، وأولى بأن يتعلق بما في يده؛ لأن ظاهر الحال مشعرٌ بذلك. وقيل: يتعلق الغرم برقبته. والقائلون بالأول فرقوا بين ما نحن فيه وبين المهر والنفقة، بأنهما يجبان عوضاً عن الاستمتاع المعجل؛ فلذلك عجلاً بخلاف الضمان. وأيضاً فإنه لا يزيد على الإذن [له] في الشراء، ولو ابتاع بالإذن كان الثمن في ذمته دون كسبه كما قاله الماوردي؛ فكذلك الضمان. على أن في كلام الإمام وغيره ما يشعر بأن الإذن في المعاملات يتعلق بما ذكرناه وجهاً واحداً؛ فلا يحسن الإلحاق [به]. فرع: إذا قلنا: يتعلق بمال التجارة، فهل يتعلق [بما يكسبه] من بعد الضمان؟ أو به وبما في يده من الربح الحاصل من قبل؟ أو بهما وبرأس المال؟ فيه ثلاثة أوجه، أقيسها الثالث، وهو الذي يقتضيه إطلاق الشيخ. ومحل الخلاف إذا لم يكن على المأذون دين –كما يدل عليه كلام الشيخ

стр. 4729

من بعد – أما إذا كان وقد حجر عليه الحاكم، [فلا] يتعلق بما في يده وجهاً واحداً, وإن وجد الدين دون الحجر، فثلاثة أوجه: أحدها: أنه يتعلق بها، ويشارك الغرماء. [والثاني: لا تعلق له بما في يده أصلاً؛ لأنه كالمرهون بحقوق الغرماء]. والثالث: أنه يتعلق بما في يده، لكن حقوق الغرماء تقدم، فإن ضل من المال عنها شيء، أو سقطت حقوق الغرماء، [أي]: بسبب من الأسباب – وفِّي منه دين الضمان، كذا صرح به الإمام. وحكم المدبر وأم الولد، حكم القن، ومن بعضه حر وبعضه رقيق كذلك إن لم يكن بينهما مهايأة أو كانت، ووقع الضمان في نوبة السيد. قال الرافعي: وكان يجوز أن يقال: إلزامه [بالضمان كإلزامه] بالشراء؛ فيصح ويختص به، ويجوز أن يخرج على الخلاف في أن المؤن والأكساب النادرة، هل تدخل في المهايأة؟ ولو ضمن في نوبته صح بلا خلاف، وفي "تعليق" القاضي الحين فيما إذا لم يكن بينهما مهايأة في صحة ضمانه وجهان مبنيان على أنه هل يورث أم لا؟ فإن قلنا: يورث عنه، صح. قال: وإن قال للمأذون له: اضمن في مال التجارة، لزمه القضاء منه؛ لأن المنع كان لعدم استلزام اللفظ [ذلك]، وقد صرح به. قال: إلا أن يكون عليه دين آخر، أي: فلا يلزمه؛ لأن حقوق الغرماء متعلقة به، وهي سابقة فقدمت. وفي "الحاوي" حكاية خلاف في المسألة – والحالة هذه – مبني على أن العبد المأذون هل هو محجور عليه بالنسبة إلى الغرماء، كما هو محجور عليه بالنسبة إلى السيد؟ وفيه قولان حكاهما ابن سريج:

стр. 4730

فإن قلنا: إنه محجور عليه بالنسبة إليهم، لم يقض من مال التجارة، كما أشار إليه الشيخ. وإن قلنا: إنه غير محجور عليه بالنسبة إليهم، شاركهم المضمون له. ثم على الأول في صحة ضمانه وجهان: أحدهما: إنه باطل؛ لأنه صرفه إلى جهة لم يثبت فيها الرجوع. والثاني: أن ضمانه جائز. فعلى هذا: فيه وجهان: أحدهما: أنه يكون فيما اكتسبه بعد الضمان، وفيما فضل من المال الذي كان بيده قبل الضمان. والثاني: أن يكون في ذمته يتبع به إذا عَتَقَ. ولو عجز مال التجارة عن الوفاء بالمضمون حيث لا دين على العبد، قال الماوردي: تعلق الفاضل بالمستقبل من كسبه. فإن قيل: الحر لو قال: ضمنت لك مالك على فلان في هذا المال، لم يصح؛ لأن حقيقة الضمان الضم، ولم يوجد، وقد صححتم ضمان العبد فيما في يده من مال التجارة بإذن سيده، فأي فرق بينهما؟! قلنا: لا نسلم أن الضمان في العين لا يصح؛ فإن القاضي ابن كج صححه كما ستقف عليه في العارية، [إن شاء الله تعالى]. وإن سلمنا عدم الصحة فنقول: لا فرق بينهما؛ فإنا لم نصححه فيما في يده غير متعلق بذمته؛ فإنه لو صرح بذلك لم يصح – كما ذكرناه في الحر – بل صححناه في ذمة العبد والمال متعين للأداء. قال البندنيجي: كما لو قال الحر: ضمنت لك ما في ذمة زيد على أن أؤديه من هذا المال؛ فإنه يصح، ويلزم على ما ضمن.
следующие страницы →