← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

منه كما قاله الماوردي، وهل يجب؟ فيه وجهان، وهل له مطالبة المالك بالإشهاد؟ فيه ثلاثة أوجه تقدم ذكرها في الوكالة. ولو سلم إلى الحاكم مع وجود المالك أو وكيله ضمن. وعن الشيخ أبي حامد رواية وجه: أنه لا يضمن؛ لأن أمانة القاضي أظهر من أمانة المودع فكأنه جعل الوديعة في موضع آخر. فعلى هذا: لو دعاه المودع للإشهاد كان مخيراً بينه وبين إعلام مالكها بالاسترجاع؛ فإن أخذها واجب عليه، وهل يجب على الحاكم القبول في هذه الحالة؟ قال في "التهذيب": نعم. وفي الرافعي: أنه لا وجه لوجوبه عليه إذا كان التسليم إلى المالك متيسراً. فرع: إذا أودع أميناً عند إرادة السفر بشرطه، [ثُم قدم] المودع وأراد أن يسترد الوديعة من الأمين هل له ذلك؟ أبدى الإمام فيه احتمالاً، وقرَّبه من الخلاف في أن وكيل الوكيل [هل هو بمنزلته حتى يعزل بعزله وجنونه، أم هو وكيل الموكل؟] والذي أجاب به العبادي: أن له استرجاعها، وعلى ذلك يدل قول الغزالي في "الوسيط"، والمتولي حيث قالا: لو ادعى الأمين الرد على المودع قبل قوله دون دعواه الرد على المالك. قال: وإن دفن في دار، أي: المال المودع عند جواز إيداعه الأمين. قال: وأعلم به أميناً يسكن الدار، لم يضمن على ظاهر المذهب؛ لأن ما في الدار في يد ساكنها فكأنه أودعه إياها، وهذا ما حكاه في "المهذب" و"التهذيب". قال: وقيل: يضمن، ويفارق إذا أودعها عنده؛ لأنه إذا أودعها إياه فقد أزال يده عنها وجعلها في حكم الوديعةن وليس كذلك هاهنا؛ لأنها على حكم يده ولم يجعلها في يد غيره فلزمه الضمان، كذا وجهه القاضي أبو الطيب. فعلى الأول – وهو الذي اختاره في "المرشد" –يشترط أن تكون الدار حِرْزاً

стр. 4937

مثله، وهل يكتفي بإعلام أمين واحد، أم لابد من إعلام رجلين ممن تقبل شهادتهما، أو رجل وامرأتين؟ فيه وجهان في "الحاوي". وعلى الثاني: لابد من أن يحضر الدفن، ولا يلزمه أن يأذن لهما في النقل عندالخوف؛ لأن المغلَّب على ذلك الشهادة. وعلى الأول – وهو قول ابن أبي هريرة، والظاهر في "الرافعي" – يجوز ألا يحضره، ويكتفي بإعلام ثقة، رجلاً كان أو امرأة؛ مراعاة لحكم الائتمان: وعلى هذا: هل يلزمه أن يأذن له في النقل إن حَدَث بمكانها خوف؟ فيه وجهان. فإن لم نوجبه، فنقلها الأمين عند الخوف فهل يضمن؟ فيه وجهان في "الحاوي". ولو لم يُعْلِمْ بما دفنه أحداً، أو أعلم به غير ساكن الدار، أو ساكنها لكنه غير أمين ضمن. وألحق الإمام – كما حكاه الرافعي – في إعلام المراقب للدار من الجوانب أو من فوقها، مراقبةَ الحارس بإعلام الساكن، والذي وقفت عليه في "النهاية": أن بعض الأئمة أطلق الاكتفاء باطلاع الأمين مع كون الموضع حرزاً، وحكى عن أئمة العراق ما ذكره الشيخ واستحسنه، ثم قال: ولست أدري في ذلك خلافاً بين الطرق. والاطلاع الذي ذكره غير العراقيين محمول على ما ذكره العراقيون، ولكنهم بينوه وفصَّلوه: فإن كانت الدار خالية والمطلع لا يدخلها، ولكنه يرعاها من فوق رعاية الحارس أو من الجوانب فلا يكاد يصل إلى الغرض، وإن أحاطت بالدار حياطته، وعمَّها في الجوانب برعايته – فهذه اليد التي تليق بالوديعة، وهي التي عناها العراقيون، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يجوز أن يعلم من هو بعيد عنها؛ بناء على أن المغلَّب على هذا الإعلام الخبر، وطرده في الاكتفاء بإعلام العبد. وقد صور الجيلي المسألة بما إذا دفن في الدار مع قدرته على الحاكم أو

стр. 4938

أمينه؛ فتكون حقيقة الخلاف راجعة إلى جواز إيداع الأمين مع وجود الحاكم أو أمينه أو نائبه، وما قاله هو ما حكاه البندنيجي، والأكثرون على خلافه. واعلم أنه كما يجوز الإيداع بعذر السفر - كما تبين - يجوز بسائر الأعذار، كما إذا وقع في البقعة حريق أو غارة أو خاف الغرق ولم يجد حرزاً ينقلها إليه. قال الرافعي: وليكن في معناه ما إذا أشرف الحرز على الخراب، ومن طريق الأولى يجوز الإيداع عند خوف الموت بحدوث مرض مخوف وما في معناه. فإن لم يودع مع الإمكان، أو لم يوصِ بها عند عدمه حتى مات - ضمن. قال الرافعي: لكن كأنا نتبين بالموت أنه كان مقصراً من أول ما مرض، أو يلحق التلف إذا حصل بعد الموت بالتردي في بئر حفرها متعدياً. وفي "التهذيب": أن الوصية تكفي وإن أمكن الرد إلى المالك؛ لأنه لا يدري متى يموت، وإذا أوصى فليُشْهِدْ؛ صوناً لها عن الإنكار. ويشترط أن يكون الموصى إليه أميناً، وهل يشترط أن يكون ممن يوصي ماله إليه حتى لو أوصى بماله لشخص وبالوديعة لآخر هل يضمن؟ فيه وجهان في "الحاوي". ولو أوصى إلى فاسق وسلم إليه ضمن، وإن لم يسلم وتلف قبل الموت فهل يضمن؟ فيه وجهان في "الحاوي". ولو قال: عندي وديعة لفلان، ووصفها، ولم توجد في تركته. قال أبو إسحاق: لا يضارِب المقَر له بها مع الغرماء؛ لأنها أمانة فلا يضمن بالشك، وبهذا أجاب في "التهذيب"، وخالفه غيره. قال في "المهذب": وهو ظاهر النص.

стр. 4939

ولو وجد في تركته أثواب بذلك الوصف ضمن. ولو وجد ثوب واحد ففي "التهذيب" و"التتمة": أنه ينزل عليه، ومنهم من أطلق أنه يكون ضامناً. ولو مات المودَع ولم يوص، فادعى المالك أنه قصر في الإيصاء، وقال الورثة: لعل الوديعةتلفت قبل أن يوصف بالتقصير. قال الإمام: فالظاهر براءة الذمة، ولا خلاف أنه إذا مات فجأة أنه لا يضمن بترك الإيصاء. فرع: لو سافر المودَع بالوديعة فهل يضمنها؟ ينظر: إن لم يجد من يودعه إياها وكان السفر مأموناً والحضر مخوفاً، جازت المسافرة، ولا ضمان. وإن كان الحضر مأموناً أيضاً، فلا يجوز على النص، وبه قال أبو إسحاق، وصححه صاحب "التقريب"، فإن سافر بها ضمن. وقال ابن أبي هريرة: يجوز، ولا ضمان؛ لاستواء الأمين في الحالين وفضل حفظها له بنسه، وحمل قول الشافعي على حالة الخوف، وهذا ما اختاره القفال. وقال الرافعي: إنه أظهر عند المعظم، وبه جزم في "المهذب" وقال: إنه يلزمه أن يسافر بها وإن سافر بها مع إمكان إيداعها ضمن.

стр. 4940

وحكى القاضي أبو الطيب والرافعي وجهاً: أنه لا يضمن إذا كان الطريق آمناً. قال الرافعي: وكذا لو سافر بها في "البحر" وكان الغالب منه السلامة، وحكى في موضع آخر: أنه يجوز له السفر مع أمن الطريق، وكون البلد المنقول إليها أحرز. ولو أراد النقل من بلد إلى بلد وليس بينهما مسافة تسمى سفراً: هل يجوز؟ فيه وجهان: أظهرهما: الجواز؛ كما لو اتصلت عمارتهما، وعلى هذا يراعي أيهما أحرز. وقيل: لايجوز؛ كما لو كان ما بينهما مخوفاً. ولو أودعه وهو مسافر، له أن يسافر بها، قال الروياني: ولا يقال له متى وصلت إلى عمارة فلا تفارقها ولا تخرج الوديعة. ونسب ذلك إلى القفال. [تنبيه: قول الشيخ: ولم يوجد صاحبها، يشمل ما إذا كان مسافراً أو مَحولاً بينه وبينه بحبس لا يصل إليه بسببه، وقد صرح بذلك في الحالة الثانية صاحب "البحر"، والقاضي الحسين حكاية عن أبي إسحاق، وأنه جعل تعذر الوصول كالغيبة، وأطلقه البغوي ولم ينسبه إلى أحد]. قال: وإن أودعه بهيمة، فلم يعلفها حتى ماتت – أي: بسبب ترك العلف مدة [يموت مثلها] بترك العلف فيها – ضمنها؛ لتعديه فإنه يجب عليه أن يعلفها لحق الله تعالى، ولأن به يحصل الحفظ الذي التزمه بقبوله الوديعة. ولو لم تَمُتْ بعد انتهائها إلى تلك المدة، قال في "التهذيب": ضمنها وإن لم تتلف جوعاً، وكذا لو دخلها نَقْصٌ ضمنه. ولو ماتت قبل مضي تلك المدة بسبب جوع سابق انضاف إليه جوعٌ في يده: فإن علم بالأول ضمنها، وإلا فوجهان في "التهذيب"، [وأظهرهما في "التتمة": عدم الضمان.

стр. 4941

وإذا أوجبنا الضمان فالكل أو بالقسط؟ فيه وجهان]. ولا فرق في ذلك بين أن يأذن له المالك في العلف أو يطلق الإيداع. نعم، إذا أذن له في العلف ينظر: إن شرط له [الرجوع] وقدَّر العلف رجع عليه، وإن لم يشترط الرجوع، أو لم يقدِّر العلف ففي الرجوع عليه وجهان في "الحاوي"، وألحق الرافعي الوجهين عند عدم اشتراط الرجوع بالوجهين فيما إذا قال له: أدِّ دَيْني، من غير شرط الرجوع، وقد قدمت في باب الضمان حكاية المختار منهما. وإذا لم يأذن له في الإنفاق كان له عند حضور المالك أو وكيله مطالبته بالإنفاق عليها، أو استرجاعها. فإن كانا غائبين رفع الأمر إلى الحاكم وأثبته عنده ليفعل ما فيه المصلحة من إيجارها أو بيعها، أو بيع بعضها، أو الاستقراض عليها إذا كانت المؤنة خفيفة، وله أن يستقرض من المودع ويسلمه إلى عدل لينفق عليها، فلو أذن له بالإنفاق بنفسه فهل يجوز؟ فيه خلاف يأتي مثله في الكتاب في "باب الإجارة". فإن جوزناه فهل يجب تقدير المنفق؟ فيه وجهان في الحاوي، ولو أنفق عليها المودع من غير إذن الحاكم نظر: إن قدر على إذنه لم يرجع. وإن لم يقدر في رجوعه عند شرط الرجوع ثلاثة أوجه حكاها الماوردي: أحدها: أنه يرجع، أشهد أو لم يشهد. والثاني: لا يرجع وإن أشهد. والثالث: إن أشهد رجع، وإلا فلا. فإن اعتبرنا الإشهاد وجب في كل شيء ينفقه كما قيده في "الذخائر" في نظير المسألة من الإنفاق على اللقيط. وقيد أيضاً محل المرجوع عند عدم الإشهاد في مسألة الجمال بما إذا عجز عنه. أما إذا تركه مع القدرة عليه فلا يرجع وجهاً واحداً، وظيهر مجيء مثله هنا.

стр. 4942

قال البندنيجي حكايةً عن أبي إسحاق: إنا إذا جوزنا له الإنفاق والرجوع، فالوجه: أن يفعل ما فيه الحظ لربها من إجارتها وبيعها أو بيع بعضها. واستقراضه كالحاكم، وكم ترك السقي حكم ترك العلف، وله أن يستعين في ذلك بغلامه، وله إخراجها بنفسه ومن يستعين به من الموضع التي هي فيه للعلف والسقي إذا كان ضيقاً حتى لو هلكت في حال الخروج لا ضمان عليه. وقيل: إنه يضمن إذا تلفت في يد الأمين، وكان المودع ممن لا يتولى مثل ذلك بنفسه. ولو أخرجها مع اتساع الموضع فتلفت ضمن على النص، وبه قال الإصطخري. وقال أبو إسحاق: لا يضمن. وحمل النص على ما إذا أخرجها من حرز إلى خوف، وغيره حمله على ما إذا أخرجها من غير أمين. قال: وإن قال: لا تعلفها، فلم يعلفها حتى ماتت – لم يضمن؛ لأن الضمان يجب للمالك، وقد أذن في سببه؛ فأشبه ما إذا قال: اقتل عبدي، ففعل، وهذا قول الجمهور. قال: وقيل: يضمن؛ لأنه لا حكم لنهيه عما أوجبه الشرع؛ بدليل أنه آثم؛ فكان وجوده كعدمه، وهذا قول الإصطخري، وصححه الماوردي، وروي أن ابن أبي هريرة رواه فيما إذا أذن له في قتل عبده، وأنه زعم أن الخلاف مخرَّج من اختلاف قوليه في أن الراهن إذا أن للمرتهن في وطء الجارية المرهونة: هل يسقط عنه المهر أم لا؟ ولو كان النهي عن العلف لعلة بالبهيمة من قُولَنْج أو تخمة، فأعلفها المودع قبل الزوال – ضمن. وحكم العبد حكم البهيمة فيما ذكرناه.

стр. 4943

وألحق بعضهم بها ترك سقي النخلة، وبعضهم قال: لا يضمن بتركه إذا لم يأمره به. ولا فرق عندنا – في عدم تضمين المودع إذا وجد منه العلف والسقي على الوجه المأثور وتلفت البهيمة – بين أن يكون العلف والسقي على الوجه المأثور وتلفت البهيمة – بين أن يكون العلف والسقي مع دواب المودع أو مفردة. وقال الإصطخري: متى عزلها عن دوابِّه وعلفها في غير إصطبله ضمنها بكل حال. تنبيه: يقال علفت الدابة، أعلفها – بكسر اللام – علفاً: بإسكان اللام، والعلف – بفتحها -:التبن والشعير وغيرهما مما تأكله الدواب. قال: وإن أودع عند غيره من غير سفر ولا ضرورة – ضمن، أي: وإن كان لا يضمن لو أراد سفراً، أو كان ثم ضرورة. أما إذا كان الإيداع عند أجنبي غير حاكم فبالاتفاق منا ومن الخصم. وأما إذا كان عند من هو في رعاية المودع: كعبده، وأجيره، وولده، وزوجته، أو من حاكم؛ فلأنه أودع من لم يأتمن المالك من غير حاجة ولا ضرورة؛ [فضمن كما لو أودع] أجنبيًّا غير حاكم. وقد حكى القاضي أبو الطيب وجهاً: أنه يجوز له الإيداع عند الحاكم في غيبة المالك ووكيله؛ لأنه لو كان حاضراً لوجب عليه القبول، فقام الحاكم فيه مقامه كولاية التزويج، وغيره نسب هذا الوجه إلى الشيخ أبي حامد. وعلى هذا هل يجب على الحاكم القبول؟ فيه وجهان، أظهرهما: نعم، كما ذكرناه. هذا ما حكاه الأصحاب هاهنا، وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ فيما إذا كان الرهن على يد عدل، وأراد دفعه إلى الحاكم، أو أمين عند غيبة الراهن والمرتهن، من غير أن يريد سفراً ولا ضرورة-أنه ينظر: إن كانت غيبتها طويلة – وهي السفر الذي تقصر فيه الصلاة – فإن الحاكم يقبضه عنهما، ولا يلجئه إلى حفظه، وإن لم يكن حاكمٌ أودعه عند أمين.

стр. 4944

وإن كانت المسافة قصيرة فهو كما لو كانا حاضرين. وكذلك حكى الإمام، ثم قال: ولا يبعد عندنا اعتبار مسافة العَدْوَى حتى يقال: إن كانا على مسافة العدوى فلابد من مراجعتهما، وإن كانا فوقها ففيه تردد. قلت: وهذا بعينه يتجه جريانه هاهنا؛ [إذ لا] يظهر بينهما فرق، كما حكيناه عن رواية الإمام من قبل عن الأصحاب عند إرادة المودع السفر لحاجة؛ ولهذا أحال الرافعي الكلام في مسألة الرهن على إيداع الوديعة. قال: وله أن يضمّن الأولَ؛ لتفريطه بتسليم الوديعة لمن لا يجوز تسليمها إليه. والثاني- لأنه أخذ ما ليس له أخذه وتلف تحت يده. ولا فرق في ذلك بين أن يكونا عالمين بالحال أو أحدهما؛ لأن الضمان لا يختلف بالعلم والجهل. قال: فإن ضَمَّن الثاني رجع على الأول، أي: إذا جهل الحال؛ لأنه غره. ومن هذا يؤخذ أن الأول إذا غرم لا يرجع على الثاني؛ إذ لا فائدة فيه. وقيل: لا يرجع الثاني، أما لو علم الثاني حقيقة الحال لم يرجع على الأول عند تغريمه وجهاً واحداً، ويرجع الأول عليه عند تغريمه وجهاً واحداً، ويرجع الأول عليه عند تغريمه وجهاً واحداً. قال الماوردي: وعلى مالك الوديعة الإشهاد بقبض القيمة وجهاً واحداً؛ [لأنها] مضمونة. قال: وإن خلط الوديعة [بمال له] لا يتميز – أي: كالحنطة إذا خلطها بمثلها، والدراهم بمثلها – ضمن؛ لسخط صاحبها بهذا الخلط المفضي إلى سوء المشاركة. وهكذا لو خلطها بمال المودع الذي لا ختم عليه ولا قفل وما في معناه، على أظهر الوجهين.

стр. 4945

وفيه وجه: أنه لا يضمن والحالة هذه. أما إذا تميز مال الوديعة من المختلط به، مثل: أن خلط الدراهم بالذهب فلا ضمنا، اللهم إلا أن يحصل نقص بسبب الخلط؛ فيضمنه، كما صرح به الماوردي. قال: وإن استعملها، أي: مثل: أن كان ثوباً فلبسه، أو دابة فركبها. قال: أو أخرجها من الحرز لينتفع بها، أي: غير ظان أن ذلك ملكه. قال: ضمن، أي: وإن لم ينتفع؛ لتفريطه وخيانته. ولو أخرج البعض بهذا الغرض، مثل: أن كانت الوديعة عشرة دراهم مثلاً، فأخرج منها درهماً، ولم يكن الحرز مقفلاً ولا مختوماً – ضمنه لا غير. فلو تصرف فيه وأعاد بدله لم يملكه المالك ما لم يقبضه، لكن ينظر: إن لم يتميز عن المختلط به ضمن جميع العشرة، وإن تميز فلا، وإن تميز عن البعض ضمن ما لم يتميز عنه خاصة. ولو أعاد الدرهم بعينه: فإن تميز لم يضمن سواه، وإن لم يتميز فكذلك على أصح القولين، هو ظاهر النص في "المختصر"، ونسبه الماوردي إلى ابن أبي هريرة والبغداديين؛ لأن هذا الاختلاط كان حاصلاً قبل الأخذ. فعلى هذا: لو تلفت العشرة لم يضمن إلا درهماً، وإن تلفت خمسة لم يضمن إلا نصف درهم. أما إذا كان الحرز مقفلاً، ففتح قفله ضمن جميع العشرة، وإن لم يخرج منها شيئاً، كذا لو كان مختوماً ففك ختمه، أو مربوطاً فحله، أو قطع الكيس من تحت الرَّبْط. وحكى الماوردي في فك الختم، وحل الربط وجهاً: أنه لا يضمن العشرة بمجرد ذلك؛ لأنه لم يكن منيعاً، بخلاف القفل. وهذا ما أورده الرافعي في حل الخيط [من رأس] الكيس، ومن رزمة الثياب، وعلله: بأن القصد من ذلك المنع من الانتشار، لا أن يكون مكتوماً

стр. 4946

عنه، وحكاه مع الأول في فتح القفل أيضاً. وعلى الأول: هل يضمن الظرف من كيس إذا حله، أو صندوق إذا فتحه؟ فيه وجهان في "الرافعي". أما إذا خرق الكيس من فوق الربطة، قال الرافعي: لم يضمن إلانقصان الخرق، وما قاله فيه نظر؛ فإنه حكى من بعد فيما إذا أتلف بعد الوديعة وكان له اتصال بالباقي: كتخريق الثوب، وقطع طرف العبد – فإنه ينظر: إن كان عامداً فهو جانٍ على الكل فيضمن، وإن كان مخطئاً ضمن المتلف، وفي الباقي وجهان، أصحهما: المنع. وما ذكره يتجه أن يجري في [مسألة تخريق الكيس]، وقد ألحق بنقصالختم نبش ما أودعه إياه مدفوناً. ولو كانت الدراهم في غير وعاء، فعدها أو وزنها، أو ذَرَعَ الثوبَ المودع: فهل يضمن بذلك؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وجه الضمان: أنه نوع من التصرف. أما إذا أخرج الوديعة ظاناًّ أنها ملكه، لم يكن ذلك سبباً في الضمان. نعم، لو ادعى ذلك لا يقبل منه في الظاهر. ولو انتفع بالوديعة ظانًّا أنها ملكه ضمن، صرح به الإمام في أول كتاب الغصب. ثم محل كون الاستعمال مضمِّناً إذا لم يتعلق به مصلحة الوديعة، أما ما يتعلق بمصلحتها: كلبس الصوف الذي لا يصلحه إلا نفس الآدمي وبسطه، إذا فعله المودع كذلك فلا ضمان عليه. نعم، لو لم يفعله ضمن، إلا أن ينهاه المالك عنه. وفي "التتمة": إشارة إلى أنه يجري وجه الإصطخري في البهيمة فيه، [وقد حكيناه عن كتاب الزبيلي من قبل]. وكذلك إخراج الوديعة من الحرز مشروط بألا يتعلق به مصلحة الوديعة. أما

стр. 4947

الذي يتعلق به مصلحتها: كنشر الثوب، وفرش البسط، مشي الدابة إذا خشي عليها الزمانة – فلا يضمن به، وإن احتاج في ذلك إلى فتح قفل وفض ختم. وفي "التهذيب" حكاية وجه فيما إذا فتح القفل: أنه يضمن. وعلى الأول: لو لم يفعل ذلك مع العلم به ضمن، وعن ذلك احترز الشيخ بقوله: "لينتفع بها". قال: وإن نوى إمساكها لنفسه – أي: بعد أن قبضها – لم يضمن؛ لقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ عَفَا لأَّمتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا"، ولأنه مال يضمنه بالإتلاف فلا يضمنه بالنية [كمال غيره، والذي] ليس بمودع عنده إذا نوى إتلافه. قال: وقيل يضمن؛ كما إذا نوى ذلك عند القبض، وبالقياس على الملتقط إذا أمسك العين وترك التعريف، ونوى تملكه. وهذا قول ابن سريج. والقائلون بالأول منهم من سوى بين نيته في الابتداء والانتهاء؛ فلم يضمِّنه فيهما. ومنهم من فرق بأن النية في الابتداء اقترن بها الفعل فأثرت، بخلاف الدوام، وبهذا فرق أبو الطيب بينه وبين اللقطة من حيث إنه إنها ضمنها؛ لاقتران نيته بالفعل، وهو [تَرْكُ التعريف]، وغيره قال: لأن أمانته تثبت بالنية؛ فكذلك الضمان يكون بها، بخلاف المودع وهذا الخلاف يجري ما لو نوى أن يستعملها وإن لم يخرجها من الحرز. وحكى الماوردي عن القاضي أبي حامد: أنه في هذه الحالة لا يضمن بهذه النية، ويضمن إذا نوى إمساكها لنفسه، وأنه لا يردها لمالكها، وصححه. قال: وإن طالبه بها، أي: بالتمكين منها؛ إذ هو الواجب عليه كما نص [عليه] في "شرح الفروع"، وادعى الإمام فيه الوفاق. قال: فمنعها من غير عذر – ضمن؛ لأنه متعدٍّ بترك الرد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 4948

اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. أما إذا كان بعذر، مثل: أن طالبه في جُنْح الليل، والوديعة في خزانة لا يتأتى فتح بابها في ذلك الوقت، أو كان مشغولاً بصلاة، أو قاضء حاجة، أو طهارة، أو في حمام، أو على طعام؛ فأخر حتى يفرغ، أو كان ملازماً لغريم يخاف هربه، أو كان يخشى المطر والوديعة في البيت؛ فأخر حتى يقلع ويرجع إلى البيت، وما أشبه ذلك – فلا نزاع في أن ذلك جائز، لكن هل يضمن؟ الذي قاله في "الوسيط" هاهنا: أن التأخير إن كان بسبب تعذر الوصول إليها – كما في جنح الليل – لم يضمن، وإن كان بسبب كونه في حمام أو على طعام، ضمن، وإن لم يَعْصَ بالتأخير. وكذلك حكاه في كتاب الوكالة عن قول الأصحاب، ثم قال: وهذا منقدح إذا كان التلف بسبب التأخير، وبعيد إذا لم يكن التأخير سبباً فيه. وما ذكره هاهنا وثَمَّ هو احتمال أبداه الإمام لنفسه. والمنقول عن الأصحاب: أنه لا يضمن في الجميع، كما صرح به القاضيان الحسين وأبو الطيب، وكذلك ابن الصباغ والماوردي وغيرهم في الوكيل إذا أخر الرد بهذا العذر، وطرده في كل يد أمانة كالمودع وغيرهن وهو ما حكاه المتولي أيضاً، وإيراد البغوي يقتضيه. فروع: لو وكل المالك وكيلاً ليرد عليه المودَع، لزمه الرد مهما طلب، فإن تمكن منه ولم يطالبه الوكيل ففي الضمان وجهان. قال الغزالي: كنظيره في الثوب إذا طيَّرته الريح في داره؛ لأن أمره بالرد للوكيل عزل فصارت أمانته شرعية. ولو قال له: رد الوديعة على من قدرت عليه من وكلائي ولا تؤخر، ضمن بتأخيره عن الرد على بعضهم عند قدرته عليه، وعصى، ولو لم يقل له: ولا تؤخر، ضمن بالتأخير، وفي العصيان وجهان. ولو قال: ردها على من شئت منهم، فلم يردها على واحد ليرد على آخر –

стр. 4949

فلا يعصي، وفي الضمان وجهان، كذا قال الإمام في "الأساليب". قال: وإن تعدى فيها – أي: بما ذكرناه أو غيره – ثم ترك التعدي، لم يبرأ من الضمان؛ لقوله ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ"، ويد المودع متعدية قد أخذت الوديعة؛ فوجب أن يكون عليه حتى يؤديها، ولأنه ضمنها بالعداون فلم يبرأ من الضمان بالرد إلى المكان؛ كمن غصب من دارٍ ثم رد إليها، وكما لوجحد الوديعة ثم اعترف بها؛ فإن الخصم – وهو أبو حنيفة – قد وافق على عدم البراءة. قال: فإن أحدث له استئماناً – أي: مثل أن قال: استأمنتك عليها، أو: أودعتك إياها، أو: أذنت لك في حفظها، أو: أبرأتك من ضمانها – برئ على ظاهر المذهب؛ لأنه ضمن بحقه فسقط بإسقاطه. قال: وقيل: لا يبرأ حتى تُرد إلى صاحبها، أي: أو وكيله؛ للحديث، ولأن الإبراء يختص بما في الذمة، ولا حق بما [في] ذمته بعد، وقد روى بعضهم هذا عن ابن سريج، وبعضهم قال: إنه منصوص عليه في "الأم". ولو أمره بردها إلى الحرز بعد التعدي، قال الماوردي في كتاب العراية: كان في سقوط الضمان وجهان كالإبراء. قال: وللودِع والمودَع فسخ الوديعة متى شاء. وإن مات أحدهما، أو جن، أو أغمي عليه – انفسخت الوديعة؛ لأنها في الحقيقة وكالة في الحفظ، وهذا حكم الوكالة. ولو قلنا: إنها ليست بعقد، بل مجرد إذن فالآذن يبطل إذنه بطرآن هذه الأحوال، والمودع يخرج عن أهليَّة الحفظ بها – أيضاً – ويظهر أن يأتي فهيا من الخلاف عند طرآن الجنون والإغماء ما ذكرناه في الوكالة. ثم إذا انفسخت بموت المودَع، وجب على الوارث إعلام صاحب الوديعة بها إذا عرفه أو الرد عليهن وكذلك يجب على وليه إذا جن أو أغمي عليه. وهل

стр. 4950

يجب عليه السعي في معرفته؟ قد تقدم الكلام فيه في أول الباب؛ لأنها أمانة شرعية، وهذا إذا ثبت أن ثم وديعة: إما بإقرار الميت، أو بإقرار الورثة، أو قايم بينة عليها. أما لو لم يوجد سوى الكتابة عليها بأنها وديعة لفلان، فليس ذلك بحجة على الورثة. قال: وإن قال المودَع: رددت عليك الوديعة، فالقول قوله – أي: مع يمينه –لقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فأمر بأداء الأمانة ولم يأمر بالإشهاد؛ فدل على أن قوله مقبول من غير بينة؛ إذ لو لم يكن كذلك لأرشد إليه كما أرشد إليه – ﵎ – في حق من بلغ رشيداً بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ ولأنه ائتمنه فقبل قوله عليه. قال القاضي أبو الطب: ولأنه لا خلاف أنها إذا هلكت قبل قوله؛ فكذلك إذا ادعى ردها إليه وجب أن يقبل قوله مع يمينه. وما قاله منتقض بالمرتهن والمستأجر؛ فإنه لا يقبل قولهما في دعوى الرد عند العراقيين وإن قبل قولهما في التلف. قال: وإن قال: امرتني بالدفع إلى زيد –أي: ودفعتُ إليه – فقال زيد: لم يدفع إلي، فالقول قول زيد، وهذا مما لم يختلف الأصحاب فيه؛ لأن الأصل عدم الدفع إليه، وهو غير مؤتمن من جهته؛ فلا يقبل قوله عليه كما لو ادعى الوصي الدفع إلى الصبي بعد البلوغ. نعم، لو كان كذلك زيد مالك الوديعة وقد أودعها عند الآمر، وأذن له في إيداعها عند المودع – كان القول قول الدافع؛ لأنه ائتمنه، كذا قاله الماوردي، ولو خرج على أن وكيل الوكيل

стр. 4951

وكيل لم يبعد. وإذا لم يقبل قول المودع على زيد فما حكمه مع المالك؟ ينظر: إن كان الدفع في وفاء دين، أو إيداعاً، فقد قدم الشيخ الكلام فيه في الوكالة. وإن كان عارية أو قرضاً فقد جزم الماوردي بأن المودع يضمن، سواء صدقه أو كذبه؛ إذ هو مقصر بترك الإشهاد. وإن كان هبة، وقلنا: إنها تقتضي الثواب – فكذلك الحكم، وإن قلنا: لا تقتضيه، فلا ضمان. قلت: وكان يتجه الا يكون ضامناً بترك الإشهاد – على رأي – كما في ضاء الدين، ويمكن أن نفرق بأن هاهنا لابد من المطالب؛ فالحاجة إلى البينة متوقعة، وهذا إذا صدقه المالك في صدور الإذن في الدفع إلى زيد، أما إذا كذبه فالقول قوله، والمودع ضامن. قال: وإن هلكت الوديعة فالقول قوله؛ لأنه أمين مقبول القول في الرد؛ فكذلك في دعوى التلف من طريق الأولى؛ لأن الرد لا يتعذر إقامة البينة عليه؛ لأنه منوط بالاختيار، بخلاف التلف. ولا فرق في ذلك بين أن يدعي التلف بسبب خفي أو ظاهر يتيسر إثباته بالشهادة. نعم، إذا ادعى التلف بسبب خفي كالسرقة والغصب –كما صرح به في "المهذب" و"التهذيب" ونحوهما – لم يكلَّفْ إقامة البينة على السبب. وإن ادعاه بسبب ظاهر: كالحريق والنهب، وكذا موت الحيوان والغصب – عند صاحب "التتمة" كُلِّفَ إقامة البينة على السبب دون التلف، ويقوم مقام البينة على الحريق وجودُ أمارته، وكذا تصديق المالك وجودَ الحريق والنهب دون تلف الوديعة. ولو أطلق دعوى التلف لم يكلَّف بيان السبب. وإذا نكل عن اليمين عند ذكر السبب الخفي فللمالك الحلف على نفي العلم بالتلف، ويضمن المودع. قال الإمام: ومن أصحابنا من يكلفه جزم اليمين؛ من جهة أن من الممكن أن

стр. 4952

يطلع على بقاء العين في الوقت الذي ادعى المودع تلفها فيه، وإذا لم يُقِمِ المودع البينة على ما ادعاه من السبب الظاهر: فإن كان لا يبعد وقوعه في الوجودحلف المالك، وإن كان مماي حكم العرف باشتهاره لو وقع ولم يشتهر، في تحليفه وجهان: وجه المنع: أن المشاهدة تكذبه؛ فإن الحريق الظاهر لا يخفى، وتتوفر الدواعي على نقله، فإذا لم ينقل بأنَ الكذبن وهذاما رجحه الإمام وضعف مقابله. وحكى عن المراوزة انهم رأوا تصديق المودع وإن ظهرت مخايل كذبه، واكتفوا بإمكان صدقه، قرب أو بعد، وأنهم فصلوا القول في الحريق فقالوا: إن كان ليلاً بحيث يتوقع إطفاؤه من غير اطلاع يفرض في طرف البلد، فخفاؤه نادر ولكنه ممكن؛ فالمودع مصدَّق مع يمينه. وإن كان الحريق نهاراً بحيث يستيقن أنه لو كان لما خفي فلا سبيل إلى التصديق. فرع: لو مات المودع قبل الحلف فللمالك تحليف الورثة، لكن الوارث إن تحقق تلف الوديعة جاز له الحلف، وكذا إن غلب على ظنه. وإن غلب على ظنه كذبُ مورثه فلا، وإن أمكن استواء الأمرين ففي جواز اعتماده على قول المورث في الحلف خلاف حكاه الإمام. فرع: لو مات المالك، فادعى المودع التلف بعد ذلك – نظر: إن ادعى أنه وجد في حالة حياة المالك فالقول قوله مع يمينه. وإن ادعى تلفها بعد موته وقبل تمكنه من الرد فمن المصدق؟ فيه وجهان، ومثلهما يجري فيما إذا مات المودع وتلف المال في يد ورثته، وقال الإمام فيها: الوجه عندنا القضاء بتصديقه؛ لأنه أمين ليس متعدياً. قال: وإن قال: أخرجتها من الحرز، أو: سافرت بها لضرورة، أي: مجوِّزة للإخراج والسفر وقد تلفت، فقال المالك: أنت متعدٍّ بذلك؛ فدعواك التلف لا

стр. 4953

تقبل ويجب عليك الغرم. قال: فإن كان ذلك بسبب ظاهر كالحريق والنهب وما أشبههما، أي: مثل خشية الغرق ونحوه – لم يقبل إلا ببينة؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليه. قال: ثم يحلف: إنها هلكت؛ لأنه ثبت عدم تعدِّيه في الإخراج، ويحتاج أن يحلف أيضاً: إنه أخرجها لأجل هذا السبب؛ فإنه قد يخرجها معه لغيره. وقيل: لا يحتاج إلى اليمين على الإخراج لأجل هذا السبب؛ اكتفاء بظاهر الحال. قال: وإن كان سبب خفي –أي: كخشية السرقة – قبل قوله [مع يمينه]؛ لأنه أمين، وقد ادعى عليه الخيانة فيما يعسر إقامة البينة عليه، فكان القول قوله كدعوى التلف، وقد شبه العراقيون ذلك بما إذا قال لزوجته: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة، لا يقبل قولها إلا ببينة، بخلاف ما لو قال: إن حِضْت. قال: وإن قال: ما أودعتني – أي: بعد أن طلب منه الوديعة – فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الإيداع، لكنه إن كان كاذباً صار بالإنكار متعدياً، حتى لو أقر بذلك أو قامت عليه بينة بالإيداع، وتلفت في يده ضمنها. ولو ادعى تلفها أو رَدَّها قبل الجحود، ولم يكن له بينة – لم تسمع منه؛ لأن دعوى التلف والرد مناقض لإنكار الإيداع فلم يقبل منه. قال: فإن أقام المدعي بينة بالإيداع، فقال – أي: المدعي عليه -: أودعتني، ولكنها هلكت، أقام بينة أنها هلكت قبل الجحود – سمعت؛ لأن البينة حجة ناصَّةٌ على الغرض فيجب الحكم بموجبها، وهذا ما قال القاضي الحسين: إنه المذهب، والإمام هاهنا: إنه ظاهر المذهب، ورجحه الرافعي أيضاً،

стр. 4954

ويحكي عن اختيار القفال والشيخ أبي علي. قال: وقيل: لا تسمع؛ لأن دعواه غير مسموعة لمناقضتها إقرار الأول، والبينة فرع الدعوى، وإذا لم يسمع الأصل لم يثبت الفرع، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة، وذكر الإمام في باب الوكالة أنه الأظهر، والغزالي ثَمَّ: أنه الأصح، واختاره في "المرشد". والقائلون بالأول قالوا: المودع قد أنشأ الآن قولاً ممكناً، وقوله الأول يجوز أن يكون لنسيان، والدعوى قول ممكن؛ فإذا اعتضدت البينة ثبت المقصود بها؛ ولهذا لو قال: لا بينة لي، ثم أحضر بينة – سمعت لهذا المعنى. قال الإمام: وإنما لا تقبل البينة إذا كان قول من يقيمها عند إقامتها يناقضها. وطرد هذا القول في كل من سبق منه قول مناقض ورجع عنه وكذب نفسه فيه، وأقام على وفق القول الثاني بينة، وهذا يلزمه عليه مسألة المرابحة، وهي ما إذا قال: اشتريته بمائة، ثم قال: اشتريته بمائة وعشرة – فإنه لا يقبل وإن أقام بينةً، اللهم إلا أن يبدي عذراً – كما ذكرناه في موضعه – فإن في سماع البينة خلافاً، فإن كان قد أراد هاهنا هذه الحالة فقد خرج عن عهدة السؤال، مع أن كلامه يوهم إجراءه مطلقاً؛ ولهذا قال الرافعي: قد حكيت عن بعض الأصحاب في مسألة المرابحة: أنهم فرقوا بين أن يذكر وجهاً محتملاً في الغلط أو ال يذكر، ولم يتعرضوا لمثله هاهنا، والتسوية بينهما متجهة. وعلى كل حال: فالجمهور متفقون في مسألة المرابحة على عدم سماع البينة، وهاهنا على السماع، وقد أشرت إلى فرق لطيف بينهما في "باب المرابحة"، وقد يظهر بينهما فرق آخر: وهو أن ما حصل به بالتضاد من قول المودع ثانياً: أودعتني، بعد قوله أولاً: ما أودعتني – مالكُ الوديعة موافق له عليه، وهو معمول به؛ لأنه إقرار بعد إنكار، وأيضاً: فإن البينة غير معمول بها في إثبات

стр. 4955

الوديعة بعد إقراره بها، وإذا كان معمولاً بها – مع أنه صريح في المناقضة – رتب عليه مقتضاه، ولا كذلك في مسألة المرابحة ونظائرها؛ فإن ما حصل به التضاد من قول البائع ثانياً لقوله أولا، لم يوافق عليه مَنْ تَعَلَّق حقه به، وكذلك لم يعمل بموجبه، والله أعلم. أما إذا قال المودع للمالك من غير مطالبة: ما أودعتني، فهل يكون بذلك ضامناً؟ فيه وجهان، ولا خلاف في أنه لو قال لأجنبي: ما أودعني فلان شيئاً، لم يَصِرْ بذلك ضامناً، ثم الخلاف المذكور في سماع البينة على التلف – كما ذكره الشيخ – [بعينه يجري] في سماع البينة على الرد على المالك قبل الجحود. ولو لم يكن له بينة، ولكنه أراد أن يحلِّفَ المالكَ على ما اعداه من تلف أو ردٍّ: فهل له ذلك؟ حكى الإمام فيه تردداً عن الأصحاب، ثم قال: ظاهر المذهب: أنه يحلفه. قلت: ولو بنى ذلك على أن يمين الرد مع النكول كالبينة أو كالإقرار حتى إذا قلنا: إنها كالإقرار، حلف، وإن قلنا: إنها كالبينة، جرى الخلاف – كما حكاه الغزالي في مسألة المرابحة – لم يبع. ولو أقام بينة على تلفٍ بعد الجحود لم تفده بالنسبة إلى إسقاط الضمان، وتفيده في نقل المطالبة إلى البدل. ولو أقام بينة على ردٍّ بعد الجحود قبلت؛ كالغاصب، وأبدى افمام فيه احتمالاً في إجراء الوجهين السابقين في سماع مثل هذه البينة قبل الجحود؛ نظراً إلى أن البينة مرتبة على الدعوى، ودعوى الرد بعد الجحود مناقضة لإنكار الوديعة أولاً. وإلى ذلك أشار مجلي بقوله: ومن أصحابنا من قال: هل تسمع البينة؟

стр. 4956

فيه وجهان، ولم يفصل قبول الجحود أو بعده، ومن هاهنا اختلفت نسخ "الوسيط" في آخر باب الوكالة – حيث حكى مثل هذا الخلاف بين الوكيل والموكل -: ففي بعض النسخ: أن الوكيل إذا أقام بينة على تلفٍ بعد الجحود فكذلك على أحد الوجهين، وفي بعض: فكذلك على الوجهين: قال: وإن قال: مالك عندي شيء، فأقام البينة بالإبداع، فقال: أودعتني ولكنها تلفت – قبل قوله، أي: مع يمينه؛ إذ لا منافاة بين ما ذكره صيرحاً آخراً وبين ما أبهمه أولا؛ فلذلك قبل منه، بخلاف المسألة قبلها. والحكم فيما لو ادعى الرد قبل الجحود حكمُ دعوى التلف، ولو ادعى [بعد إقامة] البينة رد الوديعة بعد الجحود لم تسمع، ولزمه الغرم، وإن ادعى تلفاً فهو ضامن، لكن هل يقبل قوله مع اليمين حتى تنتقل المطالبة من العين إلى البدل؟ فيه خلاف، كما في الغصب، والمذهب: القبولُ. فروع: إذا غصبت الوديعة من يد المودَع، هل له المخاصمة عليها واستردادها؟ فيه وجهان. إذا أكره المودَع على تسليم الوديعة فسلمها، هل يضمنها؟ فيه قولان. إذا أدخل المودَع أقواماً إلى موضع الوديعة فسرقت: فإن سرقها الداخل أو من دَلَّهُ عليها الداخل ضمن ذلك، وإن لم يكن ذلك فلا ضمان. وهكذا الحكم فيما لو نهاه المالك أن يدخل عليها أحداً، فأدخله وجاء التلف من جهته والله أعلم.

стр. 4957

باب العارية العارية: مشددة الياء، وروي تخفيفها، وجمعها: العواري مشدداً، أو مخففاً، وهي مشتقة من عار الرجل؛ إذا ذهب وجاء، ومنه العير؛ كما قاله مجلي. وقيل للغلام الخفيف: عيار؛ لخفته في بطالته، وكثرة ذهابه ومجيئه. قال الأزهري: وإنما شُددت؛ لأنهم نسبوها إلى العارة، يقال: أعرته إعارة [وعارة]، فالإعارة مصدر، والعارة الاسم، وهو كقولهم: أجبته إجابة وجابة، وأطعته إطاعة وطاعة. وقيل: من التعاور، وهو التناوب؛ من قول العرب: اعتوروا الشيء، وتعاوروه، وتعوروه؛ إذا تداولوه، وتناوبوه، وكأن من دفع ما يختص به إلى غيره؛ لينتفع [به]، فقد جعل له نوبة. وقيل: من العار؛ لأن طلبها عار وعيب؛ [قاله الجوهري]. ويقال: أعاره يعيره، واستعاره ثوباً فأعاره. وحقيقتها شرعاً: إباحة الانتفاع [بما يحل الانتفاع] به مع بقاء عينه، لردها عليه.

стр. 4958

وقيل: إنها هبة للمنافع، مع استيفاء ملك الرقبة؛ قاله الماوردي. والأصل في جوازها واستحبابها قبل الإجماع من الكتاب – قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وهي [من البر،] وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [النساء: ١١٤] وهي منه. ومن السنة ما روى مالك، وأبو داود، والنسائي عن صفوان بن أمية: أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعاً يوم خيبر، فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: "لا، [بل] عارية مضمونة مؤداة". وفيه: أنه ضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، قال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب. وقال النسائي في بعض رواياته: "ثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً"، وغير ذلك من الأخبار التي سنذكرها. ومن جهة المعنى: أن الأعيان لما جازت هبتها وإباحتها، فكذلك المنافع. قال في البحر: وقد كانت واجبة في ابتداء الإسلام؛ حتى توعد الله – [تعالى – من] منعها، فقال ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون]، وهو كما قال ابن عباس، وابن مسعود: العارية. وخصها ابن مسعود بإعارة الدلو، والقدر، والميزان. قال: من جاز تصرفه في ماله، جازت إعارته؛ لأنها إباحة للمنافع؛ فلم تصح ممن لا يصح تصرفه في المال، وصحت ممن يصح تصرفه فيه؛ كإباحة الأعيان.

стр. 4959

ولا فرق فيمن تصح إعارته بين أن يكون مالكاً للعين [المعارة]، أو لمنفعتها بسبب إجارة، أو وصية، أو غير ذلك. وإن كان مستعيراً، فسيأتي الكلام فيه. واحترز الشيخ بقوله: في ماله عن العبد المأذون؛ لأن الإذن في التجارة لا يبيح التصرف في غيرها. ومما ذكره الشيخ فيمن [تصح إعارته يؤخذ: من يصح منه طلب الاستعارة وقبولها. وفي الحاوي: أن من] يصح منه قبول الهبة، يصح منه طلب العارية؛ لأنها نوع من الهبة، ومن لا؛ فلا. وقريب من هذه العبارة قول الغزالي: "لا يعتبر فيه إلا أن يكون أهلاً للتبرع عليه". وفيما قالاه [نظر؛ فإن السفيه يصح منه قبول الهبة بغير إذن وليه؛ على الأصح، ومقتضى ما قالاه] أن يصح منه طلب العارية بدون إذن وليه، وقد صرح مجلي بأنها لا تصح [منه]، وهو موافق لما يقتضيه كلام الماوردي في باب الحجر؛ حيث قال فيما إذا أعار من سفيه شيئاً، فأتلفه: إن حكمه حكم إتلاف السفيه الوديعة؛ حتى يجري في [ضمانه] الخلاف، ولو كانت صحيحة منه، لضمنها قولاً واحداً. وإن لم يتلفها. ووجه عدم الصحة: أن في تسليطه عليها تسليطاً على سبب يقتضي الضمان، وبهذا فارقت العارية الهبة؛ فإنه لا ضمان فيها. واعلم: أنه لابد في صحة العارية من الإيجاب والقبول، ويكفي من أحدهما الإتيان به بالقول، ومن الآخر بالفعل؛ كما صرح به في المهذب؛ قياساً على إباحة الطعام، وعلى [ذلك] جرى البغوي.

стр. 4960

وفي الوسيط: أنه لابد في جانب المعير من اللفظ، وهو أن قول: أعرت أو خذ، أو ما يفيد معناه. وفي التتمة: أن اللفظ لا يعتبر في واحد من الطرفين حتى لو رآه عرياناً، فأعطاه قميصاً، فلبسه – تمت العارية. وكذلك لو فرش لضيفه بساطاً، أو فراشاً، أو مصلى، أو ألقى إليه وسادة، فجلس عليها – كان ذلك إعارة؛ بخلاف ما لو دخل، فجلس على الفرش المبسوطة؛ لأنه لم يقصد بها. قال: ويجوز إعارة كل شيء ينتفع به –أي: منفعة مباحة – مع بقاء عينهن أي: كالدواب، والدور، والدروع، والدلو، والفأس – وكل ما يجوز [إيراد] عقد الإجارة [عليه]، وكذا ما لا يجوز عقدها عليه من فحل الضراب، ودراهم، ونانر؛ للتزين، وكلب الصيد، وغير ذلك؛ لأن النبي ﷺ استعار من أبي طلحة فرساً، فركبه، ومن صفوان أدرعاً، وقال ليعلي بن [أبي] أمية: "إذا أتتك رسلي فادفع [إليهم] ثلاثين درعاً، وثلاثين بعيراً، فقال: [يا] رسول الله، عارية مضمونة، أو عارية مؤداة؟ فقال: بل عارية مؤداة"؛ كما أخرجه أبو داود. ولما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة نزل في دار أبي أيوب الأنصاري بغير أجرة، وهي حقيقة العارية. وقد قيل: يا رسول الله، ما حق الإبل؟ قال: "حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا". وتفسير ابن مسعود المعاون يقوى ذلك؛ فثبت الجواز في هذه الأشياء بالنص،

стр. 4961

وقيس عليها ما عداها؛ للاشتراك في المعنى. وعلى ما فسر به أبو عبيد الماعون: من أنه اسم لكل منفعة، وعطية – يستغني عن القياس بالكتاب. وما ذكرناه من جواز [إعارة] الدراهم، والدنانير – هو ما ذكره الماوردي، وصاحب البحر، والفوراني، والمتولي. وحكى الغزالي في صحة إعارتها - لما ذكرناه – وجهين: ووجَّه المنع بأن غرض التزيين من المقاصد البعيدة، وهو الذي صححه البغوي، والرافعي، وأفهم أن محل الخلاف عند الإطلاق، أما مع قصد منفعة التزين، فلا يتجه إلا الصحة. فإن لم نصحح إعارتها، فهل تكون مضمونة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها فاسدة، والفاسد [حكمه] حكم الصحيح؛ وهذا ما نسبه الغزالي إلى العراقيين، وفيه إشارة إلى أنهم وافقوا على إجراء الخلاف في صحة إعارتها [، وهو كما نقله، وأفهمه كلامه عنهم؛ كما ستعرف ذلك في باب الإقرار]. والثاني: لا. قال القاضي: لأن العارية تعتمد عيناً منتفعاً بها [ولا منفعة] لهذه العين، فبقي مجرد القبض من المالك برضاه ومن أقبض الغير مال نفسه لا لينتفع به، كان أمانة، وهذا ما نسبه الغزالي إلى المراوزة، وقال الإمام: إنه الأفقه. وهكذا الحكم فيما لو أعاره حنطة، أو شعيراً؛ صرح به القاضي الحسين. فرع: إعارة الشاة والناقة؛ للبنهما. قال القاضي أبو الطيب: [تجوز]؛ لقوله ﷺ : المنحة مردودة.

стр. 4962

وأراد به: الشاة التي تستعار؛ لينتفع بلبنها. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ كإجارتها [لذلك، وأشار إلى الشيخ أبي حامد؛ كما صرح به ابن الصباغ، ثم قال: ولا ينبغي [أن يكون] في هذا خلاف،] ويكون ذلك إباحة للبن الذي كان فيها، وإباحة الأعيان جائزة. وكذلك قال في الشجرة. وما صار إليه أبو الطيب هو ما ذكره الماوردي، وكذلك المتولي، ونفى خلافه، لكن الماوردي لم يسم ذلك إعارة، بل قال: يجوز منحة الشاة؛ للبنها، وهو الذي يقتضيه ظاهر الخبر. قال في البحر: وهذه التسمية هي الصحيحة. وحكى البغوي الوجهين في صحة ذلك فيما إذا أتى بلفظ الإباحة، وطرده في إباحة النسل. فرع: هل يشترط تعيين المستعار؟ قال المتولي: [لا؛ حتى] لو قال [لأجنبي]: أعرني دابة، فقال: ادخل الإصطبل، وخذ ما أردت، صحت العارية.

стр. 4963

قال: ويكره إعارة الجارية الشابة من غير ذي رحم محرم؛ لأنه لا يؤمن أن يخلو بها، فيواقعها. أما العجوز التي لا تشتهي، [فلايكره إعارتها؛ لأنه يؤمن عليها الفساد. ومن هذا [يؤخذ] أنه إذا كانت الشابة شوهاء لا يشتهي] مثلها، أو صغيرة بهذه الصفة- لا يكره إعارتها؛ كما صرح به الأئمة. وفي الجيلي حكاية وجه في الصغيرة. [وفي البحر حكاية وجه في] الكراهة مطلقاً. ثم [ما] المراد بالكراهة [هل] التنزيه أو التحريم؟ ظاهر كلام الشيخ الأول؛ فإنه عقب ذلك بقوله: وتحرم إعارة العبد المسلم من الكافر، فلو كان مراده الثاني، لجمع بينهما؛ وهذا ما صدر به في البحر كلامه، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إذا كانت شابة يخاف منه عليها، لا يجوز الإعارة منه، وتحرم؛ وهذه [الكراهة كراهة] تحريم، وما قاله آخراً هو ما ذكره في المهذب، وابن الصباغ، والغزالي، والرافعي، ويعضده أن الشيخ في باب [القرض] جزم بعدم جواز [إقراض] من هذا شأنها؛ خشية من الوقوع في وطء يكون في معرض الإباحة، والمنع هاهنا أولى؛ لأن ثم شبهة ملك، ولا شبهة هاهنا. وعلى هذا إن كان هو مراد الشيخ – أيضاً – فيكون قد أتى بلفظ الكراهة؛ للاقتداء بالشافعي في لفظه؛ فإنه كذا نقل عنه فيها، لكن الظاهر الأول؛ فإن الإعارة لا يلزم فيها الخلوة المحرمة؛ فلذلك كرهت؛ ولذلك جزم الإمام بعدم التحريم فيما إذا استخدمها من غير خلوة.

стр. 4964

[نعم:] حيث أطلقت الكراهة بالخلوة بها في الاستخدام – كما صرح به الماوردي – فهي محمولة على التحريم؛ كما صرح به الإمام، ولا يكاد يخالف فيه، وامتناع إقراض الجارية كان لما ذكرناه من الفرق. ثم حيث تحرم الإعارة، فلا يكون قادحاً في صحتها. تنبيه: قال النواوي: كان الصواب أن يقول الشيخ: "من غير امرأة، ومحرم"، لتدخل المرأة والمحرم بمصاهرة أو رضاع؛ فإنه لا كراهة فيهما. فرع: لو استعار جارية للوطء، لم يصح؛ فإن وطئها، نظر: فإن كان عالماً فهو زانٍ، وإن كان جاهلاً بتحريم الوطء، فهو وطء شبهة موجب للمهر، وملحق للنسب، وينعقد الولد به حرًّا، ويلزمه قيمته. قلت: وكان ينبغي أن يكون الحكم فيه كما لو وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن؛ إذ لا يظهر [لي] بينهما فرق، والحكم فيها: أنه إن كان عالماً وجب الحد، على الصحيح. وقيل: إن مذهب عطاء إباحة الجواري [الوطء] بالإذن؛ فيصير شبهة، ويلتحق بوطء الشبهة. وإن كان جاهلاً، فلا حد، وهل يجب المهر؟ فيه وجهان. وفي قيمة الولد طريقان: أحدهما: أنها كالمهر. والثاني: القطع بالوجوب؛ لأنه لم يأذن في الاستيلاد، وهذا ينقضه أن المرتهن لو أذن للراهن في الوطء، نفذ استيلاده قطعاً. قال: وتحرم إعارة العبد المسلم من الكافر؛ لتحريم خدمته عليه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] وأي سبيل أعظم من الاستخدام. ولا يمكن أن يجيء القول القديم هاهنا؛ لأن الإعارة تقتضي ملكاً حتى

стр. 4965

يؤمر فيه بالنقل؛ كما يفعل معه [فيما] إذا استأجره. وقال في الوسيط [إنه]: تكره الإعارة منه، ومراده كراهة التنزيه؛ فإنه قال في أول كتاب البيوع: والأولى فيه جواز الإجارة- يعني: من الكافر – كما في الإيداع، والإعارة، وقد صرح بذلك الرافعي هنا. قال: والصيد من المحرم-أي: سواء كان المعير حلالاً أو محرماً – لأن المُحْرِم يحرم عليه التصرف في الصيد، وإمساكه [له]، وفي الإعارة منه إعانة على محرَّم؛ فحرمت لذلك، وإذا حرمت الإعارة على الحلال، فالاستعارة على المحرم من طريق الأولى. فرع: إذا استعاره، فتلف في يده، وجب عليه الجزاء، وقيمته؛ لمالكه؛ إن كان حلالاً، وكذا إن كان محرماً، وقلنا: لا يزول ملكه عنه، وإن قلنا: يزول ملكه، لم يجب عليه [سوى] الجزاء. ولو كان المعير محرماً، والمستعير حلالاً، فلا جزاء عليه، وعليه القيمة إن قلنا: لا يزول ملك المحرم [عنه]، وإن قلنا: بزواله، فلا، وعلى المحرم القيمة؛ لتقصيره بعدم الإرسال؛ [قاله المحاملي]. قال: ويكره أن يستعير أحد أبويه للخدمة؛ لكراهة استخدامهما؛ لما فيها من تبذلهما. أما لو استعارهما لا لهذا الغرض، بل ليوفرهما من الخدمة، كانت مستحبة؛ قاله القاضي أبو الطيب، والكراهة هاهنا كراهة تنزيه.

стр. 4966

وفي الرافعي في كتاب الإجارة: أن [الولد إذا استأجر] [عين والده] للخدمة، ففي صحتها وجهان؛ كالوجهين فيما إذا أجر المسلم نفسه من كافر، وهذا التشبيه يقتضي التحريم. قال: ومن استعار أرضاً للغراس والبناء، جاز أن يزرع؛ لأن ضرر الزرع أقل من ضررهما، فإذا رضي به ففيما دونه أولى. وشبه الإمام ذلك بما إذا وكله بالشراء بمائة، فاشترى بخمسين ما يساوي مائة. وقيل: لا يجوز؛ لأنه يرخي الأرض؛ حكاه ابن يونس. وفي المهذب تخصيصه بما إذا استعار للبناء. ولا خلاف في أنه إذا استعار [أرضاً] للزرع، لا يجوز له الغراس، ولا البناء. قال: وإن استعار [أرضاً] للغراس، أي: لغرس الغراس؛ فإن الغراس هو نفس الأغصان، ويطلق أيضاً على وقت الغرس. [قال: لم يبن] وإن استعار للبناء لم يغرس؛ لاختصاص كل [واحد] منهما بضرر؛ فإن ضرر الغراس في الباطن أكثر؛ بسبب انتشار العروق، وضرره في الظاهر أقل؛ لأنه يمكن الزرع تحته، وضرر البناء في [ظاهر الأرض] أكثر؛ لأنه لا يمكن الزرع تحته، إذا اختلفا، لم يملك وضع أحدهما موضع الآخر؛ كما لو وكله في البيع بدراهم، فباع بذهب. قال: وقيل: يغرس فيما استعار للبناء، ويبني فيما استعار للغراس؛ لأن ضررهما متقارب؛ فإن كلاًّ منهما يراد للبقاء، ويحتاج إلى الحفر في الأرض، وسد الحفرة؛ فتقاربا. قال: وليس بشيء؛ لما ذكرناه. وجزم الماوردي بهذا الوجه فيما إذا استعار للبناء، حكاه مع الأول فيما إذا

стр. 4967

استعار للغراس. قال: وإن قال: ازرع الحنطة، زرع الحنطة؛ [لإذنه فيها]، وما ضرره ضرر الحنطة؛ لأن رضاه بزراعة الحنطة رضاً بزراعة مثلها. وله من طريق الأولى زراعة الشعير، إلا أن ينهاه؛ فلا يجوز؛ على ظاهر المذهب؛ كما حكاه الإمام. ولا يجوز له زراعة أضر من الحنطة: كالقطن، والذرة، بلا خلاف. قال الإمام: فإن قيل: قد قلتم: ليس للمستعير أن يعير [في ظاهر المذهب] وإن كان انتفاع غيره بمثابة انتفاعه، فهلا قلتم: ليس له أن يبدل زرعاً بزرع مثله؛ جرياً على الاتباع في الموضعين. [قلنا:] لا استواء؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف واضعي الأيدي، ولا كذلك في المزروع المتساوي. وما قاله سؤالا وجواباً هو ما [أبداه] القاضي الحسين. فرع: إذا قال: "ازرع الحنطة"، فزرع الذرة، كان كما لو زرعها [من غير] إذن، وليس كما لو استأجر لزراعة الحنطة، فزرع الذرة؛ حيث قلنا على قول: للمؤجر مطالبته بالمسمى وأرش النقص؛ إذا صحت الإجارة، ولم نعدل عن جنس الزرع، وكان وزان هذا [هنا]: أن يرجع على المستعير بأرش لنقص، ليس إلا؛ لأن تسليط المستأجر على الانتفاع يشبه الملك، وهو قوي؛ بخلاف المستعير. قال: وإن قال: ازرع، ولم يسم شئاً ... [إلى آخره]. هذا من الشيخ – ﵀ – بناء على أن العارية تجوز للزراعة من غير تعيين ما يزرع، وهو مذهب العراقيين، وواقهم [فيه] صاحب التهذيب، وابن

стр. 4968

كج [وقالوا] بجواز الرجوع فيها متى شاء، وطردوا ذلك في جواز الإعارة مطلقاً من غير تقييد بزرع وغيره؛ حتى قال في المهذب: يجوز له إذا قال: "أعرتك لتنتفع بها" أن يزرع، وأن يغرسن وأن يبني، وهو محمول على ما جرت به عادة تلك الأرض من هذه الأنواع؛ كما قيده الماوردي. ولا يجوز له في هذه الحالة التسليط على دفن ميت فيها؛ كما ذكره الرافعي. وما ذكروه فهو الصحيح عند غيرهم في مسألة التقييد بالزراعة. وقيل: لابد فيها من تعيين ما يزرع؛ [لتفاوت ما يزرع]. قال الرافعي: ولو قيل: تصح الإعارة، ولا يزرع إلا أقل الأنواع ضرراً – لكان مذهباً. والقائل بعدم الصحة عند الإطلاق في الزراعة قائل بعدم الصحة عند [إطلاق الإذن] بالانتفاع من طريق الأولى. وقد جعل الإمام هذا الوجه في هذه الحالة أظهر، و [جعله] القاضي الحسين ظاهر المذهب؛ ولأجله جزم في الوجيز به؛ لأن العارية معونة شرعية، جوزت للحاجة، فلتكن على وجه الحاجة. فعلى هذا لو قال: "أعرتك؛ لتنتفع كيف شئت"، أو لتفعل به ما بدا لك – فوجهان في الوسيط: وجه الصحة: أنه فوض الأمر إلى مشيئته. ويظهر [لي] أن يكون الصحيح منهما عنده الصحة؛ فإنه جزم بها فيما إذا قال: أجرتك؛ لتنتفع [بها] كيف شئت، حتى يجوز له أن يزرع، ويبني، ويغرس، وكل ما أمكن من المنفعة، مع أن الإجارة لازمة، لا مستدرك لها.

стр. 4969

وقد حكى في التهذيب في مسألة الإجارة وجهاً: أنها لا تصح، أيضاً. رجعنا إلى [كلام الشيخ ﵀]. قال: ثم رجع، والزرع قائم، فإن كان مما يحصد قصيلاً –أي: كالشعير، والفول، ونحوهما؛ عند تناهيه إلى الحالة التي يقصل فيها – حصد؛ لأن العارية ليست بلازمة؛ لأنها مبرة وتبرع بالمنافع المستقبلة، ولم يتصل بها القبض؛ [فجاز الرجوع] فيها؛ كما في التبرع بالأعيان قبل القبض. وإذا كان له الرجوع، وقد أمكن تفريغ الأرض من غير ضرر يلحق المستعير – عمل بموجبه. والقصيل في كلام الشيخ، قال النواوي: بمعنى: مقصول أي: مقطوع، وإذا كان كذلك لم يستقم نظمه. قال: وإن كان مما لا يحصد – أي: قصيلاً كالقمح، والذرة، ونحوهما، ترك إلى الحصاد، وعليه الأجرة من حينئذ؛ لأن الزرع محترم، وله أمد ينتظر؛ فوجب إبقاؤه بالأجرة إلى أوان حصاده؛ جمعاً بين الحقين؛ بخلاف البناء والغراس؛ فإنه لا أمد له ينتظر؛ فلذلك سلطناه على قلعه، أو تملكه؛ كما سنذكره. قال الإمام: وأبعد بعض أصحابنا، فقال: لا يملك المعير طلب الأجرة؛ لأن المنافع صارت في حكم المستوفاة، والمستعير إذا استوفى المنافع، لم يلزمه بعد استيفائها أجرة، ثم نسبه إلى العراقيين، ونسبه الفوراني في كتاب الإجارة إلى [قول] القفال. وحكى القاضي أبو الطيب وغيره وجهاً: أن حكم الزرع حكم الغراس، وهو ما حكى في البحر: أن القاضي أبا الطيب اختاره.

стр. 4970

ونسب الإمام تسليط المعير على قلع الزرع- إذا اختاره مع غرامة أرش النقص - إلى تخريج صاحب التقريب، ونبه على [فساد] جواز بذل قيمة الزرع؛ لإرادة تملكه وإن لم يصرح بذكره؛ بأن في تغريم [قيمة الزرع] قبل الإدراك عسراً لا يهتدي إله؛ فإن الزرع إذا كان بقلاً فعاقبته مجهولة [له،] فإن قوم بقلاً فهو إفساد وإحباط، وإن قوم بتقدير إدراكه، فلا مطلع على هذا؛ وقيمة النباء والغراس تتيسر في الحال. فرع: لو أقَّت الإعارة في الزرع مدة، فاتفق تأخير الحصاد عن منتهاها؛ بسبب اختلاف الهواء. قال الإمام -: لا يقلع وراء المدة - أيضاً - لما ذكرناه. قلت: ولو خرج على الخلاف في مثله من الإجارة، لم يبعد. قال: وإن قال: ازرع الحنطةن لم يقلع إلى الحصاد؛ لأن العادة جارية بإبقائها إليه، وكان المستعير راضياً بذلك؛ فالتزم مقتضاه. فإن قيل: الحنطة مما لا تستحصد قصيلاً، فهذه المسألة مندرجة في قوله: "وإن كان مما لا يحصد [ترك إلى الحصاد"، فأي فائدة في تكرارها؟ قلت: كأن الشيخ أراد بذكرها التنبيه على أن ما لا يحصد] قصيلاً إذا اذن فيه المعير بخصوصه، ثم رجع، [لا أجرة] له؛ كما حكاه القاضي الحسين وجهاً للأصحاب؛ متمسكاً فيه بأنه لما أذن فيه مع علمه بأوان الحصادن فقد رضي بكون أرضه مشغولة به إلى تلك الغاية، وجزم في المسألة الأولى بالرجوع بالأجرة؛ لأن الإذن لما كان مطلقاً، لم يتحقق زرع ما يبقى إلى هذه الغاية؛ فلم يفد رضاه بالبقاء إليها. قال: وإن استعار أرضاً للغراس، والبناء مدة- أي: كشهر مثلاً -

стр. 4971

جاز [له] أن يغرس، ويبني ما لم تنقص المدة، أو يرجع فيها. وإن استعار مطلقاً، كان له الغراس والبناء ما لم يرجع فيها-أي: فإذا رجع – لا يجوز له ذلك؛ لأنه ملك التصرف بالإذن؛ فيبقى إلى أن يزول، وزواله بما ذكرناه. وإنما جوزنا الإعارة مقيدة بزمان، وغير مقيدة؛ لأنها عطية لا بدليها بحال؛ فصحت معلومة، ومجهولة؛ كالوصية. فرع: لو أعار للغراس والزرع مطلقاً، قال في التهذيب: لم يزرع إلا زرعاً واحداً، [أو غراساً] واحداً؛ حتى لو قلعه لا يغرس بعده إلا بإذن جديد. وحكى القاضي أبو الطيب فيما إذا أذن له في غرس شجرة في أرضه، فغرسها، ثم قلعها، فهل له أن يعيد بدلها؟ فيه وجهان: وجه الجواز: أن الإذن [قائم ما] لم يرجع، وجعل الوجهين كالوجهين فيما إذا أعاره حائطاً لوضع الجذوع، فسقطت الجذوع، فهل له أن يعيد غيرها؟ قال: فإن رجع فيها أي: بعد البناء والغراس- فإن كان قد شرط عليه القلع – [أي]: عند رجوعه – أجبر عليه؛ لقوله ﷺ :"الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" قال: ولا يكل تسوية الأرض؛ لأنه مأذون فيه؛ فلم يلزمه الضمان فيما يحصل به من النقص؛ كاستعمال الثوب. قال: وإن لم يشترط، واختار المستعير القلع، فقلع، لم يكلف تسوية الأرض؛ لأن القلع مباح؛ لكون المقلوع ملكه، وإذن المعير في البناء والغراس مع علمه بأن له القلع [يتضمن الرضا] بما يحصل من التخريب؛ فلم

стр. 4972

يلزمه التسوية؛ كما لو شرطه. قال: وقيل: يكلف ذلك؛ لأن النقص حصل باختياره؛ ولهذا لو امتنع لم يجبر، وإذا كان كذلك، لزمه جبره؛ ليرد العين كما أخذها؛ وهذا ما صححه الرافعي، وصاحب البحر، واختاره في المرشد، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه في نظير المسألة من كتاب الإجارة، وهي إذا انقضت مدة الإجارة، فاختار المستأجر القلع، وأبدى الوجه الأول المذكور هاهنا احتمالاً [فيها] لنفسه، مع تصريحه بحكايته هاهنا. فعلى هذا: لو قلع المستعير بناءه، أو غراسه قبل الرجوع في العارية، أو انتهاء المدة المعينة- لزمه التسوية أيضاً. وحكى الإمام فيما إذا قلع المستأجر الغراس في أثناء المدة وجهاً عن العراقيين: أنه لا يلزمه التسوية، وإن كان قد قلع بعد [انتهاء المدة]، لزمته؛ فقد [يقال بمجيء] مثله هاهنا، لكنه وجَّه الوجه المذكور بأنه تصرف في ملكه، وفي الأرض التي تحت يده، وهذه العلة مفقودة هاهنا. قال: وإن لم يختر – أي: المستعير – القلع، فالمعير بالخيار بين أن يبقى ذلك [قيمته]، وبين أن يقلع، ويضمن [له] أرش ما نقص بالقلع-أي: إن حصل [به] نقص – فيقوم قائماً ومقلوعاً، ويجب ما بينهما. وإنما قلنا: له ذلك؛ لأن العارية مكرمة ومبرة، فلا يليق بها منع المعير من ماله، ولا تضييع مال المستعير؛ لكونه غير ظالم فأثبتنا الرجوع على وجه لا يتضرر به المستعير؛ جمعاً بين الحقين، وربطنا الأمر باختيار المعير؛ لأنه الذي صدرت منه هذه المكرمة.

стр. 4973

ولأن الأرض ملكه، وهي أصل، والبناء والغراس [تابع لها، وفرع عنها]؛ ولذلك يتبعها في البيع. أما إذا لم يحصل بالقلع نقص، فليس له إلا القلع. وقدحكى الشيخ في المهذب وغيره من العراقيين والمراوزة: [أن] للمعير الخيار في خصلة ثالثة، وهي بذل قيمة البناء والغراس؛ ليتملكهما، ويعتبر فيهما حالة البذل، لكن لم يصرح العراقيون عند اختيار البقاء بأن له طلب الأجرة، وسلكوا في ذلك مثل ما قاله الشيخ هنا. وحكى الرافعي عنهم، وعن القاضي أبي علي الزجاجي، وغيرهم: أن المعير يتخير بين خصلتين: القلع وضمان الأرش، والتمليك بالقيمة، دون اختيار التبقية بأجرة، ثم قال: ويشبه ان يكون هو الأظهر في المذهب، وصرح المراوزة بأن له مع اختيار التبقية طلب الأجرة، وهو ما قيد به ابن يونس كلام الشيخ. قال الإمام: وقد نسب الأئمة تخيير المستعير بين هذه الخصال إلى ابن سريج، وهو مذهب كافة الأصحاب. ثم إذا اختار المعير خصلة من الثلاث، ووافقه عليها المستعير، فلا كلام. وإن خالفه، نظر: فإن عين القلع مع غرامة النقص –فعل، ودخل الأرش في ملك المستعير قهراً، وله إسقاطه بالإبراء؛ كما صرح به الإمام هاهنا. وإن ين التبقية بأجرة، فإن قلع، وألا فهي واجبة على المستعير عند المراوزة. قال في البحر: ومن أصحابنا من قال: لا يلزم المستعير بذل الأجرة، ولا القلع؛ لأن العارية تقتضي الانتفاع من غير ضمان، وهو اختيار المزني، وهذا عين ما حكاه الرافعي عن العراقيين. وإن عين بذل القيمة؛ ليتملك العين، قال القاضي أبو الطيب، وأبو الحسن العبادي، والغزالي: أجبر المستعير على قبولها، وظاهر هذا يقتضي أنه يتملك

стр. 4974

ذلك عليه قهراً؛ كما في الشفعة، وسنذكر [من] بعد عن المحاملي ما يعضده. وقال الماوردي في هذه الحالة: إذا لم تحصل الموافقة، قلع بناءه وغراسه مجاناً، وهو ما صرح به القاضي الحسين، وأبداه الإمام هاهنا احتمالاً لنفسه، وحمل عليه إطلاق [كلام] الأئمة. وفي الرافعي [أن] من اعتبر - يعني: من أصحابنا - رضا المستعير في التمليك [بالقيمة]، لا نكلفه التفريغ، بل يكون الحكم عنده كالحكم فيما إذا لم يجز المعير شيئاً مما خيرناه فيه. وحكى الإمام عن ابن سريج فيما إذا انقضت مدة الإجارة، والبناء قائم في الأرض، ولم يشترط عليه القلع: أن الأجير يتخير بين الخصال الثلاث التي ذكرناها، وأي خصلة عينها، فلم يرض بها صاحب البناء، فيقال له: إما أن ترضى [بها] وإما أن تقلع بناءك مجاناً؛ وأن ما ذكره ابن سريج [هو الذي قطع به معظم أئمة المذهب. ثم حكى [عن] الشيخ أبي علي أنه قال: فيما ذكره ابن سريج] نظر عندي؛ فإني أقول: إذا عين صاحب الأرض خصلة، وامتنع [منها] صاحب البناء، فله أني قلع بناءه، ولا يقلعه مجاناً؛ إذ يستحيل أن يحبط حقه، ويبطل ملكه بسبب امتناعه عما له الامتناع عنه؛ حتى يصير في حكم من بنى في أرض مغصوبة. وبيان ذلك: أنه إذا قال صاحب الأرض: [بع مني فامتنع]، فلا سبيل إلى أن يباع ملكه عليه قهراً، ولكن يقال له: إن بعت منه ذلك فذاك، وإلا فاقلع، ولك أرش ما ينقصه القلع.

стр. 4975

قال الإمام: وحقيقة ما ذكره الشيخ أبو علي يئول إلى أن مالك الأرض يجبر صاحب البناء [على القلع]، ويغرم له أرش النقص، وهو مخالف لقول المعظم وإن كان متجهاً في المعنى. [قلت: وما قاله الشيخ أبو علي قد صرح بمثله البندنيجي، وابن الصباغ فيما إذا دفع إنسان لشخص أرضاً؛ ليغرسها بغراس من عنده؛ ليكون الغراس والأرض مشتركين بينهما؛ حيث قالا: إن الغراس محترم في هذه الصورة إذا وقع، فلو أراد صاحب الأرض تملكه، وقال صاحب الغراس: بل أقلعه، وأغرمك أرش النقص- فإن المجاب صاحب الغراس. وهكذا الحكم فيما لو قال صاحب الأرض؛ أبق الغراس بأجرة، وقال رب الغراس: بل أقلعه، وأغرمك أرش النقص – أن المجاب صاحب الغراس. وللمالك أن يسقط عن نفسه غرامة [الأرش] بأن يقره [بغير أجرة]؛ ذكر ذلك في كتاب القراض]. ولا خلاف أن المتعير لو بذل قيمة الأرض؛ ليتملكها – لم يجب؛ لأنها أصل؛ فلا تتبع الفرع؛ بخلاف البناء والغراس؛ ولأن ملكها أسبق. واعلم ان محل تخيير المعير في الخصال الثلاث إذا كانت الأرض كلها له، أما لو كان للمستعير شيء فيها، لم يكن للمعير إلا التبقيةبأجرة؛ كما صرح به المتولي. واعتبر القاضي الحسين في تنجيز التخيير عند الرجوع ألاَّ يكون على الأشجار ثمرة لم يبد صلاحها، أما لو كانت، فلا يخير في الخصال إلا بعد جذاذها؛ كما في الزرع؛ لأن لها أمداً ينتظر؛ قاله في كتاب الصلح؛ وعلى ذلك جرى الإمام ثم. فائة: قال الإمام في كتاب الإجارة؛ إذا طلب المالك القلع مع بذله أرش النقص، فأجرة القلع على من؟ هذا مما لم يصرح به الأصحاب وكنت من أمرهم
следующие страницы →