← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

فروع: لو قال: إن أعطيتني عبداً مغصوباً فأعطته [فهو كالمخالعة على المغصوب، وقد تقدم. ولو قال: إن أعطيتني خمراً فأعطته] بانت، ووجب مهر المثل، فلو كانت مغصوبة بأن كانت محترمة، فإن قلنا في العبد المغصوب: إنه يقع، [فهنا أولى. وإن قلنا: لا يقع]، فهنا وجهان: أظهرهما: الوقوع. ولو قال: إن أعطيتني حرّاً، فأنت طالق، فأعطته؛ فهو كما لو ذكر الخمر. وفيه وجه: أنه يقع رجعيّاً، وادعى الغزالي [أنه الظاهر]. قال: وإن خالعها على عبد موصوف في ذمتها- أي: بصفات السَّلَم- فأعطته معيباً، بانت- أي: بالقبول- لا بالإعطاء؛ لتمام عقد النكاح، وله أن يرد، ويطالب بعبد سليم؛ كما في السلم. قال: وإن قال: إن أعطيتني عبداً من صفته كذا وكذا أي: وذكر صفات السلم-[فأنتِ طالق] فأعطته- أي: على الفور عبداً على تلك الصفة، بانت؛ لوجود الصفة. قال: وإن كان معيباً، فله أن يرده؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، ويرجع بمهر المثل في أحد القولين، وهو الأصح، وبقيمة العبد- أي: سليماً- في القول الآخر، وهما مبنيان على أن بدل الخلع في يد الزوجة مضمون ضمان عقد أو ضمان يد، وفيه خلاف تقدم نظيره في الصداق، وليس للزوج المطالبة بعبد سليم- كما في المسألة قبلها- لأن هناك العبد ثبت في الذمة؛ فأشبه المسلم فيه، وهنا لم يلزمه في ذمتها، وإنما هو علق الطلاق بتسليمه؛ فتعين بالتسلم، وصار كالمعين في العقد. وفي كتاب الحناطي حكاية وجه: أنه لا يرد العبد بالعيب، بل يأخذ أرش العيب، والمذهب الأول. فإن قيل: الإطلاق إما أن يقتضي السلامة عن العيب أو لا، فإن لم يقتضه، وجب ألَّا يرد، وإن اقتضاه وجب ألَّا يقع [الطلاق]؛ لأن

стр. 6547

المعيب غير المعلق عليه. ويورد السؤال من وجه آخر، وهو أن السيد إذا رد النجوم بالعيب يرتفع العتق، ومقتضاه أن الزوج إذا رد العبد بالعيب أن يرتفع الطلاق؛ لأن كلّاً منهما معلق بالإعطاء. [وجواب هذا]: أن المغلب على الكتابة الصحيحة حكم المعاوضة؛ ولهذا [لو كاتبه على مال فأبرأه منه عتق، والمغلب على الخلع حكم التعليق؛ ولهذا] لو علق الطلاق على مال في ذمتهان ثم أبرأها منه لم تطلق، بل نظير الخلع الكتابة الفاسدة. فرع: لو قال: إن أعطيتني عبداً من صفته كذا، فأنت طالق، ولم يستوعب صفات السلم، فهو كما لو أطلق ذكر العبد في أن الرجوع إلى مهر المثل، لكنها لو أعطته عبداً على غير تلك الصفة؛ لم يقع الطلاق. قال: وإن قال: [إذا] أعطيتني هذا العبد فأنت طالق، فأعطته وهي تملكه- بانت؛ لما تقدم، فإن كان معيباً، فله أن يرده، ويرجع بمهر المثل في أحد القولين، وهو الأصح، وبقيمته- أي: سليماً- في القول الآخر؛ كما في نظيره في الصداق. وحكى ابن الصباغ والمتولي عن [ابن] أبي هريرة: أنه يجيء على القول القديم: [أنه لا] يرده، بل يرجع بالأرش؛ وهذا يناظر ما حكيناه في الصداق عن أبي حفص بن الوكيل، لكنه لم يخصص بما إذا كان العيب حادثاً بعد العقد؛ فيشبه أن يكون هنا كذلك؛ لكن إيراد المتولي يقتضي التعميم. قال: وإن أعطته عبداً وهي لا تملكه، بانت؛ لأنها أعطته ما عينه. وقيل: لا تطلق؛ كما لو خالعها على عبد غير معين، فأعطته عبداً مغصوباً. قال: وليس بشيء؛ لأن هناك أطلق العقد؛ فحمل على ما يقتضيه العقد، وهو دفع عبد يملكه، وهنا عينه صريحاً؛ فتعلق بعينه. وشبه [في الشامل والتتمة الوجهين بالوجهين فيما إذا أذن لوكيله في شراء عبد بعينه، فاشتراه ثم] اطلع على عيب به- في أن الوكيل هل [له] الرد؟ -

стр. 6548

قال: وإن خالعها على ثوب- أي: معين- على أنه هروي، فخرج مرويّاً، بانت وله الخيار بين الرد والإمساك. الهروي- بفتح الهاء والراء-: منسوب إلى هراة: مدينة معروفة بخراسان. والمروي- بفتح الميم وإسكان الراء- منسوب إلى مرو: مدينة معروفة بخراسان، ينسب إليها- أيضاً- مروزي. والهروي والمروي نوعان من القطن. والدليل على ما ادعاه الشيخ: أن ذلك اختلاف وصف في العوض، واختلاف الوصف لا يمنع صحة العقد، بل يثبت الخيار، كما في البيع. وفي شرح مختصر الجويني وجه: أنه إذا كانت قيمة المروي أكثر، أو لم يكن تفاوت، فلا يرد؛ لأن الجنس واحد، ولا نقصان، والظاهر الأول. قال أبو الفرج السرخسي: وهذا على قولنا: إن اختلاف الصفة لا ينزل منزلة اختلاف العين، وفيه قولان ذكرناهما في النكاح، فإن نزلناه منزلة ختلاف العين، فالعوض فاسد، وليس له إمساكه، ويرجع إلى مهر المثل، أو بدل الثوب إن كان هرويّاً؛ على اختلاف القولين. قلت: وما قاله من أن اختلاف الصفة كاختلاف العين مذكور في الزوجين؛ لأن الوصف فيهما يقوم مقام الرؤية، فإذا اختلف الوصف، كان بمنزلة ما لو رأى عيناً، وعقد على غيرها. وأما بدل الخلع، فهو بالبيع أشبه، ولم نعلم خلافاً فيما إذا اشترى عبداً، وشرط أنه تركيٌّ، فخرج غير تركي: أنه يبطل البيع، بل المنقول ثبوت الخيار.

стр. 6549

فرع: إذا وجد به عيباً بعد تلفه، أو بعد تعيبه في يده، ولم يمكن الرد، فيرجع بقدر النقصان من مهر المثل في أصح القولين، وبقدر ما انتقص من القيمة في الثاني. قال: وإن خرج كتاناً بانت، ويجب رد الثوب. الكتان: بفتح الكاف. ووجه رد الثوب: أن الكتان جنس، والقطن جنس، واختلاف الجنس كاختلاف العين؛ بخلاف الهروي والمروي؛ فإنهما جنس واحد. ولأن الثوب إذا خرج كتاناً، ظهر أن رؤيته لم تحط بالمقاصد؛ فكأن لا رؤية، والرؤية شرط. ووجه حصول البينونة: أن فسادالعوض، لا يوجب فساد الخلع؛ كما إذا خالع على مجهول. قال: ويرجع إلى مهر المثل في أحد القولين، وغلى قيمته- أي: لو كان هرويّاً- في القول الآخر، ولا يخفى توجيههما مما تقدم. وقيل: هو بالخيار بين الإمساك والرد؛ كما لو خرج مرويّاً؛ إذ العين واحدة، وإنما اختلفت الصفة؛ وهذا ما أجاب به في التهذيب. وقال في التتمة: الخلاف في هذه المسألة مبني على ما إذا قال: بعتك هذه البغلة، فإذا هي فرس، هل يصح البيع؟ وفيه خلاف. فإن صححناه فهو كاختلاف الصفة، وإلا فسدت التسمية. ولو قالت: خالعني على هذا الثوب؛ فإنه هروي؛ فخالعها عليه، فخرج مرويّاً- فالحكم كما تقدم؛ لأنها غرته. ولو قال: خالعتك على هذا الثوب، وهو هروي فبان خلافه- فلا رد؛ لأنه لا تغرير من جهتها [ولا اشتراط، وكذلك] لو قال: خالعتك على هذا الثوب الهروي؛ وهذا بخلاف ما لو قال: إن أعطيتني هذا الثوب وهو هروي، فأنت طالق، فأطته، وبان مرويّاً- فإنه لا يقع الطلاق.

стр. 6550

ولو قال: إن أعطيتني هذا الثوب الهروي، [فأعطته] وبان مرويّاً، فإن في وقوع الطلاق وجهين عن القاضي الحسين. ولو قالت لزوجها: هذا الثوب هروي، فقال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق، فأعطته، وبان مرويّاً. قال في "التتمة": ينبني ذلك على المتواطأ عليه قبل العقد، هل هو كالمشروط في العقد؟ إن قلنا: نعم؛ لم يقع الطلاق، وإلا وقع، وليس له إلا الثوب؛ وهذا البناء فيه نظر؛ فإن المنقول عن الأصحاب في مسألة تناظر هذه المسألة من الحكم ما يفهم منه: أن هذا ليس من قبيل الشروط، وذلك أنهم قالوا: لو دفع إلى خياط ثوباً، وقال له: إن كان يكفيني هذا قباء فاقطعه، فقطعه، فلم يكفه- وجب عليه الأرش. ولو قال: أيكفيني هذا قباء؟، فقال: نعم، فقال: اقطعه فقطعه، فلم يكفه- فلا شيء عليه، وكان مقتضى ما قاله في التتمة: أن يخرج ذلك على الشرط السابق؛ إذ جرى منه إخبار قبل القطع، [كما جرى منها إخبار قبل العقد]. ولو خالعها على ثوب هروي في الذمة، وقبلت، ثم دفعت إليه مرويّاً، فرضيه، وأراد إمساكه، فينبني على أن الزبيب الأبيض هل يؤخذ في السلم عن الأسود؟ فإن قلنا: يجوز، فكذلك ها هنا، وإن قلنا: لا يجوز؛ فلا يجوز الإمساك ها هنا من

стр. 6551

غير معاقدة، فإن تعاقدا، وقالت: جعلته بدلاً عما في ذمتي، فينبني على أن الصداق في اليد مضمون ضمان عقد، أو ضمان يد؟ إن قلنا بضمان اليد؛ فيجوز. وإن قلنا بضمان العقد؛ فعلى القولين في جواز الاستبدال عن الثمن في الذمة، كذا حكاه الرافعي في آخر الباب. قال: وإن قالت: طلقني ثلاثاً على ألف، أي: وهو يملك عليها الثلاث- فطلقها طلقة، استحق ثلث الألف؛ أي: سواء أعاد ذكر المال، أو اقتصر على الطلاق؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة مشبهة بالجعالة، ولو قالت: رد عليّ عبيدي الثلاثة ولك ألف، فرد واحداً؛ استحق ثلث الألف؛ فكذلك ها هنا، وليس كما لو قال الزوج ابتداء: طلقتك ثلاثاً على ألف، فقالت: قبلت واحدة بثلث الألف، فإنه لا يقع الطلاق؛ لأن الخلع من جانبه تعليق فيه شائبة المعاوضة، ومن شرط الوقوع بالتعليق حصول الصفة المعلق عليها، ومن شرط المعاوضة أن يوافق الإيجاب القبول، ولم يتحقق واحد من الشرطين. نعم: لو قبلت واحدة بألف، استحق الألف، ووقعت طلقة. وقيل: الثلاث، وهو اختيار القفال، والصحيح في النهاية. وقيل: لا يقع شيء. وحكى أبو الفرج السرخسي في مسألة الكتاب: أنه إذا لم يُعد ذكر المال، يكون الطلاق رجعيّاً. وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنها إذا سألت الثلاث، فطلق واحدة؛ لم يقع شيء وغلط ناقله. وحكى الحناطي وجهاً: أنه يرجع عليها بمهر المثل، والمذهب الأول. ولو طلقها طلقة ونصفاً، فهل يستحق ثلثي الألف؛ لوقوع طلقتين، أو نصف الألف؛ لأنه أوقع نصف الثلاث والتكميل من الشرع؟ فيه وجهان. ومثل هذا الخلاف ما إذا قالت: طلقني بألف، فقال: طلقت نصفك،

стр. 6552

فهل يستحق الألف؟ ينبني على أنه هل يقع على النصف، ثم يسري، أو يقع على جملتها؟ [فإن قلنا بالثاني، استحق الالف]، وإن قلنا بالأول، وجب ألَّا يستحق إلا نصف الألف؛ كما لو قالت: طلقني ثلاثاً، فطلقها واحدة، يستحق بالقسط؛ كذا حكاه الرافعي في آخر الباب. أما إذا لم يملك عليها إلا واحدة، فسألته أن يطلقها ثلاثاً، فطلقها واحدة، استحق جميع الألف، سواء كانت عالمة بما بقي من عدد الطلاق، أو جاهلة؛ لأنه حصل بهذه الطلقة مقصود الثلاث، وهي الحرمة الكبرى؛ هذا نصه في المختصر، وهو الذي ذكره القفال، والشيخ أبو علي، وأكابر الأئمة. وقال المزني: ينبغي ألَّا يستحق إلا ثلث الألأف؛ توزيعاً للمسمى على العدد المسئول؛ كما لو كان يملك الثلاث فطلق واحدة، والحرمة لا تثبت بتلك الطلقة، وإنما تثبت بها وبما قبلها؛ فيكون حكمها حكم الثانية والأولى؛ كما قال الشافعي: [السكر] لا يحصل بالقدح الأخير، بل به وبما قبله؛ فيكون حكمه حكم ما قبله في التحريم، ووافقه على ذلك بعض الأصحاب. وقال أبو إسحاق وابن سريج: إن كانت المرأة عالمة بأنه لم يبق إلا واحدة، استحق تمام الألف، وإن لم تعلم؛ وجب أن يوزع؛ وهذا اختيار الروياني. ونقل الحناطي وجهاً: أن المسمى يبطل، ويرجع الزوج على مهر المثل. ووجهاً: أنه لا شيء له؛ لأنه لم يطلق كما سألت؛ فتحصلنا على خمسة أوجه. ولو سألت الثلاث على ما صورنا، وهو لا يملك إلا طلقتين، فطلقها واحدة، فله ثلث الألف؛ على النص والتخريج الذي ذكره المزني. وعلى الوجه الفارق: إن جهلت فكذلك، وإن علمت فله النصف؛ توزيعاً على الطلقتين. وإن طلقها طلقتين؛ فعلى النص يستحق جميع الألف. وعلى ما قاله المزني يستحق الثلثين.

стр. 6553

وعلى الوجه الفارق، يستحق الجميع إن علمت، والثلثين إن جهلت. وزاد الحناطي وجهاً رابعاً، وهو الرجوع إلى مهر المثل. وخامساً: وهو أن لا شيء له. وسادساً: وهو أن له ثلثي مهر المثل. والضابط على النص العدد المسئول: [إن ملك الزوج كله، وأجابها؛ فله المسمى، وإن أجابها إلى بعضه؛ فله قسطه بالتوزيع وإن استحق المسمى. وإن كان يملك بعض المسئول]، فإن تلفظ بالمسئول، أو حصل مقصودها بما أوقع، استحق المسمى، وإلا وزع المسمى على العدد [المسئول] واستحق ما يقتضيه التوزيع. وعلى ما ذكره المزني: التوزيع على المسئول أبداً. وكذا الحكم على الوجه الفارق في حالة الجهلن وفي حالة العلم التوزيع على المملوك من الطلاق دون المسئول، فلوك ان يملك ثلاث تطليقات، فقالت له: طلقني ستّاً، فعلى النص والتخريج يستحق بالواحدة السدس وبالاثنتين الثلث، وإن طلقها ثلاثاً، استحق الجميع على النص، والنصف على تخريج المزني، وأما على الوجه الفارق فله بالواحدة الثلث وبالاثنتين الثلثان، وبالثلاث الجميع وعلى هذا فقس. فرع: لو قالت: طلقني ثلاثاً على ألف، فقال: أنت طالق ثلاثاً: واحدة بألف، وثنتين مجاناً، وقعت الأولى بثلث الألف، ولا تقع الأخيرتان. قال الإمام: والقياس الحق: ألَّا يجعل كلامه جواباً [عن سؤالها]؛ لأنها سألت كل واحدة بثلث الألف، وهو لم يرض إلا بالألف، وإذا لم يوافق كلامه سؤالها كان مبتدئاً بما قال، وإذا لم يقبل، وجب ألَّا يقع، وإذا لم تقع تلك الواحدة، وقعت الأخيرتان رجعيتين، وتابعه الغزالي وغيره على ما ذكره الرافعي، ثم قال: وهو حسن، والأول بعيد، وأبعد منه ما في التهذيب: أنه تقع الواحدة

стр. 6554

بالألف، ولا تقع الأخيرتان، والله أعلم. قال: وإن قالت: طلقني طلقة، فطلقها ثلاثاً [يستحق الألف]؛ لأنه فعل ما طلبته وزيادة، فأشبه ما لو قال: رد عبدي فلاناً، ولك كذا)، فرده مع [عبدين آخرين]؛ وهذا بخلاف ما لو قال: بعني هذا العبد بألف، فقال: بعتكه بألف مع هذين العبدين- فإن الظاهر بطلان البيع؛ لأن تمليكه العبدين الآخرين من غير رضاه لا سبيل إليه، وإيقاع الطلقتين الأخيرتين يستقل به الزوج. على أن الحناطي حكى في مسألة البيع وجهين آخرين: أحدهما صحة البيع في الجميع. والثاني: صحته في المسئول خاصة. ثم الألف الذي يستحقه الزوج في مقابلة الثلاث، أو في مقابلة واحدة منها؟ فيه اختلاف للأصحاب، ولا يتعلق به فائدة حكمية؛ وهذا [فيما] إذا لم يُعد ذكر الألف في الجواب، فإن أعاد فقال: طلقتك ثلاثاً بألف؛ ففيه أوجه: أظهرها: أن الحكم كما لو لم يُعِد. والثاني: عن القفال أنه يقع الثلاث، ولكن لا يستحق إلا ثلث الألف؛ لأنه جعل الألف في مقابلة الثلاث، وهي لم تسأل بالعوض إلا واحدة، وحصة الواحدة ثلث الألف. والثالث: أن إعادة الألف تصريح بالتوزيع، ومقابلة كل طلقة بثلث الألف؛ فلا يقع شيء. والرابع: أنه يقع واحدة بثلث الألف، والأخيرتان لا تقعان. قال الرافعي: وحق هذه الوجوه أن تطرد فيما إذا لم يعد ذكر الألف؛ لأن قوله: أنت طالق ثلاثاً: إما أن يكون جواباً عن سؤالها؛ فتقدير الألف عائد فيه، أو لا يكون كذلك. فإن كان الثاني، وجب أن تطلق ثلاثاً، ولا يلزم شيء من المال. وإن كان الأول؛ فأي فرق بين أن يذكره لفظاً، أو لا يذكره، والمعنى واحد.

стр. 6555

ولو قالت: طلقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق بخمسمائة؛ وقع الطلاق على أصح الوجهين، وفيما يستحقه وجهان: الأصح: [أنه] خمسمائة، وهو ما أجاب به في التتمة. والثاني: جميع الألف. واعلم أن ما ذكرناه فيما إذا خالف إما بالزيادة على ما سألت أو بالنقصان، أما إذا خالف اللفظ، بأن قالت له: طلقني على ألف، فقال: خالعتك أو حرمتك أو أبنتك على ألف، ونوى الطلاق- صح الخلع. وقال أبو علي بن خيران: لا يصح؛ لأنها سألت الطلاق بالصريح، فأجاب بالكناية؛ وهذه المسألة تناظر ما إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: اخترت، ونوت، وسيأتي. وإن قال: خالعتك، ولم ينو الطلاق، وقلنا: إن الخلع فسخ، لا تقع الفرقة. وأما إن قلنا: إنه طلاق فلا يخفى الحكم. ولو قالت: [اخلعني]، فقال: طلقتك، وقلنا: إن الخلع فسخ؛ ففيه وجهان في المهذب: المذهب منهما: الصحة؛ لأنه حصل لها ما طلبت وزيادة. والثاني: لا يقع؛ لأنه أجابها إلى غير ما طلبت. وإن قلنا: إنه كناية؛ فلابد من نيتها. وفي "التتمة" تخصيص الوجهين بما إذا قال الزوج: طلقتك على ألف، أما إذا قال: طلقتك، ولم يذكر المال، فوجهان ينبنيان على الصورة الأولى، فإن قلنا عند ذكر العوض: تقع الفرقة، فها هنا يجعل مبتدئاً وتقع طلقة رجعية. وإن قلنا عند ذكر العوض: لا يقع الطلاق، فكذلك ها هنا. قال: وإن وكلت المرأة في الخلع- أي: وأطلقت- لم يخالع الوكيل على أكثر من مهر المثل؛ كما لو قال: اشتر لي هذا، وأطلق؛ فإنه ينصرف إلى ثمن المثل. ويجوز أن يخالع على دون نقد البلد، وعلى قدر مهر المثل مؤجلاً، ودون مهر المثل؛ لأن ذلك زيادة خير. ولو زاد على مهر المثل، ففي المهذب والشامل حصول البينونة والرجوع

стр. 6556

إلى مهر المثل. وفي تعليق الشيخ أبي حامد حكاية قول أن لها الخيار: إن شاءت فسخت المسمى، وكان عليها مهر المثل، وإن شاءت سلمت ما سمى الوكيل. وفي الرافعي: أن حكمه حكم ما لو قدرت له العوض، فزاد عليه، إلا في استحقاق [أكثر] الأمرين. قال: فإن قدرت له العوضن فزاد عليه- أي: وأضاف الوكيل الخلع إليها- وجب مهر المثل في أحد القولين أي: سواء [زاد [على] ما قدرته، أو نقص؛ لأنه تعذر إيجاب المسمى؛ لعدم الرضا به؛ فصار كما لو تعذر إيجابه؛ لجهله؛ وهذا هو الأصح والمنصوص عليه في الإملاء. قال: ويجب في الثاني أكثر الأمرين من مهر المثل [أو] القدر المأذون فيه- أي: ما لم يزد مهر المثل على ما سماه الوكيل؛ لأن مهر المثل إن كان أكثر فهو الذي يرجع إليه عند فساد التسمية، وإن كان الذي سمته أكثر، فهي قد رضيت به؛ وهذا نصه في الأم. أما إذا كان مهر المثل زائداً على ما سماه الوكيل، لم تجب الزيادة على ما سماه الوكيل؛ لأن الزوج قد رضي به وكما تؤاخذ برضاها يؤاخذ برضاه. مثال ذلك: إذا قدرت مائة، وسمي الوكيل مائتين، ومهر مثلها تسعون- فالواجب على القول الأول: تسعون. وعلى [القول] الثاني: مائة. ولو كان مهر المثل مائة وخمسين؛ فالواجب مائة وخمسون على القولين. ولو كان مهر مثلها ثلاثمائة؛ لم يجب على القول الثاني إلا مائتان. وقد حكي [في المسألة] قول ثالث: أن المرأة بالخيار: إن شاءت أجازت بما سماه الوكيل، وإن شاءت ردت، وعليها مهر المثل، وقد حكيناه من قبل عن رواية أبي حامد. وعلى الأقوال كلها: لا يطالب الوكيل بشيء إلا أن يقول: على أني ضامن؛ فيطالب بما سماه، وإذا أخذه الزوج منه؛ ففي التهذيب: أنه لا يرجع عليها

стр. 6557

[إلا] بما سمت. وقال الرافعي: ويجيء فيه قول آخر: أنه يرجع بالواجب عليها، وهو مهر المثل، أو أكثر الأمرين منه ومما سمت، [على اختلاف] القولين السابقين. وفي المجرد للحناطي حكاية قول أنه لا أثر لهذا الضمان. وفي الذخائر: أن أبا العباس بن سريج قال: إنه يضمن الزيادة على مهر المثل عند عدم الضمان. أما إذا أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه، فهو خلع أجنبي، والمال عليه. وإن أطلق، فعلى الوكيل ما سماه؛ لأن الظاهر أن العقد وقع على مال نفسه، فهو بمثابة ما لو اشترى لموكله ما لم يأذن له فيه، ولم يسم الموكل؛ هذه طريقة العراق. وقال الخراسانيون: الخلع صحيح، وعلى الوكيل ما سماه، وفيما عليها منه قولان: أصحهما: أن عليها ما سمت، والزيادة على الوكيل، ويرجع الوكيل عليها عند الغرم بما سمت. والثاني: أن عليها أكثر الأمرين من مهر المثل أو ما سمت، فإن بقي من أكثرهما شيء إلى ما سمي الوكيل فهو [عليه]، وإن زاد مهر المثل على ما سماه الوكيل، لم تجب [تلك] الزيادة. وإذا خالف الوكيل في جنس العوض، مثل: أن تقول: اخلعني بالدراهم، فيخالع بالدنانير، أو توكله بالاختلاع على ثوب دفعته إليه، فيخالع على دراهم- فعن القاضي الحسين: أنه ينصرف الاختلاع عنها؛ حتى يلغو إن أضاف إليها، ويقع عن الوكيل إن أطلق؛ بخلاف ما إذا خالف في القدر؛ فإنه إذا زاد على ما قدرته، فقد أتى على ما أمرت به وزيادة. قال الرافعي: والأظهر- وهو المذكور في التهذيب-: أنه تحصل البينونة [لما مر في مخالفة القدر، ثم ينظر: إن أضاف الخلع إلى مالها، ولم يقل: أنا ضامن؛ فالرجوع عليها بمهر المثل

стр. 6558

في أصح القولين، وبالأكثر من مهر المثل وقدر ما سمته في القول الثاني. وإن قال: وأنا ضامن، أو لم يضف العقد إليها، فلا رجوع إلا بقدر ما سمت. واعلم أن جميع ما ذكرناه مفرع على حصول البينونة] وهو لانص، ووراءه أمران آخران: أحدهما: قال المزني: لا يقع الطلاق؛ كما لو خالف وكيل الزوج؛ فنقص عن المقدر. وفيما علق عن الإمام: أن ما ذكره [قول] مخرج عن أصل الشافعي. قال: وأرى [أن] كل اختيار له يجري فإنه لا يخالف أصول الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد؛ فإنهما يخالفان أصول صاحبهما. وفرق الأصحاب بين ما قاله المزني وبين المسألة المستشهد بها: بأن الخلع من جانب الزوج نازع إلى التعليق؛ فكأنه علق الطلاق بذلك القدر، فإذا نقص الوكيل، لم تحصل الصفة، وجانب الزوجة بخلافه. الثاني: حكى الحناطي في المجرد [قولاً آخر] أنه يقع الطلاق، ولا يلزمها شيء، ولا الوكيل، ولا يخفى التفريع عليهما. قال: وإن خالع على مهر فاسد- أي: بأن سمي خمراً، أو خنزيراً- وجب مهر المثل- أي: سواء أطلقت التوكيل، أو سمت الفاسد- لأن المسمى سقط؛ فوجب مهر المثل. قلت: ويتجه أن يجري فيه الوجه السابق المحكي فيما إذا خالعت على خمر أو خنزير: أن الواجب بدل ذلك. أما إذا سمت عوضاً صحيحاً، فخالع على غيره، وأضاف الخلع إليها- فإن الفرقة لا تحصل، وقضيته: أن يطرد هنا بطريق الأولى. أما إذا قلنا: تحصل الفرقة عند المخالفة في الجنس؛ فيتجه أن يكون ها هنا كذلك؛ كما عند الإطلاق، وقد أومأ في الذخائر إلى شيء من ذلك.

стр. 6559

وعلى المذهب: الفرق بين ذلك، وبين ما إذا خالع وكيل الزوج على خمر أو خنزير؛ حيث لا يقع الطلاق-: أن وكيل الزوج يوقع الطلاق بالخمر والخنزير، وهو [غير] مأذون فيه، ووكيل المرأة لا يوقعه، وإنما يقبله، فإذا فسد العوض يرجع إلى مهر المثل، وصار كما لو فعلت هي وهو [غير] مأذون فيه، ومفهومه: أنه إذا أذن فيه الزوج يقع الطلاق، وقد صرح به الرافعي. وفي التتمة: أن الفرقة [لا تقع] في هذه الصورة- أيضاً- لأن الخلع فيه معنى التعليق والمعاوضة، فإن راعينا جهة التعليق؛ فحكمه حكم اليمين؛ فلا يصح التوكيل فيه. وإن راعينا جهة المعاوضة، فالتوكيل في المعاوضة الفاسدة لا يصح. واعلم أن هذا كله فيما إذا أضاف الوكيل الخلع إليها، أما إذا أضافه إلى نفسه، فالبينونة حاصلة، وعليه مهر المثل. وفي الحاوي: أن في وقوع الطلاق وجهين. وإذا قلنا بالوقوع، فهل يجب مهر المثل؟ فيه وجهان؛ هكذا في الذخائر قيد النقل عنه. وفي ابن يونس حكاية الخلاف عنه من غير تقييد بإضافة الخلع إلى نفسه. ثم حكاية الوجهين في وجوب مهر المثل يجوز أن يكون [الوجه المقابل] للوجوب منهما: أن الواجب بدل الخمر أو الخنزير؛ كما تقدمت حكايته في خلعه عليهما. ويجوز أن يكون لا يجب شيء أصلاً؛ فيكون الطلاق رجعيّاً، وهو ما حكيناه عن صاحب التهذيب عند الكلام في الخلع على البدل الفاسد، بخلاف الزوجة، والفرق بينهما ما حكيناه [ثم] عنه. واعلم أن قول الشيخ: مهر فاسد، صوابه: عوض فاسد؛ إذ لا مدخل للمهر في الخلع. ويجوز أن يجاب عنه بأنه لما قرر أن ما جاز أن يكون صداقاً، جاز أن يكون عوضاً في الخلع، وما لا يجوز [أن يكون] صداقاً لا يجوز أن يكون عوضاً في

стр. 6560

الخلع- جرى هنا على ما قرره من قبل. قال: وإن وكل الزوج في الخلع- أي: وأطلق- فنقص عن مهر المثل، [أي: أو ذكر فيما سمي أجلاً، أو عاقد على غير نقد البلد- وجب مهر المثل] في أحد القولين؛ لأن الخلل وقع في العوض؛ فلا يريد به الطلاق، ويجب مهر المثل؛ كما لو خالعها الزوج على عوض فاسد؛ وهذا نصه في الإملاء، وهو الصحيح عند النووي والجيلي. قال: وفي القول الآخر الزوج بالخيار بين أن يقر الخلع على ما عقد وبين أن يترك العوض، ويكون الطلاق رجعيّاً؛ لأن الطلاق مأذون فيه، وقد وقع؛ فلا يمكن رفعه، ولا يمكن إجبار الزوج على المسمى؛ لأنه دون ما يقتضيه الإذن، ولا يمكن إجبارها على مهر المثل؛ لأنه فوق ما رضيت به؛ فخير بين الأمرين؛ لزوال الرر عنهما بقدر الإمكان. وقال في التهذيب والجيلي: وهذا مخرج من وقف العقود، وهو قوله القديم. وهذا فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن هذا القول منصوص عليه في الأم، والأم من الجديد. والثاني: أن قضيته: أنه إذا أراد ألا يقع الطلاق؛ كما لو طلق الفضولي، وليس هذا القول كذلك. وحُكي في المسألة قولان آخران. أحدهما: أنه بالخيار بين مهر المثل والمسمى. والثاني: أنه بالخيار بين أن يرضى بالمسمى، أو يرد الطلاق. قال في الذخائر: قال أصحابنا: وكأنه يشير بذلك إلى صاحب البسيط، وقد صرح به الرافعي عنه، [ويكاد] أن يكون هذا مبنيّاً على القول بوقف العقود. ويحتمل أن يكون هذا في الطلاق خاصة؛ لأنه يحتمل التعليق على الأغرار والأخطار، بخلاف البيع، ولكن يلزم على هذا [اتفاق] طلاق الفضولي.

стр. 6561

ووجهه: أن الطلاق وقع منوطاً بعوض، فإذا بطل العوض؛ بطل الطلاق المعلق عليه. وفي الوسيط: أنه لا ينبغي أن يؤخذ هذا من وقف العقود، بل مأخذه أن لفظه عام، وله أن يقول: أردت [به] مهر المثل، وعلامة ذلك ألَّا يرضى بالمسمى، فإن رضي بالمسمى، فكأنه أراد ذلك بالعموم. واعلم أن صورة المسألة أن يقول: وكلتك بخلع زوجتي أو يخالعها، ولا يقدر مالاً؛ إن قلنا: إن مطلق الخلع يقتضي المال، وإن قلنا: لا يقتضيه، فيشترط أن يقول: خالعها بمال. قال: وإن قدر البدل، فخالع بأقل منه، أو على عوض فاسد، لم يقع الطلاق، [وكذا] إذا خالع على غير جنس المسمى، أو ذكر فيما سمي أجلاً- لم يقع الطلاق؛ وهذا ما حكاه في التهذيب. ووجهه: أنه طلاق أوقعه على غير الوجه المأذون فيه؛ فلم يقع كما لو وكله في إيقاع الطلاق في يوم، فأوقعه في يوم قبله. والفرق بين هذه الصورة والصورة التي قبلها: أن النقصان عن القدر مخالفة لصريح لفظه، فلا يكون المأتي به مأذوناً فيه، والنقصان عن مهر المثل لا يخالف صريح لفظه، بل اللفظ مطلق يشمل مهر المثل وغيره، وللطلاق قوة وغلبة؛ فعموم اللفظ يقتضي وقوعه، وأثر المخالفة يظهر في العوض. وقيل: ينقل جواب كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما [على] قولين؛ وهذا هو الصحيح في الرافعي، وعند الشيخ في المهذبن والأقيس في الشامل، وأبطل في المهذب الفرق بالوكيل في البيع؛ فإنه لا فرق بين أن يقدر له الثمن فيبيع بأقل منه، وبين أن يطلق فيبيع بما دون ثمن المثل. واتفق الناقلون على أن الأصح من القولين فيما إذا نقص عن المقدر؛ عدم الوقوع، [فأما إذا نقص عن مهر المثل في صورة الإطلاق، فعند البغوي وابن الصباغ ومجلي: الراجح- أيضاً- عدم الوقوع]، وعند باقي العراقيين والقاضي الروياني: الراجح الوقوع، والأول أقوى توجيهاً؛ لما ذكرناه من إلغاء الفارق، ويؤيده أن الزوجة لو

стр. 6562

قيدت الإذن في النكاح بقدر، فنقص عنه الوكيل، لم ينعقد النكاح. ولو أطلقت فزوج الوكيل بدون مهر المثل؛ لم ينعقد على الأصح، والزوج في هذا المقام كالزوجة ثم، وقد تحصل بمجموع ما ذكرناه في كل مسألة خمسة أقوال. فائدتان: إحداهما: يجوز أن يوكل [الزوج] في الخلع العبد والمكاتب والسفيه المحجور عليه، ولا يشترط إذن السيد والولي، وهل يجوز أن يوكل [امرأة؟ فيه وجهان: الأصح منهما الجواز، وسيأتي الكلام في أصلهما في الطلاق. ولا يجوز أن يوكل] المحجور عليه بالقبض، فإن فعل، وقبض؛ ففي التتمة: أن المختلع يبرأ، ويكون الموكل هو المضيع لماله. قلت: وكان ينبغي أن يفصل، فيقال: إن كان العوض معيباً في الخلع، فهو كما قال، وإن كان في الذمة فيخرج على أن الحجر على السفيه يتعدى إلى نفسه، وفيه خلاف تقدمت فوائده: فإن قلنا: يتعدى فقد ألحقناه بالصبي، والصبي لا يعتد بقبضه في مثل ذلك. وإن قلنا: لا يتعدى، فيعتد به. ومثل هذا الخلاف قد حكيناه فيما إذا أذن الولي لزوجة السفيه في إيصال عوض الخلع إليه، وأن الراجح الاعتداد به. ولو وكلت الزوجة بالاختلاع سفيهاً محجوراً عليه، قال في التهذيب: لا يجوز، وإن أذن الولي، فإن فعل وقع الطلاق رجعيّاً؛ كما لو اختلعت المحجورة نفسها؛ وهذا على ما ذكره صاحب التتمة فيما إذا أطلق، أما إذا أضاف المال إليها؛ فتحصل البينونة، ويلزمها المال؛ لأن الحجر على السفيه لدفع الضرر عنه، وليس في قبول الخلع عنها إضرار بالسفيه. وعلى [مقتضى] ما حكاه [الشيخ] في كتاب الوكالة يكون جواب

стр. 6563

صاحب التهذيب على الإطلاق؛ لأنه قال: ومن لا يجوز تصرفه فيما يوكل فيه، لا يجوز توكيله، ولا وكالته. ولو وكلت الزوجة بالاختلاع عبداً، فيجوز: أذن السيد أو لم يأذن؛ إن كان الاختلاع على عين مالها، وإن كان على مالٍ في الذمة؛ نظر: إن أضافه إليها فهي المطالبة، وإن أطلق، فإن لم يأذن السيد في الوكالة، فيطالب بالمال بعد العتق، وإذا غرم رجع على الزوجة إذا قصد الرجوع. وإن أذن في الوكالة تعلق المال بكسبه؛ كما لو اختلعت الأمة بإذن السيد، وإذا أدى من كسبه؛ ثبت الرجوع على الموكلة؛ كذا حكاه الرافعي. قلت: ويتجه في هذا بحثان: أحدهما: أن الزوج إما أن يصدق المختلع على أنه خالع بالوكالة، أم لا: إن لم يصدقه، فالحكم كما ذكر. وإن صدقه فيتجه أن يتخرج على الخلاف في البيع في مثل هذه الصورة في أن الوكيل هل يطالب؟ والثاني: تعلق المال بالكسب فيه نظر؛ لأن إذن السيد في الوكالة إما أن يكون يفيد التصريح بالسفارة أو لا: إن كان الأول، فإذا لم يصرح ينبغي أن يكون حكمه كما لو خالع بغير الإذن، وإن كان قد أطلق الإذن؛ فالإطلاق يحتمل التصريح بالسفارة، ويحتمل الإطلاق، فينبغي أن يحمل على التصريح؛ إذ لو حمل على الإطلاق لاقتضى الوفاء من الكسب الذي هو حق السيد بمقتضى إذنه، وقد بينا أن الإذن يحتملهما فحمل على التصريح؛ لأن الأصل عدم التعليق، والله أعلم. ويجوز أن يكون وكيل الزوجة [والزوج] كتابيّاً؛ لأن الكتابي قد يخالع المسلمة، ويطلقها؛ ألا ترى أن المرأة لو أسلمت، وتخلف الزوج، فخالعها في العدة، ثم أسلم، يحكم بصحة الخلع؟ الفائدة الثانية: هل يجوز أن يتولى [الوكيل] الواحد طرفي الخلع؟ ينبني على أنه هل يتولى الوكيل الواحد طرفي البيع؟ وفيه خلاف:

стр. 6564

فإن قلنا: يجوز في البيع [فهنا، أولى، وإن قلنا: لا يجوز] فها هنا وجهان: وجه الجواز: أن الخلع يكفي فيه اللفظ الواحد من أحد الجانبين؛ ألا ترى أنه لو قال: إن أعطيتني ألفاً، فأنت طالق، فأعطته، وقع الطلاق، وثبت الخلع، ومقصوده؛ وعلى هذا ففي الاكتفاء بأحد شقي العقد خلاف؛ كما في بيع الأب مال نفسه من ولده. قال: وإذا خالع في مرضه- أي: المتصل بالموت- اعتبر ذلك من رأس المال حابي أو لم يحاب؛ لأنه يملك أن يطلق مجاناً، فإذا طلق بعوض، فقد زاد الورثة خيراً. ولأن المحسوب من الثلث هو ما ينقل إلى الورثة بعد الموت إذا تصرف فيه؛ لفواته عليهم، وليس البضع كذلك. قال: وإذا خالعت في مرضها- أي: المتصل بالموت- بمهر المثل، اعتبر ذلك من رأس المال؛ كما لو اشترت شيئاً بثمن المثل. فإن قيل: قد قلتم في خلع المكاتبة: إنه تبرع، وقضيته: أن يعتبر من الثلث وإن كان بمهر المثل أو أقل. فالجواب: أن باب التصرف على المريض أوسع، وملكه أتم؛ ألا ترى أن له أن يصرف ماله في ملاذه وشهوته، وأنه يجوز له نكاح الأبكار وإن لم يقدر على الاستمتاع بهن، والمكاتب لا يتصرف إلا بقدر الحاجة؛ فينزل الخلع في حق المكاتبة منزلة التبرعات؛ لأنه من قبيل قضاء الأوطار الذي منع منه المكاتب دون المريض. قال: وإن زادت على مهر المثل، اعتبرت الزيادة من الثلث؛ إذ لا يقابلها بدل؛ فأشبهت الهبة، فإذا اختلعت بعبد قيمته مائة، ومهر مثلها خمسون، فقد حابته بنصفه، فإن خرج من الثلث ملك العبد بجملته: نصفه عوضاً، ونصفه بالمحاباة. وحكى الشيخ أبو حامد وجهاً آخر: أن له الخيار بين أن يفسخ العقد فيه، ويرجع إلى مهر المثل، وبين أن يأخذ العبد؛ لأنه دخل في العقد على أن يكون العبد كله عوضاً، ولم يكن.

стр. 6565

وإن لم يخرج من الثلث، بأن كان عليها دين مستغرق، لم تصح المحاباة، والزوج بالخيار: إن شاء قنع بنصف العبد، وإن شاء فسخ، وضارب بمهر المثل. وإن كان لها وصايا أخر، فإن شاء الزوج أخذ نصف العبد، وضارب أصحاب الوصايا في النصف الآخر؛ لأنه فيه كأحدهم، وإن شاء فسخ المسمى، وتقدم بمهر المثل، ولا حق له في الوصية؛ لأن الوصية كانت في ضمن المعاوضة، وقد ارتفعت بالفسخ؛ كذا قاله الرافعي، وفيه نظر؛ وذلك أن الوصايا إن كانت مضافة إلى ما بعد الموت فالتبرع الناجز في المرض مقدم عليها، والمحاباة في هذه المسألة تبرع ناجز. وإن كانت الوصايا منجزة في المرض، فالمقدم منها الأول فالأول؛ فالمضاربة لا وجه لها إلا على تقدير وقوع التبرعات في المرض والخلع دفعة واحدة، وذلك إما متعذر أو متعسر، وإن قدر إمكان وقوعه؛ فلا يحسن الإطلاق لإرادة هذه الصورة مع بُعدِها. قال: وإن اختلف الزوجان في الخلع، فادعاه الزوج، وأنكرت المرأة- بانت؛ مؤاخذة له بقوله، والقول قولها في العوض؛ إذ الأصل عدم وجوبه عليها، وتجب لها النفقة والسكنى إلى انقضاء العدة؛ حكاه الرافعي. قال: وإن قال: خالعتك على ألف، فقالت: [خالعت غيري،- أي]: خالعت أجنبيّاً- بانت، والقول في العوض قولها؛ لما ذكرناه في المسألة قبلها، وليس لها في هذه نفقة؛ لاعترافها بالبينونة. قال: ولو قال: خالعتك على ألف، فقالت: على ألف ضمنه زيد- أي: عني- لزمها الألف؛ لإقرارها؛ إذ الضمان يستدعي تقدم الثبوت؛ وهذا الكلام لا ينفعها؛ لأن ضمان الغير لا يقطع المطالبة عنها. قال: وإن قال: خالعتك على ألف في ذمتك، فقال: على ألف في ذمة زيد-[أي]: التي [لي] عليه- بانت بإقراره، وتحالفا على العوض؛ لأنهما اختلفا في عين العوض؛ فتحالفا؛ كما لو قال: خالعتك على هذه

стр. 6566

الدراهم التي في هذا الكيس فقالت: بل على هذه الدراهم التي في هذا الكيس الآخر. قال: وقيل: يلزمها مهر المثل-[أي]: من غير تحالف- لأن ما في ذمة الغير لا يصح جعله عوضاً؛ لعدم القدرة على تسليمه، والتحالف إنما يشرع إذا ادعى كل واحد منهما عوضاً صحيحاً؛ وعلى هذا لابد من يمينها. قال الشيخ أبو حامد: الخلاف في هذه المسألة مبني على أن ما في ذمة الغير هل يجوز بيعه [من غيره]؟ فإن قلنا بالجواز، تحالفا؛ لما ذكرناه، وهو الأصح عند الشيخ أبي حامد، والمذهب في الشامل، ولم يحك في المهذب سواه، وإن كان قد حكى في بيع ما في ذمة الغير خلافاً، والظاهر منه الصحة. وإن قلنا: لا يجوز؛ فلا تحالف. قال الرافعي: وفي التتمة إذا قلنا: لا يجوز فهي تدعي فساد التسمية، وهو يدعي صحتها؛ فيجيء فيه الخلاف المذكور في نظائره؛ هذا آخر كلامه. واعلم أن قضية هذا البناء أن يكون الصحيح عند الغزالي والرافعي- إن وافقا على البناء-: عدم جريان التحالف؛ إذ الصحيح عندهما عدم جواز البيع. قال: وليس بشيء؛ لما قدمناه من أن الظاهر صحة بيع ما في الذمة. ولو سلمت المرأة أنها خالعته، ولكن قالت: اختلعت بالوكالة عن زيد، وصرحت بالإضافة إليه؛ فالألف في ذمته، قال المراوزة: يتحالفان، ولم يحك في التهذيب سواه. وحكى العراقيون وجهين: أحدهما: أنهما يتحالفان؛ كما ذكره المراوزة. والثاني: أنهما لا يتحالفان؛ لأنها أنكرت أصل الإلزام، والأصل براءة ذمتها؛ فالوجه أن تحلف. قال الإمام: وهذا الوجه متجه منقاس، غير أنهم أفسدوه بالتفريع، فقالوا: لا تحالف، ولكن يلزمها مهر المثل؛ وهذا على نهاية السقوط؛ لأنها إذا صدقت، فكيف تطالب وأثر التصديق أن يثبت الحكم عند النزاع على صفته إذا لم يكن نزاع، ولو صدق الزوج زوجته فيما ادعته من السفارة، لكان لا يلزمها شيء.

стр. 6567

وفي التتمة الجزم بعدم التحالف، وهل القول قولها مع يمينها؛ لأنها تنكر أصل الالتزام؛ فيكون كإنكار أصل العقد فيما يتعلق بها، أو القول قوله مع يمينه؛ لأنها اعترفت بالعقد، وادعت ما يمنع المطالبة وهو بالإضافة إلى غيره، والأصل عدمه؟ فيه وجهان. إذا عرفت ذلك، وتأملت ما نقله الإمام عن العراقيين، أمكنك- أيضاً- أن تجعل صورة الكتاب ما إذا ادعت الخلع بالوكالة، وقد صورها الجيلي بها غير أنه لم يفصح فيما ذكره؛ وحينئذٍ فيستقيم قول الشيخ. وقيل: يلزمها مهر المثل، وليس بشيء؛ لما ذكرناه عن الإمام. ولو سلمت أنها لم تصرح بالإضافة، ولكن قالت: نويت، فإن قلنا: تتوجه المطالبة على الوكيل، لم تنقطع المطالبة بما تقوله؛ وكذا لو أنكر أصل الوكالة. وإن قلنا: إن الوكيل لا يطالب فيتحالفان، أو يصدق الزوج، أو الزوجة؟ فيه الوجوه الثلاثة؛ كذا حكاه الرافعي. قلت: ويتجه جريان الوجه الضعيف المنقول عن العراقيين. قال: وإن اختلفا في قدر العوض، أو في عينه، أو في تعجيله- أي: هل هو حال أو مؤجل- أو في تأجيله- أي: بأن اتفقا على أصل الأجل واختلفا: هل هو شهر أم شهران ثملاً- أو في عدد الطلاق الذي وقع به الخلع- أي: بأن قالت: طلقني ثلاثاً بألف، وقال الزوج: بل واحدة- تحالفا- أي: إذا لم تكن ثَمَّ بينة- لأنهما اختلفا في عوض العقد، ولا بينة لأحدهما؛ فتحالفا كالمتبايعين. قال: ووجب مهر المثل؛ لأنه تعذر رد البضع إليه؛ فرجع إلى بدله [وهو مهر المثل] كما لو وقع التحالف بعد تلف المبيع. وقيل: إن كان ما يدعيه الزوج أقل من مهر المثل لا يجب له مهر المثل، بل الذي يدعيه، وقد تقدم في الصداق مثله، وعليه سؤال وهو جارٍ هنا. وحكى الحناطي وجهاً: أنه يرجع عليها بأكثر الأمرين من مهر المثل والمسمى في العقد، ولا أثر للتحالف في الطلاق، بل الواقع ما أقر به الزوج. ثم القول في أن الفسخ يحصل بالتحالف أو يفسخ إن أصرا على النزاع، وفي كيفية اليمين، ومن يبدأ به؟ على ما تقدم في الصداق والبيع.

стр. 6568

أما إذا أقام كل واحد منهما بينة على ما يقوله، فإن [كان] الاختلاف في غير عدد الطلاق [فتتعارض] البينتان أو يقرع بينهما؟ قال الحناطي: فيه قولان. وحكى ابن سريج- أيضاً- أنه يصار إلى أزيد البينتين. وإن كان في الطلاق، فإن أرخت البينتان واتفق الوقت؛ تحالفا. وإن اختلفا فالتي هي أسبق تاريخاً أولى؛ كذا حكاه الرافعي عن الحناطي. فرع: لو اقامت المرأة على ما تدعيه من الطلاق شاهداً واحداً، لم تحلف معه؛ لأن الطلاق لا يثبت بالشاهد واليمين. وإن أقام الرجل شاهداً واحداً، حلف معه؛ لأن قصده إثبات المال دون الطلاق؛ حكاه ابن الصباغ عن ابن الحداد، وفي التتمة لم يعزه. قال: وإن قال: طلقتك بعوض، فقالت: طلقتني [بعد مضي الخيار، بانت بإقراره، والقول قولها في العوض؛ لأن الأصل براءة ذمتها، وعدم] تطليقه على الفور. وصورة المسألة: أن تقول له: طلقني على ألف، ويقول: طلقتك، ثم يختلفان: فيقول الزوج: طلقتك بعوض فادفعيه لي، وتقول هي: لم تطلقني على الفور، بل بعد زمان لا يعد كلامك فيه جواباً لسؤالي؛ فلا تستحقه علي، وهو معنى قوله: بعد مضي الخيار، وسمى الزمان الذي يحصل فيه جواب الخطاب: زمان الخيار؛ لأنه ينسب لكل واحد منهما فيه الخيار من إتمام العقد وعدم إتمامه. وإذا كان الاختلاف على العكس، فقالت: [طلقتني على الفور؛ فلك المال علي، ولا رجعة]، وقال الزوج: لا، بل طلقتك بعد تطاول الفصل، أو: لم أقصد جوابك- فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الطلاق في ذلك الزمان، وهو من أهل إيقاع الطلاق. فرع: لو قال: خالعتك أمس فلم تقبلي، وقالت: بل قبلت، فهل القول قولها، أو قوله؟ فيه خلاف مادته [قولا] تبعيض الإقرار؛ كذا حكاه الرافعي في كتاب الإقرار، والله أعلم [بالصواب].

стр. 6569

كتاب الطلاق وهو في اللغة [عبارة عن] حل القيد، والإطلاق؛ ومنه يقال: ناقة طالق، أي: مرسلة ترعى حيث شاءت، وطلقت البلاد؛ أي: تركتها. وفي الشرع: اسم لحل عقدة النكاح. وهو لفظ جاهلي ورد الشرع باستعماله وتقريره كما قاله الإمام. ويقال: طلق الرجل امرأته تطليقاً، وطلقت المرأة: بفتح اللام وضمها، والفتح أفصح، تطلق بالضم فيهما طلاقاً، فهي طالق وطالقة، ورجل مطلاق [أي: كثير الطلاق للنساء. والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وغيرها من الآيات. ومن السنة] ما روي أنه- ﵇ طلق حفصة ثم راجعها، وغير ذلك من الأخبار التي تأتي في مواضعها. وأجمع المسلمون على أصل الطلاق. قال: يصح الطلاق من كل زوج بالغ عاقل مختار- أي: قاصد لحروف الطلاق بمعنى الطلاق- لما ذكرناه من الأدلة، وسيأتي أمثلة ما احترز عنه الشيخ، ﵁. قال: فأما غير الزوج فلا يصح طلاقه- أي: بغير نيابة شرعية، أو قولية- لا بالتنجيز؛ كقوله لأجنبية: أنت طالق، ولا ولا بالتعليق؛ كقوله: إن تزوجت امرأة- وعينها أو لم يعينها- فهي طالق؛ لقوله ﷺ : "لا طَلاقَ إِلا بَعْدَ

стр. 6570

نِكَاحٍ"، ولما روي عن عبد الرحمن بن عوف- ﵁ أنه قال: "دعتني أمي إلى قريب لها فراودني في المهر، فقلت: إن نكحتها فهي طالق ثلاثاً، ثم سألت النبي ﷺ ، فقال: "انْكِحْهَا؛ فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ". وبالقياس على ما إذا قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، ثم تزوجها، فدخلت [الدار]، فإنه لا يقع الطلاق بالاتفاق. وفي أمالي أبي الفرج، وكتاب الحناطي أن منهم من أثبت في وقوع [الطلاق المعلق قولين]، وفي الوسيط جعل قول الوقوع غريباً، رواه صاحب التقريب عن موافقة أبي حنيفة؛ حكاه في الإملاء. واعلم: أن بعض الشارحين للمسألة الأخيرة استدل بقوله ﷺ : "لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ" مقتصراً على ذلك، وهو غير كاف؛ لأن من قال بوقوع الطلاق يقول

стр. 6571

بموجبه؛ فإنه يقول: الطلاق إنما يقع بعد النكاح. [قال: وكذلك الصبي لا يصح طلاقه؛ لقوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ... " الخبرَ المشهور. قال في التتمة: ومعنى رفع القلم: ألا يلزمه حكم]. قال: ومن زال عقله بسبب يعذر فيه: كالمجنون، والنائم، والمبرسم، لا يصح طلاقه؛ للخبر، ولقوله ﷺ : "كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ، إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ، وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ" رواه الترمذي. ومنهذا القسم [ما] إذا أُوجِرَ الخمر، أو أكره على شربه، أو شرب ما لم يعلم أنه من جنس ما يسكر. واعلم: أن الشيخ عند النوم من الأمور التي تزيل العقل هنا، وكلامه في باب ما ينقض الوضوء يرشد إليه أيضاً. وفي كتاب الأيمان مصرحاً به، وقد اعترض على ذلك بأن النوم لا يزيل العقل، ولكن يستره، وكذلك الإغماء لا يزيله، بل يغمره، وإنما المزيل [له] الجنون، وقد صرح بذلك الغزالي في [الوسيط] والجواب عنه: أنا إذا حددنا العقل، وجدنا النوم يزيله، والصحيح في حده عند علمائنا- على ما حكاه مجلي عنهم في هذا الباب-: أنه [صفة] يتهيأ للإنسان بها درك النظريات العقلية، وتلك الصفة من قبيل العلوم الضرورية، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه حينئذ، والله أعلم.

стр. 6572

قال: ومن زال عقله بسبب لا يعذر فيه: كالسكران، ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة، وقع طلاقه. أما وقوع طلاق السكران؛ فلأن الله تعالى كلفه في حالة السكر؛ بقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولأن عليّاً- كرم الله وجهه- رأى إيجاب حد المفترى عليه، لهذيانه، ووافقه الصحابة عليه؛ فدل على أن لكلامه حكماً، وأنه مكلف، وإذا كان كذلك وقع طلاقه كالصاحي. ولأنه جعل كالصاحي بالنسبة إلى قضاء الصلوات التي مرت عليه مواقيتها في زمن السكر بلا خلاف على ما حكاه الإمام، فليكن كالصاحي في وقوع طلاقه، [وهل يقع طلاقه] في الباطن كما يقع في الظاهر؟ فيه وجهان. وأما من شرب ما يزيل عقله بغير حاجة؛ فبالقياس عليه؛ لاشتراكهما في التعدي؛ وهذه طريقة [القاضي] أبي حامد. وقيل: إنه كالمجنون، وعليه يدل [ظاهر] ما نقله المزني في المختصر، واختاره الإمام؛ لأن الطبع لا يدعو إلى تناوله، وإنما صرنا إلى الوقوع في السكر؛ تغليظاً عليه، للحاجة إلى الزجر. قال: وقيل: فيه قولان: أشهرهما: أنه يقع طلاقه؛ لما قدمناه. والثاني: أنه لا يقع، وبه قال [المزني، ويحكى عن ابن سريج] وأبي طاهر الزيادي وأبي سهر الصعلوكي، وابنه سهل؛ لأنه لا يفهم، ولا يعقل؛ فليس له قصد صحيح؛ [فأشبه المجنون]، أو لأنه مفقود الإرادة؛ فأشبه المكره؛ وهذا الطريق قال الرافعي: إنه أصح، وبه قال الأكثرون. وفي النهاية: أنه لا يُلفَى للشافعي نص: أنه لا يقع طلاقه، ولكن نص في القديم على قولين في ظهاره؛ فمن الأصحاب من نقل من ظهاره [قولاً] إلى الطلاق، وخرج المسألة على قولين.

стр. 6573

وأما سائر تصرفاته، ففيها طرق للأصحاب: منهم من قال: أفعاله: كالقتل، والقطع، وغيرهما، يسلك [به] فيها [مسلك] الصاحي. وفي أقواله: كالعتاق، والإسلام والردة، والبيع، والشراء، وغيرها- قولان. ومنهم من خص من جملة أقواله البيع ولاشراء، وقال: لا يصح بلا خلاف؛ لأنه لا يعلم ما يعقد عليه، والعلم شرط في المعاملات. ومنهم من خص القولين فيما له: كالنكاح، أما ما عليه: كالضمان، والإقرار، فهو نافذ لا محالة؛ تغليظاً عليه. وعلى هذا فلو كان التصرف له من وجه وعليه من وجه: كالبيع، والإجارة، فيحكم بنفوذه؛ تغليباً لطرف التغليظ. وفي التهذيب: أنه تصح إجارته، ولا يصح بيعه؛ لأنه يجمع ما له وعليه؛ فغلب ما له؛ وكذلك لا يصح نكاحه، ولا إنكاحه. ومن الأصحاب من طرد القولين في جميع أقواله وأفعاله كلها فيما له وعليه، قال الإمام: وأشهرها طرد القولين في الجميع، وعلى هذه الطريقة ينطبق ما يقال: إن القول اختلف في أن السكران كالصاحي أو المجنون. وفي حد السكران عبارات: فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم. وعن

стр. 6574

المزني: أنه الذي لا يفرق بين الأرض والسماء، وبين أمه وامرأته. وقيل: هو الذي يفضح ما كان يحتشم منه. وقيل: هو الذي يتمايل في مشيه، ويهذي في كلامه. وقيل: هو الذي لا يعلم ما يقول. وعن ابن سريج- وهو الأقرب، على ما حكاه الرافعي-: أن الرجوع فيه إلى العادة، فإذا انتهى إلى حالة من التغيير، يقع عليه اسم: السكران؛ فهو موضع الكلام. ولم يرض الإمام هذه العبارات، لكن قال: شارب الخمر يعتريه ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعتريه هزة وطربة، وتدب الخمر فيه، ولا تستولي عليه بعد؛ فلا يزول العقل في هذه الحالة، وربما يختل. والثانية: نهاية السكر، وهو أن يصير طافحاً، ويسقط كالمغمى عليه لا يتكلم، ولا يكاد يتحرك. [و] الثالثة: حالة متوسطة بينهما، وهي أن تختلط أحواله؛ فلا تنتظم أقواله، وأفعاله ويبقى تمييز وفهم وكلام، فهذه الحالة في نفوذ الطلاق فيها الخلاف الذي بيناه، وأما الحالة الأولى فينفذ الطلاق فيها لا محالة، وأما الثانية فالأظهر عند الإمام- وهو الذي ذكره الغزالي-: أنه لا ينفذ الطلاق. ومن الأصحاب من جعله على الخلاف. قال الرافعي: وهذا أوفق لإطلاق أكثرهم. وقول الشيخ- ﵁: لغير حاجة يحترز به عما إذا شربه لحاجة التداوي؛ فإن حكمه حكم المجنون، وقد صرح بذلك في المهذب، والغزالي في الوجيز. قال الرافعي: ولك أن تقول: في التداوي خلاف، فإن جرى ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل، [وقد اطرده] في القليل والكثير، فالمذكور [ها هنا]

стр. 6575

جواب على جواز التداوي. ويمكن أن يقدر تخصيص الخلاف بالقدر الذي يزيل العقل، وتصور هذه الصورة بما إذا ظن أن القدر الذي تناوله لا يزيل العقل، وكذلك صور بعضهم. وإن لم يجر ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل، فيشبه أن الطبع يدعو إلى شرب الخمر؛ فيحتاج فيه إلى المبالغة والزجر، بخلاف الأدوية. قال: ومن أكره بغير حق بالتهديد بالقتل، أو القطع، أو الضرب المبرح لا يقع طلاقه. ذكر الشيخ هذا الفصل لبيان أمرين: أحدهما: أن طلاق المكره بغير حق غير واقع. والثاني: ما به الإكراه. والدليل على الأول ما روي أنه ﷺ قال: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ"، قال

стр. 6576

أبو عبيدة، والقتيبي: الإغلاق: الإكراه. ولأنه قول لو قاله بالاختيار بانت زوجته، فإذا حمل عليه بإكراه باطل؛ وجب أن يلغو كالردة. وفي الجيلي: [حكاية قول: أن طلاقه] يقع، وهو محكي- أيضاً- في تعليق القاضي الحسين. والصحيح المشهور الأول، لكن بشروط: أحدها: أن يكون المُكرَه غير قادر على دفع المُكرِه بفرار أو معاونة أو استعانة بآخر. [و] الثاني: أن يغلب على ظنه أن ما توعده به إن لم [يطلق] يوقعه به، لولايته أو شدة بطشه. وعن أبي إسحاق [أنه قال:] لا إكراه إلا بأن ينال بالضرب. والثالث: ألا يقدر على أن يورِّي؛ مثل أن يكون غبيّاً أو لحقته دهشة، فإن قدر على التورية؛ مثل أن ينوي [بالطلاق من الوثاق]، أو طلاق حفصة زوجة غيره، أو يقول في قلبه: إن شاء الله تعالى، [ولو] لم يفعل فوجهان: اختيار القفال منهما: الوقوع. وأصحهما- على ما ذكره البغوي، والقاضي الروياني-: المنع؛ هكذا حكاه الرافعي.

стр. 6577

وفي الشامل والنهاية: إطلاق الوجهين من غير تفصيل، لكن الإمام أبدى التفصيل من عند نفسه. وفيما قاله الرافعي من أن يقول في قلبه: إن شاء الله نظر؛ فإن شرط [ما] تعتبر التورية به أن يكون إذا نواه المطلق في حال الاختيار يدين به في الباطن، وقوله: إن شاء الله لا يدين به في الباطن؛ على ما قاله في التهذيب مجملاً، بينه في كتاب التهذيب، ومصرحاً به في المهذب وغيره. نعم: حكي عن القفال: أنه يدين؛ فلعله أراده. [و] الرابع: ألا يظهر منه ما يدل على اختياره؛ فإن ظهر؛ بأن خلف المُكرِه، وأتى بغير ما حمل عليه؛ فيحكم بوقوع الطلاق؛ لأن مخالفته تشعر باختياره. قال مجلي: ويتجه أن يكون هذا مفرعاً على القول بوقوع الطلاق عند نيته، أما إذا قلنا بعدم الوقوع، فلا. ولمخالفته صور: إحداها: أن يقول: طلق طلقة، فيطلق ثلاثاً، [أو بالعكس] فإنه يقع الطلاق. وللإمام احتمال في الأخيرة؛ لأنه قد يقع دفع مكروهه بإجابته إلى بعض مطلوبه، ولا يقصد إيقاع الواحدة. ولو أكره على طلاق حفصة، فقال لها ولعمرة: طلقتكما؛ طلقتا. ولو قال: طلقت حفصة وعمرة، لم تطلق حفصة على ما حكاه في التهذيب والتتمة، ولم يفصل الإمام بين العبارتين. وأطلق عن الأصحاب الحكم بوقوع الطلاق عليهما وأبدى فيه احتمالاً؛ لأنه لا يبعد أن يكون مختاراً في طلاق الثانية. ولو أكره على طلاق إحدى زوجتيه، فطلق واحدة بعينها، وقع الطلاق. وفي التتمة ذكر خلاف فيه.

стр. 6578

فروع: أحدها: لو أكره على الطلاق، فأتى به، ونوى الطلاق؛ ففيه وجهان: الأصح: الوقوع. قلت: ويمكن أن يترتب الوجهان على اشتراط التورية، فإن قلنا بالوقوع عند عدم التورية فها هنا أولى، وإن قلنا بعدم الوقوع [ثم] فها هنا وجهان. وفي الذخائر: أنه ينبغي بناء الوجهين في اشتراط عدم التورية على هذا الخلاف، فإن قلنا عند نية الطلاق: لا يقع، فعند عدم التورية أولى، وإن قلنا بالوقوع [ثم] فها هنا وجهان، وما قاله ليس بأولى مما قلناه. الثاني: لو قال: طلق زوجتك وإلا قتلتك، [وطلقها]، طُلِّقت على [هذا] المذهب، حكاه في التتمة، والقاضي الحسين في التعليق. ولو أكره على الإقرار بالطلاق، فلا عبرة بإقرار الوكيل، وهل يكون بإكراهه مقرّاً بالطلاق؟ فيه وجهان. الثالث: إذا أكره الوكيل بالطلاق على الطلاق، أبدى الروياني فيه احتمالين: الأصح منهما: عدم الوقوع. قلت: ويتجه أن يتخرج هذا على الفرع الأول، فإن قلنا: [إنه] لا يقع ثم؛ لأن الإكراه أسقط أثر اللفظ؛ فكذلك هنا. وإن قلنا: إنه يقع ثم؛ لقصده ورضاه، فكذلك ها هنا. وقوله- ﵁: [بحق] يحترز به عن المُولي إذا أكره على الطلاق بعد المدة فإنه يقع طلاقه، وقد نبه على ذلك في المهذب، وفيه نظر من وجهين:

стр. 6579

أحدهما: أن الحق الواجب على المولي أحد الأمرين: إما الفيئة أو الطلاق، والإكراه يكون على الوفاء بالحق على هذا الوجه، ومن أكره بغير حق على فعل أحد أمرين من غير تعيين، ففعل أحدهما على التعيين، كان كفعله بغير إكراه؛ كما تقدم ذكره فيما إذا أكره على طلاق إحدى زوجتيه؛ فكيف [يحسن] أن يحترز عنه؟ وجوابه أنا لا نسلم أنه [إذا] أكره على فعل أحد الأمرين على الإبهام، ففعله على التعيين: أنه ينتفي الإكراه [ظاهراً] على ما حكاه في التتمة. وعلى تقدير التسليم فالفرق أن ثم يمكنه أن يطلق إحداهما على الإبهام، فحيث عدل عنه إلى التعيين، كان مختاراً فيه، وها هنا لا يمكنه أن يفعل أحدهما على الإبهام، فكان من ضرورة الإكراه التعيين. ولقائل أن يقول: ما ذكرته من الفارق موجود فيما إذا أكره على قتل أحد الرجلين، ومع هذا لا يخرج به عن أن يكون مختاراً في القتل على المذهب، وكذلك فيما [إذا] أكره على طلاق زينب أو عمرة؛ خلافاً للقاضي الحسين [فيهما] على ما حكاه في التعليق، وإذا كان كذلك دل على عدم تأثير الفرق. الثاني: أن الاحتراز إنما يحسن إذا قلنا: إن الإكراه يكون بغير القتل والقطع، أما إذا قلنا: إنه لا يحصل إلا بالقتل أو القطع، فالقاضي لا ينتهي في حق المولي إلى هذا الحد؛ فلا يحسن الاحتراز عنه. وأما الثاني- وهو ما يحصل به الإكراه-: فقد قال الشيخ: إن التهديد بالقتل والقطع- أي: غير المستحق- والضرب المبرح-[أي]: الذي يخاف منه الهلاك- يحصل به الإكراه. ووجهه: أن أهل العرف يعدونه إكراهاً؛ وهذا ما اختاره أبو إسحاق مقتصراً عليه على ما حكاه الرافعي.

стр. 6580

وفي الذخائر عزاه إليه وإلى جماعة من المحققين، وقال: ضابطه كل ما يتضمن إرهاقاً إلى الملتمس على وجه لا يبقى للمكره قدرة على المخالفة، ويكون اختياره في فعل الذي أكره عليه مضاهياً لاختيار من يطأ شوكاً؛ للفرار من الأسد، ولا يحس به. وفي كلام الرافعي ما يدل [على أن] هذا الضابط لطريقة أخرى غير طريقة أبي إسحاق. وألحق ابن أبي هريرة وكثير من الأصحاب بالقتل: الضرب الشديد، والحبس، وأخذ المال، وإتلافه. لكن الضرب والحبس يختلف باختلاف طبقات الناس وأحوالهم، والتخويف بالقتل، والقطع، وأخذ المال لا يختلف. [و] قال الماسرجسي: يختلف التخويف بأخذ المال- أيضاً- فلا يكون تخويف الموسر بأخذ خمسة دراهم منه إكراهاً، وعليه يدل كلام الشيخ في المهذب. قال القاضي: وهذا هو الاختيار. وفي المهذب تقييد الحبس [بالحبس الطويل]. أما القتل والقطع المستحق إذا هدد به: كما إذا قال ولي القصاص لمن عليه القصاص: طلق زوجتك، وإلا اقتصصت منك- فلا يكون إكراهاً، والله أعلم. قال: ومن أكره بضرب قليل، أو شتم، وهو من ذوي الأقدار، فالمذهب أنه لا يقع طلاق؛ لأنه يصير بذلك مكرهاً عرفاً، ويلتحق بذلك التهديد بقتل الوالد أو الولد أو إذهاب الجاه. وقد قيل في ضابط ذلك: إن الإكراه يحصل بكل ما لا يؤثره العاقل على ما أكره عليه، ويقتضي الحزم إجابة المُكرِه؛ حذراً منه.

стр. 6581

قال الرافعي: غير أن الأظهر على هذه الطريقة أن التهديد بإتلاف المال لا يكون إكراهاً. قال: وقيل: يقع، كما لو لم يكن من ذوي الأقدار، وهذا الوجه جارٍ في [الصور الأخرى]. وفي التهذيب الجزم به في قتل الوالد. وفي النهاية حكاية وجه عن العراقيين: أنه لا إكراه إلا بالقتل. والأرجح عند الشيخ أبي حامد وابن الصباغ وغيرهما: ما حكي عن ابن أبي هريرة. ووراء ما ذكرناه طرق أخر يرجع بعضها عند التحقيق إلى ما ذكرناه. فروع: التهديد بقتل ابن العم لا يكون إكراهاً. وفي التهديد بقتل المحرم وجهان على قولنا بأن التهديد بقتل الوالد [يكون] إكراهاً. والتهديد بالنفي عن البلد إذا كان فيه تفريق بينه وبين أهله، كالحبس الدائم، والأصح أنه إكراه، وهو ما حكاه في المهذب. وإن لم يكن فيه تفريق فوجهان: أشبههما: أنه إكراه أيضاً. والتخويف باللواط كالتخويف بإتلاف المال عند صاحب التهذيب. وحكى القاضي الحسين في التعليق [فيه و] في المرأة إذا هددت بالزنا عن المراوزة: أنه لا يكون إكراهاً. وعلى طريقة العراقيين: إن قصد بذلك تشنيعها، وظهور الزنا عليها، يكون إكراهاً، كإذهاب الحياة. وأمر السلطان ينزل منزلة الإكراه على أحد القولين، حكاهما في التهذيب.

стр. 6582

ولا يحصل الإكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة، مثل أن يقول: طلق زوجتك وإلا قتلتك غداً، ولا بأن يقول: وإلا قتلت نفسي أو كفرت، [والله أعلم]. واحترزنا بالقيد الأول من القيد الأخير عمن سبق لسانه إلى كلمة الطلاق في محاورة فكان يريد أن يقول طلبتك، فقال: طلقتك، فإنه لا يقع طلاقه، ولكن لا تقبل دعوى سبق اللسان منه في الظاهر إلا إذا وجدت قرينة تدل عليه؛ فحينئذ يجوز تصديقه، ولمن سمعه ألا يشهد عليه؛ هذا هو الاختيار على ما حكاه الروياني عن الحاوي وغيره. وظاهر كلام الشافعي عدم القبول مطلقاً؛ وهذا بخلاف ما إذا كان اسم امرأته يقارب حروف الطلاق: كالطالع، والطالب، والطارق، فقال: يا طالق، ثم قال: أردت أن أناديها باسمها فالتقت الحروف بلساني؛ فإنه يقبل قوله في الظاهر؛ لقوة القرينة وظهورها. وبالقيد الثاني منه عما إذا كانت زوجته تسمى: طالِقَ فقال: يا طالق وقصد النداء بالاسم، فإنه لا يقع الطلاق. ولو قصد الطلاق وقع. وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، فعلى أي المحملين يحمل؟ فيه وجهان: أشبههما في التهذيب: الحمل على النداء. وفي "النهاية": تقريبهما مماإذا قال: أنت طالق، [أنت طالق] ولم ينو بالتكرار التأكيد، والأظهر هناك أنه يقع طلقتان. ولو قال لها: أنت طالق، وقال: أردت به: اسمك: طالق، ففي الباطن يصدق، وفي ظاهر الحكم وجهان في التتمة. أما الهازل فيقع [طلاقه] ظاهراً وباطناً؛ لقوله ﷺ : "ثَلاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ، وَالعَتَاقُ، وَالنِّكَاحُ".

стр. 6583

وصورته أن تداعبه زوجته، فتقول له: طلقني ثلاثاً، فيقول لها: أنت طالق، وقصده: أنه لا يقع. وطلاق الجاهل والناسي واقع على المذهب المشهور، وذلك مثل أن يخاطب امرأة بالطلاق على ظن أنها زوجة غيره، أو كانت في ظلمة، أو في حجاب، أو نسي أن له زوجة، فطلقها، أو قبل له أبوه في صغره، أو وكيله في كبره نكاح امرأة، وهو لا يدري، فقال: زوجتي طالق، وللإمام فيه احتمال؛ لأنه إذا لم يعرف بالزوجية لا يكون قاصداً لقطعها، وإذا لم يقصد الطلاق وجب ألا يقع. قلت: واحتماله في صورة الجهل يشابه ما حكي عن ابن الحداد فيما إذا نادى زوجته زينب، فأجابته عمرة، فقال لها: أنت طالق، وقال: ظننتها زينب مقتصراً عليه؛ فإنه حكي أن زينب لا تطلق، وهل تطلق عمرة؟ فيه وجهان: فوجه عدم الوقوع يشابه [هذا] الاحتمال، بل هو هو. وإذا قلنا بالوقوع فهو في الظاهر، وهل يقع في الباطن؟ أطلق أبو العباس [الروياني] فيه وجهين. وفي التتمة بناهما على أن الإبراء عن الحقوق المجهولة [هل] يصح؟ إن قلنا: لا [يصح] فلا يقع طلاقه. فرع: العجمي إذا لقن كلمة الطلاق، وهو لا يعرف معناها، لا يقع [طلاقه].

стр. 6584

قال المتولي: [وهذا] إذا لم يكن له مع أهلها اختلاط، فإن كان لا يصدق [في الحكم] [و] يدين. ولو قال العجمي: أردت بهذه الكلمة معناها بالعربية، ففي وقوع الطلاق وجهان: أصحهما- وبه قال الشيخ أبو حامد-: أنه لا يقع. وفي النهاية عند الكلام في الطلاق بالحساب: أنه لا يقع بلا خلاف، واتفق عليه الأصحاب. ولو قال: [لم] أعلم أن هذه الكلمة معناها قطع النكاح، ولكن نويت بها الطلاق، وقصدت قطع النكاح- لم يقع. قال: ويملك الحر ثلاث تطليقات- أي: سواء كانت زوجته حرة أو أمة- لما روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه سولم فقال: أرأيت قول الله- : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأين الثالثة؟ قال: "تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ". قال في "الشامل": وهذا ما فسرت به عائشة وابن عباس. وذهب جماعة إلى [أن] قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، المراد به ترك المراجعة حتى تنقضي العدة؛ فتملك نفسها، والثالث قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذه الآية نسخت المراجعة بعد الثلاث؛ فإنه كان في صدر الإسلام يطلق الرجل امرأته في العدة، ولو بلغ الطلاق عشراً. ولأنه حق خالص للزوج يختلف بالرق ولاحرية؛ فوجب أن يعتبر فيه رقه وحريته كعدد المنكوحات. قال: ويملك العبد طلقتين؛ لما روت عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ قال: "طَلَاقُ العَبْدِ اثْنَانِ".

стр. 6585

ولما روى الشافعي- ﵁ أن مكاتباً لأم سلمة طلق امرأة حرة طلقتين، وأراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي ﷺ أن يأتي عثمان، فيسأله، فذهب إليه فوجده آخذاً بيد زيد بن ثابت، فسألهما عن ذلك، فابتدراه، وقالا: [حرمت عليك، حرمت عليك]. قال: وله أن يطلق بنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ﴾، ولقوله ﷺ في حديث ابن عمر: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعُهَا، ثُمَّ ليُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا". قال: وله أن يوكل؛ لأنه رفع عقد؛ فجاز التوكيل فيه، كالرد بالعيب. ويشترط في طلاق الوكيل أن ينوي أنه يوقع الطلاق عن موكله على أحد الوجهين، وهما منقولان في الرافعي متصلاً بالكلام في النية في الكناية؛ وكذا حكى فيما لو قال الوكيل: طلقت من يقع عليها الطلاق بلفظي، فهل تطلق المرأة التي وكل بطلاقها؟ فيه وجهان. قال: وإن وكل امرأة في طلاق زوجته، فقد قيل: يصح؛ لأنه لو قال لزوجته: طلقي نفسك، فقالت: طلقت- يجوز، ويقع الطلاق، وذلك- على ما سيأتي- إما تمليكٌ، أو توكيل. إن كان توكيلاً فذاك. وإن كان تمليكاً، فمن جاز تمليكه الشيء جاز توكيله فيه؛ وهذا هو الأصح في الرافعي على ما حكاه في كتاب الخلع، وفي النووي أيضاً. قال: وقيل: لا يصح؛ لأنها لا تملك الطلاق شرعاً؛ فلا تكون وكيلة فيه؛ كالنكاح.
следующие страницы →