← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

لحرية الولد، والولد في هذه الحالة رقيق، ويدلّ على ذلك قوله ﷺ حين موته: "مَا خَلَّقْتُ دِينَاراً، وَلا دِرْهَماً، وَلا عَبْداًن وَلا أَمَةً"، فقالت له عائشة –﵂: فمارية؟ قال: "تِلْكَ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا" وعني به ﷺ إبراهيمَ الذي أتَتْ به منه. وهكذا الحكم فيما لو ملكها في حال الحمل كما صرح به القاضي الحسين. قال البندنيجي وغيره: ولا يتصور عندنا أن تعلق الأمة بولد مملوك، ثم تصير أمّ ولد إلا في مسألة واحدة على أحد القولين، وهي إذا وطئ المكاتب أمته فأحبلها. فرع: إذا أتت أمته التي اشتراها بولد لأقل من ستة أشهر من حين الشراء فالحكم أنَّه حرٌّن ولا تصير [الجارية] أمّ ولد كما ذكرنا، وإن كان لأكثر من ستة أشهر وهو يطؤها صارت أم ولدٍ، قال القاضي الحسين: قولاً واحداً، ولو لم يطأها وادّعى الاستبراء فلا تصير أم ولد، والولد لاحقٌ به على أربع سنين، وإن لم يدع الاستبراء فهل تصير أمّ ولد [له]؟ فيه وجهان. [قال:] [وإن كان] بشبهة أي: شبهة أنها زوجته الحرة، أو أمته، أو أم ولده –فالولد حرٌّ؛ نظراً إلى ظن أبيه. وحكى البندنيجي عن أبي إسحاق: أن أحد الشريكين إذا وطئ الجارية المشتركة بعد أن أحبلها شريكه، وحكمنا بسريان الاستيلاد على جميعها، وكان الثاني جاهلاً بالتحريم – أن الولد ينعقد رقيقاً، إذا كان الواطئ معسراً، ثم قال: وفيه نظرٌ. قلت: وقياس قول أبي إسحاق أن يطرده في كل وطء بشبهة، [ويحكم

стр. 6057

برقه الولد إذا كان أبوه] معسراً، إلا أن يكون القائل لهذا يلاحظ كون الموطوءة لا تقبل النقل؛ [فيختص جريانه بمملوكة لا تقبل النقل] كالموقوفة، لكن لو كان هذا المأخذ لَمَا فرَّق بين الموسر والمعسر. قال: والجارية ليست بأم ولد [له] في الحال؛ لأنها ليست مملوكة [له]، فإن نملكها ففيه قولان: أحدهما: أنها تصير أمّ ولد له؛ لأن العلوق بالولد الحر في الملك سبب [في] الحرية بعد الموت؛ كما أنَّ القرابة عند وجود الملك سبب للعتق في الحال، ثم لَمَّا كان الملك إذا طرأ على القرابة حصل العتق في الحال كذلك الملك إذا طرأ [على الأمة] بعد انعقاد الولد حرًّا ثبت العتق بعد الموت، وهذا ما اختاره في "المرشد" والإمام في كتاب "السير"، وبه جزم البغوي ثم، وهو المحكي عن نصه في "حرملة" و"المختصر". والثاني: لا تصير؛ لأنها علقت منه في غير ملكه، فأشبه ما لو علقت منه في نكاح. قال الإمام: "ولأن هذا العلوق لو كان يثبت أمية الولد لما بعد أن [يقبضها على الفور] إذا كان الواطئ موسراً، [وكنا ننقل] الملك إليه كصنعنا في تسرية العتاقة على القول الأصح، فإذا لم نفعل ذلك فلا اثر للعلوق في الثاني؛ كما لا أثر [له] في الحال. وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره [في كتاب "السير"] عن نصه في "الأم"، وهذا الخلاف جارٍ فيما لو غر بنكاح أمة؛ فإن ولده منها ينعقد حرًّا، وهل تصير أمَّ ولد إذا ملكها؟

стр. 6058

ورجح الإمام القول بعدم النفوذ هنا، أمَّا إذا ظنَّ الواطئ أنها زوجته الأمة فالولد ينعقد رقيقاً لظنه. وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه عند الكلام في وطء جارية من المغنمه، ثم قال: ورأيت لغير شيخي ما يدل على أنَّه حر، كما لو وطئ المغرور زوجته التي حسبها حرة، [ووطئها جاريةً]، وقدَّر نفسه جاريته زانياً –فإن الولد [ينعقد حرًّا]، وإن كان الواطئ [غيرَ بانٍ] أمره على وطء حرة، وهو عندي غلطٌ. قال: وإن وطئ جارية، فوضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي، وشهد أربع من القوابل أنه لو ترك لكان آدميًّا-ففيه قولان، ستقف على شرحهما في باب "العدد". و"القوابل" جمع "قابلة": وهي التي تتلقى الولد عند الولادة، يقال: قَبِلَتِ القَابِلَةُ المرأَةَ – بكسرِ البَاءِ – تَقْبَلُهَا [-بفتحها-] قِبَالَةً، بكسر القاف. قال الجَوْهَرِيُّ: "ويقال للقابلة أيضاً: قَبِيل، وقَبُول". قال: ولا يجوز بيع أم الولد لما ذكرناه في أول [كتاب] "البيع". قال أبو إسحاق: وليس للشافعيّ – ﵁ – فيها إلا هذا القول. وقال المزني: إنه قطع في خمسة عشر كتاباً بعتق [أم الولد]، ووقف في غيرها. وهذا إنما هو قول حكاه الشافعي عن الغير، وليس بتوقفٍ منه فيه. قال: ولا هبتها، ولا الوصية بها؛ لأن ذلك ينقل الملك فيها إلى الغير؛ فلم يجز كالبيع، وكما لا تجوز هذه التصرفات فيها لا تجوز في ولدها الحادث بعد ثبوت الاستيلاد من نكاح أو زنى قولاً واحداً، ويعتق [ولدها] بموت السيد [كما تعتق هي، ولا يبطل سبب العتق في حقه بموت الأم قبل السيد].

стр. 6059

ولو وطئ أمة الغير بشبهة، ثم حدث لها أولاد من غيره من نكاح أو زنى، ثم ملكها مع أولادها –لا يثبت حكم الاستيلاد [لهذه الأولاد]. ولو اشتراه وهي حامل بولد رقيق، قال الإمام: فهذا موضع النظر، يجوز أن يقال: يتعدى الاستيلاد إليه؛ كما في تعدي حرية التدبير إلى الولد، وإن في كلام الصَّيْدَلاَنِيّ رمزاً إليه. قال: يجوز استخدامها وإجارتها، ويجوز وطؤها؛ لخبر ابن عمر –﵄ – وكذا يجوز أن يكاتبها؛ لأنه يملك كسبها، فإذا أعتقها على بعضه جاز، وهذا أخذ من نصّ الشافعيّ على أنه إذا استولد المكاتبة صارت أمّ ولد والكتابة بحالها. وقال ابن القاص: لا تجوز كتابتها؛ لأنها عقد على رقبتها فأشبه البيع والهبة والرهن، وقال: قول الشافعي إنما دل على الاستدامة، فأمّا في الابتداء فلا؛ كما لا تنافي العدة والردة استدامة النكاح وتنافي ابتداءه. فرع: إذا جوَّزنا كتابة أم الولد، فأدّت المال عتقت بحكم الكتابة، وتبعها أولادها الحادثون بعد الكتابة في العتق إن قلنا: المكاتبة يتبعها ولدها، وإن قلنا: لا يتبعها، تأخر عتقهم إلى موت السيد. ولو مات السيد قبل الأداء [أو العجز] عتقت بحكم الاستيلاد، وكذا أولادها، وحكى القاضي الحسين عن القفال: أنها تعتق بحكم الكتابة، وكذا أولادها إن قلنا: إن الولد يتبع أمه في العتق بالكتابة وإلا عتقوا بحكم الاستيلاد، كذا حكاه في كتاب الكتابة. قال: وفي تزويجها ثلاثة أقوال: أصحها: أنه يجوز؛ لأنه يملك رقبتها ومنافعها حتى الاستمتاع، فملك تزويجها برضاها وبدونه كالمدبرة. وهذا هو الجديد. والثاني: لا يجوز؛ [أي]: وإن رضيت؛ لأنها ناقصة في نفسها، وولاية

стр. 6060

الولي عليها ناقصة؛ فأشبهت الصغيرة إذا زوجها الأخ برضاها. وهذا منصوص في القديم، واختاره القفال. فعلى هذا: هل يملك الحاكم تزويجها [بإذنها وإّن] السيد كما قاله الإمام؟ فيه وجهان: اختيار أبي إسحاق والإصطخري: المنع، كما حكاه في "البحر"، وحكاه البندنيجي وابن الصباغ والمصنف عن [ابن] أبي هريرة، ونسبوا الجواز إلى الإصطخري. والثالث: يجوز له برضاها؛ لأنه ثبت لها حق الحرية بسبب لا يملك [السيد] إبطاله، فلا يملك تزويجها بدون إذنها؛ لما فيه من الإضرار بها بعد العتق، وملكه بإذنها كالمكاتبة. وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو القديم. وحكم تزويج [بنت أمّ] الولد التابعة لها في الاستيلاد حكم الأم، وولدها لا يجبره السيد على النكاح، وهل يجوز تزويجه بإذن السيد؟ فيه وجهان في "البحر". قال: وتعتق أم الولد بموت السيد من رأس المال: أمَّا عتقها؛ فلما ذكرناه من خبر ابن عباس وابن عمر، ولأنَّا قد حكمنا بانعقاد الولد حرًّا، وهو من المستولِد ومنها، فقد انعقد [جزء منها] على الحرية فاستتبع الباقي؛ كالعتق، لكن العتق فيه قوة فأثر في الحال، وهذا فيه ضعف فأثر بعد الموت. وأمَّا كونه من رأس المال؛ فلأنه إتلاف حصل بالاستمتاع فأشبه الإتلاف

стр. 6061

بالأكل والشرب واللباس، وبالقياس على مهر مثل من تزوجها في مرض موته، وقد حكينا في كتاب "البيع" أن من أصحابنا من حكى عن القديم: أنها لا تعتق بموت السيد، ويكون الاستيلاد كالاستخدام، وهو – كما قال القاضي الحسين – مستنبطٌ من نصين للشافعي –﵁: أحدهما: في كتاب الرهن حيث قال: "أمْ الولد تعتق بموته في قول من [قال] بعتقها فمفهوم هذا أن له قولاً آخر: أنها لا تعتق بموته. والثاني: قال في كتاب الظهار: "ولا تجزئ أمُّ الولد عن الكفارة في قول من لا يبيعها"؛ فدل على [أنّ له] قولاً آخر: أنها تباع، والأصح الأول، وإنما حكى الشافعي –﵁ ذلك عن مذهب الغير؛ فإن الإمام علي بن أبي طالب – ﵁ – خطب على المنبر بـ"الكوفة" فقال:"أجْمَعَ [رأيي] ورأيُ أمير المؤمنين عمر ألا تباع أمهات الأولاد، وأنا الآن أرى بيعهن"، فقال له عبيدة السَّلْمَانيّ: "رأيك مع أمير المؤمنين أحبُّ إلينا من رأيك وحدك"، وفي رواية: " [رأيك] مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك في الفرقة" فأطرق رأسه ثم قال: "اقضوا فيه ما أنتم تقضون؛ فإني أكره أن أخالف أصحابي". ومن هذا قال بعض أصحابنا: إنه رجع عنه، وبعضهم قال: إنه لم يرجع [عنه]. قال: وإن جنت أمُّ الولد أي خطأ أو عمداً، وعفي عنها على مال فداها السيد بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش الجناية؛ لأنه منع بيعها بالإحبال، ولم يبلغ إلى حالة يتعلق الأرش بذمتها؛ فلزمه ضمان جنايتها، كما لو جنى الرقيق وامتنع مولاه من بيعهن وهذا ما جزم به العراقيون، ولم يجروا فيه القول المذكور فيما إذا جنى العبد وأراد السيد أن يفديه من أنه يفديه بأرش الجناية بالغاً ما بلغ، بل نفوه؛ لأن ثَمَّ البيع ممكن فربما يرغب [زبون في شرائه]

стр. 6062

بزيادة توفي أرش الجناية، وهاهنا البيع غير ممكن؛ فانتفى الاحتمال الذي لأجله أثبتنا الفداء بأرش الجناية بالغاً ما بلغ، وقد أجرى المراوزةُ هذا القول هاهنا أيضاً. فرع: لو ماتت أمّ الولد عقيب الجناية من غير فصل، فهل يجب على السيد الأرش أم يسق؟ فيه وجهان، أصحهما – وهو اختيار ابن الحداد-: أنّه لا يسقط، بخلاف العبد القن. ذكره الرافعي عند الكلام في جناية العبد الموقوف. [قال]: فإن فداها بقيمتها ثم جنت جناية أخرى ففيه قولان: أحدهما: يفديها في الثانية أيضاً بأقل الأمرين؛ لأنه مانع من بيعها عند الجناية الثانية، كما كان مانعاً من بيعها عند [الجناية] الأولى. وهذا ما اختاره المزني وأبو إسحاق وقال: إنه أشبه بالحق. ورجحه [صاحب "التهذيب"]، وبه قطع بعضهم. والثاني أنه: لا يلزمه شيء آخر: لأن استيلاده إتلاف، ولم يوجد [منه] سوى مرة واحدة؛ فلم يلزمه سوى فدية واحدة، كما لو جنى العبد جنايات عدة، ثم قبله سيده، وهذا هو الصحيح، والمختار في "المرشد" وغيره، وبه جزم بعضهم. قال: يشارك المجني عليه ثانياً المجني عليه أولاً فيما أخذ، ويشتركان [فيه] على قدر الجنايتين أي: على هذا القول؛ لتعين ذلك طريقاً لدفع الضرر، ولأن تسليم قيمتها كتسليم رقبة العبد، [ولو سلم رقبة العبد] فلم يبع [حتى] جنى جنايات – اشترك الجميع في ثمنه؛ فكذلك هاهنا، ولو جنت الجناية الثانية قبل أن يفديها سيدها عن الجناية الأولى، [وإن كان أرش الجناية الأولى] قدر قيمتها [أو أكثر]، فإن قلنا: إن المجني عليه ثانياً لا يشارك، قال القاضي الحسين: فهاهنا وجهان:

стр. 6063

أحدهما: أن الحكم كذلك كما هو مفهوم كلام الشيخ، [وبه جزم الإمام حيث جعل جميع الجنايات قبل الفداء كالجناية الواحدة]. والثاني: لا. والفرق –كما قال -: إنه بالأخذ [قد] استقر ملكه على الأرش، ولو قلنا: يشاركه، أدّى إلى أن ينقض حكمنا السابق، بخلاف ما إذا لم يكن قد قبض. وعن "شرح مختصر الجويني" للموفق بن طاهر حكاية طريقين في موضع الخلاف عند تخلل الفداء، فعن بعضهم: أنَّه إذا دفع الفداء بنفسه إلى المجني عليه [أولاً]، أمَّا إذا دفعه بقضاء القاضي، فنقطع بأنه لا يلزمه شيء آخر. وعن ابن أبي هريرة أنه [قال]: لا فرق بين الحالتين. قال: وإن أسلمت أم ولد النصراني حيل بينه وبينها أي: بأن توضع على يد امرأة عَدْلٍ أو محرم لها؛ لان البيع فيها متعذرٌ، إلزامه [إعتاقها] تخسير؛ فتعين ذلك طريقاً لدفع إذلال الكافر لها. قال: وأنفق عليها إلى أن يموت؛ لأنها باقية على ملكه، ونفقة الرقيق على مالكه. قال: فتعتق كأم ولد المسلم. وفي طريقة المراوزة وجه: أنه يجبر على إعتاقها، وإيراده في "الوسيط" في أول كتاب البيع يفهم أنه تعتق بنفسها، وعلى المذهب أكسابها [قبل موت السيد] ملكه، وتكلف الاكتساب؛ كي لا يفوت حقه فيها. ولو أرادت التزويج، [وجوّزنا تزويجها] برضاها زَوَّجَها الحاكم، وكان للسيد مهرها، وكذلك إذا قلنا: [له تزويجها] كرهاً، يزوجها [الحاكم] بإذنه.

стр. 6064

وقال بعض الخراسانيين: لا يجوز للحاكم أن يزوجها، وهو الأظهر عند الروياني واختاره القفال. وروى وجهاً آخر: أنه يزوجها الكافر؛ لأنه تصرف بالملك. فلا يمنعه اختلاف الدين، ونسبه الرافعي في كتاب "النكاح" إلى ابن الحداد. فروع: إذا أحبل جارية الغير بنكاح، ثم أوصى له بالولد فهل يجوز أن يشتري الأم [أم لا]؟ الأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يجوز؛ كما لو باعها من غيره. إذا كانت له جارية، فقال: هذه [أم] ولدي، ومات قبل البيان – فهل تصير أم ولد [له]؟ فيه وجهان، قال القاضي الحسين: ينبنيان على ما لو قال رجل: هذه الجيرة ابنة أَمَتَي، وأقام بينة على ذلك، ولم يقل: إنها [ولدتها في ملكه، فهل يحكم له بالملك؟ فيه قولان: الجديد: لا، وعلى القديم: نعم، فعلى الأول: لا يحكم بأنها] أم ولده، وعلى الثاني: يحكم، قال: وهو الأصح هنا. إذا شهد شاهدان على شخص بأنه استولد جاريته في ملكه، ثم رجعا – قال الشيخ أبو علي: لا يغرمان شيئاً؛ فإنهما لم يفوتا الماليَّة، ولم يحققا العتق في الحال، وإنما امتنع البيع بشهادتهما. قال الإمام: وليت شعري ماذا يقول إذا مات المولى، وفات الملك؛ فإن [الملك فات] بسبب الشهادة، والذي نراه: أن الغرم يجب في هذه الحالة للذين كانت الرقبة تصرف إليهم لولا [وجود الحكم بالاستيلاد]، والله أعلم.

стр. 6065

باب الولاء الوَلاَءُ -[بفتح الواو وبالمد]- مصدر: مَوْلى، والمولى: مَفْعَل من "الولاء"، و"الولاء" مشتق من "الموالاة"، وهي المقاربة، فسُمّى الولاءُ ولاءً؛ لأنه لمعتقه موالٍ كأحد قرابته، أو لأنه ينتسب بالإعتاق إلى سيده الذي أعتقه، كما ينتسب القريب لقريبه، ولهذا أشار ﷺ بقوله: "مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ". وقيل: إنما سُمّي الولاءُ ولاءً؛ لأن بين الموالي اختلاطاً وامتشاجاً كما أن بين الأنساب اختلاطاً. وهو في الشرع عبارة عن: عصوبة متراخية عن عصوبة النسب يرث بها المعتق، ويلي أمر النكاح والصلاة [عليه، ويعقل، والذكور] من عصبته من بعده. وقيل: إنه أثر نعمة أنعمها المعتق على المعتَق، وحقيقته ترجع إلى انتساب المنعَم [عليه إلى المنعم]. ثم ذلك الانتساب يثبت أحكاماً، ويقال لكل من المعتق والمعتق: مولى، وكذا يطلق على العم وابن العم وجميع الأقرباء: مولى. والأصل فيه قبل الإجماع من الكتاب قوله - تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ومن السنة ما روي أنه ﷺ قال: "الوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَاعُ ولاَ يُوهَبُ"، ومعناه: [امتشاج كامتشاج] النسب، [واختلاط كاختلاطِه]،

стр. 6066

و"لحمة": بفتح الَّلام وضمها. وقوله ﷺ في خبر بَرِيرَةَ الذي ذكرناه في أوائل البيع: "إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثم الأحكام الثابتة بسب الولاء- كما قال الروياني وغيره -: ثلاثة: الميراث، والولاية في النكاح والصلاة على الميت، والعقل، وهو لا يورث، وإلاَّ لاشترك فيه الرجال والنساء. قال: ومن عتق عليه مملوك بملك: يعني: قريبه إذا ورثه أو تملكه ببيع [أو اتهاب] أو وصية. قال: أو بإعتاقه أو بإعتاق غيره عنه: بإذنه، أو بتدبيره، أو بكتابته، أو باستيلاده – فولاؤه له: أمّا إذا باشر عتقه أو تسبب فيه؛ فلقوله صلى الله عليه:"إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". وأمَّا في الباقي؛ فلأنه عتق عليه فكان ولاؤه له؛ كما لو باشر عتقه أو

стр. 6067

[تسبب فيه]. ولو باع عبده من نفسه وصححناه، فقد ذكرنا في باب العتق أن الولاء عليه لسيده على الأصح. وقيل: لا ولاء عليه، وهو ما اختاره في "المرشد". واحترز الشيخ بقوله: "بملك" عما إذا شهد بحرية عبدٍ، ثم اشتراه؛ فإنه يعتق عليه لإقراره بحريته، لا يملك، ولا يكون ولاؤه له، بل هو موقوف. وقال المزني: إنه يسلم له من ميراثه أقل الأمرين من الذي بذله وجملة ميراثه. وهو ما قال الغزالي: إنّه أقوم. [والإمام: إنه حسن بالغ]. وصححه في "التهذيب"، وحكاه عن ابن سريج وأبي إسحاق أيضاً، وأن الشيخ قال: يمكن بناؤه على أنه شراء أو فداء، فإن قلنا: فداء، فلا يأخذ؛ لأنه متطوع ببذل الثمن، وإن قلنا: شراء، أخذ. وعلى ذلك جرى المتولي في كتاب "الصلح"، فجزم بأنه بيع، وأن الولاء [فيه] للمشتري، وإن حكى الخلاف في موضع آخر، [والإمام بناه على أن اختلاف الجهة هل يمنع المطالبة، كما إذا قال: له عليَّ ألف هو قيمة عين أتلفتها وقال المالك: بل من جهة ضمان، وفيه خلاف، والأصح: أنَّه لا يمنع، واطراح النزاع في الجهة]. وقوله: ["بملك"، يقال] بكسر الميم وفتحها، [قال أهل اللغة: ملكت الشيء، أملكه مِلكاً - بكسر الميم - وهو مِلك بفتح الميم وكسرها]، والفتح أفصح كما قاله ابن قتيبة والجوهري وغيرهما.

стр. 6068

ولا فرق في ثبوت الولاء لمن ذكرناه بين أن يكون مسلماً والمعتق كافراً أو بالعكس. نعم، لا يرث منه؛ كما نقول: القرابة بين المسلم والكافر ثابتة، ولا يرث منه، صرح به في "البحر" وغيره. قال: وإن عتق على المكاتب عبد أي: أعتقه بإذن سيده، أو كاتبه وجوزناه، فأدى النجوم إلى المكاتب الأول – ففي ولائه قولان: أحدهما: أنه لمولاه؛ لأن العتق [لا] ينفك عن الولاء، والمكاتب ليس من أهله؛ [فتعين للمولى]. على هذا قال القفال: ينبغي أن يجزئ عن كفارة السيد إذا نوى وأعتقه المكاتب بإذنه. ولو عتق المكاتب [بعدُ] فهل ينجرُّ الولاء إليه؟ فيه وجهان في "الحاوي" عن رواية ابن أبي هريرة، وحكاهما الإمام عن رواية صاحب "التقريب"، والصحيح وبه جزم البندنيجي: [لا]. قال: والثاني: أنه موقوف على عتقه، فإن عتق أي: بسبب الكتابة – كما حكاه القاضي الحسين عن ظاهر النص – فهو له، وإن عجز فالولاء لمولاه؛ لأن حكم المكاتب في نفسه وماله موقوف، ولأن الكاتب باشر العتق؛ فيستحيل أن يكون الولاء للسيد الذي لم يباشر؛ للخبر؛ فيوقف [عليه]، وهذا ما اختاره في "المرشد"، فعلى هذا: لو مات العبد الذي أعتقه المكاتب، فميراثه يكون موقوفاً، نصّ عليه الشافعي – كما نقله في "البحر" – واختاره في "المرشد". وقال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين: فيه قولان: أحدهما: هذا.

стр. 6069

والثاني: يكون ميراثاً للسيد؛ لأن الولاء يجوز أن يتوقف فيثبت لشخصٍ، ثم ينجر إلى غيره، والميراث لا يجوز أن يوقف قط، وذكر القفال – كما نقله في "البحر" – وصاحب "التقريب" كما حكاه الإمام وجهاً [آخر]: أنه يصرف ماله إلى بيت المال، والصحيح الأول. فرع: لو مات المكاتب الثاني أو المعتق، وقلنا: [يكون ميراثه موقوفاً، ثم مات المكاتب الأول أو عجز، ثم مات السيد – فإن المال] يكون لجميع الورثة الذكور والإناث. قال القاضي الحسين: لأن هذا ميراث يتلقونه من جهة أبيهم، ليس سبيله سبيل الولاء. قال: وإن تزوج عبد لرجل بمعتقة لرجل، فأتت [منه] بولد –كان ولاء الولد لمعتق الأمة؛ لأنه المنعم عليه؛ لأنه عتق بإعتاق الأم؛ فكان ولاؤه لمولاها. قال: فإن أعتق الأب بعد ذلك انجر الولاء من مولى الأم إلى مولى الأب؛ لما روي أن الزبير بن العوام رأى فتية ظرافاً، فأعجبه ظرفهم، فسأل عنهم، فقالوا: رافع بن خديج زوّج أمته من غلام فلان الأعرابي، ثم أعتق رافع أمهم، فهؤلاء منها، فمضى الزبير، واشترى الغلام من الأعرابي وأعتقه، ووجّه إلى رافع: أن ولاءهم لي؛ فتحاكما إلى عثمان – ﵁ – فحكم بالولاء للزبير، ولا يعرف لهم مخالف. ولأن الولاء فرع النسب، والنسب معتبر بالأب، وإنما يثبت لموالي الأم، لعدم الولاء من جهة الأب، فإذا ثبت الولاء من جهة الأب، عاد الولاء إلى موضعه: كولد الملاعنة ينسب إلى الأم؛ لعدم الأب، فإذا اعترف به الأب ثبت نسبه [منه]. وقال القاضي أبو الطيب: قولنا ينجر [الولاء]، مجاز؛ فإن الولاء لا ينجر،

стр. 6070

وإنما يبطل ولاء موالي الأم، ويثبت ولاء موالي الأب. قال: وإن أعتق جده والأب مملوك، فقد قيل: لا ينجر من مولى الأم إلى مولى الجد؛ لأنه ينجر إليه بواسطة؛ فلا ينجر ولاؤه كالأخ والعم. وقيل: ينجر؛ لأنه كالأب في الانتساب إليه والتصعيب [فجرَّ ولاءه] كالأب، [وهذا أصح في النهاية]؛ وعلى هذا [قال]: فإن أعتق الأب بعد ذلك انجر [الولاء] من موالي الجد إلى موالي الأب؛ لأنه أقوى من الجد في النسب وأحكامه. فلو انقرض بعد ذلك موالي الأب، لم يرجع الولاء إلى موالي الأم، بل يخله المسلمون، وينتقل إلى بيت المال. ثم ظاهر كلام الشيخ يفهم أن محل الوجهين إذا كان الأب حيًّا، وهو قول الشيخ أبي حامد، وقال: إن الأب إذا كان ميتاً انجر [الولاء] قولاً واحداً، وعلى ذلك جرى الإمام. وقال ابن الصباغ: إن عليه أكثر الأصحاب. وقال القاضي: إن محلهما إذا كان ميتاً، فإن كان حيًّا لم ينجر قولاً واحداً. ويجيء من مجموع الطريقين ثلاثة أوجه، كما حكاها في "المهذب"، ثالثها: الفرق بين أن يكون حيًّا فلا ينجر، وبين أن يكون ميتاً فينجر، وهو ما اختاره في "المرشد". ثم محل انجرار الولاء من مولى الأم إلى مولى الأب إذا عتق، مفروض فيما إذا لم يكن الولد قد باشره العتق، أمَّا إذا كان الولد قد باشره العتق، كما إذا اشترى أباه وجده بعبد رقيق؛ فإنه يعتق عليه، ويكون ولاؤه له،

стр. 6071

وولاء موالي الأم باق عليه؛ لأنه لا يجوز أن يكون الرجل مولى نفسه، وقد حكى الإمام عن ابن سريج: أنه [يجر ولاءه] لنفسه ويسقطن واستبعده الإمام، والشيخ في "المهذب" حكى هذا الوجه، ولم ينسبه لابن سريج. وعلى المذهب: لو أعتق الذميّ عبداً، ثم لحق السيد بدار الحرب وأسلم العبد المعتق، واسترقّ سيده إمَّا بسبي أو شراءٍ، ثم أعتقه – كان لكل منهما على صاحبه الولاء، لكن من شرط الإرث اجتماعهما في الإسلام، وقد صرح بذلك أيضاً الأصحاب. ولو كان للمملوك ولدان حرَّان أمهما معتقة، فاشتريا أباهما دفعة واحدة- انجر ولاء نصف كل واحد منهما إلى صاحبه، وترك النصف الآخر لموالي الأم، صرح به الرُّوياني في كتاب الإقراع بين العبيد. فرع: لو تزوج عبد لرجل بأمة لآخر، ثم أعتقها سيدها وهي حامل – فولاء الولد لمعتق الم لا يجره إلى موالي الأب [عِتْقُ الأب]؛ لأن العتق هنا قد باشر الولد. والقاعدة: أن كل من باشره العتق لا ينجر الولاء عليه إلى موالي أبيه ولا أمه، كما صرح بها القاضي الحسين وغيره. فلو أعتقها، ثم أتت بولد، وكان لها زوج، واحتمل أن يكون الولد موجوداً حاله العتق، واحتمل خلافه –انجر ولاؤه. ولو احتمل أن يكون [قد] حدث بعد عتق الأم، واحتمل أن يكون [حدث] بعده وبعد عتق الأب – فالولاء لموالي الأب ابتداءً، قاله القاضي الحسين، وقال: إنها لو كانت خليّة من زوج، وأتت بولد لستة أشهر فما فوقها ولدون أربع سنين من حين العتق – فهل يكون ولاؤه لمعتق الأم غير منتقل

стр. 6072

أم لا؟ إن هذا ينبني على أنه لو أوصى بحمل عَمْرَةَ من زيد، وكانت بائنة منه، فأتت بولد لدون أربع سنين وستة أشهر فما فوقها من حين الطلاق – هل يعطي الوصية له؟ وفيه قولان، ووجه المنع: أنْ النسب يحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره. فإن قلنا بهذا كان الولاء لموالي الأب إن احتمل حدوثه بعد عتقهم، وإن لم يحتمل فهو لموالي الأم وانجر، وعلى الأول يكون لموالي الأم غير منجر. قال: ومن ثبت له الولاء فمات انتقل ذلك إلى عصباته دون سائر الورثة، أي: أصحاب الفروض ومن يعصبهم العاصب؛ لقوله ﷺ : "الولاءُ [لُحْمَةٌ] كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ، وَلاَ يُوَرَّثُ"، والنسب إلى العصبات دون غيرهم، فلو انتقل إلى غيرهم لكان موروثاً. قال القاضي الحسين: ولأن الولاء يكون متراخياً عن النسب، والنسب إذا تباعد إنما يورث بالعصوبة [مثل ابن العم، وابن الأخ، والنسب يكون أقرب من باب الولاء؛ فيكون الولاء فيه من التراخي أكثر؛ فيتعين له العصوبة قياساً على النسب، وما ادعاه من أن النسب إذا تباعد إنما يورث بالعصوبة] ينتقض بنسب بنت ابن ابن ابن [وأسفل من ذلك]، اللهم إلا أن يكون مراده البعد في الجهات لا في الدرجة أو الوارث المستغرق؛ فحينئذٍ يسلم من النقض. قال: فإن كان له ابن [وابن ابن] فالولاء للابن؛ لأن تعصيبه أقوى، وإن كان له أب وأخ فالولاء للأب؛ [لأنه أقرب] لكونه يدلي بنفسه، والأخ يدلي به. [قال]: وإن كان له أخ من أب وأم، وأخ من أب، فالولاء للأخ من الأب والأم كالميراث، وهذا أصح في "النهاية"، وفي "المهذب" طريقة جازمة به.

стр. 6073

وقيل: فيه قول آخر: أنهما سواء؛ لأن الأم لا ترث بالولاء فلا يرجح بها، بخلافها في الميراث. فرع: حكى القاضي الحسين عن القاضي أبي حامد نصاًّ عن الشافعي ﵁ فيما إذا كان له ابنا عم أحدهما أخ لأم: أنه يقدم بها هاهنا، بخلاف الميراث؛ فإنه يكون للأخ من الأم السدس، والباقي بينهما، كذا قال في موضع، وقال: يحتمل أن يسوى بينهما. وهوا لذي صوبه الإمام وقال: إن خلافه غلط عند المحققين. وقال القاضي في موضع آخر: إن علة أبي حامد أنه في الميراث يمكن أن يفرض له؛ فلم يرجح به، وهاهنا لمَّا تعذّر الفرض له ترجحت قرابته فقدم بها. قال: وإن كان [له] أخ وجدٌّ ففيه قولان: أحدهما: الولاء للأخ؛ لأن تعصيبه يشبه تعصيب [الابن]، وتعصيب الجد يشبه تعصيب الأب، والأب والابن لو اجتمعا قدم الابن كما ذكرنا؛ فكذلك المشبه به، وكان قياس ذلك أن يقدم عليه في الميراث- أيضاً – لكن الإجماع قام على عدم التقدمة فصرفنا عنه، وفي الولاء لا إجماع، وهذا ما قال القاضي أبو الطيب: إنه المشهور من المذهب. واختاره الشيخ أبو حامد والأكثرون، كما حكاه الرافعي في الفرائض، وعلى هذا يقدم ابن الأخ على الجد. والقول الثاني: [أنه] بينهما كالميراث، وهذا أصح في "التهذيب"، ومقتضى هذا التوجيه: أن يكون للجد الأوفر من المقاسمة أو ثلث المال، وقد قال [به] بعض أصحابنا، والنقل المشهور –وهو الأصح – المقاسمة أبداً. وقال القاضي الحسين: لأن الجد في باب الميراث تارةً يأخذ بالفرض وتارة بالعصوبة، فأخذ [ثَمَّ] ما هو خير له، وهنا لا يتصور أخذ بفرض، وهما في العصوبة سواء، فسوي بينهما، ويجري الخلاف فيما إذا اجتمع مع الجد أخٌ من الأبوين، وأخ من أب في جريان المعاددة، والذي أجاب به ابن سريج

стр. 6074

والأكثرون ومنهم القاضي الحسين: أنه لا معاددة، وقال: لأنّ هذا على خلاف القياس اتبع فيه ما ورد من الخبر؛ فلا يقاس عليه غيره، وعلى القول الثاني يتفرع ما إذا خلف جدًّا وابن أخٍ، فالجدُّ أولى، وقيل: هما سواء. قال: وإن كان [له] ابن أخ وعم فالولاء لابن الأخ، وإن كان له عم وابن عم فالولاء للعم كالميراث، وحكى الشيخ في "المهذب" والقاضي الحسين في الصورة الأولى قولاً: أنهما سواء؛ بناءً على [قولنا:] إن الجد مع الأخ يستويان، وجعلا ما ذكر في هذا الكتاب مفرعاً على قولنا: إن الأخ أولى من الجد، وكذا حكى القاضي القولين فيما إذا كان له عم [وأب جدٌّ]: أحدهما: أن العم أولى. والثاني: أنهما سيّان. وحكى فيما إذا [كان] له عم وابن ابن أخٍ: وجهين: أحدهما: [أن] ابن ابن الأخ أولى. والثاني: أنهما سواء. وإذا تأملت ما ذكرنا فهمت أن الولاء خالف الإرث في سبع مسائل، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وقد عدها القاضي الحسين: أحداهما: يقدم الأخ على الجد على قولٍ. والثانية: مقاسمة الجد الإخوةَ أبداً على الصحيح. والثالثة: عدم معاددة الجد الإخوة للأب، وأن الفائدة ترجع إلى الأخ للأب والأم على الصحيح. والرابعة: يُقَدَّم ابن الأخ على الجد على قولٍ. والخامسة: يُقدم ابن العم الشقيق على ابن العم للأب على النص. والسادسة: عدم تعصيب ابن الابن أخته. والسابعة: عدم تعصيب الأخ للأب أخته.

стр. 6075

قال: وإن لم تكن له عصبة انتقل ذلك إلى مواليهم؛ لأنهم كالعصبة ثم [إلى] عصبتهم على ما ذكرت، ودليله ما تقدم، فإن لم يكن له عصبة مولى، وهناك مولى لعصبة المولى: فإن كان مولى أخيه أو ولده لم يرث؛ لأن إنعامه على أخيه وولده لا يتعدى إليه، وإن كان مولى أبيه أو جدّه ورث؛ لأنَّ إنعامه عليه إنعام على نسله. قال: وإن أعتق عبداً، ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابناً، ثم مات العبد المعتق – فماله للكبير من العصبة، وه وابن المولى دون ابن [ابن] المولى أي: إذا لم يكن للميت قريبٌ وارثٌ، ووجهه: أن الولاء لا يورث، وإنما يورث به بالقرب، والكبير من العصبة أقرب من العصوبة ممن معه. وحكى ابن اللبان عن ابن سريج أنه يكون بينهما نصفين. وليس بشيءٍ؛ لقوله – ﵇:"الوَلاءُ لِلْكُبْرِ"، وهو بضم الكاف، وسكون الباء، أي: الأقرب، أمَّا إذا كان للميت قريب، فهو مقدّم في الميراث كما سيأتي. قال: وإن مات ابناه بعده، وخلف أحدهما ابناً، والآخر تسعة، ثم مات العبد المعتق – كان ماله [بينهم [على عددهم]]، لكل ابن عشر؛ لأنهم في القرب سواء. قال: ولا ترث النساء بالولاء إلا من أعتقن: أمَّا ثبوته لهن بالعتق؛ فلقوله – ﷺ :"إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وروي أن بنت حمزة بن عبد المطلب أعتقت غلاماً، ثم مات وترك ابنته والمعتقة، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فجعل للبنت النصف، وللمعتقة النصف. وأمَّا نفيه عنهن إذا لم [يكن] معِتقات ولا معِتقات المعتِقات، ولا مجروراً إليهما الولاء؛ فلظاهر الخبر المذكور مع قوله ﷺ : "إنَه لا يُوَرَّثُ".

стр. 6076

قال: أو [أعتق من أعتقن] أو جرّ الولاء إليهن من أعتقن، كما لو كان المعتق رجلاً. وصورة جرّ الولاء: أن يتزوج عندها بمعتقة رجل فتأتي منه بولد، فإنه يكون حرًّا تبعاً لأمه، والولاء عليه لمولى الأم، ثم تعتق المرأة العبد فينجر الولاء على الولد إليها من موالي الأم، [- على ما تقدم-] ومن طريق الأوْلَى يكون لها الولاء على الولد إذا أتت امرأة العبد به [بعد] عتق الأب. تنبيه: قول الشيخ: "ولا ترث النساء بالولاء .... " إلى آخره، يخرج ما إذا عتق عليها قريبها بإرث [أو غيره] عن أن يكن لها عليه ولاء؛ لأنه فصّل في أول الباب [العتق]: إلى عتق يحصل بسبب الملك، وإلى عتق يحصل بالإعتاق كما بيناه، وليس كذلك، بل الولاء يثبت لها عليه اتفاقاً. ومنها غلط الأربعمائة قاضٍ في المسألة المشهورة. [قال]: فإذا ماتت المرأة المعتقة انتقل حقها من الولاء إلى أقرب الناس [إليها] من عصباتها على ما ذكرت؛ لما تقدم بيانه. فروع: إذا تزوج معتق بحرة أصليّة لا وَلاَءَ عليها لأحدٍ، فأتت بولد فإطلاق القاضي الحسين يقتضي ثبوت الولاء عليه لموالي الأب؛ فإنه قال: إذا [تزوج عبد] بامرأةٍ، فأعتقته سيدته وله أولاد- كان لها الولاء عليهم. وقال أيضاً فيما إذا تزوج عبد بامرأة، ثم أعتق وأتت بأولاد: فإن الولاء لموالي الأب على الأولاد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وعلى أولاد أولاد البنين، وأمَّا أولاد البنات فلمن يكون الولاء عليهم؟ ينظر: فإن كان على آبائهم ولاءٌ لأحدٍ فالولاء عليهم له، وإن لم يكن عليهم ولاء لأحد ففيهم وجهانك أحدهما: أن الولاء عليهم لموالي الأم.

стр. 6077

والثاني: لا ولاء عليهم لأحدٍ؛ لأنه ﵇ قال: "الولاء لُحْمَة كلُحْمَةِ النَّسَب"، وهؤلاء لا [ينسبون] [لأحد]؛ فلا يكون عليهم ولاءٌ لأحد، [ثم لا] فرق بين أن يكون أبوهم عجميًّا أو عربيًّا. وذهب طوائف من أصحابنا [إلى] أنه إذا كان أبوهم عربيًّا فلا ولاء عليهم لأحدٍ، وإن لم يكن عربيًّا يَكُنْ لموالي أبي الأم. وقال في موضع آخر: إذا تزوج بحرّة فلا ولاء على ولده أصلاً. وهذا ما حكاه الإمام عن رواية شيخه عن بعض الأصحاب، ورجح الأول، وقال: إنه المذهب الذي يجب القطع به، وهو الذي حكاه في "التهذيب". [ولو تزوج حرٌّ لا ولاء عليه بمعتقةٍ لرجل، فهل يثبت على ولده الولاء؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها:] لا ولاء عليه، وهو الصحيح في "التهذيب". والثاني: يثبت لموالي الأم. والثالث: عن كان الأب حرًّا ظاهراً وباطناً فلا ولاء عليه، وإن كان حرًّا ظاهراً لا غير - كالمحكوم بحريته بالدار - ثبت عليه الولاء لموالي الأم. إذا كان رجل حرّ الأصل وأبواه حرّين، وأبوا أبيه مملوكين، وأبو أمه مملوكاً، وأم أمه معتقة - فإذا مات هذا الرجل، قال القاضي الحسين: كان ولاؤه لموالي أم الأم على أحد الوجهين، فإذا أُعتق أبو الأم انجر الولاء إلى موالي أبي الأم، فإذا عتقت بعد ذلك أم الأب انجرّ الولاء من ذلك الجانب إلى [هذا الجانب] إلى موالي أم الأب، فإذا أُعتق كلا منهما مالكه، ثم مات المعتق أولاً بعد موت أبيه وابنه، ولا قريب له- قال القاضي

стр. 6078

الحسين: فولاؤه إنما يكون لمعتق أبيه دون معتق ابنه؛ لأن معتق الأب أنعم عليه بعتق أبيه. وهذا فيه نظر؛ لأنَّا قد حكينا من قبل عنه وعن غيره أن من باشر عتق شخصٍ لا نيجر ولاؤه على غيره، والمعتق أولاً قد باشر مالكه عتقه؛ فينبغي أن يكون ولاؤه له إن كان حيًّا ولورثته من بعده، فإن لم يكن له وارث خاص فلبيت المال. [وجوابه: أن الضمير في قوله: "وأبوه وابنه رقيقان" يعود على المباشر للعتق لا إلى العتيق، والسؤال إنما توجه لاعتقاد عوده إلى العتيق]. إذا أعتق الكافر عبداً مسلماً وله ابنٌ مسلمٌ وابن كافر، ثم مات المعتق بعد موت معتقه – فولاؤه لابن معتقه المسلم. ولو مات بعد موت معتقه وإسلام ابنه الآخر فالولاء للابنين عليه. ولو مات المعتق في حياة معتقه وابنه مسلم فميراثه لبيت المال، ولا يكون لابنه المسلم، وكذلك لو أن المعتق المسلم قتل العبد المعتق وللسيد ابن، قال القاضي الحسين: لا يرثه المعتق؛ لأنه قاتل ولاء أبيه، بخلاف النسب؛ فإنه لو قتل رجل ولده، وللقاتل ولد، فإن القاتل لا يرث، ويرثه ابنه. قال: والفرق بينهما: أن في باب النسب الأخوة ثابتة بين الأخ والمقتول؛ فلهذا قلنا بأنَّه يرثه، فأمَّا في الولاء فالابن إنما يثبت له الولاء بموت أبيه. وحكى الرافعي في [آخر رءوس] الوصايا عند الكلام في ختم الباب: أن المعتق إذا قتل معتقه، فإن كان للعبد من هو أقرب من المعتق ورثه، وألا ورثه أقرب عصبات السيد المعتق، وألحق القاضي الحسين بما ذكره ما إذا كان المعتق وأولاده والعبد المعتق كفاراً، فالتحق المعتق بدار الحرب واسترقّ، ثم مات العبد المعتق – فإن ميراثه لبيت المال.

стр. 6079

قال: وهكذا نقول في التزويج، نصّ الشافعيّ على أن المرأة إذا أعتقت أمَةً: زوجها أبوها بسبب عصوبة الولاء، ونصّ فيما إذا أعتق رجل أمته، فمات [المعتق] وخلف ابناً صغيراً، وللابن الصغير [جدٌّ]: أنه ليس للجد أن يزوِّج الأمة المعتقة، فما الفرق؟ قال القاضي الحسين حكاية عن القفال: الفرق بينهما: أن في مسألة المعتقة قد وقع الإياس من ثبوت الولاء لها؛ فجعلت كالمعدومة، فانتقلت الولاية إلى أبيها، وفي تلك المسألة لم يقع الإياس بثبوت الولاية للابن الصغير، [بل هي

стр. 6080

منتظرة في حقه؛ فافترقا]، [والله أعلم].

стр. 6081

كتاب الفرائض الفرائض: جمع فريضة: وهي: فعيلة، من الفرض، والفرض: التقدير، قال الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، أي: قدرتم، وقال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]، أي: قدرناها وبيناها. وقولهم: فرض [القاضي] النفقة أي: قدرها، وفرض الزوج مهر المثل أي: قدره. ويسمى علم المواريث: [فرائض]؛ لاشتماله على أنصباء مقدرة، أو لكثرة دور الفرض في الكلام فيها، مثل قولهم: فرض الأم كذا، وفرض البنت كذا، وفرض الزوج كذا. وقيل: أصل الفرائض: الحدود، من: فرَضت القوس وفرَّضتها: إذا حززت فيها حزًّا يؤثر فيها، فسميت قسمة المواريث: فرائض؛ لكونها حدوداً وأحكاماً مبينة. وقيل: سمي فرائض؛ لأن الله تعالى قطع الأقارب بعضهم عن بعض، وبين لهم قدر استحقاقهم. وقيل: لأن الله تعالى قال في آخر الآية: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. وقيل: سميت فرائض من الوجوب واللزوم؛ لأن الفرض بمعنى الإيجاب والإلزام. قال أهل اللغة: العالم بها يسمى: فَرَضِيًّا، وفارضاً، وفريضاً أيضاً، كعالم وعليم. وقد كانت المواريث على تسعة أوجه: أربعة منها كانت الجاهلية عليها فورد

стр. 6082

الإسلام بإبطالها، وأربعة وجوه كان عليها أهل الإسلام فنسخها الله ، والوجه التاسع هو الذي عليه الإسلام إلى يومنا هذا كما سنذكر، وبه نسخ ما سواه: فالأربعة الأولى: وراثة الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار، ووراثة النساء كرهاً، وميراث الحليف، وكانت العرب تتوارث بالحلف والتناصر؛ طلباً للتواصل به، وصورته أن يقول: "هدمي هدمك، ودمي دمك، وسلمي سلمك، وحربي حربك، ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك". وأحد الوجوه الأربعة الثانية: التوارث بالحلف والتناصر، والثاني: بالإسلام والهجرة، والثالث: [التبني]، والرابع: على الوصايا، وقد نسخت الفرائض في الإسلام [ثلاث مرات]: نسخ التوارث بالحلف والنصرة الدال عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]- بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٢]، وقوله ﵇: [لا حلف في الإسلام]، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" أخرجه مسلم. فكان الرجل [إذا آمن وهاجر إلى المدينة، وكان له بمكة ولد مؤمن، ولم يهاجر معه لم يرثه]، إذا مات، ويرثه جماعة المهاجرين [بالمدينة]، ثم نسخ ذلك بالقرابة والرحم بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، فنقل التوارث إلى الرحم، ولم يذكر مقاديره، فكان الرجل يجب عليه أن يوصي لوالديه وأقاربه؛ لقوله

стр. 6083

تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قال ابن سريج: فكان يجب على المحتضر أن يوصي لكل واحد من الورثة بما في علم الله تعالى [من الفرائض]، فكان من وفق لذلك مصيباً، ومن يتعداه مخطئاً. قال الإمام: وهذا زلل، ولا يجوز ثبوت مثله في الشرائع؛ لأنه تكليف على عماية. ثم نسخ وجوب الوصية بالآيات المذكورة في سورة النساء، قال ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، "عجز الموصى أن يوصي كما أمر الله – تعالى – فتولى الله قسمتها بنفسه، إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث". [ثم اعلم] أن تعلم الفرائض محثوث عليه، ومندوب إليه، قال ﷺ : "الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ" أخرجه أبو داود وابن ماجه. وروي أنه ﵇ قال: "تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ؛ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الاِثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلاَ يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا" وغير ذلك من الأخبار، وقد روي عن عمر – رضي

стр. 6084

الله عنه – أنه قال: "إِذَا تَحَدَّثْتُمْ فَتَحَدَّثُوا فِي الْفَرَائِضِ، وَإِذَا لَهَوْتُمْ فَالْهَوْا بِالرَّمْي". ولم يترك أحد من [أكابر] الصحابة إلا وله الكلام في الفرائض؛ إلا [أن] الذين اشتهروا بعلمها أربعة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت [﵃]، قال علماؤنا: ولم يتفق هؤلاء الأربعة قط على مسألة إلا وافقتهم الأمة، وما اختلفوا إلا وقعوا فرادى، أو ثلاثة في جانب وواحد في جانب. واختار الشافعي من مذاهبهم مذهب زيد؛ لأنه اقرب إلى القياس، ولقوله ﵇: "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ"، وعن القفال أن زيداً لم يهجر له قول، بل أقواله معمول بها، بخلاف أقوال غيره، ومعنى اختياره له: أنه نظر في أدلته فوجدها مستقيمة فاتبعها، لا أنه قلده؛ إذ المجتهد لا يقلد المجتهد. قال: من مات وله مال ورث؛ لقوله ﷺ : "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَىَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَّا مَوْلَى مَنْ لا مَوْلى لَهُ، أَرِثُ مَالَهُ وَأَحُلُّ عَانِيَهُ" يعني: أفك عانيه، والعاني: الأسير، ومعنى

стр. 6085

الأسير هنا: ما تتعلق به ذمته ويلزمه بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة. وقد جاء في رواية: "أَفُكُّ عُنيَّه". بضم العين وتشديد الياء. ويفسر ذلك ما روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا"، وفي رواية لأبي داود [عن جابر] أنه قال: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً، فَلأِهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ". والضياع – بفتح الضاد المعجمة -: العيال، وقال الخطابي: الضياع: اسم لكل ما هو معرَّض أن يضيع إن لم يتعهد، والكل – بفتح الكاف والتشديد اللام -: العيال والدين، وقال بعضهم: إنه ينطلق على الواحد والجمع، والذكر والأنثى، وجمعه: كلول، ومعناه: الثقل ثم استعمل في كل ضائع وأمر مثقل. ثم الوراثة تارة تكون بسبب عام وهو الإسلام، وتارة تكون بسبب خاص وهو النكاح، والولاء، والقرابة، ومنع بعض أصحابنا – كما قاله القاضي [الحسين] في باب الوصية وغيره – هنا أن بيت المال ليس بوارث لمن لا وارث له خاص، وأن سبيله سبيل المال الضائع؛ لأنا نعلم أن له عصبة، لكنا لا نعرف عينه، وقد حكاه الروياني قولاً عن رواية ابن اللبان، قال: إلا المرتد فإنه لا يورث أي: سواء كان ما معه من المال اكتسبه في حال الإسلام أو حال الردة، وسواء

стр. 6086

كانت الردة في الصحة أو في المرض، وقصد منع وارثه، والدليل على [أن] ذلك في بعض الصور، وهي ما اكتسبه في حال الردة و [في] الصحة: الإجماعُ، وفيما عداهما: القياسُ عليهما. واستدل لذلك ابن الصباغ بما روى أبو بردة بن نيار قال: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنْقَهُ، وَأُخَمِّسَ مَالَهُ"، وهذا كان مرتداً؛ لأنه استحل ذلك، وقد أبدى الإمام احتمالاً في توريث المرتد بمن المرتد] على قولنا: إن ملك المرتد لا يزول إلا بالموت، تخريجاً من قولنا: إن ولد المرتد من المرتدة مرتد. قال: ومن بعضه [رقيق وبعضه حر] ففيه قولان: أحدهما: يورث عنه ما جمعه بحريته؛ لأن ملكه تام على [ما ملكه] بالحرية؛ فورث كمالِ من كله حر، وهذا هو الجديد. والثاني: أنه لا يورث كما أنه لا يرث، وهذا هو القديم. وللقائل بالجديد أن يقول: منع توريثه من أن يأخذ مالك بعضه الرقيق بعض ما ينتقل إليه، وهذا المعنى مفقود في الإرث منه. تفريع: إن قلنا بالأول ورثه أقاربه، ثم معتقه، وروى ابن اللبان وجهاً: أنه يكون بين الوارث ومالك بعضه [و] الرقيق على نسبة الرق والحرية، وحكاه المراوزة

стр. 6087

أيضاً؛ لأن سبب الإرث الموت، وهو حال بجميع بدنه، وبدنه ينقسم إلى الرق والحرية؛ فيقسم ما خلفه كأكسابه. وإن قلنا بالثاني، قال الشافعي – ﵁ – يكون لسيده، وهو الأظهر عند الأكثرين؛ لأنه نقصه منع الإرث، فصار كمال وكان كله رقيقاً. وقال الإصطخري [وابن سريج]: يكون لبيت المال؛ لأن السيد لا حق له في حريته، فلا يكون ميراثه له، ولا يرثه عنه قريبه؛ لبقاء أحكام الرق، فكان أولى الجهات به بيت المال. قال الماوردي: "ولهذا عندي وجه أراه" وعلى ذلك جرى الفرضيون كما قال الرافعي وصححوه، وحكى في "البحر" في كتاب العتق أن أبا إسحاق المروزي حكى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ما تركه يكون لسيده. والثاني: أنه لوارثه. والثالث: أنه بينهما. [وأن] ابن أبي هريرة قال: نصوص الشافعي محمولة على اختلاف أحوال: فالذي نص [عليه] أنه لسيده: أراد إذا كان بينهما مهايأة، ومات في [زمان سيده]، وقد استهلك ما كان يملكه بحريته. والذي نص أنه يكون [للوارث أراد: إذا كان موته في زمان العبد. والذي نص] أنه يكون بينهما [أراد:] إذا لم يكن [بينهما] مهايأة، وفي ماله وفاء بالحقين، والعبد إذا ملك مالاً وقلنا: إنه يملك، فإنه لا يورث اتفاقاً من أصحابناً. قال: وإذا مات من يورث بُدِئ من مالهن بمؤنة تجهيزه ودفنه، أي: من كفن وحفر قبر وغير ذلك؛ لما روي عن خباب بن الأرت قال: توفي [مصعب] بن عمير قُتِل يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة كنا إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه،

стр. 6088

وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال: رسول الله ﷺ : "غَطُّوا بِهَا رَاسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِر" خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. والنمرة- بفتح النون وكسر الميم -: هي شملة مخططة من صوف، وقيل: فيها أمثال الأهلة، وكأنها أخذت من لون النمر؛ لما فيها من السواد والبياض، وهي من مآزر الأعراب، ولأنه يقدم في حياته بما يضطر إليه، فكذلك بعد مماته، وهذا إذا لم يتعلق بماله حق سابق على الوفاة، فإن تعلق مثل أن يكون مرهوناً أو جانياً، أو حجر عليه لفلس، وبائعو أمواله باقون، فإن مؤنة تجهيزه لا تصرف من ذلك. وحكى الجويني في "الجمع والفرق" عن بعض مشايخنا أنه يقدم الميت على حق المجني عليه وحق المرتهن، وإن لم يخلف مالاً سواه. قال: ثم تقضي ديونه، ثم تنفذ وصاياه، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، قال علي بن أبي طالب: إنكم تقرءون في كتاب الله تعالى، الوصية قبل الدين، وقضاء رسول الله ﷺ أن الدين قبل الوصية، وقد ذكرنا ذلك عن ابن عباس في كتاب الوصية، لكنه لم يسند ذلك إلى قضاء رسول الله ﷺ ، ولا يمنع الدين انتقال الملك في التركة إلى الورثة على الجديد؛ لأنه لو كان باقياً على [الملك للميت] لوجب أن يرثه من أسلم أو عتق من أقاربه قبل قضاء الدين، وألا يرثه من مات قبل قضاء الدين من الورثة، فعلى هذا ما يحدث من زوائد وفوائد قبل قضاء الدين يسلم للورثة، وإن لم توف أعيان

стр. 6089

التركة بالديون، ولا شك على هذا في أن الدين يتعلق بالتركة، لكن كتعلق [الرهن أو] الجناية؟ فيه قولان، ويقال وجهان: أحدهما: [أنه] كتعلق الدين بالمرهون، لأن الشارع إنما أثبت التعلق نظراً للميت لتبرأ ذمته، فاللائق به ألا يسلط الوارث عليه. وهذا أظهر فيما ذكره الإمام وغيره. والثاني: أنه كتعلق الأرش [برقبة العبد الجاني] لأن كلاًّ منهما ثبت شرعاً من غير اختيار المالك، وسيكون لنا عودة إلى ذلك في القسمة [إن شاء الله تعالى. وقد حكى الإمام في باب "صدقة الفطر" أن بعض أصحابنا ذكر قولاً بعيداً: "أن الدين يمنع حصول الملك للورثة"، وأن هذا القول ذكره شيخه والصيدلاني وغيرهما، وقال في كتاب "الشفعة": "إنه القديم، والمشهور نستبه إلى الإصطخري" وجهه: أنه لو بيع كانت العهدة على الميت دون الورثة؛ فدل على بقاء ملكه. قال الإمام في زكاة الفطر: "وقد تردد المفرِّعون على هذا، فالذي صغا إليه معظمهم أن الأمر موقوف، فإن صرفت أعيان التركة في الديون تبينّا أن الورثة لم يملكوها، وإن أبرأ أصحاب الديون الميت، أو أدى الورثة الدين من خوالص أموالهم – تبينّا أنهم ملكوها بموت المورث، وما نقله الربيع من أن على الورثة إخراج الزكاة عن عبيد التركة إن بقوا لهم – يشعر بذلك. وقال آخرون: "إن الملك يثبت للورثة عند زوال الدين من غير تبين"، قال: "وهذا في نهاية الضعف"]. وعلى هذا هل يمنع نقل كل التركة أم قدر الدين؟ فيه وجهان مذكوران في "النهاية"، والرافعي في آخر كتاب الشفعة، وقد حكى القاضي الحسين والفوراني في كتاب الوصية وجهاً: أن الوصية تمنع الإرث كما يمنعه الدين على رأي،

стр. 6090

وهذا يظهر فيما إذا كانت الوصية بقدر من الثلث لا بشيء معين ولا بالثلث، ويكون مادته من قولنا: إن يسير الدين يمنع الإرث. قال: ثم تقسم تركته بين ورثته لآيات النساء. قال: والوارثون من الرجال،- أي: في الجملة – خمسة عشر: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد – أي: أبو الأب – وإن علا، والأخ للأب والأم، [والأخ للأب]، والأخ للأمن وابن الخ للب والمن وابن الخ للأب، والعم للأب والأم، والعم للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، والزوج، والمولى المعتق. وقد عدهم الغزالي [وغيره] عشرة: اثنان من السبب وهما: المعتق والزوج، واثنان من أعلى النسب وهما: الأب والجد أبو الأب، واثنان من الأسفل وهما: الابن وابن الابن، وأربعة على الطرف وهم: الإخوة وبنوهم إلا بني الإخوة للأم، والأعمام وبنوهم إلا الأعمام من جهة الأمن وهم إخوة الأب لأمه خاصة، وإذا اجتمع هؤلاء المذكورون لم يرث منهم إلا ثلاثة: الأب، والابن، والزوج. قال: والوارثات من النساء – [أي] على الجملة- إحدى عشرة: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، [والجدة من قبل الأم]، والجدة من قبل الأب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب، والأخت للأمن والزوجة، والمولاة المعتقة، ومولاة المولاة. ومنهم من عدهن عشرة واكتفى بذكر المولاة عن مولاة المولاة، كما اكتفى بالمولى في جانب الرجال عن مولى المولى، وعدهن الغزالي، وغيره سبعة: اثنان من السبب، وهما: الزوجة، والمعتقة، واثنتان من أعلى النسب، وهما: الأم والجدة، واثنتان من أسفل، وهما: البنت وبنت الابن، وواحدة من الطرف وهي الأخت، وإذا اجتمعت المذكورات لم يرث منهن إلا خمسة: الزوجة، والبنت، وبنت الابن، والأم، والأخت من الأبوين، وإذا اجتمع من يمكن اجتماعهم من

стр. 6091

الذكور والإناث ورث الأبوان، والابن والبنت، ومن يوجد من الزوجين. والدليل على أن من ذكر وارث – الإجماع والنصوص التي ستعرفها، وعلى عدم وراثة غيرهم التمسك بالأصل. واعلم أن من انفرد من الرجال حاز جميع التركة إلا الزوج والأخ للأم، ومن انفرد من النساء لم يحز جميع التركة إلا من لها الولاء. قال: ومن قتل مورثه لم يرثه، أي: سواءٌ كان بمباشرة أو سبب، مضموناً بقصاص أو دية أو كفارة، أو غير مضمون لوقوعه عن حدٍّ أو قصاص، صدر من مكلف أو غير مكلف، [ووجهه: عموم قوله] ﷺ : "لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِيرَاثٌ"، كما رواه عمر – ﵁ – وقوله ﵇: "لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئاً" كما رواه ابن عباس، ويروي: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَإِنَّهُ لا يَرِثُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ".

стр. 6092

ولأنا لو ورثناه لم نأمن من مستعجل الإرث أن يقتل مورثه؛ فاقتضت المصلحة حرمانه. قال: وقيل: إن كان متهماً في القتل، أي كالمخطئ، والحاكم إذا قتله في الزنى بالبينة، لم يرثه؛ [للتهمة باستعجال] الإرث، وإن لم يكن متهماً أي: كالحاكم إذا قتله في الزنى بإقراره ورثه؛ لأن [الإمام] مأمور بذلك، محمول عليه، ولاتهمة في حقه، ويحكي هذا عن تخريج ابن سريج وابن خيران، وطرد فيما إذا حفر بئراً في محل عدوان، أو وضع فيه حجراً فتعثر مورثه به فمات، قال الماوردي: وهو ينكسر بالخاطئ. قال: وقيل: إن كان القتل يوجب ضماناً أي: ولو الكفارة لا غير، كما إذا رمى إلى صف الكفار في القتال، ولم يعلم أن فيهم مسلماً، وكان فيهم مورثه فقتله – لم يرث، لأنه قتل بغير حق، وإن لم نوجب ضماناً لقتله حدًّا أو قصاصاً، أو دفعاً لصياله، أو دفعه إذا كان باغياً – ورث؛ لأنه قتل بحق فأشبه قتل الإمام له في الحد، وهذا ما قال القاضي الروياني: إنه الاختيار، و [لا يبعد] تخصيص الأخبار بالقياس. وقد تحصَّل مما ذكرناه أن الموجب للضمان مطلقاً يقتضي الحرمان، سواء كان بالقصاص أو الدية أو الكفارة، وفي القتل الذي لا يوجب ضماناً خلاف، وهو في بعض الصور مرتب على بعض عند بعضهم: فقتل الإمام المعترف بالزنى يترتب عليه قتله بالبينة، وأولى بأن يحرم، وقتله قصاصاً يترتب على قتله عمداً، وأولى بالحرمان، [لكونه مخيراً بين الفعل والترك، وقتله لدفع صياله، وبغية مرتب على قتله قصاصاً، وأولى بالحرمان]؛ لاحتمال إمكان

стр. 6093

الدفع بدونه وقتله إذا كان عادلاً من الباغي، إذا قلنا بعدم وجوب الضمان على الباغي مرتب على المسالة قبلها وأولى بالحرمان؛ لكونه بغير حق. وقد حكى الحناطي قولاً: أن القاتل خطأ يرث مطلقاً، وحكى عن صاحب التقريب وجه في مطلق القتل بالسبب: أنه لا يوجب الحرمان، وحكى [عن] ابن اللبان وغيره رواية وجه فيما إذا سقى الوارث الموروث دواءً، أو بط جرحه لكونه وليًّا عليه أنه لا يحرم، والصحيح الأول؛ لعموم الأخبار. فرعان: أحدهما: المكره على قتل مورثه لا يرثه، وإن قلنا: لا ضمان عليه؛ لأنه آثم، وقيل: يرثه. الثاني: لو شهد على مورثه بما يوجب القتل قصاصاً أو حدًّا، وقتل بشهادته، ففي إرثه الخلاف المذكور فيما إذا قتله قصاصاً، ولو شهد على إحصانه، وشهد غيره بالزنى فهل يحرم شاهد الإحصان؟ قال ابن اللبان وآخرون: فيه مثل هذا الخلاف. قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه طريقة قاطعة بأنه لا يحرم، ولو زكى [الوارث] شهود الزنى ففيه الخلاف. قال: ولا يرث أهل ملة من [غير] أهل ملتهم – أي كالمسلمين من الكفار – لما روي عن أسامة بن زيد [أن النبي] ﷺ قال: "لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ولا فرق في ذلك بين

стр. 6094

القريب والمعتق، ولا بين أن يسلم قبل القسمة أو يستمر على كفره. قال الشيخ أبو محمد: "والفرق بين الميراث حيث لا يرث المسلم من الكافر، وبين النكاح حيث يجوز له نكاح بعض الكفار – وأن التوارث مبني على الموالاة والمناصرة، ولا موالاة بين المسلم والكافر بحال، ومواصلتنا لهم نوع تشريف لهم؛ فاختص بمن له أصل في الإحرام وهم أهل الكتاب. قال: وإلا الكفار؛ فإنه يرث بعضهم من بعض مع اختلاف الملل؛ لأن جميع [الملل] في البطلان كالملة الواحدة، قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]، فأشعر بأن الكفر كله ملة واحدة، ولأن حقن دمهم بسبب واحد فورث بعضهم بعضاً كالمسلمين. وقد حكى عن ابن خيران وغيره تخريج وجه: أن اختلاف الملل يمنع التوارث؛ بناءً على أن الكافر إذا انتقل من دين إلى دين لا يقر عليه، واختاره الأستاذ أبو منصور، ويدل عليه ظاهر قوله ﷺ : "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" والصحيح الأول، والحديث محمول على الإسلام والكفر، ويؤيده أنه جاء في بعض الروايات: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ: لاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"، فجعل الثاني بياناً للأول.

стр. 6095

قال: ولا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي؛ لأن الموالاة انقطعت بينهما؛ فلم يتوارثا كالمسلم مع الكافر. وهذا ما أورده الأكثرون، وهو الصحيح. قال الرافعي: وربما نقل إجماع العلماء عليه، وحكى الإمام وغيره قولاً: أنهما يتوارثان، وبعضهم قال: ولنا قول: أن الذمي يرث من الحربي. والمعاهد والمستأمن كالذمي، أو كالحربي؟ فيه وجهان: أصحهما الأول، والثاني محكي عن ابن سريج. قال: ولا يرث العبد والمرتد من أحدٍ، أما امتناع [إرث] العبد؛ فلأنه لو ورث لكان الملك لسيده، والسيد أجنبي من الميت، فلا يمكن توريثه منه، والمدبر وأم الولد والمكاتب في هذا المعنى كالقن، ومن نصفه حر ونصفه رقيق لا يرث على الصحيح، وقد روي عن ابن سريج أنه ورثه بقدر ما فيه من الحرية، وبعضهم حكى عن المزني أنه خرجه قولاً للشافعي [﵁] وبعضهم أثبته مذهباً للمزني، وعلى ذلك جرى الفرضيون، وبعضهم لم يثبت ذلك تخريجاً منه ولا مذهباً له، وما قاله بعد نقله عن الشافعي [﵁] أننصف العبد إذا كان حرًّا يرث أباه إذا مات، والقياس على قوله: إنه يرث إنما قصد بهذا الكلام الاحتجاج على انه لا يورثن أي: لو ورث لورث، ثم على قول التوريث لو مات الحر وخلف ابناً نصفه حر وأخاً حرًّا، كان لابنه النصف ولأخيه النصف، ولو خلف اثنين نصفهما حر ففي مالهما قولان حكاهما الماوردي لأصحابنا تخريجاً على مذهبه: أحدهما: النصف أيضاً. والثاني: الكل. وأما امتناع إرث المرتد؛ فلأنه لا سبيل إلى أن يرثه مرتد مثله لما ذكرناه، ولا مسلم؛ لخبر أسامة، وانقطاع الموالاة بينهما، ولا كافر أصليٍّ؛ لأنه لا يقر
следующие страницы →