← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

ومقابله اختيار أبي حامد، ولم يحك في البحر والحاوي في كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد سواه، وقالا: إن الموصى به يكون بين الورثة على السواء؛ تفريعا على هذا وإن تفاوتوا في الميراث، دون ما إذا قلنا: إن الملك حاصل للميت. [والثاني]- وهو الظاهر من مذهب الشافعي كما قاله الماوردي، وبه قال أكثر البصريين، وحكاه ابن كج عن شيوخه: أنه يثبت ابتداء للميت؛ لأن الموصى إنما أثبت الملك للموصى له؛ فلا يثبت لغيره، وقبول الوارث نيابة عنه، وعلى هذا قال الغزالي: يستند الملك إلى ألطف حين قبل موت الموصى له. وإن قلنا بقول الوقف أو بقول انتقال الملك بنفس الموت - فالملك حاصل للموصى له. وعلى ما ذكرناه ينبني ما إذا كانت الوصية بمن يعتق على الموصى له، فحيث قلنا؛ إن الملك يحصل ابتداء للوارث، فإن كان ممن يعتق عليه الموصى به أيضاً، كما إذا كان وارث الموصى له أباه والموصى به ابنه - عتق على الوارث أيضاً، وولاؤه له. وإن كان ممن لا يعتق عليه، فلا يعتق. وحيث قلنا: يحصل الملك للموصى له ابتداء عتق عليه، ولكن هل يرث منه؟ ينظر: إن حكمنا بحريته عند القبول، فلا. وإن حكمنا بحريته عند الموت: فإن كان ممن يحجب الوارث القابل كما إذا كان القابل أخا للموصى له أو عمه، والموصى به ولده - فلا يرث؛ لأن ثبوته يؤدي إلى نفيه. وأبدى ابن الصباغ في هذه الصورة احتمالا موافقا لما ذكر أنه أبداه في الإقرار من توريث الابن الذي أقر به عمه. وإن كان الوارث القابل ابنا، والموصى به ابنا آخر، فوجهان حكاهما القاضي في المجرد. أحدهما: أنه يرث؛ لأنه ليس في إرثه سقوط إرث أخيه الذي قبل الوصية؛ فلا يؤدي توريثه إلى نفيه، وهذا ما جزم به الماوردي. والثاني: لا يرث، وهو من تخريج ابن سريج، وصححه الروياني والغزالي.

стр. 5777

وكذا هو عند الإمام كما حكاه في نفوذ نكاح العبد, ووجهه: أنا لو ورثناه لاعتبرنا قبوله, ولا يعتبر قبوله في حال رقه, ولا فائدة فيه بعد العتق. وعلى الأول قال الداركي: محله إذا كان القبول قد ثبت للموصى له وهو صحيح, أما إذا ثبت له وهو مريض, ثم مات قبل القبول – لم يرث الموصى به؛ لأن قبول الوارث يقوم مقام قبول الموروث. ولو قبل الموروث في حال مرضه, لكانت وصية للموصى به الذي يعتق عليه ولم يرثه؛ فكذلك هاهنا؛ ألا ترى أنه إذا أوصى له بولده, فقبل الوصية وهو مريض, فإنه يعتق عليه ولا يرثه؟ وهذا منه تفريع على ما استشهد به كما هو ظاهر النص في التتمة في هذا الباب, وإلا ففي مسألة الاستشهاد وجه يأتي في العتق – إن شاء الله تعالى – أنه لا يحسب عليه من الثلث ويرثه. ولو كان وارث الموصى له ابنان, فقبل أحدهما, ورد الثاني, قال الإمام: فالذي ذكره الأصحاب: أن القدر الذي قبله يعتق على الميت ثم إن كان نصيب القابل من التركة التي في يده تفي بالسراية, سرى, ويكون العتق عن الميت ابتداء وسراية والولاء له, ويرث الابن القابل وكذا الراد على أصح الوجهين. وإن لم يكن في يده من التركة شيء أصلا فلا يسري. وجواب الشيخ أبي على: أنه لا يسري في الصورة الأولى أيضاً؛ فإنه لو سرى لسرى عن الميت, والعتق لا يسري على ميت؛ لأن حكمه حكم المعسرين. قال الإمام: ولا وجه إلا ما ذكره الشيخ, وما سواه غلط في القياس. قلت: وفيما قالاه نظر؛ لأنا نفرع على قولنا الوقف, فإذا حصل القبول من الوارث, تبينا حصول العتق عند موت الموصي, وذلك في حياة الموصى له, فإذا أسرينا العتق لم نسره على ميت, بل [نسره] على حي. قال: وتجوز الوصية بثلث المال, أي: الفاضل عن وفاء الدين؛ لما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ لما وصل المدينة سأل عن البراء بن معرور, فقالوا: هلك وأوصى لك بثلث ماله, فقبله ورده على ورثته.

стр. 5778

وقيل: إنه كان أول من أوصى بالثلث, وأول من أوصى بأن يدفن إلى القبلة, ثم صارا جميعاً سنة مشروعة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الموصي جاهلا بقدر ثلثه أو عالما. ثم الاعتبار بثلث ماله حال الوصية أو حال الموت؟ فيه وجهان: [الذي ذهب إليه أكثر البغداديين منهما: الأول؛ حتى لا يدخل فيه ما حدث له من بعد]. والذي ذهب إليه أكثر البصريين: الثاني, وهو الذي صححه البندنيجي والرافعي. وحكي عن بعضهم الجزم به. ومساق هذا الخلاف أنه لو كان ثلث ماله عند الوصية مائة, وصار عند الموت ألفا: أن الوصية هل تكون بثلث المائة أو بثلث الألف؟ وقد حكى الإمام عند الكلام فيما إذا قال: [أعطوه] رأسا من رقيقي عن الشيخ أبي علي في شرح التلخيص, أن الأصحاب لم يختلفوا في صرف ثلث ما خلفه, وإنما اعتبرنا كون ذلك فاضلا عن الدين. وإن كانت الوصية في الآية مقدمة تلاوة, وبها عمل أبو ثور؛ فقدم الوصية على الدين؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: "إنكم تقرءون الوصية قبل الدين, والدين مقدم عليها", ولا يقول هذا إلا توفيقا. ولأن الدين آكد من الوصية؛ فإنه لو استغرق جميع التركة لم يكن للورثة اعتراض بخلاف الوصية. وإذا كان أقوى وجب أن يكون مقدما على الأضعف, وعلى هذا لا نقول بأن الوصية مع وجود الدين لا تصح؛ لأنه لو حصل إبراء من الدين أو تبرع أحد فقضاه من غير التركة, نفذت الوصية في التركة. قال: فإن كان ورثته أغنياء, أي: بمال لهم, أو بما يحصل من ثلثي التركة كما قاله القاضي أبو الطيب والبندنيجي وصاحب البحر – استحب أن يستوفى الثلث, وإن كانوا فقراء, أي: لا يغنيهم الثلثان كما قال [القاضي] أبو الطيب وغيره – استحب ألا يستوفى الثلث؛ لما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال:

стр. 5779

عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع [من وجع] أشفيت منه على الموت, قلت: يا رسول الله, بلغ منى الوجع ما ترى, وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة, أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا", قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا", قلت: فالثلث؟ قال: "الثلث, والثلث كثيرٌ؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء, خير لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس. ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله, إلا أثبت عليها, حتى اللقمة تجعلها في فِي امرأتك". وأراد سعد بأنه ليس من يرثه, [أي: من ذوي] الأنصباء, أو من [بني] الأولاد, وإلا فبنو عمه من بني زهرة, وفيهم كثرة. ومعنى قوله – ﵇: "عالة" أي: فقراء, كما قاله الأزهري, وقال الجوهري: العيلة والعالة: الفاقة. ويتكففون الناس: أي: يسألون الصدقة بأكفهم. وقد قال ابن الصباغ: في هذه الحالة التي ذكرها الشيخ يكون الاستحباب [في الوصية] بالربع فما دونه. وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غيابهم, فالأفضل ألا يوصي. وفي الرافعي إطلاق القول بأن المستحب ألا يستوفي الثلث؛ للخبر, ولما روى عن علي – ﵁ – أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من أن أوصي بالربع, ولأن أوصي بالربع أحب إلى من أن أوصي بالثلث, فمن أوصى بالثلث فلم يترك. وهذا ما حكاه الروياني عن بعض أصحابنا بخراسان. قال: وإن أوصى بأكثر من الثلث ولا وارث له, بطلت الوصية فيما زاد على الثلث, أي: وصحت في الثلث؛ لقوله ﷺ : "إن الله أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم"؛ فدل على عدم ملكه لما زاد على الثلث. ولأن

стр. 5780

الأنصاري أعتق ستة مملوكين له لا مال له غيرهم, فجزأهم رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء, فأعتق اثنين وأرق أربعًا. قال أصحابنا: ولو يكن له وارث؛ إذ لو كان, لوقفه على إجازته. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الزائد على الثلث لا تنفذ [الوصية فيه] بإجازة الإمام, وتوجيهه: أن مال من هذا حاله ينتقل إلى بيت مال المسلمين ميراثًا للمسلمين, والإمام نائب عنهم في التصرف فيه؛ فلا تنفذ الوصية فيما لم يجز الشرع تنفيذه بإجازته؛ كولي اليتيم. وقد حكى المتولي وجها آخر جزم به في البحر: أنها تنفذ بإجازته؛ إقامة للإمام مقام الوارث الخاص. وقد جعل القاضي الحسين هذا الوجه الأظهر, مع حكايته وجه المنع, وقال: إن من أصحابنا من قال: إن المال لا يصرف لبيت المال إرثًا, بل صرف المال الضائع؛ لأنا نتيقن أن له وارثا من المسلمين؛ لأنه لا يخلو عن بني أعمام وهم غير معلومين؛ فبقى ضائعا يوضع في بيت المال؛ ليصرف إلى المصارف. وهذا فيه نظر؛ لأن الميت يجوز أن يكون من زنى؛ فلا بني أعمام له؛ وبذلك ينتفي اليقين, ووراء ذلك وجهان غريبان: أحدهما: عن شرح أدب القضاء للشيخ أبي عاصم العبادي: أن الوصية نافذة بجميع المال, كمذهب أبي حنيفة؛ تمسكا بأنه – ﵇ – لما منع سعدا من الزيادة على الثلث, قال: "لأن تدع ورثتك أغنياء ... " الحديث, فجعل المنع من الزيادة حقا للوارث, فلما لم يكن وارثا سقط المنع, هكذا قاله الرافعي, والكتاب المذكور هو "الإشراف", وقد رأيت هذا الوجه فيه, لكنه ذكره بصيغة تحتمل أن يراد بها الوجه الذي حكيناه من قبل, فإنه قال: وإذا لم يكن [له] وارث, صحت الوصية بجميع المال على أحد الوجهين.

стр. 5781

والثاني: حكاه القاضي الحسين في تعليقه: أنه لا تصح الوصية ممن لا وارث له بشيء من ماله للمسلمين؛ بناء على أن المال يصرف لبيت المال إرثا, والوصية للوارث باطلة, وطرده في جواز شيء من مال من قتل من المسلمين – ولا وارث له – لقاتله. والصحيح ما في الكتاب, وما ذكر في الحديث فللتنبيه على الأخص, وليس بتعليل؛ لأنه لو كان للتعليل لاقتضى جواز الزيادة على الثلث , إذا كان الورثة أغنياء, والفرق بين الوارث المعين والواحد من المسلمين إذا قلنا: إن بيت المال وارث – أن المال في الوارث المعين واصل إليه, فيؤدي إلى اجتماع الميراث والوصية له, والشرع نهى عن ذلك, بخلاف الواحد من الأجانب؛ فإن الوصية إليه ليس من ضرورتها الاجتماع مع الميراث. قال: فإن كان له وارث, ففيه قولان: أحدهما: تبطل الوصية, أي بالزائد على الثلث, وتصح في الثلث؛ لأن النبي ﷺ نهى سعدا عن الزيادة على الثلث, والنهي يقتضي الفساد, وهذا ما اختاره كثير من مشايخ خراسان؛ كما نقله في البحر, ويجيء في المسألة على هذا وجه: أن الوصية تبطل في الثلث أيضاً؛ لأن المتولي حكى وجها فيما إذا أوصى بثلثه لوارثه ولأجنبي, ولم يصحح الوصية للوارث: إن الوصية للأجنبي تبطل؛ بناء على تفريق الصفقة, وحكاه في البحر – أيضاً – نظرا إلى أن الصيغة جمعت حلالاً وحراماً, وأشار إليه البندنيجي احتمالاً؛ لأنه حكى عن شيخه عدم البطلان في نصيب الأجنبي, ثم قال: وفيه نظر. وإذا جرى هذا الوجه ثم وجب جريانه هنا؛ لأن الأصحاب عن آخرهم جعلوا الوصية بالزائد عن الثلث في حق الأجنبي والوصية للوارث بينهما كان من المال على حد سواء في الصحة والفساد في الوصية للوارث والأجنبي؛ وامتناع تخريجه على تفريق الصفقة: بأن العقد مع شخصين ينزل منزلة العقدين, ولو فسد

стр. 5782

أحد العقدين لم يفسد الآخر, وهنا قد انتفى ذلك؛ لأن الفساد في لفظ واحد جرى مع شخص واحد. ثم على القول بالبطلان في أصل المسألة: إذا أجاز الوارث كان ابتداء عطية يشترط فيها شرائط الهبة, ولو كان ما جرى من الميت عتقا فلا بد من أن يأتي الوارث بلفظ العتق, ويكون الولاء فيه للوارث على الأصح, وفي الحاوي: أن أبا الحسن الفرضي – يعني ابن اللبان – قال الولاء [لا] يثبت للموروث بجملته إذا لم بكن للمعتق مال سوى المعتق. وفي الحر حكاية هذا الوجه, ثم قال: واختاره أبو الحسن الفرضي. وهل يكفي فيه بلفظ الإجازة؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين هنا, وفي الوسيط في كتاب القراض قال المتولي: وظاهر كلام الشافعي يدل على الاكتفاء به, وفي الحاوي: أنه يكفي مع النية؛ لأن ذلك كناية في العتق, والمجزوم به في تعليق البندنيجي: أنه لا يكفى. قال: والثاني: يصح, ويقف على إجازة الوارث, فإن أجاز, صح, وإن رد, بطل؛ لأنها وصية صادفت ملكه, وإنما تعلق بها حق الغير؛ فأشبه بيع الشقص المشفوع؛ وهذا ما قال القاضي أبو الطيب والروياني وغيرهما: إنه الصحيح. وقال البندنيجي: إنه المنصوص عليه في عامة كتبه وفي عامة أبواب الأم. وعلى هذا إذا رد, فهل نقول: الزيادة ثبتت, ثم ردت, أو إذا ردت تبينا أنها لم تنفذ في غير ما بان؟ فيه قولان حكاهما الإمام في الفروع المذكورة في كتاب العتق. وإذا أجاز يكفي لفظ الإجازة, وإن كان الزائد على الثلث عتقاً, ويكون الولاء فيه للميت, ولا يحتاج إلى إقباض في غير العتق. ويجوز مع الجهالة كما القاضي أبو الطيب في تعليقه. وقال في التتمة: [إنه] إذا أجاز مع حال الجهالة, كان كالإبراء من المجهول, وعلى ذلك جرى الرافعي, وهذه طريقة الشيخ أبي حامد, وعليها جرى في المهذب, والقاضيان أبو الطيب والحسين, [والماوردي]؛ حيث قالوا تفريعاً

стр. 5783

على القول الأول: إنها لا تتم إلا بالقبض, وله الرجوع فيها ما لم يقبض. وقال القاضي الحسين: إن الخلاف في الصحة وعدمها مستنبط فيها من مسألة نص فيها الشافعي على قولين, وهي: إذا أوصى بأكثر من الثلث, وأجاز الوارث الزيادة على الثلث, فهل الإجازة [ابتداء] تمليك أو عطية أو تنفيذ وصية؟ على قولين. فعلى الأول: تكون الوصية بالزيادة باطلة. وعلى الثاني: تكون منفذة. ثم ظاهر هذا النص يقتضي الاكتفاء بلفظ الإجازة على القولين معا, وبه قال القفال, واختاره ابن الصباغ لنفسه بعد حكاية الخلاف عن الأصحاب. قال: ولا يصح الرد والإجازة إلا بعد الموت؛ إذ لا حق للوارث قبل الموت؛ فلا ينفذ رده وإجازته؛ كما في عتق الشفيع قبل البيع, ولأن الرد والإجازة إنما يصحان من وارث, ويجوز أن يصير هذا غير وارث؛ فلم يصح الرد والإجازة. وهكذا الحكم فيما لو أذن لمورثه في الوصية بأكثر من الثلث. وعن الأستاذ أبي منصور فيما إذا حصلت الإجازة بعد الموت وقبل القسمة: أنها هل تنزل منزلة الإجازة قبل الموت؟ [قال: فيه] قولان مخرجان للأصحاب, والظاهر لزومها. قال: فإن أجاز, أي: على قولنا بأن الوصية صحيحة بالإجازة, ثم قال: أجزت؛ لأنني ظننت أن المال قليل, وقد بان خلافه – فالقول قوله مع يمينه أنه لا يعلم. صورة المسألة: أن يوصي رجل لشخص بنصف ماله, فيجيزه الوارث بلفظ الإجازة بعد الموت, ثم يقول بعد ذلك: ظننت أن التركة ستة آلاف دينار – مثلاً – فيكون ما أجزته ألفاً, وقد ظهر لي أن التركة ستون ألفاً؛ فيكون الزائد على الثلث عشرة آلاف, ولم أرض بذلك – فيكون القول قوله مع يمينه أنه لم يعلم؛ لأن الأصل عدم علمه بذلك, فإذا حلف نفذت الإجازة في القدر الذي

стр. 5784

ادعى علمه به – وهو ألف – وسلم للموصى له مع الثلث؛ ليكمل له أحد وعشرون ألفا, والباقي للوارث؛ لأن ذلك إسقاط حق عن أعيان, فلم يصح مع الجهل؛ كالهبة, وهذا ما نص عليه في الأم؛ كما حكاه في الشامل والبحر, وفي الإملاء؛ كما حكاه الرافعي. وفي تعليق القاضي الحسين مع هذا وجه آخر: أنه لا تصح الإجازة في [شيء] أصلا؛ فيصح للوارث في مثالنا أربعون ألفا, وأن مثل هذا الخلاف يجري في الإبراء من المجهول, فعلى وجه: لا يصح في القدر الزائد على المحقق, ويصح في المحقق, [وعلى] وجه: لا يصح في شيء أصلا. قلت: وعلى قياس ما حكيته عن القاضي أبي الطيب من الجزم بصحة الإجازة مع الجهالة, ألا نجعل لقول الوارث أثراً, ويسلم النصف من التركة للموصى له, وكذا إذا قلنا: إن الإبراء عن المجهول يصح, ولم أر من صرح به. ولو أقام الموصى له بينة تعلم الوارث بمقدار التركة, لزمت الإجازة. قال: وإن قال: ظننت أن المال كثير وقد بان خلافه, ففيه قولان: صورة المسألة: أن يوصي إنسان لشخص بعبد معين أو نحوه, قيمته أكثر من الثلث, فيجيز الوارث الوصية, ثم يقول الوارث: ظننت أن المال كثير؛ فيكون الزائد من قيمة العبد على الثلث قدراً يسيراً, والآن فقد ظهر أن المال قليل, وأن قيمة العبد تستغرق أكثر التركة, ولم أرض بذلك. أو قال: ظهر لي دين لم أعلمه, أو: تبين لي أنه تلف بعض التركة – [فأحد القولين: أنه يقبل قوله] , كالمسألة قبلها؛ فتثبت الوصية في الثلث, والقدر الذي اعتقده كما قاله البندنيجي, والروياني, وغيرهما, وبه جزم المتولي. والثاني: لا يقبل, وتلزم الوصية في جميع العبد؛ لأن الإجازة هنا وقعت بمقدار معلوم, والجهل حصل في غيره؛ فلم يقدح فيها, وثم الجهل حصل فيما حصلت فيه الإجازة؛ فأثر فيها, وهذا كله تفريع على القول بصحة [انعقاد]

стр. 5785

الوصية بالزائد على الثلث, [وأن إجازة الوارث تنفيذ. أما إذا قلنا بعدم انعقاد الوصية بالزائد على الثلث] وأن ما وجد من الوارث ابتداء عطية, فينظر بعد حلفه: إن كانت التركة في يد الموصى له, وقد وجد اللفظ المعتبر في ذلك كما قدمناه – لزمت في القدر الذي ادعى العلم [به] , وفسدت في الباقي. كذا نصه. وفي التتمة: أن الحكم كذلك فيما إذا كانت الإجازة بالزائد في العبد المعين, وأما إذا كانت الإجازة بجزء من التركة, فإنها تنفذ في الكل, وعلى ذلك جرى في الحاوي في الصورة الأخيرة. وإن لم تكن في يده, فله الرجوع في جميع القدر الزائد؛ لعدم اتصاله بالقبض, ولا يمين عليه. ولو أقام الموصى له بينة على علمه بمقدار التركة؛ فإن لم تكن التركة في يد الموصى له؛ فلا أثر للبينة, وإن كانت في يده كانت بمنزلة إقراره, فيخرج على أن الإذن في قبض ما وهبه له وهو في يده, هل يشترط أم لا؟ قال: وما وصى به من التبرعات, أي: كالعتق, لا في كفارة, والوقف, والهبة, وصدقة التطوع, والبيع محاباةً – يعتبر من الثلث, سواء وصى به في الصحة أو في المرض؛ لاستواء الكل في وقت اللزوم وهو حال الموت. ثم المحسوب من الثلث في البيع محاباة: القدر الناقص عما يتغابن الناس بمثله. كما ذكره الأستاذ أبو منصور [والحناطي]. قلت: وكان لا يبعد أن يعتبر جميع النقص من الثلث؛ كما قلنا في الوكيل على رأي إذا باع مما يتغابن الناس بمثله, أو الزوج إذا أقام عند الثيب سبعا, على رأي. ولو كان البيع بثمن مؤجل, حسبت قيمة العين بجملتها من الثلث, سواء كان البيع بثمن المثل أو بأقل أو بأكثر؛ لما فيه من تفويت اليد على الورثة, وتفويت اليد يلحق بتفويت المال؛ بدليل الغصب. وهكذا الحكم فيما لو كان له على رجل دين حال, فأوصى بتأجيله, فإنه

стр. 5786

يحسب جملته من الثلث, كما ذكرناه. قال في البحر: ويحتمل عندي أن يقال: لا يعتبر من الثلث إلا التفاوت بين المؤجل والحال في العقود. فرع: لو قال لأمته: إذا مت فأنت حرة على ألا تتزوجي؛ فإذا مات وقبلت ذلك, عتقت, ولا بد من قبولها, وإن كان لا يلزمها الامتناع من التزويج؛ قاله صاحب التهذيب, ثم قال: ويجب أن يقع قبولها بعد الموت, ويجب عليها قيمة رقبتها. وخص الماوردي الرجوع بالقيمة إذا لم تتزوج, وأنها لا تعود ميراثا إن تزوجت؛ لأن عدم الشرط يمنع من إمضاء الوصية, ونفوذ العتق يمنع من الرجوع فيه, نعم, لو أوصى لأم ولده بألف على ألا تتزوج, أعطيت على هذا الشرط, فإن تزوجت استرجع الألف منها. ولو قال لأمته: إذا مت فأنت حرة إن بقيت على الإسلام, فلا تعتق بالموت ما لم تقبل. قال صاحب التقريب: وإذا قبلت عتقت, ويلزمها [قيمتها]. قال الإمام: وما ذكره بعيد؛ فإن الإصرار على الإسلام ليس مما يتخيل مقابلته بالمال؛ فإنها في امتناعها معطلة على نفسها حقها من التمتع, فالوجه أن يجعل التعليق بالإصرار على الإسلام تعليقاً محضاً. ثم في النفس شيء من الحكم بعتقها في الحال, فإن عنى بقوله: "إن بقيت مسلمة" بقاءها على الإسلام إلى [وقت موته, فلا إشكال. وإن عنى: بقاءها على الإسلام] إلى موتها, فالحكم بالعتق [قبل تحقق] ما يكون, فيه نظر. وما وصى به من الواجبات, أي: من قضاء دين, وأداء فرض الحج, والزكاة, فإن قيد بالثلث, اعتبر من الثلث؛ لأنه قصد الرفق بالورثة؛ فاعتبر قصده, وعلى هذا إن لم يوف الثلث بها, تممت من الثلثين.

стр. 5787

وفائدة هذه الوصية – كما قال القاضي أبو الطيب -: إذا كان ثم وصية أخرى؛ فإن الثلث يقسم بينهما بالنسبة, ونكمل الواجب من رأس المال. وحكى الشيخ أبو علي قولًا آخر: أن الفائدة تقديم الواجبات على أرباب الوصايا, فإن فضل من الثلث شيء صرف إليهم, وإلا فلا. وقد حكاه القاضي أبو الطيب من بعد في مسألة الحج, ورواه في البحر عن حكاية أبي إسحاق وابن أبي هريرة عن بعض الأصحاب, وقال: إنه المذهب. قال: وإن أطلق, فالأظهر: أنه لا يعتبر من الثلث؛ لأنها في الأصل من رأس المال, فإذا لم يصرفها عنه, بقيت على الأصل, وكانت الوصية بها محمولة على التأكيد والتذكار بها, وهذا ما نص عليه عند الإيصاء بالحج في المناسك من كتبه الجديدة, وبه جزم أبو إسحاق وابن أبي هريرة؛ كما حكاه الماوردي وأكثر الأصحاب؛ كما قال القاضي أبو الطيب. وقيل: يعتبر من الثلث؛ لأنها من رأس المال, فلما وصى بها كانت قرينة دالة على أنها من الثلث, والوصية مصرفها من الثلث, وهذا ما نص عليه عند الإيصاء بالحج في المختصر في هذا الموضع من الوصايا, فإنه قال: [إذا أوصى بأن يحج عنه ولم يحج حجة الإسلام, فإن بلغ ثلثه حجةً من بلده] , حج عنه من بلده, وإن لم يبلغ, حج عنه من حيث بلغ [ثلثه]. والقائلون بالأول منهم من تأوله كما سنذكره, ومنهم من نسبه إلى الغلط, وقال: إنما قال الشافعي ذلك في حج التطوع؛ فإنه قال في عيون المسائل: إذا أوصى بأن يحج عنه تطوعا, فبلغ ثلثه الحج من بلده – حج عنه من بلده, وإن لم يبلغ حج عنه من حيث يبلغ ثلثه. ومنهم من يقول: إنه غلط من الناسخ, ويكون [موضع قوله: "ولم يحج": و"قد حج", وهكذا وجد في بعض النسخ. وقيل]: إن كان قد قرن به ما يعتبر من الثلث, أي: كما لو قال: حجوا عني وتصدقوا – اعتبر من الثلث؛ عملا بالقرينة, وإن لم يقرن لم يعتبر؛ عملا بالأصل.

стр. 5788

وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة, كما قال في المهذب, وأبي علي الطبري كما قال القاضي أبو الطيب. ورأى الإمام تخصيص هذه الطريقة بما إذا قال: أوصيت لكم؛ لتحجوا عني, وتعتقوا, وتتصدقوا, فإن لم يجر لفظ الوصية, وقال: حجوا عني, وأعتقوا [وتصدقوا] , فهو كما لو تجرد ذكر الحج. وطريقة أبي علي بن خيران: حمل النص الأول على أجرة المثل من الميقات, والنص الثاني على أجرة المسير من دويرة أهله إلى الميقات. وطريقة أبي الطيب بن سلمة وأبي حفص بن الوكيل: تخريج المسألة على قولين, وقد ألحق القاضي أبو الطيب الحج المنذور بحج الفرض, وقياسه: أن يطرد في سائر المنذورات, وكذا في الكفارات؛ لأنها لم تجب بأصل الشرع, وقد حكى ذلك القاضي الحسين قولاً في المنذورات مع قول آخر: أنه إذا أوصى بها تكون من الثلث, وإن لم يوص بها لا تقضى من تركته, وجعل أصل القولين: أن ما يوجبه الإنسان على نفسه, هل يسلك به مسلك إيجاب الشرع, أو مسلك ما تبرع به الإنسان؟ وطرد القولين في الكفارات أيضاً. ومحل ذلك وفاقاً وخلافاً إذا كان الإلزام في الصحة, أما إذا كان في المرض, فهو محسوب من الثلث قطعا, صرح به الفوراني في كتاب الحج. وحكى الجيلي: أن للشافعي قولا كمذهب أبي حنيفة: أنه إذا لم يوص بالحج, لا يجوز إخراجه من تركته؛ لفقد النية. وقال: إنه في البسيط. فرع: إذا مات من عليه الواجبات ولم يوص بها, فإن كان دين لآدمي, وجب وفاؤه من تركته, فإن لك يكن له مال, فللوارث والأجنبي أن يتبرع بأدائه عنه,

стр. 5789

وتبرأ ذمة الميت بالقبض. نعم, إن كان الدافع هو الوارث, وجب على رب الدين القبول, بخلاف الأجنبي. قال الإمام في كتاب القسامة – في ضمن فرعٍ أوله: "ولو قتل عبدٌ لأم ولد" -: وغالب ظني أني رأيت الأصحاب خلافًا في أن الوارث أيضاً إذا لم من عليه الدين شيئاً, تنزيله منزلة الأجنبي المتبرع بقضاء الدين. وإن كان على الميت حج, فللوارث أن يحج عنه بنفسه, وله أن يأمر أجنبيا بذلك. وهل للأجنبي أن يفعل ذلك دون إذنه؟ فيه وجهان: أظهرهما: الجواز؛ كما لو كان عليه دين فقضاه عنه. والثاني – وهو قول أبي إسحاق [المروزي]-: المنع؛ لأن الحج عبادة تفتقر إلى النية إلا باستنابته أو استنابة نائبه. والزكاة في هذا المعنى كالحج, سواء فيه زكاة المال والفطر؛ فيجوز للأجنبي إخراجها عنه على الأظهر, وقد حكاه الروياني في البحر عن نصه. وأما الكفارات, فهي مذكورة في هذا الشرح في آخر باب كفارة اليمين, وذكرنا فيه ما إذا أوصى أن يكفر عنه في الكفارة المخيرة بالعتق وكان أكثر قيمة, هل تعتبر جميع الكفارة من الثلث أو القدر الزائد؟ فليطلب منه. وقد نص الشافعي في الإملاء على أن الصدقة عن الميت تنفعه, ويكون ثوابها للمتصدق عنه, ثم قال: وواسع في فضل الله أن يثيب المتصدق أيضاً. ولا فرق في ذلك بين الوارث والأجنبي, وبهذا قال الصيدلاني وغيره. وقال الإمام: وجدت في بعض المصنفات رمزا إلى شيء يدور في خلد الفقيه: أن الصدقة نرجو لحوق بركتها بالميت فإما أن تقع عن الميت, وصدورها من غير وارث وهي متطوع بها, فهذا بعيد عن القياس, وكما تجوز الصدقة عن الميت, يجوز الوقف عن الميت؛ كما صرح به صاحب العدة. قال الرافعي: وعلى هذا القياس ينبغي جواز التضحية عن الميت؛ فإنها

стр. 5790

[ضرب] من الصدقة. قال: وقد رأيت أبا الحسن العبادي: أطلق القول بجواز التضحية عن الغير, وروى فيه حديثا, لكن في التهذيب: أنه لا يجوز بغير إذنه وأمره, وكذلك عن الميت إلا أن يكون قد أوصى به. ولا [شك] عندنا في أن الدعاء للميت ينفعه, ويلحقه ثوابه سواء كان الداعي قريباً أو غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] فأثنى عليهم بدعائهم لهم. ولا يجوز أن يعتق عنه تطوعاً, ولا ينفعه أن يصلي عنه قضاء أو غير قضاء, وكذا قراءة القرآن, واستثنى صاحب التلخيص من الصلاة ركعتي الطواف, وقال: يأتي بهما الجير عن المحجوج عنه, ووافقه بعض الأصحاب, وقال: تقع عنه تبعا للطواف. ومنهم من قال: هما تقعان عن الأجير, وتبرأ ذمة المحجوج عنه, كما لو ارتكب محظورًا ولزمه دم أو صوم. والظاهر: الأول. وأما حج التطوع إذا جوزنا الاستبانة فيه, كما هو الصحيح, فلا يجوز أن يفعل عن الميت بغير إذنه؛ كما صرح به العراقيون. وفي أمالي أبي فرج السرخسي: أن للوارث أن يستنيب فيه, وأنه إذا أوصى الميت إلى معين, فعل, ولو استقل به أجنبي, فوجهان: أصحهما: المنع. وأما ما يعتاد قراءته من القرآن على رأس القبر وعند الموتى؛ قصدا لرجاء الإجابة, قال في البحر: إنه مستجيب, وقد سئل القاضي أبو الطيب عمن ختم عند القبر ختمة, وأهداها للميت؟ قال: الثواب لقارئها, ويكون كأنه حاضرها ترجى له الرحمة.

стр. 5791

وفي الحاوي ما يقتضي وصول ذلك إلى الميت؛ فإنه قال: إذا تقرر ما وصفناه من عود الثواب إلى الميت بفعل غيره, فما يفعل عنه أربعة أقسام: أحدها: [ما] يجوز أن يفعل بأمره وبغير أمره, وذلك قضاء الدين, وأداء الزكوات, وفعل ما وجب عليه من حج أو عمرة, والدعاء له, والقراءة عند قبره, وكلام القاضي كما حكيناه في باب الإجازة يدل على وصول القراءة للميت؛ حيث [جوز] الاستئجار على ذلك. قال: وما تبرع به في [حال] حياته: كالهبة – أي مع الإقباض – والوقف, والعتق, والمحاباة – أي: في البيع والشراء – والكتابة, وصدقات التطوع: إن كان قد فعله في الصحة, لم يعتبر من الثلث؛ لأنه مطلق التصرف في ماله لا حق لأحد فيه, واعتبر من رأس المال. وهكذا الحكم فيما لو قال لعبده: أنت حر قبل مرض موتي بيوم أو شهر, ثم مرض ومات – لم يحسب ذلك من الثلث إذا مات بعد يوم أو شهر, وكذا لو قال: أنت حر قبل موتي بشهر, وقصر مرض موته عن شهر, وإن زاد على شهر فهو كما لو علق عتق عبده بصفة في حال الصحة, وحصلت الصفة في المرض, وفي ذلك قولان, قال المتولي الحسين وسنذكره [مرة أخرى في] باب التدبير. فرع: لو كاتب عبده في الصحة, ثم أبرأه عن النجوم في مرض الموت أو أعتقه – فالمعتبر من الثلث أقل الأمرين من نجوم الكتابة وقيمة رقبته. قال: وإن [كان] فعله في مرض مخوف [المرض المخوف]: كل ما يستعد الإنسان بسببه إلى ما بعد الموت, وليس من شرطه كما قال: الإمام أن تندر الحياة ويؤيس من المعالجة؛ فإن البرسام معدود من الأمراض المخوفة, والنجاة منه ليست بالنادرة, ولكن يكفي إلا يكون الهلاك منه في حكم النادر, والمرض الذي [ليس بمخوف هو الذي يليه ترتيب الموت عليه, فإن وقع الشك

стр. 5792

من أنه مخوف أو غير مخوف؛] رجع فيه إلى قول شاهدين ذكرين حرين مسلمين عدلين من أهل الطب, إلا أن تكون العلة بامرأة على وجه لا يطلع عليه الرجال غالبا. فيقبل فيه [شاهدان, وشاهد] وامرأتان, وأربع نسوة [من أهل المعرفة]. وقال الإمام: والذي أرى أنه لا تلتحق [إقامة] هذه الشهادة بالشهادات من كل وجه بل تلحق بالتقويم, وتعديل الأنصباء حتى يختلف الرأي باختلاف العدد, وعلى المذهب لو اختلفوا عمل بقول الأعلم, فإن استووا رجع إلى قول [الأكثر منهم عدا, فإن استووا رجع إلى قول] من حكم بأنه مخوف قاله الماوردي. ومن أنواع المخوف – كما قاله الشيخ -: البرسام, وهو مرض [سببه] بخار يرتفع إلى الدماغ [يتأثر به] ويتغير به العقل, ولا فرق فيه بين [ابتدائه ودوامه, كما قاله الماوردي. قال: والرعاف الدائم؛ لأنه يسقط القوة. قال]: والزخير المتواتر, وهو خروج الخارج شيئاً فشيئاً بشدة [وألم] , وقد يوهم انفصال شيء كبير, فإذا نظر كان قليلا, وفي معناه: الإسهال الدائم؛ لأنه ينشف الرطوبات, ولا نظر إلى طريانه يومًا ويومين إذا لم يدم إلا أن يحترق منه البطن فلا يمكنه الإمساك. قال البندنيجي والقاضي الحسين: ولو ساعة واحدة, أو يخرج الطعام غير مستحيل, أو يعجل ويمنعه النوم, أو يكون معه دم من الكبد, وكذا سائر الأعضاء الشريفة, ونقل المزني انه مع خروج الدم لا يكون مخوفاً, فبعضهم خطأه, وبعضهم حمله على [دم يخرج من] البواسير ونحوها, كذا حكاه الرافعي. وفي الوسيط: أن الموت إذا اتصل بإسهال يوم أو يومين تبين باتصال الموت

стр. 5793

به كونه مخوفاً, وكذا لو ظن أن القوة تحتمل فبان خلافه, وإن جاوز الإسهال يومين, وكان ينقطع ساعة ويعود اخرى وهو كالحمى الدائمة, فيكون تبرعه في اليومين محسوباً من رأس المال, وفيما عداهما من الثلث, قاله البندنيجي. قال: وطلق الحامل؛ لصعوبة أمر الولادة, وهذا هو الصحيح, وبه جزم في التهذيب, وفيه قول آخر ينسب إلى رواية الشيخ أبي حامد: انه ليس بمخوف؛ [لأن الغالب السلامة, وفي الحاوي أن بعض أصحابنا قال: إنه ليس بمخوف] في حق من توالت ولادتها من كبار النساء, بخلاف الأبكار والأحداث, وأبدى الإمام احتمالاً [في أن الحامل] وإن لم تطلق بعد, لا يمتنع أن تلتحق بتموج البحر ونظائره. والمنقول عن الأصحاب أنه لا أثر لذلك. وإن وضعت الحامل فالخوف باق إلى أن تنفصل المشيمة, فإذا انفصلت زال الخوف, إلا إذا حصل في الولادة جارحة أو حرقان شديد أو ورم وإلقاء المضغ والعلقة. قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والقاضي الحسين: لا خوف فيه, وعليه يدل كلام الماوردي حيث قال: إذا وضعت الولد لدون ستة اشهر ولم يتحرك, فليس بمخوف, وإن كان بعد حركته فوجهان: أحدهما – وهو الأظهر -: أنه مخوف. والثاني – وهو قول الشيخ أبي حامد -: أنه ليس بمخوف؛ إلحاقاً بما قبل الحركة. وفي التتمة: أن إلقاء المضغة كالولادة, وموت الولد في البطن مخوف. قال: وما أشبه ذلك أي كالقولنج, وهو أن ينعقد أخلاط الطعام في بعض الأمعاء فلا ينزل, أو يصعد بسببه البخار إلى الدماغ؛ فيقضي إلى الهلاك. والطاعون, وهو عند الأكثرين: هيجان الدم في جميع البدن وانتفاخه, وقيل: إنه انصباب الدم إلى عضو فيحم وينتفخ, وقد يذهب العضو إن لم يتدارك أمره في الحال, وإن سلم الشخص. وقال القاضي الحسين في تعليقه والمتولي: إنه قريب من الجذام, من أصابه تآكلت أعضاؤه وتساقط لحمه.

стр. 5794

وذات الجنب: وهي قروح تحدث من داخل الجنب بقرب القلب بوجع شديد ثم ينتفخ في الجوف ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك. والدق: [وهو داء يصيب القلب, ووجع الخاصرة, ووجع الصدر, والسل]: وهو داء يصيب الرئة ويأخذ البدن منه في نقصان, وإفراز [البول] [هكذا] أطلق في الشامل [القول] بأنه مخوف, وأطلق في المختصر بأنه ليس بمخوف في أوله, ولا في آخره؛ فإنه وإن لم يسلم منه صاحبه غالبا فإنه لا يخشى منه الموت عاجلا؛ فيكزن بمثابة الشيخوخة والهرم, وقال الشيخ في المهذب والغزالي والماوردي: إنه في انتهائه مخوف دون ابتدائه, وعكس صاحب التهذيب ذلك فقال: ابتداؤه مخوف, فإذا استمر فليس بمخوف؛ لأن الغالب أنه إذا دام لا يقتل عاجلاً, ويبقى مدة [وهو كالهرم]؛ وبذلك يحصل في المسالة أربعة أوجه. والفالج في ابتدائه, وهو حال السلية, وسببه غلبة البلغم والرطوبة؛ فإنه إذا هجم ربما أطفأ الحرارة الغريزية وأهلك, فإذا استمر لم يخف منه الموت عاجلاً؛ فلا يكون مخوفاً, وفيه وجه: [أنه] إذا استمر وكان معه ارتعاش, لم يكن مخوفاً, وإلا فهو مخوف. والخراجة إذا كانت على مقتل أو نافذة إلى جوف أو موضع كثير اللحم, ولها ضربان شديد, أو حصل معها تآكل أو ورم [مخوفة] , وهكذا الحكم إذا ضرب بعصا, كما قاله البندنيجي والقاضي الحسين, وقيل: إن الورم وحده لا يوجب كونه مخوفاً, وغنما يكون مخوفاً بالورم مع التآكل. والقيء إن كان معه دم أو بلغم أو غيرهما من الأخلاط, فهو مخوف, إلا أن يدوم. والحمى اللطيفة التي لا تبرح إذا جاوزت الثلاث, فالتبرع فيها محسوب من الثلث. وفي اليوم الأول والثاني من رأس المال كما صرح به البندنيجي, وفي الحاوي

стр. 5795

إلحاق الثالث بالثاني. وكلام الإمام مصرح بأنه متى جاوزت الحمى اليومين, فالتبرع في اليومين من الثلث. وفي التهذيب والتتمة وجه: أنها من أول حدوثها مخوفة, وعلى الأول إذا اتصل الموت بحمى يوم أو يومين, ففي تعليق البندنيجي: أنه لا أثر لذلك. وفي الوسيط لنا تبين أن ذلك مخوف, وهو منطبق على ما حكاه القاضي الحسين؛ حيث قال: [إنه] إذا تبرع في مرض غير مخوف ثم مات منه, بان لنا أنه أخطأ؛ فيعتبر من الثلث. وأما حمى الورد وهي التي تأتي كل يوم, والمثلثة وهي التي تأتي يومين وتقلع يوماً, وحمى الأخوين وهي التي تأتي يومين وتقلع يومين – فهي من الأمراض المخوفة. وحمى الربع, وهي التي تأتي يوماً وتقلع يومين, ليست بمخوفة, وحمى الغب وهي التي تأتي يومًا وتقلع يومًا, فيها وجهان: الذي أجاب في التهذيب منهما: أنها مخوفة. والذي أجاب به البندنيجي والقاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ: مقابله. والحمى اليسيرة ليست بمخوفة اتفاقا, وكذا وجع العين والضرس والجرب ونفور الطحال. فإذا تبرع في حالة من هذه الأحوال, فتبرعه من رأس المال, وهكذا الحكم

стр. 5796

في كل مرض ليس بالمخوف, ثم لا خلاف في أن المريض إذا انتهى إلى حالة شخص فيها بصره وابيضت عيناه لا تعتبر وصيته, ولا شيء من أقواله حتى الإسلام, وكذا [من] أفعاله. وحكم من علاه وهو لا يحسن السبح, أو قطع نصفين وهو يتكلم, أو أخرجت حشوته – كذلك. قال: واتصل بالموت, اعتبر من الثلث؛ لما روى مسلم عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم, فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم, ثم اقرع بينهم, فأعتق اثنين [ثم] أرق أربعاً, وقال له قولاً شديداً. والقول الشديد كما رواه النسائي عن الحسن عن عمران بن حصين أنه ﷺ قال في هذه القصة: "لقد هممت ألا أصلي عليه". فإذا رد العتق فغيره من طريق الأولى. وقوله ﷺ : "إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم", يشعر به, ولأن هذه الأحوال الظاهر فيها الموت؛ فكانت العطية فيها في حق الوارث بمنزلة الوصية. فعلى هذا إن خرجت التبرعات من الثلث فلا كلام, وإن زادت عليه كان [حكم الزائد حكم الزائد] في الوصية على الثلث, فإن أجاز الورثة نفذت جميعها, وإن ردوا قُدِّم من التصرفات الأول فالأول, إلى أن يستوفى الثلث, بخلاف الوصية إذا زادت على الثلث, كما سيأتي. ولا فرق بين أن يكون المتقدم المحاباة ولم تتصل بالقبض أو اتصلت به, وحكى الإمام في كتاب العتق فيما إذا كان ثلث ماله ألفاً, فاشترى عبداً بألفين

стр. 5797

وقيمته ألف, ثم أعتق العبد المشتري, فقد قال ابن الحداد: ينظر: فإن لم يكن وفى الثمن قبل العتق نفذ العتق, وردت المحاباة, ولزم البيع في العبد بثمن المثل, وإن وفى الثمن له قبلت المحاباة, ورد العتق, قال الإمام: وقد جمع ابن الحداد بين غلطين فاحشين: أحدهما: أنه فرق بين أن يوفي الثمن وبين ألا يوفيه. والثاني: أنه ألزم البيع بمقدار ثمن المثل, والمذهب [خلاف] ذلك. ثم المعتبر من الثلث في الكتابة قيمة الرقبة بجملتها, وليس للمتبرع في هذه الأحوال أن يرجع في تبرعه اللازم مثله في حال الصحة؛ لاحتمال سلامته؛ فيكون التبرع لازما, ويجوز للمتبرع عليه أن يتصرف فيما يتبرع به عليه تصرف مثله لو جرى التبرع من المتبرع في صحته, صرح به الإمام هنا. ولو كان المنجز عتق أمة في مرض الموت, ملك قيمها تزويجها وإن لم يكن للمتبرع مال سواها؛ فإن ظهر أن العتق لم يشمل جميعها, تبين بطلان النكاح إن لم يجز الوارث, وكذا إن أجاز وقلنا: إنه ابتداء عطية, أما إذا قلنا: إنه تنفيذ, فيتبين صحة النكاح؛ كما لو برئ, أو اكتسبت مالاً تخرج من ثلثه, واعتبار الثلث بحالة الموت. ومنع ابن الحداد بعض الأصحاب التزويج في هذه الحالة؛ لأن أمر عتقها موقوف فربما لا تعتق كلها وهو ظاهر الحال, وربما تعتق كلها بأن يصح من مرضه, [أو تكتسب مالاً تخرج من ثلثه] , وإذا كان الأمر على هذا التردد, فالنكاح على الوقف, وهو مردود عند الشافعي, ﵁. وعلى هذا لو كانت الأمة تخرج بجملتها من الثلث ويفضل عنها, فهل يسوغ التزويج أم لا؛ لاحتمال تلف المال؟ هذا [ما أبداه الإمام احتمالاً] لنفسه, وهذه الحالة التي يشعر نظم الوسيط بذكر الخلاف فيها, وأبدى ما حكيناه في الحالة الأولى احتمالاً, والقائلون بالصحة قاسوا أمر التزويج على جواز التصرف في المتبرع به, وحكى الإمام عن الشيخ أبي علي أنه قال: ومن وافق ابن الحداد

стр. 5798

يحتمل على قياس طريقه طرد ذلك في هبة المريض, حتى يقال: لو وهب هذه الجارية التي فرضنا إعتاقها وسلمها, لا ينفذ التصرف من المتهب القابض إذا كان التصرف لا يقبل الوقف ولا يحل له الإقدام على وطئها. قال: ولم يبعد أن يكون ذلك مذهباً له, يعني لأبي علي, ثم قال: ولو سلم ابن الحداد الحكم بنفوذ تصرفات المتهب في الحال لم يجد فرقاً, وإن طرد الخلاف في هذه المسائل – وهو الظن به – فلا شك أن مذهبه يقع مخالفاً لنص الشافعي, ﵁. حكى ذلك في كتاب النكاح [بعد أن جزم في باب تعجيل الصدقة بتسليط المتهب في المريض مرض الموت على التصرفات المفتقرة للملك التام؛ عملاً باستصحاب حياة الواهب]. وإيراد الرافعي هنا يقتضي منع التصرف؛ فإنه قال: إذا وجدنا المرض مخوفاً, حجرنا عليه في التبرع فيما زاد على الثلث, ولم ننفذه. وفي البحر في باب عتق العبيد: لا يخرجون من الثلث. [و] في آخر البحر: أنه إذا أعتق ستة أعبد في مرض موته لا مال له غيرهم, لا نحكم بعتقهم؛ لجواز أن يظهر عليه دين, ولا نرقهم؛ لجواز أن يستفيد مالاً يخرجون منه, [وكسبهم يكون موقوفاً] أيضاً. ولو كان للمعتق في مرض موته مال يخرجون من ثلثه لا نحكم بعتقهم قبل موته لاحتمال أن يتلف ماله؛ فلا يصل إلى مدينه. أما إذا لم يتصل ما ذكر من الأمراض المخوفة بالموت؛ بأن برأ منها أو قتل أو مات تحت ردم – فهي معتبرة من رأس المال, صرح به الماوردي وجزم القاضي الحسين في التعليق فيما إذا قده شخص بنصفين, أو جذ رقبته, بأنه يحسب من الثلث لأن القتل لم يزل العلة بل عجل ما كان منتظراً. فرع: إذا باع بالمحاباة بشرط الخيار, ثم مرض في زمن الخيار, وأجاز العقد, إن قلنا: إن الملك له, فقدر المحاباة من الثلث, وإلا فلا, وكذا لو اشترى بمحاباة, ثم مرض ووجد بالمبيع عيباً ولم يرد مع الإمكان – لا يعتبر قدر

стр. 5799

المحاباة من الثلث, نعم لو وجده وقد تعذر الرد فأعرض عن الأرش اعتبر الأرش من الثلث. فرع: إذا استولد في مرض موته جارية, لم تحسب من الثلث؛ كما لو استهلك شيئاً من الطعام للتلذذ به, أو الثياب النفيسة, وكذا لو تزوج بمهر المثل, وإن زاد عليه: فإن كانت الزوجة وارثة والزيادة وصية لوارث, وإلا فهي صحيحة, ولو تزوجت المريضة بدون مهر المثل فالقدر الناقص وصية, وهذا ما حكاه القاضي الحسين وجها في كتاب العتق, وادعى في التتمة في كتاب النكاح أنه ظاهر النص, وأن بعض الأصحاب خرج وجها أنه لا يكمل مهر المثل, وقال: إنه القياس. فرع: إذا وجد التبرع في مرض ليس بمخوف, ثم حث به مرض مخوف ومات منه, فإن قال أهل الصناعة: إن سببه المرض الأول, [فإنه] يفضي إلى العلة الثانية غالباً, فالأول مخوف, وإن قالوا: يندر إفضاء الأول إلى الثاني, فالأول ليس بمخوف. فرع: لو اختلف الوارث والمتبرع عليه في أن المرض مخوف أم لا, ولا بينة, فالقول قول المتبرع عليه مع يمينه؛ لأن الأصل سلامته, قاله البغوي والماوردي وغيرهما. قال: وإن فعله في حال التحام الحرب, أي: والطائفتان متكافئتان, أو طائفة الموصي [له] أضعف سواء كان من المسلمين أو من المشركين, أو من مسلمين ومشركين, وكذا قاله القاضيان: أبو الطيب والحسين وغيرهما. قال: أو تموج البحر, أو التقديم للقتل, أي: قصاصاً, أو في قطع الطريق أو بالرجم, ففيه قولان: أحدهما: يعتبر من الثلث؛ لأنها أحوال تستعقب الهلاك غالبا, فكانت كالمرض المخوف, ولأن نفس المريض أسكن من هؤلاء؛ لما يرجو من صلاح الدواء؛ فكان هذا بالخوف أحق, وهذا هو الأظهر. والثاني: لا يعتبر؛ لأنه لم يحدث في جسمه ما يخاف منه؛ فكان كالصحيح.

стр. 5800

وهذان القولان منقولان بالنقل والتخريج؛ لأنه نصَّ في التحام القتال وتموج البحر ووقوع الشخص في اسر كفار عادتهم قتل الأسرى – على أن ذلك يلحتق بالمرض المخوف. ونص في الإملاء على أنه إذا قدم للقتل قصاصا يكون في حكم الصحيح, فأجرى بعض الأصحاب القولين بالنقل والتخريج, وهي الطريقة الظاهرة, وبها قال المزني وأبو إسحاق, وابن أبي هريرة, والقاضي أبو حامد وطائفة كبيرة [كما حكاه الماوردي, ومنهم من أجرى النصين على ظاهرهما, وفرق] بأن [عند التحام] القتال لا يرحم بعضهم بعضاً, والبحر لا يغيث, والكافر لا يرحم المسلم؛ لأنه يرى قتله ديناً, ومستحق القصاص لا تتعدى منه الرحمة والعفو بعد القدرة؛ إما طمعا في الثواب أو في المال, وهذا الفرق لا يطّرد فيمن قم للقتل بالزنى, وقطع الطريق؛ لأنه لا يرحم؛ فيلتحق على هذه الطريقة بالتحام الحرب. ومنهم من فرق بين أن يثبت بالبينة فيكون على القولين, وبين أن يثبت بالإقرار فلا يكون مخوفاً, وعلى ذلك جرى الماوردي. وقال: إنه إذا جرى بمشاهدة الإمام كان مخوفاً جزماً, وعن صاحب التقريب: أنه إن كان هناك من يغلب على الظن أنه يقتص من شدة حنقه أو عداوة قديمة, فهو مخوف, وإلا فلا, وهذا ما حكاه الماوردي عن ابن سريج. أما إذا كانت طائفة الموصي أقوى, فهو في حكم الصحيح جزماً, وكذا إذا كان قبل التحام القتال, ولو كانا يتراميان بالنشاب والحراب. وظهور الطاعون في بلد هل هو مخوف؟ فيه وجهان مخرجان من الخلاف في الصور السابقة, وهما جاريان فيما لو فشا الوباء فيه, وأصحهما في التهذيب: أنه مخوف, والإمام حكاه عن النص, والمجزوم به في الحاوي, مقابله. والقولان كما قال الماوردي يجريان فيمن أدركه سيل, أو نار, أو أفعى, أو أسد, ولم يتصل ذلك به بعد, لكنه لا محالة يلحقه, وكذا فيما إذا كان في مفازة, وأيس من الطعام والشراب, واشتد جوعه وعطشه.

стр. 5801

قال: وإن وصى بخدمة عبد اعتبرت قيمته من الثلث على المنصوص, لا شك في جواز الوصية بمنافع العبد والدار ون الرقبة مؤقتة ومؤبدة, وكذا بغلة الدار والحانوت؛ لأن منافع الأعيان لما جاز تملكها بعوض وبغير عوض, جازت الوصية بها كالأعيان, وقد ألحق بذلك الوصية بثمار البستان التي ستحدث, وهو ظاهر النص في المختصر كما سنذكره, وفيه وجه: أنه لا يصح, ثم للموصى له تمليك المنفعة المعتادة, والإجارة, والإعارة, والوصية؛ فهو لا فرق فيه عند الأصحاب بين: أوصيت لك بمنفعة العبد, أو بغلته, أو بكسبه, أو بخدمته, وبمنفعة الدار, وسكناها, أو غلتها. وللرافعي احتمال في هذا الإطلاق. وهل يملك الموصى له الأكساب النادرة؟ فيه وجهان, أصحهما في البحر والحاوي: نعم. وفي الرافعي: مقابله, وحكى عن الحناطي وأبي الحسن العبادي الوجهين في مطلق الأكساب عند إطلاق الوصية بالمنفعة, وأيد بوجه المنع ما أبداه احتمالاً. وإذا مات الموصى له بخدمة العبد وغلة الدار, انتقلت المنفعة إلى وارثه, وفي الإبانة والبحر حكاية وجه: أن المؤقتة لا تنتقل إلى وارث الموصى له, وحكى في البحر عن القفال أنه قال: إنه المذهب. وإذا أراد الموصى له بالمنفعة المسافرة بالعبد, فهل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا. وهو اختيار أبي طاهر الروياني؛ كالأمة المزوجة لا يملك الزوج المسافرة بها. وأصحهما: نعم. بخلاف السيد مع الزوج؛ فإن السيد يملك المنفعة [بالاستخدام وغيره سوى الوطء] , والوارث لا يملك المنفعة, وإذا تلفت العين في يد الموصى له, لم يضمنها, وليس عليه مؤنة الرد عند الرد, [كذا هو في التهذيب].

стр. 5802

ولو قال: أوصيت لك بمنافعه مدة حياتك, فهذه إباحة وليس بتمليك؛ فليس له الإجارة, وفي الإعارة وجهان, وإذا مات [الموصى له] رجع الحق إلى ورثة الموصي. وقد ألحق القفال وغيره بهذا ما إذا قال: أوصيت لك أن يخدمك العبد, أو أن تسكن هذه الدار؛ فيكون إباحة لا تمليكا, وكذلك قال المتولي فيما إذا أوصى بأن يستخدم العبد ويسكن الدار؛ فلا يجوز له الإجارة, وله أن يستوفي المنافع بنفسه. وهل له أن يعير؟ فيه وجهان؛ بناء على أن المستعير هل يعير أم لا؟ وإذا تقرر هذا, فما المعتبر من الثلث عند تأبيد الوصية بخدمة العبد؛ لكونه صرح به أو أطلق, كما حكاه البندنيجي؟ المنصوص للشافعي في الإملاء واختلاف العراقيين: أن قيمة الرقبة والمنفعة كما قاله الشيخ, وهو ظاهر النص في المختصر فإنه قال: لو أوصى بخدمة عبده, أو بغله داره, او بثمرة بستانه والثلث يحتمله, جاز ذلك, ووجهه كما قال أبو الطيب: أن المنافع مجهولة؛ فإنه يجوز أن يبقى العبد وكذا الدار, والبستان مدة طويلة؛ فيحصل لها منافع كثيرة, ويجوز أن تتلف فتذهب منافعها, وإذا كانت مجهولة لم يكمن اعتبار قيمتها؛ فاعتبرت قيمة محلها وهي الرقبة؛ ولأن يد حالت بين الورثة و [بين] العين, والحيلولة كالإتلاف؛ بدليل أن الغاصب يضمن بها, وذكر الماوردي أن ابن سريج اختار هذا, فعلى هذا إذا قيل: قيمة الرقبة ومنفعتها مائة, فإن خرجت من الثلث فذاك, وإلا نفذ منه بقدر ما يخرج من الثلث إن لم يجز الورثة, فإن خرج منه النصف مثلا ففي كيفية استيفائه وجهان: أحدهما: يستخدم نصف العبد. والثاني: يتهايآن فيه. وحكى في الحاوي وجها عن المنصوص: أن [الموصى له] يملك الرقبة, وإن منع من بيعها كأم الولد, ونسبه إلى القاضي أبي حامد. قال: وقيل: تعتبر المنفعة من الثلث؛ لأن الموصي إنما أوصى بالمنفعة, [واعتبر] خروج قيمتها من الثلث, كما لو أوصى بمنفعة عشر سنين؛ فإنا نعتبر

стр. 5803

قيمة المنفعة لا قيمة الرقبة. قال الماوردي: ولأنه لو أوصى بمنفعة لرجل وبالرقبة لآخر, لم يقوم في حق صاحب المنفعة إلا المنفعة ون الرقبة باتفاق أصحابنا؛ فكذلك إذا استبقى الرقبة على ملك الورثة, وقد وافقه على ما استشهد به القاضي الحسين, وهذا ما نسبه البندنيجي إلى ابن سريج, وفي تعليق القاضي أبي الطيب: أن بعض الأصحاب خرج ذلك قولا للشافعي وجزم به, وهو جار فيما إذا أوصى بثمرة البستان [ومنافع الدار] , كما هو في المهذب وغيره, فعلى هذا تقوم العين بمنفعتها, فإذا قيل: مائة, قومت مسلوبة على الورثة من الثلثين, فيه عشرة حسب على الثلث تسعون, وهل تحسب العشرة على الورثة من الثلثين, فيه وجهان حكاهما العراقيون والمراوزة عنهم, وأظهرهما في الرافعي هو الذي نسبه البندنيجي إلى ابن سريج, والماوري إلى أبي إسحاق: إنها تحسب عليهم, فعلى هذا يعتبر في نفاذ كل الوصية أن تكون التركة – غير العبد – مائة وثمانين, وقد طرد المتولي هذا الوجه, فيما إذا أوصى بالمنفعة لشخص وبالرقبة لآخر, أن الموصى له بالرقبة لا تحسب عليه من الثلث. واستضعف القاضي أبو الطيب تقويم الرقبة المسلوبة, وقال: ما لا منفعة له, لا قيمة له كالحشرات التي لا منافع لها ولا يصح بيعها, واستبعده الرافعي من جهة أنا إذا قومنا الرقبة مع منافعها فلا نعتبر فيه إلا صفات الرقبة في الحال, ولا ننظر إلى تأبدها [ولا] تأقيتها كما لا ينظر في الدواب إلى مدة بقائها, والموصى به ليس مجرد المنفعة, بل منفعة مدة العمر, فإذن الطريق لو أفاد, إنما يفيد معرفة قيمة المنفعة لا قيمة المنفعة أبداً, وهي التي أوصى بها, ثم قال: لكن هذا التقويم صالح لمعرفة ما فات على الورثة؛ لأنا إذا قومناه منتفعا به ومسلوب المنفعة عرفنا أن ما نقص هو الذي فوته عليهم؛ فأمكن أن يقال إنه المعتبر من الثلث, فالذي ينبغي أن يعتبر من الثلث هو الذي نقص من قيمتها, وهذا ما قال في الوسيط: إنه الصحيح, والذي صححه القاضي أبو الطيب, والأكثرون مقابله, أما

стр. 5804

إذا أوصى [له] بالخدمة منه مثلا, فالمعتبر من الثلث قيمة المنفعة لا غير عند الماوردي والقاضي أبي الطيب, وفي كيفية التقويم وجهان: أحدهما – عن ابن سريج, وهو الأظهر عند الرافعي -: أنه يقوم الرقبة بمنفعتها, فإذا قيل: مائة قومت مسلوبة المنفعة سنة, فإذا قيل: ثمانون كانت الوصية بعشرين, والثاني: تقوم خدمة مثله سنة ولا تقوم الرقبة؛ لأن المنافع المستهلكة في العقود [والغصوب] هي المتقومة دون الأعيان؛ فكذلك الوصايا. قال الماوردي: وهذا الذي أراه مذهبا. واستبعده في الوسيط؛ بسبب أن المنافع تحدث بعد الموت؛ فليس الموصي بها مفوتا لها من ملكه, ووراء ما ذكرناه فيما [يعتبر من الثلث في هذه الحالة طرق: احدها – نقله بعض الشارحين -: أنه كما] إذا أوصى بالمنفعة أبدا. والثاني – عن الخضري -: [أنا إذا اعتبرنا في المؤبدة] ما بين القيمتين فهاهنا أولى, وإلا فوجهان؛ بناء على جواز بيع المستأجر: إن جوزناه, اعتبر قدر التفاوت من الثلث, وإن منعناه, اعتبرنا قيمة الرقبة؛ لأنها كالتالفة. الثالث – حكاه الإمام -: أنا إن جوزنا بيع العين كان المحتسب من الثلث قيمة المنفعة قولاً واحداً, وإن لم نجوزه: فمنهم من قطع بأن المحتسب من الثلث المنفعة لا غير, ومنهم من خرج المنفعة على وجهين كالوجهين المتقدمين في الوصية بالمنفعة أبداً. ثم عن طريق الذي حكيناه عن الماروي وغيره, ما كيفية استيفاء المدة؟ قال الماوردي: ينظر, فإن كان في التركة [مال] غير العبد, إذا أمكن الموصى له استخدام العبد سنة, أمكن الورثة أن يتصرفوا في تلك السنة بما يقابل مثلي العبد, فللموصى له أن يستخدم جميع العبد سنة متوالية, وإن لم يكن في التركة مال غير العبد ففي كيفية استخدام الموصى له [العبد] ثلاثة أوجه حكاها ابن سريج:

стр. 5805

أصحها: يستخدمه سنة متوالية. والثاني: [يستخدم ثلث العبد ثلاث سنين, و] يستخدم الورثة ثلثيه, حتى يستوفي الموصى له سنة. والثالث: أن الورثة والموصى له يتهايئون عليه, فيستخدمه الورثة يومين والموصى له يوماً, حتى يستوفى الموصى له سنة. ولو أوصى له بثمرة بستان عشر سنين, ففي الحاوي حكاية وجه: أن الوصية لا تصح؛ لعدم إمكان تقويم الثمار, ومنهم من قال [بالصحة, وهو الصحيح]؛ كما في منافع العبد والدار, ثم على هذا ففي كيفية التقويم وجهان: أحدهما: يقوم البستان كامل المنفعة [ومسلوب المنفعة] , ويعتبر ما بين القيمتين. والثاني: ينظر إلى ما يثمره النخل غالباً في كل عام, ثم نعتبر قيمته بالغالب من قيمة الثمرة في أول عام ولا اعتبار بما يحدث من بعد من زيادة أو نقصان. فرع: إذا غصب العبد الموصى بمنفعته, فلمن تكون أجرة المدة التي كانت في يد الغاصب قال في التتمة: إن قلنا: المعتبر من الثلث جميع القيمة, فهي للموصى له. وإن قلنا: المعتبر التفاوت, فوجهان: أحدهما: أنها لمالك الرقبة؛ كما لو غصب العبد المستأجر, وأطهرهما وبه جزم الإمام: إنها للموصى له؛ لأنها بدل ملكه, ويخالف المستأجر؛ لأن الإجارة تنفسخ في تلك المدة؛ فتعود المنافع إلى ملك مالك الرقبة. فرع: إذا انهدمت الدار الموصى بمنافعها, فأعادها الوارث بآلاتها, فهل يعود حق الموصى له فيه وجهان في المعتمد والحاوي, ولو أراد الموصى له إعادتها بآلتها, فعلى وجهين. فرع: إذا قال للورثة: استخدموا سنة بعد موتي, ثم هو بعد السنة وصية لفلان - جاز ولا تقوم خدمة السنة على الورثة؛ لأنهم استخدموا ملكهم.

стр. 5806

قاله في البحر. فرع: إذا أوصى بمنفعة عين لشخص وبرقبتها لآخر, فرد الموصى له بالمنفعة الوصية, فهل تعود المنفعة إلى الورثة؟ أو إلى الموصى له بالعين؟ فيه وجهان في التتمة هنا وفي كتاب الإجارة. قال: وإذا عجز الثلث عن التبرعات المنجزة في حال المرض, بدئ بالأول فالأول؛ لأن الأول أقوى؛ فإنه لازم لا يفتقر إلى رضا الورثة, وما بعده مما لا يخرج من الثلث يفتقر إلى رضاهم؛ فضعف, والقوى مقدم على الضعيف. ولا فرق بين أن يكون المتقدم والمتأخر من جنس أو من جنسين. [ولو كان المتقدم عتق عبد يخرج من ثلثه, والمتأخر هبة جارية لا تخرج منه, ووقعت الهبة من المعتق, وقد وطئها المتهب, وولدت له, ثم مات المريض, ورد الوارث ما يزيد عن الثلث بالعتق بعين ما قررناه – يتقدم والهبة مردودة. قال الإمام في باب تعجيل الصدقة من كتاب الزكاة: فيسترد الوارث الجارية, ويسترد ولدها رقيقاً إذا كان الإعلاق على علم بحقيقة الحال وحكمها. قال: وقطع شيخي بالجواب فيه, فإن قيل: إذا حكمتم بأن الوارث إذا أجاز فهو منفذ, فليس بمبتدئ في العطاء, فهل تحتمل إذا رفع التفريع عليه أن يقال: الملك في الجارية ينقطع بالرد؟ قال: قلنا: مبنى الرد والإجازة في الوصاية على الإسناد, فإذا ردت وصيته فتبين أن الملك لم يتم فيها أصلا, وإن كنا نرى الإجازة من الوارث تنفيذًا, والقول في هذا ينزل منزلة القول في الهبة ينقض قبل القبض. قلت: وفي هذا الجواب نظر؛ فإن المنقول فيما] إذا رد الورثة ما زاد على الثلث, [فإنا ننظر] فإن كان باقياً استرده الورثة, وإن كان تالفًا استردوا القيمة, وهل يستردون الزوائد والكسب الذي حصل فيها؟ قال القاضي الحسين في تعليقه: يحتمل وجهين, كما لو هلك المبيع قبل القبض, انفسخ العقد وعاد إلى ملك البائع, والولد والكسب لمن يكون فعلى وجهين لأصحابنا, يبنيان

стр. 5807

على أن الفسخ وقع من وقته أو من أصله. قال: وإن وقعت دفعة واحدة, ويتصور ذلك بالوكالة أو إذا قال لعبديه: أنتما حران, أو: نصف كل واحد منكما حر, وأبرأ جماعة من دين له عليهم, ونحو ذلك. قال: أو أوصى وصايا متفرقة, أو زائدة على الثلث أو دفعة واحدة, فإن لم تكن عتقا ولا معها عتق, قسم الثلث بين الجميع, أي: كما تقسم التركة على الديون إذا ضاقت عن الوفاء؛ لتساويهم في الاستحقاق وعدم المرجح, وذلك في التبرع الناجز والوصايا المتجمعة ظاهر, ووجهه في الوصايا المتفرقة: أن لزومها في وقت واحد وهو [وقت] الموت, بخلاف التبرعات المنجزة. قال: وإن كان فيها عتق وغير [عتق] ففيه قولان: أحدهما: يقدم العتق؛ لما روي عن ابن عمر – ﵁ – أنه قال: يبدأ في الوصايا بالعتق. وعن ابن المسيب أنه قال: مضت السنة أن يبدأ بالعتاقة في الوصية, ولأن العتق أقوى؛ لأن له سراية, وحق الله تعالى وحق الآدمي يتعلقان به. والثاني: يسوى بين الكل؛ لما روي عن عمر أنه: حكم للرجل يوصي بالعتق وغيره بالتحاصّ, ولاستوائهما في وقت اللزوم والاحتساب من الثلث. ولا فرق في جريان القولين عند الشيخ [أبي علي] بين أن يكون الذي جاء مع العتق وصية لمعين أو للفقراء والمساكين, وفي التهذيب في الصورة الأخيرة: القطع بالتسوية؛ لأن كلا منهما قربة, وهذا ينبغي أن يبنى على أنه لو أوصى للفقراء والمساكين بشيء ولمعين بشيء, فهل يقدم الفقراء والمساكين على المعين أو يسوي بينهما؟ وفيه طريقان جاريان في تقديم الكتابة على غيرها مما هو دونها: أحدهما: القطع بالتسوية.

стр. 5808

والثاني: طرد القولين وهو الأشبه. فإن قلنا: بالتسوية, فالأمر كما قال الشيخ أبو علي, وإن قلنا: بتقديم الفقراء, فهذا محل النظر, فيجوز أن يسوى كما قال في التهذيب, ويجوز أن يقدم العتق؛ لزيادة قوته بالسراية, وقد أجرى القفال الوجهين فيما إذا أوصى بحج التطوع وجوزناه وزاحمته الوصايا, هل يقدم عليها, أو يسوي بينهما وبينه؟ وطردهما في الإبانة فيما إذا أوصى بأن يحج عنه حج الفرض من ثلثه في أن القدر الزائد على أجرة المثل من الميقات هل [يقدم] بها, أو يزاحم بها الوصايا؟ قال الشيخ أبو علي: وما قاله القفال لم أره لغيره من أصحابنا, بل جعلوا الوصية بالحج مع سائر الوصايا على الخلاف فيما إذا اجتمع حق الله – تعالى – وحق الآدميين, وعلى ذلك جرى المتولي, ولا يخفى أن محل التسوية, وتقديم الوصية بالعتق, والوصية للفقراء والمساكين, والوصية بالكتابة على رأي – عند إطلاق الوصايا, أما إذا عين في الوصية المتقدم والمتأخر بلفظ "ثم" أو "بالفاء", فذاك هو المتبع, كما لو حصل التنجيز مرتباً. قال: وإن كان الجميع عتقا, [ولم تجز الورثة] , أي بأن قال في مرض موته: سالم وغانم وواثق أحرار, أو سالم حر وغانم حر وواثق حر, كما قال الرافعي, أو قال: إذا مت فهم أحرار, وإذا مت فسالم حر وغانم حر وواثق حر, وأعتقوهم عني بعد موتي, وفي البحر فيما إذا قال: سالم حر وغانم حر وواثق حر – أنه يقدم الأول فالأول, وبه جزم, وحكى عن الحاوي وجها فيما إذا قال: سالم حر بعد موتي وغانم حر بعد موتي وواثق حر بعد موتي, أنه يقدم الأول فالأول, كما في المرض, وهو قريب من قول حكاه هو والقاضي الحسين ورواه أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ في المهذب في كتاب التدبير وجها فيما إذا دبر عبدا ثم أوصى بعتق عبد: أن المدبر يقدم, لكن المنصوص في الأم – كما قال في البحر -: يقرع بين المدبر والموصى بعتقه. قال: جزئوا ثلاثة أجزاء, وأقرع بينهم, فيكتب ثلاث رقاع, في كل رقعة

стр. 5809

اسم, ويترك في ثلاث بنادق [من] طين متساوية, أي: في الوزن والصفات, وتوضع في حجر رجل لم يحضر ذلك, ويؤمر بإخراج واحدة منها على الحرية, فيعتق من خرج اسمه ويرق الباقون؛ لما ذكرناه من حديث مسلم عن عمران بن حصين؛ وحكمته: أن المقصود من العتق تكميل الأحكام, ولا يحصل إلا بعتق جميع الرقبة؛ وبهذا خالف سائر التبرعات؛ لأن المقصود منها الملك, وذلك يحصل في بعض ما وصى به أو تبرع به, وقد صار بعض الأصحاب – كما حكاه الماوردي في باب الإقراع بين العبيد – إلى أن الإقراع إنما يجري فيما إذا كان العتق منجزا؛ للخبر, أما إذا كان معلقا بما دون الموت, أو موصى به, فلا يجزئ, بل يقسط الثلث عليهم. وهذا مذكور في الوسيط في كتاب العتق, ورأى بعض الأصحاب بعد وضع البنادق في الحجر أن تغطى بثوب, وحكي فيه أيضا [نص] للشافعي, ﵁. وكما يجوز الإخراج عن الحرية يجوز الإخراج على الرق, لكن الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى فصل القضاء, وكذا يجوز أن يكتب الحرية في رقعة والرق في رقعتين ويخرج على الأسماء, فمن خرج له سهم الحرية أولا عتق ورق الباقي, ومن خرج باسمه منهم الرق رق وعتق الآخر, وهذا هو المنصوص والأولى. قال القاضي أبو الطيب: إنه قول أصحابنا وهو أخصر. واعلم أن إخراج القرعة على هذا النعت ليس بمتعين, بل تجوز القرعة بالبعر؛ كما فعل رسول ﷺ في قسمة بعض الغنائم, وبالنوى, وبالأقلام, لكن الأحوط الأول. تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أن المعتقين إذا زادوا على اثنين جزئوا ثلاثة أجزاء, سواء استوت قيمتهم أو اختلفت, وعلى تقدير الاختلاف سواء كان للقيمة ثلث

стр. 5810

صحيح أو لا, وهو ظاهر قول الشافعي ﵁, والصحيح من مذهبه في حالة. وفي حالة [هو] مجزوم به, وذلك يحتاج إلى بسط, فنقول: لذلك ستة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون عددهم وقيمتهم متساوية, فإن كانوا ستة – مثلا – فنجعل كل اثنين جزءا, وعلى هذه الحالة حمل ما فعله رسول الله ﷺ ؛ لأن عبيد الحجاز متقاربو القيمة؛ لأنهم من الزنج والحبش. الحالة الثانية: أن تختلف قيمتهم, ويمكن مع ذلك التجزئة بالعدد المتساوي, مع التساوي في القيمة, فإن كانوا ستة, وكانت قيمة اثنين أربعمائة على السواء, وقيمة اثنين على السواء مائتين فنجعل الأولين جزءا, وواحدا من الأخيرين مع واحد من المتوسطين جزءا, والباقين جزءا. الحالة الثالثة: إذا لم يمكن التجزئة بالعدد؛ لأجل الاختلاف في القيمة, وأمكن التعديل بالقيمة, مثل أن كانت قيمة أحدهم مائة, وقيمة اثنين مائة, وقيمة ثلاثة مائةً, فنجعل الأول جزءا, والاثنين جزءا, والثلاثة جزءا, [ويعتق من الأحزاب من خرج سهم الحرية عليه. وقال بعض أصحابنا: تجزأ على العدد دون القيمة, فنجعل اللذين قيمتهما مائةٌ سهما, ويضم أحد العبيد الثلاثة الذين قيمتهم مائة إلى العبد الذي قيمته مائة, ويجعل سهما, ويكون قيمة ذلك مائة وثلث مائة, ونجعل الباقيين سهما وقيمتهما ثلثا المائة, فإن خرج سهم العتق على اللذين قيمتهما مائة, عتقا, وإن خرج على اللذين قيمتهما مائة وثلث مائة, رق الأربعة الباقون, وأقرع بين من خرج عليهما سهم الحرية, فإن خرج سهم الحرية للذي قيمته مائة, عتق خاصة, وإن خرج على الآخر عتق خمسة ومن الآخر خمسة ثلثاه, قال في البحر: وهذا غير مرضي]. الحالة الرابعة: أن تختلف قيمتهم, وليس لها ثلث صحيح, والعدد ثلث صحيح كما فرضناه؛ وذلك بأن: تكون قيمة أحدهم مائة, وقيمة اثنين خمسين, وقيمة ثلاثة خمسين, فنجعل الواحد جزءا, والاثنين جزءا, والثلاثة جزءا, فإن

стр. 5811

خرج سهم الحرية على الواحد, [عتق ثلثاه, ورق ثلثه والأعبد الخمسة, وإن خرج على الاثنين] أو الثلاثة عتقوا, ثم أقرع بين الواحد وبين الحزب الآخر, فإن خرج على الواحد عتق منه سدسه, ورق باقيه مع الحزب الآخر, وإن خرج على الحزب الآخر, فإن كان حزب الثلاثة أقرع بينهم, فمن خرج عليه سهم العتق عتق بجملته, ورق رفيقاه مع العبد الواحد, وإن كان حزب الاثنين أقرع بينهما, فمن خرج عليه سهم الحرية عتق منه ثلثاه, ورق ثلثه وجميع رفيقه والعبد الواحد. الحالة الخامسة: أن تختلف قيمتهم ولا توافق عدهم, ويمكن التعديل بينهم, مثل أن كان العبيد ثمانية: قيمة واحد مائة, وقيمة ثلاثة مائة, وقيمة أربعة مائة, فيجزءون على القيمة دون العدد وجها واحدا؛ لأن العد لما لم يوافق سقط اعتباره؛ فتعين الآخر. الحالة السادسة: ألا يكون للعبيد ثلث صحيح, والقيمة مختلفة, وليس لها ثلث صحيح, كما إذا كان العبيد ثمانية, وقيمتهم سواء, ففيهم قولان: أحدهما: يجعلون أربعة أسهم, ثم يقرع بينهم, فأي حزب خرج عليه عتق, ثم يجزأ الباقون ثلاثة أجزاء, ويقرع بينهم, فإذا خرج سهم الحرية على حزب عتق منه تتمة الثلث – وهو ثلثا عبد – ثم يقرع بين العبدين اللذين خرج سهم الحرية عليهما أجزاء, فأيهما خرج عليه سهم الحرية عتق منه ثلثان ورق ثلثه. ولو كانوا سبعة, قال الشافعي – ﵁: جعلتهم سبعة أجزاء, ثم أقرع بينهم, فإن خرج سهم العتق جزئ الباقي ثلاثة أجزاء, فمن خرج عليهما سهم العتق منهم, أقرع بينهما, فمن خرج عليه سهم الحرية عتق, وعتق من صاحبه ثلثه, ورق الباقي. والقول الثاني: أنا نجزئهم ثلاثة أجزاء, ففي الثمانية نجعل ثلاثة جزءا, وثلاثة جزءا, واثنين جزءا, وفي السبعة نجعل ثلاثة جزءا, واثنين جزءا, واثنين جزءا, فإن خرج سهم الحرية على الأقل, عتق من فيه, ثم أقرع بين الجزأين, فإذا خرج سهم الحرية على حزب آخر, أقرع بين من فيه, فمن خرج عليه سهم الحرية عتق ثلثاه ورق الثلث وباقي العبيد, وإن خرج سهم الحرية ابتداء على الحزب الأكبر,

стр. 5812

أقرع بين من فيه. قال الشافعي – ﵁: وهذا القول أصح وأشبه بمعنى السنة؛ لأن النبي ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء, ولا يجوز عندي أبدا أن يقرع بين الرقيق قلوا أو كثروا إلا على ثلاثة, اختلفت قيمتهم أو لم تختلف. قال الأصحاب: ولو كانوا أربعة يجب أن يكون في كيفيتها قولان: أحدهما: يجزءون ثلاثة أجزاء, وهو الصحيح. والثاني: يجزءون جزأين, كما قال في ثمانية: أربعة أجزاء. قال القاضي أبو الطيب: وهذا المبسوط يرجع إلى اختصار, وهو أن الاثنين يجعلان جزأين والثلاثة ثلاثة أجزاء, والأربعة فصاعدا إن أمكن تعديل الأجزاء بالقيمة حتى يكون كل جزء ثلث المال – جعل أيضا ثلاثة, وإن لم يمكن ذلك؛ لأنه لا ثلث صحيحًا لقيمهم ولا لعددهم, فالمذهب الصحيح أنهم يجزءون ثلاثة أجزاء, ويقرع بينهم حتى يستوفى الثلث. فرع: قال في البحر: لو كان في العبيد أخوان, أو أب وابن, كان الجمع بينهما أولى من التفرقة, ولو كان فيهم أم وابن بالغ, فإن فرق بينهما, جاز, وإن كان فيهم أم وابن صغير, فلا يجوز أن يفرق بينهم؛ للنهي عنه. قلت: وفيه نظر؛ لما تقدم أن التفرقة بالحرية غير داخلة تحت التحريم. ولو كان فيهم زوجان, فهل تجوز التفرقة؟ فيه وجهان, وجه المنع: أن هذا يفضي إلى فسخ النكاح, وكل هذا إذا أمكن الجمع. فرع: لو أعتق في مرض موته عبدا قيمته مائة لا مال له غيره, ومات العبد في حياة سيده ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما – وهو اختيار ابن سريج؛ كما حكاه الحاوي, وقال الرافعي حكاية عن الشيخ أبي منصور: إنه المشهور من المذهب -: أنه مات حرا وكسبه [لورثته. والثاني: بطل العتق ومات عبدا وانتقل كسبه] إلى سيده بالملك؛ لأن العتق في مرض الموت وصية, والوصية تبطل بموت الموصى له قبل موت الموصي.

стр. 5813

قال الرافعي: وهذا من تخريج ابن سريج. والثالث: أن ثلثه حر وثلثاه رقيق, إذا لم يكن مال [سواه] وهذا, ما قال في البحر: إنه ظاهر المذهب والمعول عليه. ولو قتل العبد المعتق في المرض قبل موت معتقه جرى فيه الخلاف, وحكى الرافعي أن الأستاذ أبا منصور قال: قياس مذهب الشافعي – ﵁: أنه يموت رقيقا, وذكر بعد ذلك بقليل أنه الأظهر. ولو كان قد وهب العبد في مرضه ولا مال له سواه, وقبضه المتهب, ثم مات العبد قبل سيده, فهل تبطل الوصية؟ فيه وجهان, أصحهما: البطلان, فإذا قلنا به, فهل يغرم المتهب؟ فيه وجهان, الأشبه: أنه لا يضمن, وإذا قلنا: يضمن, قال الأستاذ منصور: يضمن ثلثي القيمة. قال الرافعي: وقياس بطلان الهبة في الجميع أن يغرم جميع القيمة. فرع: إذا ظهر بعد القرعة دين مستغرق للتركة, لم ينفذ العتق. فلو قال الوارث: أنا أقضي الدين وأنفذ العتق, فهل لهم ذلك؟ فيه وجهان: قال في البحر: وأصلهما: إذا تصرف الوارث في التركة – والدين يستغرقها – قبل قضاء الدين, ثم قبض الدين, هل يصح التصرف أم لا؟ وفيه خلاف. وإن استغرق الدين نصف التركة [ولم تجز الورثة] , بطل العتق في قدره, ثم إذا كان المستغرق النصف جزئت التركة نصفين, وإن كان الثلث جزئت ثلاثة أجزاء, وإن كان الربع جزئت أربعا, ثم في الصورة الأولى يكتب على رقعةٍ: تركة وعلى رقعةٍ: دين, ويوضع في حجر رجل لم يحضر ذلك على النعت الذي تقدم, فمن خرجت عليه رقعة الدين, بيع فيه وقضى منه الدين, ثم يجزأ الباقي ثلاثة أجزاء, فيعتق ثلثه ويرق الثلثان على ما بيناه, وفي الصورة الأخيرة تجزأ التركة أربعة أجزاء ويكتب في رقعة: دين, وفي ثلاث رقاع: تركة, فإذا خرج سهم الدين بيع وقضى منه الدين, ثم يقرع بين الباقين, فيكتب في رقعة: عتق, وفي رقعتين:

стр. 5814

رق, وعن القفال وجه آخر: أنه يجوز أن يجمع بين سهم الدين وسهم العتق وسهمي الرق, قال الروياني: والأول أصح, وبنى على قولين للشافعي – ﵁ – فيما إذا عتق ثلث المال بالقرعة, ثم ظهر على الميت دين غير مستغرق: هل يبطل أصل القرعة أم لا؟ وأحد القولين – وهو المنصوص -: تبطل. فيقرع الآن للدين, ولا يبالي أن يقع سهم الدين على الذي خرجت عليه قرعة العتق في الابتداء؛ فعلى هذا لا يجوز أن يقرع للعتق ما لم يحصل قضاء الدين. والثاني: أنه لا ينقض القرعة الأولى, بل ينقض العتق في الذي خرجت له قرعة الحرية في الابتداء, ويبقى فيه بقدر ما يحمله الثلث. فرع: لو قال: إن أعتقت سالما فغانم حر, ثم أعتق سالما في مرض موته, ولم يخرج من ثلثه إلا أحدهما – أعتق سالما ولا قرعة؛ لاحتمال أن تخرج على غانم؛ فيلزم إرقاق سالم, وإذا رق سالم لم يحصل شرط رق غانم, وفيه وجه: أنه يقرع, ولو قال: إن أعتقت سالما فغانم حر في حالة إعتاقي سالما, ثم أعتق سالما في مرض موته – قال الرافعي: فالجواب كذلك, وفي الحاوي: أن اختيار الشيخ أبي حامد في هذه الحالة: يقدم سالم من غير قرعة. واختيار ابن سريج: جريان القرعة. قال: وإن كان له مال حاضر ومال غائب, أو عين ودين, دفع إلى الموصى له – أي: بالثلث مطلقا: ثلث الحاضر, وثلث العين, وللورثة من ذلك ثلثاه – وكلما نَضَّ من الدين شيء أو حضر من الغائب شيء, قسم بين الورثة والموصى له؛ لأن الموصى له شريك الوارث بالثلث؛ فمان كسائر الشركاء. وعلى هذا: إذا كان قد أوصى بعين حاضرة, وماله غائب أو دين, لا نسلم العين إلى الموصى له, بل كلما حضر من الغائب شيء أو نض من الدين شيء, سلم إلى الموصى له بقدر حصته من العين, إلى أن تستكمل. وهذا فيما عدا الثلث من العين, أما ثلث العين, فهل يسلم له في الحال أو حتى يحضر من المال قدره مرتين؟ فيه وجهان:

стр. 5815

وجه المنع – وهو الأصح في الرافعي -: أنا لو دفعنا له ذلك, لاحتجنا إلى تسليم ثلثيها إلى الورثة حتى يتصرفوا فيهما كما يتصرف الموصى له في ثلثها, وفي ذلك إبطال لحقه. والثاني: يجوز, ويجوز للورثة التصرف في الثلثين. قال أبو الفرج السرخسي في أماليه: فإذا تصرف الورثة, ثم بان هلاك المال الغائب, تبينا نفاذ تصرفهم. قال الرافعي: فلك أن تقول: وجب أن يخرج [ذلك] على وقف العقود, ولو سلم وعاد إليهم, [فهل يبين] بطلان التصرف أم لا؟ ويغرمون للموصى له قيمة الثلثين؟ فيه وجهان, أضعفهما الثاني. وعلى الخلاف في الأصل يخرج ما لو أوصى بعتق عبد لا مال له حاضرًا سواه, وله مال غائب يخرج العبد من ثلثه, قال الماوردي: فالثلث محكوم بعتقه, ويوقف ثلثاه, لكن هل يمكن الورثة في حال الوقف من استخدام الثلثين, والتصرف في منفعتهما أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم, وهو على قولنا: يجوز للموصى له بالعين التصرف في ثلثهما؛ طلبا للتسوية. والثاني: يمنعون من ذلك؛ كما يمنعون من التصرف بالبيع؛ وهذا على قولنا: لا يجوز للموصى له بالعين التصرف فيها. ولو كان السيد قد نجز عتقه في مرض الموت, فالحكم كذلك, لكن في الحاوي في كتاب العتق: أنه إذا حضر المال الغائب, وتسلمه الورثة تبينا عتق باقيه, وهل يرجع العبد على الورثة بما بقي من ثلثي كسبه عن نفقة ثلثيه؟ فيه وجهان. وحكي أن الورثة لو أعتقوا الثلثين, لم ينفذ وإن ملكوه؛ لأنه موقوف على عتق مورثهم؛ فلم ينفذ فيه عتق غيره إلا بعد إبطال عتقه. ولو دبروه ففيه وجهان:
следующие страницы →