Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
وفي كلام الماوردي إشارة إلى خلاف فيه، كما سنذكره عند الكلام في مقاعد الأسواق.
وحريم المزرعة: طرقها ومغيض مائها ومسيله وبيدر زرعها، وما يستغنى به من مرافقها.
وحريم البئر: بقدر ما يقف عليه المستقي إن كان للشرب، وبقدره مع الدولاب وترداد البهيمة إن كان الاستقاء بها، ومصب الماء، والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزرع من حوض أو نحوه، والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منه وإن كان الاستقاء بالناضح، فحريم البئر قدر عمقها من كل جانب، وإن كان ألف ذراع- كما حكاه البندنيجي- وحمل الأصحاب قوله ﷺ : "حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً" على [آبار] الحجاز؛ فإنها تكون عميقة تحتاج في الموضع التي يمر فيها الثور إلى ذلك المقدار.
وحريم النهر: ملقى الطين وما خرج منه من التقن- بكسر التاء ثالثة الحروف وتسكين القاف- وهو رسابة الماء- بفتح الراء وسين غير معجمة وباء ثانية الحروف- ويقال: إن ذلك يجتمع في الربيع.
وأما القناة فآبارها لا يستقى منها حتى يعتبر به الحريم؛ فحريمها: القدر الذي لو حفر فيه لنقص ماؤها وجف من انهيار وانكباس، ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها.
وفي "الوجيز" وجه: أن حريمها حريم البئر التي يستقى منها، ولا يمنع من الحفر بعد ما جاوزه، وإن نقص، وهذا بناء على ما حكى عن الشيخ أبي حامد: [أن] من حفر بئراً في موات كان لغيره أن يحفر فيما وراء حريمها، وإن نقص ماء الأولى بسبب ذلك، وهو قول الشافعي- كما حكاه الماوردي- فيما إذا نضب ماء البئر الأولى، أو كانت البئر الثانية بئر بالوعة فتغير بسببها ماء الأولى.
وحكى وجه آخر- وبه أجاب القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وابن الصباغ، وجعله الرافعي الأظهر تبعاً للغزالي: أنه يمنع من الحفر حيث ينقص ماء
стр. 5497
الأولى، كما ليس لغيره أن يتصرف [قريباً من بنائه بما يضر به، وهذا موافق لما حكاه الماوردي آخر هذا الباب: من أن جماعة لو حفروا عيناً، فأراد رجل أن يتصرف فيما يمد هذه العين من أرض أو جبل تصرفاً يقطع ماءها، منع منه، إلا أن يكون مالكاً لما يتصرف] فيه من الأرض؛ فلا يمنع منه، وطرد القاضي جوابه فيما إذا أحيا أرضاً ليغرس فيها وغرس؛ فليس لغيره أن يغرس بجواره بحيث تلتف أغصان الغراسين، وبحيث تلتقي عروقهما.
قال القاضي وابن الصباغ: ويخالف ما إذا حفر بئراً في ملكه فنقص ماء الأولى، حيث يجوز؛ لأن الحفر في الموات ابتداء تملك؛ فلا يمكن منه إذا تضرر به الغير، وهنا كل منهما متصرف في الملك.
قال الرافعي: وعلى هذا الوجه يكون ذلك الموضع داخلاً في حريم البئر أيضاً.
ثم ما حكمنا بكونه حريماً فذاك إذا انتهى الموات إليه، فإن كان الموضع مملوكاً قبل انتهاء الحريم فالحريم إلى حيث انتهى الموات، ولو كان المحيي بين آدر متلاصقة؛ فلا حريم له.
فائدة: لكل واحد من الملاك أن يتصرف في ملكه على العادة، ولا ضمان عليه إن أفضى ذلك إلى تلف، نعم: لو تعدى ضمن.
ولو أراد أن يتخذ بجوار [جدار] جاره زبلاً منع.
ولو أراد أن يجعل داره حماماً، أو إصطبلاً، أو طاحونة، أو مدبغة- على خلاف العادة – [وكانت بين الدور، أو حانوته الذي في وصف العطارين حانوت حداد أو قصار على خلاف العادة]، أو دق في داره شيئاً دقاً عنيفاً تتزعزع منه حيطان الجار، أو حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر نداوته إلى حيطان الجار- فهل يمنع من ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه في طرق المراوزة، ثالثها- وهو الأظهر-: [أن ما] كان مضراً بالساكن لا يمنع منه، وهو ما جزم به القاضي أبو الطيب والبندنيجي، وإن كان مضراً بالدار يمنع منه.
فإن قلنا: لا يمنع مطلقاً، فإذا ضرب القصار الميجنة، فتزلزل الجدار حتى
стр. 5498
انكسر ما كان معلقاً عليه- قال العراقيون: عليه الضمان إن سقط في حال الضرب [وإن سقط لا في حال الضرب] فلا ضمان.
قال القاضي الحسين في آخر كتاب الصلح: وعندي أنه لا ضمان في الحالين.
وحكم أسفل الجدار حكم أعلاه؛ حتى لا يجوز أن يعمل بجواره حشاً يضر به على الأصح.
قال البندنيجي: وكان الشيخ يحكي عن أصحابنا: أنه لا يمنع موافقته على هذا، فرجع عنه إلى المنع، وجزم الإمام بأن الجار له حفر بئر في ملكه، وإن أدى إلى اختلال دار الجار، وأنه لا ضمان على الحافر، واختيار القاضي الروياني أن الحاكم يجتهد فيها، ويمنع إذا ظهر له التعنت وقصد الفساد.
قال: وكذلك القول فيإطالة البناء ومنع الشمس والقمر. ولو حفر في داره بئر بالوعة، وفسد فيها ماء بئر الجار- فهو مكروه، [و] لكنه لا يمنع منه، ولا ضمان عليه بسببه، خلافاً للقفال.
قال: "وقيل: لا يملك الماء، أي: بحال كما حكاه القاضي الحسين عن أبي إسحاق، وسواء بيع [في] بئر حفرها في موات أو في ملكه، كما صرح به القاضي أبو الطيب؛ لعموم قوله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ شِرْكُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ" خرجه أبو داود. وروي: "شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ".
ولأن الماء في البئر لو كان مملوكاً لم يستبح بالإجارة؛ لأن الأعيان لا تستباح بالإجارة، وقد أجري هذا الوجه- كما حكاه الشيخ في "المهذب" والبندنيجي- فيما ينبع في ملكه من النفط والقير والمومياء والملح ونحوه.
قال: "والمذهب الأول"، وهو المنصوص عليه في الأقضية من القديم و"وحرملة"؛ لأنه نماء ملكه فهو كثمرة الشجرة، ولأن هذا الماء معدن ظهر في
стр. 5499
أرضه؛ فهو كمعدن الذهب والفضة إذا ظهر [في أرضه].
وأما الحديث فقد قال عبد الحق: إن بعض رجاله مجهول. وقال البخاري في بعضهم: إنه [منكر] الحديث. وضعفه أبو زرعة.
والتمسك بمسألة الإجارة قد يمنع بأن اللبن في الرضاع قد تناوله عقد الإجارة وإن كان عيناً.
التفريع:
إن قلنا بالمذهب، فلو أخذه أحد لم يملكه، وإذا باع ماء البئر بجملته لم يصح؛ لاختلاط المبيع بغيره، وإذا باع أرطالاً منه صح، وإن كان يختلط بغيره، قال القاضي الحسين: كما لو باع آصعاً من صبرة، ثم خلط عليها شيئاً آخر.
وعن القفال: أنه لا يصح، وهو موافق لأصله في منع بيع صاع من صبرة مجهولة الصيعان.
ثم القول بالصحة محله: إذا لم يكن ماء البئر محتاجاً إليه للماشية- كما صرح به الماوردي- فإن كان محتاجاً إليه للماشية، وأوجبنا بذل فضل الماء- حرم البيع، وإن قلنا بقول أبي إسحاق فمن أخذ منه شيئاً ملكه.
قال: "ولا يجب عليه بذل شيء من ذلك" أي: من [نيل] المعادن والشجر والكلأ وما ينبت وينبع في الأرض المحياة قبل حيازته في الأواني؛ لأنه نماء ملكه فلا يجب عليه بذله؛ كثمرة أشجاره، وصوف مواشيه.
قال: "إلا- الماء؛ فإنه يجب عليه بذل فضله للبهائم دون الزرع" أي: سواء قلنا: إنه ملكه أم لا- كما صرح به مجلي- لما روى الشافعي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قال القاضي أبو الطيب: وفيه أدلة من وجوه:
стр. 5500
أحدها: أنه توعد على المنع؛ فدل على أن البذل واجب.
والثاني: أنه دل على أن الفاضل هو الذي يجب بذله.
والثالث: أنه دل على أنه يجب البذل بلا عوض.
والرابع: أنه دل على أنه إنما يجب [عليه] ذلك للماشية دون غيرها، وحكمته حرمتها في نفسها؛ بدليل وجوب سقيها، بخلاف الزرع.
والفرق بين وجوب فاضل الماء وبين عدم وجوب فاضل الكلأ من وجوه:
أحدها: أن الماء إذا أخذ استخلف في الحال.
والثاني: أن الكلأ يتمول في العادة.
والثالث: أن رعي الماشية يطول، فلم يلزمه تمكينها من دخول ملكه لأجله، والماء بخلاف ذلك.
وقد حكى مجلي والمتولي عن بعض أصحابنا: أنه أوجب بذل الفضل للزرع إذا احتاج إليه، وقد يستدل له بما رواه البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "ثَلَاثَةُ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ .. " وعد منها: "رَجُلُ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ".
وروى القاضي أبو الطيب وغيره عن أبي عبيد بن حربوية من أصحابنا: أنه لا يجب البذل للبهائم؛ بل يستحب لعموم قوله ﷺ : "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، وهذا ما اختاره الإمام، وحكاه عن القاضي، والجمهور على الأول، وقالوا: ما ذكره من الحديث عام، وما ذكرناه خاص؛ فكان أولى.
وعلى هذا: لو أراد من حفر بئراً طمها منع؛ لما تعلق بفضل مائها من حقوق السابلة. وهكذا لو حفر نهراً أو استنبط عيناً، صرح به الماوردي، ولو انطمت البئر لم يلزمه تنظيفها.
стр. 5501
نعم، لو بذل ذلك لأرباب الماشية [لزمه التمكين.
ثم المراد بالفضل: أن يكون فاضلاً عن حاجة نفسه وماشيته] وزرعه وشجره.
والمراد بالبذل: التمكين منه.
أما الاستقاء وإعارة الحبل والدلو فلا يجب، ومن هذا يظهر أنه إذا حاز الماء في أوانيه لا يجب عليه بذله وجهاً واحداً؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره.
وعن أبي الحسين أن من أصحابنا من أوجبه.
واعلم أن [ظاهر] كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في البذل للبهائم بين أن تكون ترعى الكلأ التي بجوار الماء ولا يمكن رعيه إلا بسقي الماء، أو لا يكون ثم كلأ، أو يكون ماؤه في الطريق، أو قاطنه. وهو في حال وجود الكلأ وعدم ماء مباح غير ذلك الماء وكلأ غير ذلك الكلأ، متفق عليه، وكذا في حال مرور الماشية، كما حكاه المتولي والقاضي أبو الطيب والروياني والرافعي.
[و] في حال الإقامة وجهان في "التتم"، [و] حكاهما في "الحاوي" عند عدم الكلأ، وحكاهما في "البحر" في حال وجوده واستغناء الماشية عنه لكونها معلوفة، والأصح: أنه لا يجب البذل.
والثاني: أنه لا يجب البذل للآدمي، وقد حكى القاضي ابن كج الخلاف المذكور في وجوبه للماشية، وجوبه للراعي؛ لأنها لا تستقل بنفسها، والمنع منه يتضمن المنع منها.
وحكى الماوردي الوجهين في وجوبه مع القول بوجوبه للماشية.
وحكى الإمام فيه وجهين إذا فرعنا على أن الماء مملوك، وأن الذي ذهب إليه
стр. 5502
القاضي وطبقة المحققين: [أن] للملاك المنع، وطرد الخلاف في أخذ [قريب] وشرب دواب معدودة لا يظهر لشربها أثر.
فرع: إذا أوجبنا البذل هل يجوز أخذ العوض عنه؟ فيه وجهان في "التتمة":
أحدهما: نعم؛ كما يطعم المضطر بالعوض.
وأصحهما- وبه جزم الماوردي وأبو الطيب-: لا؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ".
وهذا كله إذا كان قد حفر بئراً في ملكه، أو في موات ليتملكه، كما صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، والماوردي، والشيخ أبو محمد وغيرهم، خلا الإمام والفوراني؛ فإنهما جزما بعدم وجوب البذل إذا حفر البئر بقصد التملك، وقلنا إن الماء يملك. وحمل الإمام الحديث على ما إذا حفر البئر في موات وقصد الارتفاق بها دون التملك- كما سنذكره- وقال فيما إذا أشرفت الماشية على الهلاك في هذه الحالة: سقاها فضل مائة بالقيمة.
وعند الجمهور: إذا حفر البئر في موات للمارة فماؤها مشترك بينهم، والحافر كأحدهم، ويجوز الاستقاء منها للشرب وسقى الزرع، فإن ضاق عليهما فالشرب أولى. وإن حفرها في الموات لقصد الارتفاق دون التملك فالحافر أولى بمائها إلى أن يرتحل، لكن ليس له منع ما فضل عن حاجته كما ذكرنا عن سقى الحيوان، وله المنع من سقى الزرع، وللإمام احتمال فيه؛ من حيث إنه لم يملكه، والاختصاص إنما يكون بقدر الحاجة، وبهذا أجاب في "التتمة".
ولو لحقت الماشية، فاستحدث حافر البئر مزرعة- قال الإمام: فالذي يظهر هاهنا أنه لا يصرف الماء إلى تلك المزرعة؛ إذ لو جوزنا منع الفضل بهذه الجهة لاستمكن حافر البئر من طرد الماشية بالزيادة في المزارع.
وإذا ارتحل المرتفق صارت البئر كالمحفورة للمارة، فإن عاد فهو كغيره، ولو حفر في موات، ولم يقصد التملك ولا غيره ففيه وجهان في "النهاية":
стр. 5503
وأظهرهما في "الرافعي"، وهو الذي ذهب إليه المحققون، ومنهم القاضي الحسين: أنه كالبئر المحفورة للمارة.
والثاني: أنها كالمحفورة للارتفاق.
وظاهر هذا: أنه لا يحصل للحافر ملك فيها على الوجهين معاً، وقد حكى الإمام- أيضاً- من قبل أن من حفر بئراً في مفازة أو مواضع العشب، فهذا مما يقع تارة لقصد التملك، وتارة [لا] لقصد [التملك]، فإذا خلا عن القصد فهل يحصل به الملك؟ فيه وجهان؛ كمن أغلق بابه على طائر، ولم يقصد اصطياده.
وإذا جمعت بين ما حكاه في الموضعين حصل في المسألة ثلاثة أوجه، ولا خلاف أن القصد إلى الإحياء لا يعتبر فيما لا يفعله في العادة إلا المتملك: كبناء الدور، والمساكن، واتخاذ البساتين حتى يحكم له بحصول الملك، وإن لم يوجد منه قصد التملك.
فصل:
"وإن تحجر شيئاً من الموات بأن شرع في إحيائه" أي: بالحفر وجمع التراب ونحوه وبناء بعض المقصود، كما قاله القاضي أبو الطيب.
قال: ولم يتمم فهو أحق به؛ لعموم قوله ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
ولأن الإحياء إذا أفاد الملك وجب أن يفيد الشروع فيه الأحقية؛
стр. 5504
كالاستيام مع الشراء، وأيضاً قلنا: من يقصد الإحياء بالشروع في العمارة. وهذه الأحقية [أحقية] اختصاص لا ملك؛ لأن سبب الملك الإحياء، ولم يوجد.
وعن أبي الحسين بن القطان: أن بعض أصحابنا جعله مفيداً للملك، وإليه أشار صاحب "التهذيب" بقوله: والصحيح من المذهب: أنه لا يملك بالتحجر والإقطاع ما لم يحيها.
وقال الإمام: كنت أود أن يقول: كل ما يحصل الملك في نفعه إذا وجه إليه القصد، فإنه يحصل الملك وإن فرض القصد في [جهة أخرى]، والذي أراه في ذلك الاستشهاد بالحائط؛ فالمحوط يملك المنفعة إذا انضم إليه قصد اتخاذ الحظيرة، فليكف مجرد التحويط في كل [غرض يفرض]. وقد وجدت هذا لصاحب "التقريب"، ولكنه لم يصرح بالقاعدة التي رمز بها؛ بل قال: لو رمت في حق من يبتغي مسكناً يكفي التحويط فيه لكان محتملاً. وقد يستشهد لذلك بما روى أبو داود عن الحسن بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطاً عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ".
واعلم أنه يقوم مقام الشروع في الإحياء بما ذكرناه: غرز خشبات أو قصبات أو خط خطوط دالة على قصده، وبهذا فسر الإمام والمتولي التحجر.
والتحجر أصله: من الحجر، وهو المنع؛ كأنه لما علم حولها بحجر أو
стр. 5505
غيره منع غيره من التصرف فيه، كما يمنع الحجر عن التصرف.
فرع: لا ينبغي للمتحجر أن يزيد على قدر كفايته فيضيق على الناس، ولا أن يتحجر ما لا يمكنه القيام بعمارته، فإن فعل قال في "التتمة": لا يمنع الغير من إحياء ما زاد على قدر كفايته، وما يعجز عن القيام بعمارته.
وقال غيره: [لا يصح]؛ لأن ذلك [القدر] غير متعين.
قال: فإن نقله إلى غيره صار الثاني أحق به؛ لأنه آثره به صاحب الحق؛ فأشبه ما لو آثره بجلد ميتة، "وإن مات قام وارثه مقامه فيه" أي: بفتح الميم؛ لأنه حق يملك له فانتقل إلى وارثه كحق الشفعة.
قال: "وإن باع لم يصح بيعه"؛ لأنه لم يملكه، وحق التملك لا يباع.
دليله: أن الشفيع لا يبيع الشقص قبل الأخذ، وهذا قول الجمهور.
وقيل: "يصح"، ويعتمد العقد على الاختصاص؛ كبيع علو البيت للبناء والسكن دون سفله، وهذا محكي عن أبي إسحاق وطائفة- كما قال الماوردي- واختيار القفال- كما قال في "البحر- وتمسك قائله بقول الشافعي في "المختصر": كما يجوز بيع الموات من بلاد المسلمين إذا أجازه رجل.
وفي "الحاوي": أن الشافعي أشار إليه في كتاب السير، والقاضي أبو الطيب وغيره قالوا: إن ذلك معدود من غلطات أبي إسحاق، والشافعي عبر بالإجازة عن الإحياء؛ فعلى هذا: الثمن لازم للمشتري أحيا أو لم يحى.
ولو أحياها غير المشتري متغلباً صارت ملكاً للمتغلب المحيي، وفي سقوط الثمن عن المشتري وجهان حكاهما الماوردي عن رواية أبي علي بن أبي هريرة.
أحدهما- وهو مختاره-: أن الثمن لا يسقط؛ لأنه من قبل نفسه أتى. وعلى هذا: لو أحياها غير المشتري، ملكها، ولا يلزم المشتري شيء، وإن أحياها المشتري بعد أن حكم بفسخ البيع ملكها ولا شيء عليه، وإن كان قبل الحكم بالفسخ فوجهان:
стр. 5506
أحدهما: أنها ملك للمشتري.
والثاني: أنها ملك للبائع المتحجر؛ لأن المشتري قصد أن يتملكها بالثمن دون الإحياء، فإذا لم يلزمه الثمن- لفساد البيع- لم يحصل له الملك.
والخلاف المذكور في جواز بيع المتحجر مذكور في بيع الغانم سهمه من الغنيمة قبل القسمة، كما صرح به صاحب "البحر" عن القاضي [الطبري]، وسنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قال: "وإن لم يحي، فطالت المدة- قيل له: إما أن تحييه، وإما أن تخليه لغيرك"؛ لأن ترك العمارة فيه ضرر بدار الإسلام فمنع منه، ولأن فيه نوع حمى، وقد قال النبي ﷺ : "لاَ حِمَى إِلاَّ للهِ وَلِرَسُولِهِ". ولا يبطل حقه بمجرد طول غيبته حتى يقال له فلا يعمر بعد القول- عند الشيخ أبي حامد- والقائل له هو الإمام أو نائبه، وليس لطول المدة الواقعة بعد التحجر حد معين، وإنما المرجع فيه إلى العادة، كذا قاله الرافعي.
قال: "فإن استمهل" أي: لأجل عذر أبداه من إعداد الآلة وجمع رجال، أو قدوم مال قريب الغيبة، أو لا لعذر- كما قال في "البحر"- أمهل مدة قريبة؛ رفقاً به، ودفعاً لضرر غيره، والمرجع في تقديرها إلى رأي السلطان، ولا يتقدر بثلاثة أيام على أصح الوجهين.
قال في "البحر": ومن حده بثلاثة أيام أراد: الأخذ في الإحياء والابتداء به، وأما إتمام العمل فقد لا يمكن إلا في أيام كثيرة.
وفي "الذخائر": أن الشيخ أبا حامد قدر المدة القريبة من عشرة أيام إلى شهرين، والبعيدة: ما زاد على الشهرين.
قال: "وإن لم يحى" أي: في المدة المقدرة له بعد الاستمهال "جاز لغيره أن يحييه" أي: سواء [أذن] في ذلك الإمام أم لا؛ لأنه لم يبق له حق بعد انقضاء المدة فاندرج المحيي في عموم قوله- ﵇: "مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً لَيْسَ
стр. 5507
فِيهَا حَقُّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ"، لكن إذا كان: قد أسس الأس، وبنى بعض الحيطان- لا يتسلط الغير على البناء على ذلك، ولا على أن يملكه مجاناً، وله قلع ذلك.
قال الإمام: وأرى أن ذلك مشروط بإلزام ضمان النقض الذي يحدثه القلع؛ فإن الذي بنى كان له أن يبني، وكل من بنى بناء مباحاً ثم سلط الشرع على نقضه فعلى الناقض أرش ما ينقضه القلع. وما ذكره من الترتيب هو طريق أبي حامد والقاضي الحسين والمتولي، وطريقة الغزالي وإمامه: أن التحجر [يبطل] بطول الزمان وتركه العمارة في غير مدة التهيؤ لها، وإن لم يرفع الأمر إلى السلطان ولم يخاطبه بشيء، وسواء كان التأخير عن عذر مثل أن يغيب أو يحبس، أو لا عن عذر.
[و] وجه ذلك بأن التحجر ذريعة إلى العمارة، وهي لا تؤخر عن التحجر إلا بقدر تهيئة أسبابها، وكذلك لا يعتبر التحجر ممن لا يتمكن من تهيئة الأسباب: كفقير يتحجر منتظراً لقدرة عليها، ولا من متمكن يتحجر ليعمر في السنة القابلة؛ فإذا أخر، وطالت المدة، عاد الموات كما كان، وهذا قد حكاه الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق.
ثم لو ابتدر إنسان، وأحيا قبل أن تطول المدة المسلطة على إبطال حق المتحجر- فهل يملك به؟ فيه وجهان في الطريقين:
مختار أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبي حامد- كما حكاه في "البحر" منهما: أنه يملك مع كونه مسيئاً، وهو الذي صححه الرافعي والقاضي الحسين؛ لعموم قوله- ﵇: "من أحيا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ"، ولأن الأول أثر فيها أثراً لم يملكها به، والثاني أثر [فيها] أثراً يملك الأرض به؛ فكان أولى.
ومقابله: حكاه القاضي ابن كج عن النص.
قال الإمام: وقد بنى أئمتنا هذا الخلاف على خلاف سيأتي في أن الظبية
стр. 5508
والطائر إذا عششا في ملك رجل، فباض وأفرخ، وأخذ غيره الفرخ أو البيض- هل يملكه، أو لا.
على قولنا: إن صاحب الدار لا يملك الفرخ بذلك كما هو الصحيح؟ وقد رأى الإمام في "باب الصيد والذبائح" أن امتناع ملك المحيى هاهنا أولى من امتناع ملك آخذ الفرخ؛ لأن المتحجر قصد أن يتملك فكان حقه آكد، والذي حصل الصيد في ملكه [لم يقصد] تملكه ولا النسب إليه؛ فكان أخذ الصيد بالملك أقرب. ثم قال هاهنا: ومما يتصل بذلك: أن المتحجر إذا أخذ في العمارة، وكان يمهد الأساس، وبنى بعض الجدران- فقد ذكرنا أن هذا القدر لا يثبت له الملك، ولو ابتدر مبتدر إلى إحياء هذه البقعة فيجب القطع بأنه لا يملكها، والاختلاف السابق في الابتدار إلى عمارة البقعة المتحجرة، وسببه: أن العمارة أولى وإن كان المتحجر أسبق، ورأى بعض الأصحاب تقديم السبب الأقوى على السبب الأسبق؛ فإن التحجر ليس من العمارة، وهاهنا قد ابتدر المتحجر إلى العمارة؛ فله حق السبق والتمسك بالسبب الأقوى. وعكس الماوردي ذلك فقال: إن أكمل المتغلب إحياءها قبل أن يشرع المتحجر في عمارتها وقبل استكمالها، فأكمل المتغلب الإحياء وتمم العمارة- ففيه الوجهان، ويكون المتغلب متطوعاً بالنفقة على قولنا: إنها ملك للمتحجر.
فرع: استحقاق الوقوف بعرفة هل ينزل منزلة التحجر حتى يمتنع إحياؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع، وبه أجاب المتولي.
وقال الرافعي: إنه أشبه بالمذهب؛ تشبيهاً لذلك بالمواضع التي تتعلق بها حقوق المسلمين عموماً أو خصوصاً: كالمساجد، والطرق، والرباطات.
والثاني-[و] هو الذي ذهب إليه القياسون-: جواز الإحياء حيث لا تضييق. وعلى هذا: هل يبقى حق الوقوف؟ فيه وجهان. وإذا بقي فمحله إذا ضاق الموقف، أو مع اتساعه وضيقه؟ فيه وجهان.
قال: "وإن أقطع الإمام مواتاً صار المقطع كالمتحجر" أي: في اختصاصه
стр. 5509
بذلك في حياته، وانتقاله إلى وارثه، وسقوط حقه عند عدم العمارة بالشرط المتقدم، وجواز بيعه على أحد الوجهين، كما صرح به القاضي الحسين.
ودليل جواز الإقطاع: ما روي أن النبي ﷺ أقطع الدور بالمدينة.
وروي عن عمرو بن حريث قال: خط لي رسول الله ﷺ داراً بالمدينة بقوس، وقال: "أَزِيدُكَ [أَزِيدُكَ]؟ " خرجه أبو داود. وكذا خرج عن وائل بن حجر: أنه- ﵇ أقطعه أرضاً بحضرموت. وقال الترمذي: حديث حسن [صحيح].
ودليل الاختصاص ظهور فائدة الإقطاع.
ووجه بطلان حقه عند الإطالة: مساواته المتحجر في إثبات الاستحقاق.
وحكى المراوزة وجهاً: أن من تعدى بعد الإقطاع وأحيا لا يملك، وإن قلنا: إنه يملك إذا أحيا [ما] تحجر.
ولا يجوز للإمام أن يقطع إلا ما يقدر المقطع على إحيائه.
تنبيه: قال أهل اللغة: استقطعت الإمام قطيعة، أي: سألته إياها. وأقطعني، أي: أذن لي فيها وأعطانيها. وسميت: قطيعة؛ لأنه اقتطعها من جملة الأرضين.
قال: "وما بين العامر من الشوارع والرحاب ومقاعد الأسواق لا يجب تملكها بالإحياء"؛ لأن إحياء الموات [جوز]؛ رفقاً بالمسلمين، وإحياء ذلك إضرار بهم.
стр. 5510
والشوارع: جمع شارع، وهو الطريق [الكبيرة]. يقال: شرع الطريق.
والرحاب: [جمع رحبة، وهو المكان المتسع].
قال: "ولا يجوز فيها البناء" أي: لقصد الارتفاق كما يفعل في الآبار؛ لما في ذلك من التضييق على المارة، وتضرر من يعثر [به] في الليل.
قال: "ولا البيع ولا الشراء" أي: لا تباع ولا يشتري من الأئمة؛ لكونها غير مملوكة.
قال: "ومن سبق إلى شيء منها جاز [له] أن يرتفق بالقعود فيه" أي: للبيع والشراء والاستراحة "ما لم يضر بالمارة"؛ لقوله ﷺ "مِنِّي مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ"، ولاتفاق أهل الأمصار على ذلك.
وليس لغير السابق أن يضايق السابق في موضعه، ولا أن يجلس بقربه في موضع يضيق عليه الكيل والوزن والأخذ والعطاء، وموضع متاعه وموقف المعاملين أو تمنعهم من رؤيته والتوصل إليه، وله أن يظلل بما لا يضر بالمارة من بارية أو ثوب؛ لأن الحاجة تدعو إليه.
وهذا ما ذكره الجمهور ووافقهم الماوردي على ذلك في الشوارع والطرقات، وقال فيما يختص الارتفاق فيه بأفنية المنازل والأملاك- كمقاعد الباعة والسوقة في أفنية الدور وحريمها-: إنه ينظر فإن أضر ذلك بأرباب الدور لم يجز [إلا بإذن مالك الدار، وإن كان لا يضر بالدار ولا بمالكها فهل يجوز بذلك دون إذن
стр. 5511
مالكها، أو لا يجوز] إلا بإذنه؟ فيه قولان، وعلى قول الافتقار إلى إذنه لا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، كما لا يجوز أن يأخذ عليه بانفراده ثمناً؛ لأنه تبع الملك وليس يملك، وعلى هذا: فلو كان مالك الدار مولى عليه، لم يجز لوليه الإذن.
وحكم فناء المسجد حكم فناء الدار: إن أضر بأهله، لم يجز الجلوس فيه، وإن لم يكن فيه إضرار، فهل يلزم استئذان الإمام؟ فيه وجهان.
[تنبيه: قوله: "ما لم يضر" هو بضم الياء وكسر الضاد، ويقال: ضره يضره- بفتح الياء وضم الضاد- وأضر به وأضره، يضره- بضم الياء وكسر الضاد- لغتان].
قال: فإن قام؛ ونقل عنه قماشه، كان لغيره أن يقعد فيه؛ لزوال يد الأول عنه، ولو لم ينقل قماشه، لم يكن لغيره أن يقعد فيه.
قال القاضي أبو الطيب: كما لو قام من المسجد، وترك في موضعه منديله أو سجادته.
تنبيه: القماش معروف، وهو [من] قمشت الشيء، وقمشته- بالتشديد- أيضاً أي: جمعته من هنا وهنا.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون قيامه لأجل الليل أو لا، وهو ما حكاه أبو الطيب والماوردي، وكذلك المتولي، ونقله عن الشافعي، ونسبه الرافعي إلى الإصطخري وقال: إن الأشبه بالمذهب- ما ذكره الإمام- أنه إن مضى زمان تنقطع فيه ألفة من عامله، بطل حقه، وإن كان دونه، لم يبطل؛ لأن الغرض تعيين الموضع لكي يعرف فيعامل- وأنه لا فرق بين أن تكون المفارقة لعذر كسفر أو مرض، أو لغير عذر. وعلى هذا: فلا يبطل حقه بالرجوع إلى بيته بالليل، وليس لغيره مزاحمته في اليوم الثاني- وأن الأسواق التيت قام في كل أسبوع أو كل شهر إذا اتخذ فيها مقعداً كان أحق به في النوبة الثانية، وهذا إذا لم يكن من الجوالة، أما الجوال الذي يقعد في كل يوم في موضع، فإنه إذا قام؛ بطل
стр. 5512
حقه. والمذكور في "الوسيط" و"الإبانة": أنه متى قام لأجل الليل، لم يبطل حقه، وكذا إذا غاب يوماً أو يومين لمرض أو شغل، وإذا طالت غيبته بطل حقه، وظاهر كلام الشيخ- أيضاً- أنه لا فرق في السابق بين أن يكون مسلماً أو ذمياً، وقد حكى القاضي ابن كج في ثبوت هذا في حق الذمي وجهين.
فرع: لو أراد غيره أن يجلس في مدة غيبته القصيرة للمعاملة إلى أن يعود فهل يمكن منه؟ فيه وجهان، أظهرهما: الجواز؛ كي لا تتعطل منفعة الموضع في الحال.
قال: فإن طال مقامه وهناك غيره أي: محتاجاً إليه، أو سبق اثنان إليه- "أقرع بينهما"؛ توخيا للتسوية، وهذا هو الأصح.
وقيل: يقدم الإمام أحدهما؛ لأن له نظراً واجتهاداً يدفع به المنازعة.
وحكى الماوردي: أن أصل هذا الخلاف اختلاف الأصحاب في أن نظر الإمام في المقاعد مقصور على كفهم عن التعدى ومنعهم من الإضرار، أو نظره نظر مجتهد فيما يراه صلاحاً من إجلاس ومنع وتقديم كما يجتهد في أموال بيت المال؟ فالأول مبنى على الأول، والثاني على الثاني.
وقيل: للإمام أن يقيم من طال مقامه وإن لم يكن هناك غيره؛ كي لا يصير ذريعة إلى تملكه وادعائه، حكاه في "المهذب" وغيره.
تنبيه: ميم مقامه مضمومة، والمعنى: إقامته. والمقام- بالفتح-: موضع الإقامة.
قال: وإن أقطع الإمام شيئاً من ذلك، صار المقطع أحق بالارتفاق به؛ لأن إقطاع الإمام في الموات قائم مقام السبق والتحجر فكان هنا مثله، وهذا ما نص عليه الشافعي، وعليه الأكثرون.
وقيل: لا مدخل لإقطاع الإمام في هذا الارتفاق؛ لأنها منتفع بها على صفتها من غير عمل فأشبهت المعادن الظاهرة، وهذا ما جعله الغزالي أظهر، ويقال: إنه اختيار القفال، وجعل الماوردي أصل [هذا] الخلاف [الخلاف]
стр. 5513
الذي تقدم في كيفية نظر الإمام فيها.
واعلم أن ظاهر كلام من جوز الإقطاع- من الشيخ والقاضي أبي الطيب وابن الصباغ- ومن منعه، يقتضي أن الإقطاع خاص بالارتفاق لا في جواز التملك، وقد حكى الرافعي في كتاب الجنايات عند الكلام في حفر الآبار عن العراقيين والروياني والمتولي: أنهم جوزوا للإمام أن يخصص قطعة من الشارع ببعض الناس، وله أن يحفر فيها بئراً لنفسه- إذا كان غير مضر- بإذن الإمام. وحكى عن الأكثرين في إحياء الموات: أنهم جوزوا للمقطع أن يبني في الشوارع ويتملك، والذي حكاه هاهنا أن العبادي في "الرقم" وابن طاهر [في] "شرح مختصر الجويني" رويا وجهاً: أن للإمام أن يتملك من الشوارع ما يفضل عن حاجة الطروق.
قال: فإن قام ونقل عنه قماشه لم يكن لغيره أن يقعد فيه لتأكيد حال الإقطاع، ويخالف غير المقطع؛ لأن استحقاقه كان بقعوده، وبقيامه زال، وهنا الاستحقاق بالإقطاع والإقطاع باق، وهذا ما صار إليه الجمهور، كما حكاه [القاضي] أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي والروياني.
وقيل: إن حكمه حكم من لم يقطع إذا لم يكن جوالاً- وقد تقدم- حتى حكى القاضي الحسين في إزعاجه عند طول مقامه الوجه السابق.
فروع:
من جلس في المسجد ليقرأ عليه القرآن أو يتعلم منه الفقه أو ليستفتى، قال الغزالي، والشيخ أبو عاصم العبادي: الحكم فيه كما في مقاعد الأسواق.
قال الرافعي: وحكى الماوردي أنه مهما قام بطل حقه، وكان السابق إليه أحق به.
قلت: وكذا قال به في مقاعد الأسواق، وكان اللفظ [الأول] مغنياً عنه. وفي حال الإقامة يمنع من استطراق حلقة الفقهاء والقراء في الجامع توقيراً، ولا يفتقر في الترتيب في المسجد للتدريس والفتوى إلى إذن الإمام إذا كان من مساجد
стр. 5514
المحال، ويعتبر إذنه في الجوامع وكبار المساجد إذا كانت عادة البلدة فيه الاستئذان، وهذا كما ذكر في الترتيب للإمامة.
ومن جلس في المسجد للصلاة لا يختص به في غير [ذلك] الصلاة إذا قام، بخلاف مقاعد الأسواق على رأي؛ لأن الصلاة في بقاع المسجد لا تختلف، والمقاعد تختلف باختلاف غرض المعاملين بها، وأما في تلك الصلاة التي حضرها فهو أحق بها لموضع فيها، وليس لغيره أن يزعجه، فإن فارقه إجابة لمن دعاه، أو لرعاف، أو قضاء حاجة، أو تجديد وضوء، فوجهان ذكرهام ابن كج وغيره:
وأصحهما: أنها لا تبطل، ولا فرق على الوجهين بين أن يترك رداءه فيه أم لا.
والذي جزم به القاضي أبو الطيب: أنه إن ترك منديله أو سجادته لا يبطل، وإلا بطل، ولو فارقه من غير عذر حادث فقد بطل حقه.
والرباطات المسبلة في الطرق وعلى أطراف البلاد، إذا سبق إلى موضع منها سابق صار أحق به وليس لغيره إزعاجه سواء دخل بإذن الإمام أو بدون إذنه، إلا أن يكون الواقف قد جعل له ناظراً وشرط إذنه في الدخول، وإذا دخل لا يبطل حقه بالخروج كشراء طعام أو قضاء حاجة ونحوهما، وإن نقل [عنه] قماشه؛ لأنه قد لا يأمن عليه.
ولو سبق اثنان على موضع وضاق، فالحكم كما ذكرنا في مقاعد الأسواق.
وإذا أقام المسافر في الرباط أكثر من مدة المسافرين- وهي ثلاثة أيام- أزعج، إلا أن يشترط الواقف زيادة عليها، أو يعرض عذر من مطر أو غيره يمنعه من الخروج.
والحكم في المدارس والخانقات إذا نزلها من هو من أهلها، كالحكم في الرباطات إلا في الإزعاج، وإذا سكن بها بيتاً مدة، ثم غاب أياماً قليلة فهو أحق إذا عاد، وإن طالت غيبته بطل حقه.
ولا يزعج الفقيه قبل استتمام غرضه، إلا أن يترك العلم والتحصيل فيزعج،
стр. 5515
وفي الخانقاه لا يمكن هذا الضبط؛ ففي الإزعاج إذا طال المكث- ولا شرط من جهة الواقف، وكذا من طال عكوفه في المسجد- وجهان كما ذكرنا في الشوارع، والأظهر- وبه قال أبو إسحاق-: أنه لا يزعج.
قال: ومن حفر معدناً باطناً أي: في موات بقصد التملك وهو الذي يتوصل إلى نيله أي: إلى ما يخرج منه فإن كان وضعه الغطاء.
قال: بالعمل كمعدن الذهب والفضة والحديد وغيرها أي: كالفيروج والياقوت والرصاص والنحاس، فوصل إلى نيله، ملك نيله؛ لاستيلائه عليه.
وعن الشيخ أبي محمد تردد في [عد] حجر الحديد ونحوه من المعادن الباطنلة، [أم الظاهرة]؛ [لأن ما فيها من الجواهر باد على الحجر والظاهر الأول؛ لأن الحديد لا يستخرج إلا بمعاناة وليس البادي على الحجر عين الحديد، وإنما هو مخيلته.
قال: "وفي المعدن" أي: البقعة التي تحتها الذهب والفضة قولان: أحدهما: يملكه إلى القرار؛ لأنه لا يتوصل إلى منفعته إلا بعمل فيه التزام مؤنة؛ وكان كغيره من أراضي الموات؛ فعلى هذا: إحياؤه هو العمل الذي يتوصل به إلى نيله، وإذا مات ورث [عنه]، ولا يجوز لغيره أن يعمل فيه وإن طالت غيبته عنه.
ويملك مع المعدن عند الوصول إلى النيل ما حواليه بما يليق بجريمه وهو قدر ما يقف فيه الأعوان والدواب على حسب الحاجة- كما ذكرنا في البئر- حتى قال البندنيجي: إنه يملك طول الحفر من كل جانب إن كان الثور يمشي فيه كما يفعل الناضح. ومن جاوز الحريم، وحفر، لم يمنع وإن وصل إلى عرق الأول، كما صرح به البندنيجي وغيره؛ موجهاً ذلك بأنه لا يملك إلا ما قابل قدر ملكه.
والثاني: أنه لا يملكه؛ لأنا لموات لا يملك إلا بعمارة، وحفر المعدن تخريب، ولأن الموات إذا ملك لا يحتاج في تحصيل المقصود منه إلى مثل ذلك
стр. 5516
العمل، وهاهنا إذا عمل مرة أخرى احتاج إلى عمل مثله لإخراج النيل.
قال أبو إسحاق: وهذا أشهر القولين، وهو الذي صححه الشيخ في "المهذب"، وكذلك المسعودي والروياني، وعلى هذا قال: فإذا انصرف كان غيره أحق به؛ كما في مقاعد الأسواق. فإن طال مقامه وهناك غيره، أو سبق اثنان إليه أقرع بينهما، وقيل: يقدم الإمام أحدهما، وتوجيههما ما سبق في المقاعد. والوجه السابق في أنه يزعج- وإن لم يكن ثم غيره- مطرد هنا، ومنهم من قطع هاهنا بعدمه؛ لأنه لا يحصل النيل إلا بتعب ومشقة.
وقيل: يقسم بينهما [كما] في المعدن الظاهر، حكاه في "البحر"، ومنهم من لم يجزه هنا؛ لأنه يحتاج إلى إنفاق، وليس على الإمام أن ينفق عليه؛ لينال غيره، أما إذا لم يقصد التملك بل قصد الحفر؛ لينال ويتصرف فلا يملك قولاً واحداً، قاله البندنيجي.
قال: "وإن أقطع الإمام شيئاً من ذلك [جاز]، فإن قلنا: إنه يملك المعدن بالعمل، صح الإقطاع، وصار المقطع أحق [به] من غيره" كالموات، وعلى هذا: إذا لم يحفر كان حكمه حكم المتحجر إذا لم يعمر، صرح به في "البحر".
قال: "وإن قلنا: إنه لا يملك، ففي الإقطاع قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه معدن لا يملك بالإحياء فلا يصح إقطاعه؛ كالمعدن الظاهر.
والثاني: يصح فيما يقدر على العمل فيه"؛ لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قوس. خرجه أبو داود.
стр. 5517
وفي رواية: "جَلْسَها وَغَوْرَها، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ".
وقوله: جلسيها وغوريها" فيه تأويلان.
أحدهما: أنه أراد: رباها ووهادها، قال الأصمعي: كل مرتفع جلس، والغوري ما انخفض من الأرض.
الثاني: وبه قال أبو عبيد وابن قتيبة: أن الغوري: ما كان من بلاد تهامة، والجلسي: ما كان من بلاد نجد، ولأنه لا يتوصل إليه إلا بالرجال والمؤن والعمل الكثير، وليس كذلك [في] الظاهرة؛ لأنه يستوى في الأخذ منها القوي والضعيف، وهذا ما حكاه القاضي الحسين؛ تفريعاً على عدم الملك بالإحياء، وصححه الرافعي.
فرعان: على القول بأنه ملك المعدن بالإحياء:
أحدهما: إذا باع المعدن هل يصح؟ الذي جزم به القاضي الحسين والفوراني: أنه لا يصح؛ لأن المقصود منه النيل، وهو متفرق في طبقات الأرض مجهول القدر والصفة؛ فصار كما لو جمع قدراً من تراب المعدن وفيه النيل وباعه، وجعل القاضي أبو الطيب منع البيع بالاتفاق دليلاً على أنه لا يملك المعدن بالإحياء، وحكى الإمام وجهاً آخر في جوازه؛ لأن مورد البيع فيه المعدن، والنيل فائدته، ورفعه.
الثاني: إذا قال لغيره: اعمل واستخرج النيل، ففعل- ففي استحقاقه الأجرة الخلاف في الغسال.
ولو قال: استأجرتك فما تستخرجه فهو لك أجرة، قال الإمام: فالظاهر استحقاق الأجرة، وهو الذي جزم به الفوراني في "الإبانة"، وحكى الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجعالة، ولو قال: اعمل لنفسك، ففعل- فالنيل للمالك، وهل يستحق الأجرة؟
الذي ذهب إليه الجمهور: عدم الاستحقاق، وهو الذي صححه القاضي الحسين.
стр. 5518
وذهب ابن سريج إلى الاستحقاق، وقرب الأئمة هذا الخلاف من الخلاف في استحقاق الأجير في الحج الأجرة عند صرفه [إحرامه] إلى نفسه، بعد انعقاد إحرامه عن المستأجر؛ ظاناً أنه ينصرف.
قال الإمام: وعندي: أن الصورة التي ذكرناها بعيدة عن استحقاق الأجرة؛ إذ لا استعمال فيها، وإنما جرى الإذن إطلاقاً ورفعاً، وليس كمسألة الحج؛ فإن المستأجر استعمله أولاً، ثم انصرف إليه العمل آخراً؛ فلا يبعد أن يلغو القصد الفاسد من الأجير، وليت شعري [ما] يقول ابن سريج إذا عمل ولم يستفد شيئاً؟ فإن جرى على قياسه في إثبات الأجرة كان في نهاية البعد إذا لم يصحل نيل هو شوقه ومتعلق طمعه، وعلى كل حال فهل يكون ما يخرج من المعدن في يد العامل مضموناً أو أمانة؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين.
ولو قال: اعمل فما تستخرجه، فهو بيننا، لم يصح؛ لأن العوض ينبغي أن يكون معلوماً.
قال في "الشامل": وليس كما لو شرط جزءاً من الربح أو الثمرة في القراض والمساقاة للعامل؛ لأنه جعل عوض العمل هنا جزءاً من الأصل فهو كما لو شرط للعامل جزءاً من رأس المال، وعلى هذا: فلا شك أنه يستحق نصف الأجرة، وهل يستحق النصف الآخر؟ فيه الخلاف السابق، حكاه الإمام.
ولو قال: اعمل وما استخرجته فلك منه عشرة دراهم، لم يصح؛ لأنه ربما لا يحصل هذا القدر.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الكلام مفروض فيما إذا كان النيل متحقق الوجود، لكن لا يصل إليه إلا بالعلم، والسكوت عما عداه، وقد حكى الماوردي عن الأصحاب في أن ما يعلم ظهور نيله يقيناً هل يجري عليه حكم الموات في جواز إقطاعه وتأبيد ملكه بالإحياء، أم يجري عليه حكم المعادن الظاهرة؟ ونسب الأول إلى ابن أبي هريرة وصححه.
قال: ومن سبق إلى معدن ظاهر، [وهو الذي] يتوصل إلى ما فيه
стр. 5519
بغير عمل: كالقار، والنفط، والمومياء، والياقوت، والبلور [والبرام] والملح، والكحل، والجص، والمدر.
وفي بعض شروح "المفتاح" عد الملح الجبلي من المعادن الباطنة، وفي "التهذيب" عد الكحل والجص منها، وهما محمولان على [ما إذا أحوج إظهارهما إلى حفر- كما قال الرافعي- وحينئذ فكلام الشيخ يخرجهما، ويدخل] ما إذا أظهر السيل قطعة ذهب أو أتى بها، كما صرح به الرافعي والبندنيجي في كونها من المعادن الظاهرة.
[قال]: أو إلى شيء من المباحات كالصيد والسمك، وما يؤخذ من البحر من اللؤلؤ والصدف، وما ينبت في الموات من الكلأ والحطب، وما يبنع من المياه في الموات، وما يسقط من الثلوج، وما يرميه الناس رغبة عنه، أو ينتشر من الزروع والثمار وتركوه رغبة، عنه فأخذ شيئاً منه- ملكه" أي مسلماً كان الآخذ أو كافراً؛ لقوله ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا [لَمْ] يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ"، مع قوله ﷺ : لما رأى تمرة ملقاة: "لَوْلاَ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا" كما خرجه البخاري، وهكذا الحكم فيما إذا لم يأخذ لكنه سبق، ثم جاء غيره: فالأول مقدم، وبأي قدر يستحق التقديم؟ عبارة أكثرهم: أنه يقدم بقدر حاجته التي يقتضيها العرف لأمثاله، فإن أراد الزيادة على ذلك فوجهان:
أحدهما: لا يزعج، ويأخذ بحق السبق ما شاء؛ للحديث.
وأظهرهما: أنه يزعج؛ فإن العكوف عليه كالتحجر والتحويط المانع للغير.
وجزم الماوردي بإزعاجه إذا كان بقاؤه يمنع غيره، وحكى الخلاف فيما إذا
стр. 5520
كان لا يمنع غيره.
ولا خلاف في المعدن الظاهر أنه لا يختص به المتحجر، ولا يملكه أحد بالإحياء والعمارة وإن أراد بها النيل، حتى لو حوط على بعض هذه المعادن بناء واتخذ عليه داراً أو بستاناً لم يملك البقعة؛ لفساد قصده فإن المعدن لا يتخذ لذلك، وأشار في "الوسيط" إلى خلاف فيه، وكأنه أخذه من خلاف حكيناه عن الإمام في نظير المسألة في المعدن الباطن.
تنبيه: النفط – بكسر النون وفتحها-: دهن معروف.
المومياء- بضم الميم الأولى، وكسر الثانية ممدود-: معدن من معادن البادية.
البرام- بكسر الباء-: جمع: برمة، وبضمها: حجر يتخذ منه القدر.
المدر- بفتح الميم والدال-: الطين الشديد الصلب.
اللؤلؤ معروف، وفيه أربع لغات قرئ بهن في السبع: لؤلؤ بهمزتين، و"لولو" بغير همز، وبهمزة أوله دون ثانية، وعكسه: قال جمهور أهل اللغة: اللؤلؤ: الكبار، والمرجان: الصغار. وقيل: عكسه.
الصدف: غشاء الدر، واحدته: صدفة.
قال: وإن سبق اثنان إلى ذلك وضاق عنهما: فإن كانا يأخذان للتجارة قسم بينهما؛ لعدم المزية، وكيفية القسمة: أن يهايأ بينهما فيه، فإن تشاحا في السبق أقرع.
قال: وإن كانا يأخذان القليل للاستعمال، فقد قيل: يقرع بينهما؛ لانتفاء المرجح، مع أن للقرعة مدخلاً عند تساوي الحقوق، وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب وغيره. [وقيل: يقسم الإمام بينهما؛ حذاراً عن تأخير الحق]. وقيل: "يقدم" الإمام "أحدهما" أي: بالاجتهاد، وظهور الأحقية كما يفعل في أموال بيت المال.
وهذا الذي ذكره الشيخ [بجملته] نسبه البندنيجي إلى أبي إسحاق المروزي، وقد حكى الرافعي هذه الأوجه فيما إذا كانا يأخذان للتجارة، وقال: إنه الأشهر،
стр. 5521
وإنه يشبه- على قياس ما قاله العراقيون- أن يقال: إن كان أحدهما تاجراً والآخر محتاجاً يقدم المحتاج.
قال: فإن أقطع الإمام شيئاً من ذلك لم يصح إقطاعه؛ لما روت بهيسة عن أبيها أنه قال: "يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "الْمَاءُ"، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "الْمِلْحُ"، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرُ لَكَ".
ولما روى ثابت عن سعيد عن أبيه عن جده الأبيض بن حمال المازني أنه استقطع رسول الله ﷺ ملح مارب، فأقطعه، فقال الأقرع بن حابس التميمي: يا رسول الله، إني قد وردت الملح [في الجاهلية]، وهو بأرض ليس فيها ملح، ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء [العد بأرض]، فاستقال الأبيض من قطيعته الملح، فقال الأبيض: قد أقلتك منه على أن تجعله مني صدقة، فقال- ﵇: "هُوَ مِنْكَ صَدَقَةُ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَاءِ الْعِدِّ مِنْ وَرَدَهُ أَخَذَهُ"، خرجه أبو داود.
والمارب- غير مهموز-: موضع.
والعد- بكسر العين-: مجمع الماء، قاله الخليل.
وقال الأزهري: الماء العد: الكثير الذي لا ينقطع كماء البئر، وماء العين.
قال أبو الطيب: ولأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز أن يقطع السلطان مشارع الماء فيجعله أحق بها من غيره؛ فكذلك لا يجوز أن يقطعه شيئاً من المعادن الظاهرة؛ لأنه بمنزلة الماء من حيث إنها بارزة ظاهرة لا يحتاج في
стр. 5522
تحصيلها واستخراجها إلى مؤنة وعمل.
قال: "فإن كان من ذلك ما يلزم عليه مؤنة- بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه حصل منه الملح- جاز أن يملك بالإحياء، وجاز للإمام إقطاعه"؛ لأنه ليس في الحال معدناً، وإنما هو موات؛ فيصير بالإحياء معدناً؛ فجاز أن يملك بالإحياء، وجاز إقطاعه كغيره من الموات.
والساحل: معروف، وجمعه: سواحل، وهو: فاعل، بمعنى: مفعول؛ لأن الماء سحله، أي: قشره.
قال: وإن حمى الإمام أرضاً لترعى فيها إبل الصدقة أي: الزكاة ونعم الجزية، وخيل المقاتلة، والأموال الحشرية، ومال من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة، ولم يضر ذلك بالناس، أي: لكونه قليلاً من كثير يكفي المسلمين، جاز في أصح القولين؛ لأنه ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين والمجاهدين ترعى فيه، كما خرجه أبو داود والبخاري؛ فكان للأئمة ذلك تأسياً به، كما في سائر المصالح.
стр. 5523
"والنقيع"- بالنون والقاف-: بلد معروف بقرب المدينة قدر ميل في ستة أميال، وهو موضع مستنقع الماء، وينبت فيه الكلأ، كذا ذكره أصحابنا، وفي حواشي الشيخ زكي الدين: أنه [على] عشرين فرسخاً من المدينة.
وقيل: على عشرين ميلاً، ومساحته ميل في بريد.
وحكي عن الخطابي: أن من الناس من يقوله بالباء [وهو تضعيف].
وقال أبو عبيد: الثاني هو بالباء، مثل: بقيع الغرقد، وقد روى أن أبا بكر حمى بالربذة لإبل الصدقة، واستعمل عليها مولاه أبا أسامة، وولى عليه قرطب بن مالك، وقد روى أن عمر حمى من السرف بقدر ما حمى أبو بكر من الربذة، وولى عليه مولاه هنياً، وقال: يا هني، ضُمَّ جناحك للناس. أي: تواضع لهم. وقيل: اتق
стр. 5524
الله واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريرمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان و [نعم] ابن عوف؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة والغنيمة يأتيني بعياله، فيقول: يا أمير المؤمنين [يا أمير المؤمنين]، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ والكلأ أهون علي من الدينار والدرهم.
وأراد: إن هلكت ماشيتهم احتجت إلى الإنفاق عليهم من الدينار والدرهم في بيت المال والكلأ دونهما.
والسرف: بفتح السين وكسر الراء المهملتين، وبعضهم قيده بفتح الشين المعجمة وفتح الراء المهملة، قال الشيخ زكي الدين: وهو الصواب.
والهنى: بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء من غير همز، ويروى مهموزاً.
الصريمة- بصاد مهملة مضمومة، وراء مهملة مفتوحة، وياء آخر الحروف-: تصغير صرمة- بكسر الصاد- وهي القطيع من الإبل خاصة، وهو ما جاوز الذود إلى ثلاثين، والذود من الإبل: ما بين الخمسة إلى العشرة، كذا حكاه في "رفع التمويه".
وفي "الذخائر": أن الصريمة تطلق على الخيل خاصة، وهي ما بين الذود إلى الثلاثين [من الخيل]، وأن الذود من الإبل: ما بين خمسة إلى عشرين، وقيل: ما بين ثلاثة إلى عشرة.
وحكى في "البحر" وكذا البندنيجي أن الصريمة من الإبل والخيل: ما بين الذود إلى الثلاثين.
والغنيمة- بضم الغين-: تصغير الغنم، وهي ما بين الأربعين إلى المائة من الشاء، وأما الغنم ما تفرد لها راع على حدة، وهي ما بين المائتين إلى أربعمائة.
ولأن في ذلك مصلحة لكل مسلم في دينه ونفسه أو من يلزمه أمره من
стр. 5525
مستحقي المسلمين؛ فكان ما حمى من خاصتهم أعظم منفعة لعامتهم وأهل دينهم، وقوة على من خالف من عدوهم، فعلى هذا: لو أحياه أحد بغير إذن الإمام فهل يملكه؟ فيه قولان، وقيل: وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لا يملك ما حماه رسول الله ﷺ وهذا ما صححه في "البحر".
ووجه الجواز: أن التمليك بالإحياء ثابت بالنص، والحمى إنما يثبت بالاجتهاد، والمنصوص عليه أولى من المجتهد فيه.
ولو أحياه بإذن الإمام ملكه، كذا قاله القاضي أبو الطيب.
قال: "ولا يجوز في الآخر"؛ لما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال: "لاَ حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ"، ولأنه لا يجوز أن يحمى لنفسه؛ [فلا يجوز أن يحمى مطلقاً لغيره من الرعية، وعكسه النبي ﷺ ، فإنه كان يجوز له أن يحمي لنفسه] وإن لم يفعله؛ فكان له أن يحمي لغيره.
والمنتصرون للأول منهم من يروي الحديث: " لاَ حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ"، ومنهم من يرويه بغير هذه الزيادة، ويقول: معناه: لا حمى إلا أن يقصد به وجه الله تعالى كما فعل رسول الله ﷺ فيما حماه لفقراء المسلمين وفي مصالحهم، ورد على مخالفة فعلى الجاهلية؛ فإن العزيز منهم [كان إذا] انتجع بلداً مخصباً أوفى كلب على جبل أو على نشز من الأرض- أي: أشرف به- ثم استعوى الكلب، ووقف له من كل ناحية من يسمع منها صوته؛ فحيث انتهى صوته بالعواء حماه من كل ناحية لنفسه، ويرعى مع العامة فيما سواه ويمنع، هذا من غيره. فورد الخبر؛ نهياً لهم عن هذا.
وأجابوا عن القياس على آحاد المسلمين: بأنه ليس لواحد منهم النظر في مصالح المسلمين؛ ولهذا لم يكن له أن يحمي، وليس كذلك الأئمة.
تنبيه: الحمى: الممنوع، يقال: حميته أحميه، أي: منعته ودفعت عنه.
стр. 5526
قال الجوهري: يقال: أحميته: جعلته حمى، وسمع الكسائي في تثنيته: حموان، والوجه: حميان.
قال ابن فارس: قال أبو زيد: حمينا مكان كذان وهو حمى: لا يقرب؛ فإذا امتنع منه وحذر قيل: أحمينا.
النعم: الإبل، والبقر، والغنم، وهو اسم جنس، وجمعه أنعام.
والأموال الحشرية-[بفتح الحاء وإسكان الشين-: أي المحشورة، وهي المجموعة للمسلمين ومصالحهم. يقال: حشرته أحشره وأحشِره]؛ فأنا حاشر، وهو محشور.
النجعة- بضم النون-: الانتجاع، وهو: الذهاب للانتفاع بالكلأ وغيره.
قال: فإن زالت الحاجة جاز أن يعاد إلى ما كان أي: ما حماه رسول الله ﷺ وغيره؛ لأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها، والمعتد له الإمام؛ لأنه متعلق بالاجتهاد.
قال الإمام: ولا نقول: كما زالت العلة انقطع حكم الحمى.
وقيل: ما حماه رسول الله ﷺ لا يجوز تغييره بحال؛ لأن ما حكم فيه رسول الله ﷺ نص فلا يجوز نقضه بالاجتهاد، وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب، وجزم به البندنيجي، وحكاه الماوردي عن جمهور الأصحاب، ونسب الأول إلى الشيخ أبي حامد، وطريقة الفوراني في "إبانته": أن حمى رسول الله ﷺ لا ينقض، وحمى غيره هل ينقض من بعده؟ فيه قولان:
قال الإمام: ولعل الأصح الجواز؛ فإن حمى الإمام اجتهاد منه في طلب المصلحة للمسلمين، وإذا رأى من بعده رد الحمى نظراً لم يعترض عليه.
ووجه المنع: بأنه في حكم المحرز للجهة المعينة؛ فلا سبيل إلى نقضه؛ كما لو جعل بقعة مسجداً أو مقبرة فلا يجوز تغييره، وإن اقتضت المصلحة التغيير، وهذا الخلاف جار- كما حكاه القاضي الحسين- في أن الحامي هل له نقض حمى نفسه أم لا؟
وقال الرافعي: إن في بعض الشروح: أنه يجوز للحامي أن ينقض حمى
стр. 5527
نفسه، ولا يجوز لمن بعده من الأئمة نقض [ما] حماه.
فروع:
إذا حمى آحاد الناس مواتاً، ومنع الناس منه زماناً، ورعاه، ثم ظهر الإمام عليه رفع يده عنه ولم يغرمه؛ لأنه ليس لمالك، ولا يعزره؛ لأنه أخذ مستحقه، وينهاه عن مثل تعديه.
ولو حمى والي الإقليم موضعاً لمصالح المسلمين رأى فيه مصلحة، فليس له ذلك إلا بإذن الإمام، كذا قاله الماوردي، وألحق الفوراني الولاة بالأئمة، وحكى فيهم القولين، ورجح الرافعي هذه الطريقة.
ووالي الصدقات إذا اجتمعت معه مواشي الصدقة، وقل المرعى لها، أو خاف عليها أن تتلف، لم يحم الموات لها، فإن منع الإمام من الحمى كان والي الصدقات أولى، وإن جوز الإمام ففي جوازه لوالي الصدقات عندما ذكرناه وجهان:
أصحهما في "الحاوي": المنع، وعلى مقابله يتقيد الحمى بزمان الضرورة ولا يستديم، بخلاف حمى الإمام.
стр. 5528
باب اللقطة
اللقطة- بفتح القاف، على المشهور-: الشيء الملقوط، وادعى الأزهري أنه الذي سمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة ورواة الأخبار، قال: وكذا قاله الأصمعي والفراء وابن الأعرابي.
وقال الخليل بن أحمد: هي بفتح القاف اسم للرجل الملتقط، وبإسكان القاف اسم للشيء الملقوط؛ لأن ما جاء على وزن "فعلة" فهو اسم للفاعل؛ كقولهم: هُمَزة لُمَزة ضُحَكَة لُحَنة، وما جاء على وزن "فعلة" فهو اسم للمفعول.
قال الأزهري: وهذا هو القياس.
وعن ابن السكيت في "الإصلاح": اللقطة من الأسماء التي على "فُعَلة" و"فُعْلة"، ويقال: لُقاطة- بالضم-: ولَقَطُ، بفتح اللام والقاف بلا هاء.
قال الأزهري: وهي مختصة بما ليس بحيوان من سائر الأموال، وما كان حيواناً سمى: ضَوَالَّ، لا غير، وعلى ذلك جرى الشيخ في قوله: "وإن وجد ضالة .. " إلى آخره.
والالتقاط: أخذ مال محترم يكون بمضيعة، يأخذه من هو أهل الالتقاط؛ ليحفظه على مالكه، أو ليتملكه بعد التعريف.
وهذا الحد يخرج الكلب المعلم، ولا شك في جواز التقاطه للحفظ، وهل يجوز لغيره؟ فيه كلام سيأتي، فيجب أن يقال: الالتقاط: أخذ شيء محترم يكون بمضيعة، يأخذه من هو أهل الالتقاط، ليحفظه على صاحبه، أو ليختص به بعد التعريف.
стр. 5529
وأما المغلَّب على اللقط هل حكم الأمانة أو حكم الأكساب؟ فيه قولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي.
ثم الأصل في مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وفي أخذ اللقطة وردها على صاحبها معاونة على البر والتقوى.
ومن السنة: ما روى الشافعي عن مالك عن ربيعة بن يزيد مولى [المنبعث عن] زيد بن خالد الجهني أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلا فَشَانُكَ بِهَا". وسأله عن ضالة الغنم فقال: "خُذْهَا، فَإِنَّهَا لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ"، وسأله عن ضالة الإبل فغضب رسول الله ﷺ ؛ حتى احمرت وجنتاه- وفي رواية: حتى احمر وجهه- وقال: "مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَاكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا"، وغير ذلك من الأخبار.
وقد أجمع المسلمون على جواز أخذها في الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل.
ومعنى قوله ﵇: "هِيَ لَكَ" أي: إن أخذتها ["أَوْ لأَخِيكَ" أي: إن أخذها] "أَوْ لِلذِّئْبِ" أي: إن لم تؤخذ أكلها الذئب.
وقوله- ﵇ في ضالة الإبل: "مَا لَكَ وَلَهَا" أي: لا تأخذها.
وقوله: "مَعَهَا" أي: أجوافها؛ فإنها تأخذ ماء كثيراً فتبقى عليه أكثر ما يبقى سائر الحيوانات.
وقوله: "وَحِذَاؤُهَا" أي: خِفاف أرجلها التيت قدر بها على السير وطلب المرعى، وتمتنع بها من صغار السباع.
وقوله: "تَرِد ُالْمَاءَ وَتَاكُلُ الشَّجَرَ" عنى به: أن عنقها طويل فتنال الماء والمرعى من الشجر؛ فهي محفوظة بنفسها غير محتاجة إلى أخذ وبهذه الأمور خالفت الغنم.
стр. 5530
قال: "إذا وجد الحر الرشيد لقطة في غير الحرم في موضع يأمن عليها" أي: لأمانة أهله، وليس الموضع مملوكاً، ولا في دار الشرك- فالأولى: أن يأخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهذا منه، وقوله – ﵇: "وَاللهِ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"، وفي الأخذ إعانة. ولا يجب؛ لأنه أخذ مال على وجه الائتمان؛ فلم يكن عليه أخذ؛ كالوديعة.
قال: "وإن كان في موضع لا يأمن عليها" أي: لخيانة أهله "لزمه أن يأخذها"؛ لقوله ﷺ : "حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ".
ولو خاف على نفسه لوجب عليه صونها؛ فكذلك ماله، وهذه طريقة ابن سريج وأبي إسحاق وجمهور أصحابنا، كما قاله الماوردي.
قال: "وقيل: فيه قولان في الحالين"، وهذه طريقة الأكثرين كما قال الرافعي:
أحدهما: يجب [الأخذ]؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وإذا كان الواجد ولياً لصاحب اللقطة، وجب عليه حفظ ماله؛ كما يجب على ولي اليتيم حفظ ماله. وهذا أخذ من قول الشافعي في "كتاب اللقطة" من "الأم": ولا يحل ترك اللقطة لمن وجدها إذا كان أميناً عليها.
والثاني: يستحب؛ لما ذكرناه. وهذا أخذ من قول الشافعي في "المختصر": "ولا أحب ترك لقطة وجدها إذا كان أميناً عليها". وهذا صححه الغزالي، والرافعي، وحكاه الإمام طريقة جازمة؛ لأنه دائر بين أن يكون كسباً أو أمانة؛ فلا معنى لوجوبها، وما ذكره الشافعي محمول على تأكيد الندب.
ومنهم من قال: لا يجب الأخذ ولا يستحب أيضاً.
стр. 5531
ثم على القول بالوجوب: لو لم يكن يأخذها حتى تلفت، لا ضمان عليه؛ لأن المال ما حصل في يده فلا يضمنه.
قال القاضي الحسين: كمن كان معه طعام وإنسان يموت جوعاً؛ فيجب عليه أن يعطيه، فلو لم يعطه حتى مات، لا دية عليه. وقاسه البندنيجي على ما لو رأى مال شخص يغرق أو يحرق وقدر على خلاصه؛ فإنه واجب عليه، فإذا لم يفعل، وتلف لا ضمان عليه.
تنبيه: جمع الشيخ بقوله: "الرشيد" البالغ العاقل المسلم الأمين، وهو مقتض لعدم التفصيل في الأمين بين أن يخاف على نفسه الخيانة أم لا [و] هو الصحيح في المذهب.
وحكى الإمام طريقة: أن الملتقط إن كان لا يأمن نفسه ولا يثق بها فلا يجب عليه الالتقاط قولاً واحداً، والقولان فيمن يغلب على ظنه أنه لا يخون.
وحكى عن الشيخ أبي محمد وجهين فيما إذا كان يخاف على نفسه الخيانة في جواز الأخذ، إذا قلنا: إن الأخذ سنة عند تحقق الأمانة، وشبههما- وكذلك الغزالي- بالوجهين في أن الصالح للقضاء إذا لم يأمن على نفسه هل يجوز له تقلد القضاء؟ لكن الغزالي في كتاب الأقضية جزم فيمن تعين عليه بوجوب القبول، وإن كان يخاف الخيانة فيمن لم يتعين عليه- لوجود مساو له أو فاضل أو مفضول، وقلنا بصحة ولاية المفضول-: بمنع القبول. ومن عدا الحر الرشيد سيأتي الكلام فيه.
أما إذا كانت اللقطة في موضع مملوك، فقد قال الماوردي: [إنه لا] يجوز له التعرض لأخذها، وهي في الظاهر لمالك الأرض إن ادعاها. ولو كانت في دار الشرك ولا مسلم فيها، فقد حكى الغزالي والفوراني في "الإبانة": أنها له من غير تعريف، ولا ضمان عليه بالإتلاف.
وفي "التهذيب": أنها تكون غنيمة خمسها لأهل الخمس، والباقي للواجد.
قال: ثم ليعرف، أي: على الفور- كما قاله المتولي- "وعاءها وعفاصها
стр. 5532
ووكاءها وجنسها وقدرها وصفتها":
أما اعتبار معرفة العفاص والوكاء؛ فلحديث زيد بن خالد الذي ذكرناه.
وأما اعتبار معرفة القدر؛ فلما روى البخاري عن شعبة في حديث مطول: أن أبي ابن كعب قال له- وهو بالمدينة-: وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﷺ فأتيت بها النبي ﷺ فقال: "عرِّفْها حولاً" فعرفتها حولاً، ثم أتيته الرابعة، فقال: "اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا".
وأما في الباقي: فإن لم تكن معرفته ملازمة للعدد، فيأخذه بالقياس على ما ثبت بالنص؛ بجامع الاشتراك في معرفة ما تمتاز به عن غيرها؛ حتى لا تختلط، وليعرف صدق واصفها من كذبه.
لكن لك أن تقول: حديث أبي يدل على اعتبار العدد عند إرادة التملك، وأنت تريد إثباته عند الالتقاط، [والفرق ظاهر؛ فإنه يلجئ لمعرفة القدر حتى يرد مثله، ولا كذلك في حالة الالتقاط].
وحديث زيد بن خالد لا يحسن القياس على ما ذكر فيه؛ لأن أبا غسحاق المروزي حكى عن الشافعي- ﵁ أنه ذكر وجوهاً فيما يحتمله أمر رسول الله ﷺ للملتقط بمعرفة الوعاء والوكاء:
أحدها: التنبيه على حفظها؛ فإن العادة أن من التقط لقطة يرمي وعاءها ووكاءها لقلته واستحقاره، فأمره بحفظهما؛ لأنهما مال الغير فلا يجوز تضييعه وإن قل.
والثاني: أن يكون تنبيهاً على حفظ ما في الوعاء من طريق الأولى.
والثالث: أن يكون أمره به؛ حتى يميزها إن اختلطت.
стр. 5533
والرابع: أن يكون أمره به؛ حتى يذكره في تعريفه.
والخامس: أن يكون أمره به؛ حتى إذا جاء من أعطى صفتها علم أنه صادق في صفاتها، فإن غلب على ظنه صدقه جاز أن يدفعها إليه، وإن كان لا يجب.
وإذا كانت هذه الاحتمالات قائمة لم يحسن القياس على أحدها إلا أن يدل عليه دليل.
واعلم أن المعرفة بالقدرة تارة تكون بالوزن إن كان مما يوزن، وتارة بالعدد إن كان مما جرى العادة بعده.
قال القاضي أبو الطيب: إلا أن يكثر بحيث لا يعرف مثله في العادة.
تنبيه: قول الشيخ: "ثم ليعرف" هو بفتح الياء وإسكان العين، أي: ليتعرفه فيعرفه.
والوعاء، والوكاء: ممدودان بكسر الواو فيهما، والوكاء: الخيط الذي يشد به الصرة [وغيرها].
والعفاص- بكسر العين- قال الخطابي: أصله الجلد الذي يلبس رأس القارورة، وأطلق- كما قاله الأزهري- على الوعاء على طريق التوسع؛ لأنها كالوعاء، والجمهور على أن العفاص: الوعاء، وهو ما حكاه في "المهذب"، وعليه يدل كلام الشافعي الذي حكيناه عن رواية أبي إسحاق من قبل، وكلاهما صحيح، لكن الأول بكلام الشيخ هنا أنسب؛ لأنه ذكر الوعاء معه.
والصمام الذي تسد به رأس القارورة من خشب أو خرقة.
قال: ويستحب أن يشهد عليها احتياطاً وتبرئةً لغرضه؛ فإنه إذا لم يشهد، اتهم في أنه إنما فعل ذلك؛ لينتفع بها، ولا يجب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به في خبر زيد بن خالد، ولو كان واجباً لبينه؛ لأن ذلك وقت البيان، ولأن كل مال يجوز لواجد تناوله [فلا يلزمه الإشهاد عليه؛ كالركاز، وهذا ظاهر ما نص عليه الشافعي في "الأم" كما حكاه القاضي أبو الطيب وصححه.
وقيل: يجب، وهو ظاهر ما نقله المزني، واختاره في "المرشد"، لما روى النسائي عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً،
стр. 5534
فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهَا ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلَا يَكْتُمْهَا، وَلا يُغَيِّرْهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، وَإِلا فَمَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهَا ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، وَلا يَكْتُمْ وَلا يُغَيِّرْ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِيءْ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ".
والقائلون بالأول حملوا هذا على الاستحباب؛ لأنه لو كان واجباً لما خير بين الواةحد والاثنين.
ثم إذا قلنا بالوجوب ففي كيفيته وجهان:
أحدهما: يشهد أنه وجد لقطة، ولا يعلم بالعفاص ولا غيره؛ كي لا ينتشر فيتوسل الكاذب إلى أخذها إما بالوصف إذا اكتفينا به، أو بأن يواطئ الشهور إن أحوجناه إلى البينة. وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، لكنه قال: ويجوز أن يذكر جنسها.
والثاني: أن يشهد على صفاتها؛ حتى لو مات لم يتصرف فيها الوارث.
وأشار الإمام إلى التوسط بين الوجهين، وأنه لا يستوعب الصفات، ولكن يذكر عبضها؛ ليكون في الإشهاد فائدة. فلو ذكر تمام الوصف، قال: لم نر الأمر ينتهي إلى التحريم. وإذا ترك الإشهاد على القول بوجوبه دخلت في ضمانه، قاله القاضي. ولا خلاف في أنه لا تجب الكتابة عليها، بل يستحب.
قال: وإن أراد حفظها على صاحبها لم يلزمه التعريف؛ لأن التعريف للملك وهو لم يرده، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قال: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ
стр. 5535
عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا [وَإِلَّا] فَشَانَكَ بِهَا"؛ فألزمه التعريف لما جعلها له بعده، وهذا ما أورده الأكثرون، وحكى الإمام ومن تابعه وجهاً جعلوه الأظهر: أنه يلزمه التعريف، وعلى ذلك جرى البغوي، وظاهر كلام الماوردي يقتضي الجزم به؛ فإنه جعل إيجاب التعريف مجزوماً به من غير تفصيل، وحكى الخلاف في وجوب الإشهاد، وقد يستدل له بما روى النسائي عن عياض من قوله: "وَلَا تَكْتُمْ".
فعلى الصحيح: إذا عرف، كان متبرعاً؛ فلو لزمته مؤنة بسبب التعريف، لم يرجع بها.
وعلى الثاني: لا يلزمه المؤنة؛ بل يرفع الأمر إلى الحاكم، ليبذل أجرة التعريف من بيت المال، أو يستقرض على المالك، أو يأمر الملتقط به ليرجع كما في هرب الجمال.
[و] في "الحاوي": أنه إذا قدر على استئذان الحاكم فلم يستأذنه وأشهد، فهل يرجع؟ فيه وجهان. ولو لم يأت به ضمن، حتى لو ابتدأ بالتعريف بعد ذلك فهلك في سنة التعريف ضمن.
قال: "وإن أراد أن يتملكها، عرفها سنة"؛ لخبر زيد بن خالد، والمعنى فيه: أن السنة لا تتأخر عنها القوافل، وتمضي فيها الأزمان التي يقصد فيها من الحر والبرد والاعتدال، وفي هذه الحالة إذا احتاج إلى مؤنة بسبب التعريف كانت على الملتقط؛ لأنه سببه إلى تملكه، صرح بذلك القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما.
ومنهم من قال: إن اتصل الملك بالتعريف فالأمر كذلك، فإن لم يتصل به بأن ظهر المالك فهل يكون على الملتقط أو على المالك؟ فيه وجهان، أظهرهما: الثاني.
قال الرافعي: وهما جاريان فيما لو عرف لقصد الأمانة أبداً ثم عن له أن يتملك فتملك، وحاصلهما يرجع إلى أن المعتبر حال التعريف، أو حال انتهاء الأمر؟ ومحلهما في الصورة الأخيرة يظهر أن يكون إذا قلنا بوجوب التعريف عند
следующие страницы →